Pages

Monday, August 16, 2010

Scott Pilgrim vs the World | The Kids Are All Right | Letters to Father Jacob | Keaton's The General | Hitchcock's Torn Curtain | Kurowsa's Ran| بين الأفلام: مزيد من الدواسيس

YEAR 2 | ISSUE  73
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 


FLASHBACK



AAN (1952) ***
مغامرات وموسيقى وحب من كلاسيكيات السينما الهندية يروي حكاية شاب وشقيقته من عائلة ملكية يخسران أملاكهما ويتحوّلان الى شحاذين في المدينة. أخرجه محبوب خان المتوفي سنة 1964 وكان واحداً من مخرجي الكلاسيكيات الهندية حتى العام 1962. العناية بالملابس والزخرفة والتصميم  الفني العام  مع رسالة اجتماعية لم تفت من شاهد الفيلم حينها ولا من سيشاهده اليوم
بين الأفلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للمجهول  والغريب والمنسي من الأفلام

الحديث عن وجود جواسيس وعملاء خونة في صفوف اللبنانيين مستعدّين لبيع الإنسان والوطن لقاء دولارات العدو ومصلحته يخوض به الآن غير جهة في الدولة وفي الإعلام ولا يحتاج مني أي تعليق. لكن لبنان، بسبب من ظروفه وطريقة حياة أبنائه المنفتحة وكيانه القائم على التجارة الحرّة وعلى الطوائف واتجاهاتها، اعتبر موطأ مثالياً للجواسيس منذ الستينات٠
تحدّثت في الأسبوع الماضي عن "24 ساعة في بيروت" وهو ليس فيلماً جاسوسياً بالمعنى الكامل للكلمة، بل يدور عن عصابة للتخريب. وكما يلاحظ الصديق عبد الله العيبان، ميكي رورك بحجم إبن خالتي عبد الرحمن  وبدانته ولا يصلح لأن يكون جاسوساً في السينما على الأقل- لكن ذلك الفيلم في مطلعه يقرر، عن حق، أن لبنان هو "البلد الوحيد الذي تستطيع أن تدخل إليه او تخرج منه أي كمية من الذهب". لم أكن أعلم ذلك حينها ولا زلت أجهل إذا ما كان البلد الوحيد المفتوحة أبوابه على الذهب والفضّة وحين أملك بعضاً من ذلك سأجرّب بنفسي. لكني تذكّرت بضعة أفلام تم تصويرها في لبنان، حيث تدور أحداثها وكلّها مجهولة اليوم. كلّها أيضاً عن بيروت كبلد نموذجي للجواسيس٠
«بيروت فخ الموت» يقول لك فيلم من بطولة العميل 505 أخرجه واحد مجهول أسمه مانفرد كولر سنة 1965 وحمل إسماً آخر هو «الشيخ لديه أربع أصابع» أيامها كانت السينما تعج بأنواع الجواسيس  (كما -نظرياً- بيروت) الذين حمّلتهم السينما أرقاماً وذلك بعد نجاح العميل 007 جيمس بوند. من باب السخرية التي اشتهر الإيطاليون بها كان هناك العميل جيمس تونت، والعميل المرح 707 ونص والعميل 777 والعميل 003 كما كان هناك هذا العميل رقم 505 في فيلم من إنتاج الماني/ ايطالي/ فرنسي وضع موسيقاه إينو موريكوني٠
فيلم آخر من الفترة ذاتها أسمه «لقاء الجواسيس في بيروت»  او
Le Spie Uccidono a Beirut 
الذي يُقال أنه سيطرح في سوق الأسطوانات قريباً تحت عنوان آخر هو
Our Man in Beirut او بالألمانية Var Man I Beirut
هل هناك أكثر من هذا؟ الفيلم يعتبر أن بيروت مكاناً طبيعياً لمؤتمر جواسيس او لحرب جواسيس. هذا الفيلم من ايطاليا أيضاً ومن إخراج ماريو دونان الذي هو إسم حركي لمخرج أسمه الأصلي لوكيانو مارتينو وسمّى نفسه أيضاً، لكي يساعد في بيع أفلام ذات طبيعة هوليوودية بمارتن هاردي ودان لوبرت- لكنه كان منتجاً ومخرجاً ناجحاً أنجز 164 فيلماً آخرها السنة الماضية بعنوان «ليندا ف«٠
هذا الفيلم، «لقاء الجواسيس في بيروت» كان من بطولة واحد أسمه رتشارد هاريسون ظهر في نحو مئة فيلم او أكثر قليلاً اشتهر في تلك الآونة قبل أن يتحوّل الى ممثل مغمور حتى مطلع القرن الحالي.
فيلم ثالث تم تصويره هناك أيضاً هو : حيثما وٌجد الجواسيس
Where the Spies Are
Casino Royale هذا من إخراج بريطاني معروف في الوسط  وليس كثيراً خارجه أسمه ڤال غَست
في العام نفسه، وقد أتيحت له فرصة التبلور الى مخرج أهم، لكنه عامل الفرص جميعاً بأسلوب عمل رديء او في أفضل حالاته مقبول٠
في العديد من هذه الأفلام وجوه لبنانية وهذا الفيلم فيه رياض غلمية ومحسن سمرائي من بين آخرين لم أعد أذكر.
ليس أن الشغل الشاغل للسينما أصبحت بيروت دون سواها. الإهتمام الغربي بالبلاد العربية وعواصمها حمل لنا في الستينات أفلام أخرى مثل «أرابيسك» لستانلي دونن، و«خرطوم» لباسيل ديردن و«بو غيست« لدوغلاس هايز. كما كان هناك فيلم بعنوان »القاهرة« أخرجه وولف ريللا، وهو مخرج بريطاني إبن ممثل مسرحي ألماني كان هاجر الى بريطانيا في منتصف الثلاثينات. لم يصب وولف شهرة عريضة لكنه كان مخلصاً في محاولة تقديم أفلام معتنى بها ومن بينها هذا الفيلم٠
إنه مستوحى من فيلم بوليسي رائع حققه جون هيوستون سنة 1950  اي ثلاثة عشر سنة قبل هذا الفيلم هو
The Asphalt Jungle. ريللا نقل الأحداث الى القاهرة حيث هناك خطّة دقيقة لسرقة جوهرة ثمينة من المتحف المصري. تتم السرقة بنجاح لكن الأمور تتعقّد حينما يحاول اللصوصالهرب بما سطوا عليه فيجدوا أن ذلك صعباً لعدة أسباب من بينها إصرار البوليس المصري على ملاحقة اللصوص المدفوعين بمحاولة الخروج من مآزقهم الخاصّة. كان فيلماً مسليّا وغير مسيء وفيه ظهور لفاتن حمامة وأحمد مظهر وشويكار وصلاح نظمي والممثل الرائع حتى ولو أطل دون أن ينطق بكلمة: صلاح منصور٠
وإذا كنت ستبحث عن هذا الفيلم على الإنترنت، انتبه الى أن هناك فيلما أجنبياً آخر عنوانه »القاهرة« أو
Cairo أنجزه الأميركي  و. س. فان دايك سنة 1942 عن مسرحية  غنائية موسيقية بنفس العنوان تتعاطى والفترة النازية. هذا الفيلم لم أره لكني لا أعتقد أن تصويره تم في القاهرة او في بيروت او في أي بلد آخر....
ثم هناك، وفي الستينات أيضاً، «معركة الجزائر» المختلف تماماً عن كل ما سبق٠
برميير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Scott Pilgrim vs. the World   | Edgar Wright  *
سكوت بيلغريم ضد العالم | إدغار رايت
الولايات المتحدة- 2010
Review n. 149
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كوميكس | الحب في القرن الواحد والعشرين يعاني من فيلم يدور حوله ولا يعرف عنه شيئاً... لكنه يكتب كلمتي "دينغ دونغ" جيّداً

