Saturday, March 28, 2009

ISSUE 13| Knowing | Best of 1969| Out of Past

FLASHBACK


THE RULES OF THE GAME (1939)
أخرج جان رنوار هذه الكوميديا الساخرة حول أثرياء يعيشون في عالم آخر غير مبالين بهبوب رياح الحرب العالمية الثانية وفي المقابل وزّع قصصاً ومواقف لمجموعة من الخدم في بانوراما استعراضية تنتقل من الكوميديا الى التراجيديا ومن الخيالي الى الواقعي بتدرّج مثالي. منع الفيلم حين إطلاقه ولم يُعرض في فرنسا بنسخته الكاملة التي أنجزها رنوار حسب شروطه ورؤيته الا سنة 1956


المهنة ناقد | كلام وذكريات في الأفلام ومهرجانات السينما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1969
أعتقد أن هناك أفلاماً لم يشاهدها أحد سوى حفنة من الناس لا تزيد عن خمسين. خمسين من بين ستة بلايين نسمة حول العالم. هذا لا شيء٠
مثلاً سمعت عن فيلم آندي وورهول »إمباير ستايت« الذي حققه في نيويورك في السبعينات وتولّى فيه وضع كاميرا أمام ناطحة السحاب النيويوركية لتصوير الداخلين والخارجين٠ لا شيء آخر٠ ليس لعشر دقائق، ولا لنصف ساعة، ولا حتى لساعة او ساعتين او ثلاث.... بل لثماني ساعات٠
الغالب هو أن يكون المرء مجنوناً أكثر من جنون وورهول لكي يجلس ويرى هذا الفيلم٠
وفي مطلع سنواتي بالنقد السينمائي كنت لا أخجل الخروج من أي فيلم أراه مضيعة للوقت- طالما أنني بالطبع لن أكتب كلمة عنه. مثلاً كنت والصديق فاروق عبد العزيز في ثاني دورة لمهرجان كان حين عرض ميشيل ميلر فيلماً يبدأ برجل يرمي من أعلى مكتبه (في ناطحة سحاب أخرى إنما في باريس) مجموعة من الأوراق٠ ينتقل المخرج الى تلك الأوراق ليصّورها وهي تسقط متمهّلة ومتمايلة. يقطع الى الرجل في مكتبه ثم يقطع الى تلك الأوراق التي لا تزال تحاول الوصول الى الأرض، ثم إليه من جديد، ثم إليها وهكذا ضاعت الدقائق العشر الأولى. الى الآن لا أعرف ما إذا كانت تلك الأوراق وصلت الى أرض الشارع حين انتهى الفيلم بعد ساعة ونصف او كانت لا تزال تحاول٠
في قبرص منذ سنوات قريبة قررت مشاهدة فيلم وسترن سباغتي معروضاً في صالة في لارناكا٠ دخلت الصالة فوجدت الفيلم قد بدأ قبل الموعد المحدد. لا بأس -قلت في نفسي- لا يوجد مكان آخر ألجأ إليه سوى البحر والكباب، وقد أخذت منهما ما يكفي٠ لكن المشهد الذي كان فيه المجرم يلتوي مثل »الزنبرك« بعدم أصيب برصاص البطل انتهى وانتقلنا الى مشهد فيلم بورنو (يوناني) مصوّر في الزمن الحالي٠ وقبل أن ينتهي هذا المشهد او يبلغ ذروته ورد مشهد آخر من فيلم أسباني استمر ثلاث دقائق قبل أن ينتقل العارض الى تكملة حكاية فيلم الوسترن بشخصياته المطليّة بالإداء المفتعل وبذلك الرصاص الذي دائماً ما تسمعه يئن ويزن حتى بعد دخوله الأجساد٠
في ليبيا، المرّة الوحيدة التي دخلت فيها صالة تجارية شاهدت فيلماً حديث الزمان والمكان حول مجموعة من الشباب والبنات يقررون المضي في رحلة سياحية بالسيارة الى الصحراء الأميركية. يصلون الى بلدة صغيرة وبعد مغادرتها يجدون أنفسهم مطاردين من قبل هنود حمر على صهوات الفرس: المفاد أن الهنود في تلك المنطقة لا زالوا في حالة حرب. هذا الفيلم خرجت منه أيضاً قبل نهايته فقط لأتأكد أنني لست في البلدة ذاتها٠

ذات مرّة خرجت من المكتبة التي كنت أعمل فيها صبيّاً في شارع بلِس قرب الجامعة الأميركية ودخلت سينما أورلي التي كانت تعرض فيلماً لم أسمع عنه مطلقاً من قبل عنوانه
The Activist | الحركي
كان فيلماً عن الطلاب في الجامعة خلال أيام التظاهرات الأميركية ضد العنصرية وحرب فييتنام. لا ريب أن المخرج قصد خيراً لكن الفيلم واحد من أسوأ الأفلام التي شاهدتها في حياتي. ولاحقاً ما علمت أنه كان فيلمه الأخير من أصل أربعة أفلام قدّر له إخراجها٠
طبعاً كنت أعرف أن الفيلم ليس من تحقيق مخرج معروف لكني كنت، ولا زلت، شديد الإهتمام بمعرفة مخرجين لم أسمع عنهم من قبل. بعد مشاهدة فيلم ما لأحدهم إما أسعى لمشاهدة أي شيء تصل عيناي إليه من أعماله، او أشاهدها إذا ما وصلت لي٠
هذا الفيلم المجهول لليوم من إنتاج العام 1969 ولا أدري أي موزع اشتراه او لماذا. الواضح أنه كان أخذه على حساب البيعة لأفلام أخرى، او أنه اشتراه بما يوازي صحني فول وكوبي عصير له ولمنتجه٠ المهم. في ذلك العام خرجت تم إنتاج ألوف الأفلام جيدة او مهمّة او مثيرة للإهتمام وهذه عشرة أولى منها ٠

Adalin 31 | Bo Widerberg ****
أدالين 31 : هل تصدّقون أنه في ذلك التاريخ كانت هناك أفلاماً سويدية (برغمان وغير برغمان) تعرض في بيروت وربما في سواها؟ هذا الفيلم النقدي النيّر والنادر من السويد دار حول قيام العسكر السويدي بفتح النار على متظاهرين خلال مظاهرات عمّالية - طبعاً من بعد التمهيد والتعريف بالظروف كون الفيلم روائياً. الفيلم فتح شهيّتنا، مع سواه، للأفلام ذات القضايا٠




Andrei Rublyov | *****
أندريه روبليوف: فيلم أندريه تاركوڤسكي الأول عن الرسام وصانع الأيقونات روبليوف (الرائع أناتول سولونتزين) يستخدمه تاركوڤسكي -كما يستخدم فديريكو فيلليني (أدناه) لقراءة التاريخ ومواقف المجتمع حيال سواء أكانت مع او ضد. لكنه عنوة عن أي فيلم آخر، هو فيلم بحث عن علاقة الإنسان بروحانيات شفّافة ومن خلالها علاقته بالله تعالى٠



Butch Cassidy and Sundance Kid | George Roy Hill ***
بوتش كاسيدي وسندانس كيد: حينها لم أعجب بالفيلم ولا يزال اعجابي به محدوداً بعد عدّة مشاهدات. وسترن عن حياة خارجين عن القانون (روبرت ردفورد وبول نيومان) مصنوع للتلميع مع نفحات كوميدية.
رأيتها -ولا زلت- مصنوعة لكي تخدم الممثلين في تشخيص خفيف من شأنه تقديم المجرمين في لون عاطفي مرح٠ على ذلك، إخراج جورج روي هِل سينمائي بحت يستفيد من خامات وعناصر فنية في التصوير والموسيقى على أفل وجه







Il Conformista | Bernardo Bertolucci ****
مثل »زد« أدناه جاء »الممتثل« هو أيضاً عن الفاشية اليمينية لكن قصّته المأخوذة عن رواية لألبرتو مورافيا تعمد الى منوال مختلف للوصول الى غايتها: الرجل الصاعد على اكتاف النظام الفاشي حبّاً في الوصول الى حيث يعتقد أنه المكان الآمن من رحلة حياته الممتزجة بالأخطاء والإرهاصات النفسية٠ بطولة جان لوي ترتنيان٠






ِ Easy Rider | Dennis Hooper ****
كوني شابّا نال مني »إيزي رايدر« إعجاباً مزدوجاً: فيلم جيّد بلا ريب ولا يزال منفرداً في نوعيّته داعياً الى التحرر من التقاليد الإجتماعية ومنتقداً النظام الاستهلاكي الطبقي في أميركا .... الى آخره، لكنه أيضاً فيلم شبابي عن ثلاثة رجال (بيتر فوندا، دنيس هوبر وجاك نيكولسون) على دراجات نارية منطلقة في الغرب الأميركي٠ الفيلم أنجز نجاحاً فاق ميزانيّته (بضعة ألوف) بعشرات المرّات وعليه انطلقت فورة من الأفلام التي أرادت التشبّه به- لكن الرسالة السياسية تم تسجيلها هنا٠




Lucia | Humberto Solas ****
فيلم كوبي من مخرج لا يزال حيّاً وقليل العمل (طبعاً) أسمه أومبرتو سولاس. ثلاث شخصيات اسم كل منها لوسيا ومتابعة فصول من حياتها ما هو الا واجهة لمتابعة الحياة قبل وخلال وبعد الثورة الكوبية في تلك الفترة. البانوراما المرسومة تتبع مزيجاً من الأساليب والكاميرا دائمة الحركة إنما في دراية لما تريد إنجازه٠




Ma Nuit Chez Maud | Eric Rohmer ****
ليلتي مع مود: كان أول احتكاك لي بأفلام المخرج الفرنسي إريك رومير. كأفلام أخرى له يضع القصّة في إطار أيام معدودات يميّزها بالوقت من السنة (هناك شتاء مدينة كليرمون مع جان- لوي ترتينيان، دارس رهبنة يريد الزواج من ماري كرستين بارو٠






Midnight Cowboy | John Schlesinger ****
كاوبوي منتصف الليل: يصل الكاوبوي جون فويت الى نيويورك متسلّحاً بوسامته وطوله وحقيقة آنه آت من تكساس وبقدر من الرجولة ليخط لنفسه حياة جديدة. كل ذلك لا يوصله الا للتشرذم مع صعلوك أعرج يحاول أولاً نشله (دستين هوفمن). دراما عن الصداقة ولحظات الحياة الصعبة وربما أفضل فيلم عن المهمّشين في السينما الأميركية الى اليوم٠







Satyricon | Federicco Fellini ****
ساتيريكون: قاس ومفجع وغريب لكنه تراثي وعمل استثنائي من فديريكو فيلليني من غير أن يكون خروجاً عن سينماه٠ إنها روما الأولى حيث اسباب اللذة تحول دون البحث عن الأخلاقيات. فيلليني يعرض لكي ينتقد وإذ يفعل تكتشف أنه لا يزال يتحدّث الخطاب ذاته في كل أفلامه: انهيار الإنسان من داخله تبعاً لأخطائه٠






'Z | Costa - Gavras ****
لم يصدّق كثيرون أن السينما يمكن أن تكون سياسية الى هذا الحد حين خرج »زد« الى العلن. لم يكن أوّل فيلم سياسي بالطبع، لكنه كان فيلماً مباشراً ضد قمع الحريّات في حكومة يمينية فاشية (اليونان حينها) في هذا الإنتاج الفرنسي الذي قاد بطولته إيف مونتان أحد كبار نجومها آنذاك٠ بعد هذا الفيلم سارت خطوات المخرج على هذا النحو من الأفلام لبضع سنوات لكن هذا يبقى أشهرها٠







ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم الأسبوع | محمد رُضا


KNOWING | Alex Prayos (2009) ****

على كثرة ما قرأ نيكولاس كايج في وثائق وخرائط، وعلى كثرة ما فسّر ألغازاً وقرأ في المستقبل، ومع تعدد المرّات الذي أنقذ فيها هذا العالم من الدمار، صار مسموحاً لنا أن نرتاب في أي فيلم جديد نراه فيه يحمل خريطة، او وثيقة، او يعتمد فيه على رؤيته للمستقبل لكي ينقذ العالم من الخطر الذي يحيق به٠
هل هناك داع للتذكير؟ ربما لا، لكني سأفعل على أي حال: في »كنز قومي« [جون ترتلوب- 2004] نقّب عن خارطة تتعلّق بكنز مخفي يعود الى مئات السنين. في »كنز قومي: كتاب الأسرار« [ترتلوب- 2007] وجد الصفحات المفقودة من مذكرات قاتل الرئيس الأميركي لينكولن التي كشفت له عن ألغاز غير محلولة٠

بينهما، وجدنا في »رجل الألياف« [نيل لابوت- 2006 عن سيناريو للمسرحي أنطوني شافر] وجدناه يبحث في اختفاء فتاة ليجد نفسه فوق جزيرة منعزلة ويقع -نتيجة تحرياته- في قبضة الأحياء فوقها٠ بينهما أيضاً تابعناه في »التالي« [لي تاماهوري- 2007 عن رواية لفيليب ك. دِك مؤلّف »توتال ريكول« و»بلايد رانر«، »تقرير الأقلية« بين أخرى كثيرة] وهو يستطيع أن يعرف ما الذي سيقع قبل دقائق من وقوعه٠
ما الذي إذاً، قد تتساءل، سيجعل فيلمه الجديد الذي نراه فيه يحمل وثيقة ويرى المستقبل، مختلفاً؟
الجواب هو مخرج الفيلم. هذا هو الإختلاف الأهم في كل مرّة. المخرج هنا هو أليكس بروياس. مخرج يوناني الأبوين ولد في مصر العزيزة ورحل مع أهله صغيراً الى استراليا (تماماً كما فعلت أسرة أول صديق لي وأنا في الخامسة) وهناك عمل في التلفزيون وفي إخراج أفلام قصيرة ثم أنجز »الغراب« سنة 1994 حيث كتب البعض عنه أنه "ستانلي كوبريك الجديد" وتبعه بفيلم أسمه
Dark City | مدينة مظلمة
سنة 1998 وانتظر الى أن هضمت هوليوود خيبة أملها في نجاح تجاري كبير لذلك الفيلم قبل أن يعود
I, Robot في
لينتزع ذلك النجاح المأمول سنة 2004
ألكسندر بوياس إسم جدير بالحفظ لأنه لمخرج يحاول أن يمنح المشاهد فيلماً تشويقياً من عمق الموقف وليس بتحريك الكاميرا وتصوير المشهد بعشرات اللقطات المتلاحقة معتمداً على مونتاج تلفزيوني جاهز بلا حس او رؤية٠
بروياس مختلف لأنه فنّان. ولا يهم إذا كان يصنع أفلاماً للمثقّفين او لغيرهم. المهم أن ما يصنعه جيّد ومتين. فيلمه الأسبق »مدينة مظلمة« كان تحفة لم تستحق ما حدث لها جماهيرياً. هذا الفيلم، »معرفة«، عل تحفة تؤكد نفسها والفيلم السابق. حتى »أنا روبوت« كان فيلماً جيّداً ولو أنه لم يكن بجودة هذين الفيلمين٠


أعتقد أي مخرج كان يستطيع أن يحقق »أنا، روبوت« لكن فقط بروياس يستطيع أن يحقق »مدينة مظلمة« و»معرفة« على النحو الذي حققهما به٠
هنا حكاية من كتابة دوغلاس بيرسون تمّت إعادة كتابتها نحو خمس مرّات على نحو رئيسي. تستطيع أن تدرك أن الأصالة مفقودة في مطارح كثيرة. أقصد أصالة الفكرة وبعض أطراف الحبكة، لكن الفيلم، أي فيلم، هو عما تستطيع إنجازه حتى حين تكون القصّة -او أجزاء منها مطروقة٠
في الخمسينات. مدرسة للصغار قررت أن تطلب من تلامذة أحد صفوفها رسم ما يعتقد كل منهم أن المستقبل سيكون عليه٠ إحدى البنات، وأسمها لوسيندا (لارا روبنسون تبدو مثل أرنب مذعور وهذا أوّل فيلم سينمائي لها) تكتب أرقاماً متتالية على ورقتها. أرقاماً متواصلة تكتبها وهي ترتجف كما لو أنها تنفّذ تعاليماً تُعطى لها في سرعة. المدرسة ستضع كل هذه الرسومات وورقتها الغريبة في كبسولة وتضع الكبسولة في حفرة في المدرسة ولن تفتحها لتقرأ ما فيها الا بعد خمسين سنة٠
نحن الآن في ذلك الحين الذي ستعمد فيه المدرسة، في إحتفال خاص، الى فتح الكبسولة وفحص الرسومات٠ ورقة الأرقام تصل الى يدي التلميذ كالب (شاندلر كنتربيري). والده جون (نيكولاس كايج) مدرّس مادة العلوم . وفي مطلع الفيلم يتساءل عما إذا كانت الحياة مُسارة بقوّة إلهية او هي نتيجة حركة عشوائية. سؤال يطرحه على الطلاب ثم يصمت، لكن ليس من قبل أن يورد في الأمثلة ملاحظة حول كيف أن الشمس وُجدت على بعد محدد من الأرض، لو تغيّر هذا البعد قليلاً لاحترقت الأرض تماماً٠
بصمته علامات حيرة وفي البيت هو كثير الشرب يحاول أن ينسى ما موت زوجته (أم إبنه) ويبدو أن إبنه أكثر قدرة على التغلّب على تلك الذكرى -او مواجهتها بهدوء- أفضل من قدرة الأب. في تلك الليلة يعود إبنه من المدرسة ومعه ورقة الأرقام التي وضعتها لوسيندا قبل خمسين سنة. جون لا يعير الورقة باديء الأم أي اهتمام لكنه يبدأ بملاحظة بعض تلك الأرقام. حين يطلع نور الصباح يكون تأكد أن الأرقام ما هي الا تواريخ لكوارث وقعت (مثل كارثة الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر) وعدد ضحايا كل كارثة٠
غريب. أليس كذلك؟ أقصد أن الفكرة التي بدأت كما لو كانت مجتزأة من فيلم آخر، أنتقلت الى عنصر يفتح على المجهول من الأحداث، خصوصاً وأن بعض الأرقام التي لا أحداث لها حتى الآن، ما هي الا تأريخ لكوارث أخرى ستقع٠

أليكس بروياس
بطبيعة الحال سيحاول جون منع بعض هذه الكوارث. وبطبيعة الحال لن يصدّقه أحد، لكن -ومن دون سرد القصّة وإفساد عنصر المفاجأة فيها- سوف يفاجئنا المخرج بروياس بعدد من المشاهد المؤلّفة مما يُطلق عليه
Set pieces
حيث الفصل أكبر من أن تحتويه العين من أي زاوية وحيث مشاهده تتلاحق وتتزاحم وتتضخّم لتجد نفسك شاهداً على مواد بصرية أكبر من الحياة٠
الطريقة التي يصوّر فيها المخرج مشهده يحتوي في الوقت ذاته على عناية بالعام والخاص، ومقدّمة المشهد وخلفيّته، والتفصيلة الفردية كما الحركة الجماعية. تجد نفسك - في مشهد تحطّم طائرة- كما لو كانت أول مرّة تشاهد طائرة تتحطّم في أي فيلم. وفي مشهد تحطّم القطار، كما لو أنها المرّة الأولى التي تشاهد فيها قطاراً يتحطّم في أي فيلم. في ذات الوقت قبضة المخرج على محنة الفرد لا تخف ولا يُجيّر الأزمة الفردية لصالح البصريات السهلة وعناصر التشويق
لجانب أنه لا يميل الى الإتكال كثيراً على اختصار زمن كل لقطة فتخال نفسك أمام فيلم إعلانات، يدعوك بروياس لعالم يخسر أدوات حياته. عالم خال من البهجة. بطبيعة الحال هذا ما تشاهده على سمات بطل الفيلم جون، لكن تعال وشاهده مرتسماً على الجدران، متوغلاً في الغابات، منتشراً في أجواء المدارس والبيوت والمكاتب٠ عالم بروياس هنا مثل عالمه في »دارك سيتي« مثل عالم بيلا تار في المجر وعالم ألكسندر سوخوروف في روسيا: عالم لا بهجة فيه. ليس فقط أن الإضاءة داكنة لتساعد في تأمين الحاجة (تصوير رائع من الاسترالي سايمون دوغان) بل عنصر الإدارة الفنية الذي يؤمن لون الجدار وما يعلّق عليه (قامت به ميشيل مكغاهي) متلازم ومناسب. المشهد الذي يحضن فيه الأب إبنه حين يلجأ الأول الى الثاني لإشعاره بحمايته (بينما يشعر هو بأن العالم كله صار بلا حماية) يعكس ما أعنيه٠
لكن لماذا أحتفي بغياب البهجة عن الفيلم؟ ما الذي يعنيه لنا إذا ما صوّر المخرج العالم بنظرة غير داكنة وترك الأحداث تعصف به وتضربه كيفما شاءت؟
قراء هذا الناقد لابد لاحظوا، للآن، كيف أحتفي بالفيلم ذي السمة الداكنة (وليس مظلماً مسودّاً بالضرورة) ذلك الذي يصوّر العالم رمادياً. في فيلم سوخوروف عن هتلر »مولوك« (1994) معظم المشاهد داخلية داكنة ، حين يقرر الخروج الى الطبيعة (في فصل واحد من المشاهد) تطالعنا الطبيعة شاحبة. الشمس وراء حجاب من الغيوم٠


الغاية هي وصف زمني (مرحلة هتلر) وشخصي (عالم هتلر) يرى المخرج أنه لابد من تصويره على هذا النحو٠ هنا في »معرفة« الحال واحد (ولو كان الفيلم أكثر تنوّعاً) والغاية هي عدم رغبة المخرج في الإنفصام عن رسالته٠ تستطيع بالطبع تحقيق الفيلم ذاته مع جعل الألوان فاقعة والديكورات أكثر إضاءة والجو بأسره أكثر فرحاً. ثم تأتي الكارثة تلو الكارثة فتقلب كل تلك السعادات رأساً على عقب. هذا ممكن، لكن ما في بال المخرج هنا هو التعبير أساساً عن عالم لا يُثير الرضى ما يشكّل حالة جمالية خاصّة أكثر مما لو بدا الفيلم كما لو كان مجموعة من الصور البطاقات السياحية ولو في مطلع الأمر٠
الأمر الوحيد الذي وجدته لا يتساوى وباقي الحسنات في الفيلم هي معالجة تلك الشخصيات الآتية من الفضاء لكي تمنح بعضنا (لن أقول من) فرصة إعادة تكوين الحياة على الأرض. حال يكشف الفيلم اللثام عنها يتبيّن لك ضعفها بالمقارنة مع عناصر الفيلم الأخرى. إنه كما لو أن هناك طاولة وإحدى قوائمها أضعف او أنحف من قوائمها الثلاث الأخرى٠
قام بروياس بتصوير الفيلم بأسره (تقريباً) في استراليا وهو مصوّر دجيتال بنظام حديث أسمه
ٍRed One
في مقدوره العمل على نظام الـسوبر 35 من دون نفخ لاحق. نظام السوبر 35 هو البديل لنظام الـ 70 مم في السينما وهو المعتمد في غالبية الأفلام التي تنشد الشاشة عريضة (الذي كان أعرض وأجود -وأكثر كلفة- مما يؤمنه نظام 35 مم)٠ والنتيجة جيّدة هنا لكن حين التدقيق في الصورة قد تستطيع التمييز، وإذ تفعل قد تتمنّى لو أن الفيلم صوّر سينمائياً لأن للنتيجة عيوبها على صفحة الصورة ذاتها. هذا على الرغم من »الرزوليوشن« العالي لهذه الكاميرا٠
لست خبير كاميرات ومن المحتمل أن أكون على خطأ في هذا الإستنتاج . في شتّى الأحوال، وعلى الرغم مما ذكرته، الا أن المرء لا يمكن له التقاط عيوب تقنية في هذا العمل. كل شيء يعمل جيّداً وتبعاً لعين مخرج يريد توظيف المشاهد الكبيرة لخدمة الرسالة التي ينشدها وليس كمجرد استعراضات٠


