Sunday, January 31, 2010

The Book of Eli | Edge of Darkness | When In Rome | Sundance Films |

Year 1, Issue 51

 مناظر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Book of Eli

الأرقام الموضوعة أمام كل فيلم هي لتسهيل مهمّة الأرشفة ولو أنني لا أعرف كيف سأفعل ذلك. هي أيضاً لإحصاء عدد الأفلام التي سأقوم بالكتابة عنها من مطلع هذا العام حتى نهايته من دون الإضطرار للعد في الشهر الأخير من العام. وهي ليست عدد الأفلام التي شاهدتها. مثلاً خلال هذا الشهر شاهدت 41 فيلما ما بين أفلام جديدة في الصالات (11) وأفلام في مهرجان سندانس (15) وأفلام جديدة على أسطوانات وهي ليست مطروحة رسمياً بعد لكنها وُزّعت علينا لترشيحات الغولدن غلوب (5) والباقي (10 أفلام قديمة لم أرها من قبل٠
لا أرى ذلك أمراً مختلفاً عن موظّف عليه أن يواجه 41 زبوناً في الأسبوع (او إذا ما كان موظّفاً في أحد المصارف 41 زبوناً في اليوم) او الطبيب الذي عليه يعاين هذا العدد او أقل أو أكثر في الفترة ذاتها. أقصد أن المشاهدة المكثّفة من قِبل الناقد أمر يعود الى تخصصه وعمله، وليس ترفاً او محاولة للبرهان على شيء. على العكس الناقد مُطالب منه أن يرى كل شيء يستطيع الوصول اليه قديما او حديثاً والا فإن تخصصه أمر فيه تفاوت في أفضل الأحوال

مازالت المشكلة التي أواجهها هي في الوقت. كيف أنجز كل أسبوع عدداً يحمل ما شاهدته وكيف أنوّع بينها وكيف سيصل كل هذا الجهد الى القاريء. في هذا الشأن أرجو أني أصيب أكثر مما أخطأ٠
 أمر آخر عليّ ذكره. ودّعت شكل العواميد الثلاثة الذي كنت طبّقته هنا على غرار ما فعلت في "ظلال وأشباح" وذلك للأسباب نفسها: العامودان (في الشكل السابق) كان من الصعب ملئهما والصورة أحسستها دائماً مضغوطة، كذلك الكلام. الشكل الجديد هو "سينما سكوب" بالمقارنة. لكني عمدت الى ذلك الشكل السابق لأنه شكل مجلة. طبعاً كانت تتطلّب وقتاً أكثر مما أستطيع توفيره. ربما هذا العام (في منتصفه او قرب نهايته) أنتقل الى تأسيس موقع، إذا ما وجدت سبيلاً ووقتاً الى ذلك  لكن الآن هذا هو الشكل الجديد وأرجو أن ينال إعجاب المشاهدين... أقصد القرّاء
حسب الشكل الجديد فإن صالة ب انتقلت الى العمود الى اليسار كذلك تمّ "إفتتاح" صالة ثالثة لعرض سلاسل وتظاهرات مختلفة كل أسبوع٠
أرجو أن يعجبكم العرض٠

SALLE A
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 17 # ــــــــــــــــ
The Book of Eli ***1/2 |  كتاب إيلاي
فيلم الأخوان هيوز أكثر من مجرد فيلم كوارثي آخر عن الحياة بعد دمار الأرض. إنه ع رجل يكافح لرسالة إنسانية مع كوفية فلسطنية

إخراج : ألبرت وألن هيوز

      ممثلون رئيسيون: دنزل واشنطن، غاري أولدمان، ميلا كونيس

       [كوارثي/ مستقبلي/ أكشن]
 ...........................................................................................................

في المشهد النهائي لفيلم "كتاب ايلاي" تقترب يد تحمل الإنجيل من رف كتب مصفوفة لتضع الكتاب على ذات الرف. إذا نظرت الى يسار الشاشة ستجد نسخة عربية من القرآن الكريم موضوعة بعناية فوق الكتب المصفوفة ذاتها. تتابع العين حركة الكاميرا المنصبّة على حركة اليد التي تحمل الإنجيل والمتقدّمة صوب رف المكتبة وترقب المكان الذي اختارته تلك اليد (ومن ورائها الإخراج) فإذا به وسط كتابين: نسخة أخرى من القرآن الكريم (إنكليزية) الى اليمين والتلمود الى اليسار. الإنجيل يوضع بينهما وينتهي الفيلم على الكتب الثلاثة تقف جنباً الى جنب٠
ومع هذه الرسالة الإنسانية العميقة ينتهي فيلم "كتاب إيلاي" الذي أخرجه الأخوين هيوز والذي، مثل أفلام أخرى ظهرت في الأعوام القليلة الماضية، يدور فوق كوكب الأرض من بعد أن تم تدمير الحياة الحالية بالكامل تقريباً. انهارت الحضارة المدنية والصناعية وكافّة أشكالها وبناءاتها الإنسانية وتحوّل البشر الذين بقوا على قيد الحياة الى مجتمعات صغيرة منقادة نحو المزيد من تدمير الذات. آخر هذه الأفلام كان "الطريق" لجون هيلكوت عن رواية كورماك مكارثي الذي يلتقي وهذا الفيلم في أن العالم فقد شمسه وماءه ونقائه وتحوّلت سماءه الى رماد وأشجاره الى ألواح عارية. كما يلتقي مع هذا الفيلم في أنه منطلق في رحلة. في "الطريق" هي رحلة لشخصين، رجل وإبنه، في "كتاب إيلاي" هي رحلة لشخص واحد. اختلاف آخر ليس لصالح "الطريق" هو أن الغاية من الرحلة في ذلك الفيلم غير واضحة باستثناء السعي للبقاء على قيد الحياة، أما في هذا الفيلم فهي رحلة لإيصال رسالة الى بقعة مدنية وحيدة لا زالت تتنفّس قدراً من العلاقة الإنسانية وأسبابها. هذه البقعة (على أشلاء سان فرانسيسكو) هي التي سينتهي اليها الفيلم٠
في جانب من جوانبه، فإن "كتاب إيلاي" هو فيلم أكشن على قارعة الطريق. يبدأ ببطله إيلاي دنزل واشنطن وهو يمشي (من ثلاثين سنة مضت على الكارثة الكونية)  ملتحفاً بالكوفية الفلسطينية (ومغزاها واضح) في طريقه من شرقي اميركا الى غربها عازماً الوصول الى نقطة نهائية يسلّم عندها الكتاب الذي يحمله والذي سيحدد تعاليماً يستطيع الإنسان إذا ما اعتمدها أعاد تعمير الحياة على أسس سليمة. من هذه الناحية، دنزل واشنطن، في دور البطولة، هو نوع من مسيح جديد يحمل الإنجيل ويدافع عنه ضد قطّاع  طرق وعصابات وآكلي لحوم بشر لكن الفيلم ليس رعباً ولا توجد فيه مشاهد لأكل لحوم البشر (كما هو الحال أيضاً في "الطريق"). بل أنه يحمل حتى مشاهد الأكشن التي فيه على نحو متمهّل ومحسوب. لا يضيف إليها المؤثرات الكبيرة ولا يحمّلها بالموسيقا والمؤثرات الصوتية المضجّة بل يضعها في إطار لا يبتعد عن الموازاة الطبيعية مع الفترة التي تقع فيها الأحداث. بكلمات أخرى، لو أن السينما عاشت لتصوّر هذا الفيلم في حياة ما بعد موت الأرض، كما يفعل هذا الفيلم، لكانت ستطرح أفلاماً على هذا النحو القشيب بإفتراض أن الاستديوهات الكبيرة دُمّرت أيضاً بفعل الكارثة التي أطاحت بمعظم أشكال الحياة٠

 غاري أولدمان بين جنيفر بيلز (اليمين) وميلا كونيس

الأخوان هيوز يتجاهلان الإثارة الصوتية والبصرية المؤلّفة من مؤثرات خاصّة ومونتاج صوتي، ويعمدان الى مشاهد أكشن فيها حس الكوميكس  ومعالجة الوسترن، او بتحديد أكثر، السباغتي وسترن. النتيجة جيّدة بصرياً وتنفيذياً مع هنّات لم يكن يجب أن تقع مثل التلاعب بالمسافة بين ايلاي وأحد المجرمين في مشهد معارك، ومثل توزيع الممثلين الكومبارس في ذات المشهد والإستغناء عن منح اللقطات الراصدة للتفاصيل الصغيرة مكانها. لذلك نرى  أن اكتشاف الفتاة سولارا التي ستصاحبه في جزء من مشواره، وتقوم بها ميلا كونيس ثابتة حضوراً جيّداً،  لوجود كتاب "ما" في حوزة ايلاي ما يدفعها للرغبة في معرفة محتوياته ،  لا يحدث بطريقة مقنعة. يبدو الأمر كما لو أن ايلاي رغب في لفت نظرها إليه بمحاولة مفاجئة لاخفائه علماً بأنها لم تر الكتاب الا حين حاول إخفائه. ذلك ناتج عن التغاضي عن ميزنسان داخل المشهد كان يمكن من خلاله أن يلحظ ايلاي أن الغطاء انحسر عن الكتاب فيحاول، حينها فقط، إخفاءه٠
المستقبل هو الماضي، كتصاميم إنتتاجية وألوان في هذا الفيلم كذلك في "الطريق" و"زومبيلاند" وشيخ هذه الأفلام "ماد ماكس" [جورج ميلر/ استراليا 1979] وهذا منطقي لأن كل الإنجازات الصناعية والتقنية ستنضوي تحت تراب الكارثة الكبيرة٠
تبعاً لتلك التصاميم الإنتاجية التي تنص على أطلال لمباني وبلدة صغيرة وبضعة منازل في العراء، فإن الفضاء يتحدّث إلينا في هذا الفيلم معبراً عن وجوده. مثل الوسترن القديم هناك فضاء كامل لكي تستلهم منه بينما تتابع في المقدّمة شخصيات الفيلم وما تقوم به. الى ذلك، فإن التصوير بكاميرا "رد وان" (تصوير دان بيرجز) لا يشي بأنه دجيتال. معظم المشاهد خلال النهار، لكن حتى تلك الداخلية مشبعة وجيّدة الإضاءة باستخدام النور الطبيعي او ما يماثله٠
حين يصل إيلاي الى بلدة صغيرة، يصطدم بزعيم لها يبحث عن الكتاب ذاته لكي يبني عليه إمبراطوريّته. إنه يريد أن يعرف الوسيلة ليس اقتداءاً بالروحانيات والتعاليم الإنسانية بل لاستعارة المنهج التي أمكن للحياة الماضية أن تنشأ عليه. سريعاً ما يجد ايلاي نفسه ضد عصابة ذلك المترأس  تساعده الفتاة التي تواصل حمل رسالته فيما بعد٠
المشهد الأخير المشار إليه في مطلع هذا النقد رسالة تدعو للتواصل بين الأديان السماوية الثلاث. لقد وضع الأخوين هيوز ايديهما على الرسالة المثلى في هذا العالم العنيف الذي نعيشه ودعيا الى التآخي في الوقت الذي ينضم فيه عملهما هذا الى سلسلة عريضة من الأفلام الحديثة التي أدركت أن الخيال العلمي والخيال المستقبلي نسيجان جاهزان لتقديم مضامين وأبعاد بالغة الجدّية٠    

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
DIRECTOR: The Hughes Brothers (Albert & Allen). CAST: Denzel Washington, Gary Oldman, Mila Kunis,  Ray Stevenson, Jennifer Beals, Evan Jones, Joe Pingue, Tom Waits. SCREENPLAY: Gary Whitta. CINEMATOGRAPHER: Don Burgess [Digital- Color], EDITOR: Cindy Mollo (118 mins). PROD. DESIGNER: Mindy Marin. MUSIC: Atticus Ross, Leoplod Ross, Clasudia Same. PRODUCERS: Broderick Johnson, Andrew A. Kosove, Joel Silver, David Valdes, Denzel Wahsington. PROD. COMPANY: Alcon Entert. / Silver Pictures [USA- 2010].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 18 # ــــــــــ
The Edge of Darkness ***   |حافة  الظلام
مل غيبسون يعود للشخصيات المتوتّرة  والواقفة  على الحافة في هذا التشويق البوليسي المشتغل على المؤامرة السياسية وخسارة العائلة في الزمن الصعب
         إخراج: مارتن كامبل
الممثلون الرئيسيون: مل غيبسون، راي وينستون، داني هوستون
تشويق بوليسي [مؤامرات/ عائلة/ إنتقام]٠
............................................................................................................

لو أن التحري مارتن ريغز، من سلسلة
Lethal Weapon  سلاح مميت
البوليسية عاش من العام 1987 ولم تقتله رصاصة او لم ينتحر بلعبة روليت روسية، لأصبح اليوم الشخصية التي تطالعنا اليوم في الفيلم البوليسي الجديد "حافة الظلام" . في المحصلة، كلاهما من تمثيل مل غيبسون. الفارق الأساسي في الثلاثية المعروفة أنه كان يتصرّف بجنون. هنا، لا يزال مجنوناً. مجنوناً بحب إبنته التي خسرها في عملية اغتيال، ومجنوناً بتعقّب الفاعلين، ومجنوناً في الذهاب الى أقصى ما يستطيع من جهد لكي ينال من الفاعلين المنفّذين منهم والواقفين وراءهم. في نهاية الفيلم يحصد ثمن جهده. سيلتقي وإبنته ولو في عالم آخر
مل غيبسون دائماً جيّد في لعب دور الرجل الذي يعيش على الحافة. قدم على الأرض وقدم فوق هوّة ساحقة قد يقع فيها في أي وقت. لذلك المشاهد الأولى التي يلتقي فيها بإبنته الشابّة وقد وصلت لزيارته مشاهد تنفيذية عادية لا جهد خاص فيها. وهذا حسن لأنك لا تريد أن يواجهك الممثل من لقطاته الأولى بإداء لن يتطوّر لاحقاً (الا إذا استدعى السيناريو ذلك). في النقطة الحاسمة، سيفتح المحقق توماس كرافن باب منزله ليخرج منه بصحبة إبنته. أول ما يفعل سيتقدّم مجهول ويطلق النار على إبنته ويقتلها.  رفاق التحري في شرطة بوسطن ينطلقون من زاوية أن أحدهم أراد قتل التحري فأصاب إبنته خطأ، وهم جميعاً يبدون مستعدين لبذل أقصى الجهد للبحث عن الفاعل وإلقاء القبض. لكن توماس لا يكترث للسبب. ما يعرفه أن إبنته ماتت بين يديه وأنه يريد أن ينتقم. قُتلت عن خطأ او قُتلت لأنها مقصودة لن تفرق معه كثيراً. حسناً، الأحداث بعد ذلك ستكشف له أنه لم يكن المقصود وأن إبنته كانت وقفت عند أسرار مهمّة تتعلّق بمؤسسة صناعية تطوّر، بتأييد من بعض عناصر الكونغرس، والأجهزة الحكومية، أسلحة نووية لحساب جهة غير أميركية (غير مُسمّاة في الفيلم). السيناريو الجيّد الذي كتبه وليام موناهان (أول سيناريوهاته المنفّذة "مملكة السماء" لريدي سكوت والثاني "المُغادر" لمارتن سكورسيزي والثالث "كيان الأكاذيب" لريدلي سكوت) وأندرو بوڤل  يتقدم خطوة خطوة صوب خيوط حبكته (التي لن أذكرها هنا)، وحين يصل اليها يتابعها وينجح بعد ذلك في إبقاء المفاجآت تتوالى. كلما اعتقدت أن مفارقة ما ستقع تقع سواها، او لا تقع على النحو الذي تخيلت وقوعه

 مل غيبسون وراي وينستون 
توماس كراڤن سيقتل وسيتعرّض للقتل، وهذا متوقّع في مثل هذه الأفلام، لكن الفيلم لا يعمل على منوال المغامرات وحدها، وليست المسألة هنا مسألة فعل وردّ فعل وكر وفر. في صميم ما يحدث هناك مسألتين واحدة سياسية. الأخرى عائلية. مثل سيناريو موناهان "المُغادر" هناك  وراء كلمات هذا السيناريو ذلك الحديث عن العائلة الناقصة فرداً. إذا تتذكرون، ليوناردو ديكابريو يريد بديلاً لأبيه يجده في جاك نيكولسون. في "حافة الظلام" هناك تلك الخسارة المتمثّلة في إبنة التحري وحياة التحرّي الصعبة بعد موت إبنته. في المقابل نسمع عن صديقة إبنته التي تدهسها السيّارة بعد أقل من دقيقة من إخبار التحري أن لديها إبنة صغيرة. ثم هناك ذلك الإنكليزي الذي يؤتى به لكي يخلّص المذنبين من المحقق العنيد (راي وينستون) الذي في مشهد يحفل بإدائه المتماسك يذكر بأن لا أولاد لديه.  وحين يعترف أحد رجال البوليس بأنه على علاقة مع المؤامرة التي حيكت لاغتيال الفتاة (ثم والدها) يذكر مستعطفاً: "لدي أولاد". هذا فيلم متشرّب بالعائلة والخوف من خسارتها٠
الناحية السياسية المتمثّلة بوجود مؤامرة لتصنيع أسلحة نووية لحساب قوّة خارجية ومن دون علم الحكومة (باستثناء السياسيين المشتركين) والتي يديرها جاك (داني هوستون، إبن المخرج الراحل جون هوستون) تُعيد الفيلم الى تلك الأفلام التي دارت حول مؤامرات سياسية يحيكها نافذون وحكوميون والتي اندلعت في السبعينات  مثل
The Parallax  View | Alan J. Pakula (1974) *****
Three Days of the Condor | Sydney Pollack (1975) **** و
قيمة تلك الأفلام، وقيمة هذا الفيلم أيضاً، هي أنها تمشي في ظلال وضع سياسي هو أكثر من مفترض. إنه رمادي يعكس حالة ضبابية يختلط فيها الحلفاء والأعداء  فإذا بالمصالح الخاصّة هي التي تسيطر على القانون وتنفّذ عمليات القتل. هذا تحديداً ما يحدث في "حافة الظلام". صحيح أن السيناريو والفيلم بأسره كان يمكن له أن يستفيد من بعض التعقيد (ربما لو منح  شخصية راي وينستون بعض التفسير) لكن الواضح أن المخرج مارتن كامبل ("كازينو رويال") كان يزين خطواته بدقّة مختاراً موقع منتصفاً بين أن ينجز فيلما للمضمون او عملاً للترفيه. وهو يُجيد بقدر مقبول في كلا الناحيتين٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
DIRECTOR: Martin Campbell. CAST: Mel Gibson, Ray Winstone, Danny Huston, Bojana Nvakovic, Shawn Roberts, David Aaron Baker. SCREENPLAY: William Monahan, Andrew Bovell. CINEMATOGRAPHER: Phil Meheux [35mm- Color], EDITOR: Stuart Baird (117 mins). PROD. DESIGNER: Thomas E. Sanders. MUSIC:  Howard Shore. PRODUCERS: Tim Headington, Graham king, Michael Wearing. PROD. COMPANY: GK Films/ BBC films/ Warner Bros. Pictures [USA/UK- 2010].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أفلام جديدة أخرى في إيجاز