أول ما تدركه وأنت تشاهد هذا الفيلم الذي يشبه من الخارج حلوى غزل البنات شكلاً، أنه مثل حلوي غزل البنات مضموناً أيضاً. إنه منفوخ ومزركش وإذا ما نظرت الى داخله وجدته فارغاً. أن تدرك ذلك وأنت تشاهد الفيلم أمر أسوأ من أن تدركه بعد مشاهدته، لأن معنى ذلك أن الزخفة والزركشة لم يمنعانك من إدراك أن الفيلم بلا صلب حقيقي وأحداثه خاوية والسيناريو يمكن تلخيصه بكلمة ونصف٠
 هذا هو ملخص ما يدور: سكوت (مايكل سيرا) شاب في الثانية والعشرين يمارس الغناء (او ما يشابهه) لده صديقة في الكلية أسمها تشو (إيلين وونغ) لكن عينه تزوغ على رومانا (ماري إليزابث ونستد). لكن الفتاة مثل حقل ألغام وحتى يكسب ودّها عليه أن يحارب وينتصر على سبعة  أشرار ما يستدعي إنتقال بطل الفيلم من مبارزة الى أخرى حتى نهاية الفيلم٠
القصّة مأخوذة عن كوميكس تحتوي على تفاصيل أكثر وأعتقد (كوني لم أقرأها) على أحداث ومفارقات أكثر فهي منشورة في سبع فصول. لكن ما يلتزم به المخرج وكاتبه (مايكل باكول) هو تلك المواطن حيث يمكن استعراض معارك بين الطرفين، الخيّر والشرير، في قالب من المؤثرات الخاصّة لزوم الدهشة هذه الأيام
كالعادة في مثل هذه الأعمال، لا يكترث الفيلم لأي شيء حقيقي، بما في ذلك الرومانسية التي قد تبرر ما الذي وجده بطل الفيلم سكوت بيلغريم خاصّاً برومانا، ولا ما تجده تشو خاصّاً بسكوت بحيث تسعى لإبقائه في حظيرتها. ولا هناك ذلك السعي لمتابعة انتقال الشخصيات من مرحلة الى أخرى لأن لا شيء في الفيلم 
Hot Fuzz يستدعي مثل هذه النقلا. المخرج الذي لديه فيلم رديء سابقا هو
Shaun of the Dead  وفيلم آخر مقبول قبله هو
يعتقد أنه يكسب رهان الجودة حين يزين الشاشة بالكلمات التي تترجم صوت اللكمات او الخبطات على اختلافها .... بانغ ... ثونغ ... وحين يرن الجرس نقرأ دينغ دونغ ....   من يدري ربما كنت تتساءل كيف يكتبون الأصوات. طبعاً اللجوء الى هذا الحل البصري ناتج عن الرغبة في جعلك تشعر بأن الفيلم مصنوع من الكوميكس. كيف ستعرف بالله عليك؟ الرداءة وحدها ليست كافية. كل هذا وأنت وسكوت لستما أصدقاءاً على خط واحد. لا تجد أنك تكترث لتأييد معاركه  ضد الآخرين. تبحث عن سبب للإهتمام إذا ما فاز برومانا او عاد الى صديقته الأولى فلا تجد.  هل هو مسل على أي حال؟ شخصياً كنت سأتسلّى أكثر لو شاهدت حلقة
باتمان التلفزيونية القديمة (من الستينات). صحيح أنها استخدمت الغرافيكس (البدائي آنذاك) لكتابة أصوات مختلفة، لكنها كانت سخيفة بالقصد. هذا سخيف من حيث أن لا حول ولا موهبة له الا أن يكون٠

CAST & CREDITS

DIRECTOR: Edgar Wright

CAST: Scott Pilgrim, Mary Elizabeth Winstead, Kieran Culkin, Chris Evans,  Anna Kendrick, Jason Schwartzman, Alison Pill
SCREENPLAY:  Michael Bacall,  Edgar Wright.
CAMERA: Bill Pope (Color).
EDITOR: Jonathan Amos (112 min).
MUSIC: Nigel Godrich.
PRODUCERS: Marc Platt, Nira Park, Edgar Wright.
PROD. COMPANY: Universal release of a Marc Platt/ Big Talk Films [USA- 2010].

  

The Kids Are All Right   | Lisa Chlolodenko  **
الفتيان بخير | ليزا شولودنكو
الولايات المتحدة- 2010
Review n. 150
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كوميديا | جوليان مور انتقلت من ليلة غرام مثلية في «كليو« الى ليالي بكاملها ... لكنها في النهاية ستعود. هكذا يوحي هذا الفيلم اللطيف حيال كل الناس!٠

