Alice e Martin ميسر المسكي

في العديد من أفلامه، يبدو مولعاً بتلك الحالات التي تروي العلاقات الإنسانية الهاجسة بتناقضات أطرافها. وهو بهذا إنما يُـكمل في تفصيل اللوحة الكبيرة عن تعقيد شرط الوجود الإنساني ولوعة المشاعر التي طالما رسمتها كاميرا مخرجين فرنسيين عديدين. قبله كان تروفو في "جول وجيم" (1962) و"الإنكليزيتان والقارّة" (1971)، شابرول في "الجزّار" (1970)، كلود غوريتا في "صانعة الدانتيلا" (1977) و | إقرأ النقد إدناه





The Age of Shadows محمد رُضـا

لا يوفر المخرج جيم-وون سبيلاً لتقديم أحداث مثيرة الا وعمد إليها. هناك مشاهد مطاردات ومشاهد تحريات ومشاهد درامية من المواجهات. هناك مطاردات على الأرض وفوق السطوح وفي القطارات. العنف ليس بعيد المنال بالنسبة لهذا الفيلم ولو أنه لا يثير الإنزعاج بقدر ما يـثير غرابة الموقف. هذا ضمن إنتاج يضمن مشاهد لا تحصى منضبة تحت… | إقرأ النقد إدناه



Manchester By the Sea محمد رُضـا

فيلم عن أشياء معطلة بالجملة في حياة هذه الشخصية وفي حياة بعض الشخصيات المحيطة به. هناك نقد لإبن أخ لي الذي لا يستطيع أن يشعر بالحب الحقيقي لأنه ما زال بكراً لكنه يستطيع التباهي بأنه على علاقة بفتاتين معا. أم واحدة منهما تعيش وحيدة وتتوخى أن تجد لي رفيقاً لها. حقيقة يود المخرج لونرغن (في ثالث أفلامه) إيصالها إليك.

| إقرأ النقد إدناه



Arrival مهنّـد النابلسي


يطرح الفيلم الشيق والاستثنائي عدة اسئلة: هل هم علماء ام سياح ام غزاة أذكياء؟ وما مدى صدقهم؟ انه تشويق فضائي بلا معارك ومطاردات ساخنة، يبدو هذا الفيلم وكأنه لا يتحدث فقط عن هذه الكائنات الفضائية الغريبة، بقدر ما يتحدث عن سحر التواصل البشري وأهميته لفهم عالمنا المضطرب. | إقرأ النقد إدناه



روحي محمد رُضـا

تشكيل الصورة في كل ما سبق جيّـد. الإضاءة. العتمة. الوقت من النهار. المشاهد الداخلية معنى بها كاللوحات والخارجية معنية بالمكان. سرد الحكاية، لولا هنات السيناريو، متكامل وعلى وتيرة فنية واحدة. الكاميرا عندما تأتي محمولة لا تفرض وجودها بكثير من الهز. سعي المخرجة لكي تعبّـر الصورة عما لا تنطق به الكلمات رائع.

| إقرأ النقد إدناه




Fences محمد رُضـا

تروي (دنزل واشنطن) ناقم على أنه وُلد قبل حدوث هذه المتغيرات الموعودة. عاش حياة صعبة وعانى فيها من العنصرية المباشرة. الآن هو متزوّج ولديه ولدين ومنزل يدفع ثمنه كل شهر. يريد أن يؤكد، من المشهد الثاني وما بعد، إنه سيد هذا الحيّـز من الوجود. سيد البيت ورجله وهو يؤكد ذلك حتى حين يداعب زوجته (ڤيولا ديڤيز). | إقرأ النقد إدناه

Sunday, August 23, 2009

ISSUE 37| District 9 | Ponyo | The Crusades

FLASH*BACK

Les Vampires (1915) ****



Nosferato قبل فيلم الفامباير الألماني الصامت للمخرج ف. و. مورناو المعروف بـ
قام الفرنسي لوي فيوياد بتحقيق هذا الفيلم مؤلّفاً من خمسة عشر فيلماً قصيرا تم إطلاقها مسلسلا
سينمائياً وجمعت لاحقاً في فيلم واحد ومتوفّر حالياً على أسطوانات. البذرة الأولى للسوريالية في السينما تجدها هنا، بالإضافة الى صنعة جيّدة تأخذ بعين الإعتبار رسالات إجتماعية من المثير معرفة إن السينما عبّرت عنها حتى في ذلك الحين. الصراع بين الخير والشر في تواز مثير هنا كذلك حقيقة أن الفيلم احتوى على كل ما احتوته أفلام الرعب اللاحقة من عناصر، من بينها عودة الموتى الى الحياة، ولو ضمن ما كان متوفّراً حينها من تقنيات تعبير٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
NOW SHOWING | يُعرض حاليا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

DISTRICT 9 *** | المقاطعة 9


فيلم مفاجيء من خارج هوليوود جديد ومختلف
في نطاق إحدى أكثر سينمات العصر نشاطاً:
الخيال العلمي٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أوّلاً، الرقم٠
هذا العام مليء بالأفلام التي تحمل الرقم 9 في العنوان: إحدى عشر فيلماً روائياً للسينما. نحو خمسة عشر فيلماً قصيراً. فيلمان من إنتاج العام الماضي لم يُعرضا بعد ورهط من أفلام البورنو المسجّلة في جمعية المنتجين الأميركيين في هوليوود كما تقتضي الإجراءات٠
من بين هذه الأفلام خمسة لها وضع لافت إذ تشترك في كونها أفلاماً فانتازية
Plan 9
وهو فيلم من إخراج وكتابة وتمثيل جون جونسون يحتوي مزيجاً من الرعب والخيال العلمي٠
Psych 9
لأندرو شورتل مع سارا فوستر، كاري إلويس ومايكل بين٠
09-9-9
لهوارد وكسلر مع لوسلين منرو حول بلدة أميركية صغيرة هوجمت من قبل فضائيين مجهولين في ذلك التاريخ٠
9 ثم هناك
فيلم الأنيماشن الذي أنتجه تيم بيرتون وقصّته غرائبية في مجال الخيال العلمي أيضاً
District 9 و

الذي يختلف عن كل ما عداه في نواحي كثيرة من أهمّها أنه مدهم. لم يثر غباراً قبل وصوله وحكايته غير مطروقة ونجاحه لم يكن متوقّعاً. فيلم بثلاثين مليون دولار (أقل من ميزانية أي فيلم خيالي- علمي آخر في الجوار) . نحن لسنا مع غزو للأرض من قبل وحوش الفضاء، ولسنا في رحلة أرضية صوب الكواكب البعيدة في في حالة يتم فيها بحث وضع إجتماعي ناتج عن وجود مخلوقات بيننا كل ما تحاوله هو أن تعيش منعزلة عنّا ربما لإدراكها بنواياها العدوانية تجاه الآخرين. وحقيقة أن الأحداث تقع في جنوب أفريقيا، البلد الذي دخل التاريخ قبل تغيير نظام الحكم على أنه الحكم العنصري الأول حول العالم، تجعل من الملائم الحديث عن موقف عنصري يمارسه النظام ضد الطارئين من الفضاء من دون أن يبحر في القضايا الإجتماعية او في هذه القضية على نحو محوري٠

يفتح الفيلم بتقرير من كلمات موجزة تشير إلى أن مركبة فضائية ضخمة تجمّدت فوق ضواحي جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا بين السماء والأرض. لم تطلق النار ولم تتدخّل في شأن أحد. بل بقيت هناك والطيران الأرضي يحوم حولها لمعرفة نواياها. بعد حين خرج منها نحو مليون مخلوق فضائي على أشكال وحشية، لكن أحدهم لم يشكّل خطراً على أحد وحطّوا على الأرض طالبين اللجوء. السُلطات الدولية تدخّلت وأمّنت لهم رقعة من الأرض (مباشرة تحت المركبة المتجمّدة) زرعتها بالأكواخ العشوائية وأسكنت فيها هذه المخلوقات تقتات من المساعدات ومن الحشرات وتدمن طعام القطط التي تبيعها لها مجموعة من التجار النايجيريين المسلّحين تحت قيادة رجل مقعد. بعد عشرين سنة وصل عدد سكّانها الى مليون و800 ألف نسمة. ما حذا وكالة بإسم
Multi-National United
أن تحل محل الحكومة في الإشراف على هذه المخلوقات المسالمة وإن بدت متوحّشة، والتي أدمنت على أكل معلبات طعام القطط ، وهي تأمرهم الآن بالرحيل الى مستوطنة (أقرب الى معسكر اعتقال) أخرى. لتنفيذ المهمّة سلمياً ميكوس (شارتلو كوبلي) وهو زوج إبنة رئيس الوكالة لويس بييت (لويس مينار). حين يُصاب ميكوس بجرح ناتج عن مشادّة مع أحد هذه المخلوقات يبدأ تحوّله الى واحد منها. رئيس الوكالة يقرر أن يستغلّ حالته بدراسة سبل توفير أوّل مخلوق مؤلّف من جينيات آدمية وغير آدمية، لكن ميكوس يهرب من المختبر وهو لا يزال ملوّثاً والقصّة من هنا مطاردات بحثاً عن نجاة صعبة خصوصاً وأن ميكوس ملاحق من قبل المشرف العسكري على الوكالة الذي يتمتّع بروح عالية من الكره لميكوس كما للمخلوقات وربما لكل شيء آخر




الوحيد الذي يحاول مساعدته هو أحد هذه المخلوقات وذلك لقاء أن يُعيد ميكوس أنبوباً كافياً لتلصيح شأن المركبة العالقة. إنها فرصة ميكوس للعودة الى آدميّته، لكن هناك مفاجأة تنتظر هذه الغاية قد تعيق تنفيذها في الوقت المناسب٠
قبل عشر سنوات من هذا الفيلم انطلق للعروض فيلم »مشروع بلير ويتش« لدانيال ميريك وإدوارد سانشيز عامداً الى أسلوب ما يصح تسميته "سينما الخيال- الواقعي". أي هو فيلم غير وثائقي مصنوع كما لو أنه تسجيل حي وواقعي للحادثة التي يعرضها. لإتمام الغاية الكاميرا التي يعرضها الفيلم لا تنتمي الى كاميرا صانعيه، بل تتقمّص تجسيداً منفصلاً قائماً بحد ذاته من خلال تقديم (خارج الكادر معظم الوقت) بأن هناك مصوّرا يصوّر لنا الفيلم الذي نشاهده. بما يعني أن ما نشاهده ليس صنع ميريك وسانشيز بل من صنع مصوّر (مجهول) كان يرصد ما يقع أمامه بكاميراه الخاصّة٠
على هذا النحو خرجت أفلام كثيرة معظمها من الرعب والان هذا الفيلم الخيالي -العلمي. بدايته تقدّم لنا مقابلات مسجّلة للكاميرا وميكوس الذي يحضّر نفسه لمهمّة حث المخلوقات على الرحيل من موقعهم الحالي الى موقعهم الجديد. والفيلم كله بهذا المنهج لا يخونه الا مشاهد محدودة ودائماً قصيرة (مثل المشهد الذي يجمع بين زوجة ميكوس الملتاعة لما حدث لزوجها ووالدها الواقف وراء محاولة استغلال تهجين ميكوس تجارياً). إذ يؤسس »المقاطعة 9« نفسه على هذا السياق فإنه يمارس المزيد من الإختلاف عن باقي أفلام الخيال العلمي التي تناوبت لا هذا العام وحده بل في الأعوام السابقة٠
هذا الإختلاف يجعل من المضمون المطروح ورقة فريدة كونها كتابة لم يسبق لفيلم مماثل أن قام به. لا أقصد أن أفلام الخيال-العلمي بلا مضامين ورسائل. من الأفلام التي طرحت الحرب الباردة نطاقاً، الى تلك التي تحدّثت عن خطر تقويض الحرية الأميركية الى تلك التي فجأة ما حاولت منح أهل الفضاء جانباً إنسانياً وصولاً الى تلك التي عادت الى تصويرهم الأقدر على فعل كوارثي يدمّر العالم بأسره وفي ذلك تضاد مع فكرة أن تدمير العالم سيكون نتيجة قوى أرضية٠
هذا الفيلم لا يقدّم أهل الفضاء على نحو إيجابي كامل او سلبي كامل. هم مخلوقات ربما حملوا في ذواتهم ما يحمله أهل الأرض من ازدواجية معايير وجمع بين الجيد والسيء، لكن في الأساس هم شعب مهاجر (لسبب ما) موجود في غير موطنه ويتلقى المعاملة العنصرية التي قد يواجهها أي مهاجر حتى، وبل خصوصاً، إذا ما كان أرضياً٠
حقيقة أنه لا يوجد ممثل معروف (أول دور لشارلتو كوبلي الذي يؤدي دور ميكوس) يزيد من وقع الفيلم كحالة تسجيلية/ تقريرية/ أخبارية يكشف النقاب عنها للمرّة الأولى. كذلك فبمجرد تصوير معسكر اعتقال يعاني سكّانه من شظف العيش فإن الصور التي في البال تتلاقى وما يُبثّ على شاشة الفيلم. فجأة يتذكر المرء العنصرية التي يواجهها الفلسطيني اليوم، والتي واجهها في أكثر من بلد عربي فيما سبق (خصوصاً في لبنان حين انفلت أشبال المستقبل الفاشي قتلاً وتذبيحاً لهم) وفي الغرب قد يتذكر البعض معسكرات الإعتقال الأميركية لليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية ومعسكرات الإعتقال النازية لليهود٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمة عن: التصوير

تم تصوير الفيلم بكاميرا دجيتال معروفة بإسم
Red One Camera
قادرة على التقاط مشاهد من 4096 بيكسال
عرضاً الى 2304 بيكسال عمودياً ونقلها مباشرة
الى الهارد ديسك. رغم أنها مناسبة لوضعية هذا
الفيلم ورغبته الأسلوبية الا أن النتيجة الفنية الصرفة
أقل من ممتازة٠ الكاميرا صوّرت بها مؤخراً أفلام
Knowing, Angels & Demons, G.I. Joe:
The Rise of Cobra
من بين أخرى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعلى عكس العديد مما يصلنا تحت راية "الخيال العلمي" فإن »المقاطعة 9« حريص على عدم استعرض القدرات التكنولوجية بل إبقائها على مسافة واقعية. أولاً تصميم تلك المخلوقات روعي فيه أن يكون بلا هوية دامغة. إنها مخلوقات قبيحة بل شك (منتصف الطريق بين صرصور كبير ووحش البحيرة السوداء البرمائي) لكننا نتعلّم أن المسائل ليست بالمظاهر وأن المطلوب ليس الوقوع في حبّها (كما في »إي تي« لستيفن سبيلبرغ) ولا في كرهها (كما في "حرب العالمين" لسبيلبرغ أيضاً) وذلك تأكيداً لتأصيل الحس الطبيعي فيها كما سبق القول، فهي أصداء لحالة الإنسان. ثانياً هناك تصميم وصنع هذه المخلوقات على الكومبيوتر غرافيكس بخصور نحيلة وقامات مرتفعة ومزايا عادة ما تستغلها الأفلام الأخرى للإبهار، لكنها تبقى هنا قيد التداول الطبيعي. تمشي وتسقط وتقف وتتحرّك كما لو كانت -كالفيلم ووجهته الإخبارية/ التسجيلية- حقيقية٠
الناحية الوحيدة في المضمون التي لم تعجبني ليس لها علاقة بالتقنيات بل باستحداث أشرار أفريقيين لجانب الأشرار البيض. إنهم النايجيريون الذين يعيشون كالطحالب على جدار ذلك الوضع. عصابة همّ زعيمها البقاء حيّاً وقوياً ومعافى والإتجار بكل شيء بما في ذلك دفع المخلوقات للإدمان على تناول أكل القطط (قد يكون ذكر ذلك مثيراً للفكاهة، لكن الرمز سريعاً ما يتغلّب إذ يمكن الإستعاضة عن طعام القطط بالمخدّرات مثلاً). صحيح أن النايجيريين المقدّمين هنا بلا تحديد إذا كانوا من الشمال المسيحي او الجنوب المسلم الا أنه وضع عنصري في فيلم يعادي العنصرية. البديل؟ ربما لو كانوا ثلّة تعبّر عن أهل الأرض: الأسود والأبيض، الأصفر، البني، الأوروبي والأفريقي والآسيوي على قدر المساواة٠


تقنياً مقبول رغم أن نتيجة التصوير بكاميرا دجيتال تبقى أقل طموحاً من التصوير بغيرها. الكاميرا ذاتها أثبتت جدواها في فيلم أليكس برويا الرائع "معرفة« . كذلك فنياً، هناك محدودية نهائية لما يستطيع أن يحققه هذا الفيلم على بأسلوبه ذاك. إنه ليس الصنعة السينمائية ذاتها لأفضل أفلام الخيال-العلمي ولو أن هذا ما يميّزه عن سواه


CAST & CREDIT
DIRECTOR: Neill Blomkamp ***
CAST: Shrlto Copley
***, Jason Cpe, Nathalie Boltt, Sylvaine Strike, Elizabeth Mkandwie, John Summer, William Allen Young.
SCREENPLAY: Neill Blomkamp & Terri Tatchell
***
CINEMATOGRAPHER: Trent Opaloch (Digital- Color)
***
MUSIC: Clinton Shorter
**
EDITOR: Julian Clarke (114 min.)
***
PRODUCER: Peter Jackson
****
PROD. COMPANY: Key Creatives
DISTRIBUTOR: Tri-Star Pictures (South Africa-2009).