When In Rome * | حين تكون في روما
Mark Steven Johnson |  إخراج: مارك ستيفن جونسون
تمثيل: كرستن بل، جوش دوهامل، أنجليكا هوستون، ول أرنت، جون هيدر
كوميديا عاطفية | الولايات المتحدة- 2010
# 19

كتبه إثنان من أسوأ كتّاب السيناريو في هوليوود هذه الأيام هما ديفيد دياموند وديفيد وايزمان ويدور حول فتاة شابّة أسمها بث (بَل) غير محظوظة في الحب تسافر الى روما لحضور عرس شقيقتها وتلتقط من نافورة روما الشهيرة بعض العملات المعدنية التي يرمي بها الزوّار عادة. سبحان الخالق، ما أن تفعل ذلك حتى يتغيّر حظّها: أربعة رجال كل منهم يظهر لها فجأة طالباً ودّها. وكل الأربعة أميركيين يزورون او يعيشون في روما. واو. يا للصدفة. حظ من السما. بذلك ليس على كاتبي السيناريو أن يجهدا في كتابة شخصيات إيطالية فلربما ذلك استدعى إحلال بعض التفكير محل بعض البلاهة. لا الحوار جيّد ولا المواقف فيها ما يُثير وكل شيء يبدو مثل نسخة عاشرة من فيلم آخر. بث تشتكي من أن هاتفها النقّال لا يعمل جيّداً في روما. ذات الشكوي التي نسمعها في فيلم كوميدي جديد  آخر أسمه
Leap Year   سنة الوثبة
بإستثناء أن بطلة ذلك الفيلم (آمي أدامز) تشكو من العلّة ذاتها وهي في أيرلندا. لكن العلّة الحقيقية في كلا الفيلمين هي واحدة: الرداءة واللا إكتراث لإنجاز شيء له قيمة٠


مهرجانات

Abel *** |  آبل
Diego Luna |  إخراج: دييغو لونا
دراما إجتماعية- المكسيك
# 20

الفيلم الأول للممثل المكسيكي دييغو لونا يترك بصمته كاملة على مشاهديه من خلال حكاية مثيرة للإهتمام لأكثر من سبب بينها أنه يختار ولداً في التاسعة من عمره لم يسبق له أن وقف أمام الكاميرا ويطلب منه تشخيص دور صعب. الولد، وأسمه كريستوفر رويز إسبارزا ينجح في الإختبار كما ينجح المخرج في الإختيار ويمنحان الفيلم وجوداً مُعاشا حول ذلك الصبي الذي يأخذ على عاتقه هموم أسرته كاملاً. إنه مريض نفسي والقليل حول تاريخه سوى أن والده غائب منذ سنوات قليلة. يقرر فجأة أنه رجل البيت متخيّلاً أن أمه زوجته وأخويه هما أولاده. ما يبدو طريفاً لحين وجيز ينقلب الى شعور بالمأساة. الكاتبان لونا وأغوستو مندوزا يهتمّان بالبيئة ويحصدان نتائج إيجابية في هذا المكان لكن الصبي ووضعه المتأزم هما ما يحرّك الفيلم أكثر من أي شيء. ربع الساعة الأخيرة هي أقل فترات العمل إجادة مع نهايات متعددة  تستطرد من دون أن تضيف٠

Waiting For Superman *** |  بإنتظار سوبرمان
Davis Guggenheim |  إخراج دايفيز غوغنهايم
وثائقي- الولايات المتحدة
   # 21

تسجيلي ناقد   للسياسة الخاطئة في معاملة السجناء وسوء الإستفادة من مدد عقوباتهم لأجل تثقيفهم وتعليمهم ثم تأهيلهم لحياة ما بعد السجن. الموضوع يبدو جافّا، لكن الفيلم ليس كذلك. غوغنهايم يوفّر لموضوعه خامة بحث ديناميكية وذات إيقاع ينتقل بين جوانبه من دون ملل او كلل. ومن هذا الجانب في قراءة العلاقة (او للاعلاقة) بين المساجين وبين الحياة التعليمية ينطلق الفيلم ليجوب في شتّى تلك الدروب التي تحيط بموضوع التعليم في الولايات المتحدة وكيف يتم هدر الأموال وتحصيل أقل قدر من العلم في المقابل وبعض الأخطاء تقع نتيجة بيروقراطية او قلّة اهتمام او كليهما معاً٠

Four Lions  ** |  أربعة أسود
Chris Morris  |  إخراج: كريس موريس
كوميديا - بريطانيا
# 22

أربع جهاديين مسلمين في لندن يثيرون خيال المخرج التلفزيوني (في أول فيلم سينمائي له) فيستدر منهم العديد من الضحكات في محاولاتهم المتواصلة لإنجاز عمليات إرهابية في العاصمة البريطانية. الكوميديا "فارْس" مكشوف طوال الوقت وهزيل وتهريجي، لكنه جديد من نوعه بالنسبة للأفلام التي أقدمت سابقاً على التطرّق لموضوع الإرهاب في أوروبا (او في أي مكان آخر) من حيث أن محاولات الأربعة تنضح بالسذاجة ولا تضاهيها سوى سذاجة رجال البوليس البريطاني- حسب وصف الفيلم٠ هناك قدر من الإهانة للأشخاص لكن أحداً لا يستطيع أن يدافع عن أفعالهم لأنها محفورة في وقائع جرت قبل ثلاث سنوات.   رغم محاولات الفيلم تقديم نقد لكلا الجانبين، فإن ما يمنع هذا النقد من بلوغ شأنه خفّة العمل عموماً التنميط الشديد ما يجعل الفيلم ملهاة لا تخدم رسالته او تساعده على منح الموضوع القدر الذي يستحقه من أهمية٠

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Saturday, January 23, 2010

Year 1, Issue: 50 | Films by: Peter Jackson | Akira Kurosawa | Peter Yates

 مناظر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قرأت  كثيراً من المقالات حول العلاقة بين الأدب والسينما. البعض يذهب نحو استنتاجات مفيدة، والبعض الآخر يخلط بين الأمور بحيث   لا شيء يربط بين أحكام وقوانين كل وسيط والكلام، في هذا البعض الثاني، يختلط ويميل الى العموميات وينتهي الى لا شيء محدداً٠
لكن الأساسي هو التالي: الرواية الأدبية (الجيدة) هي صوت داخلي يعبّر عن الذات المنفردة سواء أكانت في شخص الكاتب او في شخصية أخرى يبتدعها. الفيلم هو صوت أيضاً لكنه لا يعد داخليا بالضرورة إذ عليه أن يصبح قادراً على أن يُرى ويُسمع. الكاميرا تترجم الصوت الأول الى صور. المخرج يستعين بعناصر الإنتاج المختلفة. الكاميرا بعناصر الصورة. والفيلم بقواعد التعبير المختلفة. الموسيقا وأصوات الناس والمؤثرات الصوتية تمنح القصّة المزيد من اتساعها لتصبح أكثر شمولاً. في الرواية قد تكتب: وتحرّكت يده فوق الطاولة الخشنة سامحاً لراحة يده أن تلتقط نثرات الخشب المنغرزة في الوقت الذي أصدر الباب صوتاً حفيفاً حين فتحته صديقته٠
في الفيلم ستبني البيت القديم وستضع الطاولة الخشنة وعلى الكاميرا، إذا ما كان ذلك ضرورباً لترجمة الوصف، ان تلتقط بلقطة قريبة نثرات الخشب وهي تدخل راحة اليد وربما بعد الدم. ثم ستسمع ما لا تسمعه في الكتاب: صوت الباب وهو يُفتح٠
رواية  أليس سيبولد التي  صدرت سنة 2002 "العظام المحببة" هي من تلك التي كان من الأفضل أن لا تترجم الى فيلم يخرجه بيتر جاكسون، او ربما الى أي فيلم، كما سيرد في نقدي في هذا العدد٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين الممثلين الذين يشتركون في الفيلم الإماراتي الجديد "دار الحي" (الصالة أ هذا الأسبوع) ممثلة بإسم سوزان جورج. حين طالعت إسمها على شاشة الفيلم نالي قدر من الدهشة كون الممثلة  البالغة من العمر الآن 59 سنة كانت نجمة بريطانية معروفة في الستينات والسبعينات من القرن الماضي ثم اختفت باستثناء بضعة أعمال تلفزيونية في التسعينات والقليل من الأفلام في الثمانينات. حين كانت نجمة شابّة شوهدت في "كلاب من قش" لسام بكنباه و"مانديغو" لرتشارد فلايشر وفيلم الرعب "خوف" لبيتر كولنسون من بين عشرات أخرى على ضفّتي المحيط (أميركية وأوروبية)٠
ما الذي ذكّر المخرج الإماراتي بها؟ ربما لم يتذكّر بل هي اتصالات شخصية او إنتاجية ثم ادراكه تاريخها كله، او ربما كان مدمنا سينمائياً لأفلام الفترة وبقيت في باله. أحب أن أعرف لكن أغلب ظنّي أن المخرجين قليلاً ما يقرأون ما يُكتب عنهم لذلك لا أتوقع ردّاً منه ولو أني سأكون سعيداً إذا ما فعل٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كل أسبوع أجد نفسي أمام مشكلة: كيف اتناول الأفلام القديمة٠
من يقرأ لي يعرف أنني ضد التخصص. أنا لم آتي الى النقد لأكتب فقط عن كيروساوا وبرغمن وفيلليني وهيتشكوك ويوسف شاهين وغودار فقط، ولا أؤمن بهذا النوع من التخصص، بل عن جميع (وأعني جميع) من حققوا أفلاماً سنحت لي فرصة مشاهدتها مهما كان مستوى كل واحد منهم الإبداعي. السؤال الذي يداخلني كلما جلست لأكتب نقداً للأفلام القديمة هو كيف اختار مما رأيته (في اعتقادي ما لا يقل عن خمسة عشر فيلماً الا ببضع مئات- إذا قل) تبعاً للتاريخ؟ تبعاً للنوعية؟ تبعاً للأبجدية؟ تبعاً لماذا تحديداً؟ إذا لم يكن لدي منهجاً أحسست بأن اختياراتي عشوائية. أمر لا أستسيغه، لكن يبدو أنه المنهج الوحيد المتوفّر لأن أي منهج آخر سيكون مثل سلسلة طويلة قد تنتهي الحياة ولا تنتهي... تصوّر مثلاً لو أنني بدأت الكتابة تبعاً لترتيب أبجدي ... واو سأبقى في الحرف الأبجدي الأول  زمناً طويلاً خصوصاً وأن هذا الموقع النقدي  سيبقى أسبوعياً  ومحدود المساحة كما أرى٠
هذا الأسبوع مررت بالمعضلة ذاتها ثم قررت خليطاً من العشوائية  على أمل أن أستطيع تنظيمها بشكل ما او أن تبدو إليكم يا أصدقائي منظّمة، أكثر مما تبدو لي٠

أكشن!٠  
Focus On Film
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
   #10
The Lovely Bones **
  العظام المحببة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 إخراج: بيتر جاكسون
تمثيل:  سواريز رونَن، مارك وولبرغ، راتشل
وايز، ستانلي توشي، سوزان ساراندون٠
دراما [مقتبسة عن كتاب ] | الولايات المتحدة- 2010
الفيلم رقم: 10/2010
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


نُشرت الرواية  سنة 2002 وتتولّى فيها الكاتبة أليس سيبولد سرد قصّة فتاة  في الرابعة عشر من العمر اغتصبت ثم قُتلت،  وروحها صعدت الى  مكان بين السماء والأرض او "الأرض المنتصفة"،  تلاحق ما يحدث على الأرض وما خلفه غيابها من أثر على أهلها وجيرانها وشخصيات أخرى بينها شخصية قاتلها، وهو أحد جيران المنزل الذي كانت تعيش فيه في جرود ولاية بنسلفانيا حيث تقع الأحداث. تُلاحق وترصد وتخبر القرّاء ما تراه من أحداث  من زاوية طائر مرتفع او ما يُسمى بلغة
Eagle Eye Shot كتاب السيناريو
على الرغم من اللغة المعنى بها للرواية، ومنحاها الذي يفترض روحاً تتحدّث الى القاريء هو روح تلك الفتاة الصغيرة، وأسمها في الرواية سوزي سالمُن، فإن الرواية في عمومها اجتماعية المنحى، ذات أحاسيس وديعة وحزينة ورثائية كفيلة بجعل القاريء يتثاوب في بضع أماكن منها إذا لم يكن زبون الروايات ذات المشاغل الإجتماعية العاطفية حتى حين تُكتب كأعمال حول ما هو غير منظور وعلى درجة كبيرة من الإفتراضية كما الحال هنا٠
فيلم بيتر جاكسون يحاول أن ينقل الحكاية الى ما لم تكن عليه الرواية. فالرواية ليست تشويقية لكن الفيلم يسبر هذه الوجهة. الرواية تحمل مراجعات ذاتية تتمحور حول استعداد سوزي للصفح عن قاتلها، ولذلك وجد بعض نقاد الأدب أن الرواية تنتمي الى تيار ما بعد اعتداء الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001 ورغبة البعض في الصفح عما حدث ونسيان المأساة. لكن الفيلم مبني على ترقّب المشهد التالي ومعرفة ما إذا كان القاتل سيدفع ثمن جريمته او لا وكيف. ولا شيء في سياقه يحمل رغبة ما في النسي والغفران، على العكس ها هي سوزي تقول بعد موتها وتحوّلها الى روح هائمة:"حين كنت صغيرة لم أكن أكره أحداً. لكني الآن لا أملك الا الكره"٠
لكن بيتر جاكسون لم يشأ في المقابل، وعن صواب، تحقيق فيلم أشباح وبيوت مسكونة وأرواح تظهر للبعض طوال الوقت (ولو أنها تظهر هنا لبعض الوقت). ما فعله هو أنه، وشريكتيه في كتابة فران وولش وفيليبا بوينس، هو الإستغناء عن أحداث وشخصيات كثيرة في سبيل التركيز على خط أساسي واحد: سوزي فتاة في الرابعة عشر من عمرها في سبعينات القرن الماضي محاطة بوالديها ولديها شقيقة أصغر منا وأخ أصغر وجدّة طيّبة. يقتلها الجار الغامض. لا تصعد الى السماء بل ترقب منها ما يدور. وما يدور هو كيف يتعامل والديها، كل على نحو مختلف، مع فقدانها. الأم  تريد أن تنسى والأب يرفض أن ينسى. البوليس يحقق ثم يغلق ملف القضية. القاتل يرتاح لفعلته إذ تأكد أن أحداً لا يرتاب فيه٠ من بين ما استغنى عنه علاقة تقوم بين الأم (راتشل وايز) والمحقق وخصّص القاتل (ستانلي توشي بشعر هذه المرّة) بمعالجة موسّعة ما استدعى تغيير أحداث في الرواية لتناسب هذا التغيير جاعلاً الفيلم في بعضه قصّة بوليسية لا تخلو من هيتشكوكية اللحظات. كذلك استغنى كليّاً عن سبر غور شخصية إمرأة تعيش على حافّة حفرة ضخمة يستخدمها أبناء المنطقة الريفية لرمي مخلّفاتهم. في الرواية هذه أم الصبي الذي كانت سوزي بدأت بالشعور بالألفة حياله فأعطاها موعداً يمنعها موتها المبكر من الذهاب إليه. الأم مهاجرة إنكليزية ولديها ما تقوله وتعبّر عنه في الرواية لكن على الشاشة تبدو شخصية غامضة غير ضرورية٠
نحن في تلك البلدة الصغيرة والجميلة. صوت سوزي يقدّم لنا صورة سوزي (سايرس رونَن) الفتاة الصغيرة البريئة وبعد قليل ننتقل الى سنوات الى الأمام حين يهديها والدها (مارك وولبرغ) كاميرا بمناسبة عيد ميلادها الرابع عشر. تلتقط بها الصور آملة أن تصبح يوماً مصوّرة محترفة. جدّتها (سوزان ساراندون) تلحظ اهتمامها بشاب أسمه راي (ريسر ريتشي)  واهتمام الشاب بها وما يلبث هذا أن يكشف لسوزي عن عاطفته نحوها. هذا في اليوم ذاته الذي يترصّدها هارفي (توشي) ويقتلها (في الرواية يغتصبها ثم يقتلها في الفيلم لا ذكر للإغتصاب لكن إيحاء بأنه وقع)٠
هذا يستغرق نحو 44 دقيقة بعدها ننتقل الى ذلك الفضاء الفسيح بين السماء والأرض. عالم مثير من الألوان والأشكال الفانتازية تعتقده سوزي أنه الجنّة، لكن فتاة أخرى تخبرها أنه ليس كذلك، وأن عليها أن تنسى ما حدث على الأرض وتمشي الى المستقبل. لكن سوزي (من دون أسباب او مبررات) ترفض ومن هنا ربط الفيلم لعالمها ولعالم الأحداث التي خلفتها وراءها على الأرض٠




المخرج جاكسون ينجح في البصريات أكثر بكثير من نجاحه في الدراميات. ولأن "الأرض المنتصفة" غنية بالفرص لتشكيل فانتازيات مختلفة من الشجر والماء والفضاءات بألوان مثيرة وأفكار من صنع المؤثرات، فإن نجاحه هو في هذه الدقائق الجميلة للنظر. أما على الأرض فإن البوصلة التي يمكن لها أن تهديه الى كيفية معالجة الأزمات الحاصلة مفقودة وقبضته على وجهة الفيلم ليست واحدة. الدقائق السابقة لموت سوزي تبدو سباحة في القصّة من دون محور فعلي، والمشاهد الأرضية فيما بعد منضوية تحت الرغبة في دفع المشاهد لقبول الفيلم كعمل بوليسي من نوع محدد٠
هناك الكثير من حركة الكاميرا وتصميمها في بعض الأحيان لا يختلف عن تصميم أحد مشاهد "سيد الخواتم" (أي جزء) مثل تلك الحركة التي تقترب فيها الكاميرا من يسار الشاشة جانبياً من الشخصية التي الى يمينها. حركة لا معنى لها كون مكنون الصورة ليس ذاته. إنه منتم هنا لمأساة فتاة والمخرج يحاول أن يصنع من تلك المأساة ملهاة، ليس بالمعنى الترفيهي، لكنه يطلب من مشاهديه قدراً من التسلية على أي حال٠
رغبة جاكسون في توفير متعة بصرية تريح المشاهد هي التي لا معنى لها أيضاً رغم جمالياتها، فلا الرواية مكتوبة للراحة ولا المشكلة أساساً يمكن التعامل معها من هذه الزاوية. رغم ذلك فإن كل شيء في صنعة الفيلم مشترك لتأمين هذه الراحة او الجمالية البصرية بما في ذلك ألوان الفيلم التي تشتغل على البنّي والبرتقالي والمضاءة كما صالونات التجميل او استديوهات الصور السياحية٠
على الرغم من أن الكتاب لم يثر اهتمامي، الا أنه مكتوب جيّداً ضمن منحاه، وبعض جودته تنبع من متابعة المؤلّفة لحياة العائلة التي تنتمي اليها الفتاة بعد موتها. إنها متابعة تكشف عن معنى العنوان، فالمقصود هنا ليست عظام الضحية بعد دفنها او عظام أي أحد، بل هو استخدام مجازي للتلاحم الذي يتم بين الأب والأم وباقي أفراد العائلة بسبب الفجيعة٠
المقابلة التي تمّت بيني وبين المخرج حدثت قبل مشاهدتي الفيلم، لا عجب أنه بدأ المقابلة بنوع من التدارك قائلاً أنه لا يمكن لفيلم أن يعبّر عن رواية ما تمام التعبير او أن يجسّدها بكاملها. بالطبع لا، خصوصاً إذا ما كان المخرج فهمها على منوال لم يكن مقصوداً٠


 DIRECTOR Peter Jackson | CAST: Saoirse Ronan, Mark Wahlberg, Rachel Weisz, Stanley Tucci, Rose McIver, Susan Sarandon, Michael Imperioli | SCREENPLAY: Fran Walsh, Philippa Boyens, Peter Jackson. BOOK BY: Alic Sebold | CINEMATOGRAPHY: Andrew Lesnie [Color- 35 mm & digital]. EDITOR: Jabez Olssen [136 min] | PRODUCERS: Carolynne Cunningham, Peter Jackson, Aimee Peyronnet, Fran Walsh | PROD. COMPANY: Paramount [USA- 2010].