قبل أيام قليلة صفّق الليبراليون حول العالم للحكومة الأرجنتينية قرارها بالسماح بزواج أبناء الجنس الواحد. النساء من النساء والرجال من الرجال. ليس هذا فقط، بل سيُتاح للمتزوّجين ببعضهم البعض تبنّي الأطفال. يا لسوء طالع طفل يتربّى بين أبوين مشوّهين يرشدانه لطريق مشوّه آخر ينتظره. ويا لسوء طالع عالم يتقدّم حثيثاً للسقوط في حفرة كبيرة بحجم متاهاته. ألم يعد هناك من يفكّر في عواقب هذه الأمور؟
الأخبار لابد حلّت بتقدير شديد على صانعي فيلم "الأولاد بخير" فهو يتحدّث عن إمرأتين تعيشان معاً ولديهما ولد وفتاة. كيف؟ ليس بالتبنّي بل بالتلقيح٠
الأم الأولى، في "الأولاد بخير"،  أسمها  نك وتقوم بها الممثلة آن بانينغ. الأم الثانية هي جولز، وتؤديها جوليان مور. في الحياة الخيالية (تلك التي نعيش)  كلاهما ممثلتان مستقيمتان واحدة تعيش مع وورن بيتي منذ أن كانا لا زالا في سن يسمح لكل منهما الإعجاب بالآخر، والثانية متزوّجة من مخرج  أسمه بارت فروندليش حقق خمسة أفلام لا أعتقد أن أحداً شاهدها رغم أن آخرها كان من بطولة كاثرين زيتا-جونز.  لذلك أرجّح أن قلّة العروض في مثل سنيهما له دور في اختياراتهما هذه الأيام. محظوظة من تستلم عرضاً تعود به الى الشاشة. هذا يمعزل عن أن كليهما من بين المواهب الممتازة في الأداء. جوليان مور، على الأخص، لديها قدرة على رفع الدور لمصافها كما لاحظنا في أفلام مثّلتها مؤخراً من بينها "عمي" و"كليو"٠
إذاً لدينا إمرأتين سحاقيّتين تعيشان معاً ولديهما فتاة وصبي مراهقين. كل شيء يبدو سعيداً وسعيداً سيبقى. تذكّر في أفلام تريد أن تحمل رسالة من النوع المؤيد لمثل هذه الحالات،  هناك ثلاث لاءات ضرورية: لا يمكن تخطئة الشاذ، لا يمكن الضحك عليه ولا يمكن أن يدفع من سعادته ثمناً لما هو عليه. لذلك السعادة ترفرف بجناحين ورديين فوق العائلة ولو أنه لا يبدو على الفتاة جوني تيمّنا بالمغنية جوني ميتشل  ربما (ميا واجيكوڤسكا التي شاهدناها في "أليس في أرض العجائب") وشقيقها وأسمه لايزر، تيمّنا بالجهاز على الأرجح  (جوش هتشرسن) أنهما يعبآن او أن مستقبلهما سيتأثر بحياة والدتيهما العاطفية. لذلك يبدو غريباً أن يبدآ البحث عن الرجل الذي تطوّع بلقاحه المنوي للتعرّف عليه٠
لابد من تفسير أنني من شدّة إعجابي بالفيلم وحماسي له (إقرأ العكس) سمحت لنفسي باستعادة  مشهد يضحكني كلما تذكّرته من فيلم للكوميدي الفرنسي جاك تاتي يدخل فيه الى دكّان ليشتري مضرب تنس لأول مرّة. وحين يبدأ اللعب ضد منافسيه يُضيف حركة يد من عنده لا لزوم لها، فلا يضرب الكرة الا من بعد تلك الحركة (حتى وأنا أكتب ما أكتبه أضحك الآن) التي تشبه تحريك  "ڤيتاس" سيّارة سيتراوان قديمة. الى هذا الحد كنت مشدوداً مع أحداث هذا الفيلم لدرجة أني جلت في هذا الفيلم وكنت مستعداً لسواه حتى استوقفني أن »الفتيان بخير« ينقصه بعض الإيضاح: علمياً كيف أن رجلاً واحداً يمكن له أن يكون متبرّع بلقاح واحد صالح للإستخدام مرّتين. مرّة مع  نك ومرّة مع جولز، او ربما هو لقاح واحد لجيل بكامله لا يزال يستفيد منه بينما الحكاية جارية.  لكن من يدري ربما الفيلم نفسه لا يعرف. وهو بالتأكيد لم يذكر شيئاً عن الدافع الذي يجعل الولدين يقرران أنهما يريدان البحث عن والدهما فجأة٠
هكذا أراد السيناريو. كذلك أراد أن يصلا إليه بسهولة. إنه رجل بسيط ولطيف أسمه بول (مارك روفالو) يعمل في مجال المطاعم  وهو، مثل المشاهدين، يتساءل عن ذلك الدافع لكنه يستغني عن الجواب غير المذكور في السيناريو٠ 
سيصحب المراهقين والدهما للقاء كل من الماما نك والماما جولز. وقد تعتقد أذا ما شاهدت ما يكفي من أفلام، أن شيئاً مهمّاً سيقع في اللقاء الأول. ربما توتّر ما. موقف مستمد من موقف فيه شيء من الندم، او من الرفض. لكن كل شيء يمر وسط حفلة من الإبتسامات الموزعة على وجوه الجميع. ماذا حدث لبعض التشويق النفسي او العاطفي او الدرامي او أي سواه؟ لماذا على الفيلم وقد مر منه نصف ساعة عقيمة أن يحافظ على برودته؟ الجواب هو أن المخرجة شولودنكو أرادت تفعيل بعض التوتّر لاحقاً حينما تبدأ جولي بالإعجاب ببول. هذا طبعاً سيتم على حساب نك (الذكر بينهما) ما ينجم عنه زعل بين المرأتين لكن ليس الزعل الذي سيفسد للود قضيّة٠
اذ ينزلق التمثيل لما تحت مستوى أي من شخصياته الراشدة (الوحيد الذي يتعامل جيّداً من دوره هو الممثلة الشابّة ميا واجيكوڤسكا) لا يبقى للفيلم الا تلك النظرات المتبادلة كما لو أن أحد الممثلين نسي ما يود قوله فانتظر أن ينقذه الاخر، الذي نسى ما يود قوله. كيف لا تتوقّع ذلك مع جمل حوار مركّبة  مثل "لم أرتفع الى نقطة الوعي لك"؟ او ساذجة مثل "لا أثق بقدرتها على قطف وردة"؟  والعبارة التي تضحك لسخفها هي التي تقول : "أعلم أنك ستحتاجين لوقت قبل أن تبدأي دفع عواطفك صوب ذلك"٠
Get Out of here: لكل ذلك وجدت نفسي أصرخ 

CAST & CREDITS

DIRECTOR: Lisa Cholodenko

CAST: Annette Benning, Julianne Moore, Mark Rufallo, Mia Wasikowska, Josh Hutcherson.
SCREENPLAY:  Lisa Cholodenko, Stuart Blumberg.
CAMERA: Igor Jadue-Lillo (35 mm- Color).
EDITOR: Jeffrey M. Werner (106 min).
MUSIC: Carter Burwell, Nathan Larson, Craig Wedren.
PRODUCERS: Gary Gilbert, Jordan Horowitz, Jeffrey Levy-Hinte, Celine Ratray, Daniela Taplin Lundberg.
PROD. COMPANY: Mandaly Vision/ Saint Aire Prods./ 10th Hole Prod. [USA- 2010].


أفلام حديثة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Letters to Father Jacob   |  Klaus Haro   ***1/2
رسائل الى الأب جاكوب | كلاوس هارو
Postia Pappi Jaakobille
فنلندا - 2009
Review n. 151
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دراما | سعادة الأب جاكوب في استلام رسائل من معوزّين يطلبون منه النصيحة (وأحياناً أكثر) في مآزق الحياة... هذا الى أن تدخل في حياته إمرأة٠