استعادة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ASSASSINATION OF RICHARD NIXON | إغتيال رتشارد نيكسون
فيلم سابق مع شون بن في البطولة حول خطّة لقتل الرئيس


‮»‬إغتيال رتشارد نيكسون‮« ‬هو الفيلم الأول لمخرجه مولر‮ ‬وهو‮ ‬يدور عن الإحباط الفردي‮ ‬في‮ ‬تلك الفترة (الستينات) وآلام إنهيار الحلم الأميركي،‮ ‬وتعثّر المواطن العادي في‮ ‬ركابه‮. ‬بطله بيك‮ (‬شون بَن‮) ‬يعاني‮ ‬من عدّة عوامل تسببت في‮ ‬جنوحه والفيلم لا‮ ‬يدينه في‮ ‬أي‮ ‬منها او‮ ‬يمنح أي‮ ‬عامل منها مبرراً‮ ‬منفرداً‮. ‬كلها تُضاف الى الجو السياسي‮ ‬المشحون في‮ ‬تلك الفترة والإجتماعي‮ ‬المحبط الذي‮ ‬كان‮ ‬ينأى تحته عديدون مما‮ ‬يفسّر لم قام سام بمحاولته تلك ودفع حياته في‮ ‬النهاية ثمنا لما اعتقده ممكناً‮. ‬نتعرّف على سام بيك في‮ ‬العام‮ ‬1973‮ ‬عامل مبيعات في‮ ‬شركة مفروشات‮ ‬يتعرّض لتحامل رئيسه جاك‮ (‬تومسون‮) ‬الذي‮ ‬يعتبره عاجزاً‮ ‬عن التحوّل الى بائع واثق من نفسه وناجح‮. ‬لكن‮ ‬أحلام سام البسيطة هي‮ ‬العودة الى زوجته ماري‮ (‬واتس‮) ‬وأولاده الثلاثة منها،‮ ‬وفتح محل لبيع عجلات السيارات مع صديقه الأفرو-أميركي‮ ‬بوني‮ (‬شيدل‮). ‬يكتشف أن زوجته على علاقة عاطفية أخرى‮. ‬يحاول الحصول على قرض من المصرف لإفتتاح محله الخاص،‮ ‬لكنه المصرف،‮ ‬بعد أشهر من الإنتظار،‮ ‬يرفض طلبه‮. ‬يأمر سام بكمية من العجلات تٌسلّم الى كاراج صديقه بوني‮ ‬على حساب شقيقه جوليوس‮ (‬وينكوت‮) ‬الذي‮ ‬يقطع علاقته معه وسريعاً‮ ‬من بعد ذلك‮ ‬يخسر عمله‮.‬

يأتي‮ ‬الفيلم على ذكر الأجواء السياسية وانعكاساتها وعلى ملامح من الفترة التي‮ ‬تبنّت فيها أميركا قضايا إجتماعية وثورية مثل المساواة العنصرية ورفض حرب فييتنام في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يسرد فيه نتفاً‮ ‬من حياة سام‮. ‬إنه إبن عائلة فقيرة من فيلادلفيا ترك المدرسة دون تخرّج ثم الجيش الذي‮ ‬أنضم إليه‮. ‬تزوّج وأنجب ودخل المصحة النفسية لشهرين بسبب حالة‮ »‬اليأس‮« ‬التي‮ ‬أصابته‮. ‬كان‮ ‬يعتقد أن حكومة الرئيس نيكسون تمارس مؤامرة لاضطهاد الفقراء‮. ‬في‮ ‬العام‮ ‬1972‮ -‬وكما نرى في‮ ‬الفيلم‮- ‬أخفق بيك في‮ ‬الحصول على قرض مصرفي‮ ‬فتعزز لديه الشعور بأن رتشارد نيكسون والحكومة الأميركية تقصد تقويض الطبقة العاملة الأميركية فأرسل إنذاراً‮ ‬للرئيس الأميركي‮ ‬أثار إنتباه الأمن الخاص لكنه لم‮ ‬يعتبر بيك‮ ‬يشكل خطراً‮ ‬حقيقياً‮. ‬الفيلم‮ ‬يأتي‮ ‬على هذه المسائل والإشارات في‮ ‬سيناريو جيّد الكتابة والإعداد،‮ ‬لكن المشكلة هي‮ ‬أن المخرج‮ ‬يخفق في‮ ‬صياغة الأسباب الداعية لتقديم هذه القصة‮. ‬تغيب عن الفيلم الحاجة والضرورة الملحّة‮. ‬وتلك الحاجة كان‮ ‬يمكن لها أن تتبلور لو أن المخرج مولر سعى لربط الماضي‮ ‬بإيحاءات معاصرة،‮ ‬او لو أنه انتقل من الخاص الى العام في‮ ‬تلك الفترة مصوّراً‮ ‬وضعاً‮ ‬إجتماعياً‮ ‬شاملاً‮. ‬عمل بلا فطنة لكن مع الكثير من حسن التنفيذ والجهد الذي‮ ‬يضيع معظمه في‮ ‬طيّات البحث عن السبب‮. ‬الفرص الضائعة من هذا الفيلم كثيرة وبعضها في‮ ‬صميم الحادثة التي‮ ‬ينتهي‮ ‬الفيلم بها وهي‮ ‬محاولة خطف طائرة مدنية وتدميرها فوق البيت الأبيض‮. ‬هنا كان بإمكان السيناريو أن‮ ‬يربط بين تلك الحادثة والمحاولة المماثلة التي‮ ‬جرت في‮ ‬9/11‮ ‬ولو من باب أن هناك سابقة‮ (‬في‮ ‬بعض القراءات‮ ‬يتبيّن لنا أن الحكومة الأميركية لم تعلم الناس آنذاك أن خطة بيك كانت الهجوم على البيت الأبيض‮). ‬
في‮ ‬مواجهة ذلك كله،‮ ‬فإن المخرج ومدير تصويره نجحا جداً‮ ‬في‮ ‬تصوير عالم سام الشخصي‮ ‬بتعاسته وإحباطاته وتثاقل خطواته صوب النهاية‮. ‬العالم الفردي‮ ‬للشخصية مُعبّر عنه جيداً‮. ‬وشون بن في‮ ‬الدور أكثر من متمكّن‮. ‬تحس بآلامه وتتفهم حاجاته وتكاد تشعر بالأسى لوضعه ولو أن الممثل لا‮ ‬يريد الشعور بالعطف بل الإدراك بالحالة‮. ‬لذلك تلحظ أن تمثيله ليس عاطفياً‮ ‬ولو أن صدره مملوءاً‮ ‬بالعاطفة‮. ‬الشقة التي‮ ‬يعيش فيها تنطق بالكثير‮ (‬التحية هنا لمصمم الإنتاج لستر كووَن‮). ‬الشوارع التي‮ ‬يمشي‮ ‬فيها‮. ‬أوقات النهار والليل التي‮ ‬تقع الأحداث فيها‮. ‬الى ذلك،‮ ‬كل الممثلين‮ ‬يقدّمون أدوارهم كما لو أنها الفرصة الحقيقية لإثبات مواهبهم‮. ‬بالعودة الى شون بن،‮ ‬فإن دوره في‮ ‬هذا الفيلم هو الذي‮ ‬كان أولى أن‮ ‬يخرج بأوسكار أفضل ممثل من أي‮ ‬من خلاّنه الذين نافسوه عليها‮.‬
الفيلم‮ ‬ينجح أيضاً‮ ‬في‮ ‬تصوير النهاية بأمانة شديدة للواقعة نفسها ويتركك في‮ ‬النهاية بين معجب بالعمل ودقّته وتسجيله لما أراد سرده،‮ ‬وبين مستاء لأنه في‮ ‬النهاية قرر أن‮ ‬يتوقف عند تلك الحدود عوض أن‮ ‬يسعى لعمل‮ ‬يترك أثراً‮ ‬بعيداً‮. ‬كما تطالعنا أرقام الإيرادات،‮ ‬أخفق الفيلم كثيراً‮ ‬حين عُرض سينمائياً،‮ ‬لكن ايراداته على الاسطوانات تجاوزت الـ‮ ‬63 مليون دولار‮. ‬
‮ .............................................................................................
‬معلومات
‮ ‬حدث ذات مرّة
القصة الحقيقية لمحاولة سامويل بيك إغتيال الرئيس رتشارد نيكسون جرت كالتالي‮: ‬في‮ ‬مطلع العام‮ ‬1974 إتخذ بيك قراره واختار وسيلة تحطيم طائرة مدنية فوق البيت الأبيض بعدما شاهد على شاشة التلفزيون خبراً‮ ‬حول اضطرار طائرة مروحية للهبوط في‮ ‬محيط البيت الأبيض‮. ‬لكي‮ ‬لا‮ ‬يثير إرتياب الأمن الخاص بشرائه سلاحاً،‮ ‬سرق مسدساً‮ ‬من صديقه ليستخدمه في‮ ‬عملية الخطف‮. ‬كذلك صنع بيك قنبلة من الغازولين وسجل ما‮ ‬يقوم به والأسباب الداعية لذلك على شريط صوتي‮. ‬في‮ ‬الثاني‮ ‬والعشرين من شباط‮/ ‬فبراير من ذلك العام،‮ ‬قاد بيك سيارته الى مطار بالتيمور وواجه الضابط نيل رامزبورغ‮ ‬وأرداه قتيلاً‮ ‬قبل أن‮ ‬يندفع الى داخل طائرة‮ (‬خطوط دلتا‮) ‬المتجهة الى مدينة أتلانتا وكانت على أهبة الإنطلاق‮. ‬حين رفض الكابتن ومساعده أمره بالإقلاع الفوري‮ (‬قالا له أنهما لا‮ ‬يستطيعان تحريك الطائرة الا بعد إزالة الكوابح حول عجلاتها‮) ‬أطلق النار عليهما وأردى المساعد قتيلاً‮. ‬في‮ ‬هذه الأثناء انتظر ضابط آخر مسلّح بمسدس ماغنوم‮ (‬موديل‮ ‬357‮) ‬عند النفق المؤدي‮ ‬الى باب الطائرة المغلق ثم أطلق النار على بيك حالما ظهر ذلك من نافذة الباب‮. ‬حين سقط سام بيك مصاباً‮ ‬أقدم على إطلاق النار على نفسه‮ (‬في‮ ‬الرأس‮) ‬ومات بعد دقائق‮. ‬بعد المحاولة خف تداول العملية الفاشلة وغاب أسمه عن الذكر‮. ‬الصحافة التي‮ ‬تناقلت ما قام به وما سعى إليه،‮ ‬لم تكترث لمعرفة خلفيته ولماذا اندفع الى تلك المحاولة‮.‬


صنع فيلم
Out of the Past **** | من الماضي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم للفرنسي الأميركي جاك تورنير ينتمي الى سينما
الفيلم نوار- بل ويشق فيه طريقاً جديداً: الفيلم نوار
الريفي (الحلقة الأولى)٠


RKO في العام 1947 أنتجت شركة
هذا الفيلم كواحد من 39 فيلم آخر. الأفلام الأخرى جميعاً إما أخفقت وإما حققت نجاحاً طفيفاً. لكن هذا الفيلم حقق أكبر نجاح لتلك الشركة التي كانت -في ذلك الحين- تحت عبء دين يقترب من المليون و800 ألف دولار٠
ليس أن الناس لم تكن تذهب الى السينما، بل كانت تذهب أكثر من اليوم: كل أسبوع كان هناك نحو 90 مليون تذكرة مباعة. الإيراد السنوي من داخل السوق الأميركية كان يناهز البليون و500 مليون دولار، والعالمي كان في جوار البليون دولار. لكن لا تنسى أن مليون دولار آنذاك تساوي عشرة من ملايين اليوم٠
السبب في أن الشركة المذكورة كانت تعاني من كساد أفلامها ربما كان عائداً الى أن نظام النجوم كان برهن عن فاعليّته من دون أن تستطيع الإلتحاق به٠ لم يكن الممثلون الملتحقون بها -في معظمهم الكاسح- نجوماً الا في الحالات الإستثنائية وفيلم جاك تورنير هذا كان حالة استثنائية فقد جمع له الاستديو كل من روبرت ميتشوم ، جين غرير وكيرك دوغلاس. والجمهور أقبل بلا تردد٠
إنه من نوعية الفيلم نوار، والمراجع تشير الى أن ناقداً فرنسياً بإسم نينو فرانك كان أوّل من أطلق على هذه الأفلام البوليسية الداكنة هذا الإسم المعبّر والموحي. السبب لم يكن أنها داكنة في الصورة فقط، بل أنها كانت تدلف داخل شخصيات تماثل دكانة الصورة في تعليق مستتر حول مجتمع خرج من الحرب جريحاً ومتسائلاً وقلقاً٠
التاريخ يقول لنا أيضاً أن الفيلم نوار مجموعة من الأفلام (هي فرع من نوع وليست نوعاً قائماً بذاته) قامت بإنتاجها كل الاستديوهات الأميركية في ذلك الحين وحتى نهاية الخمسينات (ثم استمرّت منفردة ومتباعدة فيما بعد). لكن الاستديوهين اللذين انتجا أكبر عدد من هذه الأفلام كانت شركة أر كي أو وشركة وورنر. والأخيرة كانت سبقت وأن تخصصت -خلال الثلاثينات- بإنتاج مجموعة كبيرة من الأفلام التي تدور حول الجريمة. أفلام عصابات وسجون تعكس قدراً من خيبة الأمل في المجتمع المحيط٠
أفلام مثل

Little Caesar I Mervyn LeRoy (1931) ****
The Public Enemy | William A. Wellman (1931) ****
I Am a Fugitive From A chain Gang | Mervyn LeRoy (1932) ****
Angels with Dirty Faces | Michael Cortiz (1938) ***
لكن حتى بين الشركتين، وورنر وآر كي أو، كان هناك فارقاً في المعالجة الفنية لهذه الأفلام. أسلوب وورنر يكشف اليوم عن اعتناء غير عادي بالصورة والمونتاج ما يخلق إيقاعاً متسارعاً. في حين أن أسلوب الشركة الأخرى كان يعتمد على الإعتناء بخلق الأجواء والمزاج الفني ما كان يعني الإستكانة الى مشاهد أطول وعناية بالمكان كجزء من الشغل على الصورة٠
كلاهما اعتنى -كل بطريقته- برسم الشخصية و»من الماضي« لجاك تورنير نموذج لأفضل ما حققته شركة آركي أو في هذا المجال٠


تم تصويره في 64 يوماً كما تقول وثائق الفيلم ذاته ومكان التصوير تنوّع. معظمه في ستديوهات الشركة، لكن قدراً لا بأس به (نلاحظه في مطلع الفيلم) تم تصويره في مناطق ريفية في الصحراء الواقعة بين ولايتي كاليفورنيا ونيفادا
الرواية للكاتب البوليسي جيفري هولمز وعنوانها
Built My Gallows High | إبني مشنقتي عالياً
مدير التصوير كان نيكولاس موسوراكا، الذي سأعود إليه بعد قليل، لأن حياة الكاتب هولمز (وأسمه الأصلي كان دانيال ماينوورينغ) مثيرة بحد ذاتها. بدأ كاتب سيناريو لأفلام أكشن سريعة لحساب باراماونت وشركة صغيرة أسمها باين-توماس برودكشنز قبل أن يتوارى عن العيان نحو سنة ونصف خلالها وضع روايته »إبني مشنقتي عالياً« . الرواية أعجبت وليام دوزييه الذي كان رئيس الإنتاج في آر كي أو وهو جلب المنتج وورن دَف الذي كان في الأساس كاتب سيناريوهات باع لوورنر فيلم جريمة وعصابات رائع إسمه
Every Dawn I Die | William Keighley (1939) ****
لكن دف تحوّل الى الإنتاج قبل عامين من ورود مشروع »من الماضي« حقق فيهما فيلمين من كتابة سواه٠

دَف لم يعجبه السيناريو كثيراً فأسند كتابته الى روائي بوليسي محنّك أسمه جيمس م. كاين، ذاك الذي كتب
Double Indemnity و The Postman Always Rings Twice
كلاهما من أفضل نتاجات الفيلم نوار. لاحقاً ما جيء أيضاً بسينارست ثالث أسمه فرانك فنتون ثم أعيد كل شيء مكتوب الى جيفري هولمز الذي صاغ السيناريو الذي نراه على الشاشة٠
مدير التصوير نيكولاس موسوراكا كان خبير تصوير جيّد اشتغل في السينما منذ العام 1923 وحين اعتزل سنة 1960 كان صوّر ما لا يقل عن 175 فيلماً من بينها فيلم سابق للمخرج نفسه، جاك تورنير، عنوانه
Cat People (1942) ****

يبدأ »من الماضي« على النحو التالي٠٠٠٠٠

يتبع في العدد المقبل٠


كل ما شاهده الناقد من أ فلام
Al Adamson
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حياة: ولد في: 25/7/1929 توفي في: 21/6/1995
سنوات المهنة: 1961-1983
أهمية: مرتبة بين مخرجي سينما الرعب ذات النواحي الغرائبية الخارجة عن المألوف٠

اشتهر آل أدامسون، وهو إبن لمخرج أسمه دنفر ديكسون (لكن يبدو أن آل غيّر أسمه حتى لا يُكنّى) بأفلام الرعب الرخيصة التكاليف والنوايا، لكن رخص بعضها لم يمنعه من محاولة تقديم أفلام فعّالة في مجالها. أي تخيف وترعب وتثير التشويق. في مرّات أخرى لم يكن يقيم للعمل المهني وزناً، فهو في كثير من الأنحاء أخرج أفلاماً ثم اقتطع من بعضها مشاهد وألصقها بأفلام أخرى مكوّنا أفلاماً جديدة٠
آل أدامسون مات مقتولاً والأسباب ليست واضحة. في العام 1995 أبلغ شقيقه البوليس بأن آل مختف عن العيان منذ خمسة أسابيع. انطلق البوليس في تحرياته بدءاً من المنزل الذي كان آل قد عهد الى ممثل صغير الشأن كان ظهر في بضعة أفلام له ويعمل في مجال البناء، أسمه فرد فولفورد. استجوب البوليس فرد لكن هذا نفى أنه شاهده مؤخراً. خلال التحريّات لاحظ البعض وجود نتوءات في أرضية مغطس الحمّام. بالكشف وجدت جثّة المخرج وتم تحديد أن القتل تم بضربة قوية من شيء صلب على الرأس٠ اتهم فرد بالجريمة وأودع السجن لخمس وعشرين سنة٠

الأفلام التي شوهدت له هي
Five Bloody Graves (1967) **
Satan's Sadists (1969) *
Brain of Blood (1971) **
I Spit on Your Corps (1974) **
Black Heat (1976) **
Cinderlla 2000 (1978) **


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Saturday, March 21, 2009

Issue 12 | And the Ship Sails On...| Frenzy| سواق الأتوبيس

FLASHBACK


أنطونيو (لامبرتو ماجيوراني) وإبنه برونو (إنزو ستايولا) يبحثا
ن عن
الدراجة التي يعتاشان منها بعدما سُرقت في فيلم ڤيتوريو دي سيكـا
Lardi di biciclette | The Bicycle Thief| سارق الدّراجة
(1948)٠


قبل العرض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صعوبة تنفيذ هذه المجلة أكبر من صعوبة تنفيذ المجلة الأخرى »ظلال وأشباح«، ليس لأن كتابة النقد أسهل او أصعب من كتابة المقالات والتحقيقات، بل لأن الطريقة المثالية لتصميم العدد هي التي تتمنّع على هذا الناقد الذي ينشد ما يستطيع من إتقان٠
الاسئلة التي أطرحها على نفسي كل يوم سبت هي: كيف أرتّب موادها؟ كيف يمكن أن لا أهضم موضوعاً ما حقّه لأنه سيرد في نصف او أسفل الصفحة؟ ماذا عن الزوايا الجانبية؟ ثم أساساً، ومع حبي لكل السينما في كل التاريخ، كيف سأبرر -تصميمياً وتحريرياً الى حد- حديثي عن فيلم قديم؟ وهل إذا ما بدأت بالأفلام الجديدة ثم انتقلت الى الأفلام القديمة أكون كمن يغبط حقّها؟ هل أخص الصفحة بأعداد خاصّة: هذا الأسبوع أفلام الوسترن، الأسبوع المقبل السينما اليابانية، الذي يليه أفلام المخرج شابرول الخ... اسئلة كثيرة ثم .... أحاول جهدي وأتكل على الله وأصدر العدد٠
مع قلّة الوارد من آراء القرّاء، لا إضاءات ونقاشات تدل على ما إذا كنت أصيب او أخيب٠ لكن هذا لا يمنعني كل أسبوع من محاولة التجديد متسلّحاً بحبّي لما أقوم به٠
على ذلك، وهذا الأسبوع وبعد إحدى عشر عدداً من المجلة (التي كانت صدرت في نحو ثلاثين عدد من قبل ثم توقّفت) وجدتها٠ وها هي أمام أعينكم٠
الصفحة الرئيسية من كل عدد ستتكوّن من زاوية »وحيداً في الصالة« ثم اختيار هذا الناقد لحفنة أفلام، من ذات أهميّة تاريخية او فنيّة لقراءتها على نحو شامل٠
يتبع ذلك دراسة عن مخرج وأفلامه٠

كل ما تبقّى سيتوزّع يمين ويسار الصفحة الرئيسية ولو أنه -كمواد- ليس أقل أهميّة عما يرد في العمود الوسط٠
أخبروني رأيكم٠


أفلام العدد

Frenzy ****
نوبة جنون | ألفرد هيتشكوك [بريطانيا/ أميركا - 1972] ٠
.........................................................................................................
سواق الأتوبيس | عاطف الطيّب [مصر- 1982] ****٠
.........................................................................................................
E LA NAVE VA *****
والسفينة تمضي |فديريكو فيلليني [إيطاليا- 1983]٠
.......................................................................................................
كل ما شاهده الناقد : تنغيز أبولادزه


Frenzy | نوبة جنون
عودة ألفرد هيتشكوك المظفّرة لفن الاستيلاء على النفس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لمن كان اعتبر أن أفضل هيتشكوك
قديمه، جاء »نوبة جنون« لكي يؤكد
أن المخرج لا زال في أفضل
حالاته. الفيلم
كان بمثابة الوقفة
الأخيرة ٠
........................................................................................................

