موسم
الجوائز | 1

5 أفلام تدخل السباق من الآن:

Dunkirk | Christopher

Nolan


Mudbound | Dee Rees


The Shape of Water | Guillermo Del Toro


Three Billboards Outside Ebbing, Missouri |Martin McDonaph


The Post | Steven Spielberg

_______________________________________________________________________________________________________________________________

Year 2. Issue 62| Backyard, The Girl With the Dragon Tattoo, The Coca-Cola Kid, Come Back... Jimmy Dean, الكتبيّة



جديد | المصري  نصف بريء في فيلم "فناء" للمكسيكي كارلوس كاريرا


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 #62El Traspatio (Backyard)  فناء
.....................................................................................................................
إخراج: كارلوس كاريرا
أدوار أولى: آنا دي لا رغويرا، يواكيم كوسيو، جيمي سميتس، سيّد بدرية٠
دراما [تبويب: أحداث وقعت| عرب| قرية حدودية | قتل متسلسل]٠
المكسيك - 2009
***تقييم الناقد

.....................................................................................................................
من عروض جمعية مراسلي هوليوود الأجانب المتواصلة هذا الفيلم الذي كان عُرض في مهرجان شيكاغو قبل  أشهر قليلة، والذي كان فاز بجائزة أفضل سيناريو (لسابينا برمان) وأفضل مونتاج (لأوسكار فيغروا) من مهرجان هاڤانا قبل أن يتوجه لترشيحات الأوسكار في مجال أفضل فيلم أجنبي٠
على عكس فيلمه السابق "جريمة الأب أمارو" (2002)  فيلم كارلوس كاريرا الجديد مستوحى عن أحداث حقيقية ضجّت بها الحدود الأميركية- المكسيكية قبل سنوات قليلة مفادها اختفاء نساء ثم ظهورهن مغتصبات ومقتولات في أحواش وأفنية بلدة سويداد يواريز الحدودية٠ 
في العام 2006 قام المخرج غريغوري نافا بتحقيق
Bordertown عن الحوادث المذكورة من بطولة جنيفر لوبيز
كان أكثر من مقبول وتناول فيه جانباً بوليسياً باحثاً عمن قد يكون الفاعل. لكن "فناء" يذهب أكثر قليلاً في محاولة لرسم سياسة المنطقة والسُلطة التي تديرها وكيف أن هذه المئات من الضحايا (نحو 400) ضحية جريمة متعددة الأطراف : الفقر الإجتماعي والسُلطة الفاسدة والشبق الجنسي (او أي تعبير مماثل يُمكن أن تطلق عليه). في الفيلم السابق شاهدنا جنيفر لوبيز كصحافية أميركية تدخل البلدة الصناعية لكي تجري تحقيقاً تكشف فيه هوية القاتل او القتلة وتتعرّض، كما لابد، الى الخطر بدورها. هنا يمضي كاريرا خطوات في درب مختلف. المسألة مرتبطة بدائرة أوسع من المسببات كما أن العمل على كشف مرتكبيها مرّ بسلسلة من الإعتبارات من بينها الرغبة في إبقاء هوية أحد الفاعلين مستترة. بذلك، فإن لا توجد أسباب تدعو للشك في رواية المخرج كاريرا ولو أنه لا يكمل دائرة الإتهامات على نحو نهائي او كامل٠
بسبب الوضع الإقتصادي الصعب للمكسيكيين والفريد لبلدة سويداد يوارز حيث العمل مُتاح ولو بأبخس الأسعار كونها مدينة حدود تصدر ما تصنعه الى الولايات المتحدة وتأمل أن تكسب المزيد من دعم المؤسسات الآسيوية التي تبحث عن استثماراتها هناك، فإن طالبي العمل يأتون إليها من كل أنحاء المكسيك وبينهم جوانيتا (أسور زاغادا) فتاة شابّة من أصول هندية (كمعظم أبناء الطبقات الكادحة في أميركا اللاتينية) التي يتابعها الفيلم حين تصل البلدة قبيل المساء باحثة عن عنوان قريبة لها (أموريتا راسغادا) تمشي في  الأزقّة. تلحظها عيون الشبيبة. ثم تصل الى بيت قريبتها التي كانت بانتظارها. واحد من الأمور الأساسية التي تحذّرها قريبتها منها هو أن تحبل، لأن أصحاب المصنع سيطردونها إذا ما فعلت. ما ينتظر جوانيتا هو أكثر من ذلك٠
البلدة تشهد قدوما آخر. التحريّة بلانكا براڤو (أنا لي لا رغويرا) تستلم مهام عملها في بوليس المدينة. والمهمّة الأولى التي تواجهها هي التحقيق في ضحية جديدة . جثّة إمرأة تم تمزيق ثديها وتركت في بعض قفار الأرض المحيطة بالبلدة. يتم تحديد صاحبة الجثّة فهي صديقة رجل مصري الأصل يحمل إسم سُلطان (سيد بدرية) الذي يتم -أوتوماتيكياً- إلقاء القبض عليه واتهامه بالجريمة خصوصاً وأنه كان قدم من الولايات المتحدة حيث كان حوكم بقضايا عنف جنسية متعددة. يتم سجن سلطان لمحاكمته  رغم نفيه ضلوعه بالجريمة واتهام المسؤولين بالعنصرية حياله. لكن حاكم المدينة كان قرر أنه يريد اغلاق ملف تلك الجرائم وسُلطان باليد ولا عشرة علي الشجرة.  لكن بلانكا ليست مقتنعة ولديها أسباب لذلك من أقواها أن جثثاً أخرى تم اكتشافها لنساء قُتلن، بعد التمثيل بهن، من بعد سجن سُلطان. كذل تبرز الى السطح وجود عصابة إجرامية أسمها تشيروس ليست بريئة من الذنب. من ناحيتها، تتعرّف جوانيتا على شاب عاطفي. تقيم معه علاقة، لكنه بقدر ما يحبّها ويريدها صديقة دائمة بقدر ما تتفتّح براعمها صوب علاقات أخرى. هي أيضاً ستنتهي جثّة  
مصاعب التحرية بلانكا تزداد تدريجياً. لديها مساعد (أليخاندرو كالفا) لا تستطيع أن تأمن إليه، وحاكم منطقة (إينوك ليانو) الذي يهمّه إنقاذ ما تبقّى من سمعة البلدة لصالح الفوز  بالإستثمارات الآسيوية سواء تم معرفة الجناة أم لا.  قبل ذلك، نتعرّف على ميكي سانتوس (جيمي سميتس) رجل أعمال مكسيكي ناجح يعمل في الجانب التكساسي من الحدود ويزور البلدة بحثاً عن متعته الجنسية. هو أيضاً قد يكون قاتلاً، ليس قاتل كل تلك المئات ولا يطلب الفيلم منه أن يكون فغاية المخرج هي توزيع الضحايا على البيئة البشرية التي تعيش أزمات متّحدة سياسية واقتصادية واخلاقية٠
المصلحة الخاصة لرجال البوليس والسياسية للحاكم ومعاونيه، والفقر وعدم محاربة الجريمة المنظّمة كلها مسببات لما زاد عدده عن ثلاثة ألاف ضحية في شتّى الدول اللاتينية كلّهن من النساء وذلك خلال السنوات السبع الأخيرة او سواها٠
لا أعرف إلى أي حد اعتمد المخرج على أحداث وقعت. هل المصري سُلطان شخصية حقيقية فعلاً او أنها إضافة لإيصال رسالة مفادها استعداد السلطات للتضحية به؟ ولماذا كان عليه اختيارها ذا سوابق مشابهة؟ سيّد بدرية هنا يؤدّي الشخصية كما لو أنها مطابقة للرغبة في وصمها. شخصية وحشية المظهر، كارهة، شاتمة، تستطيع أن تتصوّرها وقد عاشت بالفعل في تلك الهوامش الإجتماعية الموحشة حيث لا نقاوة ولا ضمائر. تمثيله جيّد من حيث لا تريده أن يكون لما فيه من وصمة. بلكنته الإنكليزية الثقيلة ومظهره غير اللائق يترك المُشاهد غير مرتاح وربما، لا أستطيع الحكم على سواي، غير مكترث لما قد يؤول إليه٠
النهاية تبدو أقل أهمية من الفيلم بأسره. هناك موقف بوليسي معتاد: المكسيكي الثري يزور البلدة ليبحث عن ضحية. يلتقط طالبة مدرسة وينطلق بها ليجد نفسه في مواجهة التحرية بلانكا التي ترديه قتيلاً حين يحاول قتل الفتاة٠
هناك دراية لدى المخرج كاريرا بموضوعه، وهذا واضح. لقد درسه وخبره تماماً. لكن المرء لا يستطيع الا أن يشك في أنه يسرد كل ما يعرف، وإنه في النهاية لم يقدّم سوى جزءاً من القضية وليس كلّها. لكن هذا الجزء مهم ينتج عنه فيلم يطرح أكثر مما يُعالج. جيّد في تنفيذه بحدود طموحات مخرج يستطيع أن يفعل أكثر يوماً ما٠


جديد |   فيلم آخر عن الأسرار والعيون  والصور الفوتوغرافية 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 #63|    The Girl With the Dragon Tattoo  الفتاة ذات الوشم التنين
.....................................................................................................................
إخراج: نيلز أردن أوبلڤ
أدوار أولى:  ناوومي راباس، مايكل نكفيست، لينا أندريه، بيتر هَبِر٠
تشويق بوليسي [تبويب: قتل متسلسل]٠
السويد/النروج/ دنمارك/ ألماني - 2010
** تقييم الناقد

.....................................................................................................................

هناك عدّة نواح متشابهة بين فيلم جوان جوزيه كامبانيلا "السر في عيونهم" (الذي تحدّثت عنه مراراً هنا) وبين  "الفتاة ذات الوشم التنين" للمخرج الدنماركي نيلز أردن أوبلڤ. كلاهما وكل ناحية منها مثيرة للتأمّل. لكن أهم هذه النواحي مسألتان تتعلّقان بالقصّة ذاتها. الأولى: أنهما يعتمدان على الصورة الفوتوغرافية ككاشفة عن الجريمة التي يتم التحقيق بشأنها،  الثانية أنهما يتحدّثان عن شخصيات من اليوم تعود الى أحداث وقعت في الماضي. طبعاً هناك الناحية الثالثة التي لا تقل أهمية: كلاهما بوليسي٠
الفتاة في عنوان "الفتاة ذات الوشم التنين" هي ليزبث (ناوومي راباس): إمرأة شابّة متمرّدة من أصول برجوازية نتعرّف عليها تلاحق قضية ذلك الصحافي اليساري مايكل (مايكل نيكفست) الذي حكمت عليه المحكمة بتهمة باطلة عقوبتها ثلاثة أشهر في اقامة جبرية بسبب تعرّضه لشخصية اجتماعية وسياسية مشهورة.  لن يبدأ تنفيذ هذه العقوبة الا بعد حين. خلال ذلك، يستلم الصحافي مهمّة يسندها اليه رجل عجوز يريد أن يعرف، وقبل أن يموت، من قتل الفتاة التي رعاها واختفت في ظروف غامضة قبل أربعين سنة. لم يرزق بأولاد واعتبرها إبنته وتألّم كثيراً حين اختفى وكل ما يريد معرفته قبل أن يغمض عيناه الى الأبد هو معرفة كيف ولماذا تم قتلها. إنهما، هو وتلك الفتاة  التي أسمها هارييت، ينتميان الى عائلة من كبار البرجوازيين يعيشون في منطقة بعيدة عن العمران فوق منطقة غمرتها ثلوج الشتاء. الصحافي يبدأ مهامه. ليزابث مهتمّة بأمره ولن يلتقيا الا بعد أكثر من ساعة من بدء الفيلم (ساعتين و35 دقيقة)٠
عمل الصحافي شاق. ليس لديه لأجل الكشف عن السر سوى النظر الى تلك الصور التي افترش جدار المنزل بها. واحدة من تلك الصور هي لهارييت وهي تنظر بعيداً عن باقي المصطفين لحضور عرض ما. نذكر أنه في فيلم كامبانيلا، هناك تلك الصورة لرجل ينظر الى الفتاة- الضحية، بينما باقي الذين في الصورة ينظرون الى إتجاه واحد آخر.  وبناءاً عليها تقدّم بحث المحقق. هنا نجد صورة (بالأبيض والأسود) للفتاة الضحية وهي تنظر الى جهة معيّنة بينما الباقون ينظرون الى جهة أخرى٠
يحاول الصحافي الذي طلب منه إنجاز ما لم يستطع البوليس إنجازه من بحث، أن يربط بين هذه الصورة وصور أخرى ويجد أن الفتاة إنما يمكن أنها كانت تنظر الى رجل موجود في صورة أخرى. لكنه موجود في الخلفية  ووجهه ليس واضحاً٠
في هذه الأثناء، تنتقل الأحداث الى المدينة. ليزبت هذه عليها أن تطلب المال من الوصي على ميراثها وهذا الشخص رجل سادي متوحّش يفرض عليها ممارسة الجنس معه.  يحدث هذا في المرّة الأولى حين تحتاج لمبلغ تشتري به كومبيوتر جديد. في المرّة الثانية يربطها ويعرّيها ويمارس معها جنساً وحشياً غير إنساني. في المرّة الثالثة تدخل بيته بخطّة. تصعقه بجهاز كهربائي فيغمى عليه وحين يستيقظ  يجد نفسه مربوطاً وعارياً وهي تنتقم منه على النحو الذي سيوصمه كما حاول وصمها. الجاني صار ضحية ويستحق ذلك٠
حين تنضم ليزبث الى مايكل وتبدأ بمساعدته يتقدّمان أكثر في تحقيقاتهما. يربطان بين اختفاء هارييت واختفاء ومقتل بضع نساء من قبل في أماكن متفرّقة. فجأة يتناهى الى ليزبث أن كل المختفيات سابقاً يشتركن في أمر واحد: إما يهوديات او لهن أسماءاً يهودية، وندرك من قبل ذلك أن بعض أرباب هذه العائلة كانوا نازيين سابقين ... تم حل المشكلة. الباقي تحصيل حاصل من نوع كيف سيمكن معرفة أي فرد من تلك العائلة ارتكب هذه الجرائم وكيف ستكون النهاية٠
فيلم نيلز أردن أوبليف، مثير للإهتمام ومشغول بعناية أيضاً، لكنه لا يرتقي الى مستوى "السر في عيونهم" لأسباب مهمّة: الفيلم الأول لا ينسى الرومانسية ويجعلها محوراً مهمّاً. الفيلم الثاني يستبدل الرومانسية بمشاهد حب وعلاقات. الفيلم الأول تكفيه جريمة واحدة لسبر غور جوانب الحياة والسياسة، الفيلم الثاني يتحدّث عن جرائم لا تنتهي (كما نعرف في ثلث الساعة الأخيرة). و"السر في عيونهم" لا يستخدم مساعدة الكومبيوتر في حل الجريمة، لأن الجريمة وقعت قبل عصر الكومبيوتر. أما "الفتاة ذات الوشم التنين" فهو يستند الى الكومبيوتر مبتدعاً الصور (على نحو أن بعض الصور ليست موجودة في الحقيقة بل تم ابتكارها على الآبل ماكنتوتش. ما يدفع الى السؤال: هل كان بإمكان الصحافي معرفة الجاني وحل قضية اختفاء الفتاة صاحبة الصورة لو لم يعمد الى الكومبيوتر؟ وإذا كان الجواب لا (وهو لا من فرط اعتماد الرواية والسيناريو على الكومبيوتر كعنصر) فما هو الجهد البوليسي الفردي الذي تقوم عليه القصّة؟    
ثم هناك مستوى الإخراج نفسه: الأرجنتيني كامبانيلا مرتاح وفيلمه آسر. الدنماركي أوبلف مشوّش ومتوتّر ولو أنه منفّذ حرفي جيّد. لكن الإهتمام في النهاية واحد: تلك الصور الفوتوغرافية التي تخترق فيها النظرات الورق التي طُبعت عليه لتطبّق المثل المعروف: الصورة بألف كلمة
هذا الفيلم مأخوذ عن رواية للكاتب البوليسي السويدي ستيغ لارسون الذي بدأ حياته صحافياً وناشطاً صحافياً ومات سنة 2004 بعد أن أنجز ثلاث روايات أولها "الفتاة ذات الوشم التنين" هذا. وهو كان شيوعي الإتجاه. لذلك حين استخدمت كلمة "برجوازيون" كنت استمدّها من الصفة التي أطلقها هو. لكن إذ لم أقرأ الرواية فلا علم عندي إذا ما كان الفيلم يتطابق معها خصوصاً في تلك المواقف العنيفة التي يستعرضها. هذه المواقف ذاتها لا ترفع من قيمة الفيلم على الإطلاق. ليس منها ما هو ضروري، حتى مسألة الإعتداء على الفتاة ليزبث ليست مرتبطة عضوياً بالموضوع الرئيسي، بل على نحو جانبي. الغاية هي إظهار عنف الرجل على المرأة (تماماً كما في "فناء") خصوصاً وأن اختفاء هارييت له علاقة مماثلة  إذ تتعرّض لاعتداء والدها عليها قبل أن تهرب من البيت وتلجأ لدى قريبها الطيّب وقبل أن تختفي عن الأنظار بعدما أدركت أن قريباً آخر هو الذي يقتل ويمثّل بالنساء. بذلك العنف مرتبط من السلطويين النافذين والأثرياء، لكن هذا مفهوم تبسيطي ساذج وبالنسبة للفيلم ليس الوسيلة الوحيدة للوصول إلى تحقيقه٠



كلاسيكيات عربية حديثة | لوحة جميلة تكتب كل شخصية كلماتها عليه٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 #64 الكُتبية
.....................................................................................................................
إخراج: نوفل صاحب- إلطابا
أدوار أولى: هند صبري، أحمد الحفيان، مارتن جافي، عيد باجي، رؤوف بن عمّور٠
دراما إجتماعية  ٠
تونس/ المغرب/ فرنسا - 2003
**** تقييم الناقد

.....................................................................................................................