هذا أول فيلم أراه للمخرج الفنلندي كلاوس هارو ، لذا لا امكانية للمقارنة بين هذا الفيلم وأعماله السابقة
Elina و Mother of Mine  و The New Man
لكن أوّل ما يداهم المشاهد هنا هو حضور شخص المخرج متمثّلاً بلقطاته المختارة في البداية: وجه لآمر السجن يقول بلا عاطفة او تعاطف لإمرأة (لا نراها في اللقطة الأولى) أن إدارة السجن قررت الإفراج عنها بعدما أمضت في ضيافتها 12 سنة. من يتحدّث إليها أسمها ليلى (كارينا هازارد). إمرأة ليست جميلة. ذات وجه مصنوع من لحم مكتنز وأعصاب مشدودة تحت قناع من البرود، وجسد يميل الى البدانة. هذه المرأة، نفهم لاحقاً، قتلت زوج شقيقتها بسبب ضربه المبرح لشقيقتها. شقيقتها هي كل من كان لديها في هذا العالم بعد وفاة والدتهما التي، بدورها، كانت تهوى ضربها وكانت شقيقتها تذود عنها. الآن، وبناءاً على رسالة من الأب يعقوب الذي يعيش خارج المدن، منقطع في بيت كبير مثقوب السقف تحيط به أرض بلا سياج يذكر، قررت الإدارة الإفراج عنها. على ليلى أن تأخذ الحافلة وتقصد الأب جاكوب في دارته تلك لتضع نفسها تحت تصرّفه٠
الأب يعقوب (هايكي ناوسيانن) رجل عجوز وليلى التي تدخل بنصف رجل، تكتشف أنه أعمى. وظيفتها يقول لها هي أن تقرأ له ما يستلمه من رسائل (وهو يستلم أكثر مما استلم أنا)  وترد عليها. ليلى لا تطيق مثل هذا العمل ولا تجد فيه فائدة. تجلس لتأكل قطعة خبز وعينيها مسمّرتين على وجه رجل تتساءل فيما بينها إذا ما كان سخرية القدر بحد ذاته٠
لكن يعقوب جاد في طلبه. كل صباح يمر ساعي البريد ويصرخ »بريد ... بريد« وعلى الأب و»سكرتيرته« هذه أن يجلسا عند طاولة تحت الشجرة القريبة من مدخل البيت لقراءة الرسالة تلو الأخرى. والكاميرا على وجه الأب يعقوب وهو يستمع لمن يطلب منه دعاءاً الى الله تعالى كما لو كان يستمع الى خبر مفرح او السيمفونية الخامسة لبيتهوفن. أما ليلى فهي تحاول أن تفهم ما لا يتّضح لها الا في النصف الثاني من الفيلم. الآن ما عليها الا أن ترمي نصف الرسائل في الزبالة وتوهم الأب الطيّب والوثوق بأن هذا هو كل ما لديها من رسائل. في يوم لاحق سوف ترهب ساعي البريد فيتوقّف عن المجيء. يقلق الأب من انقطاع الرسائل... الباقي لا يقل درامية عما سبق لكن - فقط في حال أنك وصلت الى هذا الفيلم، لا أريد أن أحرقه أمامك٠
رغم وجود شخصية ثالثة غير مكتوبة جيّداً في بعض المشاهد، هي شخصية ساعي البريد، الا  أن معظم الفيلم قائم على هاتين الشخصيتين ليلى والراهب وكيف أن الأولى تجد نفسها -في واحد من مراحل الفيلم- أنها هي التي كانت عمياء عن الحب، وهو المبصر بقلبه وعاطفته وحبّه للآخر. يا لها من رسالة لا أستطيع معها سوى ملاقاتها بالحب من طرفي، ولولا أن هناك عدداً، ولو محدوداً، من المواقف التي لجأ إليها المخرج (كتب السينايو بنفسه عن فكرة لجانا ماكونن) وكان يستطيع اللجوء الى سواها لمنحته تقديراً أعلى٠
هذا الفيلم الفنلندي لم يستوقف أيا من المهرجانات الدولية الثلاث الأولى (برلين، كان، فنيسيا) ما يوضح مجدداً غيابها عن الأعمال الفنية في كل مرّة تبحث عن اللمعة الإعلامية فيها ولا تجدها. لكنه كان يستحق مثل هذه العروض الأولى. على أي حال هذا التجاهل لم ينتشر ليشمل مهرجانات من الصف الثاني: بوسان الكوري، مار دل بلاتا الأرجنتيني، بالم سبرينغز وسانتا مونيكا الأميركيين وهونغ كونغ الصيني- وهو حاز في نهايات العام الماضي على الجائزة الأولى من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي٠


CAST & CREDITS

DIRECTOR: Klaus Haro

CAST:  Kaarina Hazard, Heikki Nousiainen, Jukka Keninen
SCREENPLAY: Klaus Haro.
CAMERA: Tuomo Hutri  (Color-35mm).
EDITOR: Samu Heikkila (77 min).
PRODUCERS: Marc Platt, Nira Park, Edgar Wright.
PROD. COMPANY: Kinotar  [Finland- 2010].





 مبدعون
..............................................................
زاوية جديدة تحتوي في كل مرّة على ثلاثة أفلام
لثلاثة من كبار مخرجي السينما في أي مكـــان
ومن أي زمن٠
     ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Buster Keaton  بَستر كيتون
The General (1926) *****
الجنرال
Rev. n. 152