هيتشكوك يستمع للخطاب: هل تستطيع أن تميّزه؟
حين أخرج ألفرد هيتشكوك »نوبة جنون« سنة 1972 كان بلغ من العمر 73 سنة. كان ثقيل الهمّة جسدياً، يعاني من الإدمان على الشرب (كما كُتب عنه لاحقاً) ومما يُصيب بعض المتقدّمين في السن عادة من بطء الحركة وضيق النَفَس٠ لكن كل هذا، لا يهم حيال النتيجة التي أنجزها: »نوبة جنون« آخر تحفة سينمائية من سيد التشويق ولو أنه ليس آخر فيلم٠
حتى العام 1969 كان هيتشكوك سريع الإنجاز. كل سنة او كل سنتين ينجز فيلماً جديداً يضيفه فوق أعماله الرائعة. في ذلك العام أنجز فيلماً قسم النقاد لفريقين ربما للمرّة الأولى على نحو كبير، بين معجب ورافض. هيتشكوك لم يكن سعيداً بالنتيجة كليّة ولم يكن سعيداً بموقف بعض النقاد٠ عملياً انسحب مثل وزير الشطرنج في لعبة تكتيكية٠ ترك الزمن يمضي ثم عاد بعد ثلاث سنوات بفيلم »نوبة جنون« الذي استقبل جيّداً من قِبل معظم النقاد حينها، ولو أن البعض تحفّظ عليه (لا تستطيع أن تستقطب 99,999 الا في الإنتخابات العربية ... أليس كذلك؟). بعده انسحب هيتشكوك مجدداً ثم عاد مرّة أخيرة سنة 1976 لإخراج فيلم »حبكة عائلية« ثم مات بعد أربع سنوات، في العام 1980 عن 80 سنة٠
فيلم »نوبة جنون« ليس عودة زمنية بمعنى الكلمة، فالغياب لم يكن لأكثر من ثلاث سنوات، لكنه عودة الى الناصية الصحيحة. الى الفيلم المبكّل تماماً مثل لعبة مكّعبة. وهو أيضاً عودة مهمّة من نوع آخر: كل أفلام هيتشكوك
منذ ثلاثين سنة قبل هذا الفيلم صُوّرت في الولايات المتحدة (أماكن طبيعية واستديوهات) لكن »نوبة جنون« كان Suspicion منذ أن صوّر سنة 1941 فيلمه »ريبة«
وكان، كمعظم أفلامه في تلك الفترة، من تمويل أميركي وذلك قبل أن ينتقل كلياً الى هوليوود في الفيلم
Saboteur التالي وهو »مخرّب«

العين الطائرة
عمد هيتشكوك الى بداية كان استخدمها أكثر من مرّة في السابق ولا زال السحر يكمن فيها٠
الكاميرا طائرة تحوم فوق لندن. تحتها نهر التايمز من بعيد وهاهو جسر »تاور بريدج« بإنتظارنا. لو كنت آتياً من جنوب لندن بالسيارة فإنه من أول المستقبلين، وها هو يستقبل الفيلم. تخاله ينظر اليها في المقابل٠
البداية نفسها نجدها في »سايكو« حيث تحط الكاميرا في غرفة فندق في حي من مدينة سان فرانسيسكو. لكن التشابه ليس في الطيران وحده بل في »الحط« أيضاً. هناك في »سايكو« ( 1960) تبدو الكاميرا، وللحظة وبتصميم من سيد التشويق، كما لو كانت تبحث عن المكان الذي ستحط فيه. على عكس استعارات في أفلام أخرى تبدو الكاميرا مثل طامّة كبرى تدرك من ستصيبه وهي على بعد ألوف الأميال وتصيبه من دون خطأ. عند هيتشكوك لحظة الإختيار مهمّة وهي تتكرر هنا. بينما يستعرض لنا لندن كما لو أنه وصل إليها للتو، هناك لحظة تبدو فيها الكاميرا كما لو سمعت ما شد انتباهها٠
تقترب وترقب ... وتحط٠
هناك خطيب وجمهور حاشد وكاميرات ونحن تحوّلنا الى حاضرين. كنا قبل لحظات عيناً والآن مراقبين٠ الخطيب يناشد مستمعيه السعي لتنظيف نهر التايمز من الآفات والأوساخ. ماذا سيحدث بعد ذلك؟ هل سيطلق أحد النار على الخطيب، او يصعد آخر المنصّة ويسخّفه او يؤيده؟ لا. سيصرخ رجل: أنظروا... ويتطلع الناس الى حيث أشار. نريد أن نرى بدورنا ويرينا هيتشكوك ما ترك الحشد خطيبهم من أجله: جثّة إمرأة عارية طافية على صفحة النهر العظيم٠
حين مراجعة المشهد في البال فإن الذي يستوقف المرء هو أن الإختيار كان متاحاً لدى المخرج أن يهبط بالكاميرا على الجثة فيحدث دهشة المشاهدين. لكن هذا لا ينفع. ليس صحيحاً لأن دور الكاميرا/ العين سيختلف في هذه الحالة. ستصبح مسؤولة عما شاهدته. كيف شاهدته وهي آتية من بعيدة؟ إنها ليست طيراً ولا الغاية عند هيتشكوك لطم المشاهِد بصورة هي نتيجة، بل عليه أن يحط بك أرضاً لكي تصبح أحد الناس ومن هنا فإن دور العين سيستمر في لعبة هيتشكوك المثلى وهي تحويل المشاهد الى مبصبص٠
لحظة. هناك المزيد٠
إذا راقبت جيّداً ستجد هيتشكوك بين المتحلّقين حول الخطيب. لحظة صغيرة ثم يختفي (ربما على قصر قامته) بين الحشد. هو كثيراً ما كان يظهر في لقطة لا علاقة لها بمجرى الأحداث بل كنوع من الدعابة: يقرأ صحيفة هناك، يركض وراء قطار، يمشي في الشارع. هنا اختار شيئاً لا أدري إذا كان ما استوحيته منه مقصوداً أم لا، لكن أنا من النوع الذي لا يؤمن بالصدف: كون هيتشكوك أحد المستمعين يفصل العين التي بدأ بها الفيلم والتي كانت هي عينه عن العين التي هي عينك. لندن التي استقبلت عودة هيتشكوك بالترحاب في ذلك المشهد التمهيدي واصلاً إليها من الجنوب وحاطّاً في أحد أقدم أحيائها، دورها انتهى عند هذا الحد. الآن هيتشكوك منظوراً، ولو للحظة، يأذن لنا أن نستقل بما يريدنا أن نراه. رسمياً الآن نحن مشاهدون او شهود او مبصبصون٠


بوب والجثة والبطاطا
هذا المشهد، او الثواني الأخيرة منه حين تلتقط أعيننا صورة الضحية، سيبقى في البال لأننا الآن أمام جريمة علينا أن نعرف من ارتكبها. إنها تفرض نفسها على القصّة التي تبدأ كما لو كانت منفصلة عن هذا التمهيد. ها نحن مع رتشارد (جون فينتش) الذي طٌرد من عمله في البار لأنه كان يشرب. يزور زوجته السابقة التي تدير مكتب تأجير شقق (باربرا لي هانت) وهذه تعطف عليه وتعطيه نقوداً تضعها في سترته من دون أن يدري. هذا آخر عمل خيري ستقوم به. فالقاتل (الذي كنّا شاهدنا إحدى ضحاياه في التمهيد) قتلها خنقاً (كعادته مع الباقيات). فجأة يجد رتشارد، سيء الحظ، نفسه مطلوباً من البوليس الذي يدّعي الآن أنه هو القاتل المتسلسل الذي روّع لندن٠
على عكس كثيرين يخاطر هيتشكوك عادة بالكشف عن القاتل الحقيقي. الآخرون يحاولون العمل على لغز: من القاتل؟ هو يكشف من هو القاتل ويريدك الآن، أي من لحظة الكشف، أن تتشوّق لمعرفة كيف سينجو المتهّم- البريء من حبل المشنقة بينما كل حالات الريبة تحيط به ورجال البوليس يسعون لإلقاء القبض عليه٠ إنها ليست مهمّة سهلة أن تكشف القاتل وتحوّل السؤال الكلاسيكي حول من القاتل الى هذا هو القاتل فما الذي تستطيع أن يفعله »البطل« لكي يقنع الآخرين بأنه ليس القاتل؟ يزيد من الضغط أنه لا يستطيع معرفة من القاتل في البداية. كل ما يعرفه أنه ليس القاتل لكن -باستثناء صديقته كما الحال هنا- فإن أحداً لا يصدّقه٠
القاتل هنا هو صديقه الأشقر بوب (باري فوستر). إنه تاجر خضار في السوق الشعبي. يعرف الجميع ويعرفه الجميع ويعرض على رتشارد المأوى ويطلب منه أن يتخفّى حتى لا ينكشف سرّه بذلك كاسباً ثقته. لكن بعد نحو نصف ساعة أخرى، يرتكب بوب جريمته الثانية في الفيلم (على اعتبار أن ما ارتكبه سابقاً كان قبل أن نطّلع بأنفسنا على ما يدور)٠
هذه المرّة سنتابع بشكل تفصيلي ماذا سيحدث: بوب سيصعد مع المرأة التي سيقتلها الى شقّته في تلك الأسواق. في الوقت الذي يناسبه سيخنقها مستخدماً، كالعادة، ربطة عنقه. ستمد يدها الى سترته وهي تفارق الحياة وتنزع عنها دبوساً صغيراً يعلّقه من باب تفاصيل الأناقة. سيكتشف ذلك فيما بعد. سيحاول العودة الى الجثّة التي أخفاها في كيس من أكياس البطاطا. يدخل الشاحنة الصغيرة ويجد الجثّة في الوقت الذي يصعد فيه السائق الشاحنة ويقودها. الآن بوب والجثّة والبطاطا سيتناوبون على حبس أنفاسنا. نعم نريده أن يقع متلبّساً لكننا لا نعرف إذا ما سيقع متلبّساً الآن وكيف٠ هاهو يحاول فتح قبضة المرأة القابضة بإحكام على الزر وها هي البطاطا تتساقط وراء الشاحنة المنطلقة٠
على الجانب الآخر من القانون، هناك التحري المخضرم اكسفورد (أليك مكغاون) الذي لديه شكوكه حول أن يكون رتشارد هو القاتل، لكن رتشارد لا يعرف ذلك بالطبع. من تعرف هي زوجة التحري (ڤيڤيان مرشنت) وهيتشكوك يخصّنا بمشهد مرح وساخر وبالغ الأهمية يقع حين يعود التحري الى منزله ويجلس الى مائدة الغذاء. الكاميرا في غرفة الطعام ونرى الرجل جالساً عند المائدة وزوجته في المطبخ (تجاوزا أوسط العمر)٠ أنه لا يعرف ما الذي طبخته زوجته لكنه لا يطيقه ومن دون أن تراه يتخلّص مما سكبته في صحنه. يسألها ما هو وتجيبه ما يزيده امتعاضاً صامتاً ويزيد المشهد سخرية. لكن في خلفية الحركة هناك الحوار الحاصل الذي لا يدور -الا قليلاً- عن الطبخ، فهو أساساً عن رتشارد والتهمة. التحري يكشف لزوجته عن شكّه في أن يكون رتشارد القاتل والزوجة لديها نظرية تؤيد هذه الريبة٠
ولن أنتقل الى كيف يشبك المخرج الخيوط لتؤدي الى النهاية متجاوزاً بسهولة مسألة أن يتم الكشف عن حقيقة القاتل وتبرأة المتّهم. في السينما الذكية والمعمولة برؤية وإلمام كبار من فيها لن تفسد التوقّعات أي من التشويق الناتج عن الصورة٠


المتورّط
فيلم هيتشكوك أكثر من مجرّد قصّة بوليسية منفّذة ببراعة المخرج المعتادة. إنها مليئة بالمحاور التي تستدعي الإنتباه٠ كونه عن الجريمة والعقاب ليس سوى جانب واحد. في الواجهة أيضاً الناحية الجنسية في سلوكيّات البشر، وتلك الرسوم الدقيقة للسلوك الإنساني وفوق كل ذلك تلك القدرة على ضبط العمل بإختيارات المخرج الصائبة من اللقطات٠ لا شيء تقريباً مصوّر لذاته. كل شيء، كالحياة نفسها، مرتبط بالشيء السابق وبالشيء اللاحق٠
هناك عقد بين هيتشكوك وبين مشاهديه المتيّمين: هؤلاء أقبلوا على أفلامه لسبب وحيد: رغبته في أن يُثاروا٠ واجب هيتشكوك أن يثيرهم٠ بالنسبة لهؤلاء، وأنا بينهم، الحكم هو إذا ما سينفّذ هيتشكوك تعهّده . هذا هو المهم في تلك العلاقة وهيتشكوك -الذي نفّذ تعهّده هذا جيّداً في معظم أفلامه- ينفّذه جيّداً هنا أيضاً٠
لعبة هيتشكوك هنا غامضة لذلك لا تهم التوقّعات. مثلاً، في السابق، اعتدنا أن نقبل من هيتشكوك مداراة العنف عبر الإيحاء به. يلتقط أطرافه مكتفياً بصور من بدايته وقليلاً منه في وسطه ويتركنا معلّقين مع النتيجة. حتى في »سايكو«، وقد تحدّثت عنه وفيه أكثر من مرّة، ومع أن الفرصة مواتية لمشهد عنيف هو مشهد مقتل جانيت لي في الحمّام، الا أن الكثير من المداراة والجهد بُذل لتصوير إمرأة تتعرّض لنحو سبعين طعنة من دون أن نرى، ولو للحظة واحدة، السكين يدخل اللحم او الدم ينزف من الجسد. رغم ذلك، المشهد مقنع وغير متوقّع (وبل مفاجيء) وأثره دائم ما عاش الإنسان٠
لكن في »نوبة جنون« واجه هيتشكوك حقيقة أن الفيلم إنما يدور عن الجريمة المرتكبة لدوافع جنسية. هذه الحقيقة المحددة بطاقة الدعوة الموجّهة إليه (من قِبله) لكي يقدّم وللمرّة الأولى مشهد الجريمة مفصّلاً وجسد المرأة عارياً من دون توريات (كما الحال في »سايكو« حيث الكاميرا أما تصوّر أعلى الصدر او أسفل الساقين غير متعرّضة للجزء الوسط). لكن المسألة ليست أنه رأي هذه الحقيقة فأقدم عليها فقط، بل كان يدرك أن الجمهور لم يتعوّد منه مشاهد مفصّلة وقويّة التأثير في هذا الشأن فأقدم عليها مدركا قيمة المفاجأة التي سيحدثها بينهم٠
لكن علاقة هيتشكوك، من ناحية ثانية، مع جمهوره لا تتوقّف عند إتقان مشهد واحد. نتذكّر كيف أن اللقطة التمهيدية ومتى انفصلنا عن السياحة مع هيتشكوك لنصبح شهود عيان. الآن، كل شيء بعد ذلك سيخضع، وكما هي عادة المخرج الكبير، لهذا المبدأ. مثل أفلامه الأخرى، كل ذي عينين ناظرتين الى الفيلم هو شريك في المسؤولية. كان شريكاً في بصبصبة جيمس ستيوارت المقعد على جيرانه في »نافذة خلفية« وشريكا في جريمة قتل جانيت لي في »سايكو« وشريكا في صراع بول نيومان ضد الشرير ورغبته في أن ينتصر البطل رغم بشاعة المعركة في »الستارة الممزّقة« الخ... الآن هو مبصبص على الجريمة المرتكبة بكل إصرار ومن دون استعجال٠
اذا كانت الجريمة الأولى في الفيلم (مقتل زوجة رتشارد السابقة) عنيفة وصادمة، فإن الجريمة الثانية مبهرة في الطريقة التي عالجها فيها هيتشكوك من دون أن تكون نقيضاً للأولى. فقط تأكيداً على أن المشاهد ليس حرّاً في الإنصراف من مسرح الجريمة إذا أراد، بل سينسحب منها ببطء مذهول٠
بوب يرتكب الجريمة. الكاميرا تنسحب الى الوراء. إنها عند باب الشقّة ثم تنزل الدرج. ببطء متراجعة. لا شخصيات في الصورة لأن القاتل والضحية لا زالا في الداخل. لكنك تعلم الآن بشاعة ما يحدث لأنك اطلعت عليه في الجريمة الأولى. لقد كنت موجوداً كمصبص. الآن أنت الكاميرا وأنت الذي تتراجع الى الخلف هابطاً سلالم الدرج ببطء. تصل الى الشارع حيث يطغي صوت الحياة لكنك لا زلت تتراجع مصدوماً٠
ثم حلل معي مشهد الشاحنة٠
المجرم (ويا له من تمثيل مقنع من باري فوستر) يحاول استخراج الزر من قبضة الضحية لأنه إذا ما وجده البوليس كشفه هو. ما نراقبه هو واحد يعتدي على الجثّة . يحاول فك قبضتها بسكينه. تريد أن تنظر بعيداً لأنك لم تعتد (وهذا الكلام قبل أفلام الرعب الحالية) أن ترى مثل هذه الوحشية. لكنك لا تستطيع. في أفضل الأحوال قد تستطيع الإعراب عن إبتسامة ناتجة عن سخرية المشهد من نفسه (وسخرية هيتشكوك من كل شيء) لكن المسألة الأساسية هنا هي أنك سوف لن تستطيع أن تنظر بعيداً. لقد سيطر عليك الساحر. تدرك أنك تشاهد لذّة ممنوعة لكنك لن تستطيع فعل شيء حيال ذلك فأنت شريك في الجريمة التي تقع٠

* سأعود الى هيتشكوك في مرّات كثيرة مقبلة (وأجمع ما أكتبه لكتاب حوله) لذلك فإن بعض
الطروحات هنا ستم تداولها لجانب أخرى جديدة٠

........................................................................................................
معلومات: عن رواية لآرثر لا بيرن (آخر أعماله المتحوّلة الى السينما) . كتب السيناريو أنطوني شافر (معروف بمسرحياته التي انتقلت الى الشاشة أيضاً) وقام بالتصوير جيل تايلور (نحو 80 فيلم من بينها نسخة رومان بولانسكي من »ماكبث« (1971)٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سوّاق الأتوبيس
نظرة عاطف الطيّب وصحبه للزمن الذي مضى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كل ذلك الحزن الذي يعتمر هذا
الفيلم آت من إدراك بطله أنه إذ
انتصر في حربه على العدو
الخارجي، الا أنه يخسر حرباً
أكبر مع عدو داخلي٠



ومن بعيد جاء مخرج شاب بفكرة شابة وقدّم عملاً شاباً٠
من بعيد، وبخلفية فيلم واحد من قبل، جاء الراحل عاطف الطيّب بعمل آسر، جديد، قوي في مضامينه وبسيط في معالجاته لها. فيلم معه لا يستطيع المرء إلا أن يهنىء نفسه بوجود سينمائيين في ضباب السينما العربية استطاعوا كتابة وتنفيذ أعمال تمس صميم الحياة الاجتماعية المعاصرة بحرية وبجودة وتقدم أبعاداً مفعمة بأسلوب جذاب وسرد مشحون وسلس في ذات الوقت٠
عام 1982 قدم مهرجان قرطاجة السينمائي الفيلم ومنحه جائزة (أفضل عمل لمخرج جديد). خلال أشهر كان «سواق الأتوبيس» قد انتشر بين كل من لديه جهاز فيديو ثم وصل إلى صالات السينما المصرية في نجاح متوقع٠
الفيلم يبدأ وينتهي بمشهد نشّال في أتوبيس يقوده الأسطى حسن (نور الشريف). في البداية نرى النشال وقد قفز من الأتوبيس وسط صراخ الناس وذعرهم ليولي هارباً بما اقتطعه من مال عزيز ونادر من صاحبته. حسن يوقف الأتوبيس للتو لكنه لا يتحرك من مكانه وراء النشال الذي هرب بعيداً. في النهاية يتكرر الحادث نفسه ويقفز النشال ذاته من الأتوبيس ليلوذ بالفرار لكن حسن هذه المرة يوقف الأتوبيس ليقفز
وراءه. يقبض عليه ويكيل له اللكمات حتى يدميه. وينتهي الفيلم عند هذا المشهد٠

ما بين المشهدين كل المسببات والدوافع التي حثت حسن على فعل أمر ما في المرة الثانية، إنه يكتشف أن والده (عماد حمدي في آخر دور له على الشاشة) المريض يعاني من أزمة مادية حادة، فقد أصدرت مصلحة الضرائب أمراً بإقفال الورشة لأنها لم تستلم العائدات المفروضة طوال سنين، ويكتشف أن زوج إحدى أخواته هو المسؤول عن ذلك بعدما بدد عائدات الورشة التي كانت إدارتها قد أنيطت به. يتدبر حسن نصف المبلغ المطلوب (عشرون ألف جنيه) ثم يدور على شقيقاته اللواتي تزوجن من رجال صنعتهم أموال الأب، حسن بذلك يخدش ألواح الزجاج ويزيل عن السطح أكذوبة التضامن العائلي والعادات الأسرية والاجتماعية الحميمة. أنه يجد شقيقاته يقفن إلى جانب أزواجهن الذين أما أن يشكوا عدم توفر المبلغ معهم (علماً بأنهم يملكونه) وأما أن يطلبون له ثمناً مثل الحصول على الورشة والبيت لهدمهما وإنشاء عمارة جديدة٠
حسن يطرق الأبواب ويسمع الأجوبة ونحن نكتشف معه ما حل بالعائلة العربية التقليدية تحت وطأة التغيرات الاقتصادية التي حدثت والتي تركت بصمات واضحة على معالم الحياة وطرق التواصل والتعامل بين الناس. هؤلاء الذين قدر لهم الاستفادة من الظروف الطارئة فاغتنوا فإذا بغناهم بخلع عنهم العادات والعلاقات الإنسانية الحميمة فينعزلون في سعيهم للمزيد ويمتنعون عن بذل الخير للآخرين٠

في المواجهة يقف حسن ورفاق السلاح في حرب أكتوبر الذين حاربوا دفاعاً عن الوطن وحققوا الجزء الأكبر من الانتصار طمعاً بمجتمع أفضل لكن العائدات التي أصابت الكثير من فئات المواطنين أغفلتهم كما أغفلت فئات أخرى. حسن ينقل المشكلة في النهاية إلى بيته وليتدبر مبلغ العشرة آلاف الأخرى عليه أن يبيع سيارة الأجرة التي كانت زوجته (ميرفت أمين) قد اشترتها له. زواجها منه تم عن حب ووقف في وجه معارضة الأم (زهرة العلا). الآن يأخذ الحب مداراً مختلفاً. الزوجة تصحو على أوجاع الفقر وتطلب لنفسها أشياء تدرك أنها كانت تستطيع الحصول عليها من نموذج ثري آخر ما زال يحيك من حولها، وهي تعارض بيع السيارة وتطالب بالطلاق٠
في النهاية يخسر حسن حروبه جميعاً. صحيح أن بعض رفاق الأمس الشاعرين بمحنته ساعدوه وصحيح أنه حصل على المال الذي يريد بعد أن باع السيارة، لكن الأب فارق الحياة وتمزق العائلة الواحدة بقي ماثلاً أمام عينيه يدين كل فرد فيها ويدين المجتمع والظروف الاقتصادية التي اقتاتت من فريق ونفعت فريقاً آخر٠ هنا نصل إلى المشاهد النهائية التي نرى فيها النشال مرة أخرى. هذه المرة يكاد يهرب بما سرقه لكن حسن سوف لن يتركه يهرب وسوف ينتقم من كل ما حدث له ومن كل ما يراه ماثلاً أمامه من إحباطات وأخطاء بالقبض عليه وضربه بعنف٠
السؤال الذي طرحه أكثر من ناقد هو «هل النشال البسيط هو نوذج للصوص الكبار وهل كان يستأهل العقاب فعلاً؟
الجواب بدهياً لا، لكن الفيلم يعتبر هذا المجرم الصغير نموذجاً. ربما رمز لمن هم أكبر منه، والمسألة مقبولة فيما لو اعتبرنا أن الإجرام واقع سواء أكان الفاعل صغيراً أو كبيراً، وأن هذا الإجرام هو المقصود بدعوة المخرج عاطف الطيب للإصلاح أو بثورة حسن على الظروف المجتمعة المؤدية إليه. وإذا ما تابعنا كل الأحداث التي تعرض إليها حسن فهمنا ـ وقبلنا ـ أن يضع حسن يده على الرمز لأن هذا الرمز هو الوحيد الذي يستطيع، واقعياً وفي محيط عمله، الوصول إليه٠

