ISSUE 30 | محمد ملص | بيلا تار| مرغريت فون تروتا

FLASHBACK
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Psycho (1960) ****

الغاية من فيلم الرعب ليس أن تشعر بالتقزز او أن تشاهد عنفاً لا مثيل له، بل أن تجد نفسك وقد أصبحت شاهداً على ما لا تستطيع التدخل فيه لإيقافه. هذه هي فلسفة غالبية أفلام ألفرد هيتشكوك المصاغة جيداً في هذا الفيلم الفريد من نوعه الى اليوم٠
اقتبس السيناريست جوزف ستيفانو الفيلم من رواية لروبرت بلوك المقتبسة بدورها من حادثة حقيقية لقاتل متسلسل إسمه إد غاين تقمّص شخصية أمه الميتة وقتل بشخصيّتها. فيلم هيتشكوك مدرسة لكن من الصعب، كما برهنت الأيام، الإحتذاء بها. فهو ليس المعلّم فقط، بل تلميذها النجيب الوحيد٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
SHORT FILM | فيلم قصير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محارم | محمد ملص
قطر - 2009


أحد الأفلام التي أنتجتها وحدة انتاج الأفلام الوثائقية في قناة الجزيرة للأطفال وأفضلها. يحمل سمات افلام محمد ملص الطويلة ("أحلام المدينة"، "الليل" الخ..) وحبّه لألفة العائلة ولعلاقة الأم بمفهومها٠
من اللقطة الأولى (دمشق في الليل) الى الأخيرة (رسم لقرية أم العجم على الحدود السورية/ الإسرائيلية مع حواجز شائكة تقسمها) يعبّر المخرج عن تلك العلاقة التي يكتنزها في كل أفلامه صوب المكان. يحكي هنا قصّة عائلة هاجرت الى دمشق من نحو عشرين سنة. الأب يبيع الغاز ويحلم بشراء سيارة شحن سوزوكي صغيرة وتمزح الأم وهي تقول لأحد أولادها الثلاث "حلمت بأني أسوق السوزوكي لأبيك"). لكي يساعد الأولاد أباهم في تحقيق حلمه ينبرون لبيع محارم الورق. يجولون فيها في الحارات الدمشقية وأكبرهم سناً يقع في الحب الأول حين يتعرّف على فتاة صغيرة تهوى الرسم، فيحاول الرسم بدوره لأجلها٠ الأب يقرر وقد أصبح من الجهد بمكان تحقيق حلمه وتدبير شؤون العائلة التي تعيش في شقّة بالغة التواضع العودة الى القرية. هنا يعبّر الزوج لزوجته عن رغبته في العودة الى القرية. مرّة أخرى التركيز على المرأة/ الزوجة/ الأم إذ تنظر الى زوجها وتقول: "قديش إلنا متزوجين؟ عشرين سنة. والله طول هالوقت وأنا انتظر أن تقول هذه الكلمة"٠
المدينة تحوي عمالاً كادحين، ومهاجرين من العراق، وعالماً من الجهود الصغيرة تحيط بالأحلام الكبيرة ولا تستطيع أن تحققها. ربما في العودة هزيمة لمحاولة قهر المدينة، او ربما العكس: إدانة للمدينة. محمد ملص المتأني في عمله يستفيد من ايقاع مونتاج التونسية كاهنة عطية وتصوير جيّد من جورج الخوري وعبد القادر سريجي وتمثيل تلقائي من تيسير ادريس وفدوى سليمان (الأب والأم) ومجموعة الأولاد٠
ويستخدم لقطات كرتونية مرسومة لحمامتين تغزلان نسيج الحكاية. الى ذلك، هناك حمام حقيقي فقط لمن يعشق الحمام مثلي٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ANIME | أنيمَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محارم | محمد ملص

Shigurui ***
Hiroshi Hamasaki: إخراج
ياباني - 2009


الفيلم المتوفّر حالياً على أسطوانات هو مجموع الحلقات الإثنا عشر الأولى من مسلسل أنيمَ تلفزيوني. هنا نجد 275 دقيقة من حكايات الساموراي مع اختلاف شديد: ليس فيها أي شخصيات بطولية خالية من الشوائب، وليس فيها أي مواقف من تلك "الكليشيهات" التي قد نجدها في العديد من الأفلام اليابانية الحيّة التي قدّمت موضوع الساموراي ومحاربيه٠
تقع الأحداث في العام 1622 حول شخصيّتين متكافئتين من مقاتلي الساموراي. كلاهما في خدمة السيف وفهم تقنيات القتال وهذا العشق البالغ للسيف يدفعهما لا للتباري فقط، بل أساساً لمحاولة الإرتقاء الى أعلى نقطة في مهارة القتال٠
أحد المحاربين (أسمه فيوجيكي) بذراع واحدة. الآخر (إراكو) كفيف وكلاهما سيحاربان بعضهما البعض انطلاقاً من مباراة كانت سائدة في ذلك الزمان. هناك تمهيد يقول لنا أن المباريات كانت تعبيراً عن حالة السلام السائدة لذلك كانت تُقام بسيوف من خشب، لكن هذه المرّة -ورغم أن المقاطعة التي تدور فيها الأحداث- لا زالت تعيش في سلام مع جيرانها، الا أن المباريات ستقام بالسيوف الحقيقية٠
في أفلام الساموراي الحيّة الجيّدة هناك دوما المحارب الذي هو في ذات الوقت خارج المجتمع الذي يعيش فيه. المحارب الجيّد هو ليس المرتزق بل الذي- غالباً- يجد نفسه بلا سيّد وبلا قضيّة و، بالتالي، بلا عمل. هذه العناصر موجودة هنا للضرورة ومعالجة، كرسوم، بذلك الفن الخاص الذي اتقنه اليابانيون في تعاملهم مع فن الأنيمَ٠
العنوان يعني »اليأس« واليه يضيف اليه المخرج هيروشي هاماساكي مفهوم الإستعداد للموت كفلسفة دائماً ما تثير الخيال في الشخصية والتقاليد اليابانية: ذلك الإندفاع للتضحية بالنفس والإنصياع الكامل للبذل ومكافأة النفس بالموت٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفيلم العربي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأمير ***
إخراج: محمد زران [تونس - 2005]٠
تمثيل: عبد المنعم شويط،، سنية منقعي، مصطفى عدواني
أحمد سنوسي٠
دراما عاطفية - 108 د
........................................................................................

فيلم محمد زران‮ ‬يحتوي‮ ‬على قدر كبير من الحيوية قلما نراها في‮ ‬الأفلام العربية‮. ‬حيوية الحركة وتناغمها وإنسيابها من لقطة الى أخرى‮. ‬في‮ ‬حين أن الأفلام الجماهيرية المفرطة في‮ ‬جماهيريتها هي‮ ‬وحدها التي‮ ‬عادة ما تعمد الى هذه الطريقة بينما تنحو الأفلام الجادة الى طرح فني‮ ‬هاديء في‮ ‬أسلوبه،‮ ‬الا أن المسألة ليست في‮ ‬سرعة الحركة بل في‮ ‬الحركة نفسها‮. ‬وزران‮ ‬يمنحنا فيلماً‮ ‬عليه مهمتين في‮ ‬ذات الوقت‮: ‬توفير ترفيه جيد المستوى مع موضوع لا‮ ‬ينضح بالخفّة،‮ ‬مع عين على المجتمع واستغلال جيّد لأماكن التصوير‮ (‬شارع الإستقلال في‮ ‬تونس قريباً‮ ‬عند ذلك الرصيف العريض الذي‮ ‬يتوسطه‮) ‬ما‮ ‬يجعلها تلعب دوراً‮ ‬أكثر من مجرد وجود عام‮.‬
إنها قصة عاطفية أساساً‮ ‬و-نعم‮- ‬هي‮ ‬حكاية‮ ‬غرام بين شاب من القاع وإمرأة تنتمي‮ ‬الى الطبقة الأعلى منه مباشرة،‮ ‬لكنها ليست عن الحب مستحيلاً‮ ‬او ممكناً‮ ‬ولا عن أغنية‮ ‬يطلقها المغني‮ ‬للتواصل مع حبيبته الممتنعة او عن والدها الذي‮ »‬الزواجة دي‮ ‬مش ممكن تتم‮«. ‬ما‮ ‬يوظّفه زران كاتباً‮ ‬ومخرجاً‮ ‬هو الملامح الإجتماعية العامّة للحياة في‮ ‬تونس اليوم‮. ‬حب الشاب عادل الذي‮ ‬يعمل بائعاً‮ ‬للزهور لمديرة المصرف دنيا‮ (‬سنية منقعي‮) ‬هو خيط مسحوب على الواقع ممتزجاً‮ ‬بحلم الوصول والإنتقال من وضع الى آخر والجيد فيه إنه‮ ‬غير معبّر عنه الا بأقل الكلمات‮. ‬الباقي‮ ‬هو صور تتوالى تتحدث عن نفسها بنفسها ومدارة بتصوير جيّد وبألوان رشيقة مناسبة‮.‬

بائع زهور نراه‮ ‬يلقّمها ويقصّها مع زميله في‮ ‬العمل داخل محل على الرصيف‮ ‬يدير رجل‮ ‬يرعى مصلحته قدر الإمكان‮. ‬إنه من القاع رغم وضعه وكالآخرين بالكاد‮ ‬يسبق حد الفقر‮. ‬الباقون في‮ ‬الواقع‮ ‬يقعون تحته كثيراً‮ ‬وبالنسبة لعادل فإن مشكلته الخلفية هو هربه من الواقع الى الحلم ثم من إخفاق الأحلام الى معاقرة الخمر‮. ‬في‮ ‬أحد الأيام‮ ‬يُطلب منه إيصال باقة من الزهور الى مديرة مصرف لا‮ ‬يقع بعيداً‮. ‬المديرة لديها مسؤوليات ومشاكل عمل وقرارات مهمّة‮. ‬إنها إمرأة أعمال ولديها طفل من زواج سابق‮. ‬وهي‮ ‬تكبر عادل بعشر سنوات‮. ‬هذا لا‮ ‬يمنع عادل من الوقوع في‮ ‬هواها‮. ‬على عدة أيام‮ ‬يواصل الشاب المتيّم تسليم باقات الزهور من دون أن‮ ‬يطلبها أحد او‮ ‬يبعث بها أحد،‮ ‬لكنه‮ ‬يدّعي‮ ‬إنها مرسلة من مجهول‮. ‬حين تكتشف دنيا الحقيقة‮ ‬يوقع في‮ ‬يديها،‮ ‬فهي‮ ‬لم تعتبر الشاب إحتمالاً‮ ‬عاطفياً‮ ‬وبل لم تشعر بوجوده الا تحت اضطرار السؤال عمّن بعث بتلك الزهور‮. ‬في‮ ‬ذات الوقت،‮ ‬ومع كبر أزمة عادل العاطفية،‮ ‬يتدخّل البسطاء فيها من دون حل منظور‮. ‬والشخصيات المحيطة به لديها أيضا متاعبها‮. ‬قلم محمّد زران وعينه لا تخطئان الإهتمام بتلك الشخصيات وإذ‮ ‬يفعل‮ ‬يتبدّى لنا أن الكثير مما‮ ‬يطرحه المخرج في‮ ‬هذا النطاق هو السير على خيط نحيف بين الواقع والحلم ومحاولة عادل،‮ ‬وفي‮ ‬الحقيقة كل الشخصيات الأخرى،‮ ‬بمن فيهم دنيا نفسها،‮ ‬تنأى بواقع‮ ‬غير مستحب وبطموحات تبدو أبعد منالاً‮ ‬كلما‮ ‬غاص أصحابها في‮ ‬العمل لتحقيقها‮. ‬
لكن الفيلم هو أبعد من ذلك وأهم عندما‮ ‬يتعامل مع شخصية كاتب وناشر تونسي‮ ‬أسمه رؤوف‮ (‬أحمد سنوسي‮). ‬الفيلم لا‮ ‬يبحر في‮ ‬الخلفية لكنك تستطيع أن تدرك إنه من‮ ‬غير المقرّبين،‮ ‬ومن الناشرين الذين لم‮ ‬يعد لديهم ما‮ ‬يمكنهم من الإستمرار‮. ‬الحياة تبدّلت من حوله ومواقفه لا زالت كما هي‮ ‬والناس،‮ ‬كما‮ ‬يستمر الفيلم بالوحي‮ ‬ضمنياً،‮ ‬ما عادت تقرأ وإذا فعلت فليس ما‮ ‬ينشره‮. ‬رؤوف‮ ‬ينضم للشخصيات الأخرى من حيث أن لديه طموحاته أيضاً‮ ‬فهو‮ ‬يحلم بالهجرة الى كندا وقلبه‮ ‬يؤلمه وهو‮ ‬يرى عصارة جهده وعمله طوال سنوات‮ ‬ينتهى الى صناديق آيلة للمخازن او لما هو أسوأ‮.‬


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفيلم الوثائقي
DOCUMENTARY FILM

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

L'enfer d' Henri-Georges Clouzot ***
جحيم هنري- جورج كلوزو
فرنسا- 2009

اليوم الذي انقلبت أحلام المخرج الى كوابيس


في العام 1964 مر المخرج الفرنسي هنري- جورج كلوزو بفترة نفسية عصيبة٠
كان أنجز أفلاماً قليلة من بعد عمله الأشهر و(حسب البعض) الأفضل »أجنحة الخوف« سنة 1953 الذي نال نجاحاً تجارياً ونقدياً كبيرين. الأول تمت ترجمته الى عروض جماهيرية ناجحة في كل أوروبا وفي الولايات المتحدة (ولو بعد عامين من إطلاقه) وحتى في الإتحاد السوڤييتي والدول الشيوعية الأخرى في أوروبا. أما نقدياً فتمخّض الأمر عن خطف ثلاثة جوائز عالمية (من بين جوائز أخرى) واحدة من مهرجان "كان" ("جائزة المهرجان الكبرى" كما أطلق عليها) والثانية من مهرجان برلين (الدب الذهبي) والثالثة من أكاديمية العلوم والفنون السينمائية والتلفزيونية في لندن (بافتا)٠ كان ذلك أيام ما كان مسموحاً لمهرجان كبير مثل برلين او كان عرض أفلام تم عرضها في مهرجان كبير آخر٠ لكن التقدير في أوساط النقاد السينمائيين حول العالم كان بدوره مجزياً٠ هو بالتأكيد هناك في لائحة أفضل عشرة أفلام فرنسية في التاريخ لدى أي ناقد أوروبي او أميركي الى اليوم٠

لكن السنوات توالت سريعاً من دون أن يحقق هنري-جورج كلوزو نجاحاً مشابهاً. نعم أخرج »شيطاني« Diabolique او
الذي نال نجاحاً جيّداً، لكن ما حققه بعد ذلك كان متباعداً وذا قيمة فنيّة متباينة٠ المخرج الفرنسي كان في أزمة إبداعية٠ في ذلك التاريخ، سنة 1964، حث الجهد للبحث عن لغة سينمائية جديدة يستطيع أن يعبّر فيها عن أزمته وأزمة العالم من حوله. كتب سيناريو »الجحيم« واستدعى له بضعة ممثلين فرنسيين مشهودين مثل رومي شنايدر وسيرج رياني وكاثرين أليغريه وكلود براسور وهو فعلاً رغب في إنجاز فيلم جديد من نوعيّته ولونه رغم أن القصّة تتمحور حول موضوع محدد: الغيرة التي تتملّك الزوج فتدمّره وتدمر حياته الزوجية٠

آنذاك، في مطلع الستينات، كانت السينما الفرنسية منقسمة، أساساً، الى نوعين من الأفلام: واحدة كلاسيكية تتبع السرد التقليدي الذي طالما شهد الرواج التجاري الجيّد، والأخرى حديثة تم نعتها بـالموجة الجديدة وقوامها مجموعة نقاد السينما الفرنسيين في مجلة "كاييه دو سينما" الذين انتقدوا السينما الأولى ثم ولجوا عملية إنجاز الأفلام على طريقتهم مباشرين بذلك ما عُرف -والى اليوم- بسينما المؤلف، رغم أن التسمية تعود الى سنوات أسبق٠

كلوزو لم ينتم لا الى هذه ولا الى تلك عملياً وكان يبحث عن المزيد من الإختلاف وعن القدرة على صنع فيلم صادق في المشاعر التي يتناولها. فيلم يتحسس أوتار النفس بمهارة لاعب الغيتار. لكن المخرج إذ وضع تلك الرغبة أساساً وشرطا لإنجاز ذلك الفيلم دخل نفقاً من الهواجس والأحلام المنقلبة الى كوابيس٠

المخرجان سيرج برومبرغ وروكساندرا ميدرا قررا نفض الغبار ليس عن ذلك الفيلم المنسي فقط، بل عن الظروف التي عايشها المخرج خلال عمله عليه والفترة الصعبة التي كان يمر بها وانعكاساتها على ذلك الفيلم٠ النتيجة فيلم وثائقي من تلك التي تبحث في الفن السينمائي وفنانيه وتذكّر مشاهديه بأن ليس كل الأفلام تولد جاهزة ومن دون مخاض صعب٠
في البداية توجّه المخرجان الى أرملة المخرج (الذي توفّي سنة 1977 عن 69 سنة) وأقناعاها بالإشتراك في مهمّة كان لابد أنها صعبة أعادت اليها الكثير من الذكريات التي ربما كانت تفضّل لو استمرت في تناسيها. لكن الأرملة رأت الفرصة السانحة لإعادة بعث سيرة زوجها وتخليده في عالم ينسى من كانوا في الأمس القريب فما البال بمن كان قبلهم؟


انطلق المخرج الفرنسي يخطط رسماً وكتابة لكل لقطة من فيلمه هذا. عمد الى »الوظيفة البيتية« او الـ
home-work
جيداً وكما كان يفعل في كل مرّة. لكنه في وسط عملية الإنتقال من الكتابة الى التصوير، ثم ما بعدها خلال التصوير نفسه، وجد نفسه -مثل ذلك الزوج الغيور- يراجع ما وضعه محاولاً الإتيان بأفضل منه٠
من حسن حظ المخرجين أن الأرملة احتفظت بمواد توثيقية عن تلك المحاولات من بينها مشاهد لعملية امتحان تمثيل قامت به الممثلة رومي شنايدر أمام كاميرا المخرج حين طلبها لهذا الغرض. الإمتحان لم يكن فقط صعباً بل منهكاً والمخرج لم يكن فقط كثير الطلبات بل مربكاً. في هذه الأيام قد يسمّون ما قام به عجز في التواصل مع الممثلين، ولابد أنه كان كذلك في ذلك الحين أيضاً٠

إذ بدأ التصوير في منتصف العام 1964 أصر كلوزو على عدم وضع خطّة زمنية لفيلمه وعلى أن لا يطالبه المنتجون بذلك. الفيلم، حسب بعض المصادر، لم يعرف ميزانية محددة. وهذا غريب جدّاً وأمر غير عملي على الإطلاق. لكن كلوزو حصل على ما يريد٠
كلوزو حصل أيضاً على ثلاث فرق تصوير (كل بكاميراه وفنييها) لكنه كثيراً ما عمد الى فريق واحد يصوّر له ما يريد محتفظاً بفريقين مكلفين يقفان جانباً من دون أن يُطلب منهما اي شيء٠

ما لا يحيطنا به هذا الفيلم الوثائقي علماً هو كيف استطاع المخرج الحصول على كل هذه الإمكانيات وتلبية كل هذه الشروط. من أين جاء التمويل ولم كان مستعدّاً لولوج فيلم مفتوح الفترة الزمنية٠
في مقابلات أجراها مخرجا هذا الفيلم مع بعض العاملين آنذاك، بينهم الممثلة كاثرين أليغريه والمخرج كوستا-غافراس الذي كان مساعد مخرج حينها، نسمع من يقول أن ما احتاجه المخرج آنذاك هو منتج آخر سواه. منتج يكون بمثابة جدار يصطدم به كلوزو كلّما تمادى في خياله٠

ذكّرني الفيلم بما مرّ به المخرج الأميركي فرنسيس فورد كوبولا حين كان يحقق فيلماً عن جحيم آخر٠ كان ذلك في منتصف السبعينات حين ذهب الى الأدغال الآسيوية لتصوير فيلمه الخاص عن جحيم حرب فييتنام في "سفر الرؤيا .... الآن"، الفيلم الذي تم تحقيق فيلم وثائقي عنه بعد حين صوّر ما كابده الجميع من حالات نادرة وسط بحث المخرج المضني عن الكمال في الإنجاز٠
كوبولا أيضاً تجاوز الميزانية والجدول لكنه كان لديه منتجين يتصادم وإياهم طوال الوقت، ولو أنهم في النهاية جلسوا في مكاتبهم غير قادرين على التصرف بإنتظار أن ينجز المخرج ما وعد به: تحفة رائعة عن حرب مهووسة وشخصيات تدمّر نفسها في كل إتجاه٠
الفارق بين »سفر الرؤيا... الآن« و»الجحيم« هو أن كوبولا سلّمنا في النهاية تلك التحفة التي وعدنا بها، بينما جاء »الجحيم« لكلوزو -وحسب هذه الوثيقة عنه- عملاً متمادياً في رغباته شاطح في غاياته وغير متكامل٠
في الحقيقة الفيلم لم يعرض تجارياً على الإطلاق (كما تشير مصادر أخرى أيضاً) ولو أن مصادر أخرى تقول لنا أن عرضاً محدوداً تم وأن النقاد لم يُثاروا بما رأووه. لكن الغالب إنه لم يعرض في صفة الفيلم المنجز والجاهز للعرض إذا ما عُرض فعلاً. الثابت أن أرملة المخرج احتفظت بما يزيد عن خمسة عشر ساعة من المواد المصوّرة و... من دون صوت٠
بعد هذا الفيلم أخرج كلوزو عملين فقط. واحد شبه وثائقي عن الموسيقار جيزيبي ڤيردي حققه في ايطاليا سنة 1967 والآخر روائي فرنسي بعنوان »نساء في القيد« سنة 1968. بعد ذلك انتحى جانباً لنحو تسع سنوات قبل أن يلفظ آخر أنفاسه٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم الأسبوع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