من لم يشاهد «ذهب مع الريح» لابد أنه سمع عنه: أكبر فيلم ملحمي عن الحرب الأهلية الأميركية. الفيلم الذي تعاقب على إخراجه خمس مخرجين قبل أن ينتهي ليدي ڤكتور فلمنغ. الفيلم الذي تأخّر إنتاجه بحثاً عن ممثلة  فترشّحت عشرات وفازت بالدور  ڤيڤيان لي. الفيلم الذي صوّر بشاعة الحرب الأهلية. الفيلم الذي كُتب له عشرات النسخ من السيناريو والذي يُقال أن منتجه ديفيد أو سلزنيك عاد من برمودا (حيث أشرف على كتابة السيناريو) بأربع حقائب تحتوي سيناريوهات ... ألخ .... ليس أن هذه القصص كلها حقيقية، لكن الفيلم فعلاً كان، بقياس زمنه، 1938 وزمن سواه، إنتاجاً ضخماً والفيلم ليس سيئاً بسبب حجم إنتاجه على الإطلاق. على العكس فيه حسنات إنتاجية تتعدى حسنات 2012 لرونالد إيميريك ... لكن على ذلك، إذا كنت تريد مشاهدة فيلم عن الحرب الأهلية فإن »ذهب مع الريح« ليس الفيلم المثالي. جرّب »الجنرال« للمخرج والممثل بَستر كيتون، الذي تم تحقيقه صامتاً سنة 1926. حين سئل كيتون عن السبب في أن فيلمه موثوق أكثر من فيلم  ڤكتور فلَمنغ قال: "ذهبوا الى قصّة. ذهبنا الى تاريخ"٠
مصدر «الجنرال» يكمن في كتاب مأخوذ عن حادثة واقعية وضعها وليام بيتنجر تحت عنوان
The Great Locomotive Chase  مطاردة القطار العظيمة
بيتنجر كان في القوات الفدرالية (الشمالية) وشارك في عملية اختطاف جريئة  لقطار للقوات العسكرية الكونفدرالية (الجنوبية) انتهت بنجاح القوّات الشمالية بالإحتفاظ بالقطار رغم محاولة الجنوبيين استعادته ما نتج عنه مطاردة سكّة حديد وصفها بيتنجر في مذكّراته. ربما تكون المطاردة هي ما جذبت الممثل- المخرج الذي قاد بعض أفضل المطاردات الكوميدية في حياته، لكنه ارتأى أن يقلب المواقع: الجنوبيون هم الذين يخطفون قطاراً شمالياً وهؤلاء في أعقابهم. وهؤلاء الجنوبيون ليسوا سوى رجل واحد: بَستر كيتون في الدور٠
عدا هذا التغيير الذي عزاه كيتون الى أنه من السهل جعل الجنوبيين (وقد خسروا الحرب في النهاية) هم الأشرار والشماليون هم الأبطال. بذلك يكون كيتون سعى للوقوف مع الخاسرين وربما تكون هناك مسببات أخرى غير معلومة
لكن أوّل ما يجب أن ننتبه إليه هنا هو أن الأحداث ليست مناسبة للفكاهة، لكن الفكاهة موجودة. الفيلم مغامرة مشوّقة وبقدر ما هو مغامرة، بقدر ما هو كوميدي أيضاً من أي من الفرص التهريجية التي عمد إليها معظم الكوميديين منذ ذلك الحين (وقبله) الى اليوم. بعض الفضل في ذلك يعود الى أن كيتون ومساعده في الإخراج كلايد بروكمان، حرص على تصوير الفيلم كما حدث بالفعل، بما في ذلك سقوط أحد القطارين المستخدمين في الفيلم من فوق جسر عال الى النهر. مشهد تكلّف كثيراً ولم يكن بالإمكان إعادة تصويره إذا ما فشل. لكنه لم يفشل. المشهد كان أغلى مشهد منفرد في تاريخ السينما الى ذلك الحين: 42 ألف دولار او ما يوازي ثماني بالمئة من ميزانية الفيلم كما كتب المؤرخ جورج ويد في مجلة »أميركان فيلم" قبل أكثر من خمس وعشرين سنة٠
المؤرخون، وبينهم الناقد ديفيد روبنسون، يذكرون أن ما تم تغييره هو مكان الأحداث التي وقعت قبل 65 سنة من تاريخ صنع الفيلم. الموقع الذي تم اختياره يكمن في غابة في ولاية أوريغون. مع أن الفيلم بالأبيض والأسود وليس لديه متّسع من الوقت ليصوّ الطبيعة، الا أنها حاضرة جمالياً ودرامياً٠
هذا كله بعض الخلفيات الضرورية (وهناك عشرات التفاصيل الأخرى) لما سنجد أنفسنا منجذبين إليه بعفوية. بعض أهم ملامح كيتون السينمائية أنه كان قادراً على جذب المشاهد الى عملية معقّدة بسهولة محسوبة. لم يعمد الي مونتاج كثيف ولم يكن يشتغل كثيراً على التعاطي مع المشاهد على نحو: "أنا أمثّل لك". هذا النحو موجود عند تشارلي تشابلن (على أهميّة أفلامه) ما يفصح عن شيء مهم آخر: حين تخرج وتمثّل على النحو المذكور ("أنا أمثّل لك") تضع نفسك داخل الصورة وتغلق عليك باب الخروج. أصبحت ماضياً. أسلوب كيتون، في كل أفلامه، وفي هذا الفيلم تحديداً، كان استبعاد اللقطات المتوسّطة والقريبة معظم الوقت، بذلك يترك لنفسه حريّة زمنية مفتوحة، ويترك للفيلم وضعاً لا يرتبط بشخصه.  وبأسلوبه القائم على عدم التعاطي مع الكاميرا/ المشاهد مباشرة، مكّن الفيلم من أن يعيش الى اليوم. حين تشاهد فيلما لكيتون من العشرينات، كما حال هذا الفيلم، أنت زائر للفترة التي تم صنع الفيلم فيها. حين تشاهد فيلماً لتشارلي تشابلن من الحقبة ذاتها، أنت تتابع الممثل الذي في الفيلم. والمنوال الأول هو أكثر سرمدية. »الجنرال« هو أحد البراهين
     هو مهندس قطارات يعتبر نفسه مسؤولاً عن القطار الذي يعمل عليه. بل هو يحبّه بقدر ما يحب الفتاة  أنابيللا (ماريون ماك). حين تندلع الحرب الأهلية يتقدّم لتجنيد نفسه تؤاثر القيادة تركه في وظيفته لأن لديهم متطوعون كثر وليس لديهم من هم بكفاءته في مضماره. لكن أنابيللا لن تتفهم أنه حاول الإنضمام وتعتبره جباناً وتتركه. القطار سيتدخل لكي يحل معضلة عاطفية. وطوال الفيلم سنجد أن استخدام كيتون للمغامرة بأسرها هو ضمن هذا المفهوم: القدرة على إثبات شجاعته لأنابيللا والإقدام على إنقاذ الجنوبيين من كارثة محقّة. وحده ومن دون مساعدة أحد. هذا الدمج بين حبّه لأنابيللا والقطار (وأسمه الجنرال) يتأكد حين يخطف الشماليون حبّيه هذين معاً. لا ينقذهما فقط في مطاردة في إتجاهين (أفسر ذلك بعد قليل)،  بل ينطلق عائداً الى موقعه الجنوبي ليحذّر الجنوبيين من خطّة قدّر له أن يسمعها بعدما اختبأ تحت طاولة الإجتماعات. المطاردة الطويلة مليئة بالمشاهد التي تنضح بالكوميديا من دون أن تسعى لأن تكون كوميدية. من ناحية، هناك الموقف العام (قطار وراء قطار) ومن ناحية هناك المشاهد والمفارقات التفصيلية٠