PONYO ***1/2 | بونيو


أنيماشن مُلهم من مخيّلة وصنع الفنان
الياباني هاياو ميازاكي ورسالته الإنسانية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أول ما يلحظه المرء حين يشاهد الفيلم الجديد للمخرج هاياو مياكازي هو أن كل شيء نابع من الفيلم يبدو معنياً بتفاصيله ودقائقه على نحو واقعي رغم أن القصّة خيالية تماماً٠
الفيلم هو »بوينو« وهو رسوم متحركة جديد يضيفه المخرج المذكور الى قائمة أعماله السابقة في هذا المجال وهي »الأميرة مونونوكي« و»مفعم بالحيوية" و»حصن هاول المتحرك". ومع أن »بونيو« ليس تماماً من نفس مستوى تلك الأفلام، وذلك راجع الى طبيعة القصّة التي تأخذ على عاتقها أفكاراً وأبعاداً أقل عدداً وطموحاً من المرّات السابقة، الا أنه لا يزال ثرياً بالخيال وأفضل من العديد من الأفلام الأميركية في مجال سينما الأنيماشن، او ما نعرفه بالرسوم المتحركة٠

إنه عالم البحر من ناحية وعالم البر من ناحية أخرى. بداية الفيلم من نحو ست دقائق صامتة نشاهد فيها ألوان الحياة في الماء وأنواع الحيوانات قبل أن يطالعنا رجل أسمه فوجيموتو (صوت ليام نيسون في النسخة الإنكليزية) رجل عملاق يعيش في الماء ومسؤول عن رعيّة كبيرة من الأسماك ولديه قدرات سحرية مختلفة. إبنته سمكة من النوع المعروف بالسمك الهلامي (او "قنديل البحر") تصبو لأن تتحوّل الى آدمية. لكن والدها يحظر عليها ذلك رغم أن أمّها، كما يكشف الفيلم لاحقاً، هي كذلك. السبب هو أنه إذا ما أخفقت السمكة الصغيرة في اكتساب صفات الإنسان، اقترب القمر من سطح الأرض فارتفعت الأمواج وشهد الإنسان أعاصير تسونامي تغطّي الأرض. فوجيموتو مقدّم في مطلع الفيلم كما لو كان أباً جائراً لا يتمنّى الخير لأحد، لكنه في الواقع وكما ندرك في النهاية هو ليس كذلك٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمة عن الموسيقا | جو هيساشي

جو هيساشي (58 سنة) موسيقار مخضرم وضع موسيقا
أفلام متعددة من بينها على صعيد الأنيمَ أفلام سابقة
لميازاكي من بينها
Spirited Away, How's Moving Castle
في هذا الفيلم، كما في معظم ما كتب المؤلف من موسيقا
أفلام، تتابع الموسيقا نبض الحدث الماثل بإلحاح لكن من
دون الضجيج الذي يعمد اليه معظم الموسيقيين الأميركيين
على سبيل المثال٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في سعيها للتحوّل الى بشر، تسبح السمكة قرب الشاطيء وسريعا ما تجد نفسها وقد دخلت في زجاجة لا تستطيع الخروج منها. هنا يلتقطها الصبي سوسوكي وينقذها من الإختناق ويضعها في الماء. إنه يعيش مع والدته في بيت فوق تل صغير يشرف على البحر. والدته ممرضة تعني بشؤون النساء العجائز في مركز صحّي ووالده هو الكابتن الذي لن نره يحط على اليابسة ولو أنه لن يبتعد كثيراً عن مكان الأحداث٠
سوسوكي يتعلّق بالسمكة ويمنحها إسم بونيو وهي تتحوّل فعلاً، وبعد أحداث، الى فتاة صغيرة تحظى بثقة الأم وبحب الصبي. هذا الحب الذي هو الضمانة الوحيدة لإنقاذ العالم من خلل في موازينه الطبيعية٠


الفكرة الأساسية
لا يختلف »بونيو« عن أفلام المخرج مياكازي أيضاً في درجة عنايته بالتفاصيل. إذا ما كانت هناك سمكة صغيرة فإن أحداً لا ينسى ظلالها. وإذا ما ابتعدت السيّارة وسط الأشجار ليلاً، فإن أضواء المصابيح الأمامية ستظهر من بعيد متسلّقة الأشجار ثم مختفية لتعاود الظهور أبعد في كل مرّة، كما في الواقع. كل هذا وسواه من يمنح الصورة وضعاً طبيعياً وواقعياً لا يتناقض مطلقاً مع خيالية الموضوع او المشهد. هذا هو نقيض مغامرات الأنيماشن الهوليوودي تماماً. ففي أفلام المؤسسة الأكثر شهرة في هذا المجال، يخشى الفنانون الواقعية على أساس أن الفيلم عليه أن يكون فانتازياً تماماً. وكل شيء، تحت سقف الفانتازية، عليه أن يكون مغالى في تكوينه حتى يمنح هذه الفانتازيا الخيال الذي تحتاجه٠
في الأنيماشن الياباني عموماً، وعند المخرج مياكازي تحديداً، فإن الخيال ليس في أن الشخصية تطير بلا أجنحة، او أن الجرذ يرقص التانغو او أن الدب يرفض أكل اللحم لأنه يريد أن يبقى صديقاً للأطفال، وخصوصاً الأطفال من المشاهدين، بل في التوسّع في الأفكار الإنسانية المطروحة هنا وفي هذا الفيلم فإن الفكرة الأساسية هي نشر الحب ونبذ الفرقة واحترام الإختلافات بين الناس٠
مرتان نسمع في الحوار عبارة "لا تحكم على الآخر من منظره"، كما لو أن الرسالة موجّهة الى جمهور اليوم متجاوزة الخطابات الإنشائية في المجال ذاته٠ عبارتان لا ريب تبقيان في بال المشاهد الصغير، ولو أن الكبار يستطيعون الإستفادة منها أيضاً٠

والفيلم يطبّق المبدأ على نفسه. يرفض تقسيم الشخصيات الى خيّرة وشريرة. والمعجزة أن الصراع الدرامي لا يتأثّر مطلقاً. فأم الصبي إمرأة قوية، والنساء العجائز طيّبات وتلك ذات القدرة على التذمّر الدائم من كل شيء تكشف عن وجهها الطيّب، والأب بالطبع ليس شريراً على الإطلاق. لا أحد شرير، لكن هذا لا يمنع من ان الفيلم في معظمه مثير وإثارته نابعة من حكايته وطبيعته كما من فن رسوماته٠
في هذه الخانة الأخيرة، فن رسوماته، فإن الكلام لا يفيد في التعبير عن ذلك النوع الخاص من الفن الذي، كموسيقاه، موجود من دون أن يحاول أن يهوي على رأس مشاهده بأي مطرقة كما تفعل أفلام أخرى. ألوان الفيلم غير قاسية، ولا عنيفة، ولا دامغة. يبتعد المخرج (قصداً) عن كل ما هو أحمر داكن وأصفر فاقع ويعمد الى مزيج بينهما. الى ذلك، هناك التفاصيل٠ لا شيء ينفذ من إلمام وملاحظة المخرج لكن من دون إزدحام. سلاسة مثالية٠



CAST & CREDIT
DIRECTOR: Hayao Miyazaki ****
VOICES (English Version): Liam Neeson, Cate Blanchette, Matt Damon, Tina Fey, Cloris Leachman, Lily Tomlin .
SCREENPLAY: Hayao Miyazaki
***1/2
CINEMATOGRAPHER: Atsushi Okui (Color)
****
MUSIC: Joe Hisaishi
****
EDITOR: Hayao Miyazaki, Takeshi Seyama (100 min.)
***
PRODUCER: Steve Alpert, Kathleen Kennedy, Toshio Suzuki
***
PROD. COMPANY: Studio Ghibli
DISTRIBUTOR: Walt Disney (Japan-2008).




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سجل الأفلام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


THE CRUSADES ***

صلاح الدين (الى اليسار) يواجه رتشارد

ماذا كان موقف المخرج سيسيل ب. دَميل
من صلاح الدين الأيوبي والحملة الصليبية؟


سيسيل ب‮. ‬دميل خلال التصوير

ورد‮ ‬فيلم سيسيل ب‮. ‬دميل هذا وسط مجموعة من أعماله التاريخية الدينية‮٠ ‬كان أخرج سنة‮ ‬1929‮ ‬أول فيلم ناطق له بعنوان‮ »‬ديناميت‮« ‬ولاقى ترحيباً‮ ‬محدوداً‮ ‬على عكس فيلمه التالي‮ »‬المدام شيطان‮«
‬The Squaw Man واللاحق
سنة 1930 (وتعني "الرجل المصاحب او المتزوّج من هندية)، وهو فيلم وسترن سبق للمشاهدين أن ‬خبروه مرّتين صامتتين من قبل‮٠ ‬في‮ ‬نهاية العام‮ ‬1931،‮ ‬وبعد جولة اوروبية أعادت له بعض الثقة في‮ ‬نفسه،‮ ‬رجع الى هوليوود ليكتشف أنه ما عاد مرغوباً‮ ‬كما كان حاله لكنه أصرّ‮ ‬علي‮ ‬العمل ووعد بقطع أجره والبقاء في‮ ‬حدود الميزانية‮. ‬ضمن هذه الشروط أنجز فيلماً‮ ‬دينياً‮ ‬مرحاً‮ ‬بعنوان‮ »‬علامة الصليب‮« (‬1932‮) ‬حقق فيه بعض نجاحاته السابقة أيام أخرج للشاشة الصامتة بعض تلك الأفلام الدينية مثل‮ »‬الوصايا العشر‮« (‬1923‮) ‬و»ملك الملوك‮« (‬1927‮). ‬بعده أخرج فيلمين آخرين انضمّا الى الى المخفق تجارياً‮ ‬من أعماله هما‮ "‬في‮ ‬هذا اليوم والعصر‮« (‬1933‮) ‬و»أربعة أشخاص خائفون‮« ‬Four Frightened People
‮(‬1934‮). ‬وإخفاقهما هذا دفعه للعودة الى سينما الملاحم التاريخية‮- ‬الدينية فأقدم في‮ ‬العام ذاته على‮ »‬كليوباترا‮« ‬وبعده مباشرة قام بإخراج هذا الفيلم عن الحرب الصليبية‮.‬
الروائي‮ ‬غراهام‮ ‬غرين كتب عن فيلم‮ »‬الصليبيون‮« ‬ملاحظاً‮:‬‭ ‬‮"‬أفلام دَميل الإنجيلية،‮ ‬الموازي‮ ‬الأقرب الى الأفلام الألمانية في‮ ‬هذا الإطار‮. ‬هناك ذات النقص الكامل للحس الزمني،‮ ‬ذات الشخصيات المضخّمة والأجواء المنفوشة وعيني‮ ‬طفل في‮ ‬بحثها عن التفاصيل‮". ‬
الى حد‮ ‬غير معيب،‮ ‬هذا صحيح‮. ‬اي‮ ‬الى ذلك الحد الذي‮ ‬على المخرج أن‮ ‬يختار الإلتزام بالتفاصيل التاريخية او بتنفيذ الرؤية السينمائية لتلك الفترة‮. ‬ودميل‮ ‬يختار دائماً‮ ‬الرؤية السينمائية على تلك التاريخية‮. ‬لكن في‮ ‬هذا الفيلم بالتحديد،‮ ‬هذه الرؤية التاريخية ليست هشّة‮. ‬بل تفاجئنا بأنها أكثر عدالة تجاه العرب من معظم الأفلام الغربية الأخرى التي‮ ‬دارت حول الحملة الصليبية‮٠ ‬
يحمل‮ »‬الصليبيون‮« ‬نقداً‮ ‬ملحوظاً‮ ‬للصليبيين مسجّلاً‮ ‬في‮ ‬أكثر من خانة‮. ‬

حياكة مؤامرات

تدور الأحداث التي‮ ‬اختارها‮ ‬السيناريو‮ (‬الذي‮ ‬وضعه ثلاثة هم‮ ‬هارولد لامب،‮ ‬فالدمير‮ ‬يونغ‮ ‬ودادلي‮ ‬نيكولز‮) ‬في‮ ‬إطار‮ ‬الحملة الثالثة‮ (‬1192-1190‮) ‬ولو أنه لا‮ ‬يحددها جيّداً‮ ‬او‮ ‬يتعامل مع مسبّباتها بشكل صحيح‮. ‬لكن التاريخ المحدد في‮ ‬مطلع الفيلم‮ (‬1187‮) ‬يشي‮ ‬بذلك‮. ‬ها هم ملوك وأمراء أوروبيون‮ ‬يتنادون،‮ ‬مرّة أخرى،‮ ‬للعودة الى القدس واحتلالها واسترجاع‮ "‬الصليب الحقيقي‮" ‬بعد أن جيّش ناسك عاد من هناك مشاعر الغضب متحدّثاً‮ ‬عن‮ "‬الشرقيين‮« (‬التعريف الأوروبي‮ ‬آنذاك للعرب قبل استبداله‮) ‬وبيعهم للنساء المسيحيات في‮ ‬سوق الرقيق‮. ‬الملك الفرنسي‮ ‬فيليب‮ (‬س‮. ‬هنري‮ ‬غوردون‮) ‬يهيّؤ الجيش ويقرر الملك رتشارد الثالث‮ (‬هنري‮ ‬ولكنسون‮) ‬المشاركة‮. ‬من هنا‮ ‬يبدأ الفيلم شرح أوضاع وظروف تجعله أكثر نقداً‮ ‬للبلاط الأوروبي‮ ‬وما‮ ‬يجري‮ ‬فيه من اهتمامه بتقديم العرب على النحو المتوقّع لهم كأعداء‮. ‬فهو‮ ‬يتحدّث عن المؤامرات الداخلية والعلاقات الدخيلة على الحملة وعن رتشارد الذي‮ ‬يتجاهل زوجته‮ (‬لوريتا‮ ‬يونغ‮) ‬رغم وعده لها بأن‮ ‬يمنحها منصباً‮ ‬رسمياً‮. ‬والقدس تبدو لها ولسواها من الشخصيات هدفاً‮ ‬مادياً‮ ‬ومصلحياً‮ (‬مؤامرة شقيق رتشارد لتعيين نفسه ملكاً‮ ‬على القدس إذا ما وقعت)‮٠ ‬المزيد من هذا الموقف والنقد‮ ‬يتجلّى حين وصول الحملة الى فلسطين وذلك من خلال ما‮ ‬يرسمه الفيلم حول شخصية صلاح الدين الأيوبي‮ (‬كما قام بها إيان كيث بجدارة‮) ‬من نبل واخلاقيات‮. ‬إنه أكثر من رتشارد تركيزاً‮ ‬على منهجه العسكري،‮ ‬أوّلاً،‮ ‬وأكثر استعداداً،‮ ‬في‮ ‬الوقت ذاته،‮ ‬للسلام‮٠ ‬كون الواقعية ليست المنشودة هنا،‮ ‬يتيح للفيلم إظهار حب صلاح الدين لزوجة رتشارد التي‮ ‬تهرب معه الى القدس قبل أن تكتشف أنها تحب زوجها في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يكتشف فيه الزوج،‮ ‬وقد انشغل عنها،‮ ‬بأنه‮ ‬يحبّها‮. ‬أساساً‮ ‬يصوّر الفيلم أن زواج رتشارد من الأميرة بيرنغاريا المارسيلية كان زواج مصلحة‮ ‬ما‮ ‬يجعل دفاع المشاهد عن‮ ‬رتشارد مشروطاً‮ ‬بموقفه قرب نهاية الفيلم‮. ‬
وسط هذه العلاقة‮ ‬يُبدي‮ ‬صلاح الدين تفهّماً‮ ‬حقيقياً‮. ‬في‮ ‬المقابلة الأولى بين صلاح الدين ورتشارد‮ ‬يعرض الأول مشروع سلام،‮ ‬لكن رتشارد‮ ‬يرفضه،‮ ‬وما تلبث المعركة أن تندلع خارج،‮ ‬ثم داخل قلعة مدينة عكا،‮ ‬قبل أن‮ ‬يتقدّم الصليبيون صوب القدس بقيادة رتشارد الذي‮ ‬صار لديه سبباً‮ ‬آخر للغزو هو استعادة زوجته‮٠ ‬هذا بالطبع الى جانب رغبته إنقاذ القدس من العرب،‮ ‬لكن العرب في‮ ‬الفيلم هم الذين‮ ‬ينقذون حياته حينما‮ ‬ينقلب عليه أحد الملوك الأوروبيين‮. ‬في‮ ‬المقابلة الثانية بين صلاح الدين ورتشارد،‮ ‬يعرض الأول على الثاني‮ ‬الإسلام وفي‮ ‬المقابل سيمنحه مقاليد القدس لكي‮ ‬يعيش فيها المسلمون والمسيحيون بسلام‮. ‬لكن رتشارد الذي‮ ‬يبدي‮ ‬تفهّما للعرض‮ ‬يعرض في‮ ‬المقابل هدنة‮. ‬حين‮ ‬يرى صلاح الدين أن زوجة رتشارد تحبّ‮ ‬زوجها فعلاً‮ ‬يخلي‮ ‬سبيلها وهذا ما‮ ‬يدفع رتشارد للعدول عن الحرب والعودة من حيث جاء‮٠‬


ما‮ ‬يحتاجه الفيلم من ضبط تفاصيل التاريخ‮ ‬يعوّضه على صعيد المشاهد الجماعية‮. ‬حين مشاهدة هذا الفيلم‮ ‬يدرك المرء سينما سيسيل ب‮. ‬دَميل التاريخية على حقيقتها‮. ‬بلا ولعه فقط بمشاهد المعارك والقتال،‮ ‬بل بكيفية تنفيذها وتصميمها وإدارتها‮. ‬وسواء أكانت المعركة في‮ ‬سهول مفتوحة او فوق القلاع‮ (‬حين‮ ‬يحاول الصليبيون احتلال عكا‮) ‬فإن المخرج‮ ‬يلاحق تفاصيل المعركة بوعي‮ ‬شديد لما تعنيه من إثارة ودراما معاً‮. ‬السهم المنطلق‮ ‬يُتابع،‮ ‬مثلاً،‮ ‬الى أن‮ ‬يصيب هدفه‮. ‬الحصان قد‮ ‬يُصاب‮. ‬الجندي‮ ‬الذي‮ ‬يهوى على رأسه الماء الساخن وهو‮ ‬يحاول الوصول الى أعلى جدار الحصن فيصرخ صوته مسموع‮. ‬حرارة الدفاع وضراوة الهجوم‮. ‬صرخة الموت وفعل السلاح كله مرصود في‮ ‬التحام‮ ‬يوفّر شروط الفيلم الحربي‮- ‬التاريخي‮ ‬الصحيحة والممحية اليوم من السينما‮٠‬
لم‮ ‬يلق الفيلم النجاح الذي‮ ‬يستحقّه حين عرض في‮ ‬صيف العام‮ ‬1935‮ ‬في‮ ‬بريطانيا والولايات المتحدة‮ (‬وفي‮ ‬خريف العام ذاته في‮ ‬دول أوروبية أخرى)‮٠ ‬لكنه كان آخر خسارة تعرّض لها دَميل‮٠‬

CAST & CREDIT
DIRECTOR: Cecil B. DeMille
CAST: Loretta Young, Henry Wilcoxon, Ian Keith, Katherine DeMille, C. Aubrey Smith, C. Henry Gordon
SCREENPLAY: Harold Lamb, Waldemar Young, Dudley Nichols.
CINEMATOGRAPHY: Victor Milner (B/W)
MUSIC: Rudolph Kopp.
EDITORS: Anne Bauchens (125 min)
PRODCUERS: Cecil B. DeMille.
PROD. COMPANY: Paramount [1935].