Salle A.
أفلام أخرى  جديدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 11 # ــــــــــــــــــ
                                           **  دار الحي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: علي مصطفى
تمثيل: ألكسندرا ماريا لارا، سونو سود، جايسون فلمنغ، نتالي
دورمر، أحمد أحمد، سعود الكعبي٠
سيناريو: علي مصطفى، جيري شيرارد، | تصوير:  مايكل
بريرلي | موسيقا:  باري كيرش، مات فادي (ألوان- 35) |٠
توليف: راوول سكوبيز 97 دقيقة٠
ميلودراما | الإمارات العربية المتحدة - 2009



العامل المشترك بين الفيلم البريطاني "سلامدوغ مليونير" لداني بويل والفيلم المغربي "كل ما تريده لولو" لنبيل عيوش والفيلم الإماراتي الجديد "دار الحي" لعلي مصطفى هو ذلك السعي لإستخراج شيء عالمي من قصّة محليّة. كل بأسلوبه المختلف طبعاً. وإذا ما كان "سلامدوغ مليونير" أجدرها فنّياً، فإن "دار الحي" أكثرها جرأة في محاولة اقتحام هذا الإطار من الإنتاجات الأكبر من قدرات الصناعة المحلّية ذاتها. وهو مصنوع بتمويل إماراتي بحت بكلفة تتعدّى الستة ملايين دولار (حسب مصادر الفيلم)  وأحد الأفلام التي تسنّى لها أن تستخدم أجهزة ستديوهات دبي السينمائية الحديثة. الرغبة في جعل الفيلم قادراً على التوجّه الى الجمهور المحلي والعالمي دفعت الكاتب والمنتج والمخرج مصطفى الى صياغة عمل يحتوي على شخصيات إماراتية وهندية وبريطانية ليشكّل منها ثلاثة خيوط قصصية: الإماراتي الشاب الذي يعيش ليومه مستمتعاً بثروة أبيه العصامي، قبل أن يكتشف الصواب، سائق التاكسي الهندي  ذي موهبة الغناء الذي يُساء فهمه وتقديره ومعاملته من قِبل الهنود، والحب الذي يربط فجأة بين مضيفة طيران ورجل أعمال هي طموحة لحياة مهنية أفضل وهو طموح لعلاقة عاطفية جديدة. كل هذه القصص تقع في مدينة كدبي وهذا هو العنصر الواقعي الوحيد لها، أما الباقي فهو صياغة ميلودرامية  فيها ما يتطلّبه النوع من محاولة استحواذ للمشاعر غير المثقّفة  ولو أن الفيلم لا ينوي فعل ذلك برخص ولا هو عمل رديء لأن المخرج غير موهوب او لأنه نسخة تنفيذية رديئة ممن سبقه. كل ما في الأمر أن الفيلم لا جمهور له. هذا مثير للحزن كون المخرج سعى لتأسيسه على أكثر من مستوى ليلبّي الجمهور العريض في بلده وخارج بلده على حد سواء. لكن حين يؤم المخرج عملاً عريض التوجّه كهذا العمل يفقد العمق بالضرورة. تبقى لديه ملكية استعراض الحالات وتنفيذ اللقطات حسبما يستدعي ذلك الإستعراض وليس بحسابات أسلوبية شخصية او ذاتية الإنطلاق. وهذا تحديداً ما فعله المخرج ولذلك فإن فيلمه طلقة كبيرة أخشى أنها ضاعت في الفضاء٠
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 12 # ـــــــــــــــ
                            The Spy Next Door *
الجاسوس الجار
إخراج: برايان ليفانت
تمثيل: جاكي تشان، أمبر فاليتا، ماغنوس شيفينغ٠
أكشن كوميدي | الولايات المتحدة - 2010


حين كان أرنولد شوارتزنيغر في مطلع انحداره نجماً، وضعوه مع جملة أطفال صغار في "شرطي الحضانة" وكان عليه أن يُضحك ويُسلّي ويدافع عن الأولاد ضد خطر من الخارج. "الجاسوس الجار" هو من النوع ذاته: جاكي تشان في إنحداره نجماً يجد النافذة الكوميدية التي تجمعه مع أولاد، تحت عذر واه، وهات نصنع فيلماً عن المفارقات التي تنتج عن ذلك مع وجود خطر على هؤلاء الأطفال مصدره، هذه المرّة، جاسوس روسي. المقارنة مع فيلم شوارتزنيغر لا تتوقّف عند هذا الحد، فالكاتبان جوناثان برنستين وجيمس غرير وضعاه وفي البال دواين "ذ روك" جونسون، الذي لا تبتعد نوعيّته عن تلك التي عُرفت عن شوارتزنيغر، لكن المشروع لم يتم وجرى لاحقاً تعديل السيناريو ليرتديه تشان. وتشان لا يقبض نفسه على محمل الجد بالضرورة. ليس لديه تلك المرآة الكبيرة التي ينظر فيها فيري نفسه أكبر عدة مرّات عن حجمه الحقيقي. لذلك يحافظ على طبيعته المتواضعة والجذابة وحركاته السريعة القابلة للتصديق وهذا كل حسنات الفيلم الذي يتحدّث عن جاسوس صيني (تشان) استعارته الحكومة الأميركية ليواجه مؤامرة يقودها الجاسوس الروسي بولدارك (مغنوس شيفينغ- شُغل نيوزيلاندا) لتدمير احتياطي النفط. لكن صديقته جيليان (أمبر فاليتا) تتركه مع أولادها الثلاث (من علاقات سابقة) لزيارة والدها. مهمّة جاكي الآن هي رعاية الأطفال ثم الدفاع عنهم  ضد الجاسوس المعادي وأزلامه٠
 الفيلم من إخراج برايان ليفانت الذي سبق له وأن أنجز تحفاً من الأفلام الغليظة والرديئة مثل »آل فلنتستون" و"كلاب الثلج" و"هل وصلنا بعد؟"، وهو لن يصل مطلقاً الى إنجاز فيلم بمعايير أعلى من هذا الفيلم مطلقاً٠

DIRECTOR: Brian Levant | CAST: Jackie Chan, Amber Valletta, Madeline Carroll, Will Shadley, Magnus Scheving | SCREENPLAY:  Jonathan Bernstein, James Greer, Gregory Poirier | CINEMATOGRAPHER: Dean Cundey (Color- 35 mm) | MUSIC: David Newman | EDITOR: Lawrence Jordan (94 min) PRODUCER: Robert Simonds | PROD. COMPANY: Lionsgate/Relativity Media/ Robert Simonds Prods [USA- 2010]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 13 # ــــــــ
                Did You Hear About the Morgans ?  *
هل سمعت عن عائلة مورغانز؟
إخراج: مارك لورنس
تمثيل: هيو غرانت، سارا جسيكا باركر، ماري ستينبرجن، سام
إيليوت٠
كوميديا | الولايات المتحدة - 2009



هذا واحد من تلك الأفلام التي يحب الناقد أن يكرهها بسعادة  والفيلم يفعل المستحيل لكي يلبّي له هذه الرغبة ما يجعل الفيلم محبوباً أكثر ليس لحسناته بالطبع بل لسيئاته٠ كتبه وأخرجه مارك لورنس حول زوجين منفصلين منذ سنوات هما هيو غرانت وسارا جسيكا باركر. كل منهما يعمل في نيويورك في وظيفتين تدرّان مالاً كثيراً، فهو محام وهي مسؤولة في شركة عقارات. ذات ليلة بينما كان يحاول إصلاح ذات البين بينهما يشهدان جريمة قتل. البوليس يريد إخفائهما عن العيان لحمايتهما من القاتل على إفتراض أن القاتل سيبحث عنهما لتصفيتهما ويا ليته فعل لأنقذ الفيلم من تطويل لا فائدة منه. الحل هو وضعهما تحت رعاية شريف بلدة في مدينة في ولاية وايومينغ. بلدة لا تزال ملتزمة بتقاليد "الوسترن". هناك يعاودان ترقيع حياتهما فالإنتقال الى بلدة صغيرة ومزرعة بخيول ودبّ ضخم يريد أن ينهش في لحم الممثلين، ما هي الا مبررات لإعادة الحب الذي يكتشف كل منهما أنه لا يزال يحمله للآخر٠
من موقع متقدّم في الفيلم تستطيع أن ترى الفيلم بأسره وكيف سينجلي عن مواقفه العاطفية وإذا ما كنت تشاهد أكثر من فيلم في السنة الواحدة، فمشاهدة المناظر الدعائية للفيلم تكفي لكشف حكاية الفيلم ونقاطها الأساسية وليس هناك من جهد للإنعطاف الحاد في أي مكان. بطلا الفيلم (آل مورغان) سيزعلان من بعضهما هنا ويتّفقان معاً هنا وسيتعرّضان للخطر هناك وسينتهي الفيلم وقد قررا العودة لبعضهما البعض٠
والفيلم مفترض به أن يكون عاطفياً لكنه يصبح ساذجاً وكوميدياً لكنه يبدو مثل سمكة تم اصطيادها وها هي الآن تحاول المستحيل للبقاء حيّة٠
لكن تحت ثقل الماكياج والمواقف غير الناجحة ومفهوم لقطة له  ولقطة لها، هناك رغبة في الإفصاح عن مدلول ذي قيمة وهو أن الحياة في الريف أفضل مكان لمنح المرء فرصة التصالح مع نفسه وماضيه. في مقابل هذين الزوجين اللذين يعانيان من متاعب الحياة الحديثة والمعقّدة (والوصف للفيلم) هناك زوجين مرتاحين تماماً هما سام إليوت لاعباً دور رجل القانون، وماري ستينبرجن  اللذان يمنحان المقابل السعيد للحياة الزوجية. لكن هذه الرسالة لا يُتاح لها أن تتبلور لأن المخرج كان يجد لزاماً عليه اللجوء الى كليشيه وراء كليشيه خوفاً من أن يفقد جمهوره. ولعله يدرك الآن، وقد سقط الفيلم ميّتاً في شباك التذاكر، أنه أخطأ الحسابات جملة وتفصيلاً
DIRECTOR: Marc Lawrence | CAST: Hugh Grant, Sarah Jessica Parker, Natalia Klimas, Mary Steenburgen, Sam Elliott | SCREENPLAY: Marc Lawrence | CINEMATOGRAPHER: Florian Balhaus (Color- 35 mm) | MUSIC: Theodore Shapiro | EDITOR: Susan E. Morse (103 min) PRODUCERS: Liz Glotzer, Matin Shafer | PROD. COMPANY: Columbia Pirctures [USA- 2009]

Salle B.
إعادات | كل فيلم قديم لم تشاهده هو فيلم جديد٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 14 # ــــــــــــــــــ
Shichinin No Samurai | Seven Samurai ***** | سبعة ساموراي
إخراج: أكيرا كوروساوا٠
تمثيل: تاشيرو مفيوني، تاكاشي شيمورا، كايكو
تزوشيما،  يوكيكو شيمازاكي٠
أكشن | يابان - 1953



في مشاهداتي السابقة لهذا الفيلم الرائع، كوّنت فكرة مفادها أن فيلم كوروساوا يتناول الصدام بين التراث والتحديث في مشهده الأخير حين تلغي الرصاصة مفعول السيف فيصاب  أحد أبطال الفيلم من محاربي الساموراي برصاصة عدوّه قبل أن يصل إليه.  لكني حين شاهدت الفيلم مجدداً في صباح يوم قريب، اكتشفت أن الفيلم حمل هذه الفكرة في أكثر من مشهد. "إحذر البنادق" يقول رئيس الساموراي لأحد محاربيه الذي سيتولّى حماية أحد جبهات الدفاع في أحد المشاهد. نسمع صوت الرصاص فينطلق المحاربون اتقاءاً منه في مشهد آخر. وفي ثالث يسقط أحد المحاربين برصاصة وهو يحاول منع محارب آخر من اللحاق بزوجته التي آثرت الإنتحار حرقاً٠
الصدام بين السيف معبّراً عن التراث والرصاصة المعبّرة عن التحديث (او الحداثة حسب العناوين الكبيرة المستخدمة) نراه في أفلام أخرى لكوروساوا من بينها "المحارب الظل"، لكنها في "سبعة ساموراي" تتخذ شكلا هاجساً لدى سبعة محاربين آلوا على أنفسهم مساعدة قرية من الفلاحين البسطاء في صد اعتداء عصابة كبيرة تغير عليهم فتسبي نساءهم وتأكل طعامهم وتثير فساداً بين الحين والآخر. وفي حين أن كوروساوا لم يخف مطلقاً في أي من أفلامه (ساموراي كانت او غير ساموراي) حبّه واخلاصه للتراث وللفروسية، فإن بعض ما نراه في هذا الفيلم يتجاوز ما حققه في بعض أفلامه اللاحقة في هذا المجال٠
في الأصل كان المخرج الكبير [1910- 1998] ينوي تصوير فيلم وثائقي عن يوم في حياة محارب ساموراي، حين تناهت اليه واقعة تاريخية حول قرية فقيرة تستأجر خدمات عدد من الساموراي المحترفين للدفاع عن قريتهم. ألغى المخرج، بناءاً على ذلك مشروعه الوثائقي، وكتب سيناريو يقوم على حكاية قرية في القرن السابع عشر تعرض على محارب عجوز (تاكاشي شيمورا) وضعها فيقبل مساعدتها على أسس إنسانية محضة ويضم اليه فريقاً من خمسة محاربين بينهم شاب فتيّ (يوقعه المخرج في حب فتاة من القرية) ومحارب هاديء الطباع لكنه قوي في المعمعة، وهذا قبل أن ينضم اليهم المحارب السابع الذي لديه قدراً من الهوس والشجاعة غير المسؤولة (مفيوني)٠
النتيجة هي فيلم من نحو ثلاث ساعات، الساعة الأخيرة منها فقط هي ساعة معارك طاحنة  يبلي فيها الساموراي ومعهم أعوانهم من فلاحي القرية بعدما تم تدريبهم في الساعة الثانية من الفيلم، بلاءاً رائعاً. على صعيد الإيقاع والحركة وتصميم المعارك وإخراجها وإخراج وجهة الشخصيات فيها، فإن الفيلم أكثر من رائع خصوصاً وأنه يعرف كيف يدمج المشاهد في لعبة الفروسية بواقعية مثيرة. لا بطولات واهية بل حرب يخوضها طرفان كل منهما يهدف الى تدمير الآخر والمشاهد (لا يهم إذا كان يابانيا او عربياً) متعاطف من اللحظة الأولى مع أبطال الفيلم وبالتالي مع التراث الذي يمثّلونه ونوعية الفروسية التي يستخدمون٠
في هذا الشأن، نرى كيف يخطط رئيس المحاربين استراتيجية الفوز. إنه يعلم أن الأعداء سيحاولون دخول القرية من جهاتها الأربعة. يقفل ثلاثة من هذه الجهات، ويبقي الرابع مفتوحاً ليتيح للأعداء الدخول الى المصيدة. داخل باحة القرية/ المصيدة سيتم قطع الطريق على أول الغزاة بحيث يجد نفسه وحيداً تحت رحمة المدافعين عن القرية في حين أن رفاقه لن يكونوا قادرين على حمايته او الوصول اليه
لا يجب إعتبار "سبعة ساموراي" فيلم معارك فقط. إنه فيلم إنساني في الأساس من مطلعه الى آخر لقطة فيه، ليس فقط من حيث العاطفة الوجدانية التي يعكسها ابطال الفيلم بل من خلال لغة الفيلم العالمية. سيلاحظ من يرى الفيلم لأول مرّة، أنه سوف لن يختلف عن بعض أفلام الريف المصرية من حيث كتابة الشخصيات ومن حيث المهام الموكلة الى من نصطلح على تسميته بـ "البطل"، كما من حيث رسم الشخصيات الفلاحية ذاتها. الى ذلك، فإن الموسيقا المستخدمة منجزة على أدوات بسيطة استخدمتها السينما المصرية مثل الناي والطبلة وبعض الوتريات٠