فيلم نوفل صاحب من الإتقان وحسن التصميم في‮ ‬العمل لدرجة إنه من‮ ‬غير المتاح للمشاهد النظر الى الفيلم كعمل تقع معظم أحداثه داخل مكتبة وبضع‮ ‬غرف صغيرة في‮ ‬مبنى واحد‮. ‬وإذا كان المخرج تعب كثيرا لأجل أن‮ ‬يعالج حدود المكان الواحد،‮ ‬فإن ذلك ليس واضحاً‮ ‬في‮ ‬النتيجة التي‮ ‬أمامنا‮. »‬الكتبية‮« (‬او‮ »‬المكتبة‮«) ‬عمل جيد وناضج بلغة سلسلة‮. ‬يستخدم المخرج قواعد سرد تصوير منضبطة‮. ‬يرتاح الى الكاميرا المؤسسة ذات العراقة والى التمثيل الناضج المتلاحم في‮ ‬مشاكل شخصياته من دون اصطدام او ضعف‮. ‬قليلا فقط تبدو القصة كما لو أنها تريد جذب الفيلم الى وضع ميلودرامي‮ ‬تلفزيوني،‮ ‬لكن الشخصيات القوية والتمثيل الممعن في‮ ‬قوّة إيحاءاته‮ ‬يوجه الفيلم الى مستوياته الجادة‮. ‬ولولا أن النهاية،‮ ‬في‮ ‬الدقائق العشر الأخيرة او نحوها،‮ ‬أضعف بكثير مما‮ ‬يتوقعه المرء من فيلم عرض لمشاكل أهم من أن تُحل على النحو الذي‮ ‬يرد في‮ ‬ختام هذا الفيلم لكان أمامنا تحفة حقيقية‮.‬
يبدأ الفيلم ببطله جميل‮ (‬أحمد الحفيان‮) ‬يحمل حقائبه القليلة بعدما عاد الى الوطن بعد عشر سنوات من الغياب‮. ‬يجد عملاً‮ ‬في‮ ‬مكتبة قديمة تقع في‮ ‬وسط مدينة تونس‮. ‬صاحب المكتبة هو طارق‮ (‬باجي‮) ‬يعرض عليه الوظيفة وفوقها‮ ‬غرفة للنوم تقع في‮ ‬الطابق الأرضي‮ ‬ذاته‮. ‬فوق المكتبة تقع الغرفة التي‮ ‬يعيش فيها طارق مع زوجته الجميلة ليلى‮ (‬صبري‮). ‬الى جانبهما‮ ‬غرفة أخرى تعيش فيها والدتها‮ (‬مارتين جفصي‮). ‬أول دخول جميل‮ ‬يسمع صوت ليلى وهي‮ ‬تغني‮ ‬أسمهان‮.  ‬والمرء منا‮ ‬يحاول إستباقة الأحداث فيتصوّر أن علاقة عاطفية ستنشأ بين هذا القادم الجديد الذي‮ ‬يحتفظ بسرّه لنفسه ويتحدث بهدوء وصوت منخفض دائما وبين ليلى الجميلة التي‮ ‬تطمح لشق طريقها في‮ ‬عالم الغناء‮- ‬إن استطاعت‮. ‬لكن من حسن حظ الفيلم ومشاهديه هذا لا‮ ‬يقع‮. ‬هناك ملاطفة‮. ‬مداعبة لكن المشكلة ستقع في‮ ‬إطار بعيد جداً‮ ‬ولن‮ ‬يكون لجميل أي‮ ‬سبب فيها‮. ‬

هذا بعض قوّة الفيلم كونه‮ ‬يعمل على عكس المتوقع منذ اللحظة الأولى‮. ‬ومنذ اللحظة الأولى فإن جميل عنصر من عناصر العائلة وما‮ ‬يحدث لها وفيها‮. ‬طرف رابع في‮ ‬معادلة‮ ‬غير متوقعة‮. ‬الأم ذاتها لا تخفي‮ ‬إنجذابها لهذا الشاب الهاديء لكنها تحافظ طويلا على المسافة بينهما الى أن تزول تلك المسافة في‮ ‬ليلة إنفردا بها‮. ‬قبل ذلك،‮ ‬تجد ليلى في‮ ‬جميل مناسبة لتجديد زواجها الذي‮ ‬لم‮ ‬يمض عليه وقتا طويلا‮. ‬إنها تريد من زوجها ترك العمل في‮ ‬المكتبة لجميل والخروج من هذا المكان الذي‮ ‬باتت تراه موحشاً‮ ‬ومقبضاً‮ ‬خصوصاً‮ ‬وأنها،‮ ‬كأي‮ ‬فتاة تحلم بتحقيق طموح‮ ‬يختلف عن حياة الكتب،‮ ‬تنوي‮ ‬التحوّل الى مغنية محترفة‮. ‬ويزيد المشكلة بينها وبين زوجها تفاقماً‮ ‬زيارة رجل وزوجته‮ ‬يسمعان ليلى تغني‮ ‬ويدعوانها للغناء في‮ ‬حفل لقاء مال‮. ‬هذه هي‮ ‬المرة الأولى التي‮ ‬تقوم فيها ليلى بالغناء احترافياً‮ ‬ونيل مكافأة عليه‮. ‬لكنها حين تعود‮ ‬يواجهها زوجها‮ ‬غاضباً‮ ‬فتترك البيت‮. ‬الزوج‮ ‬يفقد عقله إذ‮ ‬يحبها أكثر مما كان‮ ‬يعتقد‮. ‬جميل والأم‮ ‬يحاولان إنقاذه،‮ ‬ثم‮ ‬يحاولان التعايش مع مصيبة الإبن الى أن‮ ‬يقرر المخرج الإنتقال الى نهاية تختلط فيها الفانتازيا بواجبات المشهد الختامي‮ ‬السعيد‮. ‬هنا‮ ‬يفقد الفيلم الكثير مما بناه على صعيد قضيّته المثارة‮.‬
لكنه لا‮ ‬يفقد حسناته الكثيرة على صعيدي‮ ‬الكتابة والإخراج ولا على صعيد منح الفيلم النظرة الصحيحة‮. ‬المعالجة المحترمة للأجواء المطلوبة‮. ‬الإيقاع المتمهل الذي‮ ‬يشبه قراءة كتاب قد‮ ‬يأخذ وقته في‮ ‬الوصف لكنه آسر في‮ ‬كل كلمة منه‮. ‬أهم ما‮ ‬يكمن في‮ ‬حسنات المخرج معرفته شخصياته جيداً‮ ‬وتوظيف هذه المعرفة على الشاشة بحيث‮ ‬يصبح المشاهد مدركاً‮ ‬لمواقعها ولخصائصها‮. ‬هذا فيلم لا‮ ‬يحتاج الى أخيار وأشرار،‮ ‬وفي‮ ‬حين أن كل شخصياته الرئيسية طيّبة الا أنها ليست ساذجة‮. ‬والموضوع العاطفي‮ ‬القائم بينها ليس إعتباطياً‮ ‬وليس أيضا محاك بسرعة لاستنفاذ بضعة مشاعر حادة‮.  ‬جميل‮ ‬يبقى اللوح الذي‮ ‬يكتب كل واحد من الآخرين كلماته عليه‮. ‬الزوجة تشكو إليه حالها،‮ ‬والأم تجد فيه ما تفتقده من حياة عاطفية كانت خسرتها وهي‮ ‬لا زالت شابة‮. ‬وطارق‮ ‬يثق به ويعتبره صديقاً‮. ‬جميل في‮ ‬خلال كل ذلك هو الوحيد القادر على إدارة المكتبة وهو‮ ‬يفعل ذلك متحمّلا وحدته ومشاكل الشخصيات الأخرى في‮ ‬العمق والصميم‮. ‬قليل ما نشاهد أفلاماً‮ ‬عربية تحسن شرح المواقف على هذا النحو‮.‬
الأجواء المشادة،‮ ‬بفضل تصوير جيد من جيل بورت،‮ ‬لا تدعي‮ ‬أكثر مما تريد أن تنجز‮. ‬لا أحد في‮ ‬الفيلم‮ ‬يحاول إنشاء معضلة ليست موجودة،‮ ‬والتصوير في‮ ‬هذه الحالة لا‮ ‬يحاول خلق حالة ضيق حدودي‮ ‬كون المكان مغلقاً،‮ ‬بل‮ ‬يستغله كما لو كان ملعباً‮ ‬كبيراً‮. ‬المكان في‮ ‬هذا الشأن‮ ‬يؤدي‮ ‬وظيفة مهمة في‮ ‬رصف الأجواء المطلوبة‮. ‬وحقيقة أن الدكان الذي‮ ‬اختاره كاتبا السيناريو نواف صاحب-الطابا وطارق بن شبانة مكتبة،‮ ‬يعكس ثقلاً‮ ‬محبباً‮ ‬على شخصياته كما على علاقة هذه الشخصيات بالعالم الخارجي‮. ‬المكتبة ليست مكاناً‮ ‬غاصاً‮ ‬بالزبائن والزوّار‮. ‬لم تعد كذلك منذ أن إنحسرت الثقافة عن الناس،‮ ‬وهذا وجع‮ ‬يظهر عرضاً‮ ‬في‮ ‬الفيلم مقصوداً‮ ‬او‮ ‬غير مقصود‮.‬


من أرشيف  مهرجان "كان"  |  مخرج يوغوسلافي في أستراليا عن الكوكا كولا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 # 65 |  The Coca-Cola Kid|  فتى الكوكا كولا

.....................................................................................................................
إخراج:  دوسان مكافييف
أدوار أولى: إريك روبرتس، غريتا سكاكي، بيل كير٠٠
كوميديا سوداء  ٠
اوستراليا - 1984
** تقييم الناقد

.....................................................................................................................
 في الوقت الذي كانت فيه شركة كوكاكولا تجري تجاربها على نوع جديد من مشروبها الحامل إسمها، كان المخرج اليوغوسلافي دوسان مكافييف يجري تجاربه على فيلمه الجديد هذا. المصدر مجموعة قصص قصيرة للكاتب الإسترالي فرانك مورهاوس، ولا علاقة بين الكوكا كولا الحقيقية وكوكا كولا الفيلم سوى أن تجربتيهما انتهتا بفشل متساو: المشروب الجديد الذي أطلقته في الشهر الخامس من العام 1984 في  السوق الأميركية  استقبل بفتور فعادت الشركة الى تركيبتها السابقة المعهودة، والفيلم الذي سطع على شاشة "كان" متنافساً في الشهر ذاته، فار سريعاً ولم يترك مفعولاً مؤثراً بدوره٠
المشكلة هي أنه فيلم كوميدي وأنه عكس المتوقع من الفيلم الكوميدي ... لا يُثير الضحك٠ هو لا يثير الحزن أيضاً. في الحقيقة لا تعرف ما الذي يريدك الفيلم أن تشعر به٠
إنع عن شاب أميركي (إريك روبرتس في واحد من أدوار البطولة القليلة التي سُنحت لشقيق جوليا) يحتل منصباً مهماً في شركة الكوكا كولا (التي يُشير الفيلم أن الشركة الأصلية لا علاقة لها بالفيلم) يصل الى استراليا وفي أوّل اجتماع يعقده مع مدراء وخبراء فرع الشركة، يكتشف أن هناك منطقة ما زالت تخلو من الكوكا كولا فيقرر غزوها. هنا ينتقل الفيلم، ببطء من نوع ما، الى مسألة مجابهة الجديد القادم وكيف أن الجديد يجرف القديم وكيف أن كل قديم مصيره الزوال. ما يواجهه بيكر (روبرتس) أن أهالي المنطقة لا يقبلون على الكولا الذي يشتغل بها، بل على كولا محلّية يصنعها رجل عجوز مكتف بما تحققه له من إيراد ضئيل٠
بالتالي، فإن ما سيحاول بيكر فعله، هو إبرام حكم الإعدام على الصناعة المحلية المستقلّة. كان يمكن المخرج أن يوضّح ما إذا كان دافع الفيلم الحديث عن هيمنة الشركات الأميركية او عن احتلال الحاضر للماضي. طبعاً من السهل تصوّر الوضع الأول، او الوضعين معاً، لكن التلخيص السابق  أفضل وضعاً من الطريقة التي رصفها الفيلم لأحداثه ومعانيه. وهو لا يصيب حظّاً كبيراً لا في مسألة الهيمنة ولا في مسألة تعاقب الأجيال او تأييد الأمس على اليوم، إذا ما كان هذا مسعاه.  يزيد ذلك سوءاً أنه لا يعرف ما يريد من مشاهديه حيال بطله: التعاطف او عدمه. هل بيكر هو الضحية من حيث لا يعلم؟ هو هو عدو نفسه كونه يعاني من عزلته فرضها على نفسه؟
اختيار روبرتس للدور لم يكن أفضل الإختيارات. هو ممثل موهوب، لكن موهبته ليست في هذا الصنف الطيّب من الأدوار. إنه غير مقنع وفيه طاقة شريرة تريد الخروج من تحد جلد هذا الدور الأملس، لكنها لا تستطيع٠


مخرجون كبار | روبرت ألتمَن حقق هذا الفيلم عن أسطورة جيمس دين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 # 66  |  Come Back To the Fives & Dimes, Jimmey Dean, Jimmy Dean| تعال الى متجر الخمس والعشر سنتات، جيمي دين  
.....................................................................................................................
إخراج:  روبرت ألتمَن
أدوار أولى:  ساندي دنيس، شير، سودي بوند، كارين بلاك، كاثي بايتس٠
دراما ساخرة [تكساس، السينما المستقلة، سينما ألتمَن، نجومية]٠ 
الولايات المتحدة - 1982
**** تقييم الناقد

.....................................................................................................................