الى ذلك، هو فيلم تشويقي. لا تكترث للبرهنة على أن توقّاتك تصيب او تخطيء، لأن ما يقع على الشاشة دائماً أكبر من التوقع نفسه. المخاطر التي يؤديها كيتون بنفسه (وهو دائماً ما فعل ذلك) تدهش أكثر من معظم ما بتنا نراه اليوم مفبركاً من دون قناعة او إقناع وبالتأكيد من دون روح فنيّة او على تلك الدرجة من التفاني. إنها قدرة كيتون المدهشة على معاملة نفسه وشخصيّته جدّياً (لا يَضحَك ولا يفعل شيئاً يؤدي الى ضحك الآخرين داخل الفيلم- الكوميدي الوحيد الذي فعل ذلك أيضاً هو الفرنسي جاك تاتي، وقد جاء بعد كيتون، واستمد منه).  وهي قدرة لا تأخذ من الكوميديا شيئاً على الإطلاق، بل تضيف إليها الجديد والمفاجيء. قطار يطارد قطاراً والسؤال هو: كيف سيكون الفيلم مثيراً. الجواب في كل لقطة ومشهد من هذا الفيلم.  وإذ أؤكد على كل لقطة وكل مشهد، لن ينفع هنا أن أسرد التفاصيل لأني بصراحة لا أعرف كيف أبدأ: من اللقطة الأولى حيث تتحرّك عجلة القطار وهو جالس عليها فيطلع وينزل معها، الى مشهد النهاية حين يحاول تقبيل حبيبته لكنه كلّما بدأ مر به جندي وسلّم عليه. ثم إذا برطل من العسكر يمرّون به. ما بين البداية والنهاية  كل الفيلم قائم على أفكار غير متداولة قبله ولم يتم تداولها من بعده لا لخطورة تنفيذ بعضها فقط، بل لأن من أبدعها كان يعيشها كما يعايش الكاتب كلماته. ولن ينفع أن آتي بأمثلة لأنه من أصعب ما يكون أن يوصل الناقد فيلماً ثري الصورة وثري الحركة ومعطياتها الى القاريء بالكلمات (رغم أني سأذكر مشهداً آخر بعد قليل)  ٠
لا ننسى أن الفكرة تقوم على أن المطاردة مزدوجة. الأولى بَستر كيتون يطارد فيه الجيش الشمالي. الثانية الجيش الشمالي هو الذي يطارد بَستر كيتون. هناك مشهد من تلك التي لا تُنسى يرمي فيها الجيش الشمالي قطع خشبية كبيرة وثقيلة على خط السكّة بهدف عرقلة مطاردة كيتون لهم. ينزل من القطار، الذي كان في تلك اللحظة بطيء الحركة ويلتقط قطعة كبيرة يحملها بين ذراعيه في اللحظة التي يصل فيها القطار اليه من الخلف فنجده وقد أصبح على مقدّمة القطار والقطعة (او اللوح السميك) ما زال بين يديه. حين يرمي الأعداء قطعة أخرى بنفس الحجم والثقل يختار الوقت المناسب لرمي الخشبة التي يحملها على الخشبة الملقاة ما يمكنه من الإستمرار.  السر في نجاحها هو التوقيت والإصابة الصحيحة والفكرة من حيث ماهيّتها في الأساس.  ماذا عن جهله إطلاق قذيفة مدفعية خلال المعركة بين الطرفين فتطير القنبلة عمودياً في الهواء او تصيب الأعداء بفعل الصدفة وحدها؟ ثم ماذا عن مشهد مدفعي آخر حين يوجه المدفع ويطلق القذيفة ليفاجأ أنها ارتدت إليه؟ او حين ينحني فوق المدفع ليسمع إذا ما كان الفتيل مشتعلاً؟ ماذا عن مشهد اختبائه تحت الطاولة  وما يحدث من مفارقات؟ هذه وعشرات الأمثلة غيرها نتيجة أفكار مبدعة. خيال عبقريلا أحد في التاريخ عمد الى مفارقات من هذا النوع. في الحقيقة، كل أفلامه مؤلّفة من أبداعات مشابهة٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Alfred Hitchcock  ألفرد هيتشكوك
 Torn Curtain (1966) ***1/2
ستارة ممزّقة
Rev. n. 153
..............................................................
هيتشكوك في "مود" مختلف عن أفلامه السابقة في
هذا الفيلم الذي لم يأخذ حقّه من الإهتمام٠


هذا الفيلم هو الرقم خمسين بين أعمال المخرج التشويقي الأول ألفرد هيتشكوك. وكان يمكن أن آخذ أي من أفلامه السابقة او اللاحقة متحاشياً عملاً انقسم النقاد حوله مع غالبية رأت أنه لا يتساوى مع أفلامه السابقة، وذهب البعض منهم ليقول إنه من أسوأ ما أنجزه لجانب »مارني« (1964) و"توباز" (1969). طبعاً هناك أداء مختلف لهيتشكوك في هذه الأفلام الثلاثة التي تلت فيلمه المشهود »الطيور« (1963) وذلك الفيلم الأكثر إفزاعاً «سايكو« (1960- راجع العدد  69) لكن ذلك الإختلاف طبيعي بين أعمال معظم الفنانين يعود الى حالات وظروف متداخلة وليس الى قرارات خاطئة بالضرورة. لذلك كلّه رأيت أن أبدأ مجدداً بهذا الفيلم وليس بأحد نماذج هيتشكوك الأكثر شهرة وأحياناً جودة٠
حتى أرتاح من عبء القصّة أوجزها في مطلع هذا النقد: البروفسور أرمسترونغ (بول نيومان) عالم فيزياء أميركي معروف يقرر اللجوء الى ألمانيا الشرقية (الفيلم وأحداثه في رحى الحرب الباردة بين الروس والأميركان) . المرأة التي يحب (وتحبّه) سارا (جولي أندروز) تتبعه الى برلين الشرقية وكلّها تساؤلات حول قراره هذا، لتكتشف أنه في الحقيقة يدّعي إنه لجأ ورضى بخيانة وطنه، لكنه في مأمورية خاصّة من قِبل المخابرات الأميركية تطلّبت تلك الخديعة.  فالغاية هي الحصول على معلومات تنقصه لإتمام العمل على صاروخ نووي (كلمة صاروخ كانت دارجة في تلك الآونة أكثر مما هي اليوم) وهو يكتشف، وقد أصبحت خطيبته معه، أن الألمان لم يصدّقوا خديعته ما يزيد المهمّة خطورة. بعض الحصول على المعلومات المطلوبة، في مشهد هش وضعيف كتابة، على أرمسترونغ وسارا الهرب وهذا يتطلّب دهاءاً واستغلال مناسبة وجودهما في عرض باليه وإثارة الهلع بين الحضور للتمكن من الفرار من ملاحقة عناصر الأمن٠
هناك أكثر من خديعة في معالجة هيتشكوك التي تبتسم وهي تتحدّث جد.  أرمسترونغ يخدع خطيبته. يحاول أن يخدع الألمان والألمان يخدعونه. ولو أنه ينفذ بجلده من العواقب، كما يحب الجمهور المتآلف دوماً مع البطل أن يرى٠    
مرّ معنا، حين تحدّثنا عن «سايكو» أن بطلة الفيلم جانيت لي كانت ارتكبت أخطاءاً حتى من قبل بداية الفيلم: تعاشر رجلاً لا زال يحل مسألة طلاقه (وفي الستينات كانت العلاقة غير الشرعية بين من مفترض بهم أن يكونوا أبطال الأفلام لا زال يحظى بالمعارضة الإجتماعية والأخلاقية في الغرب) وتسرق مال الشركة التي تعمل بها (رغم أن المخرج ينثر أمامها بعض المبررات). الغاية من ذلك كانت محاولتها البداية من جديد. تأسيس نفسهاعلى درب مستقرّة. في «ستارة ممزّقة» يبدأ هيتشكوك الفيلم بمشاهد من مؤتمر علمي تسوده الفوضى. بطل الفيلم أرمسترونغ يحاول أن ينأى بنفسه قليلاً ثم إذ ينطلق للقيام بالمهمّة التي يراها جديرة، فإنه، كما حال جانيت لي، إنما يبحث عن بداية جديدة. ليس بالنسبة للعالم بل بالنسبة إليه أوّلاً.  على ذلك، بطله هذا يختلف عن أبطاله الآخرين: معظم من مر على شاشات المخرج من أبطال رجال كانوا دخلوا الخطر بالغلط. إما تهمة باطلة وجدوا أنفسهم غير قادرين على ردئها، وأما مجرد خطأ في الهوية ما جعلهم موضع شبهة من دون أن يفهموا السبب. في الحالتين هم أبرياء متّهمون دلفوا الى المغامرة من دون قرار من جانبهم. أرمسترونغ، كما يؤديه بول نيومان المؤسس تمثيلياً على نحو مختلف عن غاري غرانت او جيمس ستيوارت، هو رجل ينتقل بخياره الى منطقة الخطر وبذلك هو بطل جديد لم يسبق لهيتشكوك أن تعامل معه سابقاً٠
ما يبقى من رسم الشخصيات حاجته للمرأة. بإستثناء بضعة أفلام خارج السرب الذي ينتمي إليه هذا الفيلم الجاسوسي،  أبطال هيتشكوك الرجال يحتاجون المرأة للسكينة والإستقرار وأرمسترونغ هنا لا يختلف عن جيمس ستيوارت في »نافذة خلفية« وغاري غرانت في «شمال- شمالي غرب»٠
 مع أن هيتشكوك لم يقم في حياته كلّها بإخراج فيلم له نبرة سياسية، الا أنه اقترب في هذا الفيلم أكثر من سواه من تلك النبرة. في حديثه مع فرنسوا تروفو  قرر ذلك وقال: "الجمهور ليس معنياً بالسياسية في السينما والا كيف توضّح أن معظم الأفلام التي لها علاقة بالوضع السياسي للستار الحديدي فشلت؟"٠
هنا ليس من دورنا موافقته على ذلك او معارضته. هو كان يتحدّث عن قناعة له موجبها: الأفلام السياسية المحضة لا تثير اهتمام الجمهور العريض وتلك الأوروبية تفشل -كالأميركية- حتى داخل بلادها. لكن هذا لا يعني أن أفلامه بلا موقف سياسي. إذا ما أمعن المرء بكل فيلم يتضمّن جواسيس وعصابات تخريبية [»العتبة الـ 39» (1935) و«السيدة المختفية« (1938) و»المراسل الأجنبي« (1940)] وجد فيها هذا الموقف  بمجرّد أنه مع فريق ضد آخر. لكن ما يحدث في هذا الفيلم الذي لم ينل حقّه من الإهتمام، هو أن الموقف هنا ليس لصالح الغرب ولا لصالح الشرق، ولا لصالح أي طرف. حين خرج هذا الفيلم في منتصف الستينات، كانت الحرب الباردة في أوجّها والمجابهات  الناتجة عن التنافس على الفضاء واتخاذ مواقف سياسية دولية  مناوئة وما عُرف بأزمة برلين  ثم أزمة الصواريخ الكوبية قد وصلت بالعالم الى خطر الحرب الفعلية. وفي حين أخرج ستانلي كوبريك رائعته الكوميدية »دكتور سترانجلَڤ« وسيدني لوميت فيلمه الجيد »أمن زائف« (كلاهما قبل عامين من فيلم هيتشكوك) كانا يعكسان أيضاً ذات القدر من الحذر٠
لكن حكاية هيتشكوك مختلفة بقدر زاوية رؤيته الى الأمور. سوف لن يتحدّث عن الفترة ومتاعبها معبّراً عن وجهة نظر سياسية، بل ليطرح ما يعانيه العالم. وسنرى في الفيلم أن لا أحد على صواب والجميع على خطأ. حتى نوايا بطل الفيلم مشكوك بأمرها: وظيفته مهددة ويسعى الى تحقيق نصر فردي (بكشف السر الذي يحتاجه لصنع صاروخ مضاد للصواريخ) لكي يحافظ على عمله ويبيعه الى الولايات المتحدة ولو تحت راية الإخلاص الوطني٠