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Sunday, August 16, 2009

ISSUE 36 | G.I. Joe | A Perfect Getaway | Network| Documentaries| أولى ثانوي

FLASHBACK


The Birth of A Nation (1915) **** | مولد أمّة

أشهر أفلام د. و. غريفيث وأكثرها مدعاة للجدل: حكاية الحرب العالمية الثانية وما سببته من مآسي للجنوبيين تبعاً لرواية عنصرية لتوماس ديكسون بعنوان "رجال العصبة"، المقصود بهم عصبة كو كلوس
التي روّعت الجنوب من ذلك الحين وحتى عقود قريبة بمواقفها العنصرية ضد السود. الفيلم يتعامل جيّداً مع الملحمة التاريخية لتلك الحرب، لكن حين يأتي الأمر الى فصل من المشاهد يهاجم فيه سود مجنّدون لحساب الجيش الفدرالي بطلات الفيلم الجنوبيات ، يوفّر المخرج عامل الخوف على الشرف العفيف من القوّة الهمجية ما يمنح انطلاق العصبة العنصرية لنجدة النساء البيض تأييداً أثار النقاد حينها ولا يزال. لكن كل هذا يجب أن لا يخفي أن الفيلم، تقنياً وتنفيذياً وفي خاناته الفنية كافّة من أهم ما طبع على أشرطة صامتة في تاريخ السينما٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما وبس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم أبيض/ فيلم أسود

A Perfect Getaway

G.I. Goe: The Rise of Cobra

لم ندع، نحن النقاد الذين نعيش ونعمل في الولايات المتحدة، لمشاهدة
G.I. Goe: The Rise of Cobra *
في عرض خاص. لم يقم العرض الخاص. لم يتم. نو واي. نييت. إمبوسيبل. بعد نقاش في شركة باراماونت التي صرفت على هذا الفيلم فقط 170 مليون دولار، قررت أن النقاد سيقفون ضد الفيلم على أي حال، لم تتكلّف عليهم عروضاً؟
وراء هذا الإدراك بأن نقاد أميركا لن يعجبهم الفيلم اعتراف بأن الفيلم رديء الى حد أنه يجب أن يتوجّه مباشرة الى الجمهور، والناقد إذا أراد عليه أن يراه مع الناس. ربما مع الناس غيّر رأيه وتأثر بدرجة الحماس التي ستخلقها مشاهد الأكشن والمؤثرات٠
دعني أتذكّر. الشاب والفتاة اللذان كانا جالسين عند آخر الصف الذي جلست فيه كانا شغوفين بشيء آخر٠ الرجل وزوجته وإبنهما الجالس في الوسط أمامي بثلاثة او أربعة صفوف ... لا حس ولا خبر ولا حتى بوبكورن. أما الرجل والمرأة الجالسان وراء العائلة، فهي انشغلت بإرسال الرسائل الهاتفية وهو ثبّت عينيه على الشاشة ودخل الحمّام (او ربما خرج يستنشق الأوكسجين) ثم عاد بعد دقيقتين و... ثبّت عيناه على الشاشة من جديد. او أغمضهما بإتساع (عفوا كوبريك)٠
الباقون من المشاهدين لم أستطع أن أعلم إذا ما كانوا مستيقظين او نائمين. لم أسمع ضحكة او عبارة توحي بأن أياً منهم تأثّر بما على الشاشة.
ما أكتبه هنا ليس نقداً بل تعليقاً على صور خارج الفيلم. الصور التي داخل الفيلم ليست من النوع الذي يشد بحيث لا ألاحظ أن الفتاة كتبت اصدقاءها كلهم، او أن الشاب والفتاة تبادلا من القبل بقدر ما سقط في الفيلم من موتى. لكني تابعت شبح قصّة تحاول أن لا تقول شيئاً وتنجح في ذلك نجاحاً كبيراً. الفيلم مثل »الثقب الأسود« الموجود في فضاء بعيد وفي آخر كوكب من النفايات سينضم اليها هذا الفيلم وربما سحب معه مخرجه ستيفن سورمرز. او بالأحرى، هذه أمنيتي. لم أطقه حين قدّم »المومياء« ولم أعجب به حين أخرج "فان هلسينغ" او حين ارتكب "سكوربيون كينغ" لا الأول ولا الثاني. الفيلم الوحيد الذي قررت أن سَمرز ربما يملك موهبة محتملة كان
Deep Rising
سنة 1989 ونسيت الآن لماذا. أنساني الفيلم الجديد أي حسنة ممكنة في شغل سَمرز. ليس أن السيناريو كان جيّداً الى أن عالجه المخرج برعونة. ذاك أيضاً من أصل الداء متحدّثاً عن أشرار ينوون تدمير المدن بسلاح جديد لكن أبطال الفيلم وشجعانه من فريق خاص تابع للجيش يتدخل في الوقت المناسب قبل نهاية الفيلم ليبقينا سالمين نشاهد الأفلام ونسعد٠
فيلم ولاّدي بممثلين وممثلات راشدين من بينها تشانينغ تاتوم ودنيس كوايد وسيينا ميلر ومارلون وايانز مشغول بكبس بممثلين يمضون معظم الوقت مبحلقين فيما ليس هناك ولاحقاً على الكومبيوتر يتم زرع ما يبحلقون فيه وتأليف عمل لا يهم حيال ضعفه أي شيء آخر٠


هل يذكر بعض القرّاء شكواي من بداية فيلم
Transformers 2 *
حين يتم تدمير الأهرام؟ لقد تساءلت لماذا ذلك الهوس بتدمير الأهرام في بضعة أفلام خلال السنوات العشر الأخيرة. الأهرام او الآثار الفرعونية الأخرى، او الأسواق الشعبية. وماذا عن باريس في فيلم السيد سَمرز؟
في سياق محاولة الجنود الأبطال إنقاذ باريس من الأشرار الذين يودّون تدميرها، يدمّرون نصفها ما يبعث على السؤال ماذا لو لم يتدخّل هؤلاء فلربما كان الضرر أقل. لكن هذا الفيلم عليه أن يمشي وأنا كذلك. خرجت منه ودخلت فيلماً ذكي الملامح لأن صاحبه لا يزال يملك قدراً من الحرفة الجيّدة والرغبة في ممارسة قدر من السينما٠
غريب هذه الأيام. أليس كذلك؟
أحد عناصر أفلام التشويق الرئيسية هي أن يكون هناك تشويقاً. وهذا الناقد من الذين يجدون أن هذا العنصر مفقود في نصف الأفلام وموجود على نحو ضعيف وجزئي في نصف الأفلام الأخرى. فيلم
A Perfect Getaway ***
يؤمّن ذلك عبر ما يتفاعل في خلفية المشاهد وليس في المشاهد نفسها٠
في بدايته عروسين سعيدين: كليف (ستيف زون) وسيدني (ميلا جوفوفيتش) في السيارة التي استأجراها لتمضية شهر العسل في منطقة نائية من هاواي. على الطريق غير المطروق يتوقّف الزوج لشاب وفتاة. هو لا يمانع في أن يركبا معهما في السيارة لكن زوجته توميء وتغمز وتلكز حتى يفهم الزوج مخاوفها فيتعذر عن عدم دعوتهما وحين يدعوهما يواجهه الشاب بقدر مناسب من العداء والسباب. الآن صار لديك إثنين مشتبه بهما حاضرين- فقط لأجل إذا ما حدث شيء يعكّر صفو هاواي. وسيحدث٠ الإثنان يتعرّفان على رجل شارك في حرب العراق وفتاته (تيموثي أوليفانت و كييل سانشيز) . لدينا الآن إثنين آخرين يصلحان لشكوكنا، خصوصاً بعدما يخبرنا الفيلم أن هناك ذكر وأنثى طليقين في الجزيرة يقتلان بحريّة٠
لن أستطيع المضي في سرد القصّة لأنني ساكشف عن اي إثنين من شخصيات الفيلم المذكورة هما المذنبان فعلاً وإذا ذكرته بددت كل التشويق الممكن. لكني أستطيع أن أقوم أن المخرج ديفيد تووي الذي سبق له وأن حقق
Pitch Black ***
خيالي-علمي حول آدميين حطّوا على ظهر كوكب تجري في ليله الوحوش (وكان من بينهم شخصية مسلم طيّب لكن ليس لهذا السبب هو فيلم جيّد) عرف كيف يطبخ فيلمه بتأن. الدقائق الخمسون الأولى لا جريمة تقع ولا مكروه، لكنها مشحونة بالقلق والتوقّعات. الدقائق الثلاثون الأخيرة تنفجر كل تلك الشحنات بسلسلة من الأحداث المفاجئة. ضمن هذه الدقائق الثلاثين، هناك جرأة يقدم عليها المخرج الأسترالي الأصل تتمثّل في نحو خمس دقائق من الفلاشباك لتبيان بعض ما يفسّر ما يحدث الآن. قرار خطير كان يمكن أن يودي بالفيلم الى التهلكة. المخرج يلعب فيما تبقّى من تلك التوقّعات التي حفظناها من مشاهدة مئات الأفلام المشوّقة. بكلمات أخرى، يأخذ ما هو معتاد ويخلق منه عملاً مثيراً مع أداء جدّى وجيّد يتفوّق على أداءات معظم الممثلين الذين يقومون بإداء أفلام من هذا النوع٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Documentary Films | فيلم وثائقي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن الحرب والهولوكوست وموائد الطعام

Forgotten Transports: To Poland

فيلمان وثائقيان تشيكيان عُرضا في مهرجان كارلوڤي ڤاري الأخير يستحقّان التوقّف عندهما كونهما يتعاملان وتاريخ واحد يكمن في حقبة الحرب العالمية الثانية
الأول، ومن دون ترتيب معيّن، فيلم لمخرج أسمه لوكاس بريبل بعنوان
Forgotten Transports: To Poland
مواصلات منسية: الى بولاندا
الثاني فيلم تشيكي من كتابة وإخراج بيتر كريكيس عنوانه
Cocking History
طبخ التاريخ وبيتر كريكيس أكثر شهرة من المخرج الآخر بريبل كونه مارس السينما الوثائقية منذ عدّة سنوات لكن كلاهما من جيل جديد يريد معرفة المزيد عن الماضي، او هكذا تبدو الغاية من وراء هذين الفيلمين٠

فيلم بريبل، »مواصلات منسية« لا يذهب صوب ساحة أفكار جديدة فهو ينقّب في الهولوكوست الذي شبع تنقيباً، او هكذا يخيّل لنا من كثرة ما دار عن تلك الفترة من أفلام. يحاول التميّز بالحديث عن اليهود الذين كان عليهم الإختيار بين الناجين من معسكرات الإعتقال او الأحياء اليهودية المغلقة (غيتو) مثل حي لوبلين في العاصمة البولندية وورسو٠
وهو للغاية يستعين بمقابلات مع عدد من الناجين يتحدّثون عما عانوه وعن الفترة والخيارات الصعبة التي واجهونها مثل الهرب من المناطق السكنية المحددة لهم او المكوث فيها. الذين اختاروا الهرب ربما تفادوا، لاحقاً، القبض عليهم وزجّهم في المعسكرات. أما الذين اختاروا البقاء فكان اختيارهم مبني، في الغالب، على أمل أن الأمور لن تصل الى ما وصلت إليه لاحقاً

المحارق الأخرى
ويستعين المخرج بمشاهد وثائقية لتعزيز الحديث مستقاة من وقائع صوّرت في جمهوريات بلروسيا واستونيا ولاتفيا كما في بولندا. وهو يخبرنا أنه من بين 14 ألفا من يهود جمهورية التشيك سيقوا الى المعسكرات وخمسين منهم فقط بقوا على قيد الحياة. المرء لابد أن يتساءل عن هذه الأرقام المحددة. أكان المُساقين أربعة عشر ألفا بالتمام والكمال؟ ألم ينقصوا واحد او يزيدوا واحد؟ ألفاً أكثر او أقل؟ والناجين؟ ألم يبلغ عددهم 52 مثلا او 48؟ بالتالي، وعلى المنوال نفسه، هل كان عدد الموتى من اليهود ستة ملايين (كما يتم التداول) وليس خمسة ملايين و916 ألف مثلاً او أقل من ذلك او أكثر؟
إنه ليس سؤالا يُقصد به الاستهزاء. على العكس، تحديد الأرقام مقفلة على هذا النحو هو الذي يستهزيء بحقيقة أساسية: شخص واحد (من أي دين كان او عنصر او جنس او وطن) يموت لسبب يتعلّق بالدين او العنصر او الجنس او الوطن جريمة. بالتالي، لا يهم إذا كانوا عشرة يهود او مليونا او أكثر. الجريمة غير الإنسانية وقعت ووقوعها هو الخطأ الكبير

الى ذلك، فإن هذا الفيلم إذ يتم إنتاجه اليوم، وسواه من الأفلام المماثلة التي "لا تريد أن تنسى"، يتغاضى تماماً عن محارق أخرى تتم كلّما أنجزت الدولة الصهيونية عدوانا على الأبرياء الفلسطينيين او سواهم من العرب. ترحيل عائلتين من منزليهما في القدس مؤخراً وإحلال عائلتين يهوديّتين مكانهما يشابه (هو وكل الأفعال المماثلة التي ارتكبتها السلطة الإسرائيلية) ترحيل اليهود من مساكنهم في وورسو او سواها. وقصف المدنيين بالقنابل المحرّمة دولياً يساوي عملية حرق اليهود في تلك الفترة الداكنة من التاريخ الأوروبي
بعض النقاد الغربيين حاول التأكيد على أن هذا الفيلم يختلف عن سواه بأنه نتيجة جهد استمر عشر سنوات (لكن هناك أفلاماً كثيرة تم العمل عليها لسنوات كثيرة) وأن المقابلات جديدة فيما تطرحه، وهذا ليس حقيقياً من منظور أنه ليس ضروريا أن يستخدم من يتم إجراء المقابلة معه نفس الكلمات التي وردت في فيلم سابق

Cooking History

حروب مطبوخة
الفيلم الآخر »طبخ التاريخ« يتناول، فيما يتناوله وليس على نحو منفرد، المقاومة اليهودية ممثّلة بليبكي دستل الذي نجح في تسميم الخبز الذي كان يُرسل الى معسكر اعتقال أميركي للجنود وضباط الغستابو٠ لكنه فيلم يدور أساسا عن كل التاريخ الأوروبي الحديث مروراً بالحرب العالمية الثانية، الحرب الفرنسية في الجزائر وحروب البلقان كما التدخل الروسي في شيشنيا وكذلك الغزو السوڤييتي لكل من جمهوريتي التشيك والمجر

كل ذلك من خلال موضوع ما يأكله الجنود خلال الحروب والمواقع. موضوع جديد والى حد ما مسل خصوصاً وأنه يطرح اسئلته على الطبّاخين ليعرف منهم إجابات محددة حول نوعية الطعام وما يقدّمونه لجانب الوليمة الرئيسية. وهناك مقابلة مع برانكو تروبوفيتش الذي عمل "متذوّق طعام" للجنرال تيتو الرئيس اليوغوسلافي السابق. هذا يمنح شهادته حول "الكوزين" البوسني والكرواتي والصربي بينما يتحدّث سواه عن تحضير اللحوم على مشهد قتل بقرة بإطلاق النار عليها

هو فيلم مختلف بلا ريب ولا يخلو من الفكاهة سارداً تاريخ أوروبا من زاوية بطون عساكرها


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
121 سنة سينما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1976
Network | Sidney Lumet **


ليس أن صيحة هوارد بيل تبددت سدى فقط، بل
أن الفيلم الذي وقف ، ظاهرياً، لجانب المغلوب
منتقداً المصالح الإقتصادية والسياسية ومحذّراً
من احتلال عربي لأميركا يبدو اليوم كما بدا
بالأمس، خيال مفرط ونيّة عدائية لئيمة٠
.......................................................
طويت السنوات‮ ‬صرخة هوارد بيل‮ (‬جون فينش‮) ‬داعيا الناس لإقفال جهاز التلفزيون‮. ‬حين وقف في‮ ‬ذلك المشهد‮ ‬يصيح في‮ ‬المشاهد في‮ ‬بيته‮ (‬اي‮ ‬مشاهد تلفزيون في‮ ‬بيته‮): ‬
‮"‬أريدك‮ ‬أن تذهب الى النافذة‮. ‬افتحها‮. ‬مد رأسك خارجها وأصرخ‮: ‬أنا مجنون مثل جحيم،‮ ‬وأنا لن أحتمل ذلك أكثر‮"‬
“I want you to go to the window, open it, stick your head out and yell: I'm as mad as hell, and I'm not going to take this anymore.”
اذ‮ ‬يجلس معظمنا هذه الأيام لمشاهدة برامج سقيمة،‮ ‬متخلفة،‮ ‬تافهة او‮ -‬ببساطة‮- ‬لاهية،‮ ‬فإن صرخة هوارد بيل صالحة لأن نطلقها نحن والعالم اليوم أكثر من أي‮ ‬يوم مضى‮. ‬لكن المشكلة ليست هنا‮. ‬المشكلة هي‮ ‬أن النداء صحيح انما الباعث ليس كذلك‮. ‬او على الأقل ليس صحيحا بالصورة الكفيلة بأن تحيده عن الغايات الخاصة‮. ‬