THE MAN FROM LONDON ****



إخراج: بيلا تار
تمثيل: ميروسلاف كروبوت، تيلدا سونتون، إربكا بوك، يانونس
درشي، اي شيترس
المجر/ فرنسا/ ألمانيا 2007
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معظم من شاهد الفيلم في‮ »‬كان‮« ‬كرهوه،‮ ‬ولجنة التحكيم هناك
سارعت بإسدال الستار عليه،‮ ‬لكن شيئاَ‮ ‬في هذا الفيلم يرفض أن
يتوارى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذا ‬بحثت عن المهرجانات التي‮ ‬عرضت‮ »‬رجل من لندن‮« ‬تجدها ثلاث مهرجانا فقط،‮ »‬كان‮« ‬و»مهرجان أفق جديد‮« ‬البولندي،‮ ‬وتورنتو الكندي‮. ‬إذا بحثت عن عروض تجارية لن تجد له عاصمة‮. ‬إنتقل الى خانة الجوائز‮... ‬هي‮ ‬خالية الا من ذكر إنه رشّح للسعفة الذهبية في‮ »‬كان‮«. »‬رجل من لندن‮« ‬هو الكابوس الذي‮ ‬يخشاه أي‮ ‬منتج،‮ ‬وهو من ناحية ثانية الفيلم الذي‮ ‬لا‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يتمتّع بمشاهدته أي‮ ‬فرد‮- ‬بإستثناء المجبولين بفهم المخرج وسينماه ولماذا‮ ‬يتطلّب الأمر خمس دقائق لكي‮ ‬ترتفع الكاميرا من باطن السفينة على سطح الماء وصولاً‮ ‬الى البرج الكبير في‮ ‬مواجهتها‮. ‬عوض أن‮ ‬يتأمّل المشاهد مثل هذه‮ »‬السحبات‮« ‬الطويلة للكاميرا‮ (‬هناك ‮٩٢ ‬لقطة فقط في‮ ‬هذا الفيلم‮) ‬التي‮ ‬تتكرر وبل تستمر طوال الفيلم محاولاً‮ ‬معرفة عن كنه ما تحاول إيصاله،‮ ‬تراه‮ ‬يقيس المدّة الزمنية التي‮ ‬تستغرقها محاولاً‮ ‬الوصول الى نتيجتها‮. ‬قد تكون طبيعة الإنسان العجول او المعتاد على أن‮ ‬ينجز الفيلم ما‮ ‬يريد إنجازه سريعاً‮ ‬وأن‮ ‬يتمتع بالنوعية الحسيّة والنقلة الإيقاعية على نحو لا‮ ‬يشوبه أي‮ ‬سعي‮ ‬للتفسير‮. ‬
بيلا تار


لكن بيلا تار ليس كذلك‮. ‬إنه في‮ ‬السينما لمتابعة صغائر الأمور لأنه من خلالها‮ ‬يجسّد الحياة التي‮ ‬يضعها على شريط‮. ‬إذا كان لكل أسلوبه،‮ ‬فهذا هو أسلوب بيلا تار بعينه‮. ‬هكذا كان في‮ »‬إيقاعات ڤركمايستر‮« ‬كما كان في‮ »‬تانغو الشيطان‮«. ‬هذا الأخير‮ (٤٩٩١) ‬كان من سبع ساعات و‮٥٤ ‬دقيقة على هذا النحو‮. ‬ما‮ ‬يختلف هو أن السيناريو أكثر‮ ‬غموضاً‮ ‬مما‮ ‬يجب‮. ‬وأتردّد في‮ ‬إستخدام كلمة سيناريو لأن المخرج‮ ‬يقول في‮ ‬أحد مقابلاته أن السيناريو هو مادّة‮ ‬يكتبها للمنتجين فقط‮ »‬وفي‮ ‬هذه الحالة كانت عن ست او سبع صفحات من الحوار‮«.‬
القصّة المقتبسة عن رواية تحت العنوان نفسه للكاتب البوليسي‮ ‬البلجيكي‮ ‬جورج سيمنون،‮ ‬تتناول كيف أن حياة رجل عادي‮ ‬يعمل مشرفاً‮ ‬على حركة وصول المراكب والسفن الى ميناء صغير حيث‮ ‬ينتظر الركاب قطار‮ ‬ينقلهم‮ (‬بالإفتراض‮) ‬الى المدينة‮. ‬حياة ذلك المشرف الوحيد في‮ ‬صومعته عند أعلي‮ ‬نقطة ممكنة في‮ ‬المرفأ تتغيّر ذات ليلة،‮ ‬في‮ ‬مطلع الفيلم،‮ ‬عندما‮ ‬يرمي‮ ‬الكابتن حقيبة الى رجل‮ ‬ينتظره عند الرصيف وعندما‮ ‬يستدير الرجل ويبتعد قليلاً‮ ‬يهاجمه آخر راغباً‮ ‬بإنتزاع الحقيبة ويقتله في‮ ‬أثناء المحاولة،‮ ‬لكن الرجل إذ‮ ‬يسقط في‮ ‬الماء‮ ‬يأخذ الحقيبة معه ويختفيان‮- ‬كذلك القاتل‮. ‬
في‮ ‬رواية سيمنون أحداث أخرى تختلف عما نراه‮. ‬هو كاتب‮ ‬يمضي‮ ‬في‮ ‬الوصف ويؤلف كتبه حسب السرد الكلاسيكي‮ ‬للقصّة البوليسية حيث عناصر الحركة والدوافع والنتائج والحوار والأسباب الداعية للشك والغموض تحوم حول القصّة وتصنع منها الأجواء التشويقية شأنها في‮ ‬ذلك شأن كل الكتابات البوليسية التي‮ ‬يمكن إرجاعها الى الأدب وليس الى الكوميكس بالضرورة‮. ‬لكن ما‮ ‬يفعله بيلا تار هنا هو تقسير القصّة من معظم عناصرها وترجمة باقي‮ ‬تلك العناصر الى صور عليها أن تروي‮ ‬ما تم إختزاله من عناصر‮. ‬لذلك اللقطة الطويلة من ثلاث الى سبع دقائق هي‮ ‬هناك لكي‮ ‬تحكي‮ ‬ما حكته القصّة إنما بكتابة مختلفة‮. ‬في‮ ‬رحى هذه الترجمة لا تستعيد القصّة معظم ما خسرته‮. ‬تفتقد الوضوح والمواقع التي‮ ‬تدافع عنها الشخصيات او تنطلق منها‮. ‬تصبح أشكالاً‮ ‬مقصودة بذاتها‮. ‬كتومة معظم الوقت وعلى المشاهد أن‮ ‬يقرأها بمعزل عن أي‮ ‬شيء آخر سوى أنها من صنع هذا المخرج المجري‮ ‬بالذات‮.‬
‮»‬رجل من لندن‮« ‬رغم خصوصيّته،‮ ‬إحتفالٌ‮ ‬مبهرٌ‮ ‬بعض الأحيان‮ ‬وجيد في‮ ‬أحيان أخرى‮. ‬على الشاشة تتحرّك العناصر القليلة للقصّة‮ ‬تبعاً‮ ‬للخط العريض المذكور أعلاه مع تحويرات صغيرة هنا وهناك كافية لأن تجعل الفيلم‮ ‬يبدو كما لو أنه موضوع آخر من تلك التي‮ ‬يكتبها بيلا تار بنفسه‮. ‬في‮ ‬الأساس،‮ ‬الفيلم‮ ‬يستمد الكثير من عناصره من فيلم بيلا تار الأسبق‮ »‬تانغو الشيطان‮« ‬مثل‮ ‬الأبيض والأسود،‮ ‬الحانة حيث‮ ‬يعزف واحد على الأكورديون وحيت تعيش شخصيات قليلة فيه كلّما زرناه وحيث البلدة الغارقة في‮ ‬العزلة الكاملة‮. ‬لا‮ ‬أحد‮ ‬يمشي‮ ‬في‮ ‬شوارع بيلا تار‮. ‬المدينة تبدو كما لو كانت خالية من الناس‮. ‬لا أحد موجود فيها‮. ‬والنوافذ تبدو كأعين مقلوعة‮ ‬غير عاكسة لحياة أحد وراءها‮. ‬حين سألته ذات مرّة عن نوافذ المنازل لماذا هي‮ ‬دائماً‮ ‬مغلقة قال‮: »‬لمَ‮ ‬لا‮. ‬تفتحها‮ ‬يصير عليك أن تحكي‮ ‬قصص من فيها‮«. ‬تلك النوافذ‮ ‬
سينما تار لا تكترث لضروريات الحبكة ولا لعنصر التشويق وما‮ ‬يفعله المخرج هنا إذ‮ ‬يقتبس رواية بوليسية كتبها سواه هو إلغاء عنصر التشويق مع الحفاظ على عنصر اللغز ومعالجة عنصر اللغز على نحو‮ ‬يحوّل الفيلم عن جادّة العمل البوليسي‮. ‬النتيجة هي‮ ‬أنه فيلم من البحث الإنساني‮ ‬في‮ ‬حاضر أوروبا‮. ‬ليس أن هناك تعليقاً‮ ‬محدّداً‮ ‬حول هذا الحاضر او حول أوروبا،‮ ‬لكن الصور هي‮ ‬التي‮ ‬تتحدّث طوال الوقت عن هذا الوضع الذي‮ ‬كان أكثر مباشرة في‮ ‬فيلمي‮ ‬تار السابقين‮ »‬ألحان وايرمستر‮« ‬و»تانغو الشيطان‮«. ‬حين ترتفع الكاميرا من سطح الماء ببطء شديد وفي‮ ‬حركة عمودية الى حين وصولها الى موازاة سطح المركب قبل أن تبدأ رحلة بانورامية طويلة وصولاً‮ ‬الى صومعة المشرف فإن ما‮ ‬يفعله المخرج هو فتح العين على حياة‮ ‬غير سعيدة‮. ‬ليس فقط أن الفيلم أبيض وأسود،‮ ‬وفي‮ ‬ذلك منتهى الإحتفاء بلا جمالية الحياة،‮ ‬بل هو أيضاً‮ -‬وفي‮ ‬تلك المناظر التي‮ ‬يرى منها المشرف ما‮ ‬يراه‮- ‬يعمد الى الكثير من اللقطات البعيدة‮. ‬هي‮ ‬مبرّرة لأن الفيلم بأسره من وجهة نظر ذلك المشرف الذي‮ ‬يشهد على حادثة تحوّله من مهمّش بريء الى مهمّش مشارك،‮ ‬طالما أنه رضي،‮ ‬مطلع الأمر الا‮ ‬يفعل شيئاً‮ ‬حيال ما شاهده،‮ ‬لكنها أيضاً‮ ‬مساهمة في‮ ‬رصف أجواء الفيلم نهارية كانت او ليلية ومنحه الأسلوب الذي‮ ‬يحوّل المشاهد الى شريك في‮ ‬المشاهدة من دون خِيار،‮ ‬تماماً‮ ‬كما بطله،‮ ‬عوض أن‮ ‬يجد نفسه قادراً‮ ‬على الإنتقال مع الكاميرا السريعة أينما قررت أن تقف وتلتقط‮.‬

‬تيلدا سوانتون

وهناك مشهد‮ ‬يلتقطه المخرج أكثر من مرّة لركّاب الباخرة الليلية التي‮ ‬تصل الى الميناء‮. ‬مرّة أخرى هي‮ ‬من زاوية المشرف‮ (‬يقوم به الممثل التشيكي‮ ‬ميروسلاڤ كروبوت‮). ‬نشاهد من عُلٍ‮ ‬أفراد الناس تخرج من رحم الباخرة الى رحم القطار وقليل‮ ‬يمضي‮ ‬مشياً‮ ‬في‮ ‬إتجاه بعيد‮. ‬القطار‮ ‬يتحرك بهم‮. ‬لا تستطيع الا وأن تكترت للحركة البشرية المحدودة الا إذا بالطبع فاتك أن تتلقّف الفيلم من زاوية بنائه الأسلوبي‮ ‬الخاص‮.‬
لكن هذا النمط من المعالجة تشهد بعض المشاكل من نواحي‮ ‬أخرى‮. ‬بعد أن‮ ‬يشهد المشرف الجريمة بنحو نصف ساعة‮ ‬ينجح في‮ ‬سحب الحقيبة من البحر ويجد فيها مبلغاً‮ ‬كبيراً‮ ‬من المال‮. ‬يأخذه الى بيته والمناسبة تتيح لنا مشاهدته مع زوجته‮ (‬تيلدا سوانتون‮) ‬وإبنته‮ (‬إريكا بوك‮) ‬ومن هناك ننتقل الى تلك الحانة التي‮ ‬فيها شخصيات تبدو وقد أنتقلت من فيلمه الأسبق‮ »‬تانغو الشيطان‮« ‬بجوّها وأنوارها وشخوصها‮. ‬تبقى الشخصيات الرئيسية قليلة وأهمها المتّهم بالقتل والتحري‮ ‬الباحث عنه وحين‮ ‬يدخل الفيلم نطاق إيصال العمل الى خلاصته وتوفير نتاج درامي‮ ‬او حدثي‮ ‬لهاتين الشخصيّتين‮ ‬يجد نفسه مقيّداً‮ ‬وغير قادر على شرح معضلات ما‮ ‬يدور


‬السبب‮ ‬يعود الى أنه إذ التزم بوجهة نظر المشرف‮- ‬الشاهد منذ البداية كان صعباً‮ ‬عليه الإنتقال لمتابعة نتائج مجابهة المتهم والتحرّي،‮ ‬لذلك تبدو المشاهد القليلة بينهما،‮ ‬او عنهما‮ ‬غارقة في‮ ‬غموض لا جدوى منه‮. ‬نفس الإلتزام‮ ‬لا‮ ‬يمنح شخصية الزوجة إسهاماً‮ ‬حقيقياً‮ ‬لتطوير الحدث الماثل عوض أن‮ ‬يتوقّف عند حدود الملاحظة‮. ‬ثم هناك ذلك الصوت الذي‮ ‬يختاره من مشهد لآخر‮. ‬يجب أن‮ ‬يكون نقراً‮ ‬او ضرباً‮ ‬ذا صوت متردد مثل المطرقة‮. ‬في‮ ‬أفلامه السابقة لم‮ ‬يعترض الصوت علاقة المشاهد بالصورة،‮ ‬لكن هنا‮ -‬ولسبب لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون خيراً‮- ‬يفعل،‮ ‬ليس في‮ ‬كل المشاهد لكن فيما‮ ‬يكفي‮ ‬منها لجعل المرء‮ ‬يتمنّى لو أنه لم‮ ‬يستخدمها مطلقاً‮.‬
على ذلك كله،‮ ‬ليس‮ »‬رجل من لندن‮« ‬فيلماً‮ ‬رديئاً‮ ‬ولا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون‮. ‬رتيباً‮ ‬وبطيئاً‮ ‬فقط، لأنه إيقاعه هو ضمن منهج مدروس وخاص منه‮ ‬يفحص الفيلم بواسطته حياة بطله فاتحاً‮ ‬حقائق حول بالتدريج حتى‮ ‬يصل،‮ ‬حين‮ ‬يلقي‮ ‬النظرة على تلك البلدة شبه المهجورة،‮ ‬لفتح حقائق حول مجتمعه والعالم من ورائها‮.‬

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


ISSUE 28| Hangover | Imagine That | The New World Order | Drag Me to Hell | Adam Resurrected

أفلام الأسبوع
  • عربي: الرحلة الكبرى | اسماعيل فروخي (المغرب)٠
  • جديد: آثار السهرة | تود فيليبس (الولايات المتحدة)٠
  • جديد: أدم منبعثاً | بول شرادر (ألمانيا/ اسرائيل)٠
  • جديد: تخيّل ذلك | كايري كيرباترك (الولايات المتحدة)٠
  • جديد: جرّني الى الجحيم | سام رايمي (الولايات المتحدة
  • وثائقي: نظام العالم الجديد | لوك ماير، أندرو نيل (الولايات المتحدة)٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
FLASHBACK
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Jaws (1975)


الرعب والسمكة
في العشرين من هذا الشهر قبل 34 سنة تم افتتاح فيلم ستيفن سبيلبرغ "جوز". تشويق تكلّف 12 مليون دولار وجلب 471 مليوناً وكان أوّل نجاح كبير للمخرج المعروف قصّة سمكة قرش ضخمة تهاجم سوّاح بلدة أميركية وتقضمهم. ينطلق شريف البلدة (روي شايدر) وصائد قرش (روبرت شو) وعالم بحري (رتشارد درايفوس) لصيده٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
DOCUMENTARY | وثائقي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


The New World Order **** | نظام العالم الجديد
Luke Meyer, Andrew Neel إخراج
وثائقي | سياسة/ عالم ما بعد 11/9 [الولايات المتحدة- 2009]٠