فيلم روبرت ألتمَن هذا هو حول الوهم قبل كل أمر آخر. بطلاته هن نساء يعشن في الوهم، واقعهن قائم عليه وذكرياتهن تعيش منه. إنه تحول منذ زمن بعيد إلى حقيقة تعيش شخصيات ألتمَن عليها رافضة أن تفتح عينها من جديد على الواقع٠
في الأصل كتب أد كرايجك المسرحية التي قدمها روبرت ألتمَن نفسه على المسرح. سنوات قليلة من بعد نقلها المخرج إلى هذا الفيلم الذي صوره بكاميرا سوبر 16 ملم، في 19 يوماً وبميزانية بالغة الضآلة. وليس مفاجئاً، ربما، القول أن الفيلم، وأن عرف عروضاً تجارية، إلا أنه لم يعرف أي مستوى فعلي من النجاح. من جديد، نحن أمام مخرج ينشط كثيراً ويحقق أفلاماً متوالية بعضها أفضل من بعضها الآخر، لكنها لا تصب في محيط السينما الجماهيرية الكبيرة والمعروفة٠
 فيلم «عد إلى مخزن الخمس والعشر...» هو نموذج ألتمَني لعدة أوجه. نموذج للسينما التي كان  يحققها بعيداً عن القنوات التجارية وشركات هوليوود الكبيرة، نموذج للسينما التي يسجل فيها ملاحظاته حول ما يسكن داخل الناس وسط البيئة التي من حولهم، نموذج لطريقته الساخرة في تناول أو تسجيل تلك الملاحظات، ثم نموذج للشكل المسرحي ـ التفصيلي ـ الاستعراضي الذي يبينه حول أفلامه الأخيرة مع الملاحظة أنه هنا لا يخرج من المكان الذي تدور فيه الأحداث مطلقاً، والمكان هو متجر (محل) من تلك الرخيصة التي كانت تنتشر في المدن الصحراوية الصغيرة (في تكساس، كاليفورنيا وأريزونا) لتبيع كل ما هو رخيص الثمن وغالباً ما حوت على بضائع لا رابط بينها. روبرت ألتمَن يضعنا في داخل المحل كما يضع المسرح جمهوره داخل الصالة ويكون أمام الممثلين مساحة محدودة يتحركون فوقها، لكن الفارق هنا هو أن الكاميرا تستطيع بدورها أن تتحرك في ذلك المكان المزدحم. وهي إذ تفعل ذلك تتجنب أولاً تغيير الشكل والنمط المسرحيين في العمل، فلا حركات استعراضية ولا زوايا متعددة بهدف كسر حدة المسرح الذي في الفيلم. المونتاج أيضاً يمارس الحذر نفسه فيأتينا الفيلم بكامله سلساً ومشبعاً في الوقت ذاته٠
لكن ما الذي يمكن لمخرج ما أن يحكيه في فيلم مغلق كهذا وينجو من السقوط في السأم؟

الحكاية ذات خط بسيط جداً: بعد عشرين سنة من موت الممثل جيمس دين، تلتقي بعض عضوات جمعية معجبين سابقة في المحل التي تملكه إحداهن. الحديث ينتقل بكل منهن إلى الماضي. من الواقع إلى الوهم الذي حاكته كل واحدة حولها وعاشت فيه. تحكي روايات مختلفة في بعضها وأخرى تكشف فيها أسراراً لم تكن الباقيات على علم بها، وأحياناً ما تكشف الواحدة للأخرى عن تلك الأسرار المتعلقة بالثانية معيدة إياها إلى الواقع من أرض الوهم. هذا كله ليس بالتعقيد الذي توحيه هذه الكلمات، ألتمَن يزيّن المحل بمرآة كبيرة وهذه المرآة تصير اللوحة التي تعكس الماضي والأوهام والذكريات. حينها يصور ألتمَن نساءه على المرآة، أما حين يعشن اليوم ـ أو الحدث الذي أمامنا ـ فهو يصورهن من دون تلك المرآة. لكن هذا التفسير بدوره يوحي بتبسيط غير واقعي٠
المسألة في طبيعتها هي أن ألتمَن قد عرف كيف يوصل ما بين ذلك الوهم الذي يظهر في المرآة وفي ماضي بعض شخصياته وبين الواقع الذي يصوره من دون المرآة وفي حاضر تلك الشخصيات. أنه خيط عاطفي ونفسي يتجسد في شخصية مونا (ساندي دنيس البارعة دوماً في أدوارها) التي تدعي إنها كانت قد التقت بجيمس دين حينما كان يمثل آخر أفلامه «عملاق» أمام اليزابيت تيلور، وإنها كانت من «كومبارس» الممثلين ووقفت وراء اليزابيت تبلور في أحد المشاهد. وأن علاقتها بجيمس دين تطورت فحبلت منه ولداً نسمعها تتحدث عنه وتناديه ولكننا لا نراه٠
الشخصيات الأخرى ـ وبينها جوان (كارين بلاك)  التي اختفت من المجموعة قبل عدة سنات رجلاً مخنثاً وعادت إليها بعد أن أجرت عملية تحولت بها إلى أنثى ـ هي أيضاً خيوط ما بين الماضي والحاضر وبين الوهم والحقيقة، لكن الفيلم غير مصنوع لأدانة تلك العلاقة ولبحث نتائجها ولو أنه في النهاية يعتم الصورة التي رسمها حول تلك النسوة وهن يكتشفن وهم السنوات العشرون الماضية. جوان ذاتها تكون مفتاح النوافذ التي كانت موصدة. ونفهم أن الليلة التي تدعي مونا إنها قد قضتها مع جيمس دين قبل انطلاقه في سيارة سريعة واختفائه (موته بحادثة) لم تكن سوى معها هي عندما كانت شاباً ذكراً٠
لكن المسألة ليست بالمرة وقفاً على حكاية معجبات يتبادلن الحديث عن أنفسهن وعواطفهن. ما يجعل الفيلم أكثر قيمة أن المادة التي يتداولنها وينطلقن منها هي جيمس دين ـ هوليوود ـ السينما. ونحن بعد أن نغوص قليلاً في استعراض ألتمَن ندرك أنه قد اختار ميدان السينما مكاناً لنقده هذه المرة (الوسط الموسيقي في «ناشفيل» العسكرية في «ماش» و »مظليون» ثم عالم الأزياء وعالم التمثيل الخ...). ألتمَن يتحدث هنا عن الأسطورة وراء الممثل. عن كيف تصنع المجلات الكبيرة الهالات الكبيرة، وكيف تغذيها السينما ـ الجماهيرية التي ـ في الواقع ـ لا تستهوي ألتمَن ولا هو يستهويها٠
 ألتمَن يفتح جرحاً صغيراً في تلك الأسطورة لكنه جرح كاف لأن ينزف طويلاً. وإحدى عبارات الفيلم ذات الأبعاد تقول: "الإيمان شيء غريب ـ أليس كذلك؟ عندما لا يدري من تؤمن به إنك موجود"٠
بالنسبة إلى مونا كان جيمس بوند وبقي الشكل الذي آمنت به طويلاً، لكن ذلك الكل ـ الإنسان لم يعرفها. إنه أبداً لم يلتق بها، كما لم يلتق يوماً بملايين المعجبين به والمؤمنين بأسطورته، وهذه عند ألتمَن كافية لكي تشير إلا أن خللاً رئيسياً يحدث في كل مرة تستولي فيها قوة الخيال على الناس٠
الفيلم يحمل، من خلال هذا، رمزياته المتعددة واحداً إنه إذا كان جيمس دين هو السحر والأسطورة والهالة. فإنه وعلى أصعدة أخرى لا علاقة لها بالسينما ـ هناك أكثر من جيمس دين وكل له سحره وأسطورته وهالته، وكل استولى على معجبيه وربما نقلهم من الواقع إلى الخيال٠
التمثيل هنا تجربة لكل من الممثلات والمشاهدين، كل واحدة أعطت أفضل أداء ممكن لها، وهو أداء عال ومتوتر خاصة وأن الفيلم بقي على علاقة ـ هنا ـ بتقنية المسرح وطبيعته السردية. ألتمَن يرعى ممثلاته بكثير من التفهم ويديرهن جيداً. في الحقيقة أنه يدير كل هذا الفيلم جيداً ويصنع عملاً يثير الإعجاب والاحترام لتكامله ـ من جهة ـ ولخروجه عن مسار السينما التي ينتقدها ولو أنه لم يكن لديه مجال في الأصل لينتمي إليها بعدما كرّس معظم أعماله في منهج بحثي وعرضي لا علاقة له بالطريقة المألوفة لسرد قصة. هذا العمل هو قمة نجاحه في هذا المنهج٠




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Year 2. Issue 61 | Date Night| Mother | Little Drummer Girl |Granpa is Dead | Letters to God| The Last Song


أفلام العدد

موعد ليلي | مدينة محكوم عليها في
ليلة واحدة تلك التي يختارها ستيف
كارل وتينا فاي لإنعاش حياتهما
الزوجية فيقعان في ملابسات خطرة
..................................................................................................

أم الأم في هذا الفيلم الكوري الجديد
والجيد رغم رفض "كان" له في العام
الماضي، تدافع عن إبنها قاتلاً او بريئاً
وتفقد في ذلك وجهة الصواب او الخطأ



 .................................................................................................. 

ضاربة الطبل الصغير الى جانب مشاكل
تتعلّق بالنظر الى القضية الفلسطينية، فإن
وجود دايان كيتون في بطولة  هذا الفيلم
مشكلة قائمة  بحد ذاتها
..................................................................................................
B  الصالة
الجد مات | معالجة ميلودرامية مفتعلة هزلية وهزيلة في هذا الفيلم الفيليبيني
رسائل الى الله | ما يُقال في الخطب الدينية لا يمكن نقله كما هو الى السينما
الأغنية الأخيرة | على غرار كل الممثلين- المغنين الذين مرّوا بسماء هوليوود




A   صالة
جديد هذا الأسبوع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
موعد لطيف  ينقلب الى كابوس خفيف في فيلم سخيف


  55Night Date *1/2  | موعد ليلي
إخراج: شون ليڤي
أدوار أولى: تينا فاي، ستيف كارَل٠
النوع: كوميدي أكشن | الولايات المتحدة - 2010
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 حين يقترح فِل فوستر (ستيف كارَل) على زوجته كلير (تينا فاي) الذهاب الى واحد من أغلى مطاعم مدينة مانهاتن، تقابل  زوجته ذلك الإقتراح بترحاب ولو ببعض التردد. ذلك لأنها مثله تدرك أن الحياة الزوجية جعلتهما مثل عقربي الساعة: يدوران طوال الوقت من دون جديد٠
هو محام وهي تشتغل في العقارات. تزوّجا منذ خمس او ست سنوات ولديهما ولدين وليس هناك من شيء آخر يشغلهما. يحبّان بعضهما البعض، لكن هذا الحب ما عاد عاطفة مشتعلة. والسرير بات مأوى للنوم فقط.  نعم يذهبان الى المطاعم القريبة، ويمضيان الوقت في مراقبة الزبائن الآخرين لكن هذا هو منتهى الإثارة التي بقيت لهما٠
حين تسمع كلير حكايات زوجات أخريات حول مرور علاقاتهن الزوجية في نفق الضجر تدرك أن هذا ما يبدو حاصلاً وأن الطلاق ربما بات على الباب. نفس الشيء بالنسبة إليه: ها هو يستمع الى صديقه  (مارك روفالو في دور قصير) وهو يبدي سعادته من أنه اتفق وزوجته على الطلاق. معاً يدرك فِل وكلير أن السبيل الوحيد لإبقاء شمعة العلاقة مشتعلة هو "تغيير الجو". هاهو  فِل يقترح على زوجته المطعم الغالي بعدما قامت، بدورها، باستقباله حال عودته الى العمل بفستان جديد "لكن المطعم لا يستقبل زبائن من دون حجز"، تقول له فيجيب أنه واثق من أنهما سيدخلانه هذه الليلة٠
المربية في البيت. السيارة على الطريق. المدينة تبدو جميلة بلقطة ليلية طائرة، ثم ها هما يقفان عند المدخل يستقبلهما موظّف مخنّث وفظ يخبرهما أن زبائن المطعم يحجزون قبل أشهر وأنه لا أمل لهما في مكان ... لكن ... هناك سيناريو يجب أن يتم تطبيقه ويقضي بأن يدخلا المطعم على أي حال. سيدعوهما الى "البار" للإنتظار إذا كان هناك أي تعديل. بعد لحظات تمر نادلة لا تقل عن الأول فظاظة. تنادي على زوجين من آل تريبلهورن. حين لا يُجيبان لأنهما لم ينتظرا على ما يبدو، تخطر لفِل فكرة ويرفع يده ويقول "نحن تريبلهورن"٠ بذلك يحقق الزوجين حلم الموعد الليلي الذي سينقذ زواجهما من نهاية مبكرة٠

هاهما يتناولان الطعام ويحتسيان الخمرة والسعادة تملأهما الى أن يتقدّم منهما رجلين (أبيض وأسود) ويطلبان منهما تسليم برنامج مسجّل على مفتاح كومبيوتر معتقدين أنهما تريبلهورن.  المقصود هنا هو أن لجوئهما الى تقمّص شخصيّتين غريبتين كان مفتاح لأحداث جسيمة. حين يحاولان تأكيد أنهما ليسا  تريبلهورن ويسردان كيف سمحا لنفسيهما تقمّص الشخصية فإن رد الشريرين هو  التهديد بالقتل الا إذا سلّما ما يعتقدان بأن الزوجين يملكانه. تحت الحاجة لابتكار شيء ما، يخبرهما الزوج أنه خبّا المفتاح في السنترال بارك لكنه يفلت  وزوجته من الشريرين بعد مطاردة أولى تليها مطاردات عدّة طوال الفيلم يظهر فيها الزوجين تعاضداً وتضامناً كفيلان بإنقاذ زواجهما إذا ما بقيا حيين وانتهت أزمتهما على خير. وأنت تعرف إنهما سيبقيان حيين فالتركيبة لا يمكن الا أن تكون كذلك.  النهاية سعيدة  بصرف النظر عن الأزمات والمخاطر والمطاردات. المخرج وكاتبه وهوليوود كلها تعرف أنك تعرف أنهما سيبقيان حيين في نهاية الفيلم. لذلك يضع الجميع الثقل على ما يحدث في تلك الليلة العصيبة . ما ليس في الحسبان أن المخاطر تبدو مخاطر لأن الفيلم يصفها بذلك، أما الحس المتنامي لدى المشاهد فهو أن ما يدور مثير للمتابعة من دون أن يملك أي جديد على سيل من الأفلام ذات المشاهد المماثلة٠
الشريران المذكوران هما من رجال البوليس وهما فاسدان يعملان لحساب شخصيات فاسدة (أحاول أن أبقي التفاصيل طي الكتمان حتى لا أفسد متعة المشاهدة) والضابطة المسؤولة  ليست فاسدة لكن لا شخصية لها. أعطاها المخرج بضع أسطر هنا وهناك تنتهي دائماً بالنظر الى شريكها في التحقيق كما لو أنها تسأله إذا ما كان هذا كل شيء يستطيعان القيام به.  وهناك شخصيات أخرى إما سيئة او سيئة جدّاً او لا شخصية حقيقية لها مثل الشخصية التي يؤديها مارك وولبرغ. ذلك الرجل الذي يملك مفاتيح من شأنها مساعدة الزوجين على النجاة والذي يصر على أن يظهر أمامهما من دون قميص. يُحسن الفيلم هنا استغلال مسألة القميص، وبعض المؤشرات الأخرى، لإثارة غيرة الزوج على زوجته التي تبدو كما لو أنها سقطت تحت سحر تلك العضلات والنظرات التي تعلوها. لكن هذا ليس سوى مناسبة شبه يتيمة  او واحدة من مناسبات قليلة ومتباعدة ينجح فيها الفيلم عبرها في التقاط ثنايا العلاقة بين الزوجين منطقياً وهزلياً في الوقت نفسه. لكن الفيلم من مطلعه الى نهايته مليء بالثقوب التي تنال من المنطق حتى في حدوده الضيّقة. الأحداث تجري على النسق المختار لها سواء أكانت هناك احتمالات أخرى لكل واقعة أو لا. مثلاً، لماذا لا يتمكّن المجرمان مطلقاً من إعادة القبض عليهما؟ ولماذا لا يكتشف البوليس أن شرطييهما الفاسدين متورّط فيما يدور؟ ثم ما هي هذه العقدة التي من أجلها سيتم تعريض حياة عديدين للخطر بحثاً عن معلومات ليست بتلك الخطورة (رغم الإدعاء بأنها كذلك)؟
هذه الاسئلة مجازة لكن إذا قررت أن تمر عليها من دون توقّف فإن الفيلم قد يُثير ضحكك هنا وحماسك هناك لكنه سيبقى عملاً عابراً ترميه وراء ظهرك حال انتهائه. ما هو أكثر أهمية من تلك الاسئلة يكمن في المعاني التي يكتنزها الفيلم. معاني غير بريئة تمر ضمن خطوط سبق لأفلام أخرى أن شاركت بعرضها٠
 من البداية، هناك تعليق حول انهيار الحياة الزوجية في كذا عائلة. لكن النموذج القيادي هنا (عائلة فوستر) هي عائلة ذات قيم  ولن ترضى أن تنهار. هذا جيّد وإيجابي، لكن المواقف اللاحقة تكشف عن مجموعات من الأحداث تؤمّها مجموعة من الشخصيات التي لا علاقة لها بالوضع الزوجي المشار إليه. إنه كما لو أن الكاتب جوش كلاوزنر لديه حساباً يريد تصفيته مع الآخرين فينصرف إليه. النادلان في ذلك المطعم ليسا سوى البداية، وحين يصفهما الفيلم بالفظاظة وقلّة الإحترام تعتقد أنه انتقام الكاتب (والمخرج ربما) من سوء معاملة تلقّاها في مطاعم مماثلة لكن بعد قليل تكتشف أن العداء يشمل كل الشخصيات الأخرى. ليست هناك من شخصية سليمة او تماثل شخصية فِل وكلير نقاوة: تلك التي يؤديها مارك روفالو على خطأ، تلك التي يؤديها مارك وولبرغ غير أخلاقية، سائق التاكسي الأسود شخصية غبية، الشرطيان فاسدان. الضابطة التي تستلم التحقيق لا شخصية لها ولا أثر. المربّية كاذبة همّها استغلال ما يحدث لكي ترفع من أجرها. الثنائي تريبلهورن الحقيقي صعلوكان اجتماعيان. الشريران الأساسيان (ديفيد فيتشنر وراي ليوتا)  بالغا الفساد بحيث لا يصلحان الا للنهاية التي يحصدانها٠
المدينة بأسرها محكوم عليها هنا بالسلب. لا يوجد مكان واحد يلجأ إليه الزوجين الا ويبدو كما لو كان تابعاً لمنظومة شريرة تعمل في الخفاء. أقسام بوليس عاجزة، طرق مزدحمة غير آمنة. ملاهي ليلية قذرة الخ٠٠٠