.1 سيناريو‮:‬
هوارد بيل‮ (‬بيتر فينش‮) ‬معلّق‮ ‬تلفزيوني‮ ‬في‮ ‬محطة‮ (‬خيالية‮) ‬أسمها‮ ‬UBS‮. ‬هوارد لديه برنامجا تنحدر أسهمه ما‮ ‬يهدد البرنامج بالتوقف ويهدد هوارد بالصرف‮. ‬في‮ ‬مطلع الفيلم‮ ‬يتوجه ومدير المحطة ماكس شوماكر‮ (‬ويليام هولدن‮) ‬الى الحانة حيث‮ ‬يشربان حتى السكر‮. ‬كلاهما محبط في‮ ‬عمله وهما‮ ‬يشهدان التوجه الجديد للمحطة التلفزيونية التي‮ ‬يعملان فيها‮.. ‬في‮ ‬اليوم التالي‮ ‬يظهر هوارد في‮ ‬برنامجه واعدا مشاهديه‮ (‬بعد إعلامهم عن أنه طرد من عمله‮) ‬بالإنتحار أمام أعينهم بعد أسبوع‮. ‬يرتفع اهتمام الوسائل الإعلامية كلها بذلك الإعلان ووسط دهشة المحطة،‮ ‬التي‮ ‬كانت تخسر مشاهديها‮ ‬بدورها،‮ ‬تجد أن ثورة هوارد أفادتها سريعا إذ أصبحت على كل شفة ولسان‮. ‬في‮ ‬اليوم التالي‮ ‬يعاود هوارد الظهور ويقر بأن ما قاله في‮ ‬الليلة الماضية لم‮ ‬يكن سوى جنونا من الحالة التي‮ ‬وصل اليها التلفزيون‮. ‬صراحته ودعوته المشاهدين العيش في‮ ‬واقعهم وليس في‮ »‬وهم‮« ‬التلفزيون‮ (»‬أنتم الواقع وليس التلفزيون‮«) ‬يحفزان منتجان في‮ ‬المحطة هما فرانك هاكيت‮ (‬روبرت دوفال‮) ‬وديانا كرستنسن‮ (‬فاي‮ ‬داناواي‮) ‬للإستفادة من الوضع الجديد وتوظيف نجاح هوارد الجديد لمصالحهما الخاصة وإرضاءا لرئيس المحطة جنسن‮ (‬ند بيتي‮). ‬لكن هجوم هوارد‮ ‬يمتد في‮ ‬عمق النظام الإداري‮ ‬للمحطة كاشفا عن صفقات كبيرة خاصة‮ (‬وسرية‮) ‬بين المحطة وممولين عرب لديهم مفكرتهم الخاصة التي‮ ‬لا تخلو،‮ ‬حسب تحذيرات هوارد،‮ ‬من رغبة السيطرة على الإعلام الأميركي‮ (‬وبالتالي‮ ‬التأثير السياسي‮). ‬لكن جنسن‮ ‬يدعو هوارد الى مكتبه ويعظه في‮ ‬خطبة طويلة‮ ‬يخرج بعدها هوارد مختلفا‮. ‬وفي‮ ‬حلقته التالية‮ ‬يتراجع عن مواقفه وتتراجع بالتالي‮ ‬اسهمه ما‮ ‬يدفع فرانك وديانا،‮ ‬المتضرران من هذا النكوص،‮ ‬الى قتله بينما كان‮ ‬يقدم واحدا من برامجه على الهواء‮. ‬في‮ ‬النهاية‮ ‬يقسم المخرج الشاشة الى أربع صور متزامنة واحدة منها تسأل‮: »‬لم التنازل؟‮« ‬Why compromise?
.2 عرب
مشاهد‮ »‬الشبكة‮« ‬لها فعلها‮. ‬لكن الفيلم ذاته ليس بالجودة التي‮ ‬وصفه بها معظم‮ ‬النقاد آنذاك‮. ‬مشهدا وراء آخر،‮ ‬هناك استعراض قوى من المخرج وممثليه وكاتبه بادي‮ ‬تشايفسكي‮. ‬لكن ضع هذه المشاهد فوقها فوق بعض تحصل على فيلم‮ ‬ينقصه الكثير من المنطق وأكثر من ذلك من القيمة الفنية‮. ‬
‮»‬الشبكة‮« ‬فيلم كُتب ليطرح مسائل‮. ‬وفي‮ ‬مقدمة مسائله كيف أن التلفزيون تحوّل الى امتصاص للناس وإلهاءا لهم عن متابعة المشاغل الأهم للحياة‮. ‬تمويها لحاجاته الواقعية وجذبه الى عالم من الوهم الذي‮ ‬يعميه عن الحقيقة‮. ‬وكلها مسائل محقة‮. ‬كانت محقة آنذاك واليوم أصبحت محقة أكثر‮. ‬في‮ ‬الماضي‮ ‬كانت مجرد بدايات مدفوعة بالجشع المادي‮ ‬لاستحواذ أكبر نسبة من المشاهدين‮ -‬وبالتالي‮- ‬المعلنين واليوم أصبحت واقعا استحوذ بالفعل على أكبر نسبة من الجمهور والإعلان وأنجز خطوات مهمة في‮ ‬إفراغ‮ ‬الناس من الثقافة‮. ‬تحويلهم الى أميين من نوع جديد‮.‬
لكن‮ »‬الشبكة‮« ‬يمضي‮ ‬لما بعد من ذلك،‮ ‬او بالأحرى‮ ‬يستغل هذا الموضوع لخدمة موضوع آخر‮: ‬معاداة العروبة‮. ‬أيام خرج الفيلم كان العرب خرجوا من إنتصار حديث‮ ‬على إسرائيل،‮ ‬ولو محدودا‮. ‬لكنهم قبل ذلك،‮ ‬كانوا بدأوا‮ ‬يحاربون الغرب المؤيد لإسرائيل بوسائل اقتصادية وسياسية‮. ‬قبل العام ‮٦٧٩١‬،‮ ‬انتشرت الدعوة لاستخدام النفط كسلاح‮. ‬أمر لم تنظر السياسة الأميركية والغربية عموما اليه بأي‮ ‬قدر من التقدير او الرضى وكان طبيعيا أن تطأه أفلاما عدة معظمها عمد الى تصوير العرب في‮ ‬ضوء معتم على أساس من حالة اللا‮- ‬إنقسام حيال اسرائيل في‮ ‬ذلك الحين‮. »‬الشبكة‮« ‬يذهب الى حد الترويع ملوّحا بنظرية مؤامرة عربية هدفها تقويض الديمقراطية الأميركية وتوظيف النفط للتأثير على القرار السياسي‮ ‬وشراء المحطات التلفزيونية للتأثير على القرار الإعلامي‮. ‬حلقة مكبلة عاد سيدني‮ ‬لوميت اليها في‮ ‬فيلمه اللاحق‮ »‬سلطة‮« ‬Power‮ (٦٨٩١).‬
وهناك ثلاث مواقع أساسية‮ ‬يُطرح فيها الموضوع العربي‮ ‬في‮ »‬الشبكة‮«. ‬ذكرت أحدها الذي‮ ‬يحذر فيه هوارد من صفقة عربية‮- ‬اميركية لشراء المحطة والنفاذ الى القرار الأميركي،‮ ‬وهناك آخران مهمان‮:‬
مشهد نشاهد فيه ديانا تقلب في‮ ‬صحيفة وتقول متحدثة لمساعدتها‮: »‬لقد قرر العرب رفع سعر البترول ‮٠٢ ‬بالمئة أخرى‮... « ‬ثم تضيف واصفة أحداث اليوم‮: »‬هناك حرب أهلية في‮ ‬انغولا‮ ... ‬وأخرى في‮ ‬بيروت‮....«‬
ومشهد آرثر جنسن،‮ ‬رئيس المحطة وهو‮ ‬يتوجه الى هوارد بيل قائلا له‮:‬
‮»‬لقد تورطت مع القوى الأساسية للطبيعة مستر بيل وأنا لن أقبل‮. ‬هل هذا واضح؟ أتعتقد أنك أوقفت صفقة تجارية؟ هذه ليست القضية‮. ‬العرب سحبوا بلايين الدولارات من هذه الدولة‮ (‬اميركا‮) ‬والآن عليهم أن‮ ‬يودعوها مجددا‮. ‬انه مد وجزر‮. ‬توازن بيئي‮. ‬انت رجل عجور لا‮ ‬يزال‮ ‬يفكر على نحو أمم وشعوب‮. ‬ليس هناك أمما‮. ‬ليس هناك شعوبا‮. ‬ليس هناك روس‮. ‬ليس هناك عرب‮. ‬ليس هناك عالم ثالث‮. ‬ليس هناك‮ ‬غرب‮. ‬هناك أقدس نظام بين النظم‮. ‬واحد كبير متشابك،‮ ‬متقاطع،‮ ‬متنوع،‮ ‬متعدد الأمم هو سيطرة الدولار‮«.‬
وفي‮ ‬ذات المشهد‮:‬
‮»‬انه النظام العالمي‮ ‬للعملة‮. ‬هو الذي‮ ‬يقرر عصب الحياة على هذا الكوكب‮. ‬هذا هو نظام الأمور الطبيعي‮ ‬هذه الأيام‮. ‬هذا ما هو نووي‮ ‬وما هو‮ ‬غير نووي‮ ‬في‮ ‬بينة الأشياء حاليا‮. ‬وأنت تحرشت بالقوى الأساسية للطبيعة‮. ‬هل أصل اليك مستر بيل؟ تجلس أمام تلفزيونك من قياس ‮١٢ ‬إنش وتهول حول أميركا والديمقراطية‮. ‬ليس هناك أميركا وليس هناك ديمقراطية‮. ‬هناك أي‮ ‬بي‮ ‬أم وآي‮ ‬تي‮ ‬تي‮ ‬وأتي‮ ‬أند تي‮ ‬ودو بونت،‮ ‬داو،‮ ‬يونيون كاربايد وإكسون‮. ‬هذه هي‮ ‬أمم العالم اليوم‮«.‬
بقدر ما هذا الحوار حقيقي‮ ‬في‮ ‬محصلته من حيث الوضع الإستثماري‮ ‬والتوظيفي‮ ‬لرأسالمال،‮ ‬وبقدر ما‮ ‬يكشف عن توافق المصالح بين القوى والنظم الإقتصادية بصرف النظر عن‮ »‬الأمم‮« ‬و»الشعوب‮« ‬والمواقع الجغرافية والسياسية،‮ ‬بقدر ما الموضوع العربي‮ ‬محشورا ضمن تلك النظرية المشار اليها‮. ‬في‮ ‬السبعينات أخرج ألان ج‮. ‬باكولا،‮ ‬وهو مخرج أفضل من سيدني‮ ‬لوميت استخداما لتقنيات السرد وتعامل مثله مع نظريات مؤامرة،‮ ‬فيلما بعنوان‮ »‬تقلّب‮« ‬Rollover يتعرّض لسحب العرب ودائعهم من بلايين الدولارات من المصارف الأميركية لإحداث اضطراب في‮ ‬النظام الإقتصادي‮ (‬والسياسي‮ ‬تبعا لذلك‮). »‬الشبكة‮« ‬و»سُلطة‮« ‬و»تقلّب‮« ‬غزلت إذاً‮ ‬على موضوع واحد‮ ‬غير منطقي‮ ‬وليس واقعيا في‮ ‬الأصل‮. ‬
في‮ ‬الوقت نفسه،‮ ‬مشهد ند بيتي‮ ‬الذي‮ ‬يلقي‮ ‬فيه موعظة تشبه الخطبة الدينية قبل التحول الى الأسطر ذات الطبيعة السياسية الواردة أعلاه،‮ ‬وهو المشهد الوحيد في‮ ‬الفيلم الجامع بين بيتي‮ ‬و(الراحل‮) ‬فينش،‮ ‬قوي‮ ‬التأثير‮. ‬لوميت كان دوما جيّدا في‮ ‬مشاهد مقفلة وند بيتي‮ (‬الذي‮ ‬اكتشف في‮ ‬فيلم جون بورمان‮ »‬خلاص‮« ‬كأحد أربعة أصدقاء‮ ‬يقومون برحلة في‮ ‬نهر متوحش‮) ‬أدى المشهد بإلمام وإقناع وإلقاء حواره كان ممتازا‮. ‬لا عجب أن المشهد‮ ‬يبقى طويلا في‮ ‬البال لجانب مشاهد إدانية أخرى كمشهد هوارد بيل وهو‮ ‬يفتح ذراعيه ويصيح‮ »‬صيحوا أنني‮ ‬جننت ولن أتحمّل أكثر‮« ‬او مشهد ديانا كرستنسون وهي‮ ‬تمارس الغرام مع المدير العام ماكس‮ (‬هولدن‮).‬

.3 نص ممضوغ
هذا المشهد تحديدا لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يمر عابرا‮. ‬ليس لأنه‮ ‬يحتوي‮ ‬على مشاهد عارية او حتى مثيرة بل للعكس تماما‮. ‬انه مشهد حب بلا حب‮. ‬الناقد ديفيد تومسون لاحظ في‮ ‬نقده للفيلم حينها أن دايانا حوّلت ماكس الى إمرأة اذ وصلت النشوة قبله‮ (‬اذا ما وصل مطلقا‮) . ‬وتركيبة المشهد لا ريب توحي‮ ‬بأن ماكس بالفعل أضعف من أن‮ ‬يقف حائلا ضد أطماع المنتجة الجشعة كما تؤديها فاي‮ ‬داناواي‮. ‬هو رجل إنساني،‮ ‬ينتمي‮ ‬الى عالم سابق‮. ‬نظام كان أكثر رحمة ورأفة‮. ‬كذلك‮ ‬ينص المشهد على أنها هي‮ ‬التي‮ ‬تمسك بزمام وإيقاع العملية الجنسية والأهم هي‮ ‬أنها اذ تمارس ما تمارسه مع ماكس لا تسكت عن الحديث عن الأرقام والأعمال والطموحات لأنها لا تحب او تشعر بالحب خلال العملية بأسرها‮. ‬
سيدني‮ ‬لوميت ببراعته تصوير مشاهد من هذا النوع الداخلي‮ ‬المصمم لكي‮ ‬يكشف عن شخصيات نال منها كاتب السيناريو تشايفسكي‮ ‬ومضغها ثم بصقها على صفحاته،‮ ‬يتكل على المادة المنصوصة لدرجة أن ضعف الشخصيات‮ ‬ينتقل الى الفيلم من دون عائق‮. ‬هناك‮ -‬على سبيل المثال‮- ‬حقيقة أن شخصية فرانك هاكيت،‮ ‬كما‮ ‬يؤديها دوفال،‮ ‬شخصية مسطحة‮. ‬وحقيقة أن دايانا أحادية لا عمق فيها‮. ‬كذلك شخصية ماكس المكتوبة كواحدة من الشخصيات النادرة التي‮ ‬تستدعي‮ ‬التعاطف‮. ‬اما شخصية هوارد بيل،‮ ‬تلك التي‮ ‬كان من المفترض بها أن تكون المحور الأساسي‮ ‬للفيلم،‮ ‬فهي‮ ‬مكتوبة من دون خلفيات‮ ‬ومن دون جوانب واقعية ما‮. ‬انه مجرد مقدّم برامج‮ ‬يتحوّل الى صوت الناس تارة‮ (‬هناك ذلك المشهد الساذج لنوافذ تفتح وصرخات تعلو وثورة وعي‮ ‬تعم إثر طلب ماكس من مشاهديه إقفال التلفزيون وفتح النوافذ‮ ...) ‬ويخضع للمعطيات الغالبة تارة أخرى‮. ‬لكن كل الممثلين الذين أدّوا الأدوار رائعون في‮ ‬تجسيداتهم واختياراتهم من الترجمات الإدائية‮.‬


الفيلم‮ ‬يخلو من الألم نتيجة وضع ما‮. ‬إخراجه محسوب بالأرقام‮. ‬معالجته لا روح فيه او قلب‮. ‬والمواقف القوية التي‮ ‬لا ريب موجودة متقطعة الأواصر‮. ‬لا تنتمي‮ ‬الى حالة تعبيرية فنية على الإطلاق،‮ ‬بل تكتفي‮ ‬بحالتها من الغضب‮. ‬الصفة التي‮ ‬تجمع بين أفلام لوميت في‮ ‬تلك الفترة والتي‮ ‬كنت من الذين صدّقوها آنذاك،‮ ‬قبل أن‮ ‬يتبيّن لي‮ -‬بعد مراجعات لاحقة‮- ‬انها لا تفعل أكثر من الشتم‮. ‬أفلام لوميت تشير الى الخطأ من وجهة نظرها‮. ‬تعبس في‮ ‬الوجوه،‮ ‬لكنها ليس لديها ما تفعله على صعيد أعلى وأكثر مدعاة للتقدير‮. ‬لدى لوميت ذلك الوميض الساخر،‮ ‬لكنه وميض بلا مرح وبل بكثير من الندب‮. ‬لكن‮ ‬يبقى له إختياراته لمواضيع‮ ‬يراها مناسبة لنقد المجتمع حينا والسلطة حينا وكلاهما معظم الأحيان‮. ‬بذلك كان لوميت حينها ناقد نظام،‮ ‬انما من دون طرح بديل او إقتراح مواز‮. ‬لوميت ايضا استثنى دوما الشخصية اليهودية من‮ ‬غضبه فنحّاها جانبا‮. ‬ويكفي‮ ‬هنا شخصية ماكس شوماكر الأضعف والأكثر تفهما من الشخصيات الرئيسية جميعا التي‮ ‬تظهر بظلال معتمة او داكنة‮. ‬يكفي‮ ‬هنا،‮ ‬وفي‮ ‬فيلم كاتبه ومخرجه ومنتجه‮ ‬يهود،‮ ‬شخصية دايانا كرستنسن‮ (‬لاحظ إسم العائلة‮) ‬المرأة التي‮ ‬بلا قلب تحب به التي‮ ‬تعرّف نفسها الى امرأة سوداء قائلة‮:‬
‮»‬مرحبا،‮ ‬أنا دايانا كرستنسن،‮ ‬عنصرية تابعة للحلقة الإمبريالية الحاكمة‮«‬
ترد عليها الأخرى‮:‬
‮أنا لورين هوبس،‮ ‬زنجية شيوعية رذيلة‮«
A badass commie nigger‮‬‬
يحفر المشهد،‮ ‬بحواره هذا‮ ‬غير القابل للتصديق وكمشاهد عديدة تسود الفيلم،‮ ‬اخدودا بين محاولة قول الحقيقة وبين الواقع ما‮ ‬يفتت من صدق النقد الموجه ناهيك عن صدق التوجهات‮. ‬الى جانب أن الحوار‮ ‬يعكس هنا قيمة مسرحية وليس سينمائية‮. ‬نص‮ ‬يستسهل الطريق عوض الإتكال على سلوكيات وتصرّفات عليها هي‮ ‬أن تعرّفنا على كل شخصية عوض أن‮ ‬يُترك لها رسم كلمات لا تخلق سوى هالات استعراضية‮.‬


Director: Sidney Lumet
Cast: Faye Dunaway, William Holden, Peter Finch, Robert Duvall, Ned Beatty. With: Beatrice Straight, Arthur Burghardt, Bill Burrows, Kathy Cronkite, Darryl Hickman, Roy Poole, William Prince,Marlene Warfield, Lee Richardson.
Screenplay: Paddy Chayesfsky. Cinematography : Owen Roizman (color). Music: Elliot Lawrence. Editor: Alan Heim (120 m). Prod. designer: Philip Rosenberg.
Producer: Howard Gottfried. Prod. comp: MGM [USA- 1976]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2000

أولى ثانوي | محمد أبوسيف **
...............................................
في العام 2000 أخرج محمد أبوسيف
فيلما متواضعاً عن الحب . لكن المجتمع
السينمائي إنتظر منه غير ذلك٠
...............................................