ماذا لو كانت نظرية المؤامرة صحيحة؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اعتاد كثيرون التشكيك في‮ ‬أي‮ ‬تفسير‮ ‬يبدو مستنداً‮ ‬الى ملامح وجود مؤامرة ما في‮ ‬الموضوع المحكي‮ ‬عنه‮٠ ‬لكن ذلك لم‮ ‬يمنع من خروج نظرية المؤامرة الى العلن وتزايد المؤمنين بها‮. ‬صحيفة‮ »‬فيلاج فويس‮« ‬تشير الى أن اتابع نظرية المؤامرة‮ (‬أي‮ ‬مؤامرة‮) ‬أصبحوا قوّة لا‮ ‬يستهان بها و»ديانة‮« ‬أسرع في‮ ‬إنتشارها من أي‮ »‬ديانة‮« ‬أخرى‮٠‬
الحقيقة هي‮ ‬أن نظريات المؤامرة كثيرة ومنتشرة في‮ ‬كل مكان من العالم‮. ‬مواطنون عاديون في‮ ‬كل بلد على حدة‮ ‬يرددونها سواء أكان الموضوع محليّاً‮ ‬او دولياً،‮ ‬لكن دائماً‮ ‬من دون إثباتات‮. ‬في‮ ‬الولايات المتحدة،‮ ‬وفي‮ ‬الخمسينات ارتفعت وتيرة الحديث عن مؤامرات تحيكها الحكومة وواحدة من تلك المؤامرات التغطية على وجود مخلوقات أخرى في‮ ‬فضائنا نحن تجوب الصحارى الأميركية بأطباق طائرة‮. ‬نظرية المؤامرة في‮ ‬ذلك العقد كما في‮ ‬الستينات ذكرت أن الحكومات المتعاقبة فرضت تعتيماً‮ ‬على هذا الموضوع وهي‮ ‬جابهت هذا التعتيم‮ (‬ولا تزال‮) ‬بصور لمراكب طائرة وقصص لأناس تم اختطافهم واختبارهم ثم إعادتهم محطّمين مشوّهين الى الأرض‮.‬
بالنسبة لهذا الناقد كان‮ ‬يمكن لهذا الموضوع بالتحديد أن‮ ‬يبقى‮ ‬غامضاً‮ ‬من دون دليل معه او ضدّه حتى بعد أن شاهدت‮ -‬بدوري‮- ‬في‮ ‬يوم صاح في‮ ‬ربيع‮ ‬1993‮ ‬وبينما كانت زوجتي‮ ‬تقود سيّارتنا ما بدا،‮ ‬على مسافة عالية،‮ ‬أسطوانة طويلة‮. ‬لم تكن طائرة لا لأن المرء‮ ‬يعرف الفرق بين الطائرة وأي‮ ‬شيء آخر،‮ ‬فقط،‮ ‬بل لأن المسافة كانت عالية جدّاً‮ ‬بحيث لو كانت طائرة لما شوهد الا ذنبهاً‮ ‬الضبابي‮ ‬المعتاد‮. ‬أوقفنا السيارة واستطعت متابعتها وهي‮ ‬تشق طريقها بعيداً‮ ‬فوق جبال منطقة سادونا في‮ ‬شمال أريزونا‮٠‬
لم تتوقّف هذه النظريات وهوليوود أنجبت عدداً‮ ‬كبيراً‮ ‬منها خصوصاً‮ ‬في‮ ‬السبعينات عبر أفلام مثل
The Parallax View, 3 Days of the Condor, Capricon one, Klute
والعديد سواها‮٠ ‬وهي‮ ‬تعود هذه الأيام الى جملة نظريات معمولة على ذات النفس التشويقي‮ ‬مثل
Michael Clayton, Invasion, The International‮ ‬
كما أن نسخة جديدة من‮ "‬كابريكون وان‮" ‬الذي‮ ‬يتّهم الحكومة بتزوير براهين الهبوط على سطح الكواكب الأخرى في‮ ‬مطبخ الإعداد لنسخة جديدة منقّحة بآخر المتوفّر من المؤثرات التقنية الحديثة‮٠‬
لكن فيلم لوك ماير وأندرو نيل‮ "‬نظام العالم الجديد‮" ‬هو فيلم وثائقي‮ ‬ومشكلة الأفلام الروائية هي‮ ‬أن متلقيها‮ ‬غالباً‮ ‬ما‮ ‬يعتبرونها‮.... ‬روائية‮. ‬قصصاً‮ ‬عليها أن تقع على الشاشة وأن تحتوي‮ ‬ما‮ ‬يؤيد منحاها روائياً‮ ‬أيضاً‮. ‬رغم ذلك،‮ ‬فإن فيلم‮ »‬نظام العالم الجديد‮« ‬ليس واحداً‮ ‬من تلك الأفلام التي‮ ‬تزعم تبنّي‮ ‬نظرية المؤامرة،‮ ‬بل تكتفي‮ ‬بعرض بعض الذين‮ ‬يتبنونها ويسعون الى نشرها في‮ ‬زمن باتت الحقيقة فيها‮ ‬غير ثابتة وفي‮ ‬أحيان كثيرة هلامية تماماً‮٠‬
يقدم المخرجان على متابعة مساعي‮ ‬عدد من مبتني‮ ‬نظرية المؤامرة نشر وشرح هذه النظرية بين المواطنين العاديين‮. ‬وتلتقطهم الكاميرا وهم‮ ‬يعملون بكد ويطبعون اسطوانات الكومبيوتر والملصقات والمناشير والكتب مدعوم بعضهم بمؤوسات قاموا بإنشائها لهذه الغاية‮. ‬في‮ ‬مقدّمة هؤلاء أليكس جونز وجاك مكلامب‮. ‬واحد متمتع بالقدرة المالية لشراء كاميرات وآلات متطوّرة لرصد من‮ ‬يرصده‮ (‬رجال البوليس والأف بي‮ ‬آي‮) ‬والآخر ليس لديه أكثر من جهاز راديو وستديو في‮ ‬منزله‮ ‬يبث فيه،‮ ‬وبقدر من التأثير،‮ ‬رسالته من أن الحكومة تعمل ضدّ‮ ‬المواطنين‮٠‬
بمجرد أن‮ ‬ينطلق الفيلم تدرك أنه ليس قائماً‮ ‬على السخرية من نظرية المؤامرة والقائمين بها‮. ‬نعم الفيلم لا‮ ‬يقدم على تبنّي‮ ‬ما‮ ‬يُقال فيه مباشرة،‮ ‬لكنه‮ ‬يجعل من المستحيل على المشاهد أن‮ ‬يسخر ومن الصعب أن‮ ‬يجد ثغرة‮ ‬يعارض من خلالها‮٠ ‬
نظرية المؤامرة المحك اليوم‮ -‬وكما في‮ ‬الفيلم‮- ‬ليست إذا ما كانت الحكومة لا زالت تفرض التعتيم على ما تعلمه من وجود مخلوقات فضائية تحوم حولنا‮ (‬او ربما أصبحت بيننا‮!) ‬بل إذا ما كانت شريكة في‮ ‬أكبر عملية خداع قامت بها الى اليوم وهي‮ ‬نسف برجي‮ ‬مركز التجارة الدولي‮. ‬صحيح أن الفيلم‮ ‬يتعرّض لقليل من النظريات الأخرى،‮ ‬لكن معظمه الكاسح إنما‮ ‬يدور حول هذه النقطة بالتحديد والتي‮ ‬يتبنّاها أليكس جونز وجاك مكلاب والعاملين معهما على حد سواء ولو أن التفسير‮ ‬يختلف‮. ‬أليكس‮ ‬يعتبر أن الحكومة فجّرت المبنيين واتهمت أسامة بن لادن لدخول حرب تساعدها على الهيمنة الدولية‮ (‬وهذا مفهوم نجده منتشراً‮ ‬بين ملايين الناس اليوم في‮ ‬كل مكان‮) ‬ومكلامب‮ ‬يربط بينها وبين دلائل لا تقل عنها خطورة‮: ‬الحكومة،‮ ‬بالنسبة اليه تبني،‮ ‬عبر‮ »‬فيما‮« (‬الوكالة الحكومية المتخصصة بعمليات انقاذ ضحايا الكوارث الطبيعية‮) ‬معسكرات ضخمة‮ (‬كل منها حسب روايات قادر على أن‮ ‬يضم خمسين ألف شخص‮) ‬في‮ ‬أكثر من مكان تمهيداً‮ ‬لاعتقال الناس في‮ ‬مرحلة سابقة وتدجينهم هناك‮. ‬بالنسبة إليه أيضاً‮ ‬فإن مداهمة الأف بي‮ ‬لمدنيين أميركيين في‮ ‬مزارعهم وجرههم الى مجابهة مسلّحة وقتلهم،‮ ‬جزء من هذه المؤامرة‮. ‬
هنا‮ ‬يدرك المرء أن الفيلم لا‮ ‬يفرّق في‮ ‬رصده بين نظرية قد تُحسب على اليسار وأخرى محسوبة فعلياً‮ ‬على اليمين‮. ‬مكلامب‮ ‬يكرر أن المقصود هو المواطن المسيحي‮ ‬الأبيض في‮ ‬المقام الأول،‮ ‬وهو‮ -‬من شدّة إيمانه بنظريّته‮- ‬ترك المدينة ولجأ،‮ ‬وآخرين،‮ ‬الى جبال ولايته الشاهقة لأنه حين تعمد الحكومة لفرض نظامها الجديد على الناس فإنها سوف تضع المدن والبلدات الكبيرة تحت سيطرتها‮ »‬وأنا لا أود أن أخضع لسيطرة أحد وإذا ما وصل رجالها الى أعتاب بيتي‮ ‬فسأقاومهم بالسلاح‮. ‬لا أريد أن أفعل ذلك،‮ ‬لكني‮ ‬سأفعل"‮٠‬
على أن الحادي‮ ‬عشر من أيلول‮/ ‬سبتمبر‮ ‬2001‮ ‬يبقى محور الفيلم ومحور ما‮ ‬يطرحه‮. ‬هناك ذات الحديث الذي‮ ‬انتشر في‮ ‬أعقاب الكارثة من وجود متفجرات زرعت في‮ ‬المبنيين لهدمهما بعد‮ »‬تمثيلية‮« ‬الطائرتين‮٠ ‬هناك أيضاً‮ ‬مشاهد لبعض المشككين في‮ ‬النظرية‮. ‬أحدهم‮ ‬يصرخ في‮ ‬وجه الشاب الذي‮ ‬يوزع كتباً‮ ‬ومناشير حول الموضوع‮ "‬أسامة بن لادن فعلها‮. ‬كفى"‮٠‬
ما لا‮ ‬يكفي،‮ ‬في‮ ‬النهاية هو ذلك الشعور المكتسب إثر المشاهدة وهي‮ ‬أن في‮ ‬الفيلم ما‮ ‬يكفي‮ ‬ويزيد من اسئلة لم تستطع الحكومة الإجابة عليها ترفع من درجة الشك فيما قالته حول الحادثة‮. ‬كذلك الشعور بأن قوى عالمية تسيّر هذا العالم بأسره بعدما أنشأت نادياً‮ ‬خاصّاً‮ ‬فيها تجتمع له متى أرادت‮ (‬والفيلم‮ ‬يحاول تصوير أحد اجتماعاتها في‮ ‬اسطنبول‮) ‬وفي‮ ‬خططها الإنتقال الى المرحلة التالية بعدما نجحت في‮ ‬تقويض العالم الى منظومة‮ »‬القرية العالمية‮« ‬او ما نعرفه بالعولمة‮٠‬
اسلوب الريبورتاج هو المعتمد هنا‮. ‬المقابلات فيه ليست كثيرة او حلاً‮ ‬سهلاً‮ ‬يعوّض نقص الذخيرة من المشاهد المصوّرة خصيصاً‮ ‬للفيلم،‮ ‬لكنها أساسية‮. ‬في‮ ‬النهاية نرى أحد الشبّان المعتنقين لهذه النظرية وهو‮ ‬يبكي‮ ‬كون الكلمة لم تصل بعد الى‮ ‬غالبية الناس،‮ ‬ثم‮ ‬يختتم ويقول‮ "‬لكننا سننتصر"‮٠ ‬


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفيلم العربي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



الرحلة الكبرى ****
إخراج: إسماعيل فروخي
تمثيل: نيكولا غزالي، محمد مجد، مليكة مسرار
الهداوي٠
دراما [إسلام، رود موڤي]. المغرب/ فرنسا- 2004

رحلة في إتجاهين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قبل عام من هذا الفيلم، شاهدنا طفلاً‮ ‬يهودياً‮ ‬يلتحق بعجوز مسلم‮ ‬يجد فيه وداعة وسلاما وعطفاً‮. ‬الأب المسلم‮ ‬يحاول منح الصبي‮ ‬كل ما عنده من فهم للعالم ومفهوم للحياة والروابط الأبوية تزداد بينهما في‮ ‬رحلة طريق في‮ ‬سيارة حمراء رياضية لامعة‮. ‬الفيلم هو‮ »‬السيد إبراهيم وزهور القرآن‮« ‬لفرنسوا دوبييرون الذي‮ ‬عرض في‮ ‬مهرجان‮ »‬فانيسيا‮« ‬أولاً‮ ‬ثم انتشر جيداً‮ ‬بعد ذلك مع مؤيدين ومعارضين لرسالته الإنسانية من قبل مسلمين ويهود على حد سواء‮.‬
‮»‬الرحلة الكبرى‮«‬،‮ ‬الذي‮ ‬شهد عرضه العالمي‮ ‬الأول في‮ ‬المهرجان نفسه،‮ ‬يشترك مع‮ »‬مسيو إبراهيم‮«‬،‮ ‬والى جانب إنه‮ ‬يستعين بسيارة حمراء لكن لا جديدة ولا لامعة،‮ ‬في‮ ‬أنه رحلة طريق‮ (‬ولو أن رحلة الطريق في‮ ‬فيلم‮ »‬مسيو إبراهيم‮« ‬هي‮ ‬جزء من الفيلم وليست الفيلم كله‮) ‬وأن‭ ‬أحداثه تقع بين أب وإبنه أيضاً‮. ‬وهو أيضا فيلم‮ ‬يطرح الإسلام‮. ‬الإختلافات الأساسية في‮ ‬هذه الجوانب الثلاث،‮ ‬هي‮ ‬أن أن رحلة الطريق في‮ ‬فيلم‮ »‬مسيو إبراهيم‮« ‬هي‮ ‬جزء من الفيلم وليست الفيلم كله كما الحال هنا،‮ ‬وأن الأب وإبنه هما من عرق واحد وأن الطرح للإسلام ليس معمّقاً‮ ‬ولو أنه الحديث فيه‮ ‬يمتد من فصل الى آخر‮. ‬أهم الإختلافات مطلقاً‮ ‬هو أنه في‮ ‬حين أن فيلم‮ »‬مسيو إبراهيم‮« ‬يتحدث عن شخصيتين متلاقيتين تتشرّبان إتفاقاً‮ ‬قائماً‮ ‬بينهما ويسعدان بمعرفة الأول وحب الثاني‮ ‬للتعلم،‮ ‬فإن‮ »‬الرحلة الكبرى‮« ‬قائم على التأكيد على الإختلافات بين الأب وإبنه في‮ ‬كل شيء‮. ‬إنهما أبيض وأسود‮. ‬ماء ونار‮. ‬جيلان متباعدان بما تحفل الحياة به من أسباب عديدة‮.‬
قلة الخبرة في‮ ‬الكتابة والتنفيذ منتشرة في‮ ‬الحقلين معاً‮ ‬إنما مستترة بفكرة قوية،‮ ‬تمثيل جيد وطروحات مهمة وأحداث لا تعرف كيف ستبدأ‮ (‬ولو بالإمكان معرفة كيف سينتهي‮ ‬بعضها‮). ‬كتابياً‮ ‬كان الفيلم بحاجة الى محطّات راحة بين الشخصيتين المتقاتلتين طوال الوقت‮. ‬هناك مشهد واحد في‮ ‬هذا الإتجاه هو حين‮ ‬يهرع الإبن بأبيه الى المستشفى،‮ ‬لكن فيما عدا هذا المشهد فإن كل الفيلم تكرار لموضوع عدم الثقة بينهما‮. ‬خصوصاً‮ ‬من الأب الى إبنه‮. ‬إخراجياً،‮ ‬الفيلم بحاجة الى معالجة أكثر رهافة وشعرية‮. ‬في‮ ‬حين أن المخرج لا‮ ‬يريد طرح شخصيتيه على أساس أبيض وأسود،‮ ‬بل مجرد طريقتين في‮ ‬الحياة كل واحد منهما‮ ‬يعتقد أن طريقته هي‮ ‬الأفضل،‮ ‬ليس هناك مجال لرصد إنعكاسات العالم،‮ ‬وهم في‮ ‬رحلة بين سبعة دول،‮ ‬عليهما‮. ‬حتى مشهد الوصول الى الكعبة المشرّفة والطواف المستنسخ بأفضل ما‮ ‬يمكن لميزانية محددة إنجازه،‮ ‬ليس مصنوعاً‮ ‬لاستشفاف روحاني،‮ ‬بل لمجرد طبع التجربة العينية على الإبن‮. ‬كان سيفيد الفيلم لو أن المخرج لم‮ ‬يتعامل مع الحج كتعامل بطله إذ كلاهما بديا‮ ‬غريبين عن الروحانيات الخاصة به قريبان من النظر إليه كمجرد حشد كبير من البشر‮.‬
تنطلق الأحداث من باريس حيث الأب المهاجر من المغرب‮ (‬محمد مجد‮) ‬لا‮ ‬يزال‮ ‬يعيش على الطريقة التقليدية ولا‮ ‬يتأقلم‮.‬‭ ‬إبنه‮ (‬غزالي‮) ‬مختلف كونه ولد في‮ ‬فرنسا وينتمي‮ ‬الى أبناء المهاجرين‮. ‬الأول لا‮ ‬يزال متمسكا بتعاليم دينه وشعائر الدين،‮ ‬والثاني‮ ‬لا‮ ‬يفقه منها شيئا‮. ‬في‮ ‬مطلع الفيلم‮ ‬يقرر الأب السفر الى الحاج ويقرر طريقة السفر‮: ‬سوف لن‮ ‬يختصر الأيام بساعات عبر الطائرة بل سيقطع المسافة براً‮ ‬لأن في‮ ‬ذلك جهاد وبركة‮. ‬القرار الثالث هو أن على إبنه أن‮ ‬يقوده بسيارته الحمراء القديمة الى الحج‮. ‬شاء أو أبي‮. ‬من البداية هي‮ ‬رحلة في‮ ‬إتجاهين متناقضين‮. ‬واحد‮ ‬يبغي‮ ‬الآخرة والثاني‮ ‬يريد الدنيا لأنه لا‮ ‬يعرف‮ ‬غيرها‮. ‬وهناك الكثير من المناسبات على هذه الطريق الطويل لتفجير عبوّات التناقض‮. ‬الأب الذي‮ ‬يرمي‮ ‬هاتف إبنه النقال ويطلع على صوره مع فتاته،‮ ‬ويعارض كل لفتة منه لأنه لا‮ ‬يثق به،‮ ‬والإبن دائم التأفأف والشكوى الذي‮ ‬سيستسنح كل فرصة ممكنة للخروج عن تعاليم أبيه،‮ ‬وفي‮ ‬واحدة من تلك الفرص‮ ‬يجد نفسه مسؤولا عن وقوعهما ضحية تركي‮ (‬نرسسيان‮) ‬ضحك عليهما وسرقهما‮. ‬
المشاهد الواقعة في‮ ‬الثلث الأول من الفيلم تستفيد من الطبيعة الخاصة للمناطق الباردة والثلجية التي‮ ‬كانا عليهما المرور بها‮. ‬بعد ذلك في‮ ‬تركيا،‮ ‬الإستفادة من الطبيعة الخاصة للبلاد اضمحلت إذ دخل الفيلم في‮ ‬معطيات الشخصية التركية وما جلبته إليهما من متاعب‮. ‬لكن حين دخول الفيلم سوريا،‮ ‬حيث‮ ‬يصل الخلاف الى ذروته،‮ ‬لكنه‮ ‬يذوب لاحقاً،‮ ‬يكون الفيلم قد صار جاهزاً‮ ‬لتطوّر درامي‮ ‬أكبر من المحصود‮. ‬لكن ذلك لا‮ ‬يحدث‮. ‬في‮ ‬النهاية تلك ربع الساعة الأخيرة مهمة جداً‮ ‬وكان‮ ‬يمكن لها أن تأتي‮ ‬أفضل تنفيذاً‮.‬
نوايا الفيلم،‮ ‬ومخرجه،‮ ‬لا‮ ‬غبار عليها،‮ ‬لكنه شغل نفسه أكثر بالخلافات بحيث منع عن نفسه البحث عن هوية خاصة به‮. ‬إعتناق خاص لفكرة عوض أن‮ ‬يبقى مجرد كاميرا بين إثنين‮. ‬يتوقع المرء أن‮ ‬يحدث تطوّر من نوع أن‮ ‬يفهم الإبن أبيه أكثر،‮ ‬او أن‮ ‬يقع حادث‮ ‬يظهر شغف الأب بإبنه وقبوله به‮. ‬الطريقة التي‮ ‬انتهى فيها الفيلم لا تحمل أياً‮ ‬من هذا التطوير‮. ‬بل صور‮ ‬غامضة لرحيل شاب عائد من دون أبيه الى‭ ‬وطنه الوحيد‮: ‬فرنسا‮.‬


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
NEW RELEASES | أفلام جديدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



Hangover ** | آثار السهرة
Todd Phillips إخراج: تود فيليبس
تمثيل: برادلي كوبر، جوستن بارتا، زاك غوليفياناكيس٠
كوميدي | الولايات المتحدة- 2009
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أربعة أصدقاء يصلون الى لاس فيغاس لحفلة كبيرة في البال. أحدهم وأسمه دوغلاس (جوستن بارتا) سيتزوّج. لم لا يحتفل به أصدقاءه ولم لا يودّع هو أيام العزوبية بحفلة؟
هناك الشاب ستو (إد هلمز) الذي تصاحبه صديقته الآتية من الجحيم (راتشل هاريس) وهناك شقيق العروس ألان (زاك غوليفياناكيس) والمتزوج فِل (برادلي كوبر) الذي يصر على التصرّف كما لو كان لا يزال عازباً٠
وهناك تلك الليلة التي سيفيق منها الأربعة وهم لا يتذكّرون منها شيئاً. لكن معالمها الغريبة ماثلة: دجاجة في الشقة. نمر في الحمّام. كرسي اشتعلت به النار. والعريس اختفى و-كدت أنسى- هناك طفل رضيع لا يعرف أحد من هو ولمن هو٠
العجيب أكثر من المضحك هنا لكن الأمور ستنجلي نوعاً، لكن هذه الكوميديا تحتفي بالغريب وغير المتوقّع لكي تقول شيئاً عن حياة هؤلاء الرجال الذين قرروا العربدة لأنها الطريق الوحيد للسعادة. إنه كما لو كان المخرج فيليبس، الذي تعامل مع مواضيع شبابية من قبل، يريد أن يخرج بنتيجة نقدية لكن ما يمنعه هو أنه لا يريد التحوّل الى أخ أكبر يرفع الراية الأخلاقية فيترك الأمور على منوالها ولتستنج أنت ما تريد٠