يدمج الطيب كل هذه الأبعاد بمشاهد لا تنسى: اجتماع رفاق الأمس عند منطقة الهرم في الليل مع أغنية وطنية عاطفية، اجتماع عائلي كبير في سطح بيت أحد الأزواج الذي يريد استغلال الفرصة لامتلاك الورشة، المشادة بين حسن وزوجته. المشهد الذي نرى فيه حسن (بتمثيل نور الشريف الحسّاس) يهبط سلّم البيت وقد أثقله الهم والذكريات. في كل هذه المشاهد وفي غيرها تلعب عناصر الفيلم الفنية الأخرى (في مقدمتها إدارة التصوير) أدواراً بارزة وتلتئم لتساعد على إبراز المضامين الاجتماعية والإنسانية الفنية التي في السيناريو. هذا السيناريو بدوره غني بالشخصيات التي تمثل نماذج موجودة على رض الواقع من تاجر المرافىء إلى رجل الأعمال المتدين إلى تاجر المخدرات إلى طبيعة كل شخصية في هذا الفيلم٠
فيلم عاطف الطيب »سوّاق الأتوبيس« من بين الأفلام التي تعاطت مشكلة الانفتاح وهو يبرز كأحد أكثرها واقعية ومعايشة لحياة الأسرة، علماً بأن الحادثة ذاتها قد تقع في أي مكان آخر حين النظر إليها كخطوط عامة، فالأزمنة تغيرت والناس تغيرت وتلك المبادىء الجميلة التي تعلمناها صغاراً والتي نورتنا إليها الأديان تبدو وكأنها تبخرت. تبعاً لذلك التغيير الشامل صار لكل منا حربه الخاسرة في سبيل مبدأ أو هدف طالما أن أدواته قديمة مستقاة من مبادىء الأمس٠

........................................................................................................
معلومات: الفيلم نموذج عن تآخي عدد من مبدعي السينما في مطلع الثمانينات ومؤازرتهم لبعضهم البعض. كتب القصّة محمد خان وبشير الديك وكتب السيناريو بشير الديك وصوّره سعيد الشيمي٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
E LA NAVE VA | والسفينة تبحر
كل فن أمر ممكن لأي طبقة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فديريكو فيلليني في أحد
أفلامه الرائعة: شخصيات
في سفينة فوق بحر متماوج ....
جميل وآسر ومفبرك٠



في نهاية مقالة كتبها فيلليني عن فيلمه الثامن عشر قال
صورت الفيلم في 14 أسبوعاً، مع 120 ممثلاً ومئات المجاميع، في ثمانية بلاتوهات من مدينة السينما حيث تم بناء 40 ديكوراً. استخدمت نحو 213 ألف قدم من النيجاتيف (...) الآن الفيلم انتهى. بعض أصدقائي الذين شاهدوا الفيلم قالوا لي أنه مخيف، ربما قالوا ذلك لإرضائي لأني أعتقد أن المؤلف يسعد حينما يسمع أن فيلمه قد أثار الخوف. لكن الأمر لا يبدو لي على هذا النحو. أعتقد حقيقة أنه فيلم ممتع مليء بالحياة. إنه فيلم يجعلني أريد أن أبدأ بتحقيق فيلم آخر على التو٠

ربما أهم ما في هذا التصريح الذاتي عبارتيه الأخيرتين: إنه فيلم ممتع مليء بالحياة وأنه فيلم يجعل فيلليني يريد أن يبدأ بتحقيق فيلم آخر على التو. ذلك أن أفضل أفلام فيلليني كانت دوماً تلك الحيّة على غرابة ما هو حي فيها، وأفضل شعور أفرزته تلك الأفلام هو ذلك الذي كان يدفع بنا دائماً إلى الرغبة في مشاهدة عمل آخر له في الأسبوع القادم. «والسفينة تمضي» يحقق هذه الرغبة. يجعلنا نريد أن نشاهد لفيلليني فيلم آخر له على التو. فيلم يبعث على حب السينما من جديد وكأنما نراها أول مرة، أو كأنما نود إعادة الكرة من نحب، كلما اعتقدنا أنه الحب الأخير نرى فيلماً مبدعاً كهذا فنبدأ الحب مع جديد٠
في واقعه فإن "السفينة تمضي" هو "والسينما تمضي". ففيلمه والسينما ـ كفن وكمتعة ذاتية وحسية وفكرية ـ خطّان متلازمان ينطلقان معاً منذ المشهد الأول وحتى المشهد الأخير. يفتح فلليني فيلمه بمشاهد صوّرها على شكل السينما الصامتة. نحن في عام 1914 . الفيلم الذي أمامنا في البداية لقطات مشوشة، متوترة الإضاءة لأن النسخة عليها أن تكون قديمة، حركات الناس أمامها بريئة، البعض مفتون بالكاميرا التي تصوره ويحاول أن يظهر في اللقطة، سرعة الفيلم ليست طبيعية تماماً وكأنا نشاهد فيلماً صور في تلك الأزمنة٠
هنا النقطة الأولى في رسم خط علاقة فيلليني المزدوجة مع فيلمه «والسفينة...» ومع السينما ذاتها. نحن لا نتمالك سوى أن نشعر منذ تلك اللحظات الأولى أن الرجل إنما يلقي أمامنا أنصع صورة سينمائية ممكنة، تلك عندما كانت السينما مجرد صور متحركة ما زالت قدراتها الكثيرة محشورة في صندوق الأعاجيب. تتلون الصورة وتبدأ الأحداث الفعلية. نحن على ظهر سفينة اسها (غلوريان) تبحر في المتوسط تجاه منطقة لا يعرف سرها سوى القبطان. على ظهرها فنانون، اقتصاديون، وسياسيون ودوق من عائلة حاكمة وحاشيته. كل هؤلاء أرستقراطيون يتولى مهمة تقديمهم إلينا صحافي (فردي جونز) متنقلاً بينهم أحياناً ومشاركاً عالمهم أحياناً أخرى. يقطع فيلليني مجالاً رحباً من تقديم تلك الشخصيات وأنفتها ومشاعرها بينها وبين بعض، ومن استلهام رسوم كوميدية هازئة وانقادية من تصرفاتهم من قبل أن يضعهم جميعاً أمام تجربة مختلفة. فقد اعتلى السفينة مهاجرون من الصرب هاربين من القوات النمسوية. في البداية كانت ردة الفعل بالغة التحفظ بطبيعة الحال، فالفريق الأول لا يشعر بأنه ينتمي إلى تلك الطبقة التي فرضت نفسها، لكن فيلليني يود أن يظهر بأن التقارب ممكن، وهو يختار الموسيقى وسيلة لذلك (الموسيقى التي لجأت إليها بطلة فيلمه السابق »ليالي كابيريا« جولييت ماسينا بحثاً عن الخلاص). إذ تعزف مجموعة من الصرب موسيقاها الشعبية، فيثير ذلك حماسة فناني الأوبرا المتواجدين في الطبقة العليا من الباخرة، ويبدأ على الفور نوع من التجانس الغريب بين الفريقين ينصهر في نزول الطبقة العليا إلى أرض السفينة والرقص مع الصرب مشاركين النشوة الواحدة٠


كأنما يقول فيلليني هنا بأن التقارب بين الناس يبدأ من البهجة ونشوة الفن. فيلليني الفنان يدرك أن فنه ليس حكماً طبقياً، ويرى بالتالي أن كل فن أمر ممكن لأي طبقة، ويجد حتى في غناء الأوبرا وصوت أفران السفينة وآلياتها إيقاعاً يخدم منحاه. الموسيقى التي يستخدمها هي وسيلة التواصل المنشود في عالم فيلليني القائم على الاستعراض والفن والدهشة. لكن ليس هذا، على محتوياته، ما يجعل «السفينة تمضي» أحد أفضل أعماله كلها، ربما حقيقة أن تلك المشاهد الراقصة أو الغنائية التي تأتي كل مرة لتمثل قمة المشاعر التي في بال أو ذات شخصياته (وهي ناجحة للغاية في هذا التمثيل) تصعد بالفيلم إلى أعلى من مستوى العديد من المشاهد الأخرى. هذا يعني أن فاصلاً فاتراً يمر بين المتفرج وبين الفيلم في تلك المشاهد المتفرقة عندما يكون من المفترض أن تمضي الرحلة على وتيرة سرد خافتة. إنما هذا بدوره أمر نسبي، فنحن لسنا أمام فيلم تشويقي لا يجب أن يفتر في إثارة المتفرج طوال الوقت، بل أمام عمل تأملي، مرح، انتقادي ساخر واستعراضي. عمل فني متكامل من مخرج لا يحتاج إلى أن يبرهن عن قدراته وعن إمكانياته بل تجاوز منذ زمن بعيد هذه الرغبات وصار، مثل أي فنان، لا يبحث سوى عن التعبير عن فنه والتمتع بمواهبه في تأليف الفيلم الذي يحققه، على هذا الصعيد فيلم فيلليني يعكس تاريخه كاملاً٠

ما نتابعه إلى جانب القصة (تحت إنذار سفينة حربية يهجر الصرب سفينة الركاب لكن أحدهم يلقي بقنبلة على السفينة العسكرية فترد تلك بتوجيه ضرباتها إلى سفينة فيلليني فتغرقها لكننا نعلم أن الجميع قد نجوا) هو تأكيد فيلليني على النواحي السينمائية الصانعة للفيلم. ففي الوقت الذي يستعرض فيه الأحداث والشخصيات، يستعرض أيضاً كيفية تصويره لها، يقطع على مشاهد للبحر الذي هو ليس بحراً بل غطاء أزرق متماوج مفروش أمام الكاميرا من صنع الاستديو، وإلى الشمس التي هي ليست سوى رسماً برتقالياً عند المغيب، وكما نعلم أن السفينة التي نراها تتماوج ما هي إلا هيكل فارغ. فيلليني لا يهمه أن نرى أن الفيلم ليس حقيقة. إننا ندرك أن لا شيء. حقيقياً في كل ما نراه، مع ذلك نقبله، يصيبنا مثل سهام مسحورة فنحس أن فيلليني يدلنا على أن مهمة الفنان أحياناً ليست صنع الحقيقة بل صنع الخيال الذي قد يشدنا الى الحقيقة٠
الفصل الختامي هو نهاية رحلتي السفينة والسينما. تأخذنا الكاميرا الأولى إلى ما حل ببعض ركابها، وتأخذنا كاميرا ثانية إلى رحلة نرى فيها فدريكو ومدير تصويره جيسيبي روتانو وكل الخدع التي احتلت بلاتوهات مدينة السينما. في نصف دقيقة وبحركة كاميرا واحدة يؤكد فيلليني بأن فيلمه هو عن السينما بمقدار ما هو عن الموضوع الذي عرضه. كاميرا الحقيقة تدور بين الفنيين وتتقدم نحو الكاميرا الخيالية التي جلس وراءها مدير التصوير ثم يدخل فيها. العين تلتصق بالعين والعدسة تلتصق بالعدسة ويمتزج الخيال بالواقع ويخلق فيلليني أروع لحظة سينمائية ممكنة٠

........................................................................................................
معلومات: كتب السيناريو تونينو غويرا الذي وضع للسينما نحو 100 سيناريو منفّذ آخرها »غبار الزمن« للمخرج اليوناني ثيو أنجيلوبولوس (2008). كان ».....والسفينة تبحر« آخر فيلم يصوّره الفنان جيسبي روتانو لفيلليني بعدما صوّر له سبعة أفلام أخرى قبله٠


كل ما شاهده الناقد من أفلام
Tengiz Abuladze

حياة: وٌلد في جورجيا في 31/1/1924
سنوات المهنة: 1953- 1990
أهمية: صاحب »توبة« الذي انتقد ستالين ونال جائزة لجنة التحكيم الكبرى في كان٠
The Film Encyclopaedia حتى المرجع الذي يعود إليه الكثيرين من أهل الوسط
لا يحتوي على معلومات حول تنغيز أبولادزه، المخرج الجيورجي الذي حقق فيلما حقق الفيلم الرابح جائزة
Repentance لجنة التحكيم الكبرى »توبة« ٠
درس المسرح أوّلاً ثم السينما وتخرّج سنة 1953 حيث انشغل بتحقيق أفلام وثائقية لأكثر من عشر سنوات. في العام 1968 أخرج أول فيلم روائي له وهو »إلتماس«. أفلام أبولادزه القليلة نسبياً (13 في المجموع) بقيت مجهولة في الغرب الى أن ارتفع إسم المخرج سنة 1984 حين أنجز »توبة« الذي كان أحد أوّل الأفلام الإنتقادية للفترة الستالينية التي يٌُسمح لها بالعرض التجاري في تلك الآونة مع الإنفتاح الحاصل في البلاد٠

Repentance (1984) ***
على مستوى عال من الجمال في بعض الأحيان مع ضعف في السياق الدرامي في أحيان موازية. الموضوع يدور حول محافظ بلدة صغيرة في جورجيا يتمتّع بكافة المواصفات التي تجعله صالحاً لدور دكتاتوري على مستوى المنطقة او الدولة٠ إنه صورة مصغّرة لستالين (الجيورجي المولد أيضاً) تكمن فيه بذور الرغبة في السٌلطة الفردية . يبدأ الفيلم من نهاية تلك الشخصية. لقد مات. وها هم أقاربه ومعارفه وآخرون يودّعونه في جنازة حافلة٠ لكن ڤارلام (كما يؤديه أڤتاندي مخارادزه جيداً) يظهر لذويه في اليوم التالي، ثم في أيام لاحقة أخرى٠ يتم تقديم »الجثّة« الى المحكمة ويبدأ الفيلم بالإستماع الى شهود الذين يعرفونه عن كثب ممن عانوا من حكمه حيث تتبدّى مساوئه في مشاهد استرجاعية عديدة٠ أبالادزه كان عليه الإستعانة بمشاهد سوريالية- فانتازية لتقديم مثل هذه الحبكة السوريالية بدورها. ما ينقص الفيلم هو القدرة على الربط الصحيح بين المشاهد القصصية كأحداث وبين تلك الواردة كخيالات جانحة. هذا النقص يجعل العمل يبدو أقل قدرة على تجسيد الرسالة المرغوبة على نحو مؤثر عوض الإكتفاء باستعراضها ضمن حالات ورؤى فنية لا تخلو من التكرار. أيضاً، عدم وجود تلك القدرة على سرد القصّة المنشودة بذات التأثير الكامن في تصوير مشاهده الفانتازية يجعل العمل بأسره غير متوازن. في حين ان المشاهد السوريالية فاقعة، بالونية ومثيرة، تأتي المشاهد التي عليها أن تتقدّم بالقصّة فعلياً رتيبة معظم الأحيان وغير منفّذة بذات القدر من العناية٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Saturday, March 14, 2009

ISSUE 11 | Watchmen | أفلام لمحمد خان، نضال الدبس، ألفرد هيتشكوك، إليو بتري، زاك سنايدر، ًيوجي يامادا، | سينما جان لوك غودار



FlashBack

جون ساڤاج في
The Thin Red Line | Terence Malick (1998)


أفلام العدد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المهنة: ناقد
وصلت الى المطار وكانت في استقبالي سيارة ليموزين، ومستقبلين
والى فندق خمس
نجوم والسويت جاهز وكل شيء على ما يرام بإسثتناء أن المهرجان
غلط بالنمرة

.......................................................................................................
فيلم الأسبوع
نقد للفيلم الجديد »الحرس« حيث حل الحرب الباردة ومشاكل العالم لا يكون
بحرب محدودة .... بل بالقنبلة النووية مرّة واحدة. مرحباً بكم على شاشة زاك سنايدر
.......................................................................................................
بحر من الأفلام
نقد لـ »كليفتي« لمحمد خان (مصر) »تحت السقف« لنضال الدبس (سوريا)
»إختفاء السيدة« لألفرد
لألفرد هيتشكوك (بريطانيا)، »تحقيق حول مواطن فوق
الشبهات« لإليو بتري (ايطاليا)، »النصل
الخفي« ليوجي يامادا (اليابان)، جيمس
ج. باروت (الولايات المتحدة)٠

.......................................................................................................
سينما جان-لوك غودار
أعيد نشر هذا المقال من الأرشيف حول سينما وأفلام المخرج الفرنس
ي غودار الذي عرّف
السينما على أنها ليست خيالاً، بل حياة٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المهنة: ناقد | كلام وذكريات في الأفلام ومهرجانات السينما


حَدَثَ ذات مرّتين

مرّتان ارتكب آخرون خطأ في شخصيّتي. يسمّونها في الإنكليزية
Mistaken Identity
وعادة ما تستخدم في الأفلام حين يكون رجلاً عادياً مثلي في الوقت الخطأ في المكان الخطأ فيعتقد أنه هو القاتل فتتم مطاردته على هذا الإفتراض وإذا ما ألقي القبض عليه انتهى الى السجن وهو يكرر »والله العظيم بريء يا بيه«. لكن في أفلام العبقري هيتشكوك فإن نجاته من مطاردة القانون هو أن يبحث بنفسه عن القاتل. خلاصه في المر الذي يشربه٠
لكن أنا لم أتهم بجريمة بعد والحمد لله لأني لم أرتكب واحدة وإذا ما سارت حياتي على هذا النحو فلن أتهم بارتكاب واحدة ما حييت٠ لكن ذلك لا يعني أن تصل ذات مرّة الى المطار لتجد أنك محتفى به فوق العادة او أن تجد في انتظارك مبلغاً من المال٠

في منتصف الثمانينات دعيت لحضور مهرجان فالانسيا الأسباني. لم تكن المرّة الأولى لكن الإدارة كانت جديدة. كانت انتقلت -كالمدينة- من حكم اليسار الى حكم اليمين. وصلت الى المطار وتم ايصالي الى الفندق على نفقة الداعي، كالعادة. كل شيء بدا هو ذاته كما في السنوات السابقة. لكن في اليوم التالي او الذي بعده، وصلتني رسالة تقول أن موعد اجتماع فدرالية نوادي السينما الدولية قد عيّن على بعد ثلاثة أيام. في المغلّف ذاته مبلغاً من المال٠
حاولت أن أربط الخيوط الفالتة فلم أفلح وقصدت فعلاً أن أراجع إدارة المهرجان في اليوم التالي. في اليوم التالي لم أجد من يعلم شيئاً عن الموضوع. ولا أحد يعلم لمن أعطي المبلغ. كانت هناك شكوكاً حول مسؤولة الضيافة لكنها كانت مشغولة ولم ترد على محاولات الإتصال بها

في اليوم الثالث ذهبت الى الإجتماع. وجدت إسمى على رأس المائدة. ألقيت التحية وقوبلت بأحسن منها لكني لم أعرف ما الذي سأتحدّث فيه. مال إلي رجل الى يساري وقال هامساً: "انا في الجمعية منذ عدة سنوات (ذكر كم سنة لكني نسيت) ولم ألتق بك من قبل. من تكون؟"٠ ملت الى الرجل وقلت له هامساً بدوري: لجانب أن أسمي محمد رضا فأنا لا علاقة لي مطلقاً بهذه الجمعية. هناك خطأ٠
الى أن تم كشف الخطأ كان المهرجان انتهى وخرجت منه أثرى مما دخلته٠

في أواخر الثمانينات، ها أنا أصل الى مهرجان نانت في فرنسا، فاستقبل بحفاوة خاصّة. قلت في نفسي أن الأمر غريب لأن إدارة هذا المهرجان لم تتغيّر. قام موظّف من المهرجان بأخذ جواز سفري البريطاني مني وحمل آخر حقيبتي وفي لحظات كنت في الليموزين السوداء الى قلب المدينة وصولاً الى أفخم فندق فيها. نانت ليست بالمدينة الزاهية وأفخم فندق فيها هو مسألة نسبية. المهم وصلت وتم وضعي في غرفة سويت وكل شيء على ما يرام لنصف ساعة قبل أن يدق الهاتف وإذا بالموظّف (وهو شاب فرنسي) يتحدّث ملسوعاً قائلاً: أنت لست رئيس لجنة التحكيم؟
لا -
لكنك لم تخبرني٠
لم تسألني حتى أخبرك٠ -
لكن قدّمت نفسك لي ...
قاطعته هذه المرّة بحدة
لم تُتَح لي فرصة تقديم نفسي إليك. شاهدت إسمي على اليافطة ولم يكن هناك خطأ فيه وأنا عادة -
لا أتكلّم كثيراً ولو سألتني لقلت لك ولست مسؤولا عن
عن أخطائك٠
رد وقد تراجع عن حدّته: أعتذر لكن عليك أن تترك السويت٠
أنا مستعد، لكن عليك أن تتأكد أن حجزي الآخر لا يزال متوفّراً -
حسناً، سأعود إليك٠

عاد إليّ بعد نصف ساعة أخرى وأخبرني سريعاً أنني أستطيع أن أبقى حيث أنا. شيء لم أمانعه بالطبع٠ في اليوم التالي عرفت أن رئيس لجنة التحكيم هو مخرج هندي شاب أسمه ليس بعيداً -عند الفرنسيين على الأقل- عن إسمي، فكلانا أسمه الأول محمد، وكان مفترضاً وصوله قبل وصولي بنحو ساعة الى مطار نانت (أنا من لندن هو من نيودلهي) لكن الطيران الهندي تأخر. وحين ظهرت رفعوا يافطة عليها إسمي. من كتب إسمي؟ لا أحد يعرف٠
الموظّف تحمّل نتيجة الخطأ. الهندي وصل بعد وصولي بأكثر من ساعة وانتظر واتصل واعتقد أن المهرجان مهمل لم يعره اهتماماً ثم ضحك حين أخبروه بالخطأ، وبل سعى خلال إحدى حفلات المهرجان للتعرّف عليّ وضحكنا معاً على ما حدث٠

في بعض الأحيان، تذهب كل الأفلام الى غياب لا رجعة منه وتبقى مثل هذه الحكايات٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم الأسبوع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Watchmen *
Zack Snyder إخراج: زاك سنايدر
الولايات المتحدة [2009]. أكشن (كوميكس)٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقد: محمد رُضا
......................................................................................................
القنبلة النووية قد تحل المشاكل كلها وتجلب السلام الى الأرض، لكنها لن تقضي على فيلم رديء