والفقر المدقع هو لغة إنسانية أخرى لهذا الفيلم يلتقي فيها مع أفلام واقعية وريفية أخرى من أماكن كثيرة. ليس فقط أن القرية فقيرة، بل كذلك الساموراي الذين كعالمهم المنزوي، لا يملكون ثروة تغنيهم عن العمل. حين يقبلون المهمة المسندة إليهم فإن كل ما يتقاضونه هو الطعام: الفقير يدافع عن الفقير حتى ولو اختلف معه (إحد الساموراي يكره الفلاحين في البداية على الأقل) او حتى ولو خاف أحد الطرفين من الآخر (أب من الفلاحين يأمر إبنته بالتنكر كصبي على أعتقاد أن الساموراي سيعتدون عليها لو ظهرت كإمرأة)٠
خلال المعارك هناك عنصران آخران لكن غير بشريان: المطر المنسكب والخيول التي تتصرّف كما هو مطلوب منها: وجلة، مرتعبة، مقبلة، هاربة وكاميرا الفيلم تلاحقها كجزء من الديكور الواقعي للمكان وأناسه. فيلم أكثر من رائع كيفما حسبته وقلبته وبعض روعته تصويره بالأبيض والأسود وبتلك القيمة التي تختفي اليوم تحت مطرقة الميزانيات الكبيرة: التقشّف حيث يتعلّم المخرج كيف يصنع التحف من خلال رسم الفيلم حسب عناصره الفنية وحدها٠
DIRECTOR: Akira Kurosawa | CAST: Toshiro Mifune, Takashi Shimura, Keiko Tsushima, Yukiko Shimazaki, Kamatari Fujiwara | SCREENPLAY: Akira Kurosawa, Shinobu Hashimoto, Hideo Oguni | CINEMATOGRAPHER: Asakazu Nakai (Black & White- 35 mm) | MUSIC: Fumio Hayasaka | EDITOR: Akira Kurosawa (141 min) PRODUCER: Sojiro Motoki | PROD. COMPANY: Toho Company Prods [Japan- 1953].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 15 # ـــــــــــــ
The Friends of Eddie Coyle   **** | أصدقاء إيدي كويل
إخراج: بيتر ياتس
تمثيل: روبرت ميتشوم، بيتر بويل، رتشارد جوردان٠
تشويق | الولايات المتحدة - 1973



بعد تحفته البوليسية الرائعة "بوليت" أنجز المخرج البريطاني ياتس فيلماً عاطفياً آسراً بعنوان "جون وماري"، وفيلماً حربياً هو "حرب مورفي"، ثم تشويقياً آخر عنوانه "الجوهرة الساخنة" ثم دلف الى هذا الفيلم الذي، بجوار "بوليت" من أفضل ما أنجزه علماً بأن كل أعمال هذا المخرج الذي لا يوجد مهرجان شرقاً وغرباً يقدّره،  جواهر ساخنة تنتظر من الجيل الحالي اكتشافها٠
إنه من بطولة روبرت ميتشوم في دور خريج سجن مهدد بأن يُرسل مجدداً الى السجن الا إذا ما تدخّل المحقق رتشارد جوردان لدى القاضي لإلغاء ما تبقّى من المدّة. والمحقق يُخيّر ميتشوم (او إيدي كويل كما إسم الشخصية) بين أن يتحوّل الى مرشد وفي هذه الحالة سيساعده في مهمّة إلغاء باقي المدّة، او أن يمارس حياته الطبيعية الى أن يمتثل أمام القاضي:" إذا ساعدتني"، يقول له المحقق الخبيث الذي بلا قلب "كلّمت القاضي وقلت له أنك الآن في صف القانون". إيدي كويل ليس في وضع يستطيع فيه أن يمتنع. متزوّج ويريد شق حياة جديدة وقد قضى ما يكفي له من عمر في السجن ويدرك أنه إذا لم يبدأ حياة جديدة الآن، وقد تجاوز منتصف العمر او يكاد، فلن يبدأها مطلقاً (او كما قال حوار في فيلم آخر
He's old now. He used all his chances to be lucky)
يقبل في الوقت الذي كانت فيه عصابة تتألّف من ممثلي كاريكتيرات أمثال أليكس روكو وجو سانتوس ومارڤن ليتمان، تقوم بسرقة المصارف معتمدة على طريقة لا تتغيّر: تقتحم منزل مدير البنك وتقتاده رهينة الى المصرف وعليه فتح الخزنة والا تمّت تصفية عائلته٠ العصابة دائماً ما تحتاج الى مسدسات ورشّاشات وهناك شاب أسمه جاكي براون (على إسم فيلم تارانتينو لاحقاً ويؤديه ستيفن كيتس) يؤمن هذه الأسلحة. ايدي كويل يتقرّب منه لكي يكشف عنه حسب اتفاقه. الخيوط تتداخل والمحقق يخذل ايدي ويطلب من قاتل مأجور أسمه ديلون (بيتر كويل) تصفية إيدي٠
كل ذلك في إيقاع هاديء وتصوير جيّد من فكتور كيمبر وموسيقا مناسبة من دايف كروزين ثم توليف حسّاس من باتريشا لويس جافي. لكن الفيلم لم يكن ليكون رائعاً وأخّاذاً لولا ذلك القدر من الإداء المتقن للشخصية من روبرت ميتشوم. ليست هناك خلجة واحدة من تعابير الوجه غير ضرورية. لا نبرة صوت غير مرتبطة مع دواخل  الشخصية. لا نظرة. لا إيماءة الا وهما مسكونان بذلك الهم الدفين الذي يعايشه ميتشوم كما لو أن الفيلم هو عنه٠
إيقاع جيّد متمهّل. لا سرعة حمقاء، وبل لا سرعة على الإطلاق لكنه مبني كتشويق فاعل مع شخصيات من الهوامش الجميلة التي لن يجود الزمن بمثلها٠
DIRECTOR: Peter Yates | CAST: Robert Mitchum, Peter Boyle, Richard Jordan, Steven Keats, Alex Rocco, Joe Santos | SCREENPLAY: Paul Monash | CINEMATOGRAPHER: Victor J. Kemper (Color- 35 mm) | MUSIC: Dave Crusin | EDITOR: Patricia Lewis Jaffe (102 min) PRODUCER: Paul Monash | PROD. COMPANY: Paramount Prods [USA- 1973].



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

Sunday, January 17, 2010

Year 1. Issue 49 | Ajami |Maciste in Hell | عرس القمر


مناظر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قبل نحو سنة أشتريت من أحد محلات الأسطوانات مجموعة بإسم
50 Movie Pack: Nightmare Worlds
وكما عنوانه، هناك خمسون فيلماً من أنواع فانتازية ومرعبة من تواريخ مختلفة. كل ديسك عليه أربعة أفلام كلها مجهولة او منسية او مرت في سماء اللاحظ حين تم إنتاجها. وهي من تواريخ مختلفة. الديسك الأول الذي استخرجته لكي أشاهده يحمل الأفلام التالية٠
على الوجه الأول فيلم بعنوان
Menace from the Outer Space
خيال علمي شاحب وفقير من مخرج أسمه هولينغوورث مورس كان من منتصف الثلاثينات مساعد مخرج ورجل في خدمة أي وظيفة تُسند إليه الى أن أخرج أول فيلم سينمائي حول الكلب لاسي سنة 1963. فيلمه هذا، عن رحلة الى القمر المأهول بسكان يتحدّثون، من حسن حظ الرحالة، الإنكليزية. الفيلم المذكور بعنوان "شر من الفضاء الخارجي" أنجزه لحساب التلفزيون سنة 1956
على ذلك الوجه الأول فيلم صامت. عرفته صامتاً من التاريخ المذكور تحت عنوانه
Maciste in Hell
وبكلمة واحدة: لم أتوقّع مطلقاً أن يكون هذا الفيلم أهم إكتشاف أحظى به منذ مدّة بعيدة. وليس اكتشافاً على صعيد واحد، كما سيكشف المقال الوارد حول هذا الفيلم الذي أعرضه (بكامله) في صالة
B


الفيلم الأول، من ناحية أخرى، هو أحدث بـ 83 سنة. ليس اكتشافاً على أي صعيد، لكنه فيلم جيّد في محصلته الأخيرة. فيلم وجد مؤيدين ومعارضين أخرجه فلسطيني واسرائيلي في تعاون (ليس الأول من نوعه) بين مواطني أرض واحدة وهو الترشيح الإسرائيلي للأوسكار. الفيلم بعنوان "عجمي"٠
Focus on Film: الصفحة


فيلم ثالث أعرضه هذا الأسبوع هو للمخرج التونسي الطيّب الوحيشي وهناك سبب وراء هذا الإختيار
الفيلم هو فيلم "عرس القمر" أحد آخر ما أخرجه السينمائي الموهوب وكان ذلك قبل عشر سنوات. في العام 2007 على ما أعتقد، تعرّض لحادثة سيارة وأصيب من جرائها بالشلل في كل بدنه. آخر ما سمعته عنه قبل عام، ومن المخرج التونسي أيضاً رضا الباهي، أنه لا يزال قيد المعالجة. الوحيشي كان افتتح سلسلة أعماله المعدودة بتحفة في عصرها بعنوان "ظلال الأرض" (1982) تناول فيها وضعاً إجتماعياً صعباً برقّة وشعرية ملحوظتان. بإعادة تقديم "عرس القمر" هنا، وكان شوهد خلال مهرجان القاهرة في عام إنتاجه، آمل أن أوجّه والقراء تحيّة لهذا المخرج راجين له استعادة صحّته وعافيته وأن نرى له المزيد من الأعمال الجيّدة٠



Focus On Film.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الفيلم رقم 7/ 2010
AJAMI ***
عجمي



إخراج: سكندر قبطي ويارون شاني٠
تمثيل: فؤاد حبش، نسرين ريحان، إلياس سابا، يوسف صحواني، شهير كبّاجة، سكندر قبطي٠‬
ألمانيا/ بريطانيا/ إسرائيل- 2009

فيلم «عجمي‮« ‬نوع منتشر هذه الأيام من الأفلام التي‮ ‬يمكن إرجاعها الى الشكل العريض للسينما الواقعية ناقص السحر والجماليات الواقعية ذاتها‮. ‬إنه في‮ ‬هذا النطاق‮ ‬يجمع بين‮ »‬مدينة الله‮« [‬فرناندور مايريليس‮ | ‬برازيل‮- ‬2002‮] ‬و»صدام‮« ‬الأميركي‮ [‬بول هاجيز‮| ‬الولايات المتحدة‮- ‬2004‮] ‬مع قدر من فيلم‮ »‬الكره‮« [‬ماتيو كازوڤيتز‮| ‬فرنسا‮-‬1995‮]. ‬وبما أنه عن عصابات تنفّذ عمليات قتل لها علاقة بوضعية مجتمع محدود الدخل وبتجارة المخدّرات، فإن الفيلم الإيطالي‮ »‬غومورا‮« [‬ماتيو‮ ‬غاروني‮ | ‬إيطاليا‮- ‬2008‮] ‬ليس أيضاً‮ ‬بعيداً‮ ‬عن الصورة‮٠ ‬المشكلة في‮ ‬بعض هذه الأفلام،‮ ‬و»عجمي‮« ‬بالتحديد،‮ ‬هو خلوّها من السبب الجوهري‮ ‬لقيامها بسرد الحكاية على نحو‮ ‬يتم فيه تسبيق الحدث اللاحق على الحدث الآني‮ ‬وتأخير الآني‮ ‬الى ما بعد‮. ‬الفيلم مؤلّف من خمسة فصول لكن ليس بالضرورة كل فصل‮ ‬يقع‮ -‬حدثياً‮- ‬حسب وروده،‮ ‬بل،‮ ‬من باب التشبيك والتشابك،‮ ‬ينطلق الفيلم من الفصل الأول ويدخل الفيلم الثاني‮ ‬ثم‮ ‬يؤجل الثالث الى الخامس ويحل الرابع عوض الثالث‮. ‬أحد‮ ‬يجب أن‮ ‬يذكّر هؤلاء المخرجين أن الفن ليس سرداً‮ ‬غير مرتّب،‮ ‬وفي‮ ‬حالة‮ »‬عجمي‮« ‬فإن عدم الترتيب لا‮ ‬يخلق فوضى سردية فقط،‮ ‬بل‮ ‬يجعل الفيلم‮ ‬يبدو كما لو أن السيناريو صُوّر بصفحات ناقصة في‮ ‬حين أن السيناريو،‮ ‬عملياً‮ ‬جيّد وكل ما كان‮ ‬يحتاج إليه أن‮ ‬يبقى سلساً‮ ‬ومُصاغاً‮ ‬بعفوية تماثل عفوية إدارة الممثلين‮ ‬غير المحترفين الذين‮ ‬يظهرون هنا‮٠‬



حي‮ ‬عجمي،‮ ‬نفهم من السياق،‮ ‬يقع في‮ ‬يافا وهو اليوم خليط من العرب واليهود لكن عزّه كان أيام ما كانت‮ ‬يافا‮ ‬يافا قبل‮ ‬1948‮. ‬جريمة ثأر بدوية تقع في‮ ‬مطلع الفيلم‮ ‬يسقط فيها إبن الجيران سببها أن الشقيق الأكبر للعائلة المقصودة كان قتل فرداً‮ ‬من عصابة بدوية وهذه تريد الإنتقام‮. ‬عمر،‮ ‬الإبن الثاني‮ ‬لتلك العائلة‮ (‬بعد رحيل شقيقه الأكبر‮) ‬يطلب المساعدة من المسيحي‮ ‬أبو إلياس‮ (‬يوسف صحواني‮) ‬وفي‮ ‬السر عمر وإبنة أبو الياس متحابّين‮٠ ‬أبو الياس‮ ‬يسعى لعقد جلسة اتفاق بين العشائر‮ ‬ينتج عنها اتفاق دفع فدية لا‮ ‬يملكها عمر ولديه ثلاثة أسابيع لذلك والا عاد حمّام الدم‮. ‬الطريقة التي‮ ‬تتراءى له لجلب المال هي‮ ‬التجارة بالمخدّرات،‮ ‬وبنجي‮ (‬اسكندر قبطي‮) ‬يتاجر بها‮. ‬ستؤدي‮ ‬الأحداث الى موت بنجي‮ ‬وحصول عمر على المخدّرات بمساعدة فتى‮ ‬يعمل في‮ ‬يافا من دون رخصة عمل لمساعدة والدته التي‮ ‬تحتاج الى عملية،‮ ‬لكن العملية تقحم هذه الشخصيات وسواها في‮ ‬نهاية مأساوية‮٠‬
هناك،‮ ‬بعد مطلع الفيلم‮ ‬يبدأ العمل بفقدان وحدته ويمكن لي‮ ‬أن أفهم حيرة بعض النقّاد في‮ ‬التفريق بين شخصية وأخرى،‮ ‬ذلك لأن كل الشخصيات تشترك في‮ ‬هذه الفوضى لكن ليست كلّها تتميّز بحضور وأداء مختلفين في‮ ‬الجوهر‮. ‬حين‮ ‬يترك الفيلم،‮ ‬بعد نحو ساعة من عروضه،‮ ‬مشاكل الحي‮ ‬الفلسطيني‮ ‬المتفاقمة،‮ ‬وينتقل الى شخصية الشرطي‮ ‬داندو‮ (‬إيران نعيم‮) ‬نجد اختلافاً‮ ‬أسلوبياً‭ ‬كبيراً‮ ‬قد طرأ‮. ‬قبل ذلك وبعده،‮ ‬المنحى التسجيلي‮ ‬كامن في‮ ‬تصوير فيلم مع ممثلين‮ ‬غير محترفين ومشاهد مبنية على النسق التسجيلي‮ ‬ولو أنها تروي‮ ‬قصّة‮. ‬مع تخصيص جزء من الفيلم للحديث عن ذلك الشرطي‮ ‬اليهودي‮ ‬ينتقل الفيلم الى المعالجة التسجيلية الكاملة‮. ‬طبعاً‮ ‬لا‮ ‬يزال الفيلم مؤلّف‮ (‬اي‮ ‬روائي‮) ‬لكن هنا الكاميرا تُعالج ما تصوّره كما لو كان الفيلم وثائقياً‮ ‬بالكامل‮. ‬من ناحية،‮ ‬المعالجة مقبولة،‮ ‬لكن من ناحية أكبر،‮ ‬هي‮ ‬تدخل في‮ ‬السياق الأشمل في‮ ‬الفيلم وتفكيك آخر لوحدته الإفتراضية‮. ‬الى ذلك،‮ ‬الإنتقال من البيئة العربية بالكامل الى بيئة‮ ‬يهودية بالكامل‮ (‬الذي‮ ‬هو ليس سوى تمهيد لخلق قصّة ذلك الشرطي‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يبحث عن أخيه المفقود‮) ‬يبدو محشوراً‮ ‬بسبب الطريقة التي‮ ‬تم فيها توليف الفيلم‮ (‬وفي‮ ‬الأساس كتابته‮). ‬إذا ما كان لديك نيّة في‮ ‬سرد جانبين متوازيين او متناقضين وكيف أنهما،‮ ‬كما الحال هنا،‮ ‬سيلتقيان عند خط معيّن،‮ ‬فإن ذلك‮ ‬يستدعي‮ ‬التمهيد للنقلة التي‮ ‬أجراها المخرجين حتى لا‮ ‬يأتي‮ ‬ذلك الإنتقال مفاجئاً‮ ‬وعلى حساب وحدة الفيلم‮٠‬
الغالب،‮ ‬في‮ ‬اعتقادي،‮ ‬أن اسكندر قبطي‮ ‬لم‮ ‬يكن من صوّر ونفّذ المشاهد الوديعة التي‮ ‬تقع في‮ ‬الجانب اليهودي‮ ‬ذاك،‮ ‬لهذا فإن أسلوب العمل اختلف‮ (‬هذا من دون أن أعلم كيف عمل المخرجين معاً‮ ‬في‮ ‬تصوير المشاهد العربية‮ ‬يا ليت السيد قبطي‮ ‬يكتب لي‮ ‬حول ذلك‮). ‬وهو أمر‮ ‬يدعو للتمعّن كيف أن المخرج العربي‮ ‬سمح لنفسه بنقد البيئة العربية،‮ ‬بينما لم‮ ‬يسمح المخرج اليهودي‮ ‬لنفسه بنقد البيئة اليهودية‮. ‬بعد تقديم مشاهد‮ »‬أنيقة‮« ‬ومتعاطفة مع حياة الشرطي‮ ‬داندو في‮ ‬بيته وضمن إسرته،‮ ‬ينتقل الى بيت والديه حيث‮ ‬يدور نقاش حول ظروف اختفاء شقيقه،‮ ‬ثم ها هو‮ ‬يوزّع المناشير في‮ ‬أحد الأحياء اليهودية من المدينة،‮ ‬ويدخل المركز الديني‮ ‬ليمارس الشعائر‮ ... ‬كل ذلك لا علاقة له بالفيلم‮. ‬الفيلم ليس دراسة في‮ ‬من‮ ‬يمارس ماذا،‮ ‬لكن الحال هو أنه كان بالإمكان قبول هذا النتوء في‮ ‬العمل لو كان الفيلم عن داندو من مطلعه او لو تداخل معه من البداية وعلى نحو صحيح‮.‬