Imagine That ** | تخيّل ذلك
Karey Kirkpatrick إخراج: كاري كيرباترِك
تمثيل: إيدي مورفي، توماس هادن تشايس، روني
كوكس، مارتن شين، يارا شهيدي٠
كوميدي | الولايات المتحدة- 2009
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أدمن ايدي مورفي تبادل أماكنه مع شخصيات أخرى، منذ فيلمه الثاني
Trading Places | تبادل أماكن
فيلم جون لانديس الجيّد، ولو أنه أيضاً تقليدي في أماكن كثيرة، سنة 1983. اولاً بالتدريج، ثم أكثر من لعب شخصيّته وشخصية أخرى، حين مثّل
Coming to America | المجيء الى أميركا
لجون لانديس أيضاً (1988) وتمادى في ذلك حتى صار طابعاً له في
The Nutty Professor, Nutty Professor II, Dreamgirl, Norbit
وهذا من دون أن أحاول إحصاء المرّات فعلاً٠
المشكلة ليست فقط إنه كان يقلّد نفسه، بل في كل مرّة كان يقدم فيها على تمثيل أكثر من شخصية في الفيلم الواحد كان ينزل درجة او درجات في سلّم المكانة. من المضحك الى المقبول ومن المقبول الى غير المثير ومن غير المثير الى السخيف تماماً٠ الآن وقد وجد الدور الذي من الممكن أن يعود به الى جادّة الصواب ويبعد عنه شيزوفرانيا الشخصيات، التفت الجمهور بعيداً وترك مورفي يقف وحيداً في قارعة الطريق٠
لكن "تخيّل ذلك" هو أكثر أفلامه الكوميدية- الفانتازية قيمة. ليس لحسن إخراج فائق (ولو أنه محسوب) بل بسبب محاولة مورفي تناول معضلة اجتماعية حول الرجل الذي يعمل كثيراً ويهمل ابنته وكيف أن هذه الفتاة الصغيرة (يارا شهيدي) تبدأ بإشغال خيالها وخلق شخصيات حولها لكي تستبدل بها واقعها والى درجة أنه بالنسبة إليها على الأقل، هذه الشخصيات حقيقية. وليست هي الوحيدة التي تعاني بل الزوجة أيضاً (نيكول آري باركر) هذا بالطبع قبل أن يفيق الزوج والأب على ما يفعله٠
رسالة اجتماعية لكن المثير للمفارقة هنا انه في الوقت الذي كان معظم المخرجين الحاليين سيتبارون لاجل توظيف الفرصة التي يوفّرها السيناريو للعمل في أتون من الخدع والمؤثرات الكومبيوترية، ينأى المخرج كايري كيرباترك عن هذا جاعلاً الشخصيات التي تتراءى للفتاة غير قابلة للرؤية بالنسبة للمشاهد. بذلك يبقيها خيالية وهذا أصعب شأناً لكنه أفضل نتيجة٠


Adam Resurrected * | أدام منبعثاً
Paul Schrader إخراج: بول شرادر
تمثيل: جف غولدبلوم، وليم دافو، ديريك
جاكوبي، أييلت زورر
دراما [هولوكوست] ألماني/ إسرائيلي - 2008
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحد فيلمين ألمانيين / اسرائيليين مشتركين شوهدا واحداً إثر آخر (الثاني »لأجل أبي" ) وتم إنتاجهما في العام الماضي وتم عرضهما على لجان الغولدن غلوب والأوسكار إنما من دون نتائج. الفيلم الآخر، الذي يتناول حكاية تقع أحداثها في إسرائيل اليوم أفضل من هذا الفيلم الذي تقع أحداثه في أزمنة متعددة لكن ليس لتعدد الأزمنة او لأن الموضوع هنا يتعلّق بالماضي، بل لأن الفيلم يحاول أن يجاري الأصل في كل ما ورد فيه من دون أن ينجح في الإتيان بنواح جديدة٠
إنه عن قصة وضعها الكاتب الإسرائيلي يورام كانيوك سنة 1968(واقتبسها نوح ستولمان) حول آثار الهولوكوست على بطل الرواية أدام (جف غولدبلوم في الفيلم) الذي نتعرّف اليه في مستشفى للأعصاب في صحراء النجف في العام 1961 حيث تتم معالجته من الآثار الناجمة عن اعتقاله خلال الهولوكوست الشهير٠
لم أقرأ الرواية (ولا علم لي بقيمتها لأنها غير متوفّرة حالياً) لكن الفيلم ينتقل من الحاضر (حاضر زمنه أي مطلع الستينات) الى الأمس على نحو متوال: فلاشباكات أولها سنة 1930 ثم تتواصل على مدد قصيرة (ننتقل الى الحاضر أحياناً لدقيقتين او ثلاثة) لتصل الى فترة اعتقال أدام الذي كان في الثلاثينات كوميدي وساحر في بعض الملاهي وفي الأربعينات سجيناً في أحد المعتقلات. ليس سجيناً فقط، بل مطيّة الضابط الألماني كلاين (وليم دافو) الذي أجبره على التصرّف ككلب (المشي على أربعة والأكل من فم الكلب الحقيقي الخ...). مشكلة أدام هي أنه لا يستطيع أن ينسى هذه القصص ولا ما هو أفدح منها: لقد بقي حيّاً بينما مات سواه من اليهود٠ ليس هذا فقط، عومل بعد الحرب جيّداً ورغيداً. وهذا ما يعذّبه ويجعله الآن غارق في مراجعات الذات وغائص في ذكريات تقض كيانه وتستولي على تصرّفاته٠
المشكلة ليست أن الفيلم عن الهولوكوست، بل أنه يقدّم شخصاً لا يمكن القبول به. أشبه برجل أنيق إذا ما فتحت سترته وجدت جسده مليء بالإصابات والتشويهات وعليك أن تراقبها ولا شيء سواها. هذا نوع من الأفلام التي تقودها شخصيات تطلب منا التعاطف في الوقت الذي تصر فيه على معاداة منطلقات ذلك التعاطف عوض الدفاع عنها وهو بالتأكيد ليس أفضل دعاية لضحايا الهولوكوست في الوقت الذي لا يقصد بالطبع أن يدين هؤلاء الضحايا
بول شرادر مخرج أفضل من المادّة التي بين يديه. ربما كانت البطالة دافعه لقبول هذا العمل، او الإيمان بالرسالة او الرغبة في تحقيق فيلم أوروبي خصوصاً وأن هوليوود لا تتذكّره او أعماله الجيّدة السابقة. كله جائز، لكن لا شيء هنا يوفّر نتائج كان يستحق المخرج ترك وحدته لأجلها. الإنتقال من الحاضر الى الماضي عبر الفلاشباك المتكرر لا يصنع ناصية فنيّة ذات شأن (كان يمكن لكل الفيلم أن ينحصر في الماضي او أن يبدأ بالحاضر وينطلق في فلاشباك طويل من دون أن تتأثر رسالته)، كذلك فإنه على كثرة ما شاهدنا من أفلام تصوّر الحاضر بالألوان والماضي بالأبيض والأسود، ما عاد إعتماد الصيغة ذاتها عملاً لافتاً او ذا قيمة٠ وبما أن أدام، او أي سواه، لا يتذكر الماضي بالأبيض والأسود فإن التفعيلة غير صحيحة ولا بطانة فنيّة لها٠
يصبح الأمر مثيراً للتقزز والرفض معاً حين تنتقل ذاكرة الكلب في بال أدام الى واقع: هناك صبي في المصحة يتصرّف ككلب (وعليه إنقاذه) وهناك الممرضة التي يمارس معها الحب كلما أراد (!) مستعدة لأن تصير كلباً (او كلبة بالأحرى) للفوز به وتغار حين يحاول التفاهم مع الكلب الصبي٠
في هذا النصف الأخير من الفيلم تتباعد المسافات بين ما كان مقصوداً وبين ما يحط على الشاشة من مشاهد من دون تجانس ويستمر الفيلم في عزف معزوفة من ازدراء الذات حتى نهايته٠



Drag Me To Hell ** | جرّني الى الجحيم
Sam Raimi إخراج: سام ريمي
تمثيل: أليسون لومان، جستين لونغ، لورنا رافر
رعب | الولايات المتحدة - 2009
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حين قرر المخرج سام رايمي تعليق ملابس سبايدر مان على شمّاعة والإلتفات الى حب قديم كان يشغله ويشتاق إليه، اختار سيناريو كتبه وشقيقه إيفان بعنوان »جرّني الى جهنّم« وتوجّه به الى شركة يونيفرسال التي كانت مشتاقة لأن تتعامل مع مخرج حقق لشركة منافسة (كولومبيا) بعض أكثر أفلامها رواجاً. ويونيفرسال لابد نظرت الى ميزانية »جرّني الى جهنم« وضحكت في سرّها، فهي لم تتجاوز الستة عشر مليون دولار، أجر خمسة أيام عمل في واحد من تلك الأفلام العملاقة٠

الآن، وقد أصبح »جرّني الى جهنّم« في الأسواق، فإن المسألة ما عادت مناطة بنوايا الشركة من وراء التعامل مع واحد من أنجح مخرجي السنوات الخمس عشر الماضية، بل بنوايا المخرج الذي يعود بالفعل الى إطار الأفلام الصغيرة لكنها عودة خاسرة. اولئك الذين يزدرؤون الأفلام المكلفة- فقط لأنها مكلفة وجدوا فيلم رايمي الجديد منعشاً وكل من كتب عن الفيلم بإعجاب لم يفته القول أنه فيلم يتناقض مع افلام المخرج السابقة ذات الميزانيات العالية كما لو أن هذا، بحد ذاته، أمراً يحسب لصالح سينمائي ما او ضدّه٠
قصّة »جرني الى الجحيم« تبدأ بمشهد تمهيدي يقع سنة 1969 نرى فيه عائلة مكسيكية تحمل ولدها الصغير وتأتي به الى دار إمرأة ربما كانت تعمل طبيباً بلا إذن رسمي. تكتشف أنه سرق قلاّدة من عربة غجر وسريعاً ما تفاجأ وباقي العائلة بأن هذه اللعنة سوف تخرج على هيئة أشباح وأيادي وسوف تنشق الأرض وتخرج النيران من تحتها وتمتد أيدي من فيها لتسحب الصبي الذي انتهى دوره في الفيلم عند هذا الحد٠
الآن ننتقل الى الزمن الحالي وها هي كرستين براون (آليسون لومان) تعمل في مصرف وعينها على المكتب الشاغر أمامها. مكتب مساعد مدير البنك وهي تشعر بأن مدير البنك سيفضّل عليها زميلا لها لا تطيقه انضم قبل فترة وجيزة الى العمل٠ لكن حين يخبرها مدير البنك (ديفيد بايمر) بأنها هي الأقرب الى احتلال هذا المنصب تشعر بالسعادة... سعادة مؤقتة جدّاً فقبل ذلك كانت عجوز غجرية طلبت منها أن تساعدها في حل مشكلة مع المصرف الذي يرفض إعطاءها منحة جديدة وسيضع يده على منزلها. لكي تبدو صارمة أمام مديرها، رفضت ولو مضطرة، هذا الطلب فلعنتها الغجرية، ثم انتظرتها في المرآب بعد الدوام وهاجمتها بعدما تسللت الى سيّارتها (لا علم لنا كيف أدركت أن هذه السيارة تحديداً هي سيارتها) . داخل السيارة تقع معركة كبيرة بين المرأتين قبل أن تختفي العجوز وقد نزعت من سترة غريمتها زرا من سترتها. وحسب قاريء كف هندي أسمه رام جاز (ديليب راو) فإن السحرة يأخذون شيئاً من ممتلكات الضحية لأنهم عبر هذا الشأي يستطيعون النيل منها٠
الى الآن عرفنا كل شيء غير صحيح عن الغجر مغلّفاً -في صميم الموضوع- بعنصرية متآكلة من حين كان الأوروبيون القدامى يحمّلون الغجر كل عارض سيء يصيبهم. ازدراء من الآخر يتحكّم في علاقة فوقية تنتقل في الملامح البعيدة لهذا الفيلم٠
إنه فيلم رعب من حيث الرغبة والإنتماء النوعي، لكن ليس من حيث القدرة على إثارة الخوف فعلاً. فما يثيره هذا الفيلم هو قدر من الإنزعاج مصحوباً بقدر من الأنفة خصوصاً حين تتحوّل أسنان الغجرية المستعارة الى تفصيلة عمل فنراها تخرج من فم الغجرية وتدخله مثل شارع مزدحم باتجاهين، او نتابع فيه ذبابة تدخل من أنف كرستين وهي نائمة ثم تصر على دخول فمها والإستقرار في معدتها٠ ليس أن الفيلم يتوقّف عند هذا الحد من الأفكار »الجحيمية« بل يواصل مساعيه لاختبار قدرتنا على الإكتراث لما يحدث على الشاشة٠ لصالح المخرج نوعيّة تنفيذة، ما لا يعمل جيّداً هو المعالجة الكليّة لذلك التنفيذ٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


ISSUE 27| We Talk: UP | Francesco Rosi's "Three Brothers" | And حسن ومرقص

FLASHBACK


Gladiator (2000)

راسل كراو يشق طريقه بين صفّي الجنود في لقطة من »غلادياتور« . أحد الأفلام التاريخية التي حققها المخرج ريدلي سكوت٠
قلل المخرج من اعتماده على مؤثرات الكومبيوتر ومال الى ممارسة السينما التاريخية بأسلوبها البشري القديم. كلّف الفيلم نحو مئة مليون دولار وسجّل 456 مليوناً٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
SHORT FILM | فيلم قصير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكارثة | جاسم البطاشي الإمارات- 2007

هناك ما يريد المخرج جاسم البطاشي قوله في هذا الفيلم لكن عوض أن يبحث عن أسلوب سينمائي صحيح لقوله، يضع كل ثقته في النص المسرحي الذي نقل الفيلم عنه. نص للكاتبة سماء عيسى بعنوان »لا شيء يوقف الكارثة« لديه مقوّماته لا ريب لكن ليست لدى المخرج المعالجة الصحيحة للحفاظ على هذه الخصائص او لاستبدالها بأخرى مبتكرة
النتيجة فيلم إنشائي نموذجي تتولّى فيه الخطب العصماء من نوع "كونوا كندى الفجر..." و»أرواحاً هائمة لا مستقر لها" و"صامتون دائماً يريدكم الله" البطولة. ما يصاحب كل هذا شخصيات مصابة بالجذم تمشي وتزحف وروحها تتصاعد ببطء يؤثر على رغبة المشاهد في الإهتمام٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ANIMATION | أنيماشن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Up **1/2
Peter Docter: إخراج
أصوات: إد أزنر، كرستوفر بلامر، جوردان ناغاي، بوب بترسون٠

هل نظلم هذا الفيلم الكرتوني إذا قلنا أن نصفه بيكسار ونصفه وولت ديزني؟
لا أعتقد. ولا أتحدّث هنا عن شراكة مالية. ديزني ابتاعت شركة بيكسار من نحو سنة وانتهى الأمر. بيكسار تعمل لديزني، وكانت تعمل لها حين أطلقت قبل أشهر فيلمها التاسع »وول إ«. إنما الحديث عن الناحية الفنية والمفهوم الذي يحرّك هذه الناحية الذي ما عاد فنيّاً كما كان بل أصبح ... ماذا أقول؟ نصف فني (بيكسار) نصف تجاري (ديزني)٠
يستطيع كل من شاهد أفلاماً لشركة بيكسار ولمن شاهد أفلاماً لشركة ديزني أن يقارن بين ما شاهده وبين هذا الفيلم ليجد أن »فوق« او »أعلى« هو فيلم له قدمين. قدم في كل شركة وهو، إنصافاً، يجمع بينهما في تماثل جيّد، إنما على حساب قوّة بيكسار وتميّز أفلامها وليس على حساب تقليدية ديزني ونمطية أعمالها. بكلمات أخرى، »أعلى« او »فوق« او أي شيء آخر تريد أن تسمّيه يكاد يكون أكثر انتماءاً لديزني من انتمائه لبيكسار٠
قصّة رجل عجوز (يقوم بصوته الممثل العجوز أيضاً إدوارد أزنر) يتذكّر مع مطلع الفيلم قصّة حبّه المبكرة. لقد تعرّف صغيراً على فتاة جميلة تهوى المغامرة والإستكشاف وحين كبرا تجوّزا وعاشا في بيت قديم. لم يرزقا أولاداً لأنها مرضت باكراً. بعد سنوات من اعتلال الصحة والكثير من الحب المتبادل ماتت وبقي هو وحده٠
نعود الى الزمن الحالي: ها هي الحفريات تتم حول بيته وهو يرفض مغادرته الى أن يأتي أمر المحكمة بإيداعه مصحّة بعدما ضرب أحد العمّال. لكنه كان حضّر مفاجأة إذ ربط منزله الخشبي بآلاف البالونات وفي صباح اليوم التالي يطلق تلك البالونات فتحمله والبيت وتتوجّه به الى أميركا الجنوبية حيث كان دائماً ما وعد زوجته بأن يستكشفان القارة الغامضة. فجأة يكتشف أنه ليس وحيداً بل هناك صبي (من أصل آسيوي) حدث أنه كان على شرفة المنزل حين طار البيت وارتفع٠ في البداية لم يرحّب العجوز المتذمّر بوجود الصبي، لكنه لاحقاً ما قبل به على مضض. حين يحط البيت على الأرض من جديد.... هنا تبدأ متاعب الفيلم٠
المكان الذي حط فيه الفيلم لا يبدو جنوب أميركي بقدر ما يبدو الغراند كانيون ما بين أريزونا ويوتاه. الحركة التي تنتاب الفيلم منذ أن يحط العجوز والصبي على الأرض تدخل في روتين مخيف، كذلك فإن مسألة قطع مسافة كبيرة بين الجبال الصخرية من دون أن يتخلّيا عن الخيوط التي تربطهما بالبيت والبيت بالبالون يزيد المسألة رتابة وفوقها غرابة غير عملية٠
ما الذي كان يمنع، تساءلت وأنا أشاهد العجوز وهو يجهد لسحب البيت كما لو كان هذا مجرّد طائرة ورقية، من العودة اليه والطيران به؟
مع دخول قطيع الكلاب وتقسيمها الى واحد من ثلاث فئات خيّرة اوغبية او شريرة، يدخل الفيلم عرين أفلام وولت ديزني ويتوقّف عن أن يكون بيكسار٠

من دون افساد متعة المشاهدة أسارع للقول أن كل الفيلم يستحق المشاهدة، لكن فنيّاً فإن الدقائق الأربعين الأولى منه (ومدّته لا تزيد عن تسعين دقيقة) هي الأفضل. خصوصاً تلك الدقائق العشر التي يتذكّر فيها العجوز قصّة حبّه على أنغام بيانو ومن دون حوار كما لو كنا نشاهد فيلماً صامتاً من العشرينات (وهي شبيهة بتقديم أندرو ستانتون لفيلمه »وول إ« من حيث قيمة النوستالجيا في كل فيلم)٠ الفكرة تبقى في طيّات مناوأة العصرنة وتؤيد الرجل العجوز الرافض بيع بيته، وحين يرتفع البيت في الهواء فإن المرء لا يستطيع الا أن يبحلق عينيه في الشاشة منتظراً النتائج. حين يحط العجوز والصبي على الأرض ويمسكان بخيوط البالونات حتى لا يفلت البيت فإن الرمزية المستوحاة من البيت الطائر تغط في سبات. والأحداث تصبح على شاكلة أي فيلم من ديزني فيه حيوانات. ذلك أن بطلي الفيلم سيلقتيان بطائر اعتبر منقرضاً وبكلب ثم بمجموعة كبيرة من الكلاب يملكها مستكشف شرير (مرسوم بملامح الممثل القديم كيرك دوغلاس لكن الصوت هو لكريستوفر بلامر) يريد القاء القبض على ذلك الطائر. كل ما يحدث تبعاً لذلك يبقى مثيراً للأولاد ربما، لكنه مثل الطائر الذي انتفى ريشه باكراً، بلا تلك المضامين التي عادة ما تصاحب أفلام بيكسار من أوّلها الى آخرها، والتي بدأ الفيلم بها أساساً٠
لا أستطيع الا وأن أتذكّر وأُذكّر أن الفيلم الياباني
Hawl's Moving Castle
سبق (بخمسة أعوام) هذا الفيلم في حكاية البيت الطائر. ليس بالبالون، لكن في إطار رحلة بحث. فيلم رحلة وأجواء مفعمة بالفلسفة كحال انتاجات مخرجه هاياو ميازاكي. هذا على عكس "فوق" الذي يعلو بفكرة وضرورياتها لكنه يغط بفراغه من أي بعد مفيد او رسالة إنسانية٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفيلم العربي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


حسن ومرقص *
إخراج: رامي إمام [مصري -2009]٠
كوميديا اجتماعية - 110 د
........................................................................................
أعلم أن الفيلم عُرض في العالم العربي منذ أسابيع لكن »حسن ومرقص« من الأهمية بمكان بحيث يجب العودة اليه وعدم ترك رسالته تمضي من دون ذكر او تقييم٠