من المحتمل أن‮ ‬يكون عبء التوقعات الكبيرة الملقاة على كاهل المخرج المصري‮ ‬محمد أبو سيف السبب في‮ ‬أن أفلامه ابتعدت تماما عن التذكير بأفلام والده الراحل صلاح أبو سيف‮. ‬لعله شعور دفين بأن المجتمع السينمائي‮ ‬ينتظر من أبو سيف‮ -‬الإبن بعض ما حققه أبو سيف‮- ‬الأب،‮ ‬او لعله قناعته الخاصة بأنه لا‮ ‬يريد أن‮ ‬ينتمي،‮ ‬سينمائيا،‮ ‬الى تراث أبيه،‮ ‬بل‮ ‬يريد أن‮ ‬يشق طريقه الى تراثه الخاص به وحده‮.‬
النتيجة الى الآن ليست مجزية،‮ ‬لكنها واعدة‮. ‬بعض المشكلة لا‮ ‬يقع ضمن مسؤوليات المخرج،‮ ‬بل الوضع المتأزم للسينما المصرية والعربية بشكل عام وهو وضع لم‮ ‬يتعرض اليه المخرج الراحل،‮ ‬فعجلة الصناعة لم تتوقف في‮ ‬أيام أبو سيف الأب وما قبلها،‮ ‬والإختيارات كانت دائما متوفرة،‮ ‬والتمويل أمّن تغليف اختيارات الأستاذ صلاح بالعناصر الإنتاجية المناسبة لكل أفلامه حتى مطلع الثمانينات‮.‬
‮»‬أولى ثانوي‮« ‬يعكس ما مرّت به السينما المصرية في فترة معيّنة، حيث بدا التحدي كبيراً وواضحاً على المخرجين الذين لا يريدون (او لا يستطيعون) مجاراة التنفيذ الحركي والمفهوم المعصرن للسينما٠
ربما حاول محمد أبوسيف حل الإشكال بتحقيق عمل يحمل تواضعاً جمّاً في الغايات كما في عناصر الإنتاج ومتطلّبات العمل ‬كما لو أنه‮ ‬يريد أن‮ ‬يؤكد لمشاهديه أنه ليس في‮ ‬مجال المقارنة مع الآخرين. من ناحية أخرى، الفيلم من البساطة بحيث يوعز بأن المخرج حاول الإختلاف عن أبيه أيضاً. ‬ولا في‮ ‬مجال تحديات تطرح أكثر مما‮ ‬يود هو إنجازه وتقديمه‮.‬
انه عن رجل‮ (نور ‬الشريف‮) ‬يعمل في‮ ‬المتحف ويعيش في‮ ‬فيلا ورثها عن جده،‮ ‬يلتقي‮ ‬يوما بالمرأة التي‮ ‬يمكن له أن‮ ‬يقع في‮ ‬حبها‮ (‬ميرفت أمين‮). ‬في‮ ‬الوقت ذاته‮ ‬يتبنى،‮ ‬ولو لعطلة الصيف،‮ ‬ثلاثة أولاد في‮ ‬مطلع سنوات الشباب‮. ‬والقصة من هنا ذات خطين‮: ‬الأول تقع رحاها بين الشخصيتين الراشدتين‮ (‬تريد أن تعرف عنه أكثر،‮ ‬عن عزلته،‮ ‬عالمه‮) ‬والثاني‮ ‬بين الأولاد الثلاثة وبين ذلك الرجل،‮ ‬فأحدهم متمرد وذو نوايا سيئة تتضح عندما‮ ‬يهاجم إبنة المرأة التي‮ ‬يود موظف المتحف الزواج بها‮. ‬والخطان‮ ‬يتشابكان أكثر فأكثر وتصبح موحدة‮. ‬وفي‮ ‬توليفاتها تلك‮ ‬يكمن الجانب الأساسي‮ ‬من قيم الفيلم وطروحاته‮. ‬اذ قلما نشاهد فيلما‮ ‬يتيح متنفسا لممثلين وشخصيات في‮ ‬ذلك السن المبكر،‮ ‬والجزء الناجح أكثر من‮ ‬غيره‮ ‬من هذا العمل‮ ‬يتعلق باللقاء الوارد بين شخصيات ناضجة وأخرى‮ ‬غير راشدة والطروحات الأخلاقية التي‮ ‬يفرزها ذلك اللقاء‮. ‬
تدور معظم الأحداث في‮ ‬الفيلا التي‮ ‬يعيش فيها بطل الفيلم‮ ‬لكنها تنتقل الى مواقع أخرى قليلة‮. ‬الإختيارات أمام السيناريو في‮ ‬هذا المجال محدودة،‮ ‬لكن على الأقل ليست هناك تلك المشاهد السياحية الإستعراضية التي‮ ‬تلجأ اليها العديد من الأفلام الأخرى‮. ‬
غير أن‮ ‬أبو سيف‮ ‬يبدو كما لو أنه‮ ‬غير واثق من احتمالات الموضوع وآفاقه‮. ‬معظم ما نشاهده في‮ ‬الفيلم هو عزوف المخرج عن الإستفادة من تلك الإحتمالات الواردة‮. ‬توخيه اسلوب عمل قد‮ ‬يخلطه البعض بالإستكانة او التقليدية‮. ‬والفيلم‮ ‬يمر من دون حدة وإلحاح كما لو أن المخرج مصر علي‮ ‬تعميم المفاصل الجادة قدر الإمكان فنراه‮ ‬يميل الى تلك الإستراحات الكوميدية القصيرة‮. »‬قفشات‮« ‬يرميها على الطريق بين الحين والآخر كمن‮ ‬يبحث عن خلاص اضافي‮ ‬لموضوع هو أهم مما‮ ‬يعتقد،‮ ‬وذلك جذبا لجمهور عام‮.

إخراج: محمد أبوسيف
تمثيل: نور الشريف، ميرفت أمين، سوسن بدر، ماهر
عصام، شريف بدوي، حسناء يوسف٠
سيناريو: أشرف محمود. تصوير: كمال عبد العزيز.
توليف: عادل منير (120د)٠ موسيقا: عمر خيرت.
إنتاج: الشعلة/ الشركة العربية للإنتاج الإعلامي
والثقافي [مصر- 2000]٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Sunday, August 9, 2009

Issue 35 | Lorna's Silence | Jour de Fete | للحب قصّة أخيرةّ

FlashBack

The Searchers


فيلم جون فورد/ جون واين "الباحثون" يبقى أحد أهم ما أخرجه الأول من بطولة الثاني في السينما. تم إنجازه سنة 1957 ليتعامل مع تبعات موقف عنصري يمثّله بطل الفيلم إيثان (واين) حيال قيام مجموعة من الهنود الحمر اختطاف قريبة له قبل سنوات. هو والشاب مارتن (جفري هَنتر) يواصلان البحث عنها طوال هذه السنوات حتى يجداها وقد غدت شابّة، لكن إيثان متمنّع عن قبولها بينما يدعو مارتن للتسامح. شخصية كلينت ايستوود في فيلمه الأخير "غران تورينو« تستدعي للذاكرة شخصية إيثان في هذا الفيلم٠
التصوير لوينتون هوتش لكن تصميم اللقطة يعود الى جون فورد الذي كثيراً ما استعان بمثلها في أفلامه. لقطة من الداخل المعتم الى الخارج المضيء٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما وبس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأخوة وراء الكاميرا

Lorna's Silence

الأخوان تافياني على عيني، لكن هل هما أفضل من الأخوين كووَن؟
السائل وضمن السؤال جوابه هو الزميل هوڤيك حبشيان وذلك تعليقاً على عبارة وردت في إحدى مقالاتي تعكس وجهة نظري في الأخوين كووَن ومفادها: أفلام كووَن من العام 1984 حين أخرجا
Blood Simple أول أفلامهما
الى العام 1996 حين أخرجا "فارغو" غير متساوية مع نسبة أعلى جيّدة. لجانب الفيلمين المذكورين
Miller's Crossing و Barton Fink

1- جان-بيار ولوك داردين
Rising Arizona بينما وجدت

The Hudsucker Proxy متكلّفا و
لا قدرة له على تجسيد الرسالة التي حملها، كذلك الحال مع
The Big Lebowski
الذي من حينه (1998) ترتفع نسبة الأفلام المنزلقة نحو الهوان
O Brother, Where Art Thou?, The Man Who Wasn't There، The Ladykillers
جوويل وإيتان كووَن-2
لم تعن لي شيئاً على الإطلاق، سوى إخفاق في ايجاد سبب فعلي لكل من هذه المشاريع. أما
Intolerable Cruelty

فهو ليس فقط أسوأ أفلامهما (قياساً بالمتوقّع من هذه الأفلام) بل من أسوأ أفلام سنة إنتاجه (2003). الوضع تحسّن كثيراً، إنما مع إبقاء الباب مفتوحاً للجدال، مع فيلم
No Country for Old Men | لا بلد للمسنين
Burn After Reading ثم عاد وانتكس في آخر أعمالهما

المسألة هي العامل الإنساني. الأخوان تافياني، وهما من صنع إيطالي، يمنحان المشاهد إنساناً في مواجهة مع محيطه وسكون هذا العالم وتحدياته. الأخوان داردين يبحثان عن تلك الشخصيات التي تعكس واقعاً إجتماعياً ملتصقاً بتطورات الحياة في بلجيكا ومنها في أوروبا وكيف تعيق الظروف القاسية تبلور الطيبة والحب وتميد بالأرض الصلبة التي يعتقد أبطاله أنها تمهيداً لتحقيق حلم بحياة أفضل٠
الأخوان كووَن لديهما مشكلة هي أنهما يلعبان لعبة القاص والقاضي والجلاد والجلد ينال كل الشخصيات

باولو وفيتوريو تافياني-3
التي هي وسيلة لتحريك الفيلم صوب الغاية المنشودة وهي عادة غاية جرائمية تكشف المزيد عن أن هذه
الشخصيات تستحق ما يحدث لها. تلك التي لا تستحق (مثل الشخصية التي أدّاها رتشارد جنكيز كمدير المؤسسة التجارية التي يعمل فيها كل من فرنسيس مكدورماند وبراد بت في »إحرق بعد القراءة«) فلتمت أيضاً. النتيجة غير ذات قيمة (في رأيي المتواضع) لذات السبب الذي ذكرته المخرجة الراحلة لاريسا شوبتكو لي حين قدّمت لها محاولتي الأولى في كتابة سيناريو أجنبي: "بطلك يموت بلا قضية"، وكان ذلك قبل أن يخرج الأخوين فيلمهما الأول ذاك٠

باستثناء الأخوين سعادة (وكانا من أبطال المصارعة في لبنان قبل أن ينجزا فيلما او فيلمين) فإن الأفلام التي حملت شراكة بين شقيقين وراء الكاميرا كانت ذات صدى جيد. التجربة المشتركة جاءت ناجحة. خذ مثلاً تجربة الأخوين ووشوڤسكي حين أطلقا ذلك الخيال العلمي المغرق في التقنيات والتجريب "ماتريكس" الذي جعل العديد من المشاهدين، في العالم العربي وسواه، يحاولون فك ألغاز هي مثل قنابل موقوتة تبقي فتيل التشويق مفتعلاً وتدافع طوال الخط عن حاجة الإنسان لمواجهة نظام يرياه آت من عالم مواز لتحويل الإنسان فوق سطح الأرض الى مخلوق مفبرك (كثيرون منهم حولنا)٠
الأخوان تافياني (باولو وفيتوريو) حصدا نجاحاً كبيراً في السبعينات والثمانينات لكنه انحسر في التسعينات ولابد من عودة إليهما لمعرفة ما الذي جرى في عالمهما سبب ذلك الإنحسار. من »أستاذي، أبي« سنة 1977 الى "مصنع المرح" سنة 2007 ثلاثين سنة وسنوات كونية وتجربة انطلقت إيطالية بالكامل وانتهت في محاولة "عالمية" تطرح موضوعاً غير إيطالي (ما حدث للأرمن على أيدي الأتراك) وتستعين بممثلين من أنحاء مختلفة (محمد بكري من فلسطين، أرسين كانجيان من كندا، خرستو شوبوف من بلغاريا، تشيكي كاريو التركي الأصل لجانب الإيطاليين) وتفتقد السببية كما ضبط الحكاية درامياً بحيث تعني للمشاهدين أكثر من أحداثها٠

الساحة اليوم (ومنذ بضع سنوات) تستقبل أخوين آخرين هما الأخوين داردين [جان-بيير ولوك] البلجيكيين القادرين على الفوز مرّتين متلاحقتين بالسعفة الذهبية من مهرجان "كان"٠ جان - بيير ولد سنة 1951 والثاني سنة 1954 وكلاهما بدأ العمل تزامناً مع بداية الأخوين تافياني العمل في منتصف السبعينات، لكن الأخوين الإيطاليين كانا الأسبق لفرض وجودهما على الساحة السينمائية وثقافتها الفنية والسياسية٠
سبب التأخير يعود الى أنهما عمدا الى إخراج وإنتاج الأفلام الوثائقية حتى العام 1987 حين أخرجا فيلمهما الروائي الطويل الأول
Falsch | فولش
وبعده انطلقا يجوبان السينما بمزيج من المفهوم المسرحي للنص والمفهوم الوثائقي للحركة والإيقاع عبر أفلام مثل »الوعد« (1996) و»روزيتا« (1999) الذي كان أول فيلم لهما يحصل على السعفة الذهبية و»الإبن« (2002 ) ثم "الطفل" (2005) وصولاً الى فيلمهما الذي لا يزال آخر ما حققاه »صمت لورنا« الذي يبدأ عروضه الأميركية بعد أكثر من عام على عرضه العالمي الأول وبعد نحو ستة أشهر على إطلاقه أسطوانات في عدة عواصم أوروبية٠


هذا الفيلم الأخير نال جائزة أفضل سيناريو غالباً بسبب موضوعه وليس بسبب الطريقة التقنية التي على السيناريو أن يسبر غورها لإنجاز مضمونه٠ إنه فيلم جيّد لكنه ليس أكثر بكثير من جيّد حول لورنا (أرتا دوبروشي) المهاجرة الألبانية التي تعيش في بلجيكا مع زوجها. زواج مصلحة لأنها تعمل مع عصبة من البلجيكيين تقوم بتسهيل مهمّة الراغبين في الحصول على إقامة وهوية بلجيكية عبر تزويجهم بلورنا الى أن يتم حصولهم على ما يرغبون ثم عليهم تطليقها لأن هناك من ينتظر دوره٠
زوجها الحالي مدمن مخدّرات يثير شفقتها (وشفقتنا) لكن العصبة (او هل أقول العصابة؟) تريد التخلّص منه وهو الذي لا يود الإنسحاب من حياتها سريعاً. خطّة لقتله لكن لورنا ليست مجرمة بل ضحية مماثلة والفيلم من هنا يتبلور نحو دراما أكثر تأزّماً مما بدأت عليه تتجانس وتلك افلام الشرائح الإجتماعية التي عالجها الأخوين في أفلامهما السابقة٠
هذا هو الجيّد. ما لم أكترث له كثيراً (لا في هذا الفيلم ولا في سواه) أن الكاميرا لا تتركها لحظة. شاشة عريضة ولقطات كبيرة (قريبة) نظام فيه تناقض لا يمكن له أن يخلق صياغة فنيّة سليمة. دائماً ما سيجد البعض تبريراً للقول أن هذا النوع من الإخراج القائم على متابعة الموضوع المصوّر (لورنا في هذه الحالة) يؤكد على الحالة وله غاية تأثيرية ذات قوّة لا يُستهان بها٠
وهذا الكلام ليس خطأ لكن باقيه هو كيف تفضّل الفيلم أن يكون: صياغة منفردة (مثل الكمان المنفرد) او صياغة جماعية (أوركسترا كاملة صغيرة او كبيرة)٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
121
سنة سينما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1949
يوم العطلة لجاك تاتي

Jour de fête *****


هناك ألوان من الكوميديا ومعظمها ينتقل عبر الحدود الثقافية والإجتماعية استرجالا وهزليا وتهريجياً. لكن تعال الى حيث النكهة الكوميدية الصافية، تلك التي قدّمها هدية للسينما كوميديون عباقرة أمثال باستر كيتون وتشارلي شابلن ولوريل وهاردي وهارولد لويد و... لا تنسى الكوميدي الفرنسي الأول، ولكل العصور: جاك تاتي٠
يوم العطلة هو أول فيلم أخرجه جاك تاتي الذي لم يحقق أكثر من خمسة أفلام روائية طويلة (أيضاً بعض القصيرة ومثّل في نحو أربعة أفلام وكتب ستّة لم يمثّلها او يخرجها) وهو بالنسبة لكثيرين أفضل أفلامه، ولو أنه عندي يتساوى وفيلمه الآخر "عطلة المسيو أولو" الذي أخرجه سنة 1953
لكن "يوم العطلة" استثناء من حيث أن الإنتقال من فصل من مشاهده الى فصل آخر أكثر سلاسة وانسياقاً من أفلامه اللاحقة التي تتشابه في أنها تقع في زمن معيّن ومكان واحد لكن المخرج كثيراً ما تجاهل ضرورة الإنتقال السلس بين حدث وآخر عوض طريقته المفضّلة في تقسيم الفيلم الى أحداث كل منها فصل يمكن عرضه منفصلاً٠
إنه يوم عطلة حيث هناك معرض تقيمه بلدة سانت سيفير سو إندر الفرنسية (بالطبع) مرّة في السنة. والفيلم يبدأ بوصول فناني الإستعراض وينتهي بإنصرافهم بعد يوم حافل. وخلاله هناك تعليق تقوم به إمرأة من الريف وبجانبها عنزة مهمّتها تقديم الشخصيات وبعض الأحداث التي ستمر في هذه الكوميدية التي تتخلّى، كعادة أفلام تاتي، عن الحبكة (تقليدية وغير تقليدية)٠
هناك مسيو فرانسوا (جاك تاتي) الذي يعيش في تلك البلدة. ساعي بريد مرتاح وسعيد وهمّه تسليم البريد سريعاً. لقد شاهد فيلماً وثائقياً عن كيف يسلّم سعاة البريد الأميركيون رسائل اليوم في سرعة ونيويورك كبيرة، ما الذي يحول دون أن يفعل ذلك في بلدة صغيرة؟
في موقفه هذا، ومن دون سعيه لكي يختمر حقيقة أن نيويورك مدينة تستطيع تخزين كل وسيلة ممكنة لإرسال واستقبال كل أنواع البريد في منهج عملي مهني حرفي صارم (ولا ننسى أننا نتحدّث أيام ما كان البريد يتم إرساله عبر البريد وليس عبر شاشة الكومبيوتر) كبرياء فرنسي يتواكب ومع "فرنسية" كل شيء في هذا الفيلم. الحركة. السلوك. البيئة. الطبيعة. المنازل ونوعية ذلك العالم الخارج من الحرب والقادر على أن يستمر في منهجه الثقافي الطبيعي من دون تغريب ولو لبضعة سنوات لاحقة٠


مثل أفلامه اللاحقة، "عمّي" و"وقت مرح" و"سير"، يريد تاتي القبض على الزمن الحاضر والحفاظ عليه أبداً. في هذه الأفلام الأخرى المذكورة يعكس ما يعتمر في داخله من هاجس الخوف من العصرنة والتكنولوجيا. كل شيء يقدم عليه في هذه الأفلام لا يعمل لأنه يتطلّب إنساناً آخر. في "يوم العطلة" يتنفّس مسبقاً هاجسه ذاك ويعكسه عن طريق اظهار بساطة الحياة في مقابل تعقيد أي طاريء عليها. شيء من هذا الوله بالمكان موجود عند فديريكو فيلليني (في "أتذكّر") ولو لأسباب مختلفة، ولو أن المرء يلاحظ أيضاً أن الكوميديين العملاقين باستر كيتون وتشارلي شابلن كانا عبّرا بدوريهما عن موقف مناهض للتقدم التكنولوجي- لكن ليس بالقدر الذي عبّر به تاتي عن هذه المعارضة٠
فنياً يجد الناظر الى أفلام تاتي عموماً أن المخرج- الممثل إنما يراهن على مدّ ما أنجزه المبدعون الكوميديون الصامتون قدر الإمكان. أفلام تاتي لها أصوات، لكنها بالكاد ناطقة (لا يخلو الأمر من عبارات متباعدة) وهي تعتمد على الحركة المؤطرة بكادرات بعيدة ما يتيح للمكان أن يعيش على الشاشة من ناحية وللحركة التي فيها التمتّع بنبضها الحقيقي. هذا قبل أن يبدأ مايكلأنجلو أنطونيوني رحلته في سبر المحيط البيئي في لقطاته، ومن قبل عشرات السنوات قبل أن يعتبر عبّاس كياروستامي نفسه مسؤولا عن خط سير اعتبره جديداً لمنهج فيه تقارباً مع سينمات آخرين سواه٠
انذاك كان لا يزال من غير المعتاد قيام أحد في فرنسا تصوير فيلم في الطبيعة خارج الاستديو، لكن تاتي كان يعرف ما يريد وينقله من دون عناء. وما أراده هنا هو نقل الحياة البسيطة والأليفة للقرية التي يصوّر فيها. والكوميديا عنده (وعند عمالقتها) ليست في ماذا يقول في الأساس بل كيف يقوله ولأي تأثير ولذلك فإن مشاهده هنا هي، ولو بإستعارة عبارة أندريه تاركوفسكي الشهيرة، نحت في الزمن وعبرها يطرح عالماً جميلاً حميما ومتآلفا كان خرج من الحرب العالمية الثانية منهاراً وأحب جاك تاتي بث روح الأمل فيه٠

تصوير وعروض
صوّر تاتي هذا الفيلم في ثلاثة أشهر مستعينا، كما هي عادته دائماً، بممثلين غير محترفين. ونال الفيلم نجاحاً كبيراً بين النقاد كما ساتحوذ جائزة أفضل مخرج سنة 1949 من مهرجان ڤنيسيا٠