معظم الأفلام التي يتم نقلها من صفحات الكوميكس الى شاشات السينما تكمن على يمين الخط السياسي على نحو آلي٠ هذا مع أن مفهوم البطل الخارق الذي يؤول على نفسه تحقيق العدالة الغائبة وإحلال القانون في حال هوانه والدفاع عن الحريّات والمظلومين، هو مفهوم يبدو مقبولاً في الوهلة الأولى على أساس أن المرء بحاجة الى بطل يحميه من الشر والأشرار الذين يرتعون في غياب الرادع الرسمي. البوليس هنا أما عاجز عن الحركة او أنه فاسد تم شراءه او ليس مجهّزاً بالأدوات التي تجعله قادراً على إحراز النصر في معركته ضد الجريمة المنظّمة التي عادة ما يقودها شخص يتمتّع بقوى مماثلة لتلك التي يتمتّع بها البطل الخارق او »السوبر هيرو« كما يُصطلح على تسميته٠
لكن في نظرة أعمق، فإن هذا المفهوم يحصر الشرور في أشخاص وليس في مجتمعات ويجد في استخدام القوّة الفردية كل التبرير لإلغاء دور القانون الذي يريد الدفاع عنه وحصر المهام بالحل العسكري وحده٠
فيلم زاك سنايدر (»يوم الموتى«، »300«) الجديد يتجاوز »باتمان« و»سوبرمان« و»سبايدرمان« في هذا الشأن ويصب مباشرة في تبرير ما هو أفدح: استخدام القوّة النووية لخلق سلام شامل على الأرض. ترتيباً في لائحة تضم الأفلام التي تدعو للحل العنفي فإن سلسلة تشارلز برونسون »أمنية موت« التي خرجت في السبعينات والثمانينات ومنحت بطلها (غير المتمتّع بأي قوّة خارقة) كل الحق في اقتناص القتلة بنفسه، باشرت سلسلة واسعة من الأفلام المماثلة التي تنتهي هنا مانحة البطل الخارق (المصنوع على ذات النموذج) الحق في تدمير الأرض لأجل خلق حياة أفضل٠
هذا هو مبدأ فاشي معروف وهذا ما يتبنّاه زاك سنايدر هنا من دون جدال٠
قصّة مجموعة من الشخصيات القويّة، سنة 1984 التي لها تاريخ عمل مشترك والتي وصلت الى باب موصد حين منعتها الحكومة من ممارسة عملها فتفرّقت٠ يبدأ الفيلم (الذي تبلغ مدّة عرضه نحو ساعتين ونصف) باغتيال أحدها وحين النهاية نعلم هوية المغتال (الذي لا يجوز الإفصاح عنه حفاظاً على مفاجآت الفيلم ووقعها على المشاهدين) لكن ما بين البداية والنهاية رحلة حول حياة تلك الشخصيات الأربعة الباقية وتمزّقها بين رغبتها في العودة الى ما كانت عليه وبين بحثها عن الإستمرار في حياة مدنية. في الإطار المحيط، فإن الإتحاد السوڤييتي، والأحداث تقع في الثمانينات، يهدد الأمن القومي الأميركي وأمن دول أخرى والرئيس نيكسون (في ولايته الثالثة حسب الفيلم). وهناك جهة تشكّل طرفاً ثالثاً تخطط لهولوكوست نووي وعلى الرغم مما تجده من معارضة، الا أن مفهومها هو الذي ينتصر وهو المفهوم الذي ينتهي اليه الفيلم ذاته مكرراً أنه في بعض الأحيان يكون من الضروري التضحية بالبعض لأجل الغالبية٠ ولتأكيد ذلك، فإن أحد الصور الأخيرة التي يوردها الفيلم، لقاء حب ومودّة بين الإدارتين الأميركية والروسية التي كانت، حسبما يقول الفيلم، على شفير حرب عالمية قبل أيام قليلة لكن المأساة وحدّتهما٠

الكوميدي
من قبل دوران العقرب على دقيقة الفيلم الأولى قد تلحظ أن المنهج هو تركيب الفيلم كما لو كان إنجازاً فنيّاً في الأساس. المقدّمة تستمر لنحو أربع دقائق متمهّلة مع نهايتها شعرت بالملل والفيلم لم يبدأ بعد. في تلك المقدّمة نشاهد شخصيات مقنّعة تصافح الرئيس جون ف. كندي والفنان آندي وورهول من بين آخرين. هذا لكي تؤكد لك أن الرجال المقنّعين- أبطال الفيلم كانوا موجودين أحياءاً يرزقون بالفعل. أين كنت أنت؟ لكن الفيلم ليس بكامله مملاً ولو أنه دائماً ما يمشي على شفير الضجر. إنه فيلم يتعرّج ويتقدّم، في حكايته، خطوة ويعود ثلاث خطوات وينتقل بين الأزمنة من دون ضرورة . المبرر الوحيد لأن تنتقل بين الأزمنة في فلاشباك وفلاشفوروود يجب أن يكون هذا الإنتقال جزءاً من بنية الفيلم الروائية ينضح خلال ذلك بمفاجآت ويقنعنا بأن السبيل الأفضل لكشف هذا الجانب او ذاك من الشخصية او من الحدث لم يكن ليتم على نحو أفضل لولا الإنتقال الى الزمن الآخر قبل العودة الى الزمن الحالي٠
هذا التبرير ليس موجوداً. الموجود هو القناعة بأن مثل هذا السرد السعداني هو تكوين فني ما. والمخرج يبدو أنه يعمل هنا على أساس "أنس فيلمي السابقين. كانا تجاريين تماماً. أما هذا فهو فني في الأساس وتجاري في اعتبار ثان متأخر"٠
لم أقرأ الرواية التي نشرت في إثنا عشر حلقة، لكني قرأت عنها وما فهمته هو أن سمحت لنفسها بانتقالات أفضل لشخصياتها في تطوّر فعلي وذي منهج. فقط السيناريست والمخرج اللذان لا يملكان حيلة او موهبة هما غير القادرين على عدم الحفاظ على عناصر قوّة الأصل حين محاولة نقل ذلك الأصل الى الشاشة. المسألة ليست أن مدّة عرض الفيلم قد لا تستوعب، بل أن الفيلم لو امتد لعشر ساعات من منوال هذا الإخراج لما استوعب٠
شخصيات الفيلم تبدأ بالرجل المسمّى بـ »الكوميدي« ولابد أن الفيلم ذكر السبب لكني لم أعره اهتمامي لأني كنت مشغولاً بمتابعة موقع هذا ا»الكوميدي« (وهو ليس مهرّجاً باختيار الفيلم) من العمل بأسره. يقوم به جفري دين مورغن٠ في مطلع الفيلم نراه يتابع الرئيس نيكسون على شاشة التلفزيون ويشرب من زجاجة ويهز رأساً غير موافق. فجأة يلاحظ أن هناك ظلالاً عند الباب فيبهب واقفاً للدفاع عن نفسه في الوقت الذي يغزوه رجل أسرع منه وأقوى. المعركة تدور بين الإثنين تحوّل الغرفة الي دمار قبل أن يرمي الرجل الغامض الكوميدي من النافذة فيسقط من علو شاهق ويموت٠ في إثره زر أصفر سيلتقطه بعد أصدقائه في محاولة معرفة ما الذي حدث لرفيقه وهي المحاولة التي سيشترك فيها ثلاثة تحديداً هم وولتر (جاكي إيرل هايلي) ودان (باتريك ولسون) ولوري (مالِن أكرمان). والأخيرة إمرأة جميلة لديها شعر طويل مغسول جيّداً لم يكن ينقص الفيلم الا استخدامه في اعلانات شامبو٠
هناك أيضاً رجل كان أصيب بعارض نووي فتحوّل الى »شيء« أزرق طويل القامة، بلا عينين ودائماً عار بالكامل. إنه أشبه بنجم بورنو قُبض عليه خلال التصوير ووضع في الثلاجة لفترة. هذه الشخصية يلعبها ممثل موهوب لن تتعرّف عليه أسمه بيلي كرودوب. وهي، في عرفان الفيلم، شخصية عبقرية لأنها دائماً ما تفكّر في أن الغلبة عليها أن تكون للأقوى فأهل الأرض لا يستحقّون الرحمة٠

عشرة على عشرة
الأجواء الداكنة في هذا الفيلم ليست كتلك التي في سلسلة »باتمان« القديمة او الحالية. هناك هي داكنة لأن الشر سطا لحين ظهور باتمان، ولأن باتمان لا يستطيع الظهور الا في أجواء ليلية كشأن الوطاويط التي ينتمي إليها. أما هنا فإن الأجواء داكنة لأن معظم الشخصيات، تلك التي يتم تقديمها كأبطال، سادية، وجميعاً عنيفة قاسية. والفيلم يعمل على منوال تشجيع انتقالها من بعض العنف الى كل العنف كشرط لمواجهة الشر والأشرار٠
مثالان بارزان، من بين أمثلة أخرى، على ذلك. شخصية وولتر كوفاكس (جاكي إيرل هايلي) شخصية يعذّبها ضميرها تعرّفنا على تاريخها فتقول أنها كانت عادة متهاونة مع الأشرار الى أن داهمت رجلاً كان اختطف فتاة صغيرة قتلها وترك بعض بقاياها لكلابه. وولتر يتناول فأساً ويحل محل القانون بأسره فيضرب رأس المجرم لا مرّة او مرّتين بل مرّات عديدة. نقلته الى العنف خلّصته من تبعات الحيرة عن هويّته وموضعه في المجتمع٠
المثال الثاني كامن في شخصية دان (باتريك ولسون) الذي كان واحداً من المجموعة قبل أن يعيش على أنقاض ماضيه وحيداً. حين تلجأ إليه زميلة الأمس لوري (مالِن أكرمان) يُعاملها كمجرد صديقة وحين تجرّه الى بدء ممارسة الحب معها يتوقّف بعد قليل شاعراً بعجزه. دان، الذي يستخدم نظارة طبّية طوال الوقت، يكتشف بعد ظهور عجزه، أن عليه أن يعود الى دور البطولة الذي يفتقده في داخله فيرمي النظّارة لأن عينيه الآن عشرة على عشرة بعد هذا القرار ويرتدي البذلة المطّاطية ويركب في تلك المركبة التي تشبه البيضة الحديدية والمزوّدة بالعتاد والعدّة ويقرر -ومعه لوري- العودة الى سابق عهده. نتيجة ذلك أن المرّة الثانية التي تُتاح له فرصة ممارسة الحب مع لوري يتجاوز عجزه مستعيداً كامل قوّته . المفاد هنا هو أن الضعف صاحب وولتر حين كان لا يزال غير قادر على أن يحل محل القانون ويقاضي المجرمين بنفس أسلحتهم، وصاحب دان حين اقتنع بالحياة الإجتماعية او المدنية٠

إذ يحكم الفيلم على الشخصيات بين مسالم = عاجز، ضعيف، لا قيمة له وبين محارب = قوي، مُهاب، ذو فاعلية فإنه يترك الشخصية الخامسة أدريان (ماثيو غود) الى ظهور لاحق ويعامله كمستوى أعلى يعكس إعجاب الفيلم (والمخرج طبعاً) به: إنه واحد من هؤلاء المحاربين الذي لم يهن ولم يستسلم وتوصّل لمعرفة أين خير البشرية٠
في غمار ذلك، وفي مشاهد بعضها فلاشباك، نجد تصنيف المخرج للآخرين. »الحرس« ليس عن الأميركيين والروس كطرفي نزاع (ولا فيه ما يكفي لبحث هذا الشأن) بل هو عن الصراع بين القوّة والضعف. وإذا كانت بعض الشخصيات الرئيسية انتصرت -ولو متأخرة- على ضعفها فإن هناك حالات أخرى من الضعف من الممكن سحقها: خلال حرب ڤييتنام تتقدّم القمرة الطائرة التي صنعها دان فوق رؤوس المحاربين الڤييتناميين وتبيدهم. هي لا تطلق الرصاص عليهم تصويباً، بل تفتح عليهم ذخيرة حارقة تنسفهم٠
في مشهد يقع داخل سجن يدخله وولتر مذنباً يضايقه سجين بأسئلته وتحرّشه. يكسر وولتر الزجاج الفاصل بينه وبين المطبخ ويلتقط الزيت المغلي ويصبّه على السجين. السجين رجل أسود٠ لاحقاً، أحد النافذين بين السجناء قزم صغير أضعف من أن يجابه القوّة بمثيلها لذلك لديه رجلين يقومان عنه بهذه المهمّة. هذا القزم ينتهي مقتولاً بعنف. لا نرى من جثّته الى بركة دماء٠
ماذا بعد؟ الكوميدي كانت له علاقة بإمرأة فييتنامية. تتقدّم منه وتخبره بأنها حامل منه. يسحب مسدّسه ويقتلها. دان يستنكر. الكوميدي يرد عليه. دان يتراجع عن استنكاره٠
الشعوب الثالثة والصغار حجماً والنساء الضعيفات في هذا المنوال، هي إما حشود حرب تنتهي الى الإبادة وإما حالات في الظاهر إنسانية لكنها لا تستحق الحياة وفي الحالتين فإن قتلها مبارك٠ وهناك حالة أخرى حين ينقذ دان وصاحبة الشعر الطويل سكّان بناية محترقة. السكّان يولولون خائفين من الهيب الذي يكاد يقتحم الغرفة التي لجأووا إليها. دان ولوري ينقذانهما. النوع الثالث من هذه الشعوب هي ضحية مذلولة. وقبل نحو ثلث ساعة من نهاية الفيلم فإن علماءاً من أهل الأرض ذوي بشرات داكنة (في مقدّمتهم هندي) لا قيمة لهم فتتم إبادتهم باختيار ناصع من السيناريو٠
وكل هذا ليس من مبدأ نحن وهم. بل من مبدأ نحن فقط. فهم ليسوا في ذات الركب من التقدّم او من حق الظهور أساساً٠

هناك الكثير مما يشغل العين على الشاشة، إذا ما قررتْ البقاء يقظة. ما يمنع ذلك بالطبع أن هذا الكثير ليس سوى شغل فبارك من العمليات الكومبيو-تقنية المبرمجة لكي تحل محل الشغل البصري الناتج عن موهبة حسّاسة ذات مدارك لما الفرق بين عنف يأتي مصحوباً بالقدر اللازم من السخرية لكي يعكس بالنتيجة او بالضرورة موقعاً مناوئاً او منتقداً وبين عنف يتم تقديمه كحركة عنيفة فقط. بخلو مشاهده من أي تعليق، فإن المخرج يبرهن -مرّة أخري- عن حبّه الشديد للعنف وتعاطفه مع من يقتل ويقطع أطرافاً ويفجّر دماءاً وهذا كان شأنه في فيلميه السابقين أيضاً٠


DIRECTOR: Zack Snyder.
CAST: Malin Akerman, Billy Crudup, Matthew Goode, Jackie
Earle Haley, Jeffrey Dean Morgan, Patrick Wilson, Carla Gugino.
SCREENPLAY: David Hayter, Alex Tse. CINEMATOGRAPHY: Larry Fong (Color). EDITOR: William Fox (162 min) . MUSIC: Tyler Bates. PRODUCERS: Lawrence Gordon, Lloyd Levin, Deborah Snyder. PROD. COMPANY: Warner/ Paramount/ Legendry Pictures/ Lawrence Gordon.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بحر من الأفلام | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هيتشكوك
ــــــــــــــــــــ
The Lady Vanishes ****
السيدة تختفي [بريطانيا- 1938]٠
......................................................................................................
بين النوم واليقظة.... ظهرت مس فروي ثم اختفت



Flightplan لم تكن حبكة فيلم
الذي أخرجه الألماني روبرت شيونتكي سنة 2005 بعيدة كثيراً عن حبكة فيلم ألفرد هيتشكوك »السيدة تختفي« سنة 1938
في كلا الفيلمين حكاية شخص معيّن يختفي خلال رحلة غير متوقّفة٠ في فيلم شيونتكي، بطولة جودي فوستر، يختفي ولد صغير خلال رحلة طائرة. في فيلم هيتشكوك تختفي سيدة عجوز في قطار منطلق. في الأول والثاني إمرأتان تحققان في الموضوع واثقتان من أن الطائرة/ القطار انطلقا وذلك الشخص المفقود على متنهما. في الأول والثاني، الركّاب لا يصدّقون وهناك من يعلم ويخفي. وفي كلا الفيلمين تأوى المرأة التي ستبحث عن الشخص الى النوم وحين تستيقظ لا تجد ذلك الشخص. وفي الفيلمين أيضاً وأيضاً، هناك مؤامرة تنتهي بالإخفاق وبإيجاد الشخص المختفي بخير٠
على كثرة هذه التشابهات فإن المنطقة الأكثر اختلافاً هو المستوى. صحيح أن فيلم »تصميم رحلة« مثير للإهتمام. مركّب ليبدو جيّداً لكنه فراسخ بحرية بعيداً عن قيمة ومستوى فيلم هيتشكوك، وهو مات بعيد وصوله الى الشاشات في حين أن فيلم هيتشكوك لا يزال حيّاً الى اليوم٠
ليس مهمّاً أن »السيدة تختفي« فيه مساحات تطفو فوق الواقع ولا تلتحق بموضوعيّته، لكن قليلون جدّاً من المخرجين الذين يستطيعون تطويع ذلك عوض محاولة معالجته. في الحقيقة، محاولة خلق تبريرات منطقية لبعض الأفلام لا تأتي في المرتبة الأولى من الأهمية. فيلم هيتشكوك واحد منها وطريقة المخرج الفذ في تطويعه هو الإلتصاق بالتشويق الذي تفرضه القصّة وابراز المواقف الناتجة عن غرابة الفكرة (سيدة تختفي في قطار بين محطّتين والجميع يدّعي أنه لم تكن هناك سيّدة عجوز أصلاً) وطرح الاسئلة التي تدور حول لماذا ينفي الركّاب أن هناك سيّدة مختفية، وهل ستنجح المرأة التي تبحث عنها في إيجادها وهل ستجدها حيّة او ميّتة٠
The Trouble With Harry مثل فيلم هيتشكوك اللاحق
الذي أنجزه المخرج على بعد سبع سنوات من هذا الفيلم، التشويق والغموض ملوّن بلمسات ساخرة خفيفة تساهم أيضاً في قبول الغرابة من دون التوقّف عند تفاصيلها. قبل ركوب القطار، وفي تمهيد لابد منه، نتعرّف على الشخصيات التي سنمضي معها الرحلة والمضطرة لقضاء الليلة السابقة لرحلة القطار في فندق في بلدة صغيرة٠
الأحداث تقع في الفترة المعاصرة لإنتاج الفيلم أي قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية. هناك رجلين (هما باسيل رادفورد وناونتون واين) يهويان رياضة الكريكيت ولا يتوقّفان في الحديث فيها الا حين اضطرارهما قبول غرفة الخادمة لعدم وجود غرف شاغرة ثم حين تبدأ هذه بخلع ملابسها أمامهما لاستبدالها ما يجبرهما على مغادرة الغرفة كما تقتضي تقاليدهم العريقة. في غرفة أخرى هناك إيريس (مرغرغرت لوكوود) التي ينتظرها خطيبها في لندن للزواج منها. إيريس تسر لنا أنها لا تحب ذلك العريس المرتقب، لكنها تعتقد أن الأوان آن لكي تتزوّج. هناك أيضاً إريك (سيسيل باركر) ومرغريت (ليندن ترافرز) اللذان يدّعيان أنهما متزوّجين لكنهما في الحقيقة عاشقين. إريك محام متزوّج وهو كان أوهم الفتاة أنه سيطلّق للإقتران بها، لكنه أعاد حساباته ووجد أنه إذا ما فعل فسيطيح بمستقبله لذلك يحاول جهده تجنّب فضيحة ممكنة. ثم هناك سيدّة عجوز لطيفة أسمها مس فروي (السيدة ماي ويتي) التي تصادقها إيريس في صبيحة اليوم التالي. لكن في تلك الليلة تطلب ايريس مساعدة مدير الفندق ليضع حدّاً لقيام نزيل الغرفة التي تعلو غرفتها بالتوقّف عن الرقص. إنه غيلبرت (مايكل ردغراف) الذي يقتحم لاحقاً غرفتها ويرفض مغادرتها الا إذا تدخّلت لكي تطلب من مدير الفندق إرجاعه الى غرفته التي تم طرده منها٠
هذه الأجواء المرحة مليئة بالملاحظات الأوّلية ولا يوجد شيء يوحي بما سيقع لاحقاً. حتى حين تقف مس فروي عند النافذة تستمع الى غناء عازف على الطريق. من شغفها بالأغنية لا تلحظ أن مجهولاً قتل المغني وتستمر في ترديد الأغنية. في صباح اليوم التالي تتجهّز مس فروي لصعود القطار مع إيريس. حجر بناء يسقط من عل موجّه ليصيب رأس السيدة العجوز لكنه يقع على رأس إيزيس التي تتحامل. الجميع الآن في القطار. القطار ينطلق٠
إيريس تنام وحين تستيقظ تلحظ اختفاء مس فروي فتبدأ البحث عنها ووصفها للمسافرين في المقطورة. المسافرون معها ينفون أن إمرأة بتلك المواصفات كانت موجودة في القطار بمن فيهم الرجل الذي شاركهما المقصورة. بعض النافين لديهم تلك الأسباب التي لا علاقة لها بالخاطفين فأريك لا يود أن يتدخّل حتى لا ينكشف وجوده مع تلك الفتاة، والبريطانيين هاويا الرياضة لا يريدان تأييد ايريس حتى لا ينتج عن ذلك توقّف القطار وتأخيرهما عن الوصول حيث يريدان اللحاق بمباراة قادمة. لكن بعض الآخرين ينفون لأنهم أرادوا التخلّص من السيدة. أحدهم تشيكي أسمه دكتور هارتز (بول لوكاس) يوحي بأنه يصدّق إيريس لكنه يحاول سريعاً من بعد إيهامها بأنها فقدت رجاحة عقلها ربما بسبب الطوب الذي سقط على رأسها وأنه بالفعل لم يكن هناك سيّدة أخرى معها. الوحيد الذي يصدّق إيريس هو غيلبرت ومعاً سيسعيان لكشف خيوط مؤامرة تحاك خيوطها بعناية من قِبل طابور خامس يقوده دكتور هارتز نفسه٠
هيتشكوك سيّد الفورميلا الخاصّة به. لا أحد يستطيع رصف الأحداث والإنتقال بين المفارقات والشخصيات والتفاصيل على نحو يؤدي الى تفاعل كل مفارقة وكل شخصية وكل تفصيلة مع الأخرى لبناء التشويق القائم على سؤال حول ما حدث للسيدة المختفية ولماذا يكذب هؤلاء ثم متى سيجد المتآمرون أن إيريس نفسها أصبحت خطراً يجب إزالته٠
القصّة أعلاه يجب أن لا تؤخذ كما لو كانت مؤكدة. ذلك لأن الفيلم يجب أن لا يؤخذ كما لو كان ما يعرضه هو أيضاً أمر مؤكد. هيتشكوك رائع في دفع الأمور الى مستوى الريبة المثلى.... فلربما بالفعل لم يكن هناك مس فروي وإيريس فعلاً تتخيّل كل ذلك. لا تتخيّل فقط وجود مس فروي، بل تتخيّل الحكاية- الفيلم بكاملها٠ طوال الوقت هي تدخل وتخرج من »منامات«٠ تغفو هنا وتغفو هناك. ماذا لو أنه لم يكن هناك مس فروي أساساً؟ لإبراز هذا الإحتمال أنظر كيف ينهي هيتشكوك وجود/ لا وجود مس فروي. لقد تم إنقاذها من المكان الذي وُضعت فيه داخل عربة الأمتعة، لكنها في النهاية تمضي الى الغابة حين يتوقّف القطار... هل كانت مس فروي إمرأة حقيقية؟


DIRCTOR: Alfred Hitchcock.
CAST: Margaret Lockwood, Michael Redgrave, Paul Lukas, Dame May Whitty, Cecil Parker.
SCREENPLAY: Sidney Gilliat and Frank Launder. (from the novel" The Wheel Spins" by Ethel Lina White. CINEMATOGRAPHY: Jack Cox (Black & White) EDITING: R.E. Dearing (97 min). MUSIC: Louis Levy. PRODUCER: Edward Black.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إليو بتري
ــــــــــــــــــــــــــــ
Indagine su un Cittadino al di Sopra di Ogni Sospetto (Investigation of a Citizen Above Suspicion) ****
تحقيق حول مواطن فوق الشبهات [إيطاليا- 1970]٠
......................................................................................................
المحقق ذي الشخصية المركّبة: فرويد قاتلاً وكافكا متّهماً٠