حتى الآن،‮ ‬وبإستثناء الفيلم الأول‭ ‬‮»‬عمارة‮ ‬يعقوبيان‮«، الى حد، ‬فإن جل ما أنتجته شركة‮ ‬ "غود نيوز سينما"‮ ‬هو أفكار كبيرة بإمكانيات وفيرة من دون أن‮ ‬يساندها أي‮ ‬دعم على صعيد فنون الكتابة، المعالجة والإخراج‮. استثنيت »عمارة يعقوبيان«، ‬ليس لأنه كان فيلماً‮ ‬رائعاً،‮ ‬لكنه كان‮ -‬على الأقل‮- ‬عملاً‮ ‬صادقاً‮ ملمّاً بما يرغب قوله ويحسن جمع الكثير بين دفّتيه رغم أن معالجته في نهاية الأمر كانت فضفاضة وتستعير الكثير من الميلودرامات التلفزيونية. باقي الإنتاجات، من »حليم« الى »ليلة البايبي دول« وصولاً لهذا الفيلم كانت أفلاماً ذات غايات تنتهي في التنفيذ الخطأ. تبقى على الشاشة عناوين لما لا يتم ترجمته صحيحاً بالصور٠
فيلم »حسن ومرقص‮« يخلو حتى من أي حسنات. الكثير من مرددي النقد في العالم العربي، خصوصاً في مصر، بحثوا عن حسنات من باب التوازن وآخرين لم يعتقدوا أن الأمر بحاجة الى البحث لأن الحسنات موجودة وظاهرة. في الحقيقة ليس من مهمّة الناقد أن يوازن أي شيء، ولا الفيلم فيه ما يوفّر هذا التوازن على نحو تلقائي٠

مسلمين ومسحييين
بولُس‮ (‬عادل إمام‮) ‬مسيحي‮ ‬ملتزم‮ ‬يخطب في‮ ‬الكنيسة ضد المتطرّفين المسيحيين لكن ما أن‮ ‬يغادر الكنيسة حتى‮ ‬يتعرّض لحادثة إغتيال. خرج من ذات الكنيسة وركب مع إبنه وسمعا دقّات تشبه دقّات الساعة. يوقفا السيارة وينطلقان هاربين وتنفجر السيارة محترقة‮. ‬
محمود‮ (‬عمر الشريف‮) ‬مسلم ملتزم‮ ‬يرفض تولّي‮ ‬إمارة مجموعة متطرّفة. وما يكاد ينتهي من مواجهة الجماعة حتى يتم حرق منزله. ‬الحل عند الوزير‮ (‬عزت أبو عوف‮) ‬الذي‮ ‬يطلب من الأوّل أن‮ ‬يتنكّر في‮ ‬شخصية مسلم ليتم نقله الى قرية المنيا المحافظة‮. ‬لا نرى كيف وتحت أي‮ ‬ظرف طلب من محمود التنكّر في‮ ‬شخصية مسيحي‮ ‬لأن الفيلم‮ ‬يلتزم أكثر بشخصية بولُس التي يؤديها عادل إمام٠ ‬لكن ما علينا أن نصدّقه من دون أن‮ ‬يوفّر السيناريو أدوات هذا الطلب أن هذا حدث بالفعل وبالتالي‮ ‬فإن المجال مفتوح لمفارقات تجبر بولس الذي‮ ‬صار أسمه حسن على الهجرة من المنيا الى حارة‮ ‬يقطنها مسيحيين في‮ ‬القاهرة حيث‮ ‬يلتقي‮ ‬هناك بمحمود الذي‮ ‬أصبح أسمه مرقص‮٠ ‬والمحنة التي‮ ‬جمعت بينهما‮ (‬والتي‮ ‬لا تعدو أكثر من صدفة‮) ‬تؤدي‮ ‬الى محنة أخرى حين‮ ‬يضطران الى اخلاء شقّتيهما بعدما أثارا لغطاً بين سكان الحي، ثم الى أخرى حين تكتشف كل عائلة حقيقة العائلة الأخرى بسبب قصّة حب بين ابن حسن/بولس وإبنة محمود‮/ ‬مرقص‮ (‬بالصدفة ايضاً‮). ‬في‮ ‬النهاية على العائلتين التعاضد تعبيراً‮ ‬عن رفضها للطائفية في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬تقع فيه معركة كبيرة هائمة بين المسيحيين والمسلمين‮
آنتهى الفيلم‮٠‬

كوميديا يُرِثى لها
هناك فنوناً مختلفة لكيفية التطرّق الى فيلم‮ ‬يحمل قضية كبيرة ومهمّة ضمن سينما الكوميديا‮. ‬لكن هذا الفيلم لا‮ ‬يعرف أياً‮ ‬منها‮. ‬لا‮ »‬قفشاته‮« ‬الكوميدية ناجحة ولا قضيّته الجادة نافذة ولا يترجم المخرج موضوعه الى نقد اجتماعي لكي‮ ‬يخرج الموضوع من بؤرة النوايا الساذجة لتعكس وضعاً‮ ‬وليس رغبة‮. ‬
من باب الكوميديا مثلاً،‮ ‬على ما أعتقد،‮ ‬أن سكرتير الوزير أبله‮. ‬ومن باب الكوميديا،‮ ‬كما‮ ‬يبدو،‮ ‬أن الفتاة المسيحية التي‮ ‬تحاول كسب عماد‮ (‬إبن بولس‮) ‬الى قلبها بشعة،‮ ‬ذات عين زجاجية وأسنان كبيرة‮. ‬لجانب الإهانة الإنسانية التي‮ ‬يوجهها الفيلم لمن قد‮ ‬يحمل مثل هذه الإمارات او ما‮ ‬يماثلها،‮ ‬فإن لا شيء لا في‮ ‬هذه المشاهد ولا في‮ ‬أي‮ ‬من سواها قادر على أن‮ ‬يحيي‮ ‬الفيلم الذي‮ ‬وُلد ميّتاً‮.
‬وأسلوب المخرج فقير لحد مؤسف‮. ‬يقوم في‮ ‬الأساس على تأطير كل ظهور للممثلين الأساسيين من باب الدعاية المعتادة وعلى كاميرا تتحرّك دائرياً‮ ‬بلا داع‮. ‬في‮ ‬الأساس ليس هناك داع لأي‮ ‬حركة تصوير‮. ‬بل مجرد تنفيذ رغبة تتراءى للمخرج فيقدم عليها مدير تصويره‮. ‬والكثير من المشاهد قائمة على مونتاج متواز‮ ‬يدعو،‮ ‬لطوله وافراطه في‮ ‬التقليد،‮ ‬الى الرثاء‮. ‬عادل إمام‮ ‬يبتهل بالدعاء في‮ ‬المسجد‮ (‬وهو المسيحي‮) ‬وعمر الشريف‮ ‬يبتهل بالدعاء في‮ ‬الكنيسة‮ (‬وهو مسلم‮). ‬يعنى إذا كنت لا تزال لم تفهم رسالة الفيلم بعد ساعة من عرض الفيلم‮ فإليك ملعقة فيها الرسالة. افتح فمك وابلع. الطعم حلو؟ لا بأس. نحن نحب السكّر زيادة٠

‬المشاهد مفبركة وحس الفبركة طاغ‮ ‬لأن المخرج‮ ‬ينقل الفبركة كما هي‮. ‬من بين ذلك المشهد الذي‮ ‬ينقذ فيه عادل إمام زوجة وإبنة عمر الشريف من حريق‮ (‬ثالث‮) ‬والذي‮ ‬يُظهر عادل إمام بطلاً منقذاً‮ (‬عمر الشريف كان قفل الباب على أهله‮). ‬وبالتالي‮ ‬بطلاً‮ ‬على النحو الذي‮ ‬يحبّه عادل إمام‮. ‬ ربما كون المخرج رامي‮ ‬هو إبن الممثل عادل إمام‮ يجعله، من باب التبعية العائلية، أكثر رعاية لأبيه واستجابة لمتطلّبات نجوميّته. ‬التمثيل‮ ‬يتهادى من جيد ومهدور‮ (‬عمر الشريف‮) ‬الى مقبول ضمن النمط‮ (‬حسن مصطفى‮) ‬الى سيء ضمن النمط وخارجه‮ (‬الباقون جميعاً)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
DOCUMENTARY| وثائقي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

BALLETS RUSSES****
Daniel Geller: إخراج
وثائقي | رقص [الولايات المتحدة- 2005]٠


‮»‬المؤلم هو أنك تبقى وحيداً‮ ‬مع هذا الحب‮. ‬لا تستطيع أن تفعل شيئاً‮ ‬حياله‮«.‬
يقول أحد أعضاء فرقة‮ »‬باليه روس‮« ‬متحدّثاً‮ ‬عن تجربته حيال رقص الباليه الذي مارسه طوال حياته ومعبّراً عن أي وله يمارسه الواحد منا حيال ما يشدّه أكثر من سواه الى هذا العالم بصرف النظر عن ماهيته ونوع إبداعه٠
يرد هذا في‮ ‬فيلم‮ جميل من إخراج ‬دانيال جيلر وداينا غولدفاين بعنوان "باليه روسيا« او
Ballet Russes
تم إنتاجه سنة 2005 وجال مهرجانات
تورنتو وسان فرانسيسكو ولندن حاظياً بمديح النقّاد وهو متوفّر منذ نحو عامين على أسطوانات. ‬اشتريه او استأجره او استعيره او أسرقه‮... ‬لا‮ ‬يهم‮. ‬المهم أن تراه‮. ‬عمقه،‮ ‬حنانه،‮ ‬رقّته،‮ ‬والمعلومات التي‮ ‬ترد فيها تجعله من أهم الأفلام الوثائقية التي‮ ‬شاهدناها في‮ ‬السنوات الأخيرة‮.‬

في‮ ‬العام 1909 ‬قام الفنان سيرج دياغيليف بتشكيل‮ »‬باليه روس‮« ‬التي‮ ‬استطاعت خلال أعوام قليلة السطوع على سطح الفن الإستعراضي‮ ‬المسرحي‮ ‬مصحوبة بديكورات من تصاميم بيكاسو وماتيس وبموسيقى من كتابة راڤل‮ ‬وستراڤينسكي‮. ‬الإستعراضات الراقصة كانت من تصاميم نيجينسكي،‮ ‬ماسين وبالانشين‮. ‬اما الراقصون والراقصات فكانوا من أبرز وأفضل فناني‮ ‬ميدانهم أمثال‮ ‬إيرينا بارانوڤا وإيڤون شوتيو وناتاليا كراسوڤسكا وتاتيانا ريابوشينسكا وتاتيانا ستبانوڤا وتمارا تشيناڤورا من بين آخرين‮. ‬في‮ ‬العام 1929 ‬مات دياغيليف وتولّى إدارة الفرقة من بعد كولونيل دي‮ ‬باسيل الذي‮ ‬عيّن وأقال ومارس
صلاحياته بإدارة صارمة بعض الراقصين اليوم‮ ‬يذكر إنها كانت ضرورية والبعض الآخر‮ ‬يؤكد إنها لم تكن‮.

‬معظم راقصو وراقصات الباليه لم‮ ‬يرقص‮ ‬في‮ ‬روسيا من قبل‮. ‬هؤلاء هاجروا او هربوا مع اندلاع الثورة الشيوعية الى فرنسا حيث تم إعادة تأسيس الفرقة‮ في باريس. »‬باليه روس‮« ‬كانت بمثابة‮ ‬البديل لفن الباليه الروسي‮ ‬الكلاسيكي‮ ‬ولفرقه التي‮ ‬لم تترك روسيا بعد الثورة او لم تكن‮ ‬قادرة على مغادرة البلاد‮. ‬

هكذا‮ ‬يبدأ‮ ‬الفيلم‮ ‬معلناً‮ ‬عن ولادة الفرقة بمشاهد وثائقية نادرة تؤسس لتاريخه وللفيلم‮. ‬وإذ‮ ‬ينتقل الفيلم الى سلسلة مقابلاته‮ ‬يسجّل،‮ ‬قبل فوات الأوان،‮ ‬شهادات راقصي‮ ‬الفرقة المخضرمين عن أنفسهم وعن أدوارهم وعن تلك الفترة الواقعة على بعد ثمانين سنة او أكثر‮. ‬تشاهد وتسمع شهادات بارانوڤا وشوتيو ومارك بلات‮ ‬و كراسوڤسكا وريابوشينسكا وفردريك فرانكلين وأليسيا ماركوڤا وراڤن ويلكنسون من بين آخرين عديدين وتكتشف أن من لا‮ ‬يزال حياً‮ ‬من أعضاء الفرقة‮ (‬او الفرقتين بعدما انقسمتا قبيل الحرب العالمية الثانية‮) ‬لا‮ ‬يزالون أحياءاً‮. ‬بعضهم‮ ‬يعيش في‮ ‬طي‮ ‬ذكرياته وبعضهم لا‮ ‬يزال‮ ‬يمارس هوايته المحببة فهو مدرّس في‮ ‬أريزونا او تكساس او لا‮ ‬يزال‮ ‬يعيش في‮ ‬بعض أنحاء أوروبا‮٠
‬ما‮ ‬يتذكّرونه ويتلونه مؤثّر ليس فقط لأنه جزء من تاريخ لم‮ ‬يعد‮ ‬يلتفت إليه أحد اليوم، بل لأنه نابع من إحساس ووجدان شخصياته التي‮ ‬ألّفته‮. ‬بعد النجاح الكبير للفرقة،‮ ‬تطل الحرب العالمية الثانية وتقع وأوروبا تحت الخطر والفرقة،‮ ‬وقد أنقسمت الى فرقتين واحدة بإسم‮ »‬باليه روسيا الأصلية‮« ‬والثانية بإسم ‮ »‬باليه روسيا لمونتي‮ ‬كارلو‮«) ‬يؤمّان عروضهما الأولى في‮ ‬الولايات المتحدة ما اضطرهما لجعلها المكان الذي‮ ‬يعودان إليه بعد كل رحلة سفر بسبب إحتلال المانيا لفرنسا‮. ‬ما‮ ‬يحدث بعد ذلك هو الكثير من التفاصيل حول نمو وازدهار ثم اضمحلال كل من هاتين الفرقتين‮ (»‬باليه روسيا الأصلية‮« ‬ابتلعها الفقر ثم الإفلاس حتى وفاة صاحبها دي‮ ‬باسيل،‮ ‬والثانية استمرّت لسنوات قليلة بعد ذلك لكنها أيضاً‮ ‬توقّفت عن النشاط في‮ ‬أواخر الستينات‮). ‬هناك مساحة كافية للمرور على بعض التواريخ المهمة خلال الحديث عن التاريخ الخاص للفرقتين من الإنهيار الإقتصادي‮ ‬الأميركي،‮ ‬الى الحرب العالمية الثانية الى الجنوب الأميركي‮ ‬العنصري‮. ‬

في‮ ‬سبر‮ ‬غور هذا التاريخ فإن ما‮ ‬يأسر النفس ليس صعود وهبوط فرقة او فرقتين،‮ ‬بل ذلك الإيمان الجيّاش براقصي‮ ‬الفرقتين صوب حب لم‮ ‬يمت مع الأيام‮. ‬حب لا الراقص خانه ولا هو خان الراقص‮. ‬إيمان رائع‮ ‬يتجلّى‮ ‬بشغف الحديث‮. ‬بالكلمات المختارة للتعبير عن الذات والنفس والذاكرة‮. ‬ثم بتلك المشاهد التي‮ ‬تدفع الدموع لتقف عند حواف العيون‮: ‬راقصون وراقصات وقد أصبحوا في‮ ‬خريف العمر‮ ‬يقومون ببعض الرقصات للكاميرا‮. ‬يبدون مثل العرائس بعد نفض الغبار من عليها‮. ‬خارج الموضة لكن عرائس‮. ‬الفيلم بأسره حالة شغف كلّية تنفذ بفاعلية حتى لمن لا‮ ‬يهمهم فن الباليه من قريب او من بعيد‮.‬

لابد من الإعتراف بأن هناك قدراً‮ ‬كبيراً‮ ‬من المعالجة التعاطفية تناقض ما‮ ‬يفضّله البعض من الفيلم‮ ‬غير الروائي‮ ‬وهو درجة أعلى من الحقائق المسجّلة او الموثّقة‮. ‬لكن ما‮ ‬يحققه الفيلم من خلال منهجه هذا لا‮ ‬يقل قيمة‮. ‬كما هو على الشاشة‮ ‬يبدو الفيلم حُلواً،‮ ‬رقيقاً‮ ‬وراغباً‮ ‬في‮ ‬منح كل حقّه‮. ‬هذا ليس عيباً‮ ‬او نقصاً‮ ‬باستثناء أن بعض الحدّة في‮ ‬مواقفه او في‮ ‬طروحاته العامّة،‮ ‬وهو‮ ‬يصل الى قدر من هذا مرة واحدة فقط عندما‮ ‬يتحدّث عن الحملة التي‮ ‬شنّها العنصريون الأميركيون ومنظمة كوكلس كلان المعادية للسود على‭ ‬‮»‬باليه روس‮« ‬حينما طافت الجنوب وبين راقصاتها راڤن ويلكنسون،‮ ‬وهي‮ ‬أوّل راقصة باليه سوداء محترفة‮. ‬الألم‮ ‬يصعد الى الحنجرة وهي‮ ‬تتحدّث اليوم عن تجربتها وكيف صعد رجال الكوكلس كلان المنصّة باحثين عنها،‮ ‬لكن أحداً‮ ‬من زميلاتها لم تفصح عن مكان اختبائها‮. ‬الغصّة تبقى وهي‮ ‬تضيف أنها اضطرت بعد ذلك للتوقف عن الرقص‮. ‬لكن الفيلم‮ ‬يبدو ابتلع قدراً‮ ‬من الوقائع حين أغفل ذكر موقف إدارة الفرقة من الراقصة وعمّا إذا تخلّت عنها بفعل الضغوط‮ (‬وهو الأمر الذي‮ ‬من المحتمل جدّاً‮ ‬أنه وقع‮).‬

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
FILM OF THE WEEK | فيلم الأسبوع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Tri Fratelli | Three Brothers **** | الأخوة الثلاث
Francesco Rosi إخراج: فرانشيسكو روي
دراما سياسية | إيطالي | 1981
..........................................................................................

في واحدة من المقابلات الكثيرة التي أجريت معه عقب انتهاء الفيلم، قال فرنشسكو روزي «لأكثر من عشر سنوات وإيطاليا لزجة بدم الإرهاب. لكن كم فيلماً أظهر إدراكه بهذه الحالة؟ كم فيلماً جعلنا نتنشق هواءنا المسموم؟. «ثم أضاف على الفور: «إنما الأكثر من ذلك أن «الأخوة الثلاث» ليس فيلماً أيديولوجياً. إنه يحكي قصص الحياة، وفي هذه البلاد اليوم لا أستطيع أن أتحدث عن الحياة، عن الموت، عن الحب من دون أن أضع في الاعتبار الواقع الذي غطسنا فيه، عن المشاكل التي نجرها وراءنا وعن الخوف من الفساد الذي غزانا»٠
في المبدأ، وفي عمق أعماق هذا الفيلم، هذا الخوف من الفساد هو ما يتحدث عنه الفيلم، هو الهم الذي يحيط بجوانب صورته مهما بدت تلك الصورة جميلة وبديعة ـ وهي كذلك بالفعل. الفيلم هو فيلم صراعات ومتناقضات. وفرنشسكو روزي ليس المخرج الذي حين يدخل موضوعاً ما فإنه يكتفي بجانب منه، بل هو يستعرض مختلف الجوانب وينشأ علاقة حميمة بينها فإذا بنا نتفرج على شريحة حياتية وواقعية واحدة، وكل ما فيها من صراعات تتآلف ضمن المبدأ المحرك لهذا العمل٠
في هذا الفيلم إيطاليا اليوم كلها في المحور . إنها قصة الحياة الحاضرة وتلك الماضية في مقابلها. كذلك قصة الزيف الذي في عصرنا والأصالة التي في ماضينا. عن الكرة والخوف وجرثومة الفساد السياسي والاجتماعي. عن الخوف من الموت تحللاً وانقراضاً بطيئاً، وعن التطلع إلى الحب والأصالة والعيش في الأمل الوردي الكبير. إنه عن المدينة العارية والقرية الجميلة ـ وكل منهما تمثل حقبة من التاريخ وأحد جانبي هذه الحياة. وأخيراً، عن الشر الذي حط في الأولى والخير المهمل والمهجور الذي ما زال كامناً في الثانية٠
ما هي مأساة المهاجر؟
يتساءل أحد الأخوة في مشهد من الفيلم ثم يجيب
«مأساته أنه لا يحس بالأرض التي تحت قدميه».
وبهذا الجواب يقدم الفيلم أحد عناوينه الكبيرة، ويستجيب إلى نداءات الحيرة التي كانت تتردد في قلوب أبطاله٠
روزي، مرة أخرى صنع لنا الفيلم الساحر والمثير جداً للخيال كما المتعمق جداً في الواقع. درامياً يحقن أبطاله بنوازع الألم والحزن على جرعات تتكاثف عند النهاية، كما يفتح أعينها، بطيئاً، على الواقع الذي تحيا فيه. وبما أننا نتعرف إلى أنفسنا سريعاً في هذا الفيلم، حيث كل منا هو واحد منهم، فإن الألم يصير ألمنا والحزن حزننا، والعين المفتوحة ببطء هي عيننا. وإذ نحن في الصورة نتيقن هوة المأساة التي نحن، وشخصيات الفيلم فيها. إنها ليست مأساة الهجرة فقط (وهجرة الأخوة الثلاث هي نزوح من القرية التي ولدوا فيها إلى المدينة وليست من بلد إلى آخر) بل مأساة العيش في ذلك الخوف المستمر من طاحونة الحياة والمجتمع التي تبدلنا وتخلق بعد ذلك منا إما أناساً مهشمين ومفسودين، أو أفراداً عنيدين ووحيدين، حجم جراحهم بحجم أحلامهم التي لم تتحقق والتي ـ مع ذلك ـ ترفض أن تزول٠
يحشو روزي فيلمه بالأحلام وبالخيالات والتوقعات والذكريات والكوابيس. كل رجال الفيلم (الأب والأخوة الثلاث) يتعرضون لمثل هذه الصور، وروزي يترجمها إلى مرئيات تعبر عن منطلقاتها، فهي حانية من الأب، مثالية من أحد أبنائه، عاطفية من الآخر وكابوسية حين تأتي من الثالث. وما نراه بين هذه الخيالات والأحلام هو واقعي بقدر ما الحياة الدائرة أمامنا واقعية. حتى الذكريات منسوجة في تلائم عاطفي وإيحائي مع ما يرمي الفيلم إلى طرحه من دلائل بخصوص الماضي والحاضر وعلامات الزمن فوقيهما. أما القصة الصغيرة التي تحدث أمامنا فلا يعمد روزي إلى التأثير على بساطتها، وأن لا يكف عن استخلاص المواقف منها في مقدرة هائلة على النفاذ إلى الحقائق وإلى الأنفس، وفي إدارة كلية تحيك ببساطة ووضوح كلي العلاقة ـ سينمائياً ـ ما بين القصة والأحلام٠