The Out of Towners في العام 1970 قام المخرج آرثر هيلر بتنفيذ فيلم عنوانه
او ما يمكن ترجمته بـ "غريبان عن المدينة" من بطولة جاك ليمون وساندي دنيس عن سيناريو لبول ناتان مقتبس عن مسرحية لنيل سايمون. الوضع ذاته نجده هناك، حيث هذين الزوجين الطيّبين القادمين من الريف يكتشفان أن المدينة ليست سوى كتل من الفساد تعلو بعضها بعضاً. ذلك الفيلم سيء كوميدياً كعادة الإقتباسات التي تمّت عن مسرحيات نيل سايمون، ولأسباب كثيرة، وأهمّها أن أشبه بـعملية "نق" مدّتها ساعتين وملؤها شخصيات غير سعيدة لديها شكوى حيال كل شيء. هذا الفيلم أفضل منها على هذا الصعيد، لأنه بلا "نق"٠ لكنه لا يزال يجد سلبيات  في كل من هو خارج نطاق هذين الزوجين٠
 الفيلم  الجديد يستخدم أسماء أعضاء بشرية على نحو فظ بدوره كما لو كانت "اكتشافات" جديدة لم يسبقه إليها أي فيلم سابق. يرددها بطلاقة مراهق يريد إثبات مداركه.  بعض المشاهد تؤدي الى  نوايا ضحك الا أنها  نوايا بلا وقود كاف لاستكمالها، فتتحوّل الضحكة الى نصف قهقهة او تنزلق على الأوتار الصوتية بلا أثر٠ 
 شون ليڤي كان أخرج "ليلة في المتحف" و"ليلة في المتحف 2": فيلمان رديئان لكنهما ناجحان تجارياً. هذا الفيلم أفضل بقليل على مستوى التنفيذ، لكنه في النهاية يتعثر بحباله وتفر من ثقوبه المسببات والمبررات وفي مقدّمتها مصداقية الفيلم بأسره٠

Director: Shawn Levy
Cast: Steve Carell , Tina Fey, Mark Wahlberg , Taraji P. Hanson, Jimmi Simspon, Common, William Fichtner, Mark Ruffalo, James Franco, Ray Liotta
Screenplay:  Josh Klausner
Cinematographer: Dean Semler  (Colour, 35 mm).
Editor: Dean Zimmerman (88 min).
Music: Christophe Beck
Prod. Designer: David Gropman
Producers: Shawn Levy, Tom McNulty.
Prod. Company: 20th Century Fox/ 21 Laps Entertainment/ Media Magik [USA- 2010].



عروض خاصّة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أم تدافع عن إبنها ظالماً او مظلوماً



56  |   Mother *** |   أم

Bong Joon-ho  إخراج:  بونغ جون-هو
أدوار أولى: كيم هاي-جا، وون بين، جِن جو٠
دراما نفسية | كوريا الجنوبية - 2009
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في جانب منه، يصب "أم" في خليّة الأفلام التي عادة ما نطلق عليها عبارة "بوليسية". في الغرب غير الأسيوي، كلمة "بوليسية" تعني أن الدور الأول والحبكة يحتويان على تحقيق جنائي يقوم به رجل او رجال بوليس. جريمة تقع. يتدخل التحري الرسمي المكلّف ويفعل هذا وذاك ويتهم ويكشف ويطارد ويلقي القبض على هذا او ذاك الى اخر التوليفة. في المفهوم الأعم، هي كلمة قد تصف أي فيلم قائم على موضوع جنائي كهذا الموضوع خصوصاً إذا ما كان يحتوي، على أي حال، على من يبحث ويحقق ويسعى. قد يكون تحر خاص، وقد يكون محام وقد يكون متّهماً بريئاً، كما في أفلام هيتشكوك ..او قد يكون أباً او أما. المخرج بونغ جون-هو يختاره أمّاً٠
الأم المعنية (كيم هاي-جا) نراها في مطلع الفيلم ترقص في حقل أصفر. تتمايل على أنغام موسيقا غير شرقية كما لو كانت سنبلة تلعب بها الريح، ثم ننتقل إليها وهي في دكّانها الملحق بالمنزل في بلدة ما. هي تعمل في الأعشاب الطبيعية وتحضّرها للتداوي. اختصاصها الأبر الطبيّة. أول ما نراها نجدها تنظر الى خارج الدكان حيث الشارع وعلى الرصيف المقابل إبنها مع شاب وفتاة. فجأة تمر سيارة مرسيدس وتضرب أبنها. ومع أن الضربة خفيفة الا أن الأم تركض في خوف شديد على حياة إبنها. أصبعها يقطر دماً لأنها قطعت أصبعها بالنصل الذي كانت تقطع به تلك الأعشاب٠
إبنها دو-جونَ (وون بين) شاب متخلّف المدارك الى حد معيّن. الى حد أنه، مثلاً، قد يصدّق أموراً او قد ينقاد الى عواطف بلا تفكير معيّن. الى حد أنه لم يمارس الحب بعد وأنه لا يزال ينام في سرير واحد مع والدته٠
إثر الحادثة ينطلق وصديقه جِن تا (جِن جو) بحثاً عن السيارة التي تخص رجلاً ثرياً كان يقصد ملعباً للغولف. هناك يكسر جِن تا مرآة السيارة الخارجي برفسة قوية من قدمه. حين يحاول دو-جون لكي يكسر المرآة الأخرى بنفس الضربة يسقط أرضاً. بعد قليل معركة بينهما وبين جماعة ذلك الثري تنتهي بالجميع الى قسم البوليس. سنكتشف لاحقاً أن هذا الحادث لا يدخل في صلب الحبكة، لكنه على علاقة بتأسيس الشخصيات. يشرب دو-جون حتى الثمالة في إحدى الحانات بعدما وعد نفسه بمقابلة غرامية مع فتاة لا تأتي. حين ينصرف ماشياً في الأزقة يجد أمامه فتاة. يتحدّث إليها. ترميه بحجر كبير. اختفاء تدريجي سريع. ها هو يصل البيت ويأوى (بثياب اليوم) على الفراش الممدد أرضاً لجانب أمّه٠ اللقطة تنصب إليهما من السقف بعيدة. إيحاء بعلاقة بالكاد باقية ضمن ما هو طبيعي. نفسياً غير صحيّة. جسدياً لا زالت في المنطقة المسموحة٠
في اليوم التالي، جثّة الفتاة تُكتشف على سطح بيت مرتفع كما لو أن القاتل يريد من كل البلدة أن تراها. البوليس يُلقي القبض على دو-جون وينال منه اعترافاً بعد تخويفه بأنه قتلها. القضيّة انتهت حتى من قبل أن يتسنّى للأم مقابلته٠ 
في محاولة والدته تبرأة إبنها تقصد محامياً لا يكترث. تدخل منزل صديق إبنها جِن تا باحثة عما يؤكد شكوكها بأن جِن هو القاتل. ثم تستعين بالثاني لاستجواب صبيين مراهقين يعرفان القتيلة ويكشف أحدهما أن القاتل  موجود في الهاتف النقّال كواحد من عدّة ذكور عاشروا الفتاة المقتولة. شكوكها تنتقل الى رجل فقير يعيش وحيداً في كوخ وفي زيارة له يكشف لها أنه شاهد إبنها يقتل الفتاة فعلاً. ما تفعله الأم دفاعاً عن إبنها لا يدخل في كتب المحاماة ولا علاقة له بالرزانة والقضيّة تزداد تشابكاً في بعض أصعدتها حينما يتم الإفراج عن ابنها بعدما اعتقل البوليس شابّاً متخلّفاً اخر اعترف بأنه ارتكب الجريمة٠
في بدايته، يبدو المخرج كما لو كان يقصد الحديث عن مجتمع يعاني من حدّة العلاقة بين الفقراء والأغنياء، لكن حينما نجد أن المتّصلين بالجريمة هم من ذات البيئة المحدودة التي تنتمي اليها الأم وإبنها، ندرك أن ذلك البعد ليس وارداً بحد ذاته كرسالة. وربما عن صواب، ذلك لأن المخرج حاك موضوعاً مترابطاً، رغم ثقوب، فيه ما يكفي من تحدّيات للقصّة البوليسية التقليدية. الأم تدافع عن إبنها من دون أن تدرك الحقيقة وحين تجد الحقيقة تردمها. لكن أي حقيقة؟ هناك من يقول أنه شاهد إبنها يرتكبها وإبنها بتخلّفه لا يبدو واثقاً ولو أن قيامه بالقتل محتملاً (المبررات ضعيفة وكان عليها أن تكون أقوى) ثم البوليس يعتقد أن الفاعل شخص آخر. هي لم تعد تدري وفي غضون ذلك أصبحت مجرمة. قتلت رجلاً ولن تعرف الجواب على سؤالها حول ما إذا كان إبنها فعلاً هو القاتل، ولا المشاهد كذلك
تعامل المخرج بونغ جون-هو مع القصّة البوليسية في أوّل أفلامه "مفكرة مجرم" التي صاغها أيضاً في بيئة ريفية وهو يستمد منها عالماً مثيراً للإهتمام بتكويناته الطبيعية (أشجار، سهول، عالم  مدني ضيّق وسط البريّة الخ٠٠٠) والبيئية والإجتماعية حيث تكاد يتعرّض المخرج لنماذجه ضمن ما يعرضه من أحداث تتميّز بدرجة عالية من الإجادة. لولا أنه ينزلق في بعض المشاهد الى حيث الحاجة للمشهد غير مقنعة (كما الحال هنا حين تقتحم الأم منزل صديق إبنها خلسة او حين يحقق هذا مع الطالبين بعنف شديد)٠

Director:  Bong Joon-ho 
Cast: Kim Hye-ja , Weon Bin, Jin Gu.
Screenplay: Park Eun-gyo,Bong Joone-ho
Cinematography:, Hong Gyeong-pyo  (color, widescreen).
Editor: Mun Se-gyeong  (129 min).
Music: Lee Byeong-woo
Production Designer: Ryu Seong-heui
Producer Seo Woo-shik, Park Tae-jun
Prod. Company: Barunson production (South Korea- 2009).




الصورة العربية على الشاشة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صراع المخابرات قبل "ميونخ" - سبيلبرغ


57 The Little Drummer Girl **1/2    فتاة الطبل الصغير
إخراج: جورج روي هِل٠
أدوار أولى: دايان كيتون، يورغو فوياغيس، كلاوس كينسكي
جاسوسية [فلسطين/ اقتباسات أدبية] | الولايات المتحدة - 1985
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  رواية جون لو كاري "فتاة الطبل الصغير" واحدة من بضع روايات قامت السينما بنقلها للكاتب. قبلها
The Spy Who Came in From the Cold  حولت : الجاسوس الذي قدم من البرد
The Looking Glass War  سنة 1967 ثم "منظار الحرب" ٠
و"فتاة الطبل الصغير" نُشرت سنة 1983  وخطفتها شركة وورنر واختارت المخرج الناجح حينها جورج روي هِل لتنفيذها وكان هذا فيلمه الثالث عشر علماً بأنه لم يخرج سوى أربعة عشر فيلماً. على ذلك أفلامه الأخرى كانت ناجحة، يكفيه في ذلك فيلميه مع روبرت ردفورد وبول نيومان
Butch Cassidy and the Sundance Kid بوتش كاسيدي وسندانس كِد
The Sting و اللدغة
الأول سنة 1969 والثاني سنة  1973. بينهما فيلمه الذي أعتقده أفضل ما حققه وهو
Slaughterhouse-Five
علماً بأني لم أر ذلك الفيلم الا مرّتين آخرهما سنة  1982 بعد عشر سنوات على إنتاجه٠
روايات لو كاري ليست مثل روايات إيان فلمنغ مبتدع جيمس بوند، وأبطاله ليسوا مثل العميل 007 كذلك المغامرات ليست ذاتها. في أعمال لو كاري مهارة وأسلوب من يريد الأدب ونقل التشويق بعناية القاص الدرامي. روايته "فتاة الطبل الصغير" واحدة من أفضل أعماله لكن الفيلم ليس واحداً من أفضل أفلام هِل للأسف وجزء من السبب الكبير يعود الى أن لو كاري نظر الى الصراع العربي الإسرائيلي في تلك السنوات التي خاض فيها الجانبان حروبهما في أوروبا نظرة المتفحّص الذي لديه ما يقوله في صراع يجد أن كل طرف فيه لديه الحجّة التي يواجه بها الآخر وأن العنف لم يكن من صفة الفلسطينيين والعرب وحدهم، بل من صفات الموساد كذلك. لو كاري لم يحاول تبرير قسوة الإسرائيليين ومنح الفلسطينيين وجهة نظر. لكن هذا ما لم يستطع جورج روي هِل، كونه كان يعمل في هوليوود التي ربما كانت يساراً في كل شيء باستثناء موضوع الصراع العربي الإسرائيلي، ومرتبط بعقلية لا يريد إيقاظها من نومها٠
بطلة الفيلم هي تشارلي (دايان كيتون) ممثلة مسرح أميركية تعمل في لندن، يتم استغلالها من قِبل الموساد للإيقاع برجل غامض وصعب أسمه خليل  (سامي فراي) يرأس مجموعة إرهابية تزرع القنابل في بيوت الدبلوماسيين الإسرائيليين وفي قاعات المحاضرات التي يؤمها رجالاتها.   تقع تشارلي في حب ضابط إسرائيلي  أسمه جوزف (يورغو فوياغيس)، لكن هذا ينفّذ ما يراه صالحاً لوطنه تبعاً لأوامر رئيسه كورتز (كلاوس كينسكي) ويعمد على استغلالها الى آخر مدى. نتيجة تلك العلاقة توافق على أن تدّعي الثورية مستندة الى معرفتها السابقة بشقيق رئيس المجموعة الفلسطينية، وتحمل حقيبتها وتحط في بيروت (تم التصوير بين ألمانيا واليونان مع مشاهد محددة في لبنان) حيث تتدرّب في مخيم فلسطيني وتشهد عملية تنفيذ الإعدام في جاسوس إسرائيلي كان دخل لبنان ليتابع مراحل عملها. حين عودتها الى أوروبا تتصل بها المجموعة وتهيء لها لقاء خليل.  تخطط الموساد ليكون اللقاء حاسماً وتقتحم معقل خليل بعد وصول تشارلي وتقتله٠
مشكلتي مع الفيلم تبدأ بدايان كيتون التي كانت اتصلت بالمخرج وطلبت منه تحويل الشخصية التي مثّلتها من بريطانية الى أميركية (ما يعني إنها كانت لا ترغب في أن تمثّل بلكنة بريطانية لن تجيدها على أي حال لأنها لو أجادتها لما تقدّمت بذلك الطلب) مقابل الإستغناء عن نصف أجرها الذي كان وصل آنذاك الى مليوني دولار. والنتيجة على الشاشة كارثية. دايان ليس لديها فكرة  مستقلّة عما يجب أن يعتمر داخلها خلال سبر غور الأحداث العاطفية المعقّدة فتكتفي بتمثيل اللحظة حسب ورودها في السيناريو. وهي تعكس شخصية ساذجة  توافق عبرها على أن لإسرائيل حق الدفاع عن نفسها وحماية كيانها، لكنها تعارض أسلوب هذا الدفاع. في الرواية، فإن الممثلة البريطانية يسارية بوضوح وتخرج من تدريبها في المعسكرات الفلسطينية أكثر إيماناً بالقضية الفلسطينية، لكن حبها لجوزف الإسرائيلي والضغط الممارس عليها من قبل خليل لتنفيذ عملية إرهابية يدفعانها لانهيار عصبي في الوقت الذي سوف لن يكف فيه رئيس الموساد عن استغلالها للوصول الى مأربه (قتل خليل) مهما كان الثمن٠
تحويلها الى إمرأة ساذجة أريد له الجواب على السؤال حول السبب الذي من أجله تتعاطى هذا الدور المزدوج، ولماذا لديها عواطف سياسية صوب الفلسطينيين. الفيلم يطفيء الشعلة السياسية وفي المقابل عليه أن يصوّر بطلته مغمّضة العينين لا تدري بعد ما تفعله لكي يمنحها التبرير الذي تحتاجه الشخصية٠
في الفيلم ذكر لمجزرة دير ياسين، ومشهد لقائد فلسطيني (أعور بعصبة سوداء على عينه) يتحدّث فيها عن كيف يفرّق الفلسطينيون بين اليهودي والصهيوني، لكن المقدار قليل لكي يترك أثراً صحيحاً فالبطولة الفعلية هي لرجال المخابرات الإسرائيلية المضطرين للعنف دفاعاً عن وطنهم المهدد٠  
الإخراج آلي لا عمق فيه، والتمثيل ليس بعيداً عن خانة الصفر من قِبل الجميع لكن في حين أن باقي الممثلين يتوارون وراء ما هو متوقّع من شخصياتهم (على ضفّتي الخط السياسي) فإن كيتون، التي عليها حمل الفيلم، تجهد في سبيل أن تجد وضعاً مناسباً، لكنها دائماً ما تبدو أقل إشباعاً لما هو مطلوب٠