يحتوي  «ستارة ممزقة» على أكثر من مشهد رمزي القراءة. استعارة مجازية. خذ مثلاً المشهد التالي: حينما زار أرمسترونغ منزلاً يقع في الريف ليقابل بعض المتعاطفين مع الغرب يكتشف أن الشخص الذي كان تم تعيينه من قبل الحكومة قد تبعه الى المكان مع سائقه. هذا الشخص، وأسمه هنريخ (هانزيورغ فلمي) هو في ذات الوقت عين السُلطة عليه لأن الألمان لم يشتروا روايته باللجوء إليهم. أرمسترونغ عليه أن يتخلّص من هنريخ ويتدارس وزوجة المزارع الذي صاحب البيت (كارولين كونوَل) طريقة التخلّص منه. ضع هذا في البال وأنت ترقب ما يحدث بعد ذلك: المسدس لن  ينفع (لأن سائق هنريخ سيسمع طلقته) ولا يبقى سوى الرصاصة. البديل هو السكّين (كون الثلاثة موجودون في المطبخ). هنريخ يقاوم. أرمسترونغ يغرز السكين في صدر هنريخ لكن المقبض ينكسر. هنريخ لا يزال يقاوم. أرمسترونغ وهنريخ يتعاركان بصعوبة وفي تصميم العراك تكمن رسالة. إنه ليس عراكاً من نوع لكمة منّك لكمة منّي، بل صراع متشابك يحاول هنريخ فيه البقاء على قيد الحياة، وهو بالفعل يدافع عنها بشراسة في حين أن أرمسترونغ يحاول قتله بشراسة أيضاً. يضع، بمساعدة المرأة، رأس الرجل في الفرن ويديران الغاز. هنريخ يموت، لكن ليس بسهولة. لا يطب من طوله كما في الأفلام الأخرى. المقاومة مفزعة لنا ومفزعة للمرأة. وبيت القصيد لقطة لها وهي تفتح فمها على آخر لإطلاق صرخة. لكن الصرخة لا تصدر من فمها .... في هذه اللحظة كل العالم (الذي يصوّره المخرج) يريد أن يصرخ من هول ما يعيشه والصرخة لا تصدر٠

جزء من كتاب قيد التأليف عن سينما ألفرد هيتشكوك٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 Akira Kurosawa  أكيرا كوروساوا
Ran (1985) *****
ران
Rev. n. 154
..............................................................
اقتبس أكيرا كوروســاوا هذا الفيلــــم عن "الملك
لير" لوليام شكسبير. محققاً فيلماً نادراً تنتصر
فيها جماليات الفيلم على جماليات الأصل٠