نال فيلم إليو بتري هذا جائزة لجنة التحكيم في كان، ثم حصد أوسكار أفضل فيلم أجنبي بعد ذلك. رسالته السياسية لم تكن وحدها التي أثارت إهتماماً وإعجاباً، بل كذلك اخراج بتري الراقي في مجال السينما ذات الخط النقدي لمؤسسات السُلطة في دول أوروبية٠
الفيلم يساري بشكل واضح، وفي تلك الحقبة (من أواخر الستينات الى منتصف السبعينات) كانت الأفلام اليسارية منتشرة في بريطانيا وفرنسا وايطاليا على نحو ظاهر. أفلام بتري، أنطونيوني، أندرسن، كوستا-غافراس، روزي وسواهم كانت تهاجم المؤسسة السياسية المنهج الإجتماعي لتلك المؤسسة مع اختلافات في الأسلوب والصياغة٠
إليو بتري كان ينجز ما يريد بمزيج من السخرية والمواقف الواصلة الى حد السوريالية. يده الخبيرة في الكتابة (وضع السيناريو مع أوغو بيرو) وإدارته الجيّدة للشخصيات وممثليها، ثم لقطاته المختارة بعناية كانت دائماً ما ترفع من شأن العمل وتثير الإحترام من حوله حتى من قِبل اولئك الذين قد لا يؤيدون وجهة نظره٠
المفتش في بوليس روما (جيان ماريا ڤولونتي) يرتكب جريمة قتل في آخر يوم له في ادارة المباحث بعدما تمّت ترقيته لكي يستلم إدارة فرغ المخابرات في البوليس السياسي. ذلك الفرع الذي سيتيح له التجسس على من يريد. في ذلك اليوم الأخير يستجيب لدعوة فتاة تتصل به ويذهب الى شقّتها ويقتلها. حين فعلت ذلك لم تكن تعلم شيئاً كثيراً عن الشخصية التي تريد التعرّف عليها. لم تكن تعلم أنه وحشي الصفات، قاس، سادي ويرفع شعاراً مؤلّفاً من الوهم الكبير بأنه السُلطة التي لا يمكن أن تُعاقب٠ معتز بنفسه لدرجة أنه بعد ارتكاب الجريمة يعود الى مسرحها مدّعياً رغبته في المساعدة في التحقيق مدركاً أنه ترك ما يكفي من البصمات وبعض الأدلّة لكي تربطه بالضحية واثقاً من أن أحداً سوف يجرؤ على النيل منه لأن أحداً لن يصدّق أن رجل بوليس مثله يمكن أن يكون قاتلاً٠
لكن الداعي لارتكابه الجريمة لا يقل أهمية عن الرسم العام لشخصيته ولجانبها السياسي. في الحياة هو يميني فاشي التطبيق شعاره، كما يقول في الفيلم، »القمع هو حضارة«٠ والعشيقة ارتابت في رجولته. جرحته حيث كان يخفي ما يريد إخفاءه من عجز جنسي تحت مظهر القوّة والبطش. كان عليها أن تموت لأنه كان ربط تلك الرجولة المجروحة بالسُلطة التي يمتّع بها وتلك التي يصبو لأن يمارسها مستقبلاً٠ بتري رأي أن هذا العجز الرمزي إنما هو عجز الحكومة الفاشية التي لا تستطيع أن تظهر مطلقاً مظهر الضعيف أمام أحد. بذلك سحب المخرج ببراعة الصورة الفردية وطبع منها نسخاً تكفي لوصم النظام كله٠
بتري يرسم عوالم محددّة وثرية تؤدي الى ذات المفاهيم: في مكتبه يبدو المحقق حبيس عالمه. عناية الديكوريست والمدير الفني فائقة بحيث أن هذا الديكور والتصميم العام يخلقان الجو ذاته لمن يقبع في سجن غير قادر على الفكاك منه. والباقي متروك على المخرج لكي يؤكد هذا الدور حين يتم جلب المتّهمين أمامه فيبدو كما لو كان سجينا أكثر منه سجّاناً٠
التصميم الخاص بشقّة عشيقته اوغوستا (فلوريندا بولكان) متناقض للصورة الأولى . الديكور المستخدم هنا غريب عليه، لذلك يلهو به. يسخر منه ويستخدمه، حسّيا ونفسياً، لكي يزيد من شعوره برفعته هو عليه٠ وهناك أيضاً الموسيقى (لإينو موريكوني) التي يمكن ترجمتها لصور قلقة داكنة واللون غير الفاقع المستخدم في التصوير لكي يتماشى ذلك مع شخصيّته الحيّة رغم موتها في الداخل٠
الى هذا فإن تصوير لويجي كوفيلر يحاكي بدكانته تلك التي في داخل بطل الفيلم لجانب أن قبضة الممثل ماريا فولونتي على الشخصية وتأديته لها بحدّة وتوتّر كلها تسير في إتجاه واحد لا لإدانة هذا الرجل فقط، بل لإدانة العالم الذي يتحرّك فيه أيضاً٠
شاهدت الفيلم منذ سنوات بعيدة أوّل مرة (حين خرج وعرض في بيروت) ثم قبل بضعة أشهر وفي المرّتين لاحظت الألوان المستخدمة في مشاهده التي على طبيعتها ذات دلالة. مثلاً غرفة النوم التي ترتكب فيه الجريمة ذات ستائر حمراء سميكة تزيد من حدّة الموقف٠
حين ارتكاب الجريمة (يستخدم المخرج الفلاشباك حين العودة الى التفاصيل) نلحظ أن المحقق يرتدي روباً أبيض اللون (وكان يرتدي قبل ذلك قميصه الأبيض). في ذلك يتيح الفيلم لمشاهده فتح باب من التحليل النفسي: إذا كانت ممارسة الحب هي -ولو افتراضاً- الخلاص من الذات وسلبياتها- لدخول حالة تحمل المتعة المؤقّتة، فما هو اللون الذي يمكن له أن يعبّر عن الإنتقال من السلب (والمحقق سلبي تماماً) الى الحالة العاطفية أكثر من اللون الأبيض؟ خصوصاً وأن هذه المرحلة المفترض بها تحييد الرجل عما هو عليه قبل وبعد الممارسة قد تفشل خلال الممارسة ما يجعل اللون الأبيض لا تعبير عن حالة مفترضة لا يتم بلوغها فقط، بل عن الصورة الملائكية التي لن يستطيع هذا الرجل الوصول إليها. الأسود كحملان (حسب عنوان فيلم روبرت ردفورد الأخير) هو المنجلي من تلك الملاحظة حول وظيفة اللون في تلك المشاهد لجانب أن أوغوستا إنما تعبّر عن الواقعين تحت الكبت والقمع بينما يعبّر هو عن اولئك القامعين

لكن المحقق ليس وحده في بؤرة الإتهام. اولئك الذين يحققون في الجريمة غير عابئين بالبصمات التي تركها التي كانت ستدينه باكراً، ومن هم أعلى منه الذين لا يرتابون به (الا في مشهد حلمه) هم حلقة فاسدة لا تنجى من نقد المخرج. شيء من كافكا، في سوريالية تحليله للوضع الإجتماعي ودهاليز القانون والنظام واضح في الفيلم خصوصاً مع وصوله الى مشاهده الأخيرة حيث لم يعد المحقق قادراً على كتمان مسؤوليّته٠
الخط يساري والرسم الشخصي فرويدي والرسم الإجتماعي كافكاوي وكل ذلك في معالجة ساخرة سوداوية جعلت المزيج أكثر قبولاً لفيلم سرعان ما اعتبره كثيرون من نقاد الأمس أفضل أفلام المخرج. هو بالتأكيد فيلمه الأكبر من حيث شمولية الموقف والرسالة السياسية التي يحملها٠


DIRECTOR: Elio Petri
CAST: Gian Maria Volonte, Florinda Bolkan, Salvo Randone, Gianni Samtuccio, Arturo Dominici, Orazio Orlando.
SCREENPLAY: Ugo Pirro, Elio Petri. CINEMATOGRAPHER: Luigi Kubeiller (Color). EDITOR: Mario Bramonti (114 min). MUSIC: Ennio Morricone. PRODUCER: Daniele Senatore.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد خان
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كليفتي ***
[مصر- 2004]
......................................................................................................
المدينة ذاتها.... الشخصية قريبة.... والقصّة مختلفة


في‮ ‬نهاية‮ »‬أحلام هند وكاميليا‮«‬،‮ ‬أحد أفضل أفلام محمد خان الى اليوم جنباً‮ ‬الى جنب‮ »‬زوجة رجل مهم‮« ‬و»عودة مواطن‮«‬،‮ ‬تكاد تفتقد كل من هند وكاميليا الفتاة الصغيرة أحلام‮. ‬كلا الإمرأتين تهرعان على طول الشاطيء الهادر بحثاً‮. ‬ثم‮ ‬يجدانها‮. ‬وترتاح هند وترتاح كاميليا وتلعب أحلام بينهما‮. ‬هند وكامليليا هما بمثابة والدتين للفتاة‮. ‬ولاحظ اللعب على عنوان الفيلم‮ »‬أحلام هند وكاميليا‮«. ‬الفتاة إسمها أحلام وهي‮ ‬تنتمي‮ ‬الى هند وكاميليا،‮ ‬والفيلم عن أحلام‮ (‬بمعنى تمنيات‮) ‬هند وكاميليا‮. ‬
مثل معظم أفلام محمد خان،‮ ‬لا‮ ‬يود المخرج تكبير الصورة‮. ‬إنه‮ ‬يكتفي‮ ‬بالدلالات الصغيرة‮. ‬يصيغها في‮ ‬أسلوب سينمائي‮ ‬خالص‮. ‬أهمية الفيلم،‮ ‬من عدمه،‮ ‬هي‮ ‬في‮ ‬تلك الدلالات‮. ‬هي‮ ‬التي‮ ‬تمنح الفيلم الذي‮ ‬يخرجه الحجم الحقيقي‮ ‬له في‮ ‬نطاق أهميته والجزء الباطن من جودته‮. ‬أما أسلوب العمل فهو لا‮ ‬يختلف‮. ‬لم‮ ‬يختلف في‮ ‬الحقيقة الا عندما أخرج خان فيلمه ما قبل الأخير‮ »‬أيام السادات‮«. ‬يبقى »كليفتي« إبن المدينة‮. ‬سهل‮. ‬متحرك‮. ‬إيقاعي‮. ‬راقص ولو على جروح الواقع الذي‮ ‬يجسده‮. »‬أحلام هند وكاميليا‮« ‬قد‮ ‬يكون النموذج الأفضل لفيلم‮ »‬خاني‮« ‬كمادة وكأسلوب‮ وإن ‬ليس بالضرورة بمعنى الأجود٠‬
‮»‬كلفتي‮« ‬لا‮ ‬يذكر كثيرا بـ‮ »‬أحلام هند وكاميليا‮« ‬الا من حيث إمعان المخرج في‮ ‬أسلوبه الواقعي‮ ‬الشفّاف مع نهاية مفتوحة كتلك التي‮ ‬في‮ ‬الفيلم السابق‮. ‬لكن‮ »‬كلفتي‮« ‬هو أكثر قرباً‮ ‬من‮ »‬فارس المدينة‮«‬،‮ ‬وهو فيلم رائع آخر أخرجه خان‮. ‬رغم ذلك هناك فارقاً كبيراَ بالطبع‮: »‬فارس المدينة‮« ‬عن رجل ذي‮ ‬ظلالات‮ (‬لعبه بإداء لا‮ ‬يُجارى محمود حميدة‮) ‬يتصدى لما‮ ‬يراه خطأ منطلقاً‮ ‬من ذات أخلاقية شهمة تميّزه عن الشخصيات المحيطة به‮. ‬بطل‮ »‬كلفتي‮« ‬آت من حضيض المدينة ولا‮ ‬يمتلك،‮ ‬على عكس شخصيات أخرى جاءت من القاع في‮ ‬أفلام خان او في‮ ‬أفلام آخرين سواه،‮ ‬نزعات الشهامة والذات الأخلاقية‮. ‬لديه السائد والمتفق عليه من الطبيعة العامة لأمثاله‮: »‬فهلوي‮«‬،‮ »‬محنك‮«‬،‮ »‬خفيف‮«‬،‮ »‬لعبي‮« ‬و»كلفتي‮«. ‬خلال مرتين شاهدت الفيلم فيهما حاولت أن أقع في‮ ‬حب هذه الشخصية على عيوبها مسترجعاً‮ ‬أن أحمد زكي‮ ‬ومحمود حميدة ويحيى الفخراني‮ ‬وسواهم من رجال أفلام خان أوقعوني‮ ‬في‮ ‬حب شخصياتهم على الرغم من البقع الرمادية الكثيرة في‮ ‬تلك الشخصيات‮. ‬بطل‮ »‬كلفتي‮« ‬عجز عن جذبي على هذا النحو وهذا ليس خطأ في حد ذاته، لا من المخرج ولا من الممثل باسم السمرا، بل الصيغة التي كان على الفيلم تناول الشخصية بها٠‬

حكاية‮ »‬كلفتي‮« ‬التي‮ ‬شارك في‮ ‬كتابة السيناريو لها كل من محمد خان ومحمد ناصر علي،‮ ‬تدور حول هذا العاطل عن العمل بإستثناء ما‮ ‬يقوم به من سرقات صغيرة‮. ‬سترة جلدية فيها هاتف نقّال‮. ‬استيلاء على محفظة مليئة بالمال من نشّالين أقل مستوى منه،‮ ‬وعمولة إذا ما جلب ديوناً‮ ‬مستحقة من رجلين تعسّرت بهما الحال بعدما اشتريا بضاعة من عند بائع الثلاجات الذي‮ ‬يعمل عنده أحياناً‮. ‬وسط كل ذلك‮ ‬يغازل أكثر من فتاة،‮ ‬لكنه‮ ‬يشعر بعاطفة خاصة صوب فتاة معيّنة تعتقد ذات‮ ‬يوم إنه جاء‮ ‬يطلب‮ ‬يدها من والدها،‮ ‬لكن الحقيقة إنه جاء‮ ‬يسأله عنوان أحد الرجلين المُدانين‮. ‬إنه هارب من الإرتباط بقدر ما هي‮ ‬تريد الإرتباط به ولاحقاً‮ ‬ما‮ ‬يعلم إن معنى حياته إنما متصل باستقبال حبّها من دون شروط‮. ‬إنه شخص أناني‮ ‬في‮ ‬النتيجة وغائب عن وعي‮ ‬الحياة والقيمة المتأتية من العاطفة لكن هذا هو ما‮ ‬يفهمه‮. ‬والفيلم‮ ‬يحيط به وبشخصيته جيّداً‮ ‬وسريعاً‮. ‬لا حاجة لدى محمد خان تمرير المضامين ذاتها عدة مرّات‮. ‬منذ البداية تعرف من هو هذا الشخص وتأخذ موقفاً‮ ‬منه‮. ‬المأخذ هنا هو أن هذا الموقف ليس هو الموقف ذاته الذي‮ ‬يتبناه الفيلم‮. ‬بكلمات أخرى،‮ ‬بينما‮ ‬يسعى الفيلم الى قدر من إشباع الشاشة بشخص بطله على نحو لا‮ ‬يخلو من الإعجاب به،‮ ‬فإن ما توفره الشخصية لا‮ ‬يعمل على نفس المنهج ويشعر المشاهد بأن لا شيء‮ ‬يمكن لهذا الرجل المصاب بعاهات أخلاقية منها النشل والكذب وأخذ الحياة‮ »‬أونطة‮« ‬أن‮ ‬يقوم به‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يكتسب إعجابه‮. ‬وبما أن الفيلم ليس قائما على قصة ذات منعطفات درامية حادة،‮ ‬بل هو بانوراما على طول الشريحة المقدّمة،‮ ‬فإن لا شيء‮ ‬يحدث في‮ ‬الفيلم‮ ‬يغيّر موقف المشاهد من اللحظة التي‮ ‬يبني‮ ‬فيها هذا الموقف‮. ‬
لجانب أن المخرج‮ ‬يمارس هنا فهمه الكامل لحياة المدينة من دون أن‮ ‬يتخذ من ذلك الفهم مطرقة‮ ‬ينهال فيها على رؤوس مشاهديه فيطيل في‮ ‬الوصف او‮ ‬يؤكد عليه أكثر من اللازم،‮ ‬يتعامل مع ممثليه بتلك الحرفية التي‮ ‬سادت تعامله مع كبارهم‮. ‬الممثل‮ ‬يصبح طيّعاً‮ ‬بين‮ ‬يدي‮ ‬المخرج وشفافاً‮ ‬الى حد بعيد‮. ‬كل ظلمات أحمد زكي‮ ‬في‮ »‬زوجة رجل مهم‮« ‬تتبدى شفّافة من دون أن‮ ‬يؤثر ذلك عليها او‮ ‬يزيل عنها وحشتها‮. ‬الحال هنا هو ذاته،‮ ‬إنما مع عدم وجود تركيبة صعبة او معقدة‮. ‬ما لا‮ ‬يستطيع الممثل باسم سمرة أن‮ ‬يصبح عليه هو أن‮ ‬يتجاوز التنفيذ الطيّع الى التجسيد المعمّق‮. ‬يبقى على السطح‮. ‬مظهراً‮ ‬مناسباً‮ ‬وجهداً‮ ‬مبذولاً‮ ‬إنما من دون أن‮ ‬يلبّي‮ ‬حاجة المشاهد الى التواصل مع بطله او تبنيه‮.‬
يبقى أن السيناريو ليس فيه معضلة إجتماعية مهمة كما الحال في‮ ‬سيناريوهات‮ »‬زوجة رجل مهم‮« ‬او‮ »‬الحرّيف‮« (‬حيث حال ذلك الهامشي‮ ‬أكثر عمقاً‮ ‬من حاله هنا‮) ‬او‮ »‬عودة مواطن‮«‬،‮ ‬وهذا‮ ‬يبقى المأزق الذي‮ ‬يجد المخرج نفسه فيه‮. ‬إنه‮ ‬يملك كل المقوّمات الضرورية لفيلم آخر من نوعيته المميّزة باستثناء سيناريو أصعب منالا،‮ ‬أكثر تحدياً‮ ‬وأهم طرحاً‮. ‬لكنه من الخطأ أيضا الخلط بين هذا الوضع وبين مكانة المخرج نفسه‮. ‬بعض النقاد ألغى الفيلم بأسره على أساس إنه‮ »‬فيلم آخر من أفلام محمد خان‮ ‬يحمل ذات مواصفاته‮«. ‬الخطأ هو أن هذه المواصفات هي‮ ‬أفضل بكثير من مواصفات معظم من في‮ ‬الساحة العربية اليوم‮. ‬المفردات التي‮ ‬تشكلها،‮ ‬تقنيا ولغوياً‮ ‬وقواعدياً‮ ‬ومن ثم أسلوبياً،‮ ‬لا مثيل لها في‮ ‬السينما العربية بصرف النظر عن إخفاق المخرج في‮ ‬إيجاد سيناريو أقوى‮ ‬يتحدث به‮.‬


إخراج‮: ‬محمد خان
تمثيل‮: ‬بسام سمرا،‮ ‬رولا محمود،‮ ‬سناء‮ ‬يونس،‮ ‬أحمد كمال،‮ ‬محمد عبد العظيم‮.‬
سيناريو‮: ‬محمد خان ومحمد ناصر علي‮. ‬تصوير‮: ‬طارق تلمساني‮ (‬ألوان‮). ‬توليف‮: ‬ناديا شكري‮. ‬موسيقى‮: ‬الخانكة‮ ‬غروب‮. ‬
المنتج‮: ‬محمد خان‮. ‬إنتاج‮: ‬خان فيلم‮ [‬مصر‮- ٤٠٠٢] .‬

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نضال الدبس
ــــــــــــــــــــ
تحت الشمس ***
[سوريا- 2005 ]
......................................................................................................
الرجل المحبط وسط نسائه وتلك الخرق التي تضرب السقف ثم تقع٠