Director:   George Roy Hill  
Cast:  Diane Keaton , Yorgo Voyagis, Klaus Kinski, Sami Frey, Michael Cristofer, Eli Danker.
Screenplay:  Loring Mandel
Source: John Le Carré
Cinematography:  Wolfgang Treu   (color, 35mm).
Editor: William Reynolds  (130 min).
Music:  Dave Grusin
Production Designer: Ryu Seong-heui
Producer: Robert L. Crawford
Prod. Company : Barunson production (South Korea- 2009).



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Year 2. N.: 60 | أزمنة عصرية: تحفة تشارلي تشابلن وآخر كوميدياته



Modern Times | القصّة وراء فيلم تشارلي تشابلن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحد أفضل الأفلام الكوميدية في التاريخ هو أيضاً أحد
أفضل الأفلام التي تحدّثت عن الوضع الإجتماعي الأميركي٠
لكن "أزمنة عصرية" لم يكن فيلماً سهل التحقيق: يكفي أنه
كان صامتاً بعدما نطقت كل الأفلام٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حين أنجز الممثل والمخرج تشارلي تشابلن "أزمنة عصرية" سنة 1936 كان مرّ علي نطق السينما ثماني سنوات.  قبله كان أخرج  فيلمين آخرين غير ناطقين هما "السيرك" في العام 1928 و"أضواء المدينة" في العام 1931. "أزمنة عصرية" كان أيضاً آخر فيلم صامت ينجزه، بعده أخرج ومثل فيلمه الشهير "الدكتاتور العظيم" (1940) وجاء ناطقاً بالكامل، كذلك حال أفلامه الأربعة الأخرى بعد ذلك: "مسيو ڤردو"-1947، "أضواء الشهرة"-52، "ملك نيويورك"- 57 و"كونتيسة من هونغ كونغ"- 67
لابد من ملاحظة أن هذا الفيلم (السبعون من إخراجه منذ العام 1914) كان آخر ظهور لشخصيته الشهيرة، شخصية شارلو المتسكع. في فيلمه التالي لعب دورين: دور هتلر ودور حلاق يهودي، كلاهما لا علاقة له بشخصيته الشهيرة ولو أن هتلر كان "الدكتاتور العظيم"  معجب بشخصية تشابلن وقصّ شنبه على طريقة الممثل/ المخرج٠
أن يقول المرء أن "أزمنة عصرية" تعليق تشابلن على زمنه، فإن هذا أمر بدهي. ما يجب أن يُقدّر بذات الإهتمام هو أن الفيلم أحد أفضل خمسة لتشابلن في تاريخه. الأفلام الأربعة المؤكدة، بما فيها هذا الفيلم، هي حسب إجماع معظم النقاد هي
City Lights  (1931)  أضواء المدينة
The Gold Rush (1925)  اندفاع الذهب
The Great Dictator (1940) الدكتاتور العظيم
أما  الفيلم الخامس فعليه اختلاف بين غالبية النقاد إذ تنقسم الآراء بين ثلاثة أفلام هي
Monsieur Vedoux (1947)  مسيو ڤردو
Limelight (1952)  أضواء الشهرة
The Kid (1921) و"الفتى"٠ 

الأحداث
شارلو هنا عامل في مصنع . في ساعة الإستراحة يتم اختياره لإجراء تجربة تتيح لصاحب المصنع توفير ساعات الإستراحة عن طريق إجبار الموظّفين على تناول الطعام بواسطة آلة. خلال التجربة تفقد الآلة نظامها المحدد فتزداد سرعتها بحيث تتابع عمليات حشر الطعام في فم شارلو قبل أن تتعطّل تماماً. صاحب المصنع غير راض عن النتيجة لكن شارلو يخرج من التجربة وقد أصيب بعارض نفسي. مهمّته قبل الحادثة كانت إحكام المسامير الملولبة التي تمر أمامه. إذا تأخر عنها وفلتت إحداها يصير من الصعب عليه اللحاق بها لأن هناك بعده صف آخر من العمّال بمهام مشابهة. بعد التجربة يفقد شارلو اتزانه حين يتأخر عن اللحاق بتلك المسامير فينفعل ثم يستدير بالمفتاحين اللذي يحمل كل منهما بيد ويبدأ بقرص ولوي أنوف بعض زملائه ثم يلحق إمرأة ترتدي أزراراً تشبه المسامير التي كان يعمل عليها. يمسك بآلة لرش الزيت ويبدأ برش الزيت على زملائه (في المقدّمة الممثل الذي كان صاحبه في أعماله القصيرة السابقة شستر كونكلين


يتم إرسال شارلو الى المستشفى و(ضمنياً) إعفائه للأبد من العمل. حين خروجه  يجد نفسه بلا عمل. بينما كان يمر في شارع تمر به شاحنة صغيرة ترفع العلم الأحمر المستخدم للتحذير من حمولتها. العلم يقع أرضاً. يلتقطه شارلو ويلوّح به ليلفت انتباه السائق غير مدرك أن هناك مظاهرة عمّالية وراءه وسرعان ما تلتحق به كما لو كان هو قائدها.  في السجن يختلط عليه الأمر ويتناول كوكايين معتقداً أنه ملح وبشجاعة غير محسوبة وناتجة عن غيابه عن الإدراك يبطل عملية هروب من السجن فيطلق سراحه٠
يلتقي بفتاة شابّة وشريدة (بوليت غودار) هاربة من البوليس لسرقتها رغيف خبز. يحاول الدفاع عنها بالإدعاء بأنه هو السارق لكن حيلته لا تفلح. يلتقي بها ثانية  بعد هروبها من سيارة البوليس وينجح في إيجاد عمل كحارس ليلي. في ليلته الأولى يدخلها الى المتجر الكبير الذي يشتغل فيه ويتركها تلهو بالملابس الفاخرة التي فيه ثم يرقص وإياها مستخدماً الزلاجات فوق البلاط الناعم. حين يكتشف وجود لصوص يريدون السطو علي المكان يطعمهم ويعرّض نفسه للطرد مرّة أخرى ولإلقاء القبض عليه. بعد حين يعاود البوليس إلقاء القبض عليه هذه المرّة متهماً بإصابة رجل بوليس. الفتاة التي تعرّف عليها تشتغل الآن في مطعم مزدحم وتساعده في الحصول على العمل. هناك في المطعم تقع آخر فصول الفيلم وتحتوي على مفارقات وعلى المرّة الوحيدة التي نسمع فيها صوت تشابلن إذ يغني إنقاذاً لعمله بعدما تسبب في الكثير من المتاعب. لكن النهاية حتمية واللقطة الأخيرة لهما سائران في طريق خارج المدينة ولو الى جهة غير معلومة٠

نقد
فيلم "أزمنة عصرية" هو جهد تشابلن الأفضل للحديث عن الوضع الإقتصادي والإجتماعي الأميركي في فترة صعبة وجد فيها المجتمع وقد انقسم مرّة واحدة الى من يملك ومن لا يملك. بعد بداية تشبّه الناس بالغنم عبر مقاربة بصرية للقتطين، نجد شارلو البسيط والمعدم غير ملائم للعمل في مصنع كبير (ولا في مطعم كبير بعد ذلك) لكن السبب الذي يجعله غير ملائم لذلك يكمن في الشروط الصعبة والحاح الرأسمالية لتسجيل أرباح إضافية عن طريق تجربة تلك الآلة التي تثبت فشلها. كل الفيلم يحتوي على صور من الفقر والبطالة وسوء المعاملة وعيش الفقراء. ومع أنه لا يسعى لصور مقابلة لشخصيات ثرية، الا على نحو عابر، الا أن المشاهد يدرك المغزى المقصود أكثر من مرّة خصوصاً خلال الفصل الذي نراه وفتاته يرقصان في ذلك المتجر ناشدين تحقيق حلم لا يمكن لأمثالهما تحقيقه مطلقاً في ظل النظام الإقتصادي القائم٠
الفيلم مقسّم الى فصول بطبيعته: الأول في المصنع. الثاني بين الشارع والسجن. الثالث في المتجر. الرابع في المطعم٠ كل واحد من هذه الفصول كان يصلح، في زمن تشابلن الأول، أن يكون فيلماً منفصلاً، وسياسته لا تبتعد عن ذلك إنما مع اعتماد خط قصصي يحتوي على الشخصيتين المذكورتين. هذا هو خط التوحيد القصصي لأربع حكايات تلتقي طبيعياً تحت سقف الفيلم، لكن كان يمكن أن تكون منفصلة في أفلام قصيرة٠
إذا كان الهجوم على الرأسمالية المبطن في الفصل الأول، فإن حمل العلم الأحمر والتلويح به مع وجود مظاهرة عمّالية حاشدة ورافضة تسير وراءه من بين أبلغ ما قام به تشابلن في أي من أفلامه. في ذلك المشهد كشف اعتناقه الشيوعية ولو خارج النطاق الحزبي وهو لاحقاً ما اتهم بذلك فهرب من الولايات المتحدة حتى لا يجد نفسه في أحد سجونها٠
في الفصل الذي تدور أحداثه في المتجر نجد براعة أخرى فذّة لتشابلن: تشابلن مغمّض العينين بعصبة يرقص منتعلاً حذاءاً بعجلات. برقصه الباليه ومن دون أن يرى نراه عدّة مرّات يقترب من حافة الطابق الذي يرقص فيه وهي حافة غير مسيّجة. لو أنه مضى في تزحلقه شبر واحد لسقط. الحركة البهلوانية كانت سلطان السينما الكوميدية الصامتة، ومعها لم يكن هناك حاجة للشرح والكثير منها كان ينضوي على مخاطر حقيقية (باستر كيتون في  "ضيافتنا" وهارولد لويد في "السلامة آخراً" وكلاهما سنة 1923)٠
مجرّد مشاهدة هذه المخاطر كانت ينبوع الضحك وتأليفها وتصميمها ثم تنفيذها كان جزءاً مهمّاً جدّاً من أيام ما كانت كل الأفلام قصيرة. ومع أن الأفلام كانت صامتة، الا أن هذه المشاهد كانت تفجّر القاعات بضحك ممتزج بالقلق والخشية. وهذا ما سحبه تشابلن معه الى هذا الفيلم من تراث السينما الصامتة القصيرة٠


الفصل الرابع يقوم على سلسلة من المواقف التي هي أيضاً نتاج شبيهات لها في الأفلام القصيرة، لكنها مجتمعة هنا في مناسبة واحدة هي إخفاق شارلو في عمله كنادل في مطعم وكيف يتسبب هذا الإخفاق في العديد من مواقف "سوء التصرف" من قِبله حينا ومن قِبل آخرين عديدين. أولاً يجد من الصعوبة استخدام الباب الصحيح لدخول المطبخ او الباب الصحيح للخروج منه ما يترتّب على ذلك مفارقات بينه وبين الخدم الآخرين. ثم هناك ذلك الزبون الذي يحاول تشابلن الوصول اليه دوماً وسط زحام الراقصين. ثم، وهذا من عدّة مواقف أخرى، المشهد الذي يضع في كمّه كلمات الأغنية التي سيغنيها لكن حين ينفض يده تطير الورقة فيصبح غير قادر علي إتمام الأغنية ولا ينقذه سوى قيامه بالغناء بكلمات (فرنسية) مبهمة لا معنى لها٠
بصرف النظر عن رسالته، هو فيلم رائع أفكاراً وتنفيذاً وضع فيه تشابلن رؤيته الإنسانية في قالبها الكوميدي الصرف متحدّياً بذلك صناعة كاملة كانت قد تركت الصورة الصامتة وراءها٠

خلفيات
في العام 1931، مباشرة بعد إتمام فيلمه "أضواء المدينة" انطلق تشارلي وأخيه سيدني في رحلة حول العالم دامت نحو عامين. جزء من هذه الرحلة تمّت في أوروبا حيث شهِد تشارلي ارتفاع المد الفاشي في ايطاليا وألمانيا (وربما لاحظه في دول أخرى لاحقاً ما حاربت كل من ايطاليا وألمانيا فالحركات الفاشية كانت منتشرة بأحجام مختلفة آنذاك، كما هي اليوم). زار أيضاً دولا لاتينية وشاهد الفقر المنتشر بين شعوبها، خصوصاً مواطني البلاد الأصليين.  التجربة جعلته يشعر، كما قال في واحدة من مقابلاته آنذاك، برغبته في عدم العمل. ليس من قبل أن يُبلور موضوعاً له علاقة بما له علاقة بالوضع الذي عايشه٠
فكرة "أزمنة عصرية" واتته، كما قرأت إنه قال لصحيفة "ذ نيويورك تايمز" حين مرّ بعمال مصنع لحظة خروج العمّال  ما جعله يفكّر في الزمن المُعاش حينها. زمن اعتبره جدير بالنقد كون الإنسان فيه أصبح مضغوطاً بمتطلّبات الإنتاج واسع النطاق٠
كتابة السيناريو لم تكن عملية سهلة، ليس لأن القصّة كانت صعبة (وربما كانت صعبة لا أدري) بل لأن تشابلن في ذلك الفيلم كان يسحب من تاريخه العريق شخصية تلازمت وتلاءمت تماماً مع وضعية السينما قبل النطق. السؤال: كيف يستطيع أن يجد التبرير الصحيح لعدم النطق؟