تشابك الفترات‮ ‬يجعل السرد كما لو كان بحاجة الى مونتاج جديد،‮ ‬او كما لو أن بعض المشاهد تداخلت على‭ ‬طاولة المونتاج بحيث أخطأت بعضها فسبقت او تأخرت عن بعضها الآخر‮. ‬لكن كل شيء مقصود ولو أن كل شيء ليس مبرراً‮ ‬لمجرد أنه مقصود‮. ‬نأخذ مثلاً‮ ‬العملية التي‮ ‬تظهر ثلاث مرّات في‮ ‬الفيلم‮: ‬عُمر بحاجة الى المال لتجنيب عائلته التصفية البدوية‮ (‬الشخصيات البدوية لا تظهر الا قليلاً‮ ‬في‮ ‬مطلع الفيلم‮) ‬ومالك بحاجة للمال لإنقاذ حياة والدته‮. ‬بنجي‮ ‬يملك المخدّرات مخبّأة في‮ ‬داخل جهاز تسخين‮. ‬البوليس‮ (‬داندو بينهم‮) ‬يداهمه ولا‮ ‬يجد شيئاً‮. ‬يخرج من عنده بعد استلام إشارة لمشكلة أخرى واقعة‮ (‬كما لو أنه ليس هناك آخرين لمتابعة حدث آخر‮). ‬عندها‮ ‬يخرج بنجي‮ ‬ظرف الكوكايين‮. ‬يضع بعضاً‮ ‬منه على طاولته ويرمي‮ ‬معظمه في‮ ‬البالوعة‮. ‬لكن‮ -‬ولسبب‮ ‬غير معروف‮- ‬يستبدل محتويات الظرف بالسكّر ويعيد أخفاءه في‮ ‬ذات المكان قبل أن‮ ‬يستنشق كل الكوكايين الذي‮ ‬سكبه لنفسه ويموت‮٠ ‬مالك كان شاهد مخبأ الكوكايين‮. ‬يخبر عمر‮. ‬عمر ومالك سيسرقانه ويحاولان بيعه‮. ‬المشهد المكرر هو عملية البيع التي‮ ‬تنتهي‮ ‬بموت مالك وموت داندو‮: ‬في‮ ‬الفصل الثالث نرى العملية التي‮ ‬ليست سوى فخ منصوب‮. ‬يسحب داندو المسدس ويصوّبه الى رأس مالك‮. ‬نسمع طلقة‮. ‬في‮ ‬المرّة الثانية نرى المشهد ذاته مع إضافة نلحظ فيها تفاصيل صغيرة من بينها صوت طلقة نار أخرى لا نرى مصدرها وهدفها‮. ‬في‮ ‬الثالث تتضح الصورة بإضافة تفاصيل أخرى‮: ‬داندو‮ ‬يجد ساعة شقيقه الميّت في‮ ‬جيب مالك‮. ‬يسحب المسدس عليه بينما زميله‮ ‬يمسك بمالك من الخلف ويصبح بداندو‮: ‬ماذا تفعل؟‮ ‬يتسلل شقيق عُمر‮ (‬المتعارك مع الشرطي‮ ‬الثالث‮) ‬وأسمه نصري‮ (‬فؤاد حبش‮) ‬ومعه مسدس كان عمر تركه في‮ ‬السيارة‮. ‬يصوّبه الى داندو ويطلق النار في‮ ‬اللحظة التي‮ ‬كان داندو فيها‮ ‬يصوّب مسدّسه الى رأس مالك‮. ‬يسقط داندو قتيلاً‮. ‬زميل داندو‮ ‬يصوّب مسدّسه الى نصري‮ ‬ويطلق النار عليه‮ (‬سر الطلقة الثانية)‮٠‬
حسب خطّة المخرجين هي‮ ‬دخول وخروج متعدد لكنه مدروس،‮ ‬حسب نظرة الناقد متعدد،‮ ‬مدروس،‮ ‬لكنه ليس مهمّاً‮ ‬على النحو الذي‮ ‬ورد فيه‮ (‬ولدى البعض معقّد)‮٠‬
بمجمله،‮ ‬فيلم لا تستطيع أن تكرهه‮. ‬إذا كان اسكندر قبطي‮ ‬مسؤولاً‮ ‬عن تنفيذ المشاهد ذات البيئة العربية‮ (‬وهي‮ ‬الغالبة‮) ‬فإن ذلك طبيعي‮ ‬لأنه منها وهو‮ ‬يلتقط أنفاسها جيّداً‮ ‬وحتى ولو لم‮ ‬يكن فإن ذلك الإلتقاط لا‮ ‬يزال جوهرياً‮ ‬وجيّداً‮ ‬للفيلم كلّه‮. ‬كل المسألة هي‮ ‬أنه‮ ‬يختار لحبكته سرداً‮ ‬متوعّكاً‮ ‬يكشف عن مشاكل مثل هذا السرد أكثر مما‮ ‬يُفيده‮٠‬



Salle B.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الفيلم رقم 8/ 2010
MACISTE ALL'INFERNO ****
Maciste in Hell (1926) | ماشيستي في الجحيم



بعد دقائق من هذا الفيلم سنرى الشياطين تطير في دوائر فضائية. لا أعرف كيف صوّرها المخرج جيدو برينوني. لكنها هناك: لقطة سوريالية رائعة لشياطين تسبح في الفضاء بين السماء والأرض على شكل دوائر مثل سرب من الطيور٠
بعد دقائق أخرى، هناك لقطة من نوع آخر: فلاح يجر بقرة ووراء البقرة مجموعة من الأفراد (عائلته) على طريق ريفيية ضيّقة. الكاميرا تلتقطه من مستوى عال وفي لقطة بعيدة. ثم في اللقطة التالية تكمن وراء أغصان من الرياحين بينما تمر القافلة الصغيرة أمامها٠ ربما لا يعني هذا المشهد شيئاً يُذكر في سينما اليوم، لكن نتحدّث عن فترة كانت حبلى بالإبتكارات، وذلك المشهد كان من الرقّة بحيث بهرني جمالياً وحسيّاً٠
وإذ يتوالى الفيلم تكتشف أنه، بأكمله، عمل يتقدّم العديد من أفلام الفترة التي شاهدتها (وشاهدت العديد منها طوال الخمس والعشرين سنة الماضية) بما لابد وأنه كان حينها إبداعاً خالصاً. أقول ذلك وفي بالي مسألتان: لا أحد شاهد كل ما انتجته العشرينات من افلام سينمائية. ثلاثة أرباعها مفقود اليوم (وكان مفقوداً منذ العقد الرابع من القرن الماضي) لكن وبما أن أحداً لا يستطيع مشاهدها كلّها فإن تقييم أي منها، بما فيها هذا الفيلم، بمعزل عما كان منتشراً من أعمال، لن يعطي الناقد/ المُقيّم قدرة على الحكم الكامل. ربما أرى أن الفيلم أبدع في ناحية معيّنة، لكن ربما كان المخرج نفسه أبدع في ذات الناحية في واحد من أفلامه السابقة، او غيره في الناحية ذاتها او تقدّم عليه. كل ما يستطيع الناقد فعله في هذه الحالة هو الحديث عن الفيلم بمعزل عن المقارنة الا مع ما شاهده فعلاً فيما بعد٠
لكن ما تعرفه هو عادة بالغ الأهمية. رغم لقطات سوريالية وانطباق شروط سوريالية عليه فإن حقيقة أن
Entr'acteالمخرج الفرنسي رنيه كلير أنجز سنة 1924 فيلما بعنوان
عملاً أعتبره المؤرّخون أول فيلم سوريالي، يمنعني من الإدعاء بأن هذا الفيلم هو الفيلم السوريالي الأول، ولو أنني لم أشاهد بعد فيلم كلير ولا أعرف إذا ما كان متوفّراً. لكن مع حذري في أن لا أدّعي او أتبنّى تفسيراً قد لا يكون حقيقة، الا أن الفيلم لا يعمل على منوال واحد فقط لكي يرتاب المشاهد في أصوله وتأثيراته، بل هو جديد ومبدع في حقول عديدة بحيث أن الفيلم الآخر الذي يمكن أن يكون مماثلاً له في ذلك حينها لابد أن يكون فيلماً آخر من تحقيق جيدو برينوني٠

الإثارة تبدأ من العنوان: ماشيستي؟ سألت حين وقعت عيناي على عنوانه، وهل كانت هناك أفلام ماشيستي في تلك الأيام؟ الجواب نعم. أول فيلم من بطولة تلك الشخصية الميثالوجية الخيالية ورد عبر فيلم ملحمي ايطالي بعنوان "كابيريا" (سأتناوله حال الحصول عليه) للمخرج جيوفاني باستروني وذلك سنة 1914. لكن ماشيستي "كابيريا" لم يكن الشخصية الأساسية كما الحال في فيلم برينوني هذا. الى ذلك فإن ماشيستي في فيلم باستروني ينتمي الى حقبة الفيلم (العقد الثالث قبل الميلاد) في حين أن ماشيستي فيلم برينوني ينتمي الى فترة قريبة زمنياً من عشرينات القرن الماضي، ولو أن الفيلم لا يحددها. على الأقل هذا الماشيستي بالبذلة الدارجة آنذاك: سروال وجاكيت وصدرية وهو مرتاح فيما يرتديه وليس عليه أن يمزّق ملابسه لتبدو عضلاته كما في أفلام وضعت ماشيستي في زمنه التاريخي المفترض (قبيل وبعيد ميلاد السيد المسيح) في فورة أفلام تم إنتاجها في الستينات٠
نقطة الإثارة الثانية، هي أن "ماشيستي في جهنم" مقتبس بحرية شديدة من "جحيم" كما وضعه الشاعر دانتي في القرن الثالث عشر. بذلك يكون المخرج قد حدّث (من تحديث) نص دانتي الشهير في الوقت الذي أجرى فيه تعديلات على ذلك النص بحيث خلق قصّة قائمة بذاتها تنص على دخول ماشيستي جهنم ومقارعته مئات الشياطين قبل أن تقهره إمرأة. هذا لحين أن تنقذه إمرأة، كما سنري بعد قليل٠

يبدأ فيلم برينوني بعبارة مطبوعة تلعب دور التمهيد: قوى الشر تخطط لزيارة الأرض". إنه، مباشرة بعد ذلك، نلحظ ذلك التشكيل الفني السوريالي لمجموعة من الشياطين تسبح في الفضاء على نحو لولبي بمن فيهم قائد أسمه بارباريثيا (فرانز صالا وهو الممثل الوحيد الذي أعرفه وكان يعمل في ذات الوقت فناناً تجميليا وبقي فناناً تجميليا حتى وفاته سنة 1953). بارباريثيا يحط في البلدة التي يعيش فيها ماشيستي. هنا ننتقل الى ماشيستي الذي يصفه الفيلم بأنه "بدنيا وروحياً أقوى من معظم الآخرين". لعبه الممثل بارتولوميو باغاني وهذا كان ممثلاً مشهوراً في السينما الإيطالية منذ متصف العقد الأول من القرن العشرين وتخصص في دور ماشيستي لاعباً الشخصية 21 مرة قبل هذا الفيلم وثلاث مرّات بعده (المجموعة 25 مرّة). كان يمتلك المؤهلات البدنية من عرض وطول، لكنه لم يكن يملك مهارة الأداء ولا جمال الوجه لكن مع ماشيستي من يسأل؟

نرى ماشيستي، في المشهد الأول له، ينهي طعاماً، ثم يشرب قدحاً من النبيذ. ينهض من على الطاولة التي تتوسّط منزلاً صغيراً فقيراً ويتّجه الى النافذة لإشعال سيغارة (لم تكن السيغارة آنذاك من العادات المكروهة على ما يبدو). عند هذه اللحظة يدخل بارباريثيا عليه بغاية إغرائه للكفر بالذات الإلهية وقبول الشيطان. يحدّثه عن المال، والمتعة الجنسية والسُلطة التي يمكن للشيطان توفيرها له. وراء كل عبارة لقطة ترمز لها: ذهب، نساء جميلات ثم، بعد أن يذكر له أن يستطيع أن يجعله سيّد الأرض ينتقل المخرج الى واحد من أجمل المعاني الممكن ربطها بالمعنى السياسي للسُلطة: صور لمدن عامرة: التقطت جوّاً من بينها روما ونيويورك٠
لكن ماشيستي، قوي الإرادة ويرفض الإغراءات ويهجم على الشيطان الذي يفلت من بين يديه. لكي ينتقم من ماشيستي يقوم بخطف طفل لإمرأة من أقارب ماشيستي ويرميه في الغابة القريبة. هذا الحدث، مع بحث المرأة عنه باكية، يتقاطع مع حدث آخر: ماشيستي يذهب الى الأمير الذي، كما نفهم من دون حوار، كان على علاقة معها وهو والد الطفل الذي هجرها. هناك فصل مسل يقع حين يحاول بعض رجال الحاشية منعه من الدخول على الأمير فيحمل عليهم بقوّته فيخافونه ويولّون الأدبار. حين يلتقي مع الأمير يقنعه بالعودة الى تلك المرأة من دون أن يعلم بالطبع أنها الآن تبحث عن إبنها٠
هناك نقطتان دينيّتان لابد من ملاحظتهما: حين ترسم شارة الصليب على صدرها يتوارى بارباريثيا وأزلامه كرهاً وخشية. الثانية هي أنها تنطق بعبارة تكفر فيها و بارباريثيا سعيد بذلك معتقداً أنها أصبحت تلقائياً تابعة له. لكن القسيس يظهر في طريقه الى الكنيسة (ثلاث مشاهد لجرس الكنيسة في أماكن متفرّقة) وهي تهرع إليه حيث يغفر لها، حسب العقيدة المسيحية. ماشيستي يظهر فجأة في الغاية ويسمع الطفل وهو يبكي فيحمله الى سيّدات وينتهي هذا الفصل بعودة الطفل لها٠



هنا تتم نقلة ترتسم كلماتها على الشاشة أوّلاً: "بالنسبة لماشيستي فإن ما حدث بعد ذلك كان غريباً جداً لدرجة أنه لحين ظن أنه في كابوس بشع"٠
بعد العنوان ننتقل الى ماشيستي بين "قطعان" الشياطين كما يصفهم الفيل. المئات منهم. وهناك ذلك الفصل المتوالي من اللقطات والأحداث التي نراه فيها يدافع عن نفسه ضد ما يفترض به أن يكون مئات الشياطين. يوسعهم ضرباً ويحملهم ويرميهم ويهجم عليهم وهم غير قادرين على الإمساك به. وهناك ذلك المشهد الخاص والطريف حيث يحمل ماشيستي شيطاناً من ذنبه ويلوّح به ضارباً به الشياطين المتحلّقة من حوله قبل أن ينفصل ذنب الشيطان عن الشيطان فيطير هذا ويصطدم بصخرة بينما يبقى الذنب بيد ماشيستي. لا أدري إذا كان المقصود إثارة ضحكة ما، لكن الفيلم جاد جدّاً والأرجح إنها فلتة سوريالية، او شبه سوريالية أخرى٠
وهناك شيطان آخر نرى أنفه وعينه تسقطان وجزءاً من وجهه ثم يعاد تركيبها جميعاً. ويغز ماشيستي الحربة في بطن أحد قادة الشياطين (واحد ببطن منفوخ) فيطلع النار من فمه ويعود بطنه لشكله السابق بلا أثر. بعد حين ينفك الجمع عن ماشيستي لكنه يتعرّض لإغراء المرأة وحسب قوانين جهنم فإن الشياطين تطلق سراح الأنس بعد ثلاثة أيام إذا ما استمرّت مقاومتها، لكن إذا ما نجحت إمرأة بتقبيله او هو قبّل إمرأة بقي هناك للأبد٠
وماشيستي يفعلها. يسمح لفتاة بأن تقبّله فإذا به ينقلب الى شيطان غصباً عنه. يثور لكنه يستسلم لما حدث معه وبل يصبح سعيداً في حياته الجديدة. في هذه الأثناء تقع اضطرابات في جهنم عندما يحاول أحدهم الاستئثار بالسُلطة فيصطف ماشيستي مع "الملك" ويدافع عنه فيعفيه ذاك من لعنته وينقلب ماشيستي الى آدمي من جديد، لكن الشيطانة تقبّله عنوة وهو في طريق عودته الى الأرض فيعود الي شيطان مكبّل لبضع سنوات (تمر في بضع دقائق). هذا الى أن تطلب أم الطفل من طفلها أن يدعو الله لسلامته وذلك في يوم ميلاد المسيح، فيفعل الصبي وإذا بماشيستي ينقلب بشراً ويحطم القيود ويعود الى الأرض سالماً٠
ما هو مطبوع على الشاشة هو سعي مخرج في ذلك الحين إتقان ترجمة صُوَرية لجحيم دانتي. مهمّة هي صعبة اليوم على صعيدي الدراما والصورة معاً. الى ذلك، فإن ما يُضيفه المخرج من مشاهد يجعل الفيلم
سبّاق لزمنه. هناك قرب نهايته المشهد الذي سيمتطي فيه ماشيستي ظهر تنين ضخم سيحمله من جهنم الى الأرض. تنين طائر فوق الأرض واللقطة مأخوذة من وجهة نظر ماشيستي اي من على ظهر التنين. شاهدنا مثل هذه اللقطة في منتصف التسعينات لأول مرّة . ذلك المخرج فكّر بها ونفّذها سنة 1926
الفيلم هو جمع لخبرات أخرى. تصميم المناظر كما المؤثرات الخاصّة وجهدان يعكسان الطموح الكبير لفيلم يترك تأثيره الى اليوم، رغم كل هذه السنين٠