الفيلم الروائي‮ ‬الطويل الأول لنضال الدبس حالة فنية سائدة‮ ‬ذات أسلوب متأثر بالمكان الذي‮ ‬درس فيه السينما‮ (‬موسكو‮) ‬من حيث تكويناته المشهدية والسمة شبه الرمزية‮- ‬شبه السايكولوجية للمشهد‮. ‬يبدأ من نقطة عالية ويبقى عليها معظم الوقت،‮ ‬لكن في‮ ‬أحيان‮ (‬مطلع الساعة الثانية من الفيلم‮) ‬يبدو واضحاً‮ ‬أن هناك إفتقار للتطوّر ما في‮ ‬السيناريو مغطّى عليه امتلاك المخرج لناصيته الفنية جيداً‮. ‬نتيجة ذلك لا‮ ‬يسود الفتور او‮ ‬يشوب الضعف أي‮ ‬مرحلة من العمل ولو أنه‮ ‬ينشد أحياناً‮ ‬التقدم أكثر للخروج من حالة تعبير متكررة قليلاً‮ ‬أكثر من اللازم‮.‬
‮ ‬العنوان مزدوج المعنى كما له بعد رمزي‮ ‬يتركه الفيلم لمن‮ ‬يشاء‮. ‬المعنى المحدد الأول سقف‮ ‬يخر ماءاً‮ ‬طوال الوقت ويحاول من هم تحته معالجته برمي‮ ‬الفوط لكي‮ ‬تلتقط تلك النقاط الكبيرة وتجففه ما أمكن‮. ‬المعني‮ ‬الثاني‮ ‬هو ما‮ ‬يقع تحت ذلك السقف من أحداث مع ساكن تلك الغرفة البسيطة الفقيرة‮ (‬رامي‮ ‬حنا‮) ‬والشخصيات التي‮ ‬تزوره فيها‮. ‬بعد لاحق هو ربط هذا كله بصورة وضع سياسي‮ ‬مخروم وفيضاني‮ ‬يعيشه الناس أجمعين‮. ‬المخرج لا‮ ‬يوجّه فيلمه صوب هذا المعنى،‮ ‬لكنه لا‮ ‬يمنع المشاهدين من الاستجابة له أيضاً‮. ‬حالة طبيعية بين الإثنين‮.‬
مروان‮ (رامي ‬حنّا‮) ‬مصوّر أعراس شاب مات صديقه أحمد‮ (‬فارس الحلو‮) ‬الذي‮ ‬كان تزوّج من المرأة التي‮ ‬يحبّها لينا‮ (‬سلافة معمار‮). ‬هناك ما‮ ‬يفيد أن الحب تم قسراً‮ ‬عن رغبة عائلتها‮. ‬ربما‮ -‬كما نفهم عابراً‮ ‬من مشهد جنازة إسلامية ولقطة لإحتفال كنسي‮- ‬كانا من طائفتين مختلفتين ما جعل لينا تقرر الإنعتاق من العائلة لعشر سنوات لم تستلم خلالها مكالمة منها ولا هي‮ ‬حاولت الإتصال بها‮. ‬حين‮ ‬يموت أحمد،‮ ‬متعباً‮ -‬على الأرجح‮- ‬من وطنيّته وشعره وعالمه المحبط،‮ ‬تبوح لينا لمروان بحبها له من دون كلمة أحبك‮. ‬أكثر من أن تعرض نفسها لحبّه،‮ ‬تفتح شخصيّتها الخاصة له‮. ‬لعله‮ ‬يجد ما‮ ‬يجذبه في‮ ‬تلك الشخصية‮. ‬شيء من الرفض والكثير من البذل والرغبة في‮ ‬تكوين جديد‮ ‬يوفّر لها نقلة أخرى الى عالم تجد نفسها فيه،‮ »‬كل ما أريده ولد‮«‬،‮ ‬تقول في‮ ‬مشهدين مختلفين ثم‮ »‬كل ما أريده هو نفسي‮« ‬تقول في‮ ‬مشهد ثالث متأخر بعدما علمت أن مروان‮ ‬يحبّها من دون رغبة ممارسة هذا الحب في‮ ‬أي‮ ‬لون من شعائره‮.‬
يلتقط الفيلم شخصيات أخرى‮. ‬معارف وأقارب وجيران وقصص تقع بالعلاقة مع مروان او بعيداً‮ ‬عنه،‮ ‬لكنها تتمحور في‮ ‬المكبوت من العواطف ذاته‮. ‬المشاهد التي‮ ‬تجمع بين لينا وصديقتها مها‮ (‬أمل عمران‮) ‬أكثر من موحية‮. ‬الفيلم بأسره فيه لمحات من جنس محبوس وحس عاطفي‮ ‬ثري‮ ‬ومثير‮. ‬نساء الفيلم كلهن مثيرات وجذّابات من دون أن‮ ‬يكن جميعاً‮ ‬جميلات‮. ‬هذا‮ ‬يحدد أكثر عالم الرجل الذي‮ ‬تتمحور حوله الأحداث‮ (‬مروان‮)‬،‮ ‬فهو إزاء كل هذه الإغراءات منطو على نفسه جنسياً،‮ ‬محبط في‮ ‬هزيمة نفسية لا‮ ‬يخلص منها سوى بمعاشرة‮ (‬متأخرة في‮ ‬الفيلم‮) ‬مع الفتاة رنا‮ (‬رغدة شعراني‮) ‬التي‮ ‬يحبّها قريب له‮. ‬إنها القبلة الوحيدة التي‮ ‬يسجّلها الفيلم على نفسه والممارسة اليتيمة‮ (‬خارج الكاميرا‮) ‬ومنطلقها حركتي‮ ‬عصيان ورغبة عنيفة‮ ‬يستجيب لها مروان حين وجد نفسه مُداهماً‮ ‬منها‮. ‬أي‮ ‬أنه حتى في‮ ‬تلك اللحظات الطافحة كان بحاجة الى الطرف الآخر لكي‮ ‬يساعده على الخروج من دواخله التي‮ ‬كانت تمنعه من الإستجابة.بعض الشخصيات القليلة بدت كما لو كانت تبحث عن شيء أكثر إفادة تقوم به في‮ ‬الفيلم وفي‮ ‬مقدّمتها شخصية الخيّاط الفلسطيني‮ ‬أبو خالد‮ (‬عبد السلام الطيّب الذي‮ ‬توفي‮ ‬بعد أسابيع قليلة من تصوير الفيلم‮) ‬الذي‮ ‬يعيش في‮ ‬الجوار‮. ‬لحد بدا‮ ‬غير ملتحم مع الدراما التي‮ ‬يصوغها الفيلم لأكثر من مجرّد اطلالات عليه وعلى بعض قصص الماضي‮ ‬التي‮ ‬يتلوها‮.‬
يستخدم المخرج لقطات متنوّعة في‮ ‬إنسياب جيّد‮. ‬هناك إهتمام بتشكيل كل من حركة الكاميرا وحركة الموضوع الذي‮ ‬تصوّره والمخرج،‮ ‬ومدير تصويره‮ ‬يوسف بن‮ ‬يوسف‮ ‬ينجزان ما‮ ‬يسترعي‮ ‬الإنتباه على هذا الصعيد‮. ‬إنما بعض اللقطات القريبة‮ (‬كلوز أبس‮) ‬تبدو كما لو أن الغاية منها مبهمة‮. ‬إنها ليست حلولاً‮ ‬وحيدة في‮ ‬المنهج الشامل للمشهد او للفيلم بأكمله‮. ‬على ذلك،‮ ‬هي‮ ‬مثيرة للإهتمام من حيث أن قلة من الأفلام،‮ ‬عربية وغير عربية تستخدمها هذه الأيام‮.‬
ليس لديّ،‮ ‬في‮ ‬النهاية،‮ ‬سوى كل المديح للممثلة سلافة معمار‮. ‬هي‮ ‬المرة الأولى التي‮ ‬تقف فيها أمام الكاميرا لفيلم سينمائي‮ ‬وأتمنى أن لا تكون الأخيرة‮. ‬معظم مشاهدها تعكس قدرتها على أخذ الموقف والحوار الى الأعماق وخلطه بشخصيتها الجديدة‮. ‬ربما تساعدها خلفيتها المسرحية لكن بالتأكيد هناك أيضاً‮ ‬استيعابها للحركة السينمائية وطواعية وتوقيت إلقائها كما‮ ‬يشهد بذلك المشهد الذي‮ ‬تقرأ فيه حواراً‮ ‬إنكليزياً‮ ‬وهي‮ ‬تقفز من الأرض الى السرير‮. ‬رامي‮ ‬حنا بدوره جيّد لكن عليه تحمّل حالة من عدم اللمعان مرجعها أن الشخصية التي‮ ‬يؤديها داخلية أكثر منها خارجية‮. ‬

إخراج نضال الدبس
تمثيل: رامي حنا، سلافة معمار،‮ ‬فارس الحلو،‮ ‬رغدة شعراني،‮ ‬أمل عمران،‮ ‬حلا عمران،‮ ‬أدهم مرشد، غسان سلمان، عبد السلام الطيّب٠
سيناريو: نضال الدبس. مدير التصوير: يوسف بن يوسف. توليف: علي ليلان (97 د). موسيقى: ديما قرشو. المنتج: المؤسسة العامة للسينما (سوريا)٠


يوجي يامادا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Kakushi- Ken: Oni No Tsumi (Hidden Blade: Devil's Claws) ****
النصل الخفي: مخلب الشيطان (اليابان- 2005)٠
......................................................................................................
يختلف‮ »‬النصل الخفي‮« ‬عن أفلام ساموراي‮ ‬كثيرة في‮ ‬إنه مصنوع للدراما وليس كفيلم أكشن

هذا الفيلم الساموراي‮ ‬ليس متميّزاً‮ ‬عن أفلام الساموراي‮ ‬الأخرى على أي‮ ‬صعيد ويزيد من مشاكله في‮ ‬هذا الخصوص إنه رتيب أكثر قليلاً‮ ‬مما‮ ‬يجب‮. ‬إنه ثاني‮ ‬أفلام‮ ‬يوجي‮ ‬مامادا الساموراي‮ ‬علماً‮ ‬بأنه الفيلم السادس والسبعين بين أعمال هذا المخرج الذي‮ ‬يبلغ‮ ‬من العمر أربعة وسبعون سنة‮. ‬
كاتاغيري‮ (‬ماساتوشي‮ ‬ناغازي‮) ‬ينتمي‮ ‬الى عصبة من محاربي‮ ‬الساموراي‮ ‬ويشهد بعين‮ ‬غير راضية محاولة العصبة استبدال السلاح الياباني‮ ‬التقليدي‮ ‬بالسلاح الناري‮ ‬الآتي‮ ‬من الغرب‮. ‬تبعاً‮ ‬لذلك،‮ ‬يقرر العزوف عن القتال وخط حياة جديدة‮ ‬يشجعه على ذلك حبّه لخادمته كاي‮ (‬تاكاكو ماتسو‮). ‬لكن الفارق الطبقي‮ ‬بينهما‮ ‬يمنعه من الزواج بها‮. ‬وعدم زواجه الى الآن أمر‮ ‬يعارضه رؤساء العصبة على أساس أن التقاليد تستدعي‮ ‬أن‮ ‬يمارس حياة زوجية كاملة‮. ‬ناغازي‮ ‬يكاد لا‮ ‬يُبالي‮ ‬بذلك الى أن‮ ‬يأتيه أمر من العصبة بقتل صديقه المقرّب هازاما‮ (‬يوكيوشي‮ ‬أوزاوا‮) ‬المتهم بالخيانة ومحاولة قلب رئاسة العصبة التي‮ ‬كانت ألقت القبض عليه وسجنته في‮ ‬القرية‮. ‬هذا‮ ‬يستدعي‮ ‬كاتاغيري‮ ‬لمعاينة وضعه من جديد،‮ ‬فهو‮ ‬يؤيد‮ ‬يابان قديمة ولا‮ ‬يمانع لو أن العصبة تغيّرت‮ (‬حتى على‮ ‬يدي‮ ‬هازاما‮) ‬لكنه من ناحية ثانية‮ ‬يجد لزاماً‮ ‬عليه الإنصياع للعصبة كونه لا زال‮ ‬ينتمي‮ ‬إليها‮. ‬الأمور تتطوّر بحيث على كاتاغيري‮ ‬وهازاما المواجهة في‮ ‬النهاية‮. ‬إنها مواجهة لا تأتي‮ ‬بجديد كلي‮ ‬على صعيد أفلام الساموراي،‮ ‬من حيث تنفيذ المعارك او من حيث تأجيج الصراع الى لحظاته الأخيرة،‮ ‬لكنها تبقى مثيرة للإهتمام‮.‬

يثير الفيلم عدة مسائل تمر على نطاق ساعتين وعشر دقائق من العرض‮. ‬أحدها الحداثة التي‮ ‬تجعل الساموراي‮ ‬القديم،‮ ‬كل من كاتاغيري‮ ‬وهازاما على حد سواء،‮ ‬كاره لما تؤول اليه مهنتهما‮. ‬لكن في‮ ‬حين أن كاتاغيري‮ ‬ينهل من وحدته وانفراده موقفاً‮ ‬يعزز به مناوءته للحداثة،‮ ‬يدفع كرهها بهازاما للإنتقال من الخير الى الشر‮. ‬ومن دون أن‮ ‬يحمل الفيلم حكماً‮ ‬مباشراً‮ ‬عليه،‮ ‬فإن وضع هذا الصديق‮- ‬العدو‮ ‬يشبه أوضاع كثيرين‮ ‬غيره شوهدوا في‮ ‬أفلام ساموراي‮ ‬أخرى كما في‮ ‬أفلام رعاة بقر،‮ ‬بما في‮ ‬ذلك حكاية الصديقين اللذين‮ ‬يواجهان بعضهما البعض في‮ ‬النهاية لأنهما لن‮ ‬يستطيعا المضي‮ ‬من دون كلمة فاصلة تحدد من‮ ‬يبقى حياً‮ ‬ومن‮ ‬يمت نتيجة خلافهما المستشري‮. ‬المسألة الثانية هي‮ ‬الطبقية وكيف تتدخل للحد من السعادة‮. ‬حتى حين تعود كاي‮ ‬لزوجها مريضة ويتناهى لبطل الفيلم أنها على وشك الموت من قلة العناية بها‮ (‬تسخرها أم زوجها للأعمال الشاقة حتى الهلاك‮) ‬يقتحم البيت ويحملها عائداً‮ ‬بها الى منزله‮. ‬لكنه‮ ‬يبقى ممتنعاً‮ ‬عنها جنسياً‮. ‬المسألة الثالثة هي‮ ‬أن الحداثة الآتية هي‮ ‬غربية،‮ ‬وككل حداثة‮ ‬غربية حطّت في‮ ‬في‮ ‬بلد ذي‮ ‬عادات عريقة،‮ ‬فإن قدراً‮ ‬كبيراً‮ ‬من خسارة الهوية الخاصة بذلك البلد‮ ‬يصبح عنواناً‮ ‬خلفياً‮ ‬لما‮ ‬يدور‮. ‬
على الرغم من رتابته،‮ ‬الا أن‮ »‬النصل الخفي‮« ‬مبني‮ ‬على سلاسة في‮ ‬السرد لا تجدها في‮ ‬العديد من الأفلام الأكثر سرعة‮. ‬عناية كبيرة في‮ ‬التصوير توعز بالرويّة خلال التصوير والعناية بتقديم عمل‮ ‬يفضّل الدراما على الأكشن‮. ‬وفي‮ ‬حين أن النصف الأول‮ ‬يعتمد على جهود الممثل ماساتوشي‮ ‬ناغازي‮ (‬نجم في‮ ‬اليابان‮) ‬في‮ ‬إحتلال الشاغر من مساحة الفيلم الدرامية بحضوره المقنع،‮ ‬الا أن إدخال الممثل الذي‮ ‬يلعب دور هازاما‮ (‬أوزاوا‮) ‬الى صلب أحداث النصف الثاني‮ ‬من الفيلم‮ ‬يرفع الوتيرة قليلاً‮ ‬ويمنح الفيلم تجديداً‮ ‬في‮ ‬الإيقاع‮. ‬الموسيقى جيّدة والتصوير‮ ‬يأخذ بعين الإعتبار المساحات الفنية المطلوبة لفيلم‮ ‬يؤرخ ليابان ولّت‮.


DIRECTOR: Yuji Yamada
CAST: Masatoshi Nagase, Takako Matsu, MinTanaka, Hidetaka Yoshioka, Yukiyoshi Osawa, Tmoako Obata, ken Ooata, Reiko Takashima, Nenji Kobayashi.
SCREENPLAY: Yoji Yamada. CINEMATOGRAPHER: Mutuo Naganuma. EDITOR: Iwao Ishii (131 min). MUSIC: Isao Tomita. PRODUCERS: Takeo Hisamatsu, Hiroshi Fukusawa, Ichiro Yamamoto. PRODCUTION COMPANY: Shociku Prods.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جيمس ج. باروت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Fraidy Cat ***
قطّة فرايدي [الولايات المتحدة- 1924]٠
......................................................................................................


واحد من أفلام الكوميدي تشارلي تشايس حول رجل أسمه جيمي يخاف من كل شيء بما في الأولاد الصغار، لكن حين يعلم أن لديه سبعة أيام فقط لكي يعيش تتملّكه شجاعة غير منظورة خصوصاً وأن الفتاة التي يحبّها دوروثي (بث دارلينغتون) قد تفلت من يده لرجل آخر (إيرل موهان)٠ إنه فيلم من بكرة واحدة خفيفة لممثل لم يبلغ شأن تشارلي تشابلن او باستر كيتون لكنه يستحق الإكتشاف٠ استخدم إسم تشارلي تشايس ككوميدي وإسم جيمس ج. باروت (وهو أسمه الأصلي) كمخرج وهو كان انطلق أساساً كمخرج أفلام كوميدية وسبق له وأن أخرج عدداً من أفلام تشارلي تشابلن ذاته٠ في هذا الفيلم لحظات خاصّة مثل تجسيد أزمة البطل مع نفسه حين يأخذ بضرب دمية لأنه لا يمكن أن تبادله الضرب ، ثم ننتقل الى مواجهة بينه وبين رجل فنراه غير قادر على فعل الشيء نفسه٠ يبقى القول أن شرير الفيلم (أيرل موهان) يحمل في الفيلم إسماً أميركياً هو لِم تاكر، لكنه وصفه هو "شيخ القرية" ما دفعني، قبل مشاهدة الفيلم، توقّع أن أرى ممثلاً بعباءة عربية. لكن هذا لم يحدث٠
أمر واحد لم استطع فهمه هو العنوان. ليس هناك خطأ طباعة وليست الكلمة هي
Friday
لكني لم أجد معنى لها خصوصاً وإن إسم الشخصية هي جيمي جمب٠

DIRECTOR: James G. Parrott.
CAST: Charley Chase, Beth Darlington, Earl Mohan

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما جان- لوك غودار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Jean- Luc Godard
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المخرج الفرنسي‮ ‬المرموق لديه‮ ‬طريقـته الخاصة في‮ ‬العمل‮. ‬إنه لا‮ ‬ يؤلف ويخرج كما‮ ‬يفعل ألوف الآخرين،‮ ‬بل‮ ‬يؤلف في‮ ‬السينمـــا وليس لها فقط‮. ‬بكلمات أخرى،‮ ‬وبعد‮ ‬نحو نصف قرن على عمله في‮ ‬السينما،‮ ‬لا‮ ‬يزال‮ ‬غودار السينمائي‮ ‬الأكثر تأثيراً‮ ‬بين جميـع أترابه‮.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


لا‮ ‬يتوقع أحد،‮ ‬حين‮ ‬ينجز جان‮- ‬لوك‮ ‬غودار فيلما جديدا،‮ ‬عملاً‮ ‬مختلفاً‮ ‬عما كان أنجزه المخرج من قبل‮. ‬الجميع بات‮ ‬يعرف أن فيلماً‮ ‬جديداً‮ ‬لجان‮- ‬لوك‮ ‬غودار هو استمرار للفيلم الذي‮ ‬قبله الذي‮ ‬كان،‮ ‬بدوره،‮ ‬إستمراراً‮ ‬للفيلم الذي‮ ‬قبله وصولاً‮ ‬الى المرحلة الأولى من حياته السينمائية عندما انتقل من فعل الكتابة عن السينما ناقداً‮ ‬ومنطراً‮ ‬الى فعل السينما ذاتها،‮ ‬مخرجاً‮ ‬كما ناقداً‮ ‬ومنظراً‮ ‬أيضاً‮ ‬بالإضافة الى إيجاد منحاه الخاص في‮ ‬توظيف السينما لممارسة أفكاره‮. ‬
ما هو متوقع من‮ ‬غودار‮ ‬ينحصر في‮ ‬حتمية قيامه بتوفير عمل آخر ذا قيمة خاصة فنياً‮ ‬وموضوعاً،‮ ‬ويشمل الإعتقاد بأن‮ ‬غودار سيقدّم مرة أخرى تلك التوليفة من الآراء والإتجاهات في‮ ‬السينما كما في‮ ‬التاريخ والثقافات وأن‮ ‬غودار لن‮ ‬يكتب او‮ ‬يُوَلف او‮ ‬يصور او‮ ‬يستخدم الصوت كما‮ ‬يفعل أي‮ ‬سينمائي‮ ‬آخر‮. ‬هذا هو المتوقع الوحيد،‮ ‬وهو لا علاقة له بالمستوى،‮ ‬فهذا لا خلاف عليه‮.‬
في‮ ‬فيلمه الأخير‮ »‬موسيقانا‮« ‬نجد إنه في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يحافظ‮ ‬فيه على كل عناصره‮ »‬الغودارية‮« ‬التقليدية،‮ ‬يوفر‮ ‬ما هو جديد ومختلف في‮ ‬تفاصيل كثيرة عن أفلام‮ ‬غودار السابقة‮. ‬إذا ما كانت أفلام أندريه تاركوفسكي،‮ ‬حسبما سمّاها المخرج الروسي‮ ‬الراحل بنفسه‮ »‬نحت في‮ ‬الزمن‮«‬،‮ ‬فإن أفلام‮ ‬غودار هي‮ ‬نحت في‮ ‬السينما‮. ‬لا هي‮ ‬تسجيلية ولا هي‮ ‬روائية بل هي‮ ‬تسجيلية وروائية معاً‮ ‬إنما من دون خطوط فارقة‮. ‬إنها،‮ ‬بكلمة واحدة،‮ ‬غودارية‮.‬
‮ ‬-1 ‮ ‬سمات الأمس‮ ‬
ولد جان‮- ‬لوك‮ ‬غودار في‮ ٣/٢١/ ٠٣٩١ ‬في‮ ‬باريس من عائلة بروستانتية ميسورة‮. ‬والده كان طبيباً‮ ‬ووالدته كانت منحدرة من عائلة عملت في‮ ‬المصارف السويسرية‮. ‬خلال الحرب العالمية الثانية ترعرع‮ ‬غودار في‮ ‬مدينة ليون في‮ ‬سويسرا حيث اكتسب هويّته الرسمية‮. ‬في‮ ‬أواخر الأربعينات أقدم والداه على الطلاق وعاد هو إلى باريس ليدرس علم الأجناس في‮ ‬السوربون سنة ‮٩٤٩١. ‬خلال فترة دراسته تلك واظب على‮ ‬حضور الأفلام في‮ »‬نادي‮ ‬سينما الكارتييه لاتان‮« (‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يزال مفعما بصالات الفن والتجربة الى اليوم‮). ‬هناك تعرّف‮ ‬غودار على الناقد والمنظر أندريه بازان وعلى هاوين للسينما مثله هما جاك ريفيت وإريد رومير‮. ‬كانت لقاءات لطرح الأفكار وتبادل الآراء حول الأفلام التي‮ ‬يشاهدونها والحديث عن السينما الفرنسية والأميركية وسواهما‮. ‬هذه الأحاديث قادت الى التفكير بتأسيس مجلة سينما‮. ‬والمجلة فعلاً‮ ‬تأسست في‮ ‬العام ‮٠٥٩١ ‬بإسم‮ »‬كاييه دو سينما‮« ‬التي‮ ‬لا تزال تصدر الى اليوم‮.‬
يمكن للمرء تأليف كتاب حول تلك المجلة،‮ ‬سياستها الفنية،‮ ‬منهجها الأكاديمي،‮ ‬كتاباتها وآراء مخرجيها كما تأثيرهم وتأثيرها على السينما الفرنسية وخارجها‮. »‬كاييه دو سينما‮« ‬غيّرت الكثير من مفاهيم الثقافة السينمائية التي‮ ‬كانت سائدة قبلها لا في‮ ‬فرنسا فحسب بل في‮ ‬غيرها من العالم‮. ‬كتب‮ ‬غودار أول كلماته في‮ ‬النقد السينمائي‮. ‬وامتدت كتاباته لتشمل مقالات نظرية تبحث في‮ ‬شكل ووجه جديد للسينما تنقلها من سينما الترفيه الى سينما التوجيه‮. ‬
هؤلاء السينمائيين،‮ ‬الذين كانوا الى ذلك الحين عشّاق سينما ونقاداً،‮ ‬أسسوا سنة ‮٠٥٩١ »‬كاييه دو سينما‮« ‬التي‮ ‬أسست لما عُرف لاحقاً‮ ‬بـ‮
»‬الموجة الجديدة‮« ‬حينما انتقل‮ ‬غالب كتّابها،‮ ‬غودار،‮ ‬شابرول،‮ ‬تروفو،‮ ‬ريفيت ورورمير،‮ ‬الى العمل في‮ ‬السينما مخرجين‮. ‬قبل ذلك بأشهر كان
ورومير وريفيت أسسوا‮ »‬مجلة السينما‮« ‬Gazette du Cinema‮ ‬حيث كتب‮ ‬غودار فيها خمسة مقالات قبل الإنتقال الى‮ ‬كاييه دو سينما.‬
في‮ ‬العام ‮٢٥٩١ ‬انطلق عائدا الى‮ ‬سويسرا حيث اشتغل عامل بناء‮ (‬من بين أشغال أخرى‮) ‬لبضع سنوات‮. ‬الغاية كان جمع ما‮ ‬يكفي‮ ‬من مال لإخراج فيلمه الأول‭ ‬‮»‬عملية بيتون‮« ‬الذي‮ ‬تألف من ‮٠٢ ‬دقيقة‮.‬
في‮ ‬العام ‮٦٥٩١ ‬عاد الى الكتابة من جديد ثم توقف مرة أخرى عنها لكي‮ ‬يخرج فيلمه الروائي‮ ‬الطويل الأول‮ »‬نفس لاهث‮« ‬الذي‮ ‬صوّره سنة ‮٩٥٩١ ‬وعرض العام ‮٠٦٩١ ‬عن سيناريو كتبه رفيقه الآخر فرانسوا تروفو‮. ‬وهو منذ ذلك الحين لم‮ ‬يتوقف عن العمل باستثناء فترة منعزلة من حياته امتدت من العام ‮٢٧٩١ ‬الى العام ‮٨٧٩١ (‬الفترة الثالثة‮- ‬أدناه‮) ‬أخرج فيها أفلاماً‮ ‬قلما شوهدت نسبة الى شروط حياة وتقاليد عمل وضعها لنفسه‮. ‬
باستثناء تلك الفترة،‮ ‬فإن أعمال‮ ‬غودار تعكس روح سينمائي‮ ‬مفكر وذي‮ ‬موقف ومتطوّر‮. ‬بدأت باتخاذ موقف من الشكل والسرد التقليديين في‮ ‬السينما،‮ ‬وتطوّرت الى رفض نظم بأسرها،‮ ‬لكنها عادت الى أصولها الباحثة عن الجديد والمختلف لتبلور ما تمثّله أفلام‮ ‬غودار الى اليوم من
مواقف من العالم ومن الحياة ومن السينما أساساً‮.