جاك تاتي
صوّر المخرج فيلمه بنسختين واحدة بالأبيض والأسود والأخرى بالألوان وحسناً فعل لأنه حين الطبع تبيّن أن النسخة الملوّنة غير صالحة للعرض وهذه النسخة لم يتم معالجة عيوبها التنفية الا سنة 1995 حين أعيد عرض الفيلم في فرنسا٠
تاتي لم يأخذ حظّه من النجاح الكبير لكنه ترك بصمته على عدد من المخرجين الفرنسيين مثل روبير بريسون الذي، مثل تاتي، فضّل الأبيض والأسود كما فضّل عدم التعامل مع ممثلين محترفين. بعد سنوات من عروض هذا الفيلم في الصالات الفرنسية اختفى الفيلم فجأة ولم يستطع أحد فك غموض اختفائه، ولو أن البعض اقترح أن تاتي كان يعلم أنه يشبه الجنرال ديغول الذي وصل، سنة 1958 الى السُلطة ولم يشأ أن يبدو الفيلم كما لو كان محاكاة للرئيس٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1986
للحب قصّة أخيرة لرأفت الميهي ****



في "للحب قصّة أخيرة" زوجان شابان (يحيى الفخراني ومعالي زايد) يعيشان في قرية صغيرة على النيل خارج القاهرة. هو معلم في مدرسة القرية ومصاب بالقلب ولكي يخفف المصاب عن زوجته يطلب من صديقه الطبيب إعلام الزوجة أن خطأ في صورة القلب قد تم وأن زوجها معافى. الطبيب (عبد العزيز مخيون) من ناحيته يعيش وضعاً صعباً إذ يعيش مع والدته العجوز المريضة ولا يدرك كم كانت تشكل له عائقاً حياتياً إلا بعد موتها. حين تدرك الزوجة أن زوجها يعاني من القلب فعلاً، تتجه إلى «الشيخ التطاوي» الذي يدعي الشفاء والأعاجيب، وإذ يصدق بعض أهل القرية أن الشيخ قد نجح في شفاء الزوج من دائه، يمضي الزوجان في معايشة أزمة عاطفية حادة ومأزق من الحياة والموت يتجسدان في شتى المناسبات٠
هذا -لليوم- أفضل ما أخرجه رأفت الميهي من أفلام وواحد من عدة أعمال جيدة خرجت بها السينما المصرية ما بين 1985 و1986، لكنه أكثرها تميّزا في موضوعه كما في شكل هذا الموضوع باستثناء "الطوق والأسورة" لخيري بشارة الذي وازاه إجادة٠

سمة »للحب قصة أخيرة» الأولى والحادة دوماً أنه حزين. ليس فقط أنه يتحدث فقط عن حالة (أو حالات) حزينة، بل إن وجهة نظره فيها هي بدورها حزينة، مهمة ومليئة بالمشاعر الصادقة المانعة لأي اغتراب ما بين المخرج وبين الموضوع الذي يقدمه٠
الموجز الآنف لا ينقل كل تفاصيل الفيلم ولا كل طروحاته. رأفت الميهي، أكثر من أي فيلم سابق له، ولّف بين عدة طروحات، ليست حكاية مرض الزوج وحب زوجته الكبير له ومحاولتهما تبيان الحقيقة في شأن الشيخ التطاوي إلا واحدة. فيها نرى قصة حب هي في الأساس رومانسية واضحة في متانتها وقوتها. الزوج سيموت ولا شيء سيوقف أو يمنع ذلك. وبعد أن استطاع الزوج إيهام زوجته بأنه سيحيا وتكشفت الحقيقة وجدت الزوجة أمامها رجلاً يقع، وما مشهد الحب بينهما إلا تتويج لرغبة من العطاء الأخير قدمها الميهي بكثير من الرقة وبعيداً عن الاستغلال (في هذا رد على الذين ألحوا في اتهام الفيلم بالإباحية). الكاميرا تتقدم ببطء فوق الزوجين وعندما تصل إلى لقطة قريبة لوجه الزوجة تكون قد أحسست ـ إذا ما كنت تتابع الفيلم وليس المنظر وحده ـ بالقيمة المتجسدة في ذلك المشهد٠

الميهي ينجح في رسم المأزق الذي ينتج عن اكتشاف الزوجة لقرب أو احتمال موت زوجها. إنه (المأزق) أشبه بخطي سكة حديد يركبه الزوجان لكنه يمر بهما في أكثر من حالة مترادفة أو موازية أخرى تكمل الطروحات المستجدة. فهناك الطبيب الذي يعيش في كنف تلك الظلال الغريبة التي يفرضها مرض والدته، فمنذ خمسة عشر عاماً وهو يداويها ويعالجها ويؤمن لها احتياجاتها الدنيوية المختلفة (إطعام، استحمام الخ..) ولم يبدأ بالحياة إلا عندما ماتت في ليلة كان يجامع فيها بنتاً غازية في مشهد بليغ آخر من مشاهد الفيلم. المشهد الذي نرى فيه ذلك المزيج من التأثير النفسي للأم الغائبة عن الوعي على ابنها ممتزجاً برعايته وخوفه من إيقاظها علماً بأنهما يتشاركان في غرفة نوم واحدة. تنظر الغازية إلى صوب أمه وتقول له «أمك ماتت». الميهي لا يكمل هنا ما كان يمكن له أن يملأ النصف الثاني من المشهد. النصف المفقود الذي معه كان محتملاً أن نرى ردة الفعل في وسط وضع عاطفي خاص. بدل ذلك ينتقل إلى بلاغة من لون آخر فالمشهد التالي مباشرة يبدأ بلقطة لعمود منتصب في ساحة تهبط الكاميرا من فوق لتحت لنرى الدكتور وهو يتمشى سعيداً وقد غير من هندامه. مثل هذا القطع ذو الدلالة نراه أيضاً في مشهد يخلف آخر من المفروض فيه أن يكون عاطفياً بين الأستاذ وزوجته، إذ يقطع الميهي على مشهد خرطوم ماء ترش به الزوجة حديقتها٠

الموت يوحد، كما نرى، بين والدة الزوج (تحية كاريوكا) والزوجة التي كثيراً ما حاولت، وفشلت، في استرضاء الأم التي مانعت الزواج. حين أدركت الأم مصابها في ابنتها تلاقت، تلقائياً، مع الزوجة في موقف متعاطف يوحّدهما حيال الفقدان الكبير المنتظر. لكن الموت المطروح في الفيلم ليس فقط في حكاية الزوج، وليس فقط في حكاية والدة الطبيب، بل نراه متمثلاً في جنازة وعرس يلتقيان فوق صفحة النيل. الجنازة مسيحية والعرس مسلم لكن، وفي مشهد روعي فيه التأكيد على التآخي واللبنة الواحدة بين الطائفتين، يسود الخشوع ذلك اللقاء العابر فوق المراكب وينتقل إلى المتفرج بأحاسيس لم تعرفها السينما المصرية من قبل. كما أن الموت موجود في حكاية رجل كبير وزوجته المسنة. هي تعتقد أن ابنهما قد سافر القاهرة وسيعود، وهو عالم بأنها إنما تعيش في الوهم، إذ إن ابنهما مات. رغم ذلك هو يدعي تصديقها ـ مخافة أن يدمر ذلك الأمل في ذاتها ـ إلى حد أنه يذهب كل مساء إلى حيث ترسو المراكب ينتظر عودته. هل يؤمن حقيقة بأن لا عودة لابنه؟ هل هو الذي يخاف اندثار الأمل في ذاته؟ ما الحقيقة؟ أسئلة يتركها الميهي دون جواب.
مأزق الزوجين يصل بهما، وبالفيلم، إلى قضيته الأكبر. هناك ذلك الشيخ الذي لا نراه والذي يتبرك منه وبه أهل القرية في وله شديد واعتقاد كبير. الميهي هنا يصور الخداع والوهم، وهما بما أنهما إعلان عن شيء غير موجود (غير مرئي أو ملموس) فإن تغييب صورة ذلك الشيخ يصير ملائماً تماماً عن ذلك الإعلان، فنحن لا نراه أيضاً كما أننا لا نرى الوهم الذي يتحدث الفيلم عن إيمان الناس به، لأنهما معاً غير موجودان. الميهي لا يعمد إلى مشاهد خطابية في هذا الشأن (ولا في أي شأن آخر من مواضيع الفيلم). لا يخصص أسطر حوار يتبادله أصحاب مواقف متعارضة يريد منه مهاجمة ذلك الاقتناع أو الوهم. بدل ذلك يعمد إلى مشاهد بالغة التأثير والأهمية. أحد تلك المشاهد يقع بعدما أدرك الزوجان أن الزوج ميت لا محالة. إنه مشهد ليلي يسيران فيه بين جموع الناس التي تتقدم صوبهما للمباركة. هما يعلمان أن أحدهما سيموت، والناس لا تعلم، بل تركض وراء الأمل الكاذب معتقدة أن الشيخ قد أشفى الزوج٠

إنه مشهد حزين آخر من مشاهد الفيلم، ولكن إلى جانب حزنه هو مشهد بالغ الأهمية ( =وإخراجه يفوق التصور في قدرته على القبض على معانيه) وتتويجاً له يدور لاحقاً هذا الحوار بين الزوج رفعت الذي دخل غرفة الشيخ التطاوي وقابله (وحده دون الكاميرا) وبين زوجته سلوى التي تريد أن تعرف من زوجها ما دار بينهما. الحوار يقول
هي: هو شكله ايه؟
هو: «يللي شفته شيء قبيح جداً يا سلوى. مخلوق ظهره مقوس، ايديه ورجليه مليانة قشف. عينيه مغمضة على طول من الرمد المزمن. مخلوق متكوم على كرسيه في ركن الزاوية. ريحة النتانة طالعة منه. لما قربت منه حسيت انه ما فيهوش أي حاجة تدل على أنه ولي، أو حتى شيخ طيب ممكن يعمل معجزات. ما قدرتش أقف قصاده. ولما قالوا لي قدم وبوس ايده ما قدرتش. اديتهم ظهري وخرجت...»٠

يلي هذا المشهد الليلي الذي لا نرى فيه سوى أعين الزوجين والذي ينتهي باختفاء تدريجي، مشهداً آخر ينم عن الأمل والإيمان دون أن يرتفع عن بساطة المنطق الشعبي، هذا كله ينتهي إلى مشهد تقوم فيه الزوجة (وقد مات زوجها) بهدم الكرسي الذي كان «يتكوم» فوق الشيخ التطاوي في ثورة عارمة. وكان البوليس قد اقتحم المكان وفرق الحشود (ببعض العنف) ولم يبق في إطلاله سوى بعد النساء العاجزات اللواتي افترشن الساحة وبينهن عجوز تتحدث طويلاً عن فقيدها والموت الشامل٠
الفيلم هو إدانة للتخلف الذي ما زال الناس يعيشون فيه وحوله ومعه. تخلف لا علاقة له بالدين ولا علاقة له بالأمل والطموحات، بل هو نتاج فقر وبيئة محتاجة للعقائد التي تستطيع أن ترتاح لها لمساعدتها على الاستمرار. إدانة الميهي ليست سلطوية ولا هي غريبة، بل ولا حتى أخلاقية جافة. المنطلق الذي اختاره للحديث عن عالم القرية وعالم المعتقدات صعب، ذلك أنه يتحدث طوال الفيلم عن الموت جاثماً فوق كل أبطاله. فوق الزوجة التي ستخسر زوجها، وفوق الزوجين العجوزين اللذين يعيشان على أمل محظور، وفوق الطبيب الذي ـ وحده ـ خرج من الامتحان حياً. وإذا كان الميهي قد عرف كيف يتوغل في حياة كل هؤلاء الناس، دون أن يفقد وحدة موضوعه وانسجامه، فمعيار نجاحه هو في تجسيده لكافة المشاعر من حب وعاطفة وحزن وأمل وغضب، في بلاغة ملحوظة. تصوير محمود عبد السميع يزيد الفيلم رهبة وإجادة، ومونتاج سعيد الشيخ هو الأفضل بين كل ما خرج من السينما المصرية خلال الموسم المذكور. وحينما يصل الأمر إلى الممثلين فبامكانك التأكد من أنهم جميعاً كانوا مدركين لطبيعة الفيلم الذي يقومون بتمثيله فمن زمن بعيد لم أر تحية كاريوكا بمثل هذه المقدرة (كانت تستحق جائزة أفضل ممثلة مساندة) ومعالي زايد في قمة أدائها. وهذا ما يصل بنا إلى يحيى الفخراني الذي لم يكن حينها الوجه الأنجح جماهيرياً (على أساس أن الناس استهوت الوجوه الوسيمة) إلا أنه أفضل من أعطتهم السينما المصرية من جيل ما بعد نور الشريف من الممثلين الأول٠

على صعيد مخرجه، فإن »للحب قصة أخيرة»، هو أفضل ما قدمه رأفت الميهي إلى اليوم ومثل أعماله السابقة تستطيع أن تدرك أن المخرج، كونه كاتب السيناريو أيضاً، قد عايش موضوعه بأحاسيسه ومداركه. ربما الحوار خانه في بعض المشاهد، لكن الرومانسية (حتى في مشهد بسيط مثل مشهد تناول الغداء في باحة بيت الأستاذ مع الطبيب وبحضور زوجة الأستاذ التي تنطلق في سرد أحلامها) غلفت كل المضامين الحادة وأخضعتها إلى أجواء مناسبة للعمل ومؤثرة. الحزن الذي بدأنا الحديث به (وهو رومانسي بدوره) يبقى ماثلاً كلما تذكرنا هذا الفيلم مع ما في الحزن ـ في مثل هذه المناسبات ـ من مدلولات ومعان قيمة. هذه الذكرى تمد الفيلم بالحياة


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلموغرافيا
كل ما شاهده الناقد من أفلام إنغمار برغمَن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



سبق لهذه اللائحة أن نُشرت في العدد 440 من "ظلال وأشباح" تبعاً لدراسة واسعة عن المخرج بمناسبة مرور عامين على وفاته. وأعيد نشر اللائحة هنا لأن تتابع الأعداد في الموقع الآخر لم يمنحها التواجد الكافي زمنياً٠




1955: Smiles of a Summer Night *** | إبتسامات ليلة صيف

ملخص: فردريك (غونار بيورنشتراند) محام ناجح يصطحب زوجته الشابّة آن (أولا جاكوبسون) الى مسرحية تقوم ببطولتها عشيقته السابقة (ايڤا دولبك). فردريك كان تزوّج من آن مباشرة بعد وفاة زوجته، لكنه الى الآن لم يقم علاقة معها كما سيكشف الفيلم، لكنه مستعد لإعادة مجرى العلاقة مع عشيقته لولا أن الأمور ليست على سابق عهدها٠

تقييم: يسبر برغمن غور شخصياته متّخذاً إياها سبيله للتعليق الإجتماعي الناقد وللسخرية الكوميدية (في بعض المشاهد) من شخصياته: إنها لا يمكن أن تكون سويّة (خصوصاً تلك الرجالية) حين تكيل بمعيارين لتسمح لنفسها ما تمنعه عن الآخرين. والممثلة تريده (ما يدفعك للتساؤل عن السبب في رغبتها هذه، وهو سبب يتركه المخرج غير معلوم) لنفسها لكن ليس من قبل مصارحته بما كان يجهله حين افترقا٠ مفهوم الحب والخيانة وكشف الماضي من خلال تلك المواقف الصدامية تشكّل معالجة المخرج المفضّلة هنا وفي أعماله السابقة. إدارة شبه مسرحية للمشاهد (بالأبيض والأسود) واتكال شديد على الحوار. رغم أن الحوار هنا ليس ثرثرة الا أنه يقحم الفيلم في زاوية تاريخية تبدو عتيقة اليوم٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1957: The Seventh Seal *** | الختم السابع


ملخص: يعود المحارب أنطونيوس (ماكس ڤون سيدو) الى بلدته السويدية بعد تمضيته عشر سنوات مشتركا في الحملة الصليبية مع خادمه (غونار بيورنشتراند). إنه ينشد الحياة التي ألفها سابقاً ليكتشف أنها تبدّلت: التطرّف الديني سائد والطاعون يبيد البشر. إيمان المحارب بربّه يتعرّض للشك وحين يظهر له ملك الموت يمستمهله عارضاً عليه لعبة شطرنج قبل أن يرحل يقررا التجوال في البلاد للإجابة على تساؤلات انطونيوس٠

تقييم: اقتبس برغمن الفيلم من مسرحية كان كتبها وقدّمها قبل سنوات. هذه المرّة لا يحمل الفيلم جذوراً من الفن الآخر الا بمقدار ما هو تلقائي الحدوث. الحوار المكثّف المختزن للكثير من الرمزيات بالغ الأهمية والمواقف كذلك وطريقة تصويرها (مدير التصوير غونار فيشر الذي تعاون مع برغمن قبل أن ينتقل المخرج بأفلامه الى سڤن نكڤست) إنها مواجهة بين الحياة والموت وبين بطل الفيلم ونفسه المتسائلة عن معنى الوجود إذا ما كان الألم ملازم للحياة٠ إنه ليس فيلماً تاريخياً بل دراما وجودية ميتافيزيقية كاسرة للتقليد في قالب من الأفلام التي تستثمر رحلة طريق لطرح اسئلة بعضها يبقى بلا إجابات ولعرض مجموعة من الإكتشافات الذاتية لدى القائمين بتلك الرحلة٠الفيلم معروف عنه أنه معاد لفكرة وجود الله (سبحانه وتعالى) لكن برغمَن لم يندفع في تبن ذلك من عدمه (هناك شخصية مؤمنة غير متطرّفة يعرضها المخرج علينا بإضاءة إيجابية). الفيلم مناسب بالأبيض والأسود لموضوعه القاتم ولتاريخ أحداثه (لكن برغمَن صوّر أفلاماً حديثة بالأبيض والأسود أيضاً وكانت جميلة). وهناك إيحاء بمعاداة الحرب عبر وضع الأحداث في الفترة الصليبية بالتوازي مع كتابة الفيلم وإنتاجه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1957: Wild Strawberry **** | فريز (فراولة) بريّة