CAST & CREDITS
DIRECTOR: Guido Brignone
CAST: Bartolomeo Pagano, Franz Sala, Elena Sangro, Lucis Zanussi, Umberto Guarracini, Domenico Serra, Pauline Polaire
SCREENPLAY: Dante Alighieri, Riccardo Artuffo. CINEMATOGRAPHER: Ubaldo Arata, Sequndo de Chomon, Massimo Terzano.
PRODUCTION: Cines-Pittlauluga



Rear Window | نافذة خلفية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الفيلم رقم 9/ 2010
عرس القمر ***
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: الطيّب الوحيشي
تمثيل: ماس حتو، محمد هادي، ريم الرباحي٠
دراما إجتماعية | تونس - 1998

فيلم "عروس القمر" فيه اجتهاد واضح للخروج من نصوص المخرج الوحيشي السابقة. إنه دراما إجتماعية تستمد رسالاتها من وضع شبابي معيّن يترعرع على هامش المجتمع المحافظ القائم٠
على عكس أفلامه السابقة، وفي مقدّمتها "ظل الأرض" الذي لم يصنع الوحيشي بعده فيلماً على ذات مستواه، تدور الحكاية هنا في رحى مراهقين يرتدون الجينز والخوذات ويمضون معظم الوقت على الدرّاجات النارية. صورة ربما ليست منتشرة في تونس بعد، لكنها موجودة وهذا المخرج هو أول سينمائي تونسي يتطرّق إليها (كان اللبناني الراحل سمير الغصيني قدّم فيلماً عن هؤلاء بعنوان "قطط شارع الحمراء" من بطولة يوسف شعبان سنة 1971 تقع أحداثه في بيروت)٠
تنطلق قصّة "عروس القمر" من محاولة تعريفنا بالشخصيات الخمسة الرئيسية: فتاة وأربعة شبّان هم أصدقاء وكل واحد منهم لديه مشاكل أسروية. أحدهم من عائلة غنية يريد أن ينفضّ عنها، والآخر من عائلة فقيرة يريد الهرب منها، أما هي ففالتة تبحث عن الحريّة٠
ليس من بين هذه المشاكل ما هو جديد لكن المرء مستعد لقبولها على أساس أنها مسببات معقولة لخروج المجموعة عن التقاليد الممارسة٠
بعد الكثير من مشاهد ركوب الدراجات والإنطلاق بها فوق أراض ترابية وشوارع خارج تونس (مكان قريب من البحر) تتقدّم القصّة قليلاً عندما تنشب مشادّة بين إثنين من هؤلاء الأصدقاء فيقوم أحدهم، عرضاَ، بقتل واحد من المجموعة. يبحث الجميع عن حل وينتهون الى قبول رأي القاتل بالتستر على الجريمة٠
ما بين وقوع الجريمة ونهاية الفيلم عندما ينهار السر بينهم وتتكشف الجريمة لرجال القانون، يميل المخرج الى العناية بشخصيّتين أكبر سنّاً: إمرأة تبيع الزهور أمام الكنيسة وحارس مخزن قريب. الإثنان يقعان في الحب وهناك حفل على ظهر تلك السفينة نصف المحطّمة مع أجواء شبه فانتازية. هذه العناية تأخذ شكل قصّة داخل قصة لكن السيناريو لا يزال خال من مواقف مشحونة الأبعاد او ذات حدّة. في الحقيقة، دخول الُمشاهِد في قصّة جانبية تصوّر شخصيتين مسالمتين يعمل ضد إيقاع الفيلم الذي بدا خافتا على أي حال٠
على صعيد الكتابة وحدها، يبدو أن المخرج أراد تسجيل موقفين متناقضين: التعاطف مع الأصدقاء الخمسة وإدانة الجريمة في الوقت ذاته. تنفيذياً لا يصل ذلك الى الشاشة على النحو المأمول فأنت مع او ضد وضع معيّن والأعذار إذا لم تكن لها مبررات لا تلعب الدور الفاعل في توجيه الفيلم الى حيث عليه أن يتوجّه٠
ما ينجح الفيلم به أكثر من غيره هو قدرة المخرج على توظيف ذلك الخيال الذي يتمتّع به خالقاً صورة تبقى في الذهن. تصوير مناسب في الأجواء الخاصّة (ليلة، على ظهر باخرة نصف غارقة، ساحل البحر الخ...) وتوليف جيّد عموماً. ولولا أن الموسيقا صاخبة بلا تأثير وتصوير عجلات تلك الدرّاجات في العدد من المشاهد ما يفقدها التأثير، لكانت تلك العناصر الفنية في أفضل وضع. بين الممثلين تبرز ريم الرياح لكن المجموعة بكاملها تؤدي أدوارها بجهد ملحوظ لإتقان مشاعر متفاوتة يحفل بها هذا العمل٠




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

Tuesday, January 5, 2010

Year 1, Issue 48 | The White Ribbon | Sherlock Holmes | Tangled in Blue | Fahrenheit 451 | شو صار

Focus on  Film
1 -THE WHITE RIBBON | Michele Heneke ****
الشريط الأبيض | ميشيل هنيكيه


الفيلم الأخير لميشيل هنيكي الحائز على ذهبية مهرجان
كان في العام المنصرم، ينتقل الى مطلع القرن العشرين
 حيث سُلطة التطرّف والمال تسرقان براءة الأطفال
---------------------------------------------------------------
لابد أن الأطفال كانوا‮ ‬يدركون مسبقاً‮ ‬أن طبيب البلدة‮ (‬راينر بوك‮) ‬عادة ما‮ ‬يسابق بفرسه الريح،‮ ‬او ربما عرفوا أنه سيسابق بفرسه الريح في‮ ‬ذلك اليوم في‮ ‬تلك الساعة‮. ‬ها هو مع انبلاج النهار من شاشة سوداء وسكون كلي،‮ ‬نراه من بعيد منطلقاً‮ ‬على جواده متقدّما من العمق الى اتجاهنا‮. ‬فجأة‮ ‬يصرخ الحصان صرخة ألم ويسقط وراكبه على الأرض‮. ‬الحصان مات‮. ‬الطبيب بحاجة لمن‮ ‬يداويه‮٠‬
هكذا‮ ‬يبدأ فيلم ميشيل هنيكه الجديد الذي‮ ‬تقع أحداثه في‮ ‬قرية بروتستانتية في‮ ‬شمالي‮ ‬ألمانيا سنة 1913 قبل نحو عام ونصف قبل الرصاصة الأولى التي‮ ‬أدّت الى نشوب الحرب العالمية الأولى‮. ‬شخصيات فيلمه رجال ونساء وأطفال تلك القرية التي‮ ‬تبدو لنا اليوم آتية من عصر أبعد مما نخاله‮. ‬والأولاد،‮ ‬الذين‮ ‬يشكّلون كنه الموضوع الذي‮ ‬يتطرّق المخرج النمساوي‮ ‬إليه،‮ ‬ربما ليسوا مسؤولين عن تلك الحرب،‮ ‬لكن إذ تشاهد الفيلم حتى نهايته‮ ‬تدرك أن المخرج إنما‮ ‬يقترح إنهم،‮ ‬وسواهم من أبناء ذلك الجيل،‮ ‬كانوا وقود الحرب العالمية الثانية تحديداً‮. ‬وهناك أسباباً‮ ‬مهمّة لطرح هذا الإستنتاج نطالعها ونصل الى مفادها في‮ ‬شبه‮ ‬يقين‮٠‬
قرية بروتستانتية غير محددة ‬لها ملامح مشتركة مع قرى كثيرة من حجمها وطبيعتها ومن دون معالم خاصّة‮. كذلك الحادثة تبدو من دون أسباب او معالم. شريط غير مرئي تم مدّه على عرض الطريق أدّى لتعثّر الحصان ونقل الطبيب الى المستشفي‮ ‬ويمر بعض الوقت قبل أن نسمع عن موت إمرأة تعمل في‮ ‬مطحنة‮ ‬يملكها البارون‮ (‬أولريخ توكر‮) ‬ثري‮ ‬البلدة الذي‮ ‬يملك المزارع ويعمل لديه نصف أهل القرية‮٠ ‬إبن القتيلة‮ ‬ينتقم معتقداً‮ ‬أن البارون له‮ ‬يد في‮ ‬موت والدته،‮ ‬وطريقة انتقامه تدمير محصول الملفوف مقتنصاً‮ ‬إنشغال القرية بحضور حفلة أقامها البارون لهم بمناسبة حصاد الموسم‮. ‬والد الشاب‮ ‬يغضب لفعلة إبنه ولاحقاً‮ ‬ما‮ ‬ينتحر شاعراً‮ ‬بالعار‮. ‬في‮ ‬تلك الأثناء نتعرّف على قسيس البلدة‮ (‬بورغارت كلاوسنر‮) ‬الذي‮ ‬يفرض سلطته بطريقة متزمّتة معاقباً‮ ‬أولاده إذا ما اعتقد أن أحدهم خالف مفاهيمه بالجلد‮. ‬معه في‮ ‬المدرسة أستاذ شاب‮ (‬كرستيان فريدل‮) ‬يقع في‮ ‬حب‮ (‬ليوني‮ ‬بينيش‮) ‬فتاة تعمل مربية أطفال لدى البارون ويطلبها من أبيها،‮ ‬في‮ ‬بلدة أخرى،‮ ‬لكن هذا‮ ‬يطلب منه إرجاء الزواج عاماً‮ ‬ولو أنه‮ ‬يوافق على زياراته‮. ‬في‮ ‬هذه الأثناء‮ ‬يتم خطف إبن البارون الصغير وضربه وتعليقه من قدميه‮. ‬بناءاً‮ ‬على ذلك‮ ‬يقرر البارون وعائلته مغادرة البلدة لبعض الوقت‮.



الطبيب‮ ‬يخرج من المستشفى ويكشف عن أن حياته ليست بطهارة مهنته‮. ‬الى جانب أنه اتخذ من إمرأة‮ (‬سوزان لوثر‮) ‬هي‮ ‬أم صبي‮ ‬معاق،‮ ‬عشيقة له،‮ ‬ولجانب أنه قد‮ ‬يكون مسؤولا عن وفاة زوجته،‮ ‬ضليع بممارسة أفعال شائنة مع إبنته الصبية،،‮ ‬وهو‮ ‬يقطع علاقته بعشيقته لأنها لم تعد تلبي‮ ‬حاجته ما‮ ‬يتيح له بفرض علاقته الشاذّة مع إبنته الضحية‮٠ ‬الصبي‮ ‬المعاق‮ ‬يتعرّض لقصاص عنيف من قِبل ذات المجهولين والبوليس‮ ‬يخفق في‮ ‬كشف الفاعلين‮. ‬لكن شكوك الأستاذ،‮ ‬وهو الذي‮ ‬يصاحب الفيلم تعليقاً،‮ ‬تقوده الى اتهام الأولاد ومن بينهم أطفال القسيس وإبنة الطبيب ذاته‮٠‬

ثبوت إفتراضي
مثل بداية فيلم‮ "‬مخبوء‮" ‬يمهّد المخرج لكل شيء بالصمت‮. ‬لكن هنا،‮ ‬أكثر من الفيلم الأسبق للمخرج،‮ ‬تكمن رغبة في‮ ‬تسجيل شهادة‮ ‬دامغة بذلك الصمت السائد فوق لون الشاشة الأسود الذي‮ ‬تظهر عليه الكتابات والعناوين تدريجياً‮ ‬وبأحجام صغيرة وتختفي‮ ‬تدريجياً‮. ‬ذلك لأنه بعد قليل سنستمع الى صوت معلّق آت من الظلمة،‮ ‬إنه كما لو أن التعليق،‮ ‬وسنسمعه بتلاوته‮ ‬غير الأدبية عدّة مرّات لاحقاً، ‬مسحوب من الذاكرة التي‮ ‬تسمح لنفسها الخروج من صندوقها للمرة الأولى‮. ‬وأول كلمات المعلّق هي‮:‬‭ ‬‮"‬لا أعلم إذا كانت القصّة التي‮ ‬أريد سردها هي‮ ‬بكاملها حقيقية‮" ‬إنها عبارة بالغة الأهمية وأهميّتها تتأكد لاحقاً،‮ ‬نحن أمام فيلم‮ ‬يسرد ما‮ ‬يدور ليس من وجهة نظر الراوي‮ (‬أستاذ المدرسة‮)‬،‮ ‬بل من ذاكرته‮. ‬أما وجهة النظر فهي‮ ‬شخصية‮. ‬بكلمات أخرى،‮ ‬لدينا فيلم مسرود،‮ ‬كمعظم الأفلام الأخرى،‮ ‬من دون سارد محدد،‮ ‬لكن لدينا في‮ ‬يالوقت ذاته من‮ ‬يدّعي‮ ‬معايشتها‮ ‬وهذا الإدعاء‮ ‬يدعم ما نراه حتى وإن كان المعلّق أبعد من أن‮ ‬يكون قادراً‮ ‬على أن‮ ‬يشهد كل شيء‮. ‬والمعلّق‮ ‬يسبقنا للتنبيه الى هذه الحالة فيضيف الى العبارة الأولى التي‮ ‬ينطق بها‮ "‬بعض ما‮ ‬يرد سمعته ولم أشاهده"‮٠‬
إذاً‮ ‬هناك بعض الوقائع‮ ‬غير الثابتة لأن طريقة ثبوتها‮ (‬الإفتراضية‮) ‬هي‮ ‬أن‮ ‬يكون هناك شاهد عيان لها،‮ ‬وعدم الثبوت هذا هو ما‮  ‬يسمح للجزء الخيالي‮ ‬من الفيلم بأن‮ ‬يعيش من دون أن‮ ‬يخون الواقع والحس المعيشي‮ ‬للحياة في‮ ‬الفترة المنشودة‮٠‬

عنوان الفيلم الألماني‮ ‬كاملاً‮ ‬هو‮:‬‭ ‬‮"‬الشريط الأبيض‮- ‬قصّة أطفال ألمانية‮". ‬ومع أن القصّة التي‮ ‬تدور،‮ ‬في‮ ‬الأساس حول كيف أن عنف الصغار ناتج عن سوء معاملة الكبار وخطاياهم بحفّهم،‮ ‬يمكن لها أن تعيش في‮ ‬تربة‮ ‬غير ألمانية،‮ ‬الا أن هناك مغزى مهمّاً‮ ‬وراء تخصيص ألمانيا بما نراه‮: ‬كون الأحداث تنتهي‮ ‬عند بداية تلك الحرب سنة‮ ‬1914،‮ ‬وبعد أن نرى كيف‮ ‬يترعرع الصغار في‮ ‬جو من الكبت والتعنيف والقسوة،‮ ‬لابد أن ندرك أن الذين تحلّقوا في‮ ‬الثلاثينات حول أفكار الحزب النازي‮ ‬ليسوا سوى مثل هؤلاء الأطفال‮: ‬عاشوا القسوة وتربّوا على كره الآخر وتأليه قيادة تربّت بدورها في‮ ‬ذات الفترة وتحت ذات الظرف القاهر للبيت والمجتمع‮. ‬أي‮ ‬من هؤلاء الأطفال قد‮ ‬يكون هتلر او أي‮ ‬فاشي‮. ‬الأكثر،‮ ‬حين‮ ‬يعمد المخرج الى الربط بين سوء استخدام الأب والسُلطة والإبن المجبر على الإنصياع‮  ‬وبين ما‮ ‬يؤول اليه الأطفال‮ ‬يوزّع مضمون رسالته المعادية لتلك السُلطة على كل البيئات التي‮ ‬تنتج التطرّف من أي‮ ‬نوع‮٠‬
وهي‮ ‬بيئات ثلاث تتعايش راضية ومتعاونة‮  ‬تحت سقف واحد‮: ‬الدين‮ (‬يعبّر عنه القسيس‮) ‬والعلم‮ (‬يعبّر عنه الطبيب‮) ‬والمال‮ (‬يعبّر عنه البارون‮). ‬يغيب عن هذا المثلّث عضو رابع هو السياسي،‮ ‬لكن صاحب المال‮ (‬الإقطاعي‮ ‬بكلمة ثانية‮) ‬ينوب عنه،‮ ‬وتحالف الثلاثة هو ما‮ ‬يرسم سياسة للحياة في‮ ‬تلك القرية التي‮ ‬لا‮ ‬يطلق عليها المخرج أي‮ ‬إسم‮ (‬لكي‮ ‬يجعلها نموذجاً‮ ‬متحرراً‮ ‬من التحديد‮) ‬كما لا‮ ‬يدع شخصياته تسمّي‮ ‬بعضها البعض بأسمائها الحقيقية،‮ ‬بل بوظائفها الإجتماعية‮: ‬البارون،‮ ‬القسيس،‮ ‬الطبيب،‮ ‬الأستاذ،‮ ‬المربية الخ‮...‬