في الأساس، فإن شريكيه في شركة يونايتد آرتستس، الممثلين ماري بيكفورد ودوغلاس فيربانكس لم يفكّرا مطلقاً في احتمال أن ينجز تشابلن فيلماً صامتاً.  ولنا أن نتصوّر المناقشات التي لابد دارت بين الشركاء الذين كانوا من بين مؤسسي تلك الشركة (التي ما عدنا نقرأ أسمها منذ ان ابتاعتها مترو غولدوين ماير الآيلة للبيع مرّة تلو المرّة كل سنوات قليلة) في محاولة فيربانكس وبيكفورد إقناعه بصنع فيلم يشبه باقي الأفلام المنتجة منذ نحو عشر سنوات، وممانعته في ذلك معتبراً أن النطق قد دمّر أقدم فن في التاريخ وهو فن التمثيل الإيمائي. عملياً فإن نطق السينما سحب البساط من تحت أي عذر للفيلم أن لا ينطق ومنح السينما في المقابل نوعاً متطوّراً من التعامل مع الواقع والخيال المفترض هو تعامل أكثر تكاملاً مع الحياة الطبيعية حيث يتكلّم الناس وتصدر الأشياء أصواتاً. لاحقاً الألوان ما شكّلت النقلة المهمّة الأخرى في هذا الإتجاه والمساعي لتجسيد بعد ثالث للسينما (من ذلك الحين وبعده) هي بمثابة استكمال دائرة في كل حلقة منها تزداد ابتعاداً عن عناصر تكوينها وعن إمكانية ممارسة السينما كفعل فني وتعبيري كاملين٠
في محاولة تشابلن تطوير شخصيته كان عليه أن يستمد من تطوير سبق له وأن قام به مع مطلع العشرينات. شارلو في العقد الأول من القرن العشرين كان لاهياً وعابثاً وعدائياً ولو كانت له أسبابه. في العقد الثاني كشف عن ناحية إنسانية أعلى قيمة. وخطّة تشابلن لـ "أزمنة عصرية" هي تطوير تشارلو أكثر. لم يعد بالإمكان جعله منفصلاً عن المحيط الإجتماعي الذي يدور من حوله، عن البطالة، عن الفقر، عن انتشار المخدّرات الخ.. ٠


على ذلك، هناك من المراجع ما يذكر أن تشابلن حاول فعلاً "إنطاق" شخصياته وكتب سيناريو هذا الفيلم وفيه حوارات كاملة. هنا وقع في معضلة أخرى: إنه لا يستطيع أن يكتب حوارات. لم يعمد إليها في السابق لأنه استخدام التعبير الصامت وفن الإيماء. وما نٌشر من حوارات كتبها بالفعل لا يرتقي الى المتوقّع من فنان٠
 حين أيقن أنه لا فائدة من القيام بإنطاق شخصيته وشخصيات غيره، عاد الى ما كان عزم عليه منذ البداية، وهو أن خير وسيلة ممكنة لعودته السينمائية هي عودته كما كان إنما مع تنقية شخصية شارلو من بعض ما علق بها من قبل فإذا بها الآن جزءاً من المجتمع الذي تدور فيه عوض أن كان بالعادة استثناءاً وتمييزاً
في الوقت ذاته عمل تشابلن على إتقان ما ينفّذه. لقد ذهبت الأيام التي كانت فيها مشاهده يمكن لها أن تمر سريعاً ومن دون تعليق على هفواتها. الجمهور كان  ينظر للفيلم بعينين مختلفين وتشابلن لم يعد قادراً على أن يخفي حركاته برداءة المستوى التقني الذي بلغه الشريط الخام والتفنن الإنتاجي والتقني الضارب في كل أوجه العمل
نتيجة ذلك، أن مستوى إخراجه أيضاً تحسّن وتلك المشاهد الكوميدية باتت أصعب تركيباً وأكثر مهارة في الوقت ذاته. والمخرج أخذ يستخدم أدوات التعبير لغوياً بشكل لافت. في ذلك المشهد الذي يحمل فيه العلم تتراجع الكاميرا أمامه لتظهر البوليس قادم بالهراوات ليضرب المتظاهرين. في لقطة واحدة لديك شخصية ظالم ومظلوم
وكما كان هذا الفيلم آخر ظهور لشخصية شارلو الشهيرة، كان هذا الفيلم آخر نكتة كبيرة في جعبة تشابلن. الأفلام التي بعده كانت أكثر تفكيراً وأحياناً أكثر عطفاً ورومانسية لكن أقل إضحاكاً أيضاً


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Year 2. Issue 59 | Clash of the Titans | Irena Sandler | Chloe| The Secrets in Their Eyes (again)

مقهي "فيلم ريدر"٠

حوار حول فيلم  "السر في عيونهم":  لمَ لم يبح بحبّه 
وكيف تم تصوير مشاهد المطاردة ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أربع خطابات وردت حول نقد فيلم "السر في عيونهم" في العدد 57 من هذه المجلة النقدية. أبدأ بأولها وروداً وهي رسالة الأخ عبد العزيز منصور من السعودية. يقول

أذكر منذ شهرين كتبت ملاحظاتك عن الفيلم الرائع
The Secret in Their Eyes
كنت قبل قراءة الملاحظه متردد من شاهدة الفيلم , مما دفعني بعدها الى مشاهدته. منذ ذاك الوقت الى امس وانتظر قراءتك البدعيه لهذا الفيلم المذهل للغايه. شاهدته مرتين في اسبوع واحد ومشتاق ايظن الى مشاهدة مره ثالث ومازلت غارق في جماليات الفيلم وجماليات الموسيقي التصويريه له
عند مشاهدتي حفل توزيع جوائز الاوسكار كنت اتمني ان لا تخرج  عن هذا الفيلم او فيلم " نبي "  بعدها زادت مشاهدتي لأفلام أميركا اللاتينية بعد أن كانت  لا تتجوز افلام من البرازيل والمكسيك  ومن حسن حظي انها  جميل للغاية، وها انت الان استاذي بمجرد ملاحظه بسيطه تفتح افاق لي  لروائعه السينمائيه ولروائع اخري من مختلف انحاء العالم. يا استاذي اصبح دخولي مدونتك مثل شرب الماء

جواب |  في الحقيقة حين أوردت تلك الملاحظة  العابرة عن فيلم "السر في عيونهم"  كنت في حالة ذهول من قدرة الفيلم على جذبي بقوّة عمله ومضمونه واختيار المخرج لطريقة هي في ذات الوقت منيعة وسهلة لسبر غور شخصياته، لذلك اكتفيت بتلك العبارة قبل أن أعود الى الفيلم لاحقاً وأشاهده -للآن- مرتين إضافيّتين. شكراً للتحية٠

والأخ مراد عبد الله كتب معلّقاً يقول
الفيلم الأرجنتيني نال إعجاب كثيرين ومع إعجاب محمد رضا كان لابد وأن أشاهده. الفيلم جميل للغاية
  للغاية فيه تمكن المخرج وسعيه للابتكار والمعالجة الواقعية المؤثرة في الوجدان ... يعي ويهضم كل العناصر والتفاصيل كما لو أنه مخرج مخضرم
باختصار عمله هذا يحتوي على كل ما يتطلبه الفيلم البوليسي الكلاسيكي من مفاجآت غير متوقعة و صنعة واقعية غير مملة او غير فانتازية مع جوانب درامية ورمانسية وحتى كوميدية لا تنقص من جديته او صدقيته ٠
الشيء الوحيد الذي لم يقنعني كثيرا هو المبرر الذي من أجله رفض بنجامين التعبير عن حبه في الفترة التي كان ذلك ممكناً جداً على عكس الوضع في حياته الحالية حيث أصبحت هي مع زوج وأولاد وهو يعاني من الهوس والخوف من آلام الماضي ... لا أدري أذا فاتني شيء لكن ليس هناك من أسباب تبعده عن التعبير عن حبه لها حين كان يعمل معها أو عندما غادر القطار ... أتمنى منك أستاذ محمد أن تشرح أكثر ربما أنا قد أغفلت عن شيء معين ٠
وإضافة الى ذلك لدي سؤال صغير هو من الذين قاموا بقتل ساندوڤال و ما هو السبب من وراء ذلك ؟ كانوا يريدون قتل بنجامين ...ولكن ألم يعرفوا لاحقاً أن بنجامين لا يزال حياً يرزق؟

جواب | الفيلم يا صديقي مراد مليء بالإسقاطات حول هذه النقطة. بدءاً من السر في عينيه هو. أولاً، فقط العاشق قد يلحظ أن العاشق مثله ينظر الى المرأة التي يحب في صورة فوتوغرافية لكن الأهم هو أن هناك حوارات متعددة تكشف طبيعته الخجولة. بدءاً بالمشهد الذي ييتغزّل فيها صديقه بابلو ساندوفال (غيلريمر فرانشيللا) بالرئيسة إرين (سوليداد فيلاميل) فيقول لها حين تدخل من المكتب (وهذا ما يؤكد روح النكتة التي ذكرتها أنت في تعليقك) "لابد أن قديساً مات اليوم حتى هبطت الملائكة"  وإذ ترد عليه بلطف يواصل بطلنا بنجامين النظر اليه، وحال تدخل غرفة مكتبها وتغلق الباب ينسل إليه ويسأله من أين يأتي بهذه الكلمات فيقول له بابلو شيئاً مثل "أنا لست واقعاً في الحب لكي لا أعرف ما أقول". هذا لا يجيب على سؤالك حول لماذا لم يبح لها بحبّه، لكن المخرج ترك ما يكفي من مشاهد النظرات. هي تعرف أنه يحبّها والمشاهد بينهما تؤكد ذلك. لو قال لها مباشرة لتغيّرت نبرة الفيلم. لما أصبح الفيلم قادراً على بث تلك المشاهد الرومانسية (المحطّة، النظرات) ولفقد أهميّة الزاوية التي انطلق منها في معالجته لناحية العودة الى الأمس. تصوّر لو أنهما تزوّجا مثلاً، لما كان هناك فيلم٠
الى ذلك، هناك المشهد الذي يدخلان فيه الى ذلك المسؤول الذي عيّن القاتل موظّفاً لديه. يكشف له المسؤول ما يعرفه المكتب بأسره: بنجامين يحب إرين. في كلماته التي تتساقط مثل مسامير من السماء: "متى ستدرك أنك ليست لك. هي خريجة هارفرد وأنت لا، هي ثرية وأنت لا، هي محمية وأنت لا وهي أصغر منك سنّاً" ليس بهذا الترتيب لكن بتلك الكلمات على أي حال٠
 في الرد على الناحية الثانية أخ مراد: أدرك ساندوڤال بأنهم لا يعرفون إذا ما كان هو بنجامين او لا، لذلك اتجه الى صورة بنجامين وقلبها على وجهها حتى لا يلاحظوا الفرق ولم ينف إنه بنجامين. كذلك لم يستطيعوا اللحاق به لأنه هرب من المدينة الى المنطقة التي يعيش بها والد إرين. المشهد مناسبة لكل كلمات الحب التي لا تُقال والأسرار التي في العيون٠

والصديق عبد الله العيبان من الكويت كتب

شاهدت النصف ساعة الأول،للسر في عيونهم ويبدو جديرا بالنجوم الخمس.  اني على نحو غريب وجدت نفسي اربط بين بطل الفيلم ومحرر المدونة!٠ شكراً على هذا الموضوع، بصراحه توقعت هذا الفيلم الارجنتيني على شاكلة الجزيره المغلقة، الذي وبكل صراحة خيب ظني، خصوصا اختيارالقصة٠
هل لاحظت استاذ محمد مشهد دخان السيجاره كيف نفذه سكورسزي بطريقة البلاي باك موشن؟

جواب | كثيرون وجدوا فيلم مارتن سكورسيزي غير جدير بالإعجاب وهو على عكس ما وجدتّه أنا. لكن كل يحمل رؤيته بالطبع. القصّة بحد ذاتها جيّدة لكني أفهم أن كل مخرج كان من الممكن له أن يعمد إليها من زاوية مختلفة. لا أعرف، لكي أكون صريحاً معك ومع القراء، الطريقة المسمّاة ببلاي باك موشن. أفهم أن هذا المصطلح مستخدم في التسجيلات الموسيقية، لكني لا أستطيع التعقيب عليه قبل أن ألم ّ به. إذا كانت لديك معرفة أوردها لنا جزاك الله خيراً٠

سعيد بإنضمام الصديق محمد طارق من الأردن الينا في هذا المكان. ورسالته الأولى تبحث في هذا الفيلم الفريد أيضاً وتدلّنا على بعض المواقع المفيدة. يقول

تحياتي للأستاذ محمد رضا و جزيل الشكر على نقده لفيلم السر في عيونهم .. كما على وفائه بوعده حين وعدنا بتقديم نقد لهذا الفيلم .. و ذلك في مدونته الأخرى ظلال و أشباح

قبل إعلان ترشيحات الأوسكار كان هذا الفيلم هو الوحيد الذي لم أسمع به من الأفلام التي وصلت للقائمة النهائية للأفلام المرشحة في فئة الأفلام الناطقة بلغة أجنبية .. فالشريط الأبيض و نبي نالنا التقدير على عدة مستويات .. و حليب الأسى خطف جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين .. في حين كان اشتراك مخرج فلسطيني و مخرج من الكيان الصهيوني في إخراجه كافيا لإثارة ضجة حول فيلم عجمي

و هكذا قررت أن أشاهد السر في عيونهم .. سأتجاوز مسألة الحصول على نسخة عبر التنزيل من الإنترنت لأن هذا ليس موضوعنا الآن .. و لأنها معضلة أخلاقية لا مجال لحسمها ههنا

شعوري الأول كان .. يا الله كيف للعيون أن تمثل بهذه الطريقة .. و حقا لم أعرف هل هو تأثير العنوان عليّ ما جعلني أنتبه لعيون البطل و البطلة (دون إغفال تأثير العيون و النظرات من جميع الممثلين و دورها في الفيلم) .. أم أنهما فعلا في حواراتهما و مشاهدهما معا كانا يقولان الكثير بحيث أنك تسمع الحوار بينهما و تشاهد آخر كلما أعطتنا الكاميرا فرصة للنظر في عيونهما .. الأكيد أن اختيارات المخرج كانت موفقة تماما لأدوار البطولة

في الكلام عن جماليات الفيلم و أجزائه أعتقد أنك لم تترك لنا مجالا لذكر شيء .. باختصار هذا الفيلم يقدم ساعتين من عالم السينما الجميلة لمحبي الفن
 نقطة لا بد أن تلفت انتباهنا .. هي تلك اللقطة الطويلة التي أشرت لها سيدي .. و هنا رابط لها عبر موقع اليوتيوب
و حقا لنا أن نتساءل كيف صُنعت .. و كيف ظهرت هذه اللقطة على الشاشة دون أي قطع في التصوير .. و لتوضيح الطريقة بعض الشيء .. هنا رابط لفيديو آخر على موقع يوتيوب يظهر بعضا من العمل الذي ساعد في إنجاز تلك اللقطة
لا أدري إن كان من الممكن أن تضيء لنا كمشاهدين غير متخصصين على بعض جوانب العمل في هذه اللقطات .. أو ربما تشير لنا بمواقع تشرح أكثر عنها .. مع جزيل الشكر و خالص التحية لك أستاذ محمد