ملخص: بورغ (ڤكتور سيوستروم) طبيب يحتفي بمنحه الدكتوراه الشرفية في يوم افتتاح أحداث الفيلم. إنه اليوم الذي يقرر فيه ترك المدينة الى بيت ريفي نشأ فيه. تتبرّع زوجة إبنه ماريان (إنغريد ثولين) بقيادته الى هناك. حين الوصول، بعد محطّات، تتداخل الأزمنة في بال بورغ ويستعيد بعض ماضيه صوراً وحواراً٠
تقييم:
لا يزال الفيلم أحد أرق الأفلام التي أخرجها برغمن الى اليوم وناضح بكل الأفكار التي عرفتها سينماه منذ تلك الفترة والى نهاية عصره الذهبي مع مطلع السبعينات. الطريقة التي يدلف بها بطله العجوز من اليوم الى الأمس رائعة. فلاشباك من دون التمهيد والتقطيع التقليديين. بورغ يجلس في حرش قريب من البيت الذي يقصده وينظر بعيداً. تطلع له حبيبته الأولى. لقطة إليه، بورغ في شبابه. المشهد يفصح هنا عن بعض ما يقلق بال بورغ لذلك يتذكّره. ومنه يلج بورغ الى باقي ذكرياته وما تحمله، مرّة أخرى، من إرهاق نتيجة الشعور بالذنب حيال اختياراته تاركاً حبيبته تختار شقيقه عوضاً عنه. بعض مشاهد الفيلم هي أحلام رآها المخرج في مناماته وأغربها ساعة بلا عقارب كما لو أنها تعبير عن حياة فارغة تنتظر نهاية تماثلها. بعضها الاخر تداعيات من أحلام اليقظة، وأخرى هي مجرد ذكريات. كل ذلك بالإضافة الى الحدث الآني يتجانس في حياكة بارعة تحمل مستويات من العرض والتحليل كلها ممتعة وتؤدي، مثل غرف مفتوحة الأبواب، على بعضها البعض. الفيلم مميّز بسلاسته وأشكاله التعبيرية وعذوبة أداء بورغ مسنّا من قِبل ڤكتور سيوستروم، الذي سبق بيرغمَن للإخراج وأسس، لحد بعيد، السينما السويدية ذاتها. برغمَن سيكتب عن سيوستروم في كتابه اللاحق "حياتي في الأفلام" المنشور سنة
1994

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1962: Winter Light ***1/2 | ضوء شتوي

ملخص: الراهب (غونار بيورنشتراند) في الكنيسة الصغيرة في بلدة ما أمام حضور قليل لا يتجاوز خمسة أشخاص بينهم صيّاد (ماكس ڤون سيدو) وزوجته الحامل (غونل لندبلوم). عقب الصلاة يتقدّم الصيّاد الى الراهب يشكو له مخاوفه من الحرب النووية. لا يعرف الراهب كيف يجيب على ذلك والصياد ينتحر بعد قليل ما يشعل المزيد من الريبة التي كنّا تعرّفنا عليها في ذات الراهب والمتّصلة، بشدّة، حول إيمانه. الراهب في النهاية وحيد في عالم قليل الإيمان وصلاته في آخر الفيلم مسكونة بهواجسه وازدواجيّة اعتقاداته (بين الإيمان وعدمه) ويحضرها سكير ومعاق وعشيقة الراهب غير المؤمنة أصلاً٠

تقييم: يجمّد برغمن المشاهد أمام صوره ذات البساطة والقوّة. تصوير سڤن نكڤست الطبيعي (مقابل ما عُرف عن تصوير فيشر من صنعة) يمد الفيلم بوابل من الأبعاد البصرية الملائمة للمكان (بلدة صغيرة تبدو بلا حياة) والفترة الزمنية (شتاء قاس تنهمر فيه الثلوج) وللأبعاد (شكوك الراهب ودواخله المترددة). في ذلك كله صدى لفيلمه الأسبق »الختم السابع« (كلاهما يتناولان الدين والعنوان السويدي مستوحيان من الإنجيل) وكلاهما يضعان هذا المؤمن/ اللامؤمن بطل الفيلم أمام خطر كوارثي مطروح وواقعي (الطاعون في الفيلم الأول والخطر النووي في الثاني). إنه كما لو كانت الكوارث في شكل اوبئة او حروب هي مفتاح المخرج لطرح اسئلته الوجودية كونها تتعلّق بالموت والموت دائماً حاضر في كل فيلم من أفلام المخرج. الدارسون لسينما برغمن اعتبروا هذا الفيلم الثاني في ثلاثية الطرح الإيماني في سينما برغمن على أساس أن الأول هو »من خلال منظر سوداوي« (1961) والثالث هو »الصمت«، لكن حقيقة أن الموضوع طُرح سابقاً في »الختم السابع« يجعل القضية مفتوحة للنقاش. كالعادة الكثير مما يمكن قوله في علاقة الرجل والمرأة هنا، خصوصاً الراهب وعشيقته. هنا هي أقوى منه وأصلب ولو عبر عدم إيمانها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1963: The Silence *** | الصمت

ملخص: شقيقتان هما آنا (غونل لنبدبلوم) واستر (إنغريد ثولين) يقومان برحلة بالقطار ويصلان الى مدينة في بلد غير مُسمّى ومعهما إبن الأولى. ينزلان في فندق خال من الزبائن تقريباً. آنا إمرأة حسيّة تبحث عن الحب وشقيقتها مفكّرة ومثقّفة مُثلية ومريضة بداء صعب. في تلك الليلة تخرج آنا للبار القريب وتبقى إستر مع الصبي يوهان وذكرياتها وسعالها وزجاجة الخمر. اليوم التالي ترحل آنا وإبنها وتبقى إستر في تلك البلدة وبجانبها خادم يعمل في الفندق٠

تقييم: في مذكّراته كتب برغمن أنه سنوات قبل هذا الفيلم كتب سيناريو فيلم لم يتم تنفيذه دار حول لاعبي أكروبات يتعارفان بعدما خسر كل شريكه في السيرك. لكن ميتافيزيقية المدينة الغريبة التي قد تكون موجودة وقد لا تكون، مستوحاة من حلم: "كنت كثيراً ما أحلم بأني في مدينة غريبة متوجّهاً الى حي وضيع منها حيث كل شيء يمكن أن يحدث وكل شيء يحدث بالفعل. المزعج هو أنني في أحلامي لم أصل مرّة الى تلك المدينة. كان الحلم ينتهي وما زلت في طريقي اليها، او بدخولي حلماً آخر". الفيلم غريب بين كيانات المخرج الى حد بعيد. التعبير عن أزمة فردية وأخرى اجتماعية ربما ليس جديداً في أفلامه، لكن ما هو حسّي وموضوعي في المقدّمة (حكاية الشقيقين) مرمي على خلفية مدينة تشهد حركة عسكرية ما (كان المخرج في زيارة لأستونيا قبل كتابة هذا الفيلم لكن ربما برلين خلال الحرب كانت في البال أيضاً). الصمت، مرّة أخرى، مقصود به ما يفسّره المخرج بصمت الله عما يحدث. لكن المشكلة التي يواجهها هذا الإعتقاد في هذا الفيلم هو أن ما يحدث مشوّه في الأساس. ربما لو أن الفجيعة مجسّدة، دراميا وبصرياً، على نحو أكثر تماسّاً مع هموم المشاهد والزمن، لكان المغزى معبّراً ولو من وجهة نظر المخرج أكثر من سواه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1966: Persona **** | برسونا



ملخّص: الممثلة اليزابث (ليف أولمَن) تنهار خلال عرض مسرحي (لـ "أوديب ملكاً") وتلجأ الى صمت مطبق. يتم نقلها الى مستشفى للعلاج وتقترح ممرّضة أسمها ألما (بيبي أندرسن) أن ترعاها بصفة شخصية في بيتها على شاطيء خارج المدينة. هناك تمضي ألما الوقت في سرد ذكرياتها (وأوجاعها المستعادة) والكشف عن شخصيّتها المركّبة والعميقة ما ينتج عنه تنافر على مستوى نفسي وعاطفي٠

تقييم: التنافر الحاصل بين المرأتين ليس ذاته الذي قد نراه في دراما أخرى. ذلك لأن ما يفرزه تواجد اليزابث وألما في ذلك المنعزل الجميل على الشاطيء (الفيلم بالألوان هذه المرّة والتصوير لا يزال لنكڤست) ليس مجرد كشف الثانية عن تاريخها واستماع الأولى له واهتمامها به، بل شرائح من الإقتراحات تؤدي الى اسئلة لغزية لا إجابات محدّدة لها لأنه لو أجاب برغمَن عنها لانحسر سحر الفيلم وتقوقعت حكايته في معالجة حدثية. من جماليات الفيلم الفلسفية هو التداخل المقصود بين الواقع والخيال، وبين الشخصيّتين أيضاً ما يقترح أنهما واحد، وأن اليزابث -بعدما تم نقلها الى المستشفى- إنما تبتكر شخصية ألما لتعايشها كما لو كانت نصفها المخفي. حين يأتي الحديث على الجماليات البصرية نجد الفيلم يحلّق عالياً كواحد من أفضل أعمال برغمَن كشفاً عن مهارته في استخدام الكادر ومتى ينتقل من شخصية الى أخرى (ليس على غرار من يتحدّث ولا على غرار لقطة مقابل لقطة) كما عن مهارة نكڤست الرائعة في التصوير الشفافي وتوظيفه الإضاءة (طبيعية وداخلية) لتجسيد ما يورده الفيلم من طروحات٠ سبق لي أن نشرت في هذه المجلة، ثم في مجلة »فيلم ريدر« تحليلاً طويلاً عنه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1968: Hour of the Wolf *** | ساعة الذئب

ملخّص: يوهان (ماكس ڤون سيدو) متزوّج من ألما (ليڤ أولمن) ويعيشان في بيت صغير فوق جزيرة مهجورة. يوهان فنان يعاني من جنوحه صوب الجنون. إنه يفقد القدرة على ضبط خيالاته المخيفة الكاشفة عن شروره التي تعتمل في صدره. لا يستطيع كبح »الشيطان الصغير« في نفسه ويبدأ بالإعتقاد بأن أوهامه والوحوش التي تتراءى له إنما حقيقية

تقييم: اعتبره نقاد عديدون فيلم رعب أكثر منه دراما نفسية، وهو بالتأكيد له جذوراً في النوعين٠ في الباطن هو نوع من السرد لمرحلة تساؤلات جديدة طرحها برغمن على نفسه: حول زيجاته المتعاقبة وأولاده الذين لا يعرفهم جيّداً ونوعية فنّه وما يود قوله للناس. بعد »برسونا« أراد برغمن البحث عن مادّة جديدة وكان هذا الفيلم المناقض للفيلم السابق من حيث أن الصراع هنا ليس بين إمرأتين (حتى ولو كانتا تشكّلان إمرأة واحدة مقسومة الى إثنين) بل داخل شخص واحد. هذا ما يؤكّد أن برغمَن انتقل هنا الى البحث في ذاته: كلاهما (هو وبطله) فنان، كلاهما يعاني من أزمة وجدانية (او بالأحرى أزمات) وكلاهما يرى نفسه غير قادر على أن يسيطر على مقدّرات حياته جالباً لعلاقاته تبعات عاطفية وآلاماً. لكن في حين أن بطله ينتهي الى جنون كامل سيطر المخرج على جنوحه والا لما استطاع تحقيق هذا الفيلم، او أي فيلم لاحق. يلفت أيضاً أنه يوصم البرجوازية السويدية بملاحظاته السلبية. ينتقدها وثراءها ويحوّل القصر الذي تعيش فيه (في امتداد للقصّة المسردة هناك صاحب أراض يقيم حفلة يدعو اليها يوهان وزوجته وتتحوّل الى منبع شر مع شخصيات دراكولية وذئاب بشرية) الى إدانة لمجتمع أكبر٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1968: Shame *** | عار

ملخص: السيد والسيدة روزنبرغ (ڤان سيدو وأولمَن) يعيشان فوق جزيرة. عازفان موسيقيان يرعيان حقلاً صغيراً ملحقاً بمنزلهما . الحياة هادئة والسعادة متوفّرة ولو نسبية. هناك حرب قائمة والحرب تصل الى الجزيرة ويُلقى القبض عليهما ويُساقان الى التحقيق. قائد قوّات المقاومة، وأسمه جاكوبي (غونار بيورنشتراند) يطلب من الزوجة ممارسة الحب معه لكي يخلي سبيلهما. بعد إطلاق سراحهما يعلم الزوج بخيانة زوجته وحين تلقي القوّات الغازية القبض عليهما تطلب منه قتل جاكوبي لقاء تخلية سبيلهما فيفعل. مواجهة رزينة بين الإثنين تقودهما الى قرار مغادرة الجزيرة في قارب٠

تقييم: اختيار المخرج إسم روزنبرغ أسم عائلة بطليه قد يُفسّر، مبدئياً، على نحو محاولة المخرج (الذي مثل شخصياته الأخرى محمّل بالشعور بالذنب) للتبرّع بموقف متعاطف مع اليهود (رغم أن الفيلم لا يصفهما مباشرة هكذا) بعدما كانت انتباته، خلال أواخر الثلاثينات ومطلع الحرب العالمية الثانية، مشاعر تأييد للنازية. لكن حتى ولو كان ذلك صحيحاً، فإن حقيقة اختياره إسم جاكوبي لشخصية لا يمكن الشعور بالتعاطف معها، وحقيقة أن رسالة الفيلم المعادية للحرب هي الأطغى، يمنح المشاهد القدرة على تجاوز هذا الوضع إذا ما كان حقيقياً. إنه فيلم قوي في نبرته السياسية المعادية للحرب حتى من دون مشاهد حربية تاركاً للمشاهد تكوين رأيه وتحت تأثير المضمون المتراءى له. على أن الفيلم له وجهين: الوجه الأول حول ما يقع لآل روزنبرغ من محنة، والثاني لما يقع لهما بعد انحسار الحرب. المحنة الأولى تدهمهما وهما على قناعة بأن اللا-موقف من الحرب هو الموقف الصحيح (وهذا داء بشري منتشر في أركان العالم الأربعة اليوم أكثر مما مضى) لذلك بعض ما يقع لهما يبدو كما لو كان رغبة المخرج في إدانتهما (وسواهما في الصالة) لهذه اللامبالاة. المحنة الثانية تقع حين يعودان الى حياتهما »الطبيعية« فإذا بها لم تعد طبيعية على الإطلاق. ينفجر الوضع بعد مشهد نراهما فيه يعملان في الحقل صامتين. كل محمّل بتبعات ما قام به (الخيانة، القتل)٠ الحرب الفييتنامية كانت دائرة حين أنجز هذا الفيلم لكن برغمن لم يسمّها ولم يعرّفنا بأي من المتحاربين لكي يضمن شمولية الرسالة. في مذكراته يُبدي إعجاباً أقل بالمحنة الأولى (الحرب الأكبر) وإعجاباً أكبر بالمحنة الثانية (الحرب الصامتة بين الزوجين) وهذا مفهوم بسبب تفضيله العمل على الثيَم الصغيرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1968: Passion of Anna **** | عاطفة آنا

ملخص: أربع شخصيات فوق جزيرة (جزيرة فارو التي كان للمخرج فيها منزلاً) يعيشون حالات عاطفية متباينة. أحد هذه الشخصيات هو أندرياس (سيدو) الذي تركته زوجته وجارته التي تعرج آنا (أولمن) آنا التي تدّعي أن زوجها تركها، ثم إليس (إرلاند جوزفسون) وزوجته إيفا (بيبي أندرسن). كلما تشابكت العلاقات كلّما تفتحت عن خلفيات ومفاجآت من بينها سبب عرج آنا والماضي الذي تحاول أن تخفيه حول زوجها٠

تقييم: »عاطفة آنا« هو ما أراد برغمن تنفيذه في »العار« ولم يستطع: الحرب المدمّرة داخل شخصياته عوض التعامل مع حربين كبيرين٠ أبطاله هنا، كأبطاله جميعاً، مثل بركان لا تشعر بوجوده في مطلع الأمر لكنك بعد قليل تدرك أنه هناك وتتوقّع له أن ينفجر. وإنفجاره يترك شروخاً على الشخصيات. تلك الجروح الداخلية تخرج الى العلن. لكن هناك متوازيات أخرى بين الفيلمين استرعت انتباهي حين شاهدتهما مؤخراً بهدف الكتابة عنهما: الملامح التصميمية للمكان ولمعالجة المكان هي ذاتها. الجزيرة التي يعيش عليها أبطاله في كلا الفيلمين تصبح الكيان المصغّر لعالم هو المنعزل وليس أبطاله فقط. ما يقع في هذا العالم المصغّر لا يستدعي إنتباه أحد، لكنه بذاته عيّنة مما يقع بعيداً عنه. بذلك المشهد الأخير للفيلم السابق حيث سيدو وأولمن يمضيان في المركب تاركين الجزيرة يبدو مشهدا تائهاً بين نهايات أفلام برغمن من حيث أن شخصياته مهتزّة وستحاول أن تجد راحتها خارج المكان الذي اعتبرته سابقاً بمثابة جنّة صغيرة. هنا كيان الجزيرة يحتمل بعداً آخر هو ذاته كيان الجزيرة التي في »ساعة الذئب« مثلاً: إنها المكان المثالي للموت. شخصيات يهدر ما في داخلها ثم ينفجر وحين ينفجر تموت (ميتافيزيقيا) بالطبع. لا شيء على ما هو عليه فيما بعد. الفيلم ملوّن وهو ليس أوّل فيلم يخرجه برغمن بالألوان، لكن برغمن اعتبره أول فيلم ملوّن لعبت فيه الألوان دوراً أساسياً أخرجه٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1971: The Touch ** | اللمسة

ملخّص: ثلاث شخصيات (الرابعة تنضم لاحقاً) في علاقة ثلاثية الأطراف: كارين (بيبي أندرسن) متزوّجة من أندرياس (ڤون سيدو) من خمسة عشر سنة ولديها طفلين وسعيدة بحياتها. فجأة يحط ديفيد (إليوت غولد) ويقلب هذه السعادة من دون أن تدري، فهي اكتشفت بوجوده أن سعادتها لم تكن متكاملة كونها لم تفهم نفسها من قبل. إذ ترتبط بعلاقة معه تكون هذه العلاقة مدخلاً لاستكشافه هو أيضاً٠

تقييم: بعد كل أفلام برغمن التي استوعبت مثل هذه الحالات النفسية/ العاطفية يأتي »اللمسة« برغبة متجددة لكن القليل منها مبرر كونها رغبات سبق للمخرج أن تعامل معها وعلى نحو أفضل. جزء كبير من المشكلة يكمن في السيناريو، كما أعتقد. لأن الفيلم في فترة تأسيسه للشخصيات وللأحداث الطارئة لا يبتعد عما ابدعه المخرج من قبل في هذا المجال. الإقتراب الراصد الذي يعد بأن الأمور ليست كما تبدو من الخارج. لكن حين يصبح على السيناريو أن يتطوّر لنقلة أخرى، يفقد ضرورته بسبب كم النتائج التي تفرزها تلك العلاقة: فديفيد يعاني من الذاكرة (قتل النازيون كل عائلته باستثنائه وشقيقته) وكارين واقعة في حبّه لدرجة اللحاق به الى لندن لتصارحه، كما في أي فيلم أقل مستوى من أفلام برغمن، بأنها حامل، ثم لتكتشف أنها لا تستطيع أن تعيل على ديفيد لأنه ليس شخصاً متّزناً بل ربما كان جانحاً صوب الجنون. هذا كله من بعد أن نسمح لأنفسنا قبول مبدأ أن حبها له كان من الكبر بحيث تلقّت معاملته الخشنة لها بكل رضى. الفيلم الأول لبرغمن بالإنكليزية وربما هناك ظروفاً دفعت لهذه الفوضى المركّبة. تمثيل أندرسن يعلو فوق كل الإداءات الأخرى. برغمَن يعترف أن النتيجة الفنية هي أقل مما طمح إليه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1972 : Cries and Whispers **** | صرخات وهمسات