عقدة الذنب
في‮ "‬مخبوء‮" ‬أيضاً‮ ‬يواجه رجل فرنسي‮ ‬ناجح في‮ ‬حياته العائلية والوظيفية فعل كان أقدم عليه صغيراً‮ ‬حين كذّب على والدته ما استدعى قلع صبي‮ ‬جزائري‮ ‬من المزرعة التي‮ ‬كان‮ ‬يعيش فيها وإيداعه إصلاحية‮. ‬السؤال الذي‮ ‬طرحه ذلك الفيلم هو إذا ما كان الصبي‮ ‬الجزائري،‮ ‬وقد كَبُر الآن،‮ ‬هو الذي‮ ‬يهدد حياة واستقرار الفرنسي‮ ... ‬او هي‮ ‬عقدة الذنب ونتائجها‮٠ ‬هنا،‮ ‬نعود الى أفعال الصغار من دون أن نراها‮. ‬هل هم من‮ ‬يرتكبوا هذه الأفعال حقيقة؟ كيف وهل‮ ‬يستطيعون؟ السؤال لغزياً‮ ‬لكن الفيلم ليس بوليسياً‮ ‬ولا تشويقياً‮ (‬هذا لا‮ ‬يعني‮ ‬أنه ليس مشوّقاً‮) ‬والبوليس حين‮ ‬يحضر للتحقيق حول من أوقع بالطبيب،‮ ‬ومن الذي‮ ‬فقأ عيني‮ ‬الصبي‮ ‬وخطف إبن البارون وضربه‮ (‬وكلها أفعال لا نراها باستثناء مشهد سقوط الطبيب وحصانه‮) ‬لا‮ ‬يصل الى الحقيقة بل‮ ‬يبتعد عنها‮. ‬لا حل مع القانون‮.  ‬إنها أفعال حري‮ ‬براشدين فعلها الا أنها من أفعال الصغار،‮ ‬إبناء القسيس في‮ ‬مقدّمتهم‮. ‬وما‮ ‬يفعله هنيكه بحكمة سينمائية‮  ‬هي‮ ‬إستبعاد الرغبة في‮ ‬إلقاء التبعية مباشرة على الصغار وذلك بتجنيب منحى إظهار الدوافع جليّة والجرائم المرتكبة والذهاب الى مصدر ذلك الشر‮: ‬الراشدون أنفسهم‮. ‬فالقسيس‮ ‬يضرب أولاده ويؤمن بالبراءة الطاهرة لهم التي‮ ‬يجب أن‮ ‬يفرضها عليهم بإرهاب نفسي‮ ‬يتركهم عرضة دائمة للخوف‮. ‬الطبيب هو الأسوأ‮. ‬رجل لا واعز عنده‮. ‬يعبث بإبنته جنسياً‮  ‬وربما‮ ‬يكون مسؤولاً‮ ‬عن موت زوجته،‮ ‬وكان اتخذ من أرملة‮ (‬أم الصبي‮ ‬المُعاق‮) ‬عشيقة لكن حين خرج من المستشفى لم‮ ‬يعد‮ ‬يرغب بها‮. ‬لا عجب أن الصغار أرادوا الإنتقام منه‮٠‬
في‮ ‬مشهد صاعق‮  ‬يبدأ بلقطة من خلف ظهره والعشيقة تحاول جهدها أن ترضيه بلمسه‮ (‬لا نرى الفعل‮) ‬يوقفها ويوجّه اليها تهمة أنها من البشاعة والعجز بحيث لا عجب أنه ما عاد‮ ‬يشعر بالإثارة حين تلاعبه‮. ‬تنظر اليه في‮ ‬ذهول وهو‮ ‬يوجّه إليها سياطاً‮ ‬من الإهانات وتقاوم دموعها وترد عليه قدر ما تستطيع‮  ‬لكنه الأقوى في‮ ‬المنازلة‮. ‬يهدمها ويردمها حيّة‮.  ‬
قبل ذلك،‮ ‬بعد حين وجيز من خروج الطبيب من المستشفى كان لا‮ ‬يزال راغباً‮ ‬بها،‮ ‬تلتقطه الكاميرا من ظهره أيضاً‮ ‬وهو‮ ‬يمارس الحب مع عشيقته وقوفاً‮. ‬ينتهي‮. ‬يعود الى جدّيته‮. ‬لا عاطفة‮. ‬اللقطة التي‮ ‬تشكل بداية هذا المشهد تسبقها لقطة من الخلف أيضاً‮ ‬للقسيس وهو‮ ‬يضرب إبنه الأكبر عقاباً‮. ‬مع تشابه اللقطتين،‮ ‬تكوينا ولوناً‮ ‬ومكاناً‮ (‬داخل‮ ‬غرفة بديكورات متقاربة الأشكال وذات تاريخ واحد‮) ‬تدرك الرابط المقصود والإدانة الدامغة لجيل مخطيء في‮ ‬كل ما‮ ‬يقوم به‮٠‬

عنف قاتل
هذا لا‮ ‬يمنع من لحظات‮ ‬يعبّر فيها المخرج عن طهارة موزّعة في‮ ‬مناسبات محددة‮: ‬أصغر أولاد القسيس‮ ‬يخرج من قميصه عصفوراً‮ ‬وجده جريحاً‮ ‬وهو‮ ‬يسأل أبيه‮ (‬الذي‮ ‬لديه طائراً‮ ‬يرعاه‮) ‬السماح له بتربيته‮. ‬الحوار هنا رائع وتتوقّع من الأب أن‮ ‬يرفض طلب إبنه،‮ ‬لكنه‮ ‬يبتسم له ويسمح له بذلك وشاهد هنا الإبتسامة التي‮ ‬علث وجه الطفل‮. ‬حين قام الولد الأكبر بقتل طائر الأب،‮ ‬يدخل الطفل ومعه عصفوره ويعرضه على أبيه حتى لا‮ ‬يبقى بلا طائر‮. ‬


مشهد حميم آخر‮ ‬يقع بين الفتاة المعتدى عليها وشقيقها الصغير ولو أنه عن الموت‮: ‬يسأل ما هو الموت وتجيبه بذكاء فطري‮: ‬طريقتان للموت،‮ ‬واحد أن‮ ‬يقع حادثاً‮ ‬للمصاب فيموت،‮ ‬او أن‮ ‬يموت بعد عمر طويل مضيفة أن معظم الناس تموت طبيعياً‮ ‬من طول العمر‮. ‬يسألها الطفل الذي‮ ‬تستطيع أن تقرأ كيف‮ ‬يعمل عقله محاولا فك طلاسم موضوع أكبر منه عن أمهما الميّتة متسائلاً‮ ‬إذا كان سيستطيع أن‮ ‬يراها‮ ‬يوماً‮. ‬الجواب‮ ‬يضعه على حافة البكاء،‮ ‬لكن عوض البكاء‮ ‬يزيح صحوناً‮ ‬كانت على الطاولة‮  ‬غاضباً‮ ‬في‮ ‬احتجاج فتسقط أرضاً‮. ‬
المشاهد الحميمة التي‮ ‬تقع بين الراشدين دون الصغار منزوية في‮ ‬إطار العلاقة العاطفية البريئة بين الأستاذ والفتاة الخجول التي‮ ‬يحب‮. ‬ذات مرّة‮ ‬ينحرف بعربتهما‮ (‬المستعارة‮) ‬عن الطريق المؤدي‮ ‬الى قريتها فتسأله أن‮ ‬يعود‮. ‬يوافقها لأنه لا‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يخدش العلاقة التي‮ ‬بينهما بفعل‮ ‬غير اخلاقي‮٠‬
في‮ ‬هذا الإطار سنلحظ أن البراءة متفية بين الصغار‮. ‬ميشيل هنيكه بنفسه،‮ ‬وفي‮ ‬حديث أجرته معه مجلة‮ "‬سايت أند ساوند‮" ‬يقول إنه لا‮ ‬يوجد أطفال أبرياء‮ ("‬الطفل ليس بريئاً‮ ‬على الإطلاق‮") ‬مستثنياً‮ ‬الأطفال الصغار‮. ‬هنا في‮ ‬الفيلم‮ ‬يستثني‮ ‬أصغر أطفال القسيس وإبن الطبيب وكلاهما في‮ ‬عمر لا‮ ‬يسمح لهما بتكوين رغبة عدائية‮ ‬يكنزان فيهما مشاعرهما‮. ‬ويستثني‮ ‬كذلك الولد المُعاق خَلقيا وذهنياً‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يعي‮ ‬ما‮ ‬يحدث معه ولا‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يدلف الى الشر لأنه لا‮ ‬يعرف السبيل الى ذلك‮٠‬
باقي‮ ‬الأولاد ولجوا حلاً‮ ‬عنيفاً‮ ‬هو الإنتقام من الآخرين،‮ ‬لكننا سنرى أنهم‮ ‬ينتقمون من الأطفال أيضاً‮: ‬إبن البارون وابن المرأة عشيقة الطبيب المُعاق والرسالة التي‮ ‬أعتقد أن هنيكه‮ ‬يريد إيصالها هنا هي‮ ‬الإنتقام طبقياً،‮ ‬من ناحية،‮ ‬وضد الضعفاء من ناحية أخرى‮. ‬في‮ ‬الفكر النازي‮ (‬الذي‮ ‬بتمديد عمر الفيلم افتراضياً‮ ‬سيؤمّه هؤلاء الأولاد وهم في‮ ‬ثلاثينات العمر‮) ‬لا مكان للضعفاء في‮ ‬بناء المجتمع‮. ‬الحزب استثنى من عملية البناء الوطني‮ ‬والقومي‮ ‬ومباديء الحزب النخبوية والعنصرية المشوّهين والمعافين والمخنّثين،‮ ‬والنساء كن الحاشية المطلوبة لإنجاب والوقوف وراء الشباب القوي‮ ‬مُلهم الأمّة الآرية‮٠‬

نسخة واحدة
الفيلم من تصوير كرستيان بيرغر بالأبيض والأسود‮ (‬والجائز أنه صُوِّّر بالألوان ثم عولج دجيتال للأبيض والأسود‮). ‬وهناك سبب مهم وراء هذا الإختيار كامن في‮ ‬رغبة المخرج جعل‮  ‬المشاهدين‮ ‬يعايشون تلك الحقبة التاريخية قدر المستطاع‮. ‬التصوير رائع‮. ‬دائما هناك تركيز على الشخصيات لا التباس فيه وتأكيد المحيط والفترة بعامل اقتصادي‮ ‬متقشّف عن طريق كاميرا محددة الحركة ومن دون أستخدام الألوان‮. ‬في‮ ‬طيّ‮ ‬الصورة‮ ‬يمكن لنا الإمعان بما لابد تطلّبه العمل من بحث وتصميم‮. ‬الصور التي‮ ‬نراها تبدو مؤلّفة‮  ‬من رحيق ذلك‮  ‬الزمان كما لو كانت مستمدّة من صور الفنان الفوتوغرافي‮ ‬الألماني‮ ‬أوغست ساندر‮ (‬1964-1876‮). ‬في‮ ‬صور ساندر التي‮ ‬باشر التقاطها‮  ‬من مطلع القرن فصوّر البيئة الواردة في‮ ‬هذا الفيلم كما ملامح ألمانيا خلال الحربين المتتاليين،‮ ‬نلحظ أن‮ "‬فوكاس‮" ‬الصورة لدى ساندر واضح ولا‮ ‬يزال‮ ‬يؤلّف هويتها،‮ ‬بينما الخلفية هي‮ ‬مجرد امتداد وفي‮ ‬حالات كثيرة ليست بذات الوضوح‮. ‬هنيكه وبيرغر ومصممي‮ ‬المناظر استعانوا بلا ريب بصوره،‮ ‬كما بمراجع أخرى،‮ ‬لعملية تحديد المكان عبر الصورة في‮ ‬كل لقطة وليس فقط عبر الملابس والزمن الذي‮ ‬تدل عليه الدراما‮٠‬
ما‮ ‬يرمي‮ ‬إليه المخرج في‮ ‬هذا الشأن وما‮ ‬ينجح في‮ ‬تحقيقه هو تأليف عمل‮ ‬ينتمي‮ ‬الى أعماله الأخرى عن طريق التذكير بعنف التاريخ الذي‮ ‬يولّد في‮ ‬الأشخاص دوافعهم وتصرّفاتهم العنيفة،‮ ‬لكن ما‮ ‬يختلف به هو ذهابه الى الأصول‮ (‬على الأقل الأصول الزمنية‮ ‬غير البعيدة جدّاً‮) ‬وتعميم الحالة‮. ‬هناك تشابه في‮ ‬كتابة وتنفيذ العدد الغالب من الشخصيات نراها تتصرّف وتمثّل كنسخ من أصل واحد‮. ‬هذا كان‮ ‬يمكن تجنّبه من دون أثر سلبي‮ ‬من أي‮ ‬نوع،‮ ‬لكن‮ ‬غاية المخرج هنا مفهومة‮: ‬هذا ليس تفعيل لدراما قابلة للتلوين النفسي‮ ‬والعاطفي،‮ ‬واللجام ليس بيد المشاهد ليقود الفيلم حيث‮ ‬يرغب هو أن‮ ‬يقوده،‮ ‬بل‮ ‬يملك المخرج،‮ ‬كونه المؤلف الكامل للفيلم،‮ ‬زمام الأمر ويمارس ما مارسه سابقاً‮ ‬مع مشاهديه‮: ‬تحويلهم الى مراقبين محدودي‮ ‬القدرة على الفعل‮. ‬قد‮ ‬يقبلون وقد‮ ‬يرفضون،‮ ‬لكنه لن‮ ‬يفعل شيئاً‮ ‬لإرضائهم على الإطلاق‮٠‬

CAST & CREDITS



DIRECTOR:  Michele Haneke
------------------------------------------------------
CAST: Christian Friedel, Ernst Jacobi, Leonie
Benesch, Ulrich Tukur, Ursina Lardi, Rainer Bock
------------------------------------------------------
SCREENPLAY:  Michele Haneke
CINEMATOGRAPHER: Christian Berger (B/W- 35 mm )
EDITOR: Monika Willi (144 min).
PROD. DESIGNER:  Christopher Kanter
------------------------------------------------------
PRODUCERS: Stefan Arndt, Viet Heiduschka,
Michael Katz, Margaret Menegoz, Andrea
Occhipinti
PROD. COMPANY:   X- Filme Creative Pool (Germany),
Wega Film (Austria), Les Films du Losange (France).


أفلام جديدة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 2- SHERLOCK HOLMES  |  Guy Ritchie **
شرلوك هولمز | غاي ريتشي


أكشن [شخصية مقتبسة]  |  أميركي - 2009
روبرت داوني مرشّح لجائزة غولدن غلوبس٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المشكلة الرئيسية في‮ ‬فيلم‮ ‬غاي‮ ‬ريتشي‮ ‬الجديد،‮ "‬شرلوك هولمز‮" ‬ليس أنه لا‮ ‬ينتمي‮ ‬الى الشخصية كما أبدعها خيال كاتبها آرثر كونان دويل،‮ ‬بل في‮ ‬أن الفيلم بحد ذاته سيء لا‮ ‬ينفع معه محاولة تحديث الشخصية بشكل فاقع ومتطرّف في‮ ‬اختلافه عن الجذور‮. ‬هذا شرلوك هولمز الذي‮ ‬كنّا سمعنا به‮ (‬على الأقل‮) ‬كأذكى أترابه من المحققين وذاك الطبيب المصاحب له في‮ ‬مغامراته وتحقيقاته دكتور واطسن‮. ‬الشخصيّتان تأسستا بموجب إنسياب إبداعي‮ ‬عام ليس فيه ما‮ ‬يشذ عن القاعدة‮: ‬الأول رجل محنّك‮ ‬يعرف بالنظر الى حذائك من أي‮ ‬بقعة من الريف جئت،‮ ‬ومن العصا التي‮ ‬تحملها ما إذا كان لديك كلب ام لا،‮ ‬ويستطيع أن‮ ‬يدرك من سيطرق الباب بعد قليل بمجرّد مراجعة ما حدث قبل قليل‮. ‬أشياء تبدو‮ ‬غريبة‮ ‬يرصفها الكاتب علي‮ ‬نحو منطقي‮ ‬فتصبح قابلة للتصديق‮. ‬أما الدكتور واطسن فمثال الدماثة والطيبة‮. ‬إنه من‮ ‬يسرد ما‮ ‬يقع مع هولمز لأنه‮ ‬يصاحبه‮. ‬تركيبة أدبية بدت‮ ‬غريبة،‮ ‬ولا تزال‮ ‬غير منتشرة تماماً،‮ ‬حيث البطل لا‮ ‬يسرده الروائي‮ ‬الكاتب بل‮ ‬يسرده شخص قريب منه‮. ‬مهما‮ ‬يكن فإن هاتين الشخصيّتين،‮ ‬ورغبة في‮ ‬تقريبها من جمهور اليوم‮  ‬الشبابي،‮ ‬الذي‮ ‬غالبه لم‮ ‬يقرأ أي‮ ‬من مغامرات هولمز،‮ ‬ناهيك عن أن‮ ‬يكون سمع بها،‮ ‬تتحوّلان الى ثنائي‮ ‬فالت من عقاله ما لن‮ ‬يسعف أحداً‮ ‬لم‮ ‬يقرأ لهولمز في‮ ‬السابق،‮ ‬أن‮ ‬يقرأ عنه لاحقاً‮. ‬
روبرت داوني‮ ‬جونيور في‮ ‬الدور الأول في‮ ‬حكاية تدمجه وشبكة‮ ‬يقودها شرير صعب المراس لا في‮ ‬الإنتقام ممن قتلوه‭ ‬‮(‬نعم هو عائد من الموت شنقاً‮!!) ‬بل من العالم بأسره‮. ‬لقد أسس هذا الزعيم‮ (‬يقوم به مايكل سترونغ‮ ‬الذي‮ ‬شاهدناه في‮ "‬كيان من الأكاذيب‮" ‬لريدلي‮ ‬سكوت‮) ‬جمعية سرّية‮ ‬يريد عبرها الإخلال باستقرار العالم والسيطرة عليه‮. ‬لا‮ ‬يهم كيف طالما أنه لم‮ ‬يعد‮ ‬يهم كيف عاد هذا الى الحياة‮. ‬طبعاً‮ ‬لن‮ ‬يسمح شرلوك هولمز له بتمرير مؤامراته في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يرتاب فيه بصديقته القديمة إرين‮ (‬راتشل مكأدامز‮) ‬بعدما عادت إليه من جديد‮. ‬أما دكتور وطسون‮  (‬جد لو‮) ‬فكان قرر أن زمن العزوبية ولّى لذلك عقد القران على الزواج من ماري‮ (‬كيلي‮ ‬رايلي‮) ‬ما ترك هولمز محبطاً‮ ‬ومتوتّراً‮ ‬أكثر مما كان عليه من اللقطة الأولى بقليل‮٠‬
الأحداث لا تزال تقع في‮ ‬أواخر القرن التاسع عشر،‮ ‬لكن للفيلم زمنا آخر هو زمن مؤثرات الكومبيوتر‮ ‬غرافيكس التي‮ ‬تستخدم هنا فيبدو الماضي‮ ‬لا أثر له تماماً‮ ‬كما تغيب الملامح الأساسية من شخصية هولمز ليتحوّل صاحبنا الى لاعب كونغ‮ ‬فو ومنازل فنون قتالية‮  ‬من الدرجة الأولى‮. ‬ليس‮ ‬غريباً‮ ‬أن لا شيء‮ ‬يُذكر من عالم الكاتب دويل موجود في‮ ‬هذا الفيلم،‮ ‬فالعناوين تذكر أن الشخصيات أسسها آرثر كونان دويل،‮ ‬لكن القصّة هي‮ ‬من خمسة فرسان جدد روبرت جونسون وليونل ويغرام اللذان وضعا القصّة ومايكل روبرت جونسون‮ (‬إبن روبرت جونسون‮!) ‬وانطوني‮ ‬بكهام‮ (‬زوج شقيقته؟‮) ‬وسيمون كنبرغ‮ (‬جاره؟‮). ‬المخرج ريتشي‮ ‬لديه عدة حركات بالكاميرا‮ ‬يمارسها من أيام‮  ‬
Lock, Stock and Two Smoking Barrels
وهي‮ ‬دائماً‮ ‬توحي‮ ‬بأنه جيّد‮. ‬هنا،‮ ‬يحاول إنجاز فيلم أكبر‮ ‬يضعه في‮ ‬سماء المنفّذين المنضوين تلقائياً‮ ‬للماكينة الهوليوودية‮. ‬هذا‮ ‬يترك له مجالاً‮ ‬محدوداً‮ ‬للإبداع الا إذا اعتبرنا أن المط واللوي‮ ‬والتعقيد والكاميرا النطناطة والتوليف المتوتر فناً،‮ ‬وهو ليس كذلك‮٠
CAST & CREDITS‬


DIRECTOR: Guy Ritchie
---------------------------------------------------
CAST: Robert Downey Jr., Jude Law, Rachel
McAdams, Mark Strong, Eddie Marsan, Robert
Maillet, James Fox.
---------------------------------------------------
SCREENPLAY: Michael Robert Johnson, Anthony
Peckham, Simon Kinberg (خصيصاً للسينما)
CINEMATOGRAPHER: Phillippe Rousselot (Color-
35 mm).
PROD. DESIGNER: Sarah Greenwood.
MUSIC: Hans Zimmer
EDITOR:  James Herbert (128 min).
--------------------------------------------------
PRODUCERS:  Susan Downey, Dan Lin, Lionel
Wigram. PROD. COMPANIES: Internationale
Filmproduktion Blackbird Dritte (Germany), Lin
Pictures (US), Silver Pictures (US), Village Roadshaw
Pictures (US).