جواب | هذه أصعب رسالة وصلتني في الأعوام الثلاثة الأخيرة منذ لجوئي الى الإنترنت. لقد شاهدت الفيلم للآن ثلاث مرّات وفي المرّة الثالثة راقبت المشهد المذكور كادراً كادراً محاولاً أن اكتشف أين توقّفت الكاميرا ليتم تغيير موقعها ثم دمج ما سبق مع ما تلا ليبدو الأمر طبيعياً. لكني لم ألحظ أي اختلاف. ذهبت الى الموقع الذي ذكرته وراقبته مرّتين. أيضاً لا يكشف الكثير لكنه يوحي بأن مزيجاً من التصوير والدجيتال، والفيلم  صٌور دجيتال، قد لعبا دوريهما في هذا المشهد. المؤكد إنه تصوير معقّد من فيليكس مونتي، الذي
Assassination Tango  صور لروبرت دوڤال فيلمه
وهو ما ورد ذكره في مقابلتي مع الممثل/ المخرج في "ظلال وأشباح"٠
كما تعلم يبدأ المشهد من لقطة عليا نفهم أنها من طائرة تهبط فوق الملعب على مقربة من أحد جوانبه حيث يوجد بنجامين وسط حشود مهتاجة. الكاميرا تهبط على المكان بأسره ثم تتوجّه الى جانب منه وتقترب ومع اقترابها تتبيّن ملامح بنجامين بين الصفوف. من دون توقّف الكاميرا الآن على أرض المكان ولاحظ أنها أوقفت بنجامين عند طرف الممر بين جزأين من المقاعد (يمين وشمال) ثم كيف جاورته لتعبّر عما ينظر اليه ثم لتلتفت الى اليسار حيث يأتي ساندوڤال من القسم الثاني مخترقاً الصفوف. وتبقى الكاميرا بعد ذلك معهما وهما ينتقلان بين الصفوف الى حين يمرّان بالقاتل ثم يعود اليه بنجامين فيهرب ويتبعانه. في المطاردة، والكاميرا ما زالت من دون توقّف، يصل المجرم الى حافة وعليه أن يقفز منها الى أرض ثانية. يفعل ذلك وتفعل الكاميرا المنوال نفسه. مرّة أخرى لا اهتزاز. لا وقوع. سلاسة متناهية٠
إذا لم يكن العمل برمّته تم بالمزج بين مشاهد مصوّرة عولجت على الكومبيوتر، فإن نزول الكاميرا من الطائرة تم بخطوة واحدة حين هبطت الطائرة الى مكان يصلح لوقوفها. واللقطات التي تحرّكت فيها الكاميرا وسط الجموع منفّذة بكثير من التدريبات المسبقة وكل واحد من الموجودين في الفيلم (كل هؤلاء العشرات) يعرف تفصيلة دوره. القفزة من مستوى أرض الى مستوى أرض آخر يمكن له أن يتم بنصب رافعة بلا أبواب  (وهذا سبق فعله في فيلم آخر أكشفه أدناه) يدخلها الكاميرا مان وتتحرك تلقائياً ستّة أمتار لتحت ثم يخرج منها٠
هذا هو التفسير الوحيد إذا لم يتم "طبخ" كل شيء على الكومبيوتر٠


أما إذا تم الطبخ هناك، فإن المشاهد مجزّأة ومجموعة ويمكن زرع الممثلين وسط الجموع في أي وقت وفي أي مكان وبناءاً عليه يمكن فعل كل شيء آخر. من دون أن أنفي إحتمال القيام برتوش على الكومبيوتر، أميل الى الإعتقاد بأن المشهد صُور بمعظمه بالكاميرا حسب الشرح السابق٠
<<    Red One Camera  الكاميرا المستخدمة هنا هي
وهي استخدمت مؤخراً  في "كتاب إيلاي" و"العظام المحببة" و"المخبر" و"المقاطعة 9" من بين أخرى٠
لكن -وبما أن السيرة مفتوحة- ألفت النظر الى فيلمين فيهما لعب بالكاميرا كما ليس في أي فيلم آخر، وعلى أيام لم يكن هناك شيء أسمه دجيتال٠
الفيلم الأول (تاريخياً)  من إخراج أورسن وَلز سنة  1958 ومن تصوير راسل مَتّي  وعنوانه
Touch of Evil  لمسة شر
 يقع في مطلع الفيلم حيث تنساب الكاميرا في حركة واحدة من مستوى الأرض ثم ترتفع ثم تهبط وتتقدّم وتجتاز حواجز وتصعد هنا وتهبط هناك (لم أشاهد الفيلم منذ سنتين وبعض التفاصيل غائب عني الآن لكني سأكون سعيداً بالعودة الى الموضوع إذا ما طُلب مني) قبل أن ينتهي المشهد الطويل بإنفجار سيّارة٠
الفيلم الثاني روسي/ كوبي تم إنجازه سنة 1964  أخرجه ميخائيل كالاتوزوف تحت عنوان
I, Cuba
 وهو من تصوير (الروسي أيضاً) سيرغي أوروسفسكي وهذا فيه مشهداً تخرج فيه الكاميرا من داخل مصنع قماش في طابق علوي من النافذة الى الشارع وتلتوي لتصعد أعلى البناية حيث يوجد مسبح كبير تابع لفندق قبل أن ينتقل الى طابق آخر ليس باستخدام السلالم بل من خارج البناية أحياناً٠ كتبت عن هذا الفيلم بالتفصيل سابقاً ويمكن البحث عنه وسأكون سعيداً إذا ما طُلب مني إعادة نشر المقال٠

شكراً لكل الأصدقاء والان لنطفأ الأضواء ونجلس متباعدين لنشاهد أفلامنا الجديدة لهذا الأسبوع. الرجاء إقفال أجهزة الهاتف النقّال منعاً للإزعاج٠


سام وورثغتون يبحث عن نجاح جديد في أساطير اليونان

Clash of the Titans **
صدام العمالقة
إخراج: لويس لترييه
أدوار أولى: سام وورثغتون، ليام نيسِن، داني هوستون، راف
فاينس، ألكسا داڤالوس.
النوع: فانتازيا تاريخية/ مغامرات | الولايات المتحدة - 2010
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


في أحد المشاهد يصيح ليام نيسِن: "أطلقوا الكراكن" او كما قال بالإنكليزية
Release the Kraken
وكراكن وحش كاسر. ربما نظر الإغريق إليه كنظرة العالم اليوم الى الصواريخ النووية، ذلك أنه مخلوق يستطيع تدمير مدينة كما هي بضربات سريعة، ومن كان يستطيع تدمير مدينة يونانية في الزمن القديم، كان لابد أهلاً لتدمير العالم بأسره. فيلم "صدام العمالقة" يتعامل والأساطير الإغريقية لكن ليس من باب تخليد حكاياتها المليئة بالحكمة والفلسفة والكثير من القيم الإجتماعية، بل ليغرف منها ما يستطيع تحويله الى مؤثرات خاصّة تبرق وتلمع وتضج لنحو ساعتين مزوّدتين بالأبعاد الثلاثة لمن يجرؤ

لكن مهما كانت مبررات العودة الى الفيلم القديم بنفس العنوان الذي أخرجه سنة 1981 بمؤثرات ذلك العصر دزموند دايڤيز، فإن إطلاق إسم "كراكن" على وحش أمر يدعو الى الضحك، فالكلمة ليست أغريقية، ولا هي إنكليزية ولا ذات أصل لاتيني ولو أن فيها شبهاً من مفردات أيرلندية إذا ما لُفظت بطريقة معيّنة. لكن فليكن فمصير العالم القديم معلّق بإذا كان كراكن سيدمّر اليونان، بدءاً بمدينة أرغوس التي تجرأت على عصيان أوامر الآلهات. لكن هناك أكثر من رياح الإستقلال في هذا لافيلم، بيرسوس (سام وورثنغتون طازجاً من "أڤاتار") شبّ صغيراً على شاطيء البحر إبناً بالتبنّي لصيّاد طيّب القلب (بيت بوسلوايت) غير مدرك أنه إبن غير شرعي للآلهة زيوس (ليام نيسن) الذي كان ذات مرّة تقمّص شخصية آدمي واغتصب إمرأة من البشر فحبلت من بيرسوس. بعد مقتل والديه وقد أصبح شابّاً يقرر بريسوس الإنتقام من القاتل ومن يقف وراءه حتى من قبل أن يدرك أنه نصف بشر نصف إله. وهو سيصطف لجانب حق أهل مدينة أرغوس الذين تجرأوا على رفض نظام الآلهات ما دفع بالآلهة هاديس (راف فاينس) بالطلب من زيوس مساعدته بإطلاق الوحش كراكن الذي لابد أنه كان بمثابة سلاح الردع النووي آنذاك. لكن بيرسوس سيعرف كيف يواجه لا هذا الوحش فقط، بل سلسلة متمادية من المخلوقات الغريبة بعضها شوهد في الفيلم الأول، وبعضها جديد، ممتشقاً سيفه بقوّة وعناد. والمسألة تتعقّد حين يطلب هاديس من ملك مدينة أرغوس تسليم إبنته إليه وأسمها أندروميدا (ألكسا داڤالوس) لقاء تخلّيه عن تدمير مدينه
القصّة لا تختلف كثيراً عن الأصل الوارد في العام 1981 لكن بالمقارنة، يدرك من شاهد الفيلم السابق وسيشاهد الفيلم الجديد، كم تقدّمت السينما على صعيدي تعليب الشخصيات وترويجها لأغراض تجارية، والمؤثرات الخاصّة
بالنسبة للصعيد الأول، فإن «صدام العمالقة» نوميرو أونو ورد في وقت كان دخل الأفلام شبه الوحيد هو من العروض التجارية. اليوم، العروض التجارية، على أهميّتها القصوى، هي واحد من أسباب الدخل ومن الأسباب الأخرى بيع الشخصيات كألعاب يدوية وكألعاب فيديو وكملصقات وكأفكار لشخصيات كرتونية الى كل وسيط سمعي/ بصري ممكن. لذلك، فإن الكثير مما يرد في هذا الفيلم يبقى في نطاق المتوقّع وليس في نطاق الجديد الفعلي، لأن البعض يخاف إذا ما تجرّأ وأنجز شيئاً مختلفاً عن العادة أن لا يبيع.
والتنميط يصبغ أيضاً القصّة لا لكونها وردت في الفيلم السابق، بل لأنها تمشي على درب عادة ما تسير عليه الأفلام التي ليس لديها شيئاً تقوله سوى لغة الأكشن: بيرسوس، نصف آدمي ونصف بشر يشبه، في هذا الكيان، شخصية وسلي سنايبس في "بلايد" الذي كان نصفه آدمي ونصفه الثاني مصّاص دماء، لكن من دون النزاع بين النصفين فويسلي سنايبس كان يحارب نفسه ساعياً ليبقى آدمياً طوال الوقت، اما بيرسوس فكان لا يحب أن يصبح آلهة لكن ذلك لا يشغله كثيراً٠

على صعيد المؤثرات فإن موقف المشاهد غير موقف الناقد في أغلب الحالات
نحن نتحدّث عن غالبية من المشاهدين ولدوا مباشرة بعد الفيلم السابق، اي في الثمانينات، وبالتالي ليسوا في وارد البحث عن الأصل وتقييمه او رد الإعتبار إليه. ليس هناك من داعياً الى ذلك. لكن الناقد، شابّا كان او لا، لابد أن يعرف خصائص الفيلم السابق ملاحظاً النقلة الكبيرة للمؤثرات التي تُصنع اليوم على الدجيتال عوض أن تُصنع باليد طريقة راي هاريهاوزن الذي صنع وحوشاً كثيرة في حياته، بمن فيها وحوش النسخة السابقة من «صدام العمالقة". هاريهاوزن كان يصنع دمى من الطين على الشكل المطلوب ويلتقط لها مئات اللقطات كل لقطة تختلف عن سابقتها على نحو طفيف، حتى إذا عرض ما صوّره بدا كما لو أن ذلك الشكل يتحرّك بروح من عنده
طبعاً لم يكن أمام هاوزن وسيلة أخرى، لكن هذا ليس المسألة. المسألة هي أنه بتلك الإمكانيات الخاصّة أنجز وحوشاً إذ تراها اليوم في أفلام مثل »رحلة السندباد الذهبية»، «20 مليون ميل الى الأرض»، »العوالم الثلاث لغاليفر» و»الجزيرة الغامضة»، تدرك أن الرائع في المؤثرات هو أنك تدرك أنها ليست حقيقية ومع ذلك تحبّها وأن بطء حركتها هو أمر طبيعي لأنها وحوشاً ثقيلة الحركة وليس كما الحال في أفلام اليوم تتحرك بسرعات ضوئية لأجل خلق الرهجة السريعة.
مثل «أڤاتار» هذا الفيلم بالأبعاد الثلاثة. على عكس فيلم جيمس كاميرون فإن هذه الأبعاد ليست إنجازاً بحد ذاته، بل حيلة لبيع المزيد من التذاكر وبأسعار أعلى من النسخة ذات البعدين. الفيلم صُوّر، ككثير من الأفلام التي سنشاهدها بالأبعاد الثلاثة، بكاميرا واحدة كالمعتاد ولاحقاً تم صرف نحو ثلاثة ملايين دولار على برنامج الكومبيوتر الذي سيخلق الوهم بالبعد الثالث. طبعاً لو كان هذا الوهم متكاملاً (والسينما كلها وهم جميل) لكان الأمر لا يستدعي الذكر، لكن النتيجة الماثلة هي مشكلة طالما أنك تشاهد الفيلم بالنظّارة. فالمشاهد النهارية لامعة  والليلية داكنة وكل من اللمعان والدكانة يقعان على نحو غير طبيعي. الحل هو أن تخلع النظّارة من عينيك، كما أفعل عادة، وتستمتع بفيلم كان يمكن مشاهدته بالبعدين والإستمتاع فيه أكثر، وهو معروف بالبعدين فعلاً.
إنها خطوة تجارية تماماً بالنسبة لسام وورثنغتون. ليس أن «أڤاتار» كان فيلماً فنيّاً، لكن على الأقل كان وورثنغتون فيه يحمل شخصية لديها رسالة تخصنا اليوم ولو أنها تدور في المستقبل البعيد. هنا هو في إطار الماضي البعيد من دون رسالة ما. يُلاحق سلسلة من الوحوش التي تقف حائلاً بينه وبين التغلّب على الآلهة هاديس وشرورها، لكن هذه ليست رسالة بل مهمّة
وهو يبدو مرتاحاً  وواثقاً من دون أن يكون في معطيات الفيلم ضرورة. شخصية مثل شخصية هذا المحارب من الطبيعي أكثر أن تكون قلقة ومفكّرة وبل مضطربة. يكفي أن عدوّها هو واحد بإسم كراكن، لكن ارتياحه ربما كان لعلمه بأنه سيستطيع رفع أجره مباشرة بعد هذا الفيلم. من يعلم؟ في كل الأحوال فإن سام له حضور جيّد والمخرج الفرنسي لوي لترييه عرف كيف يصنع فيلماً متماسكاً في نهاية الأمر وسام وورثنغتون واحد من أسباب هذا التماسك خصوصاً وأن الحكاية تتبع خطّاً مستقيماً لا خلفيات لها او أبعاد٠



 أتوم إيغويان في "كلووي": لم يكتب السيناريو 
وربما استسلم لهوليوود
Chloe **
كلووي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: أتوم إيغويان
أدوار أولى: جوليان مور، ليام نيسن، أماندا سيفرايد
تبويب: دراما/ إعادة صنع | إنتاج: فرنسا/ الولايات المتحدة [2009]٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