ملخّص: ثلاث شقيقات يجتمعن في المنزل الكبير لإحداهن التي تعاني المرض وعلى حافّة الموت. وضعها لا يساعد الشقيقتين على إعادة النظر في سلوكياتهما الخالية من الحنان لا تجاهها فقط، بل تجاه بعضهما البعض، كما أن موتها، بعد طول صراع، سوف لن يغيّر من وضعيهما شيئاً٠

تقييم: خطوة مختلفة على أكثر من صعيد وفي ذات الوقت هذا هو إنغمار برغمَن كما عهدناه. هنا يعود الى مطلع القرن الثامن عشر والى منزل لعائلة ثرية لكنه يجلب الى الواجهة ثلاث شقيقات ويطلب منهن أن يعرّين أنفسهن، مجازياً، أمام الكاميرا. المناسبة هي الموت المرتقب لآغنس (هارييت أندرسن) أطيبهن وأفضلهن لأن كارين (إنغريد ثولين) المكبوتة عاطفياً والمتزوّجة من رجل لا تحبّه بينما ماريا (ليڤ أولمن) لا زالت غير قادرة على النضج (رغم عمرها) والعالم بالنسبة اليها يتألّف منها أساساً. متزوّجة أيضاً لكنها ليست راضية. كما في »برسونا« حيث تتواجه إمرأتين وكما في »الصمت« حيث تتواجه شقيقتان، هناك مواجهات تعكس أزمات او تنتج عنها. برودة الشقيقتين كارين وماريا حيال شقيقتيهما تقابلها عاطفة أمومية تمنحها الخادمة الآتية من عائلة مزارعين فقيرة آنا (كاري سيلفن) التي تكشف عن ثديها وتضع رأس أغنس على صدرها لتشعرها بالألفة والحنان المفقودين. ليس شذوذاً ولا حتى إيحاءاً بذلك، بل عطف مغدق هو الراحة الأخيرة لأغنس قبل موتها٠ الفيلم من تصوير نكڤست كالعادة، لكن هذه المرّة الصورة غارقة في اللون الأحمر الذي يعبّر، حسب المخرج، عن الروح المتحفّزة أكثر من سواه. اللون الثاني الطاغي هو الأبيض. نسائه (حتى الخادمة في ذلك المشهد الذي يتمشيّن فيه في الحديقة الكبيرة) يرتدين الأبيض الذي كما هو لون ملائكي بالنسبة لبعض هذه الشخصيات، هو لون خادع بالنسبة للبعض الآخر. لكن المشهد الآنف الذكر له مدلول آخر: سرداً يقع المشهد بعد أن تلفظ كارين نفسها فعلاً، لكن في الوقت ذاته، هي لم تغادر المكان. ميّتة لكنها موجودة وتطلب من شقيقتيها حناناً، لكن شقيقتيها مشلولتان. ليس لديهما ما يمنحانه. بذلك يعمد المخرج الى الدخول والخروج بين الموت وبين الحياة ليمنح المشهد، كما الفيلم بأسره، وضعاً خاصّاً لا يُنسى٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1973: Scenes From A Marriage ***1/2 | مشاهد من زواج

ملخص: بروفسور يوهان (ارلاند جوزفسون) متزوّج من المحامية ماريان (ليڤ أولمان) وكل شيء يبدو على ما يرام في الوهلة الأولى الى أن يتورط الأول بعلاقة مع إمرأة أخرى خلال رحلة عمل. يحاول أن يواصل حياته كما كانت لكن الحادثة تترك تأثيرها. في ذات الوقت هناك صديقان متزوّجان أيضاً (يان مالمسيو وبيبي أندرسن) والعلاقة متوتّرة بينهما أيضاً

تقييم: قام المخرج بتوليف هذا الفيلم من حلقات تلفزيونية بلغت ست ساعات من دون أن يبدو أي أثر للأصل على العمل. بعض ذلك يعود -طبعاً- الى أن المخرج يمارس الفن الواحد في كلا عمليه بما يحمله ذاك من تصاميم اللقطات واللغة البصرية. بين كل أفلامه، هذا العمل هو النموذجي على صعيد ما طرحه من علاقات بين الأزواج وكيف أن السائد ليس بالضرورة ما يتفاعل تحت السطح وأن الحب ربما كان نتيجة قسوة النفس على صاحبها والمشاعر المكبوتة هي كذلك لأن الخوف من المواجهة أبدي. لكن المواجهة تقع والأحاسيس العميقة تتجلّى أمام المتابع على نحو يذيب ما هو سويدي ليحل محله ما هو إنساني. فيلم برغمَن هذا هو أكثر أفلامه القديمة وضوحاً من حيث سلاسة عرضه من دون أن يتخلّى عن العمق والبعد . والتمثيل رئيسي هنا كما في كل فيلم آخر وجزء من التكوين الصوري الذي لا غنى عنه كما لو أن الإداء والحركة نابعان من الحياة المصوّرة ذاتها وليس من تشخيص لطرف يؤدي ويمضي. بعد ثلاثين سنة عاد المخرج الى هذا الفيلم في إطار آخر أعماله »ساراباند« ليتابع الحديث عن ماريان ويوهان بعدما تجاوزا منتصف العمر ولو أن المعضلات النفسية لا زالت تتفاعل في ذاتيهما٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1978: The Serpent's Egg ** | بيضة الأفعى


ملخص: برلين سنة 1923. آبل روزنبرغ (ديفيد كارادين) فقد شقيقه الذي انتحر والبوليس يرتاب في أنه تسبب في مقتله كما في جرائم تقع في الحي الذي يعيش فيه. آبل يرتبط بعلاقة غرامية مع عاهرة ومغنية أسمها مانويلا (ليڤ أولمَن) وخلال أسبوع يكتشف أن النادي الليلي الذي تغنّي فيه هو وكر للنازيين الذين حوّلوا غرفاً سريّة فيه الى خلية علمية تستخدم البشر في عملها ما يكشف جرائم القتل٠

تقييم: هناك الكثير من الأخطاء التي وقع فيها برغمَن هذه المرّة وكلها تجمّعت في أنه اضطر للتخلّي عن مملكته السويدية ليحقق فيلمه الأول خارج بلاده. من المفترض أن لا يكون ذلك عاملاً مؤثراً، لكن العمل مع هوليوود من ناحية والمرور بأزمة ماديّة سببها مطاردة مصلحة الضرائب له من ناحية أخرى، أثّرا على اختياراته. فما يبدو لهذا الناقد من بعيد (إذ لم يقرأ شيئاً يُذكر عن المرحلة والظروف التي سادت صنع هذا الفيلم) هو أن الحاجة لنقلة عالمية من ناحية والحاجة للحفاظ على المزايا البرغمانية من ناحية أخري عطّلا العملية بأسرها. أحد المشاكل هي أن الفيلم أراد تسجيل ما دار في العشرينات (ألمانيا خرجت من الحرب الأولى، المد النازي بدأ الخ... ) من وجهة نظر يهودي هو ذاته في خطر. لكن الفيلم يخفق، بسبب سعته وكثرة مفارقاته على الأرجح، في توفير بطله كشاهد عيان وتبنّي وجهة نظره. شيء من الرغبة في سرد خارج إطار الأزمات النفسية المعبّر عنها بأقل قدر من الأحداث الكبيرة، عرقل الرغبة الأسبق في تقديم الحكاية من وجهة نظر ضحيّتها. النتيجة أن الفيلم، المشغول جيّداً كتصوير وكتصميم إنتاجي وفني، لا يملك الناصية الدرامية الصحيحة ويضيع في توهان بطله عوض أن يوظّفه لبلوغ غاية. الفيلم يحتج إنما على نحو مباشر وأحيانا زاعق والأفدح أن المخرج كان يعلم أن أفضل تعابير الغضب والإحتجاج هي تلك التي تتم في صمت. لقد جرّب ذلك طوال حياته ونجح. حين كتبت عن الفيلم لأول مرّة لمجلة عربية كانت تصدر من لندن آنذاك، وجدته تحيّة للضحية اليهودية، لكن مشاهدته مرّة ثانية بيّنت لي أن هذه التحية، وإن وجدت، الا أنها ممزّقة، مثل رسالة ثناء كتبها صاحبها ولم يبعثها٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1978: Autumn Sonata **1/2 | سوناتا الخريف


ملخص: فنانة كانت هاجرت الى أميركا (انغريد برغمَن) تعود الى وطنها الأوّل حيث كانت هجرت أولادها وتلتقي بإبنتها إيفا (ليف أولمَن). في البداية يأتي اللقاء حارّاً عاكساً رغبة كل منهما في اللقاء وتجاوز الماضي، لكن الإبنة لا تستطيع أن تنسى ما سببته أمها من معاناة حين هجرتها٠

تقييم: فيلم خروج برغمَن من ورطته السابقة هو ثاني فيلم له خارج بلاده، لكن خارجها الى بلد قريب هو النروج حيث تعود الفنانة شارلوت (انغريد برغمن تحمل اسم العائلة نفسها لكنها ليست قريبة المخرج وهذا كان فيلمها ما قبل الأخير قبل وفاتها) لتزور إبنتها. الفكرة مناسبة أخرى من برغمَن لمواجهة صادمة بين شخصين واحدة تحمل في داخلها الشعور بالذنب (الأم) والثانية تحمل في داخلها الشعور بفقدانها الحنان حين كانت تحتاجه. من البداية تعرف الى أين سيتّجه الفيلم نظراً لأن برغمن لا يضيف جديداً على هذا الصدام الآيل للحدوث. إنه عالمه السابق حول تلك المرايا التي ينظر فيها أبطاله ليكتشفوا أنفسهم. المشكلة هي أن هذه المرآة تبدو شاحبة وقديمة. التمثيل من المرأتين يبقى حادّاً لكن لا شيء آخر في الفيلم كذلك٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1980: From the Life of the Marionettes ** 1/2 | من حياة الماريونيت

ملخص: يرتكب رجل الأعمال الثري بيتر (روربت أتزورن) جريمة قتل مومس (ريتا روزيك) ويحاول، مطلع الأمر التبرأ من التهمة خلال التحقيقات التي تشمل أيضاً زوجته وطبيبه النفسي٠

تقييم: برغمَن في فيلم نموذجي له باحثاً عن الدوافع النفسية وراء قيام شاب، ورد من طبقة مثقفة وثرية، بقتل عاهرة لا يعرفها. القصة مأخوذة عن واقعة حقيقية، لكن برغمَن لا يرويها ـ لحكايتها ـ بل يستند إلى نفس طريقته في سبر غور النفسيات التي يعالجها وتركهم يتحدثون عن ماضيهم وأحاسيسهم الداخلية في قليل من الثقة. حقق المخرج هذا الفيلم لحساب التلفزيون الألماني الذي باع حقوقه السينمائية ما أدّى لعرضه عالمياً مستنداً الي الإسم الكبير الذي يحتلّه المخرج بين هواة السينما والمثقّفين عموماً. لكن، وكما الحال في الفيلم السابق »بيضة الأفعى« تختفي طينة برغمَن التقليدية وتفقد لمستها وبعض سحرها. الشخصيات التي نطالعها مدفونة في فيلمه السابق »مشاهد من زواج« ذلك لأن المعضلة القائمة ليست بين بيتر والعاهرة، بل بين بيتر وزوجته والعاهرة هي ضحيتها المفاجئة. عانى الفيلم من حذر المموّلين. لا المموّل الألماني لفيلم برغمَن السابق »بيضة الأفعى« رغب في إعادة التجربة معه، ولا الممول الأميركي لفيلم برغمَن الآخر »اللمسة« تحمّس للمشروع. لكن على الرغم من أن الإنتاج تلفزيوني ألماني بحت الا أن في الفيلم ما يكفي لنقل الشخصيات من طبيعتها الألمانية الى السويدية لأن برغمن كاتباً لم يكن في وارد التخصص في "ألمانية" العمل لمجرد أنه يحقق فيلماً بالألمانية وهذه تُحسب له بكل تأكيد٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1982: Fanny and Alexander ** | فاني وألكسندر


ملخّص: عيد ميلاد في بلدة سوي ألكسندر وشقيقته فاني يترعرعان في كنف عائلة كبيرة . يموت والدهما وتتزوّج أمهما من رجل آخر أكثر شدّة. في بحثهما عن ملجأ آخر يتّجهان الى صديق العائلة اليهودي قبل أن يعود ألكسندر وشقيقته الى كنف العائلة وقد ازدادا معرفة٠

تقييم: سابقاً ما صرّح برغمَن بأن هذا الفيلم ليس سيرة ذاتية، لكن صرّح أيضاً بأن الفيلم مستوحى من مرحلته صبيّاً. في شتّى الأحوال، الفيلم أشبه بالسيرة الذاتية كون المخرج يلاحق بطليه (التركيز على الصبي ألكسندر) بكثير من التعاطف والرقّة مصوّراً ردّات أفعالهما على المحيط الأسروي. عالم الكبار المسيحي هنا على تقلّباته بين زوج أم صارم (هذا من خلفيات برغمَن نفسه) وأم لا تستطيع تأمين سعادة ولديها خشية زوجها القسيس وتاجر الأنتيكات اليهودي (كما لعبه أرلاند جوزفسون) هو شيء من الحلم والفانتازيا كونه يمارس بعض السحر في بيته الصغير. سحر يجذب الولدين الى عالم الخيال بعيداً عن الواقع. الفيلم أكبر حجماً من معظم أعماله (اي باستثناء »صرخات وهمسات« و»بيضة الأفعى« من حيث مساحة الحدث ونوعية الإنتاج) لكنه لا يزال يحوي كل تلك البرغمانيات الخاصّة من مشاهد تعكس أزمات الى أخرى تتسلل الى عمق الشخصيات، ومن مشاهد تكشف عن الماضي وشعور الذنب الى أخرى يبدو فيها ألكسندر يتحدّث فيها مناجيا ذاته . في مرحلة لاحقة يتدخّل الخيال في الحكاية محتلاً مساحة أكبر من تلك المؤلفة من السيرة او ما يشابهها. فألكسندر هنا يتمنّى موت زوج أمّه وفي نفس الليلة يقع قنديلاً في غرفة شقيقة الأسقف المقعدة وتنتشر النار في كل البيت. والدة الطفلين كانت تستطيع إيقاظ زوجها في الوقت المناسب لكنها لا تفعل. من ناحية أخرى، فإن مشاغل برغمَن القديمة الأخرى تعاود الإطلال من جديد: شكوكه في الخالق سبحانه وشعوره بالذنب كونه كان تحمّس للنازية في الثلاثينات، تعلّقه بفن العرائس والمسرح فيما بعد. وكل ذلك في الرونق الأنيق للفيلم البرغماني من حيث التفاصيل وتعامله مع الفترة حدثيا كما تعبيرياً والإنتباه الى دقائق الأمور وعناصر الإنتاج وعناصر الصورة (تصميم المناظر والألوان الخ...). بذا يستعيد برغمن هنا ما كان خسره مؤخراً من تلك الخصائص حين أم »بيضة الأفعى« مثلاً. ما يُثير إشكالاً هو تصدّيه للدين على أساس أنه ثورة غامرة في ذات ألكسندر معبّر عنه إثر تساؤل قلق يطرحه. لكن بحكم سنّ ألكسندر فإن القبول بتبنّي الفيلم هذا التعبير يبدو مريباً. كان يمكن مثلاً إبقاء تلك الشكوك مطروحة من دون تبنّيها او تصوير ألكسندر كما لو كان في ذلك السن الصغير أدرك موقعه المناقض للدين. كذلك فإن قيمة الطرح الديني المعادي لفكرة وجود الخالق (بناءاً على شخصية القسيس المتشدد وحدها) تتعرّض للإهتزاز حال تقديم برغمَن لشخصية اليهودي وشقيقه إسماعيل لأن الرفض المطلق الذي يدّعيه الفيلم لا يشمل رفض الديانة اليهودية أيضاً فهي، في الفيلم، تبقى مقبولة وخشبة خلاص للروح المعذّبة٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1984: After The Rehearsal **1/2 | بعد التمارين

ملخص: ثلاث شخصيات تتحدّث فيما بينها عن المسرحية التي يقدّمونها وعن خلفياتهم الحياتية وذكرياتهم الصغيرة منها والمهمة٠

تقييم: عودة الى عالم برغمن الصغير والمبسّط: مخرج بعد انتهاء التمارين يجلس على المنصّة وسط الديكور وكل شيء حوله يذكّره بشيء من قبل واليه تنضم ممثلة شابّة ثم ممثلة أخرى أكبر وما يتبادله الثلاثة هو الدواخل النفسية والعاطفية التي في كل ذات من ذواتهم. هذا انتاج تلفزيوني (بعدما كان المخرج أعلن أن »فاني وألكسندر« هو آخر فيلم سينمائي له) وُزّع سينمائياً حول العالم لكنه لم يلق ذات الصدى لأفلام المخرج السويدي السابقة. على ذلك، الفيلم شريحة من برغمَن كما كل من أفلامه وأسلوبه في تناول الحكايات واللعب بين ما يخرج من الذات وما يدخلها مُمارس بيد خبيرة رغم خلوّه من الجديد٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2003: Saraband ****** | ساراباند


ملخّص: تقرر ماريان (ليف أولمن) زيارة زوجها السابق يوهان (إرلاند جوزفسون) لتجد نفسها تواصل رحلة كانت بدأت بينهما وفي ذات الوقت وسط مشكلة قائمة بين الأب وإبنه (الثاني يتّهم الأول بافتقاره الى الحنان ما أدّى بالإبن الى حياة غير مستقرّة عاطفيا) ولاحقاً بين الإبن وزوجته٠

تقييم: العودة مرّة أخرى الى شخصيات »مشاهد من عرس« تفرز شخصيات هذا الفيلم المثيرة للإهتمام وتمنح هذا آخر عمل عُرض لبرغمن سينمائياً (وهو بدوره إنتاج تلفزيوني) كل الخصائص التي تذكّر بأفضل أعماله السابقة. كل ما تشكّلت من اللقطة في أفلام برغمن الكلاسيكية وما أوحت به وسبرته من دواخل نفسية متوفّر هنا لجانب التمثيل الرائع من كل ممثليه. المناجاة التي في هذا الفيلم تأخذ أشكالاً متعددة من بينها النظر الى الكاميرا في شكل اعترافات، ومن بينها تأليف سبل دخول مشاهد من الفيلم عبر جعل الصورة الفوتوغرافية التي بحوزة ماريان تفتح الباب أمام المزيد من الذكريات/ الحكايات. موهبة المخرج الرائعة في الإستفادة من اللقطة والمسافة التي تفصلها عن الوجوه وتشكيلها الفني تمنحها العمق وتساعد على ولوج شخصياته في اهتمام يتزايد من مشهد الى آخر لأن ما يفتحه المخرج، كما في أفضل أعماله السابقة، يؤدي الى مساحات جديدة عليه المضي فيها. حين خرج الفيلم (العرض العالمي الأول في مهرجان "كان" خارج المسابقة) تحاشاه عدد كبير من النقاد الغربيين كون معظمهم جدد يعتبرون السينما التي ينتمي اليها برغمَن، وبل برغمَن نفسه، انتهيا. لكن الفيلم بعد سنوات قليلة من إنتاجه يتبلور أكثر كعمل ذهني وبصري من الصف الأول. هناك قدر من الإعتماد الكلّي على التصوير الداخلي لكن المخرج كان بلغ من العمر عتيّاً ما يمكن معه السماح له بذلك٠



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