 3  - TANGLED IN BLUE | Haider Rashid ***

  المحنة | حيدر رشيد


دراما عاطفية | بريطانيا، إيطاليا، العراق، الإمارات العربية المتحدة
عُرض في مهرجان دبي السينمائي (خارج المسابقة)٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يستحق فيلم حيدر رشيد الأول الترحاب  على الرغم من هفواته  كتلك المتمثّلة  في عنوان عربي لا يعبّر عن فحوى المادّة المهمّة التي يطرحها او التصوير بالدجيتال الذي يُظهر، في المشاهد الليلية غير المضاءة قصوره عن تلبية الشروط الفنية للصورة ما يجعل اللقطات معتمة لأسباب تقنية وليس لبعد فني ناضح
إنه دراما  مكتوبة بدراية لعالمها كون المخرج وكاتب السيناريو حيدر رشيد اقتبس مسرحية  قصيرة لبراد بوسن والفيلم، الذي يذكر أن الكاتب شارك بوضع السيناريو، يستعير من المسرحية  المشهدين الأخيرين من مشاهدها الثلاث: في الأول زيارة يقوم بها بطل النص (في المسرحية لا إسم له او للبطلة كذلك في الفيلم)  لصديقته في بيتها بعدما أصرّت على تعريفه بصديقة لها، وفي الثاني زيارة أخرى لصديقته بعدما أوصل الفتاة التي رغبت بتعريفه اليها، وعاد ليصارحها بأنها هي من يحب٠
لكن التغيير طال العديد من النواحي الأخرى. فيلم حيدر رشيد، إبن الناشط السينمائي عرفان رشيد، يضع بطلاً يعايش محنة وجود إضافية كونه إبناً لمهاجر عراقي  كان وضع نصّاً عن حياة أبيه و، في مطلع الفيلم، ينال الموافقة على نشره من دار متحمّسة، لكنه يُعرّض نفسه لسؤال أخلاقي (والى حد وجودي) حول ما إذا كان لائقاً نشر عمل يتعلّق بوالده الذي كان أكاديمياً قبل أن يتم اختطافه وقتله. في هذا الوقت، هناك المرأة التي يعرفها منذ فترة بعيدة والتي تدعوه للعشاء وفي نيّتها تعريفه على فتاة أخرى فلربما خرج من عزلته. هذا الوضع ينجلي عن فصل نهائي: لقد أوصل الشاب، المنطوي والمتردد أكثر الأوقات، تلك الفتاة الى بيتها من دون أن يشعر باحتكاك عاطفي، ثم عاد الى صديقته حيث تنقلب مناجاتهما الى مصارحة يكشف فيها عن حبّه لها٠
سوف لن يلحظ المشاهد أن المشهدين الأخيرين مسرحيين نظراً لأن المخرج نجح في ربط الصيغة المسرحية المكتوبة بأسلوب عمل أعلى: لديه الآن مرجعية سينمائية تجعله قادراً على صياغة موحّدة للفيلم بأسره من دون تعريضه لإنشقاق او إنقسام. والسبب في ذلك معالجة واقعية تعايش المدينة بظروفها ومشاهدها لتساهم في الحديث عن الشخصية التي نراها مغتربة رغم طول انتمائها في بلد الهجرة. منطوية وحاسبة لخطواتها رغم أنها في الوقت ذاته محبوبة من الباقين. في تلك الملاحظات استلهام من أسلوب جون كازافيتيس المخرج المستقل الذي برزت نيويورك في أفلامه الحميمة كما لم تبرز في أعمال أي مخرج آخر. وكنت أتمنّى هنا لو سمح المخرج للآخرين اكتشاف حبّه وتقديره لكازافيتيس عوض فرض ذلك عليهم بوضع صور وملصقات لأفلام المخرج الأميركي الراحل علماً بأن اقتباس تلك المعايشة  يبقى اقتباساً جزئياً وليس كليّاً لأنه لا يمكن فعل اقتباس كلي من مخرج فنان الا بنقله لقطة لقطة وهذا لم يكن مطلوباً هنا او ممارساً٠
بطلا الفيلم متعايشان مع المادة جيّداً. محترفان والتركيز على الممثل إيان أتفيلد كونه يدرك المعاني التي تحتويها الشخصية والتي عليه أن يعكسها بجوهرها من دون تزييف. في هذا النطاق يصبح الممثل مغترباً بدوره فهو إنكليزي في شخصية عربية كانت هاجرت الى العراق. اتفيلد ينجح في عدم الإتكال على إنكليزيته وفي ذات الوقت عدم محاولة خلق شخصية مغتربة كثيراً ما يساعد قبول ما يحدث. وأعتقد، الا إذا كنت مخطئاً، أن المخرج الذي صوّر الفيلم دجيتال، ترك للممثلين قدراً من حريّة الحركة في وصلات مشهدية طويلة غير مقطوعة. مثل كثيرين اليوم، لا يبدو حيدر رشيد مهتماً بأن يكون مخرج مشهد من لقطات عدّة، بل يكفيه اللقطة الواحدة التي تساعده حركة الكاميرا على الإلمام بجوّها بينما يساعده الممثلون على الإلمام بكن ما تريد إيصاله الى المشاهدين٠


CAST & CREDITS
DIRECTOR/ SCREENPLAY/
PRODUCER/ EDITOR:  Haider Rashid
-----------------------------------------------------
CAST:  Ian Attfield, Zoe Rigby
-----------------------------------------------------
CINEMATOGRAPHER:  Haider Rashid, Sandra
 Ortiz,Valencia  (color, digital)
MUSIC: Tom Donald.
------------------------------------------------------
PROD. COMPANY: Bluesun Films [UK-88 min]

سينما وثائقية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 4-  ***   شو صار؟


إخراج: ديغول عيد
الحرب اللبنانية | لبنان/ فرنسا - 2009
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ديغول عيد  ينهي فيلمه التسجيلي "شو صار؟" (الذي أنتجه الفلسطيني رشيد مشهراوي) بعودته الى فرنسا محمّلاً بألم أكبر من ذلك الذي جاء به الى لبنان حين قرر البحث عن قتلة عائلته (إحدى عشر فرداً لجانب والده وأمه وشقيقته الصغيرة) واستطاع، بعد التحريات، الوصول الى من يعتقد أنه قاتل والدته. يقول له شيئاً مثل: "كيف أنسى وجه قاتل أمي؟"  بينما تتربّص الكاميرا، سلاح ديغول عيد الوحيد، على وجه الرجل الذي تحاول ضحكته إخفاء حرجه. الكاميرا تحاصر الرجل لكن أكثر مما يفعل الفيلم نفسه٠

في بداية هذا الفيلم المثير للإهتمام، نتعرّف على ديغول يعيش مع زوجته وإبنته في جزيرة كورسيكا الجميلة. جبالاً خضراء ناضرة. مطر لذيذ. منعزل هاديء. لكن ديغول كان قد عقد العزم على أن يعود الى لبنان. إبنته الصغيرة تبكي لأنها تريد أن تذهب معه، وسترضى إذا ما بقي هو معها. لكن هناك نداءاً عليه أن يستجيب له: يريد أن يعود الى لبنان ليبحث بالصوت والصورة عن حقيقة ما حدث في قريته حين دهمت قوّات من الحزب القومي السوري تلك القرية وجمعت العديد من أهلها وأمطرتهم بالرصاص. بين هؤلاء والده وأمّه وأقارب أخرى له في تلك القرية الصغيرة

يحط ديغول في بيت شقيقته وينطلق منه في زيارات. إحدى تلك الزيارات يقوم بها الى قريب له في مركز إداري وسياسي في حزب الكتائب. يطرح عليه اسئلة حول ما حدث ومسببات المجزرة. يُقال، يسأل ديغول عيد الذي تلاحقه الكاميرا أينما ذهب، أن الإشكال بدأ حين منعت جنازة  من المرور عبر الحاجز الكتائبي في منطقة الأشرفية. لا يُنكر الكتائبي ذلك وإن كان يبرر السبب في أن الميت لم يكن ملفوفاً بعلم لبناني بل بعلم الحزب القومي السوري
بذلك، يوزّع المخرج اللوم على حزبين (واحد مسيحي والآخر علماني مع أعضاء مسيحيين كُثُر بمن فيهم صاحب الجنازة) عوض أن يكون الطرف المناويء لحزب واحد. لكن ذلك لا يقفل الباب على رغبة المخرج في الذهاب الى أقصى الحقيقة. وبشجاعة كبيرة ينطلق في الفصل الأخير من الفيلم الى تلك القرية ليزور البيت الذي كان يعيش فيه صغيراً حين وقعت المجزرة في العام 1980 خلال الحرب الأهلية. البيت مهدّم والذكريات تدهم المخرج فيبكي طويلاً وهو ينتقل من مكان الى آخر. يبكي وهو واقف ويبكي وهو سائر ويبكي وهو يصعد التلّة القريبة ليبتعد عن البيت ويدخل وسط البلدة حيث تجمّع الناس حوله بفضول وأحد هؤلاء الناس من يخبرنا الفيلم إنه قاتل والدته

فيلم هاجسي لا شك أن المخرج عانى خلاله عاطفياً ولا يزال، لكنها معاناة مسحوبة من ماضيه. من ذاكرة تمنعه من السعادة قبل أن يضع الأمور في نصابها. وهو وضع الكثير منها في هذا الفيلم. زار وحقق وكشف واتهم. لكني لا أخاله خرج من التجربة وقد حل معضلة حياته. موتاه لا زالوا موتاه، والقاتل لا يزال طليقاً.   ربما مخضوضاً بعض الشيء لكنه لم يدفع الثمن لأن الثمن ليس من نصيبه وحده. كلنا أصبنا بخدوش وجروح ورضوض من حرب كشفت عن الوحش الذي فينا. كلّنا وبلا استثناء٠

CAST & CREDITS
إخراج: ديغول عيد
المنتج: رشيد مشهراوي
تصوير: طارق بن عبد الله
موسيقا: أنجليك ناشون، جان كلود ناشون (ألوان)٠
مونتاج: كهينة عطية (85 دقيقة تقريباً)٠

B الصالة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
5- Fahrenheit 451  Francois Truffaut   ***
فهرنهايت 451 | فرنسوا تروفو


خيال علمي | بريطانيا/ الولايات المتحدة- 1966
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا هو الفيلم الهوليوودي التمويل الوحيد الذي قام المخرج الفرنسي فرنسوا تروفو بتحقيقه ولاحقاً ما اعتبر نفسه أخطأ حين فعل. وهو ،نظرياً على الأقل، أخطأ فعلاً حين نذكر أنه ترك العرض الذي ساقته هوليوود إليه لإخراج فيلم "بوني وكلايد" فرفض وفضّل إنجاز هذا الفيلم.  "بوني وكلايد"  الذي آل الى المخرج آرثر بن، تمتّع بالعناصر التي تشكّل لبنة العمل الكلاسيكي الناجح، بينما احتل "فهرنهايت 451" مكانة محببة لدى النقاد (بسبب من رسالته) لكنه انضوى مع مرور السنين واليوم، وهذا النقد مبني على مشاهدة حديثة، يبدو عملاً باهتاً ليس فقط بسبب مرور الزمن عليه (هناك أفلام صامتة من العقدين الأول والثاني لا زالت تشع قيمة وحضوراً) بل أيضاً لأسباب تتعلّق بافتقار الفيلم الى معالجة أعمق، موضوعاً وشكلاً٠
تروفو لم يكن سعيداً بالعمل حتى خلال تصويره ودخل مشاحنات مع بطله أوسكار ڤرنر من ناحية وعدم معرفته اللغة الإنكليزية التي لم يكن يجيد عن إيصال مراميه لمن حوله. في الأساس، كما تكشف أوراق تروفو آنذاك، رغب في جين فوندا وترنس ستامب. جين قبلت ثم اعتذرت، ترنس ستامب تحمّس حين علم بوجود جين في الفيلم، ثم انسحب منه بعدما تبيّن له أن الممثلة الأميركية، التي كانت نجمة ذائعة الصيت بمواقفها السياسية، وجيّدة الإداء، تركت الدور. البديل المتاح أمام  تروفو هو الممثل الذي كان لعب تحت إدارته في فيلمه الفرنسي "جول وجيم"، كما البريطانية  جولي كريستي. تستطيع إذا ما كنت تعرف ملامح الممثل ترنس ستامب، تبيّن تشابه في ملامح الممثل الذي جيء بديل له. لكن لا يوجد سبب فني يدفع المخرج للتمسّك بڤرنر. التشابه بممثل آخر لم يكن يجب أن يلعب دوراً في ترشيحه رغم ما قد يجول في خاطر بعض المخرجين، وتروفو بالذات، من رغبة في الإتيان بممثل يحمل ملامح معيّنة. المشاكل  تتوّجت برغبة ڤرنر تمثيل دوره تبعاً لشخصية البطل التقليدي (ربما اعتقد أنها فرصته لشق طريقه الى هوليوود) في حين رغب المخرج في تقديم شخصية عادية في ظرف عادي او كما يُعرف بـ
anti hero
قيمة الرواية والفيلم تكمن في تشخيص حالة سُلطة فاشية تمنع القراءة عن الشعب في مستقبل ما في بلد ما (ناطق بالإنكليزية). الفيلم لا يحدد ما هي السُلطة. هل هي يمينية او يسارية او دينية متطرّفة (كل منها يصلح أن يكون المعني)  لكنه يقدّم لنا شخصية رجل إطفاء في مركز مكلّف بحرق كل كتاب يتم اكتشافه مخبوءاً في منزل ما. المنازل ذاتها لا تحترق بسبب مادّة البناء، لكن الكتب سيرمى بها في محرقة وتعدم على الفور. غاي مونتاج (ڤرنر) يشترك في الحرق عن قناعة سعيداً بنبأ اقتراب ترقيته. عند المساء يعود الى منزله. يجلس وزوجته (كريستي) أمام شاشة تلفزيون عريضة يراقب برامج ذهنية بليدة مخصصة للمرأة. لا شيء جميل في هذه الحياة ولا حتى زوجته التي تبدو أقرب الى  الدمية. حين يلتقي غاي بإمرأة خلال انتقاله بالمترو (كريستي أيضاً) تطرح عليه اسئلة بخصوص ما يقوم به من عمل. إنها مختلفة ولديها مكتبة تخفيها وغاي يبدأ بالإنتقال، بسببها، من شخص تابع للسُلطة الى آخر مناهض لها٠
الفكرة واضحة وتصل بسهولة. الكتب تنقل المعرفة وتثير الفضول وتنمّي روح الرغبة في التغيير او على الأقل من شأنها تثقيف الإنسان وتوعيته وهذا ما لا تريده السُلطة. لا السُلطة في الفيلم و-لو أتيح لها- أي سُلطة غاشمة في أي مكان من العالم. المعالجة البصرية للموضوع (تصميم المناظر، الديكورات، تصميم الإنتاج العام) شاحب وغير مؤثر. العربات المعلّقة عوض المترو الأرضي الخ... ) بدهية في سينما اليوم ولا تعني شيئاً يُذكر في قالب السينما الخيال علمية، لكن هذا الفيلم لا يقصد أن يكون فيلم مؤثرات بل يستعير قالب السيانس فيكشن ليحكي ما يريد. المؤسف أن تروفو لم يستغل القالب لكي يترك تأثيراً أفضل محوّلاً المادّة الى مباراة ذهنية حادّة وشاحناً المواقف الذهنية التي يثمر عنها الفيلم ببعض التشويق. هذا التشويق تحققه موسيقا برنارد هرمان الذي كتب لألفرد هيتشكوك طويلاً، وهي موسيقا جيّدة وتستخدم هنا جيّداً أيضاً٠ من بين الكتب التي يتم حرقها وتأتي كاميرا  نيكولاس روغ (لاحقاً مخرج معروف لفترة) على عناوين من بينها "موبي ديك"، "مرتفعات ويذرنغ" ، "ديفيد كوبرفيلد"، بإنتظار غودو" وعدد آخر من الروايات. تعليقاً على حرق الكتب يقول رئيس جهاز الإطفاء المسؤول لغاي: "من يريد ما تنشره الكتب من متاعب. من دونها الناس متساوين" ويقصد جهلاً. وهذه حقيقة، من دون كتب تتساوى مستويات البشر لتكون طيّعة مثل الماشية ونحن نمارس ذلك تبرّعاً٠

CAST & CREDITS


DIRECTOR: Francois Truffaut.
---------------------------------------
CAST: Oskar Werner (Montag), Julie Christie (Linda/
Clarisse), Cyril Cusack (Captain), Anton Diffring
(Fabian), Bee Duffell (Book Woman), Jeremy Spenser
(Man with the Apple), Alex Scott ("The Life of Henry
Brulard"), Michael Balfour (Machiavelli's "Prince").
-------------------------------------
SCREENPLAY : Jean-Louis Richard. NOVEL: Ray
Bradbury. CINEMATOGRAPHY: Nicolas Roeg (35 mm. 
Color). EDITOR: Thom Noble (112 min). MUSIC: 
Bernard Herrmann.
------------------------------------
PRODUCER: Lewis M. Allen. PROD. COMPANY: 
Anglo Enterprises. DISTRIBUTOR: Universal Pictures 
[UK/USA-1966].
 


  
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