استخدم المخرج الكندي (من مواليد الإسكندرية في مصر) الجنس في أفلامه السابقة كوسيلة لرسم شخصيات تعيش لحظات أزماتها العاطفية من ناحية ولإثارة قدر كبير من الرغبة الإيروتيكية لدى المشاهدين، او بعض المشاهدين على الأقل، متعاملاً مع الموضوع بفضول ومع الكاميرا كما لو كانت عينا بصباص٠
ليس هنا٠
فيلمه الأخير "كلووي" لا يصل الى الدرجة التي تجيز إنجاز هذا المستوى من التفنن في العرض والمعالجة، بل يبقى في إطار هدف لا يتحقق. كجسد مصاب يدخل النقاهة لكنه لا يتحسّن، بل في الواقع ينتهي أسوأ مما بدأ٠
ربما هذا عائد الى أن «كلووي» هو أول فيلم يحققه إيغويان من دون أن يكون كتب السيناريو بنفسه، وربما هذا عائد الى أن «كلووي» هو أول إعادة صنع يقوم بها، إذ أن الفيلم مأخوذ عن سيناريو وضعته إرين كريسيدا ولسون عن فيلم «نتالي» الفرنسي لآن فونتان (2003) الذي كتبته حينها فونتان مع فيليب بلاسبلان وفرنسوا أوليفييه روسو وجاك فيشي٠
لم أر ذلك الفيلم لكن ما يمر تحت سماء فرنسا من أفلام يبقى، عادة أنجح، مما يمر تحت سماء السينمات الأخرى إذا ما أرادت اقتباس أفلام فرنسية. خذ في الإعتبار، إذا شئت، كل تلك الأفلام الفرنسية البوليسية والكوميدية والعاطفية التي تم إعادة إنتاجها وصنعها في هوليوود: »الخطيئة الأصلية»، «قفص الطيور»، »المرآة لها وجهان»، تاكسي»، »ثلاثة رجال وطفل«، »لاهث«، »والدي بطل« الخ... تجدها أنها إما أسوأ من الأصل او قريبة منه لا تضيف شيئاً عليه٠
لكن إذ أذكر ذلك، لا أعني أن قيام إيغويان باقتباس فيلم فرنسي هو السبب ولا يجب أن يكون عدم قيامه بكتابة السيناريو بنفسه السبب أيضاً. كمخرج عليك أن تتعامل مع أي وضع طالما قبلت التعامل معه أصلاً. الإحتمال الوحيد الذي يقف وراء هوان هذا الفيلم ربما يعود الى أنه إنتاج هوليوودي والكلمة الأخيرة ليست للمخرج. لكن هذا يزيد من المشكلة ومن مسؤولية المخرج ولا يعفيه٠
في مطلع الفيلم يأتينا صوت كلووي (أماندا سايفرايد) وهو يقول: "أعتقد أنني دائماً ما كنت جيّدة بالكلمات" ومن قبل أن نعرف ما تقصده تذكر بعد قليل: "أحاول أن أبحث عن الشيء الجيّد في كل شخص". لكن لا العبارة الأولى لها مدلولها الأدبي او ما يوازي ذلك سينمائياً، ولا الثانية تعني الكثير بحد ذاتها. كلووي هي فتاة ليل (وتعمل في النهار أيضاً!) تشاهدها الطبيبة النسائية كاثرين (جوليان مور) من نافذة مكتبها وهي تغادر المبنى مع آخر صيد لها قبل أن تنصرف لفحص إمرأة تعترف لها بأنها لا تشعر بالإثارة مطلقاً. تقول لها مطمئنة إنها مشكلة عضوية وينتهي المشهد عند هذا الحد. ليس مطلوباً من المخرج الإستمرار فيه، فهو مشهد يرد كمثال على عمل كاثرين، لكن شيئاً مفقوداً منذ هذه البداية حتى في الدلالة على أن كاثرين ربما لا تكترث كثيراً لشكاوى مريضاتها. إذا كان هذا المقصود، فلقطة إضافية او لقطتان كانتا ستضيفان قيمة على هذا المشهد عوض أن يمر كما لو كان شوكة في الخصر٠
كاثرين ترتاب أن زوجها، بروفوسور الموسيقا، ديفيد (ليام نيسن) يخونها وتتوصّل الى فكرة مفادها استخدام كلووي (بعدما شاهدتها مرّة ثانية أمام المبنى) لأجل التعرّف على زوجها للتأكد من ردّة فعله. كلووي تقبل المهمّة لقاء مبلغ من المال وتعود الى كاثرين لتخبرها بالنتائج ذاكرة لها ما حدث بينهما. كرد فعل على رد الفعل نجد كاثرين وكلووي يمضيان ليلة معاً، بعدها تقرر كاثرين اعتبار ما حدث شيئا إستثنائياً لكن كلووي تهدد بفضح العلاقة بعدما التقطت صوراً. كاثرين وديفيد يتواجهان. كلووي تتسلل الى غرفة إبنهما مايكل حيث تكمن خاتمة المطاف بالنسبة لهذه الدراما.
الفيلم لا يبدأ جيّداً، لكن بعد ربع ساعة كان لا يزال قادراً على أن يتحسّن. حينما تفقد كاثرين بوصلة لتدلّها على كيف تتصرّف، يفقد الفيلم بوصلته المشابهة أيضاً. لذلك تأتي النهاية نوعاً من الإرتطام بالجدار يشابه إرتطام واحد من شخصيات الفيلم بالأرض بعد سقوطه من عل في نهاية الفيلم.
بصرياً الفيلم جيّد. هناك ما يشغل العين بالنسبة لتفاصيل الحركة وأداء جوليان مور شهادة أخرى في قدراتها الفائفة، فقط لو أن الحوار كان أفضل. أماكن التصوير  في مدينة تورنتو في فصلها الثلجي جميلة وموحية فبرودة الشخصيات من برودة الأجواء  ولو أن ذلك لم يكن يجب أن يعني برودة الفيلم. ككثير من الأفلام، لا نعد نرى الشخصيات تعمل كثيراً في مكاتبها. لا البروفوسور يذهب الى الجامعة، ولا الطبيبة الى عيادتها (الا لكي تنظر من النافذة!) ولا إبنهما مايكل يذهب الى المدرسة. الفيلم بنفسه لا يذهب الى أي مكان٠



كلّما كانت الصهيونية في ورطة ..... فيلم عن الهولوكوست

    The Courageous Heart of Irena Sendler **
 القلب الشجاع لإرينا سندلر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: جون كنت هاريسون
أدوار أولى: آنا باكوين، مارسيا غاي هاردن، فيونا غلاسكوت٠
تبويب: دراما/ سيرة  [هولوكوست]. إنتاج: محطة CBS الولايات المتحدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


حسب مركز إسرائيلي متخصص بالكشف عن غير اليهود الذين ساعدوا في حماية او تهريب اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، تأتي بولندا في المقدّمة. فقد تم إحصاء 6135 مواطناً بولنديا مسيحياً قدّموا تلك المساعدة حينما كانت القوّات النازية تجمع اليهود او ترحلهم الى معسكرات اعتقال خارج وورسو ومدن بولندية رئيسية أخرى٠ والمركز نفسه يقول أن العدد الإجمالي للأوروبيين المسيحيين (او غير اليهود) الذين ساعدوا اليهود للهرب او في الإختباء بعيداً عن أعين النازيين خلال الحرب العالمية يبلغ 22765 مواطناً. ما يعني أن نسبة كبيرة من المواطنين المسيحيين (الكاثوليكيين على الأخص) عرّضوا حياتهم وممتلكاتهم للخطر في سبيل القيام بالفعل الصحيح في تلك الظروف. نسبة لا يوجد ما يوازيها من الأفلام الباحثة في الهولوكوست، وعددها بالمئات، التي عادة ما تتحدّث عن الجلاد والضحية من دون طرف ثالث٠
إرينا سندلر هي واحدة من اولئك البولنديين الكاثوليكيين الذين قاموا بمحاولات ناجحة في هذا السبيل. المراجع القليلة المتاحة تتحدّث في أسطر معدودة حولها فتقول أن أسمها الكامل إرينا ساندلروڤا وولدت سنة  1910  وتوفيت  في العام  2008 وأنها مسؤولة عن إنقاذ حياة نحو  2500 طفل  ولو أن الفيلم يحذف كلمة نحو ويحدد العدد بـ 2500 من دون التباس على ذات النحو الذي حددت فيه الحركات الصهيونية أن عدد الضحايا اليهود في تلك الحرب (البشعة ككل الحروب) كانوا ستة ملايين بالضبط. أرقام مبكّلة ولو أن أي رقم آخر، بصرف النظر عن حجمه، كاف لوصم الفاعل بمثل تلك الجرائم غير الإنسانية٠

«القلب الشجاع لإرينا سندلر» ليس لديه الكثير حقّاً ليحكيه: إنه قصّة العاملة في لجنة الخدمات الإجتماعية إرينا التي نراها في أوّل الفيلم تدخل، بتصريح خاص، الى الغيتو اليهودي في قلب وورسو لتواسي وتداوي وتطعم بعض المحتاجين. كدليل على ذلك نراها تخرج من حقيبتها كسرة خبر لا يزيد حجمها عن نصف كف لتعطها الى صبي يهودي وشقيقته. هل كانت هذه الكسرة هي كل ما تستطيع إدخاله او أن ميزانية الفيلم لم تكن كافية لشريحة خبز كاملة؟
لا هذا ولا ذاك. المشهد، والكثير من المشاهد التالية، هو المقصود بذاته على نحو يُراد به الرمز الى الواقع عوض الحديث عنه. وإذ يواصل الفيلم الحديث عن إرينا وما تواجهه من حالات فإن الكثير من المشاهد هي تتوالى في السياق نفسه. لا شيء يفي بجهد لدراسة وضع ولا يحاول الفيلم تعميق ما نراه لتشكيل وضع يتجاوز  حالة  إعلان عن الموضوع من دون سبر غوره.  هذا النوع من المعالجة، غير الغريب عن الكثير من أفلام الهولوكوست يلخّصه على نحو نموذجي مشهد لاحق نرى فيه الثلج ينهمر على ضوء مصباح ليلي. الغريب في ذلك الثلج أنه لا يصل الى الأرض، فاللقطة ذاتها تظهر الأرض بلا ثلج. الغاية هنا هي مناخية تبعاً لما تثيره مثل تلك اللقطة عادة من معاني مرتبطة بالفترة من العام واستخدامها وقفاً على الفكرة وليس تعميقاً طبيعياً وعملياً. على هذا المنوال تأتي المشاهد بأسرها مصحوبة بتلك النقرات المنفردة على البيانو لزوم المسحة الحزينة.
كذلك، لا تبلور للشخصيات ولا ترسيخ لشخصية إرينا سندلر ذاتها لا في الواقع ولا في الواقع الإفتراضي الذي تدور فيه الأحداث. بذلك فإن الدراما تتحوّل الى عملية تقديم حالة ما على الشاشة من دون القدرة على النفاذ داخلها او التعامل معها درامياً على النحو الذي تعامل فيه ستيفن سبيلبرغ مع موضوع فيلمه »قائمة شندلر» او رومان بولانسكي مع موضوع فيلمه «لاعب البيانو» وكلاهما يتضمّنان، كهذا الفيلم، شخصيات ساعدت يهوداً على النفاذ من العنصرية النازية٠

بكاء ونحيب
لكن «القلب الشجاع لإرينا سندلر»  هو أكثر هذه الأفلام الثلاثة استغلالاً لفكرة الحديث عن سندلر ليتحدّث عن اليهود والهولوكوست وبشكل تعاطفي ساذج واستعراضي لا أصالة فيه او عمق. ما يزيد من هذا الشأن حقيقة أن الممثلة آنا باكوين، التي لعبت دور إبنة روبرت دينيرو في Cape Fear  في التسعينات، تبدو معنية بتمثيل الإمارات البادية للإهتمام. الحق ليس عليها لأن الشخصية كُتبت كسرد للأحداث وليس كبحث في دواخلها، لذلك كل التعابير تبقى على السطح والإداء يصبح توظيفياً غير مقنع٠
بالتأكيد، ارتفعت الأفلام التي تتحدّث عن شخصيات غير يهودية عملت على إنقاذ ضحايا يهود منذ أن أنجز سبيلبرغ فيلمه ذاك سنة 1984 لكن الوظيفة المناطة لا زالت واحدة: الحديث عن المحنة التي تعرّض إليها اليهود وهو حديث استهلك حتى من قبل فيلم سبيلبرغ وما زاده سبيلبرغ الا استهلاكاً٠
البادي هو أن هذه الأفلام تتكاثر كلّما كانت هناك أزمة ضمير أوروبي وأميركي حيال ما يحدث في فلسطين. بعد حرب غزّة الدامي، وما سبق ذلك من قتل عشوائي للأبرياء من المدنيين في لبنان وفلسطين بأسرها، ومع المزيد من فتور درجة التعاطف التقليدي حيال الكيان العنصري القائم، تأتي هذه الأفلام تحاول ترقيع ما تمزّق مذكّرة بالأوضاع المأسوية (بلا ريب) التي عانى منها اليهود خلال الحرب العالمية الثانية٠
وفي غضون العام الماضي ومطلع هذا العام شاهدنا حفنة لا بأس بها: "تحدِ" لإدوارد زويك حيث بطولات لمسلّحين يهود حاربوا القوّات النازية في بروسيا، "الولد في البيجاما المخططة" لمارك هرمان حيث إبن نازي يتقرّب من صبي يهودي ويرتدي مثله بيجاما مخططة، »آدام منبعثاً» لبول شرادر حول اليهودي الذي لا يزال يعاني من شرخ نفسي حين وجد نفسه ناجياً دون باقي اليهود.
في «تعليم» للون شرفيك يبدو الموضوع العاطفي الإجتماعي الكامن بأسره في لندن مناسبة للحديث أكثر وأكثر عن يهودية الشخصية الرجالية التي يؤديها بيتر سارسغارد. «اليهودي سوس« لأوسكار رولر ينتهز فرصة الحديث عن الممثل الألماني الذي اضطر ليلعب شخصية اليهودي القذر في فيلم بروباغاندا نازي ليعرض الوضع ذاته. وفي الفيلم السلوڤاكي «وعود مكسورة» شاب يهودي يعاني الأمرّين للبقاء حيّاً وسط ظروف غير مواتية.
ليس أن هذه القصص ليست جديرة بحد ذاتها، او أن المرء عليه أن يطالب بمنعها، لكن المشكلة هي أنها تواصل الحديث عن الضحية بذلك النَفس البكائي والناحب ذاته الذي نستنكره في أفلام ميلودرامية هندية ومصرية قديمة، فما الذي يجعلها مقبولة إذا ما جاءت من الغرب؟ 
كذلك فإن بعض هذه الأفلام لا تقول الحقيقة مثل «تحد» الذي يرتكز على عصبة مسلحة فعلية قام ثلاثة أشقاء يهود بتأليفها للدفاع عن اليهود وتحوّلت الى قوّة من بضع عشرات في غضون أشهر قليلة. ما لا يذكره الفيلم أن هذه العصبة تعرّضت بالقتل لعائلات مسيحية بريئة وأن بعض هذه العائلات رفعت دعوات قضائية لم يبت فيها الى اليوم٠

في المقابل، فإن هناك بوادر لمعالجات مختلفة حول الموضوع موجودة: فيلم روبرتو بينيني «الحياة حلوة» (1997) يتحلّى بالجرأة ليكون كوميدياً من دون أن يكون ساخراً.  »القاريء« لستيفن دولدري يطرح للنقاش مسألة الغفران مطالباً بأن يتم ردم الماضي بأكمله. ومؤخراً رسم المخرج كونتين تارانتينو تاريخاً مغايراً للمسألة برمّتها في فيلم Inglourious Basters حين أظهر مساواة في الجنون والعنف بين الطرفين اليهودي والنازي فالمجنّدين اليهود القادمين للإنتقام من الألمان دمويون يقدمون على سحق رؤوس أعدائهم او اجتزاز فروات رؤوسهم. أكثر من ذلك، فإن الضابط الألماني أكثر ثقافة وجاذبية من الجنود الأميركيين اليهود وغير اليهود بمن فيهم براد بت الذي يقود الفريق٠
على ذلك، فإن الأفلام الساذجة حول هذا الموضوع. تلك التي تتعامل والعناوين الخارجية للمحنة، والتي تغفل عن لفت النظر الى أن ما فعلته النازية باليهود يكرره اليهود حيال الفلسطينيين، مثل «القلب الشجاع لإرينا سندلر» لا يزال له موضع قدم في هذا الخضم. صحيح أن معظم أفلام الهولوكوست لا تحقق نجاحات تجارية لكن المسألة عند صانعيها أن الموضوع يستحق الطرح بصرف النظر عن الجانب التجاري٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

الرجال فقط عند الدفن

الرجال فقط عند الدفن               إخراج | Directed By   عبدالله الكعبي   • إخراج :   عبدالله الكعبي • تمثيل :   هب...