ببساطة هي حكاية ثلاثة أخوة. قاض وأستاذ مدرسة للأحداث وعامل يعودون من المدن التي يعيشون فيها ويعملون، إلى قريتهم الجنوبية بعد أن استلم كل منهم برقية تخبره بوفاة والدته.
القاضي يترك وراءه محكمة قادمة لقضية سياسية عالقة، والأستاذ تلاميذ مشاغبين، والعامل مشكلة زوجية. والهموم، بنفس الترتيب هي: الخوف من الاغتيال، الخوف من تهاوي المثاليات والتعفن، والخوف من الوحدة والضياع. وهذا الثالث (العامل نيكولا) يصطحب ابنته الصغيرة التي تفاجأ بالريف وبالبيت الكبير الأبيض. بالدجاج وصياح الديكة وأسقف البيت العالية وجدرانه السميكة، ومطبخه الواسع، وبنجوم الليل الظاهرة. هي لم تعرف أياً من هذا. لم تره بعينيها من قبل. وهي وجدها العجوز يؤلفان طرف الخيط بين الماضي البعيد والأمل القادم. وإذ ينتهي الفيلم بقرارها بالبقاء في القرية فإن روزي يرفع هذا الأمل عالياً، ويصل به إلى نفس ذلك العلو الشاهق من الإعجاب الذي يبثه نحو الأب الكبير. نحو هذا الماضي الذي يشارف على الانقراض وتلك الأصالة الغائبة. بدون رمزيات، هذا الرجل الكبير ماتت زوجته قبل ساعات وبعد عشرة أكثر من أربعين سنة. إنها أكثر من خسارة. هي ـ بغيابها ـ مأساة، وهو سيبقى وحيداً بقية حياته، وسيقضي الوقت مشبعاً بذكرياته معها٠

أما الأخوة الثلاث في لقائهم اليتيم منذ سنوات بعيدة (منذ أن هاجروا) فإنهم يتحادثون (في مشهد طويل مأخوذ في غرفة نوم كبيرة توزعت فيها ثلاثة أسرة عتيقة العهد) متسائلين عما حل بهم، كيف كان كل واحد منهم الآن. وسريعاً ما نتعرف أن وراء كل واحد من هؤلاء نوعاً من المشاكل التي تلتقي بالنوع الآخر عند الخط العريض من الحياة العصرية٠
في صبيحة اليوم التالي، يستيقظ روكو الأستاذ من حلم غريب شاهده: لقد رأى تلامذته يكنسون الأرض من المسدسات، والمخدرات، وأبر المورفين، ومن الدولارات والشعارات، وهو يقف مأخوذاً ووراءه سماء جميلة الألوان. عالم نظيف كالذي يتوق إليه ويصرف حياته من أجله.
يفيق من نومه وينظر إلى سريري أخويه فيجدهما شاغرين. يتقدم إلى النافذة المطلة على ساحة البيت. يرى أحد أخويه وقد جلس عند مقعد بجانب الحائط ووجهه بين يديه، والثاني قد وقف إلى آخر يبكي كطفل. وإذ ذاك تنفجر عيناه بالبكاء. بكاء الأم ـ المناسبة، وبكاء كل منهم على حياته وضياعه وذاته.
بهذا المشهد، الواقع في الفصل الأخير من الفيلم، يتوج روزي كل ما سبق. وينقل آخر نفسات الألم إلينا في شحنة عاطفية ذات أسس واقعية. إذ لا شيء مجاني، استعراضي، مزيف أو ميلودرامي٠

تقنياً، الفيلم متعة للعين. فيلم ذو لغة فنية راقية وخاصة، وفيه صنعة الفيلم ـ التي بدورها باتت أمراً نادراً ـ لا قطع يؤذي النفس، ولا لقطة تؤذي العين، ولا زاوية لم تكن ضرورية. والإيقاع لا يقل أو يضطرب. الفيلم يمر في نفس سلاسة جدول رقراق من الماء وفي نفس الوقت بعمق المحيط.
كعملي كلي، هو فيلم شخصيات وتحليل شخصيات. وهي ليست شخصيات برغمانية أحادية ومنغلقة، وليست فيللينية مجنونة ولا بولانسكية معقدة كصاحبها، بل مجرد شخصيات، وتناول روزي لها يذكرنا دوماً بأفضل ما في الأدب المكتوب، حيث راحة العبارات واعتناء برسم الأجواء وحيث القصة محبكة مهما صغرت تماماً كما في حال هذا السيناريو الذي جهزه روزي في عقله قبل أعوام من تحضيره مكتوباً٠
رفاييلو هو القاضي الذي يحاول أن يمارس القانون الذي يؤمن به، وهو بذلك يواجه الإرهابيين إلى أية جهة انتموا. الصراع الذي يديره (دون أية تضخيمات) هو بين هذا القانون الذي سنه الإنسان لأمن مجتمعه، وبين الإرهاب الذي اعتمده لفرض عقيدته. وهو بذلك يضع روحه على كفه، ومخاوفه في أن يغتال لا تتركه لحظة. منذ المشاهد الأولى التي تعرفنا عليه، نحس بحذره، ونراه يتزود بمسدسه. لاحقاً يتصل بزوجته ونعرف أن هذه المخاوف تستند إلى حقائق، فهو مهدد بالقتل، ويريد من زوجته أن تلتزم جانب الحذر. قمة هذه المخاوف تأتي في مشهد مفاجىء هو عبارة عن خاطرة مستقبلية (فلاش فوروورد): يوم عادي. حافلة. محطة غاصة. رجال ونساء يتسلقون الحافلة. في الحافلة يخرج رجال أسلحتهم ويغتالون أحد الركاب. هلع واضطراب. يفر القتلة. والناس تهرول مبتعدة. تتقدم الكاميرا لأول مرة من الرجل الذي اغتيل وقد وصل المحقق إلى جثته المنكبة على وجهها. يقلبه فإذا به رفاييلو٠
رافييلو يفيق من خواطره. إنه يبدو أكثر تقرباً وتفهماً لأخيه روكو المدرس في الإصلاحية من أخيه نيكولا العامل في أحد المصانع٠

روكو هو في الأربعينات. غير متزوج وكل همه هو إنشاء جيل صالح يغير المجتمع الفاسد وينشأ المدينة الفاضلة. بداية الفيلم هو مثقل بنوازع الفشل. يفتح الفيلم على لقطة لجزء من مبنى مهجور ذو نوافذ بدون عارضات أو أطر. مظلمة من الداخل وموحشة من الخارج. اللقطة الثانية هي لأرضية تلك العمارة. وسخة وجرذان تسرح بها. يصاحب هاتين اللقطتين دقات قلب ترتفع تدريجياً حتى تصير كضربات الطبل، وعزف منفرد ذو وتيرة واحدة تعلو كذلك حتى الامتلاء. ثم يتوقفان عند نهاية المشهد باستيقاظ روكو من كابوسه٠
هو ذاته روكو الذي نراه يحلم في الفصل الأخير من الفيلم بتلامذته يكنسون المجتمع الذي يعيشون فيه: أوساخ، مراحيض، دولارات، شعارات، أصنام، إبر، مخدرات، متاريس، بنادق... كلها تجتمع في لقطة واحدة عند رابية كتلك التي تلقى عندها الزبالة العامة. الكابوس في بداية الفيلم مشحون بالخوف والوحشة، والأخير مليء بالأمل. والعلاقة بينهما واحدة يمثلها هذا المصلح الباحث عن المدينة الفاضلة والمجتمع المثالي. وروزي لا يوافقه على مثاليته ولا يقبل بأن يحلم مثله، لذلك نرى أنه قد وضع في خلفية هذا الحلم لوحات مرسومة اعتنى بأن يظهرها مرسومة وغير حقيقية ليربط بين عدم واقعية روكو واستحالة قيام ما يتمناه بالأسلوب الذي يتبعه. ونحن نتعرف إلى سقوط أحلامه، وإلى الفاصل بينها وبين الواقع عندما نراه في بداية الفيلم، وبعد استيقاظه من كابوسه، يقابل شرطيين جاءا بطرحان بعض الأسئلة حول تلامذته. لقطة عالية بعيدة ـ دون حوار ـ للأستاذ يتحدث والشرطيين، ولقطة قريبة منخفضة لبعض التلامذة وقد تزاحموا وراء النافذة يراقبون ونفهم ؛ وهذه هي السينما: أن نفهم من اللقطات وحدها ـ أنهم موضع اتهام٠

أما نيكولا فهو العامل في أحد مصانع منطقة تورين الذي يدافع عن حركة عمالية ضد منطق أخيه رفاييلو الذي يتحدث عن إمكانية تحقيق العدل للعمال بالمفاوضات. في حياته الخاصة، تقض مضاجع نيكولا قضية انفصاله عن زوجته التي ما زال يحب ويحن للرجوع إليها. ونراه معها في مشاهد عاطفية تنطلق من خيالاته وحبه.
هذه الشخصيات الثلاثة، والشخصيات الأخرى المتورطة معها، هي ضحايا أساسية للمجتمع وللمدينة. وإذا انتبهنا، هناك في مشهد حلم نيكولا باجتماعه بزوجته، هناك في الخلفية (والمشهد ليلي يدور في غرفة المطبخ ذات النافذة العريضة) نرى ـ بدقة ـ رجلاً يتحرك في غرفته في الجهة الأخرى من البناية (الفاصل بعيد). المعنى الذي هدف إليه روزي هو أن يرينا صندقة الحياة في المدينة حيث الأفق الأبعد هو الجار في الجهة المقابلة، وهذا عنصر يستخدمه المخرج ـ انطلاقاً ـ للتدليل على الاختلاف الكبير بين المدينة والقرية.
أما الأب العتيق، فهو مثال للطراز الحي من الحياة، ذلك الذي عاش على الأرض الصلبة التي لم تحفرها الآلات، ولم تنبسط عليها البلاطات ومساحات الزفت الأسود. تلك التي لم تصبها
الحضارة٠

روزي يختار بيتاً واسعاً رحباً وذي جدران بيضاء مكاناً للحدث الأم. لماذا؟. لأنه على عكس ما أراد أن يوحيه في «المسيح توقف عند أيبولي» ـ وقد دار أيضاً في قرية جنوبية ـ أراد أن يجرد، هنا، القرية من الحيوية التي جاءت عليها القرية الأولى.
ذلك أن القرية في «المسيح توقف عند أيبولي» تقع في الثلاثينيات حيث كانت ما تزال تتمتع بنوع من المركزية. هنا هي مجردة تماماً كما تقترح الألوان. اليوم، في الثمانينات، هي ما هي عليه من عزلة واغتراب٠
لقد أحاطها روزي بجو من الحزن لا ينفصل عن ذلك الذي أحاطه بالأب وبذكرياته التي نرى منها اثنان يعودان به إلى سنوات الشباب. بالإضافة إلى خاطرة تمر به عندما يتوجه، عبر طرق القرية الترابية ليرسل البرقيات الثلاث إلى أبنائه. فجأة يقف ويتطلع خلفه. يتخيل أن زوجته ما زالت هنا، ها هي تطلب منه أن يمسك بذلك الأرنب الفالت، وإذ يفعل، تختفي هي. يتطلع حوله كأنما يتساءل ما إذا كان فعلاً قد شاهدها أو أنها قد خيلت له.
إذ ينتهي الفيلم بالكثير من الحزن الذي فيه، وبالقليل من الأمل الذي بثه، نتساءل نحن أيضاً ما إذا كنا شاهدنا فيلماً ـ خيالاً، أو درساً جديداً في الواقع. الأول حلو، والثاني شديدة المرارة ـ وروزي يصر على أن لا يفصل بين الاثنين


CAST & CREDITS

DIRECTOR: Francesco Rosi

CAST:
Philippe Noiret
Michele Placido
Vittorio Mezzogiorno
Andréa Ferréol
Maddalena Crippa
Rosaria Tafuri
Marta Zoffoli
Tino Schirinzi
Simonetta Stefanelli
Pietro Biondi
Charles Vanel .

SCREENPLAY: Tonino Guerra & Francesco Rosi
SOURCE: A. Platonov Story.
CINEMATOGRAPHER: Pasqualino De Santis (Color)
MUSIC: Piero Piccioni
EDITING: Ruggero Mastroianni

PRODUCERS: Antonio Macri, Giorgio Nocella, Renzo Rossellini.




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


ISSUE 26 | I Am Cuba *****| عيد ميلاد ليلي | الطوفان

FLASHBACK
Wings of Desire (1987)


الملائكة في فيلم ڤيم ڤندرز الموحي والمتأمّل شهود عيان لما يقوم به البشر من أعمال وراصدون لتحوّلات الأرض. يستمعون الى ما يتحدّث به الناس. طبعاً لا يراهم البشر وفي كثير من الأحيان نراهم على حافة مباني شاهقة يرقب من بعيد. في الصورة بطل الفيلم برونو غانز في لقطة صمّمها وأكاد أقول رسمها مدير التصوير هنري ألكَن٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ANIMATION | أنيماشن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Greed ***

فيلم دنماركي صامت من دقيقتين حول الجشع يتمحور حول ذلك الفرد الذي يجمع مالاً بالضغط على وجهه٠ فكرة لطيفة وقصيرة لديها مشكلة إحداث تأثير خلال عرضها لكنها منفّذة بمونتاج جيد٠
http://www.wildsound-filmmaking-feedback-events.com/greed.html


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
SHORT FILM | فيلم قصير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Sara *** | سارا


هذا الفيلم الروائي لخديجة لكلير يبدأ بفتاة شابة هي سارة في الفيلم تجلس وحيدة فوق مركب يشق البحر. من المركب الى الشاطيء. الى سيارة تاكسي الى الريف. ومن البلدة التي تصل اليها الى العنوان الذي تقصده على عربة يجرّها حمار. إنها منهكة ونائمة لكنها أرادت أن تقطع المسافة من بلجيكا الى القرية الجزائرية لتزور أمها٠
ما يحدث خلال هذا اللقاء له دلالاته: الأم تكاد لا تعرف إبنتها. سارة تجد من الصعوبة

المخرجة خديجة لكلير
بمكان كبير التواصل مع أمها. تسألها عن حالها وتحاول أن تتحدّث معها في هذا الشأن او ذاك، لكن الأم تطالبها بالمال ولا تمنحها أي عاطفة. سارة تعطي أمها مالا وتنصرف. تقطع المخرجة عند هذا الحد لتصوّر بطلتها وهي تبحر من جديد٠
المدلول هنا هو قطيعة واسعة بين أم وإبنتها يمثلان من هاجر فوجد مكانة وحرية ومن بقي خاضعاً لعوامل من العزلة والإحباط٠
٠ »سارة«، رغم ذلك يبقى فيلماً صغيراً وليس فقط قصيراً. المدلول المذكور هو استنتاج المشاهد الخاص الناتج عن تفسيره. الفيلم كان بحاجة الى تعميق رسالته وهذا كان يمكن أن يتم عبر اختيارات المخرجة من اللقطات. هي تفضل اللقطات البعيدة، لكن شروطها لا توفّر المطلوب دائماً٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
DOUBLE BILL| فيلمان دفعة واحدة !٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


روبرت كلاوز ليس إسماً معروفاً في عالم الإخراج ولا يمكن الدفاع عنه كثيراً. فهو مخرج أفلام جماهيرية حقق نحو 17 فيلماً في حياته التي انتهيت باكراً، لكنه في بعض الحالات كان مخرجاً جيّداً تعمل مخيّلته على نحو مثير وجديد. مثالان في هذا الإتجاه أحدهما فيلم مشهور أكثر من سواه
Darker Than Amber (1970) ***
فيلم بوليسي عن رواية للكاتب الشهير في هذا المجال جون د. مكدونالد بنفس العنوان. قاد بطولة الفيلم رود تايلور في شخصية ترافيز ماكجي: تحر يعيش في مركب يستلم مهمّة تكاد تودي بحياته. المشهد المميّز هنا هو المعركة اليدوية التي تقع بين بطل الفيلم وبين عملاق سادي أشقر أدّاه وليام سميث. ووليام سميث هو الذي ظهر في دور الملاكم في فيلم كلينت ايستوود
Any Which Way You Can
لجانب نحو 150 فيلم آخر٠



Enter the Dragon (1973) ***
على الأرجح أفضل، وبالتأكيد أشهر، فيلم كونغ فو مثّله بروس لي وأخرجه روبرت كلاوز. ثلاثة مقاتلين (ويليس، وجون ساكسون وجيم كيلي) يقتحون جزيرة يحكمها شرير يتاجر بالبشر. مشاهد كثيرة لا تنسى هنا، لكن روبرت يركّز كثيراً على فصل من الأحداث تقع في غرفة من المرايا على بروس لي التمييز بينها وبين الشخص الحقيقي الذي يسعى لقتله مستخرجاً بذلك ما يلصق بالبال طويلاً٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
DOCUMENTARY | وثائقي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الطوفان ****


إخراج: عمر أميرالاي. إنتاج: فرنسي (2004)٠ ‮
دراسة إجتماعية [ألوان- دجيتال- 46 دقيقة]٠