A Bout de Souffle فيلم غودار الأول

-2 الفصول‮ ‬
تنقسم مراحل سينما‮ ‬غودار الى أربعة أقسام‮. ‬
‮- ‬المرحلة الأولى‮:‬
تمتد من فيلمه الأول‮ »‬نفس لاهث‮« ‬سنة ‮٠٦٩١ ‬الى‮ »‬واحد زائد واحد‮« ‬سنة ‮٨٦٩١. ‬في‮ ‬تلك الفترة جرّب‮ ‬غودار عدة حلول لرغبته كسر التقليد السردي‮ ‬المتّبع‮. ‬شغله على أسلوبه كان قائماً‮ ‬على‮ »‬الشكل المختلف ضد الشكل التقليدي‮« ‬واتسع لتأسيس كل ما قامت عليه سينماه لاحقاً‮: ‬هي‮ ‬سينما مؤلف،‮ ‬وسينما المضادة للتقليد،‮ ‬التحوّل بعيداً‮ ‬عن الحكاية وتحويل الفيلم الى مقالة مصوّرة‮. ‬وذلك لم‮ ‬يكن ليكتمل من دون أن‮ ‬يعمد‮ ‬غودار،‮ ‬منذ ذلك الحين،‮ ‬الى عناصر الفيلم الرئيسية‮ (‬الكتابة،‮ ‬التصوير،‮ ‬المونتاج والصوت‮) ‬وتغيير وظائفها المعتادة لأخرى مستوحاة من فلسفة برتولت برشت‮. ‬أعمال‮ ‬غودار في‮ ‬تلك المرحلة تناولت موضوع التواصل بين شخصياته المنقطعة وما‮ ‬يقع حولها من أحداث إجتماعية وسياسية‮. ‬النبرة المستخدمة نقدية‮.‬
في‮ ‬هذه الفترة أخرج،‮ ‬فيما حققه من أفلام،‮ »‬الجندي‮ ‬الصغير‮« ‬وموضوعه الحرب في‮ ‬الجزائر من وجهة نظر تدين الإحتلال وتنتقد الوجود الفرنسي‮ ‬من دون استثناءات او تراجعات‮. ‬هذا ما جلب عليه نقمة فرنسية كبيرة تجاهلها‮ ‬وحقق في‮ ‬العام التالي‮ ‬فيلمه الثالث‮ »‬المرأة هي‮ ‬المرأة‮«. ‬مع جان-بول بلموندو وآنا كارينا‮ (‬التي‮ ‬تزوّج‮ ‬غودار بها في‮ ‬ذلك العام‮). ‬وكان لقاء‮ ‬غودار ببلموندو تم في‮ ‬فيلمه الروائي‮ ‬الأول‮ »‬نفس لاهث‮« ‬وبنتائج فنية جيدة‮. ‬
‮ ‬القصة التي‮ ‬يستند عليها فيلم‮ ‬غودار الأول بسيطة في‮ ‬الجوهر‮: ‬جان بول بلماندو شقي‮ ‬هارب من البوليس‮. ‬لديه صديقة‮ (‬جين سيبرغ‮) ‬هي‮ ‬الوحيدة التي‮ ‬تستطيع الإيقاع به وهو تفعل ذلك في‮ ‬نهاية الفيلم بعدما وثق ووطد علاقتها بها‮. ‬السبب الذي‮ ‬من أجله تميّز هذا الفيلم عن أي‮ ‬فيلم بوليسي‮ ‬حينها‮ (‬وربما الى اليوم‮) ‬هو أن‮ ‬غودار وجد طريقه الخاص لتقديم ما هو عادي‮ ‬وشكلي‮ ‬بصورة مختلفة و‮- ‬فنياً‮- ‬جدلية‮. ‬مزايا تلك الطريقة لا زالت تتردد في‮ ‬أفلام‮ ‬غودار الى اليوم وأبرزها طريقة سرده الحكاية حيث‮ ‬يحوّلها الى مقالة‮. ‬يقطع فيها على أكثر من نحو بمونتاج‮ ‬يختار توقيته من دون تلقائية السرد التقليدي‮. ‬بذلك‮ ‬يبقي‮ ‬المشاهد متحفّزاً‮ ‬في‮ ‬سياق عدم قدرته على التحكم في‮ ‬مجرى الحكاية بأي‮ ‬نوع من التوقعات‮. ‬هذا وحده‮ ‬يحوّل ما‮ ‬يبدو تقليدياً‮ ‬الى ما هو مختلف عن كل ما هو تقليدي‮.‬
‮- ‬المرحلة الثانية‮:‬
غودار كان وجودياً‮ ‬في‮ ‬مرحلته الأولى،‮ ‬في‮ ‬الثانية اعتنق الماوية‮. ‬كذلك بدت تأثيرات سينما الروسي‮ ‬دزيغا فرتوف ومنهجه المسمى بـ‮ »‬سينما الحقيقة‮« ‬واضحة على أعماله‮. ‬إنها الفترة التي‮ ‬بدأت بفيلم‮ »‬حكمة مرحة‮« (٨٦٩١) ‬وامتدت لبضع سنوات رفض فيها العمل ضمن‮ »‬النظم البرجوازية‮« ‬كما وصفها فرتوف في‮ ‬أبحاثه التي‮ ‬حلّل فيها التركيبات الإجتماعية وبيّن أوجه الصراع الذي‮ ‬يعايشه المخرج الملتزم إذا ما سمح لنفسه بالتعامل مع النظام الرأسمالي‮ ‬الموجود‮. ‬إعجاب‮ ‬غودار بدزيغا فرتوف دفعه،‮ ‬وجان بيير كورين،‮ ‬لتأسيس‮ »‬دزيغا فرتوف‮ ‬غروب‮« ‬والى إعلان‮ ‬غودار أن منهجه بات‮ »‬صنع أفلام ثورية بأسلوب ثوري‮«. ‬خلال هذه الفترة انقطع‮ ‬غودار عن التعامل مع أبناء الصناعة السينمائية في‮ ‬فرنسا ملتزماً‮ ‬بتحقيق أفلامه عن الطبقة البروليتارية وحدها‮.‬
الفترة ذاتها كانت شهدت الثورة الطالبية التي‮ ‬شارك فيها‮ ‬غودار وآخرين من موقع التأييد للتغيير المطلوب في‮ ‬هيكلة البنية الطالبية ومناهج التعليم في‮ ‬المدارس‮. ‬كما‮ ‬غذتها محاولة الحكومة إقتلاع المنظّر والمؤرخ الفرنسي‮ ‬هنري‮ ‬لانلغوا من منصبه كمدير للسينماتيك فرنسيس وتعيين مدير‮ ‬يتبع سياستها‮. ‬المظاهرات التي‮ ‬اندلعت تأييداً‮ ‬للانغلوا دفعت الحكومة لإلغاء قراره


‮- ‬المرحلة الثالثة‮:‬
تقع أيضا في‮ ‬السبعينات وفيها بلغ‮ ‬تطرّف‮ ‬غودار السياسي‮ ‬حداً‮ ‬انقلب فيه حتى على أعماله السابقة‮. ‬انتقل للعيش في‮ ‬بلدة‮ ‬غرينوبل مع زوجته الثالثة آن ماري‮ ‬ميافيل وأسس شركة أسمها دال على منحاه الجديد في‮ ‬هذه المرحلة‮ ‬وهو‮ ‬SonImage‮ (»‬بلا صورة‮«). ‬أعماله القليلة في‮ ‬تلك الفترة كانت أقرب الى‮ »‬أفلام البيت‮« ‬Home movies‮ ‬وأنجزها بعيداً‮ ‬عن أدوات السينما وبكاميرا فيديو مبكرة‮. ‬الملاحظ أن هذه الفترة وقعت مباشرة بعد أن تعرّض‮ ‬غودار لحادثة حين كان‮ ‬ينطلق بدراجته النارية كاد أن‮ ‬يُقتل فيها‮. ‬تأثير ذلك النفسي‮ ‬عليه ليس معروفاً‮ ‬لنا على نحو معمّق لكنه أدى،‮ ‬بوضوح،‮ ‬الى عزلته واختيار الطريق الذي‮ ‬انعزل فيه وسينماه عن التواصل مع الآخرين حتى ولو كانوا من المؤيدين لطروحاته،‮ ‬فنية او سياسية،‮ ‬السابقة‮. ‬
هذه العزلة وردت في‮ ‬سينماه حتى حين كانت لا تزال تتواصل مع عالمه وتدخل سوقي‮ ‬العرض والطلب‮. ‬فهي‮ ‬شبيهة بحال بطله في‮ »‬بييرو الغبي‮« (٥٦٩١) ‬الذي‮ ‬قرر العزلة عن‮ »‬النظام الرأسمالي‮« ‬بأسره‮. ‬مفهوم كلا من الفيلم وما أقدم عليه‮ ‬غودار نفسه فيما بعد‮ ‬يعود الى نظرية أسستها جماعة سمّت نفسها‮ ‬Situationists Internationale‮ »‬التأسيسيون الدوليون‮« ‬ومفادها أن الممارسة النموذجية لليساري‮ ‬في‮ ‬أقصى مواقفه،‮ ‬الذي‮ ‬هو الموقف المثالي‮ ‬بالنسبة للمجموعة،‮ ‬هو الإنقطاع عن كل‮ ‬يتصل بالنظام البرجوازي‮ ‬او الرأسمالي‮. ‬الفيلم ذاته،‮ ‬مقارنة مع ما سبقه ومع ما تلاه،‮ ‬هو بداية وعي‮ ‬غودار المتزايد بأهمية الطرح السياسي‮ ‬او-بنفس المعيار‮- ‬استخدام السينما كوسيلة طرح الموقف السياسي‮.‬
‮- ‬المرحلة الرابعة‮:‬
غودار لابد وعى أنه لن‮ ‬يستطيع دفع ثمن‮ ‬غير منطقي‮ ‬لقاء مبادئه المكتسبة فقرر العام ‮٩٧٩١ ‬قطع عزلته والعودة الى السينما مسمياً‮ ‬فيلمه الأول في‮ ‬هذا النطاق،‮ ‬وهو فيلم‮ »‬كل رجل لنفسه‮« ‬بـ‮ »‬البداية الثانية‮«. ‬
إنها فترة النضج فنياً‮ ‬حتى ضمن أسلوبه الخاص‮. ‬عوض التبعثر صار أكثر تنظيماً‮ ‬ولو أن البعض لا زال‮ ‬يعتقد إنه فوضوي‮- ‬لكن الحقيقة هي‮ ‬أنه‮ ‬يتبع منهجاً‮ ‬يفهمه ومن الممكن لغيره أن‮ ‬يفهمه حالما‮ ‬ينفذ الى ذلك المنهج‮ (‬وأعترف أن ذلك صعباً‮). ‬عوض الحدة الشديدة أصبحت قطعاته من والى المشهد أكثر سلاسة وأحياناً‮ ‬أكثر شعرية،‮ ‬ولو أنها شعرية سوداء داكنة‮. ‬
جهده هذا منحه تقديرا جديداً‮ ‬فنال‮ »‬الأسد الذهبي‮« (‬جائزة مهرجان‮ »‬فانيسيا‮« ‬الأولى‮) ‬عن فيلمه‮ »‬الإسم كارمن‮« (٣٨٩١) ‬وفيلمه اللاحق‭ ‬‮»‬مرحى‮ ‬يا مريم‮« ‬نال تقديرا نقدياً‮ ‬واسعاً‮ ‬على الرغم من أنه أثار اليمين المتدين في‮ ‬فرنسا‮. ‬كذلك فعل فيلمه الآخر في‮ ‬الفترة ذاتها‮ »‬شهوة‮« ‬الذي‮ ‬اعتبره بعض النقاد أفضل هذه الأفلام الثلاثة‮.‬

-3 سينما
‮ »‬السينما ليست حلما او فانتازيا‮. ‬إنها حياة‮««‬
‮- ‬جان‮ -‬لوك‮ ‬غودار‮.‬
تظهر الفترات التي‮ ‬أوردتها أعلاه عن جانب آخر في‮ ‬أعمال‮ ‬غودار‮. ‬الفترة الأولى‮ (٩٥٩١- ٨٦٩١) ‬هي‮ ‬فترة التعاطي‮ ‬مع السينما عاشقاً‮ (‬ولو بشروطه‮). ‬الفترة الثانية‮ (٨٦٩١-٢٧٩١) ‬هي‮ ‬التي‮ ‬سبر فيها‮ ‬غور‮ »‬تسييس السينما‮«‬،‮ ‬والثالثة هي‮ (٢٧٩١-٨٧٩١) ‬هي‮ ‬الفترة التي‮ ‬وصل فيها التسييس لنفي‮ ‬السينما،‮ ‬والرابعة‮ (٩٧٩١ ‬والى اليوم‮) ‬هي‮ ‬الفترة التي‮ ‬تلت بلوغ‮ ‬نفي‮ ‬السينما مداه‮ ‬وشهدت عودته الى السينما‮.‬
إنه من السهل بمكان كبير البحث في‮ ‬السياسة‮ (‬والمقالات الباحثة في‮ ‬هذا الشأن وحده بالمئات‮). ‬لكن من الصعب الكتابة عن الفن في‮ ‬سينما‮ ‬غودار‮. ‬فالفن عنده هو ممارسة حياة في‮ ‬الفيلم وتطبيعها بالموقف السياسي‮ ‬العام‮. ‬مكمن الصعوبة هو ترجمته الصُورية لما‮ ‬يريد قوله وأسلوبه في‮ ‬القول‮. ‬
مفتاح كل شيء‮ ‬غوداري‮ ‬في‮ ‬الواقع هو تبني‮ ‬وممارسة مفهوم‮ »‬سينما المؤلف‮« ‬الى الحد الأقصى‮. ‬التعريف العاري‮ ‬من التكلّف لما هو‮ »‬سينما مؤلف‮« ‬وما هو سينما،‮ ‬يكمن في‮ ‬أن المفهوم‮ ‬يشمل أولئك المخرجين الذين‮ ‬يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن عملية إبداع الفيلم كتابة وتنفيذاً‮ ‬وما بعد‮. ‬إنه ليس المخرج الذي‮ ‬ينفّذ رؤية آخرين بل رؤيته الخاصة وبنفسه‮. ‬لذلك،‮ ‬بينما كانت هوليوود وسواها تنظر الى ألفرد هيتشكوك وهوارد هوكس وأورسن ويلز على أساس إنهم مخرجون جيدون‮ ‬يمكن الإتكال عليهم لإنجاز أفلام جيدة حسب المطلوب،‮ ‬كان نقاد‮ »‬كاييه دو سينما‮« ‬ينظرون إليهم كمؤلفين لأعمالهم حتى ولو كانت سيناريوهات أفلامهم مكتوبة من قبل‭ ‬آخرين‮. ‬التواصل في‮ ‬توفير الرؤيا الخاصة للشخصيات،‮ ‬للعالم،‮ ‬للتكنيك،‮ ‬كافية لمنحهم هذه الصفة الاستثنائية‮. ‬
غودار ذهب الى ما هو أعمق من ذلك وأبعد إذ ترجم أفكاره على نحو بعيد جداً‮ ‬عما‮ ‬يسهل قبوله لدى الطرف المنتج،‮ ‬ويسهل قبوله عند المشاهد‮ (‬حتى العاشق للسينما والراغب في‮ ‬فصلها عن مجرد الغاية في‮ ‬الترفيه‮).‬
السينما التي‮ ‬كانت في‮ ‬بال‮ ‬غودار،‮ ‬من‮ »‬نفس لاهث‮« ‬مروراً‮ ‬بـ‮ »‬حياتي‮ ‬لكي‮ ‬أعيش‮«‬،‮ »‬ويك‮- ‬إند‮«‬،‮ »‬حييت‮ ‬يا مريم‮« ‬،‮»‬شهوة‮«‬،‮ »‬تحري‮« ‬وحتى فيلمه الأخير‮ »‬موسيقانا‮«‬،‮ ‬هي‮ ‬السينما التي‮ ‬يعتقد فعلاً‮ ‬إنها الأجدر بالإقدام بصرف النظر عن الوجهة السياسية التي‮ ‬تعتنقها‮. ‬الوجهة السياسية هي‮ ‬موقف ووجهة نظر،‮ ‬لكن العمل السينمائي‮ ‬هو الإقتناع بأي‮ ‬سينما على المخرج توفيرها ولماذا‮. ‬بالنسبة لغودار وجد أن السرد الحكواتي‮ ‬لا‮ ‬ينتمي‮ ‬الى السينما الا عبر كونه مصوّراً‮. ‬الفن السينمائي،‮ ‬بكلمات أخرى،‮ ‬من الأهمية بحيث إنها تستحق شروطا مختلفة تجعلها بعيدة عن أن تكون امتداداً‮ ‬للقصة وامتداداً‮ ‬لأي‮ ‬فن آخر‮.‬
إنتقال‮ ‬غودار في‮ ‬أي‮ ‬فيلم من أفلامه من مشهد‮ ‬يتحدث فيها إثنان،‮ ‬الى مشهد لساحل البحر،‮ ‬ثم العودة إليه أكثر من مرة،‮ ‬لا‮ ‬يهدف فقط الى تمييز سينماه بلقطات تتداخل من دون أن‮ ‬يكون لها معنى في‮ ‬العقل المعتاد على الربط تقليدياً‮ ‬بين فصول الحكاية،‮ ‬بل الى خلق العمل المجسد لتلك الغاية في‮ ‬إبتكار سينما مختلفة لسينما مختلفة‮. ‬وغودار في‮ ‬كل هذا لا‮ ‬ينسى سكب قدر من الرهافة الشعرية فيما‮ ‬يقوم به‮ (‬خصوصاً‮ ‬في‮ ‬السنوات الخمس عشرة الأخيرة‮). ‬كل أفلام‮ ‬غودار في‮ ‬السنوات التي‮ ‬تلت‮ »‬ولادته الثانية‮« ‬تعبّر عن الرغبة في‮ ‬خلق سينما‮ ‬غير السينما‮. ‬لكن فيلمه المجزأ الى‭ ‬فصول بعنوان‮ »‬تاريخ السينما‮« ‬هو الذي‮ ‬يحتوي‮ ‬على الكثير المركز من آرائه في‮ ‬السينما وأي‮ ‬سينما هي‮ ‬التي‮ ‬يتبنّاها‮. ‬واحداً‮ ‬من نقاط بحثه في‮ ‬ذلك الفيلم السخرية من القول أن ولادة السينما بدأت عام ‮٥٨٨١ ‬عندما أقدم الأخوان لوميير على إقامة أول عرض بيعت فيه التذاكر للجمهور‮. ‬عنده التاريخ بدأ قبل الحركة الصناعية ذاتها إذ تم التمهيد له بالحاجة الى التعبير عبر قنوات الإيصال المختلفة ومنها التصوير والتمثيل والكتابة‮.‬
غودار في‮ ‬ذات الوقت لا‮ ‬ينسى الخصائص التي‮ ‬تميّز السينما‮. ‬إنها الفن المصاحب الوحيد لما‮ ‬يحدث في‮ ‬العالم‮. ‬المسجل لروحه والامه وأفراحه وكل أحداثه‮. ‬إنها الروح الموازي‮ ‬لأرواحنا من حيث أن الفيلم الذي‮ ‬تم إنتاجه في‮ ٥٠٩١ ‬لا‮ ‬يزال‮ ‬يستطيع سرد حالات وعادات وأفكار صُوّرت في‮ ‬حينها،‮ ‬بينما عليك‮ -‬في‮ ‬فعل الكتابة الروائية او في‮ ‬فعل العمل المسرحي‮- ‬العودة الى هناك في‮ ‬زيارة تنتهي‮ ‬ولا‮ ‬يمكن تكرارها الا بإنتاج جديد‮. ‬المسرحية لا‮ ‬يمكن لها أن تتكرر على المشاهدين بعد سنوات بنفس الطريقة وبنفس الممثلين وبنفس الوقت الذي‮ ‬حدثت فيه الا إذا ما تم تصويرها وعرض الفيلم لاحقاً‮.‬
التاريخ كان دائما مهماً‮ ‬عند‮ ‬غودار لكنه منذ‮ »‬تاريخ السينما‮« (‬وكلمة‮ ‬HISTOIRE‮ ‬الفرنسية تعني‮ »‬تاريخ‮« ‬وتعني‮ »‬قصة والمرء عليه توخي‮ ‬القراءة التي‮ ‬يعتقد إنها الأكثر تناسباً‮ ‬فكلاهما ملائم في‮ ‬فيلم‮ ‬غودار‮) ‬وهو‮ ‬يركّز أكثر على أهمية التاريخ وتوغله في‮ ‬حياتنا الى اليوم‮. [‬يقول‮: »‬إنتاج أفلام اليوم لا‮ ‬يعني‮ ‬سوى دراسة المتغيرات التي‮ ‬حققتها السينما من لومير وأيزنستاين الى الزمن الراهن،‮ ‬ودراستها فعليا بصنع أفلام حول العالم اليوم‮«]. ‬لذلك فإن فيلمه‮ »‬للأبد،‮ ‬موتزار‮« (٦٩٩١) ‬ليس رأيا في‮ ‬موتزار‮ (‬ولو أنه رأي‮ ‬وارد‮) ‬بل في‮ ‬الحرب في‮ ‬ساراييفو‮. ‬ومرة أخرى،‮ ‬ليس عن طريق الإكتفاء بقصة تقع أحداثها هناك،‮ ‬بل عن طريق بحث كل الظروف المؤدية الى ما حدث هناك وكل الظروف الناتجة من هناك‮.‬
في‮ »‬موسيقانا‮« ‬يطرح القضية الفلسطينية موجزة وناصعة من دون أن‮ ‬يتخلى عن التاريخ جنباً‮ ‬الى جنب الموقف السياسي‮. ‬
إنه من المهم ملاحظة أن قراءة‮ ‬غودار من أفلامه تتطلب إلماماً‮ ‬به قبل الإقدام على مشاهدتها‮. ‬الكثير من حسنات فيلم‮ ‬ينجزه لن تبدو كذلك الا بمثل ذلك الإلمام،‮ ‬وهو إلمام‮ ‬يتجاوز ما‮ ‬يرصفه هواة الكتابة السياسية التي‮ ‬يجدون من السهل بمكان كبير التشريح وإلقاء النظريات من دون البحث في‮ ‬التفاصيل الفنية التي‮ ‬لولاها لما عنت تلك النظريات شيئا حتى من‮ ‬غودار نفسه‮.‬


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