يقدم المخرج السوري‮ ‬عمر أميرالاي‮ ‬على خطوة سياسية وفنية كبيرة تشكل منعطفاً‮ ‬في‮ ‬حياته الزاخرة الى الآن بأعمال جيدة عديدة‮. ‬سياسياً،‮ ‬هذا فيلم‮ ‬يوجه نقده مباشراً‮ ‬وبلا مواربة لحزب البعث العربي‮ ‬السوري‮ ‬على نحو لم‮ ‬يفعله فيلم من قبل‮. ‬يتحدث عن حلم تلاشى ووعود لم تتحقق‮. ‬هذا ما‮ ‬يراه المخرج بعد ‮٣٣ ‬عاماً‮ ‬مرت على‮ ‬تحقيقه فيلمه الأول‮ »‬سد الفرات‮« ‬الذي‮ ‬إنساق فيه،‮ ‬بإعترافه،‮ ‬الى الإعتقاد بأن هذا السد هو إنجاز حضاري‮ ‬كبير لبلاده وسبيل رخاء للقرى والمناطق المحيطة بالمكان‮. ‬حسناً،‮ ‬بعد ‮٣٣ ‬سنة‮ ‬يعود الى المكان ليكتشف وليكشف لغيره حقيقة مختلفة‮. ‬لكن هذا الكشف هو أحد إهتمامات الفيلم‮. ‬في‮ ‬الصلب،‮ ‬ما‮ ‬يكشفه حال السد الآن هو وضع‮ ‬يطال البلد بأسره‮.‬
فنياً،‮ ‬نظرة الفيلم مبللة‮ ‬بالماء‮. ‬عمر أميرالاي‮ ‬يصوّره جميلا،‮ ‬هادئا ومحيّراً‮. ‬بذلك‮ ‬يربط مضمون الصورة الطبيعية بمضمون القضية التي‮ ‬يثيرها‮. ‬في‮ ‬أفلامه السابقة حافظ على ذات النطاق من المساواة بين الموضوع والصورة،‮ ‬لكنه هنا‮ ‬يزيد تشغيل العين في‮ ‬الصورة المختارة‮. ‬ومع أن طريقة العمل ذاتها محدودة بالتعامل مع شخصيات حذرة عادة من الكاميرا وعليه‮ (‬وعليها‮) ‬أن‮ ‬يجد الوسيلة التي‮ ‬تؤمن ولو قليلاً‮ ‬من الثقة،‮ ‬الا أن أميرالاي‮ ‬لا‮ ‬يعمد الى كاميرا سرية او مهرّبة‮. ‬بل هي‮ ‬موجودة لتواكب ما‮ ‬يُطرح موظفا وضعها لصالحه حتى في‮ ‬ظروف‮ ‬غير مواتية‮.‬
اللقطة الأولى للفيلم هي‮ ‬بحيرة السد‮. ‬وتعليق رجل‮ ‬يركب القارب وحده‮. ‬على الغالب لم‮ ‬يرد الرجل نقل شكواه الى الكاميرا فيكشف عن شخصيته‮. ‬هنا،‮ ‬عوض أن‮ ‬يصوّره المخرج مع تمويه للوجه او من الخلف مثلا،‮ ‬يختار توظيف الصعوبة لصالحه‮. ‬يضع الكاميرا على الشاطيء ويترك الرجل‮ ‬يجزف بعيداً‮ ‬في‮ ‬منتصف البحيرة‮. ‬نسمع الرجل‮ ‬يحكي‮ ‬كيف أن البحيرة‮ ‬غيّرت معالم الطبيعة في‮ ‬تلك المنطقة‮. ‬كيف طمرت قرى وخلفت مستويات معيشية‮ ‬غير التي‮ ‬وعدت بها‮. ‬بعد ذلك،‮ ‬ينتقل المخرج الى قرية الماشي،‮ ‬حيث كل المناصب الرئيسية فيها تنتمي‮ ‬الى عائلة الماشي‮ ‬بما فيها مدير المدرسة الرسمية للأولاد‮. ‬والقرية تقع قرب البحيرة ويعتبرها المخرج صورة مصغره لوطنه سوريا،‮ ‬كما‮ ‬يذكر في‮ ‬كلمته القصيرة عن الفيلم‮. ‬ما‮ ‬يلتقطه المخرج في‮ ‬مقابلات محدودة،‮ ‬وفي‮ ‬نحو نصف ساعة من الإنتقال بين صفوف المدرسة ومنازل أحد النوّاب مثير لإهتمام أي‮ ‬باحث عن الحقائق بغية تطوير الواقع لما هو أفضل منه‮. ‬
يحصد المخرج هنا كلاماً‮ ‬إنشائيا جاهزاً‮ ‬من مدير المدرسة‮. ‬لكن ما تحصده الكاميرا هو الأهم‮: ‬أجهزة الكومبيوتر التي‮ ‬جيء بها الى المدرسة ثم تركت مهملة لا أحد‮ ‬يشغلها لأن لا أحد لديه إلمام بها‮. ‬التلامذة الذين‮ ‬يتولون ترداد ما تعلّموه وحفظوه من آيات تبجيل وخطب تحفر في‮ ‬بالهم‮. ‬مدرّسون مهمتهم لا التنوير وسبر كل مصادر المعرفة،‮ ‬بل تنفيذ مهمة حجر عقل الطالب الصغير في‮ »‬كوريدور‮« ‬ضيّق ومحدود‮. ‬في‮ ‬هذا الديكور كل ما‮ ‬يحتاجه الطفل ليتعلمه من عبارات ثناء للحزب والسلطة والدولة‮. ‬تتذكر وأنت تشاهد الفيلم بأن الوضع في‮ ‬الدول التي‮ ‬رزحت تحت حكم الشيوعية طويلاً‮ ‬لم‮ ‬يكن مختلفاً‮ ‬كثيراً‮ ‬عما هو قائم الآن من حيث نظم التعليم وأساليب الحجر على العقل وتوجيه الصغار صوب وجهة نظر الدولة وحدها مؤسسة نمطاً‮ ‬عقيما من التدريس‮ ‬يعمل ضد تقدم الدولة نفسها‮.‬
في‮ ‬نهاية مطافه،‮ ‬يعود المخرج الى البحيرة‮. ‬الى الماء التي‮ ‬تستطيع أن تكون سبب حياة وتستطيع أن تكون سبب موت‮. ‬يعتمد ذلك على كيف تستخدمها‮. ‬تماماً‮ ‬كالكاميرا في‮ ‬يد المخرج‮. ‬يستطيع أن‮ ‬يحوّلها الى آلة كشف للحقائق او آلة لطمس الحقائق وعمر أميرالاي‮ ‬أختار المهمة الأولى‮. ‬
بالطبع هناك من سيقف وينتقد على‭ ‬أساس أن الحقيقة ليست ملك شخص واحد‮. ‬وفي‮ ‬حالة هذا الفيلم هناك إستبعاد،‮ ‬من وجهة النظر المعارِضة للفيلم،‮ ‬لوجوه أخرى هي‮ ‬أيضا حقائق أغفلها المخرج‮. ‬وبل هناك من أعاب على المخرج إستغلال‮ ‬سذاجة بعض الشخصيات االتي‮ ‬تحدّثت بعفوية‮ ‬غير مدركة‮ ‬طبيعة ما تدلف إليه مثيراً‮ ‬ضحك المشاهدين عليها‮. ‬لكن من ناحية على الجهة المعارضة أن تصنع أفلاماً‮ ‬جيدة،‮ ‬وليست أناشيد‮ ‬غوغائية،‮ ‬تناقض بها دعوى هذا المخرج‮. ‬هذا أفضل وسيلة للرد عليه‮. ‬وإذا ما كان المتحدث ساذجاً‮ ‬فإن ذلك،‮ ‬وضمن الموقف السياسي‮ ‬المطروح‮ ‬تأييد لما‮ ‬يريد المخرج الذهاب اليه من قول‮: ‬وضع كهذا،‮ ‬يخلق أناساً‮ ‬كهؤلاء‮. ‬هم أناس طيّبون‮. ‬صادقون‮ ‬ومواطنون صالحون هم للأسف باتوا‮ ‬جزءا‮ ‬من المشكلة وليسوا جزءا من الحل‮.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفيلم العربي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


عيد ميلاد ليلى ***
إخراج: رشيد مشهراوي [فلسطيني/ فرنسي-2004]٠
دراسة إجتماعية [ألوان- دجيتال- 46 دقيقة]٠

فقط قبل خروج أبو ليلى من الباب في‮ ‬صباح‮ ‬يوم جديد لكي‮ ‬يعمل على سيارة شقيق زوجته،‮ ‬تذكّره هذه أن لا‮ ‬ينسى أن اليوم‮ ‬يوم عيد ميلاد إبنتهما ليلى‮. ‬التذكير‮ ‬يعمل داخل عقل أبو ليلى‭ ‬‮(‬محمد بكري‮) ‬طوال الوقت،‮ ‬لكن المفارقات التي‮ ‬يتعرّض إليها في‮ ‬ذلك اليوم‮ »‬العادي‮« ‬تكاد تنسيه وحين‮ ‬يتذكّر تكاد تمنعه من التنفيذ‮. ‬هذا الفيلم المبني‮ ‬على فكرة بسيطة من المخرج رشيد مشهراوي الذي سبق له و تعامل والفيلم الروائي‮ ‬دائماً‮ ‬على أنه نسيج لحياة عليه أن‮ ‬يلتقط منها أنفاساً‮ ‬وقصصاً‮ ‬وشخصيات بسيطة ومتواضعة. وهو ينجح في مثل هذا التعامل مانحاً الفيلم حسّاً إنسانياً وحسّاً صادقاً في الوقت ذاته٠‬

يترك أبو ليلى‮ ‬البيت ويبدأ بالتقاط الزبائن‮ (‬او هي‮ ‬تلتقطه‮): ‬إمرأة لا تعرف إذا ما كانت تريد الذهاب الى المقبرة حيث دُفن زوجها او الى المستشفى لعلاج‮. ‬رجل‮ ‬يركب لجانب السائق ويرفض ربط الحزام،‮ ‬ثم‮ ‬ينسى هاتفه النقال في‮ ‬السيارة‮. ‬شاب خرج من السجن حديثاً‮ ‬سنراه لاحقاً‮ ‬يرقب أبو ليلى في‮ ‬صمت وقد فقد أبو ليلى اعصابه وانهال على الناس بالنقد‮. ‬شاب وفتاة لا‮ ‬يعرفان طريقة للإختلاء الا باستئجار سيّارته‮. ‬الراكب الوحيد الذي‮ ‬شعر أبو ليلى بارتياح معه سيّدة مسيحية تقصد الإنتقال من رام الله الى مكان آخر عبر الحواجز الإسرائيلية‮. ‬
لكن أبو ليلى،‮ ‬يكرر ذلك في‮ ‬الفيلم،‮ ‬لا‮ ‬يقترب من تلك الحواجز‮. ‬لا‮ ‬يريد أن‮ ‬يراها‮. ‬يكفيه صوت المروحية الإسرائيلية وهي‮ ‬تطير فوق المدينة‮. ‬وفي‮ ‬أحد المرات ربما تكون قصفت سيارة لاغتيال من فيها‮. ‬إنها المرّة التي‮ ‬يقودون فيها سيّارته الى المستشفى بينما كان‮ ‬يحتسى فنجان شاي‮ (‬او قهوة‮). ‬في‮ ‬مرّة ثانية،‮ ‬يخرج من محل الحلوى ليجد أن سيّارته زيّنت بعدما اعتقدها البعض أنها واحدة من سيارات عرس حاصل‮. ‬
في‮ ‬المجمل أبو ليلى،‮ ‬الرجل المحبب والبسيط عليه أن‮ ‬يتحمّل قدر استطاعته،‮ ‬وحين لا‮ ‬يفعل‮ ‬ينفجر بالناس ثم‮ ‬ينظر فوقه حيث المروحية‮ (‬نسمعها ولا نراها‮) ‬ليصب جام‮ ‬غضيه على الهيمنة التي‮ ‬تجسّدها وترمز إليها‮. ‬فيلم مشهراوي‮ ‬بانوراما لما لم‮ ‬يعد محتملاً‮ ‬إنما من دون عنف ومجازر وبل من دون تصوير جندي‮ ‬واحد‮. ‬وهو‮ ‬يصل الى ما‮ ‬يريد الوصول اليه وأكثر‮. ‬
يعمد مباشرة الى البقاء في‮ ‬إطار القصّة الفردية وامتدادها العائلي‮. ‬أبو ليلى،‮ ‬القاضي‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يجد سوي‮ ‬أذناً‮ ‬صمّاء من المسؤولين بخصوص طلبه تعيينه في‮ ‬مجال عمله،‮ ‬يعمل جدّياً‮ ‬على كبح‮ ‬غيظه من كل تلك الأخطاء التي‮ ‬يرى مجتمعه‮ ‬يتخبّط بها،‮ ‬لكنه‮ ‬يعلم مصدرها ولذلك المشهد الذي‮ ‬ينظر فيه الى السماء ويصرخ ضد شكل القوّة الطاغية التي‮ ‬منعت الفلسطينيين من العيش الطبيعي‮. ‬مشهراوي‮ ‬في‮ ‬كل ذلك،‮ ‬يعرف كيف‮ ‬يواكب طبيعة القصّة البسيطة بتصوير هاديء‮ (‬وجيد‮) ‬بسيط‮. ‬وكيف‮ ‬يبقى عقلانياً‮ ‬يترك خيطاً‮ ‬ويمسك بآخر لكنه لا‮ ‬يدع أي‮ ‬خيط من خيوط الأحداث‮ ‬يفلت من‮ ‬يده‮٠ ‬


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
FILM OF THE WEEK | فيلم الأسبوع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


SOY CUBA/ I AM CUBA ****

أنا كوبا
إخراج: ميخائيل كالاتوزوف
مع: سيرجيو كورييري، سلفادور وود، جوزي غالاردو، راول غارسيا.
كوبي/ سوڤييتي | 1964
..........................................................................................
فيلم هذا الأسبوع تحفة من تلك التي أجاد بها زمن مضى. فيلم قوّض السياسة تحت جناح الفن فاعتبرته السلطات خطأ. لكن الفن انتصر في النهاية والفيلم تحوّل الى عمل كلاسيكي لا مثيل له. يكفيك تلك المشاهد التي تحبس الأنفاس والتي تستفيد من حركة كاميرا قلّ مثيلها في العالم٠
..........................................................................................

إذا ما كان ايزنشتاين عمد الى أسلوب الصور المحددة ذات التقطيع الحاد والمونتاج الواثب لإيصال رسائله، فإن المخرج ميخائيل كالاتوزوف (مواليد 1903 ومتوفي في سنة 1973) آمن بأن الكاميرا سر السينما وسحرها، وفي لقطاتها الطويلة وحركتها الدؤوبة تكمن المعايشة وهي تستطيع إيصال الرسائل ذاتها، او أي رسائل أخرى مرغوبة، من دون أسلوب المعلّم الأول لفن المونتاج٠
أندريه تاركوڤسكي آمن أيضاً بقدرة الكاميرا واستخدمها ليس فقط لبرهان نظريّته بل إثباتاً بأن الفن الإنساني غير قابل للمساومة السياسية. في غضون ذلك، كلاهما كان يلغي قواعد ايزنشتاين ليبرهن على أن هناك أكثر من وسيلة لإبلاغ المشاهد المراد بالصورة٠
بالنسبة لميخائيل كالاتوزوف، فإن ذلك لم يكن مقصوداً. الى حد ما، كان كالاتوزوف ينطلق من نفس المنهج السياسي لكن بوسائله التعبيرية الخاصة التي لا تنتفي شروط وجود تأثيرات ايزنشتانية ومدرسية
للجيل الذي سبقه لكنها تبلور اتجاهها المختلف بقوّة. تعمد الى الكاميرا وتعتمد عليها. بالنتيجة ايزنشتاين استخدم المونتاج لخلق الوعي السياسي الذي يريد، كالاتوزوف استخدم الكاميرا المحمولة للغاية ذاتها ٠
الفيلم كان حصيلة أحداث سابقة. من ناحية كان هناك بداية خروج عن قبضة ستالين الحديدية. هزيمة أميركية في العام 1961 عندما ساعدت القوّات الأميركية كوبيين معادين للثورة في أمل عودة مسلّحة الى البلاد عبر انزال في »خليج الخنازير« لكن المحاولة قُمعت. ثم إنتصار أميركي في المواجهة المعروفة بأزمة الصواريخ عندما عمد الإتحاد السوڤييتي لتزويد كوبا بصواريخ حاملة رؤوس نووية نصبت بعضها على الشواطي الكوبية مواجهة لأميركا وكانت في طور إرسال المزيد منها٠ نتيجة المواجهة قرار بسحب تلك الصواريخ قبل أن تنشب حرب نووية بين عملاقين حاربا في جبهة واحدة ضد النازية قبل أقل من عشرين سنة٠

الخلفية
فيلم المخرج ميخائيل كالاتوزوف السابق لهذا الفيلم كان »البجع يطير« الذي حقق به نصراً فنياً وإعلامياً كبيراً إذ خرج من مهرجان "كان" سنة 1957 حاملاً السعفة الذهبية٠ الآن يجلس مع الشاعر الروسي إيفاني يفتوشنكو ليكتبا سيناريو »أنا كوبا«. والشاعر يفتوشنكو كان مثار جدل كبير آنذاك فهو قبل إنجاز هذا الفيلم سنة 1964 بأعوام قليلة كتب مهاجماً الستالينية قائلاً" "هو (اي ستالين) مات، لكن الستالينية لا زالت قائمة") وهو موقف انضم الى جملة مواقف انتقادية للسلطة الشيوعية وحرص على أن يجعل صوته مسموعاً، لكن هناك -حتى في ذلك الحين- بعض أترابه الذين كانوا يتّهمونه بأنه كان مخلب السُلطة في الوقت ذاته وأنه كان يردد الإنتقادات التي كانت السُلطة تسمح له بترديدها. ومع أن يفتوشنكون قدّر في الغرب (وهناك صورة تجمعه مع الرئيس الأميركي نيكسون) الا أن الحقيقة في تلك المواقف لا زالت غامضة الى حد مثير٠
في العام 1961 أبان أزمة خليج الخنازير اتفقت كوبا والإتحاد السوڤييتي على إنجاز فيلم مشترك يورخ للثورة الكوبية. بما أن ميخائيل كالاتوزوف كان خرج من »كان« متوّجاً فإن اختياره كان مفهوماً٠
وفي البداية قام كالاتوزوف ويفتوشنكو بكتابة سيناريو يسير حسب المنهج التاريخي والحدثي لتلك الثورة كما لو كان منهجاً مدرسياً مقررا. لكن الفنان في كالاتوزوف آثر رمي تلك النسخة والعودة الى الكتابة من جديد برؤية تختلف. النتيجة كان السيناريو الذي نال الموافقة بحماس فانطلق المخرج وفريق عمله (الذي يحتوي على مدير التصوير سيرغي اروسلڤسكي ذلك الذي عمل مع المخرج ذاته في »البجع يطير« كما مع ڤسيڤولود بودفكين ويولي رايزمان وهما من رعيل السينما السوڤياتية الأول بعد الثورة) والتقى بفريق عمل كوبي أمّ المناصب التي كان لابد لخبرة كوبية فيها بما في ذلك تعديل السيناريو في المطارح الواجبة ليصبح كوبياً أكثر٠

إنجازات مبهرة
بداية الفيلم مختارة لتحديد كم كان الحال عليه في العهد السابق للثورة. وأريد أن أقول هنا أن الصالح والطالح هو في كل نظام سواء أكان يمينياً او يسارياً وأن ما نتحدّث عنه هنا هو الفيلم مع معطياته وظروفه من دون تسييس الموضوع تسييساً ذاتياً كما درجت القراءات العربية لمختلف الأفلام عموماً. هذا ليس فقط لأن هذه الصالة صالة سينما، بل أيضاً لأن الفيلم بما يحمله هو ما يُطرح في القراءة وليس ما يُستنتج منه او يُلقى عليه من الخارج٠
إذاً، تبعاً للفيلم فإن المشاهد الأولى أريد لها أن تصم الفترة السابقة لكاسترو وتفعل ذلك بمناجاة تبدأ والكاميرا فوق مركب في البحر يمر بها مركب آخر فيه طفلين (ذكر وأنثى) فقيرين عاريين ويصاحبها التعليق التالي
"I am Cuba. Thank you Mr. Columbus.
When you saw Cuba for the 1st time,
I was singing and laughing"

أنا كوبا. شكراً كولمبوس. حين شاهدت كوبا أول مرّة
كنت أغني وأضحك٠
بعد مرور القارب الآخر وعليه الطفلين يستكمل التعليق قائلاً
"Ships took sugar and left tears"
السفن أخذت السكّر وتركت الدموع٠

سيتبيّن معنا فيما بعد أن التعليق الصوتي يصاحب مفارقات وحكايات الفيلم الخمسة وأن قيمته تكمن في ناحية أنه مكتوب كحالات شعرية ووصفية. سلبيّته هو أنه في كثير من الحالات لا يستطيع أن يضيف قوّة للمعروض البصري لأن هذا المعروض قوي بحد ذاته. لكن هذه الإشكالية التي قد أتعرّض اليها لاحقاً تندمج في الحياكة الكلّية وتصبح مقبولة خصوصاً ضمن الأسلوب الروسي الشهير في تلك الآونة حيث كان المعلّق الصوتي منتشر واستخدمه حتى تاركوفسكي (وإن كان بدراية أفضل)٠


الفيلم فيه إنجازات تصويرية مبهرة. خذ مثلاً المقدّمة. الكاميرا فوق سطح فندق فخم تمشي بين رجال ونساء في ثياب البحر وتتمايل على موسيقا جاز. تلحق رجلاً يحمل مشروباً لإمرأة تقف وحيدة عند حافة الشرفة تنظر الى المدينة تحتها ثم تتبعها وتتخلى عنها (تتركها تمضي) وتنتقل الى حيث مصدر الموسيقا. هناك مغن أميركي يغني ويتمايل والكاميرا (المحمولة طوال الوقت) تتمايل مع موسيقاه ولا تتخلّى عن محيطه من الرجال والنساء في البيكيني. تعود الكاميرا الى حافة الشرفة وهنا تهبط الى الدور التالي تحت السطح بعدما اجتازت حاجز الشرفة لتصبح خارج السطح ونزلت (غالباً على مصعد خُصص للغاية) لتكشف ذلك المكان ثم تهبط دوراً آخر حيث مسبح آخر. امرأة تتّجه الى المسبح وترمي نفسها. الكاميرا تفعل الأمر نفسه بعدما وضعها مدير التصوير في صندوق محكم لا تتخلله المياه. الناتج صورة وجهة نظر لذلك التجوال الاستكشافي الذي بدأ قبل دقيقتين لمن هم في بركة السباحة. الكاميرا تغطس حيناً وتعوم حيناً. انتهاء لقطات الفصل٠

هؤلاء، الرجال والنساء الذين رأيناهم، يقول الفيلم، هم النخبة التي كانت تأتي الى كوبا لشتّى الأعمال والملذّات. حياة برجوازية لاهية تلتقي مع النظام (نظام باتيستا) الذي كان قائماً. طبعاً الفصل المذكور، بالإضافة الى ما سبق ايراده هنا من تعليق ومشهد لطفلين من بيئة الصيادين المدقعة، هو مطلع النقد السياسي المقصود. لكن إذ تترك هذا النقد او تتركه يمضي موافقاً او معارضاً، فإن ما عندك هو حركة كاميرا رائعة بلقطة واحدة ستتبعها حركة كاميرا لا تقل عنها روعة
في فصل آخر تكمن حركة جديدة سنتعرّف عليها تفصيليا فيما بعد.

يدلف »أنا كوبا«، بعد تلك المقدّمة، لقصصه الدرامية: القصّة الأولى حول فتاة جميلة أسمها ماريا (لوز ماريا كولازو) تقترب من بائع فاكهة شاب في مشهد نهاري/ خارجي. هناك معرفة واستلطاف لكن حين يود طبع قبلة على شفتيها تلتفت بعيداً. هو لا يعرف أنها تعمل في ناد ليلي يؤمه أميركيون. نحن الآن في مشهد داخلي/ ليلي وهي تراقص ثلاثة رجال (من واحد لواحد) وهي غير سعيدة. حين تبدأ موسيقا أفريقية بالعزف تبدأ هي بالرقص بألم الدجاجة المذبوحة. كل ذلك تعبير عيني عما ترزح تحته ماريا من أحاسيس مجروحة والفصل ينتهي باضطرارها للخروج مع اميركي يريد أن يمضي معها الليلة. تأخذه الى حيث تعيش: كوخ في الأحياء الفقيرة٠ بائع الفاكهة الكوبي الذي تعرّفنا عليه يأتي في الوقت الذي يستعد فيه الأميركي للمغادرة . الكاميرا تتبع الأميركي وهو تائه في شوارع من الأكواخ وقد طلع النهار. أولاد يتجمْعون حوله يشحذون٠


ينتقل الفيلم من هنا الى قصّة ثانية: الريف. رجل كوبي عجوز يرقب المطر المنهمر بينما يغط ولديه الصغيرين في النوم. هناك فلاشباك لأيام أفضل حين كان لا يزال شابّاً ومتزوّجاً من الفتاة التي أحب، قبل أن تكشف الحياة عن طالعه السيء. إنه أجير في أرض يملكها اقطاعيون يعمل لحسابهم. الفلاشباك ينتهي والمطر كذلك لكن المناجاة تستمر
"Before I used to think that the most
frightening thing is death. Now I
know better. In life the most frightening
thing in this world is life it self"
من قبل كنت اعتقد أن أكثر ما هو مخيف هو الموت٠
الآن أعرف أكثر. أكثر ما هو مخيف في الحياة هو
الحياة نفسها"٠
ويضيف
" All my life, under debt"
طول حياتي تحت الدين٠


طبعاً المنتوج هنا هو نقد الإقطاعية بعد أن انتقد الفيلم منذ بدايته منوال الحياة في المدينة الذي يخلق مجتمعين متناقضين لا يلتقيان أحدهما يطغى على الآخر٠ وكما أظهر المخرج قصّة حب كوبية- كوبية للحظات ثم نقضها بإجهاض الواقع البشع لها، نرى في هذه القصّة منوالاً مماثلاً: هاهو الفلاح في حقل السكر والكاميرا تسبح في الحقل وتصوّره جمالياً الى أن يصل ثلاث رجال على صهوة الفرس. أحدهم هو السيد كوستا الذي يخبر الفلاح أنه باع هذه الأرض وعليه بالتالي أن يتركها مع عائلته. الفلاح يقول: "لقد عرقت على هذه الأرض. العرق أتركه لك هدية"٠

بعد ذلك هناك فصل من فيلم وثائقي لحياة البذخ التي يعيشها باتيستا في احتفال ما. هناك دمج جيد بين هذا الوثائقي وبين فيلم وثائقي على الشاشة في صالة في الهواء الطلق قبل أن تداهم مجموعة من الشبّان المكان وتحرق الشاشة ويهربون بالسيارة مخلّفين هلع وفوضى٠
هذا مدخل جيد للحكاية الثالثة التي تدور في بيئة الطلاب الثائرين بدورهم على الوضع الحالي، وهي حكاية تبدأ بتعرض ثلاثة بحّارة أميركيين لفتاة قبل احتمائها بأحد الطلاب الثوريين. هذا الطالب عليه تنفيذ مهمة اغتيال لكنه لا يستطيع إذ شاهده- من منظار بندقيّته- يأكل مع ولديه الصغيرين. يترك الشاب مكانه أعلى المبنى الى الشارع حيث ينتظره رفيقه ويؤنبه. هنا تنتقل الكاميرا الى لقطة طويلة على شارع البحر (الكورنيش) مع مبانيه المرتفعة والسماء الملبّدة والبحر هادر. الأرض عليها آثار ماء من الشتاء. قطع لمجموعة من الطلاب الجامعيين تطبع منشورات. البوليس يهاجم. ضابط يجد في حوزة أحدهم كتاباً للينين. الطالب يقول للضابط: كل من لا يقرأ هذا الكتاب جاهل٠
ينتهز طالب آخر الفرصة ويمسك بالمنشورات ويرميها من الشرفة على طلاب الجامعة. طلقة نار ثم يسقط الطالب من عل. الكاميرا تأخذ وجهة نظره وهو يسقط. تسقط عنه!!٠
يصل الشاب الذي كان سيقوم بعملية الإغتيال ويدرك أن من لم يغتاله هو المسؤول عن مقتل رفيقه. الثورة الطالبية تعم في مواجهة قبضة البوليس الحديدية٠ مشاهد لكر وفر ومواجهات. طلقات نار. الحمام يطير هرباً لكن رصاصة تصيب حمامة بيضاء (يكمن الرمز). الطلاب الآن متجمهرين ينشدون ضد الحكومة. تستقبلهم خراطيم المياه. يقلبون سيارات البوليس. لقطة للشاب ذاته يتحدّى الخراطيم (مشهد جيّد في تصميمه وتكوينه وتنفيذه) حاملاً حجارة يريد إلقائها على رئيس البوليس (هو ذاته الذي كان ينوي اغتياله) لكن هذا يطلق النار عليه. حيث يتجمهر الجميع حول الشاب القتيل وتلقي الكاميرا نظرة عليه من أعلى على نحو عموي عميق٠ خليط من الماء والدخان يسبق جنازة التشييع


إنه في هذا المشهد الجنائزي... يقدم المخرج على لعبة تصوير غير مسبوقة او ملحوقة بالشروط ذاتها، ولو أن التصوير الممنهج في لقطات طويلة من دون قطع موجود في أفلام مختلفة كما سنرى بعد استعراض هذا المشهد٠


شغل كاميرا٠
الكاميرا على الجنازة وهي تنسحب الى الوراء٠
صمت. ثم صوت وصورة أجراس. لقطة من فوق للجنازة. قطع الى الشارع حيث نرى الفتاة التي أنقذها الطالب من الأميركيين وهي مشتركة في الجنازة. هنا يكمن بداية العمل السينماتوغرافي الأخاذ المقبل٠


تعلو الكاميرا من الأرض الى سطح مبنى حيث تطل من هناك. إنها محمولة باليد لكن المصوّر واقف على
رافعة (ونش). تطل من علوّها على الجنازة ثم تتحرك في لقطة بانورامية الى اليمين حيث رجال يشتغلون في لف السيغار في داخل شقّة. تدخل الكاميرا من النافذة المفتوحة لتصبح داخل الشقّة. هناك مجموعة من هؤلاء تندفع الى النافذة حاملة وملوّحة بالعلم الكوبي. تخرج الكاميرا من النافذة وتمضي -كما لو كانت عين طائر متمهّل او طائرة من دون طيّار- في حركة حرّة بين مباني ضيّقة ومن موقعها العالي لا زالت تطل على الشارع المكتب. الكاميرا تمضي حتى تتوقف تماماً. مدّة الحركة التصويرية من صعود الكاميرا عن مستوى الأرض الى نهاية اللقطة الواحدة: ثلاث دقائق٠
الكاميرا خلالها محمولة وطريقة إنجازها للمراحل الصعبة (مثل دخولها وخروجها مصنع السيغار) تم بتعيين أكثر من مصوّر يأخذ الكاميرا من المصوّر الذي قبله ويسلّمها للمصوّر الذي بعده. بذلك لا أثر لارتجاج لأن المصوّر لن يترك الرافعة ليدخل من النافذة او يترك الغرفة ليخرج الى الرافعة من جديد. نفس المنوال في المشهد التمهيدي حين تبدأ الكاميرا الهبوط من السطح الى الدور التالي تحته. الكاميرا تترك السطح الى رافعة تهبط. الكاميران مان الأول عند نقطة محددة سلّم الكاميرا الى كاميرا مان الثاني الذي سلّمها حين وصلت الرافعة الى الطابق الثالث الى كاميرا مان ثالث بالإنتظار هو الذي سيرمي نفسه في بركة السباحة٠


ثلاثة أفلام تزور الذاكرة حين الحديث عن هذا الكم من الإبداع في الصورة
الفيلم الأول: "المواطن كاين« (1941) لأوسن ولز من حيث منهج وسياسة التصوير (قام به كرغ تولاند) فإذا به تجريبي وبؤري حيث العمق مواز للمقدّمة وتشكيلي حيث الظلال جزء من الصورة والتعبير٠
Touch of Evil الفيلم الثاني: "لمسة شريرة" (1958)٠
حيث الدقائق العشر او نحوها الأولى (ثم لاحقاً لكن تلك العشرة المذكورة خاصّة) استخدام فني مشبع يستخدم أسلوب اللقطة الواحدة للكاميرا لتأليف حركة معقّدة تبدأ من الأرض وترتفع فوق جدار من الأسلاك العالية ثم تهبط وتمضي وصولاً الى حيث نهبط في البلدة الحدودية التي ستقع فيها الأحداث. التصوير هنا كان لراسل متّي٠
Russian Ark الفيلم الثالث: "سفينة روسية" (2002)٠
وهذا للمخرج الروسي ألكسندر سوكوروف وتصوير الألماني تيلمان بوتنر (لا أحد ذكر أن مشاهد الكاميرا المحمولة في فيلم ميشيل هانيكه "الشريط الأبيض«- رابح جائزة كان هذه السنة من تصويره) المتخصص في الكاميرا المحمولة. الفيلم من أوّله الى آخره (ساعة و39 دقيقة) إعجاز فريد كونه مؤلّف من لقطة واحدة لم تكن ممكنة لولا اختراع الدجيتال- واحد من الأمثلة النادرة حيث تغلّبت كاميرا الدجيتال على الكاميرا السينمائية في قدراتها ومثال على قدرة مخرج التحكّم في تنفيذ فيلم حشد فيها ما يزيد عن 2000 شخص في ربع ساعته الأخيرة عليهم التحرّك تماماً كما في التدريبات من دون خطأ لأن أي خطأ سيؤدي الى إعادة التفليم من أوّله٠

بعد هذا المشهد نصل الى الرواية الرابعة٠
نحن في منطقة جبلية. بيت. رجل البيت ينظر الى بندقيّة وضعها ضيفه جانباً. هناك حركة ذكية من الكاميرا (تكشف عن تصميم المخرج لها) حيث الكاميرا في بانوراما قصيرة الى حيث البندقية. ترتفع
Tilt حركة بان عمودية، ما كانت مدارس السينما تطلق عليه كلمة
حيث تكشف عن البندقية من أخمصها الى أعلاها قبل أن تعود الى وجه صاحب البيت وهو الآن ينظر الى ضيفه. العلاقة: صاحب البيت الذي يستقبل ضيفه الذي لا يعرفه ليطعمه يدرك أن ضيفه ثائر٠
تتوجّه الكاميرا الى الضيف يرقب كيف أن صاحب البيت ينظر الى البندقية قبل أن يقبل (الضيف) على تناول طعامه٠
المشهد صامت الى حين تتبدّى الفروقات بين الرجلين حين يتحدّثان في السياسة ويبدو على صاحب البيت خوفه من استقبال الثائر. تعاتب الزوجة زوجها وتحلق وراء المسلّح الذي نهض وابتعد وتعطه موزاً٠ لكننا، أي نحن والكاميرا، نبقى في المكان ولا نتبع الثائر. البيت على قمّة جبل. إبنهما عار من الثياب. صوت طائرة ثم قصف. الطائرة لا تظهر في الصورة لكن القصف يتواصل. البيت مقصود. تفترق العائلة تحت عبء القصف٠
هنا يكمن مشهد شعري في قتامته للدمار المخلّف. البيت المشرف على طبيعة جميلة وهو في خطر٠ الزوج والزوجة هربا وهي حملت ما تسنّى لها من أولاد. صوت الطائرة من جديد. قصف مباشر على البيت. الرجل يبحث عن ولد كان بقي داخل المكان لكنه لا يجد سوى اللعبة التي كان يلعب بها٠
الزوج الآن وحيداً يمشي أرضاً محروقة. . تلحقه الكاميرا في هبوطه التدريجي من فوق الجبل الى حيث نهر. يغتسل. زوجته هناك. . يلجآن الى كهف مع ما بقي من أولاد. هناك تكوين صورة جيّد للكهف من الداخل. مقدّمة الصورة داكنة (لحد السواد) . الماء بيضاء من ورائهم. المشهد بلا حوار


تنتهي الحكاية (والفيلم بها) الى حيث سينضم هذا الرجل الى الثوّار وسيلتقي بالثائر الذي اختلف معه وسيحمل السلاح ويمشي الطريق الى الحرية٠

الفن فوق السياسة
مرّة هنا أنا كالطبيب الذي يعاين المريض بصرف النظر عن سياسته وأقول ذلك مرّة ثانية لكي أساعد القاريء في تحييد مصدر الرسالة السياسية والإهتمام فقط بالرابط بين الصورة وبين تلك الرسالة. أي كيف عبّر ذلك الفيلم عنها وصاغها٠
أول ما نلحظه هنا هو أن اسلوب العمل لا يختلف فقط عن ذاك الذي نصّت عليه سينمات فيرتوف وايزنشتاين وسواهما، بل عن منهج السينما السوڤييتية بأسرها. صحيح أنه لا يزال أداة الرسالة السياسية المنشودة وهي تقديم جوانب مختلفة للحياة الكوبية والأسباب التي أدّت الى الثورة، لكن الوسيلة هي فنّية خالصة. هذا ليس للقول أن وسيلة ايزنشتاين ودزيغا فرتوف الواقعيّتين ذات البناء شبه التوثيقي ليستا فنيّتان، بل للقول أن عند المخرج ميخائيل كالاتوزوف الكاميرا هي الوسيلة التعبيرية الأولى وليس المونتاج. بالتالي ما تستطيع أن تمارسه ضمن هذا المفهوم لا يجب أن تفسده المناهج السابقة المعتمدة على توضيب الفكرة في مطبخ المونتاج٠ وحين ترى الفيلم (إذا ما استطعت الحصول عليه وهو متاح عبر شرائه عن الإنترنت او في أسواق أوروبية) ستلحظ أن ما خلقته الكاميرا على الشاشة لا يمكن تجزئته الى لقطات او تركه تحت رحمة العملية المونتاجية: لقطات طويلة (اي بمدّتها الزمنية) وبعيدة (بمسافتها عن الشيء/ الأوبجكت المصوّر ) تستفيد من كاميرا محمولة وبؤرة عريضة٠ لا يمكن، والحالة هذه، ممارسة مونتاج في مثل هذه اللقطات. ما لا يدركه الكثير من المخرجين اليوم ان استخدام الكاميرا المحمولة مرتبط ليس فقط برغبة ما لإنجاز فيلم ذي صفة واقعية (الواقعية لا علاقة لها بأي كاميرا تستخدمها) بل أساساً بأسلوب مرئي شامل ينتمي الى غاية فنيّة على المخرج أن يكون مستعداً ومتمكّناً من إنجازها. التقطيع في مثل هذه الحالة ينسف الصيغة المتّفق عليها بين المخرج وبين هذا الأسلوب ويقضي على الفيلم٠
ميخائيل كالاتوزوف كان بدأ حياته تحت مظلّة الأسلوب الايزنشتاني المفضل عند ستالين (وهذه المعلومة مستمدّة أساساً من النسخة المتوفّرة حالياً في صندوق دي ڤي دي يحتوي على ثلاث ديسكات أحدهما من إخراج حفيده ميخائيل كلاتوزيشفيللي الذي يوفر مواد من أفلام جدّه الأولى في العشرينات تنتهي بتحرره التدريجي وايجاده الأسلوب الخاص به)٠


المقدّمة التي اختارها المخرج لفيلمه هي تمهيد عام لما كانت عليه كوبا تحت حكم باتيستا وهي رسالة موجّهة ضد العلاقة الجامعة بين المصالح الكوبية والأميركية. ثم هناك الجوانب الأربعة الرازحة تحت الحكم السابق: الفساد الذي أجبر المواطنون عليه نظراً لصعوبة ظروفهم (القصّة الأولى). ثم الجانب الريفي حيث يكدح الفلاح لعشرات السنين قبل أن يُقتلع من تلك الأرض التي أمّنت لأصحابها ثرواتهم. ثم الجانب الطلابي الذي ينضوي (عبر الدخول والخروج من مصنع بيتي للسيغار) على موقف العمّال من الوضع، انتهاءاً بريف مختلف (لا يحوي أرضاً منبسطة وحقول قصب السكر) لتقديم الجانب العسكري من المعارضة٠

بين كل قصّة وأخرى، وأحياناً في داخل القصّة، يعاود التعليق الصوتي التأكيد على الام كوبا بعبارة "أنا كوبا". ثم يلي ذلك المزيد من التعبير المكتوب بلغة شعرية. المشكلة هنا ذات رؤوس متعددة: البلاغة المسموعة لا تضيف -حسبما ذكرت- جديداً على الصورة، واستخدامها الهادف الى إشراك الشعر في العملية الإبداعية لا يُترجم -مهما كانت الترجمة الإنكليزية- جيّداً او بذات القوّة ما يحوّله الى استعراض متكرر يؤمن الناحية المرجوّة دون بلوغها٠


أنا كوبا يبدو اليوم كمن يحمل شخصية مزدوجة: إنه فيلم سياسي لخدمة رسالة بأبعادها وبذلك يحتوي على »تفعيل« معاد لجانبه الفني. وهو: فيلم على قدر مبهر من الجمالية الفنية التي تحافظ على ذات قيمها وعناصرها الفنية رغم اختلاف المناطق والأماكن والبيئات التي تنتقل اليها٠
من حسن حظ السينما أن هذا الجانب يتغلّب بأشواط على الجانب الآخر. وهذا بالطبع مقصوداً من دون أن يكون هذا القصد عاكساً لعدم إيمان المخرج بما يقوم به٠
ذلك الفصل الذي ترتفع فيه الكاميرا من الجنازة الى مصنع السيغار في طابق علوي لتخرج منه الى السماء لا سابق له ولا لاحق الى اليوم. وفي لقطاته الأخيرة يظهر العلم الكوبي الجديد. أمل التغيير والانتقال من عهد الى آخر. لكنه مشهد نموذجي للجانبين اللذين يحاولان التآخي جنباً الى جنب وكيف أنهما يستطيعان الزواج في الوقت الذي هو مشهد نموذجي لقدرة إخراجية ذات رؤية بصرف النظر تماماً عما تحتويه هذه الرؤية في صلبها٠

هذا الفيلم المتفائل في النهاية (بعد أن يرصد كل تلك الجوانب المظلمة) إذ يحمل الكثير من العناصر الفنية القائمة بذاتها هو وليد فني خالص . لجانب ابتكار صندوق ليحوي الكاميرا وينزل معها في ماء المسبح، تم ابتكار عدسات ونظم تقنية لتصوير مشهد كبير آخر يدور في حقل قصب السكّر. هذا الفلاح العجوز الذي يجد أن حياته قد انتهت عملياً يحرق الحقل بأكمله. لن يفوتك المشهد الكبير لذلك الحقل ومعانيه بسبب من ذلك الاستنباط خلال التصوير وليس قبله٠

رغم كل ذلك، حين انتهى الفيلم استقبل ببرود من قبل السلطات الكوبية والسوڤييتية (دليل على نجاح عملية تقويض السياسة تحت جناح الفن) فنُبذ الفيلم باستثناء عروض قليلة. في العام 1990 تم تقديمه على شاشة

مهرجان أميركي مهم (لكنه غير ذائع الشهرة عربياً) أسمه توليارايد من بعد أن توخّى مدير المهرجان من المخرجين مارتن سكورسيزي وفرنسيس فورد كوبولا العمل على ترميم هذا الفيلم التحفة وتبنّيه. وهما فعلا والفيلم من ذلك الحين وهو يعيش حياة ناجحة أكثر من حياته الأولى٠

CAST & CREDITS
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
DIRECTOR *****: Michael Kalatozov

CAST ***: Sergio Corrieri, Salvador Wood, Jose
Gallardo, Raul Garcia, Luz Maria Colazo,
Alberto Morgan, Fausto Mirabal

SCREENPLAY ***: Evgueny Evtushenko, Enrique
Pineda Barnet.
CINEMATOGRAHPY *****:Serguey Urusevsky
(B/W).
EDITORS ***: N. Glagoleva (141 min).
MUSIC***: Carlos Farinas

PROD. COMPNAY: Goskino Institute [Cuba/USSR- 1964]




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Hour of the Wolf

Hour of the Wolf   ( 1968 ) ****   إمرأة تحكي عن زوجها الذي اختفى داخل ذاته  محمد رُضا « ساعة الذئب » هو من بين أهم ...