في «ران»، فيلم أكيرا كوروساوا الملحمي الفذ اللورد هيديتورا (تاتسويا ناكاداي)  يقرر، بعد حفلة صيد في البراري، التنازل عن العرش لابنه الأكبر تارو (أكيرا تراو) مع الإبقاء على اللقب والرموز القيادية الأخرى وعلى ثلاثين جندي من خيرة رجاله. على أن يزور قلاع أولاده الثلاث بالتناوب. القرار يغضب ابنه الأصغر سابورو (دايزوكي رايو)  فيطرده والده من مملكته ليستضيفه أمير مقاطعة مجاورة اسمه فيوجيماكي. يرفض تارو منح أبيه الرموز والألقاب التي نص عليها الإتفاق، حالما آلت السلطة إليه وذلك  بتشجيع من زوجته كايدي (مييكو هارادا)  التي تنتمي لعائلة من الأسياد كان هيديتورا قد تغلب عليها وشتّتها. أما الإبن الأوسط جيرو (جينباشي نيزو)  فيرفض استقبال والده في قلعته مع رجاله.  يسير هيديتورا بهم إلى حصن لإبنه الأصغر سابورو ليستقر فيه، لكن جيشاً  ولديه تارو وجيرو يتبعانه ويقضيان على مقاومة رجاله. يخرج هيديتورا من الحطام والنيران وقد لبسه فزع شديد فاقداً  الوعي والإدراك. لكن المعركة ذاتها تتبلور كصراع سُلطة بين ولديه إذ يرمي قناص من رجال جيرو سهمه فيردي تارو قتيلاً ليتربع جيرو على عرش المملكة. كايدي، زوجة أخيه، تتسلط عليه وتسيره رغم معارضة أقوى رجاله كوروغان (هيساشي أغاوا).  يتوه هيديتورا ومعه المهرج الأبله (كايوامي) ومساعده الأمين تانغو (مسايوكي يوي). لكن هيديتورا فقد رجاحة عقله. سابورو ـ الابن المبعد ـ يعود لنجدة أبيه في حين يشتبك رجاله برجال جيرو ويربحون معركة طاحنة. قناص من رجال جيرو يقتل سابورو أمام والده الذي يموت على الفور بأزمة قلبية متأثراً بفجيعته. كوروغان يعود من رحى المعركة الخاسرة ويقطع رقبة كايدي التي عززت الحقد وتسببت في نهاية جيش جيرو
معظم التصميمات الفنية التي وضعت لمسرحيات «الملك لير» في بريطانيا وفي الخارج، استوحت ديكوراً تقليدياً و«منطقياً» يتماشى مع الخلفية التراجيدية للموضوع. إنه من المريح للمخرج المسرحي اعتماد مثل ذلك الديكور ليماشي أحداثاً تخطو صوب اتجاه شبه معاكس على الرغم من التناقض الذي ينتج عن هذا الفعل، فهو أولاً يستخدم غرابة الأحداث والجزء المحدود من «سورياليتها» ليربطها، عبر الديكور الواقعي، بالواقع مما يجعلها أحياناً أكثر مصداقية سواء أكانت المصداقية رغبة شكسبيرية أو لم تكن. وهو ثانياً يوفر دون ريب الكثير من الجهد الذي كان سيبذل فيما لو روعي في التصميمات أن تكون على ذات  متجدد او غريب عن الأصل٠
السينما أكثر تحرراً. نسخة بيتر بروك «الملك لير» عام 1971 ونسخة السوفياتي غريغوري كوزنتسيف ( بنفس العنوان) عام 1971 أيضاً، تمتعاً بتغييرات عدة في هذا المجال ولو أن الهاجس المسرحي بقي مسيطراً بوضوح خاصة في نسخة بروك البريطانية في حين عمد كوزنتسيف إلى خلفية مختلفة لا تناسب المفرزات التراجيدية فقط، بل لون الاقتباس الروسي وما يحتويه من محاولات تعمق إنسانية قد يراها البعض مختلفة عن تلك التي كتبها ويليام شكسبير٠
في «ران»، نحن  أمام نسخة سينمائية أخرى. نسخة تستخدم الديكور استخداماً حراً تماماً من التقليد والتفسير الكلاسيكي للمنطق. أكيرا كوروساوا يجعل من السهوب والجبال ومن المعارك والجنود والقلاع كما الخراب المهجورة ديكورات لا تخدم النص بطريقة تلقائية وتوظيفية فقط، بل سريعاً ما تلعب دورها الأول جنباً إلى جنب الحدث الذي يدور٠
الفيلم يفتح على منظر خارجي: 4 فرسان على جيادهم ومن ورائهم قمم شاهقة لجبال خضراء كثيفة. الصورة ثاتبة لثوان. هذه الثواني مكثفة، إنها تبدو اختصاراً لتاريخ ما قبل وصولهم إلى تلك اللحظة في ذلك المكان والزمان. حين تتحرك الصورة (نلاحظ هزة رأس أحد الجياد لا أكثر) تبدو تلك الشخصيات وقد ولدت من صمت التاريخ وقطعت تلك المسافة بين أبعاد الماضي والوقت الذي بدأت فيه الأحداث. ما يعكس هذه الملاحظات ليس حركة (أو عدم حركة) الممثل، بل الطبيعة التي وضع فيها. منذ هذه اللحظة هذه الطبيعة جزء متلاحم من الفيلم كلما انتقلت الكاميرا إلى تصوير خارجي. أما التصوير الداخلي (موجود بنسبة الثلث تقريباً) فيعتمد البساطة المطلقة في الديكور على عكس الاقتباسات البريطانية. هذه البساطة نراها تفيد المعنى الكامن في هذه التراجيديا إلى غير حدود. فالصراع على السلطة والقوة في نسخة كوروساوا هنا غير مزخرف بالثراء ذاته. إننا نفهم أن هذا الثراء المادي موجود دون ريب وإن كنا لا نلاحظه أو نراه (لا وجود لغرف تحوي تماثيل ولوحات أو نفائس أخرى) ولأننا لا نراه فإن الربط بين قيام أبناء هيديتورا (بنات الملك لير في الأصل) بالصراع على خلافة والدهم وبين طلب السلطة والقوة يصير أغنى وأكثر علاقة بالنفس البشرية وفسادها التي لا تتورّع عن القتال الشرس: الإبن ضد أبيه ثم الإبن ضد شقيقه. بذلك يصير هذا الديكور الداخلي البسيط الفارق بين مجانية وسهولة الإيحاء بأسباب الصراع وبين فحواه وأبعاده٠
لقد رأيت أن أبدأ بهذه الناحية تحديداً لأنها تضعنا مباشرة وسط أسلوب كوروساوا في العمل من حيث اعتماده على التعابير غير المباشرة وعلى ملكيته الفريدة في الدمج بين المؤثرات الغربية وبين البيئة التاريخية والتراثية اليابانية حتى ليصير من الضرورات الملحة، فنياً على الأقل، أن تتحول ملحمة «الملك لير» إلى اليابانية لما يضيفه هذا التحول على يدي كوروساوا. من قيمة للعمل الأصلي بالمقدار الذي يتيح فيه ذلك العمل الأصلي الإسهام في إثراء صورة وهوية ذلك الاقتباس إذا ما تم بالإجادة المفترضة عند كوروساوا وعند كوزنتسيف. وحقيقة أن شكسبير قد كتب تراجيديا يمكن أن تقتبس إلى أي تراث أو  تاريخ تعكس القيمة الإنسانية الكبيرة التي في المسرحية والتي استأثرت باهتمام  كوروساوا منذ سنوات بعيدة حين كان هذا المشروع ما يزال حلماً في باله (قبل هذا الفيلم بنحو 30 سنة أخرج كوروساوا «شوكة الدم» عن مسرحية ماكبث)٠
في تفسيره وترجمته لـ «الملك لير» لم يحاول كوروساوا كسر القوالب المسرحية ذاتها. في الأساس هو ليس من المخرجين الذين يؤمنون بكاميرا متحركة على الدوام وبإيقاع سريع. الثراء والمتعة الفنية الرفيعة تجدهما في الصورة ذاتها، في الحركة أمام الكاميرا وليس معها، كما في الحدث الذي يحتل الزمن وليس في الزمن ذاته. وإن كان تجسيد هذه الشروط والمزايا يصير إبداعاً يقل مثيله في سينما اليوم مفصحاً عن صعوبة تنفيذ مثل هذه الاختيارات، فإن ما يوازي هذا الإبداع وتلك الصعوبة حقيقة أن عدم كسر كوروساوا للقوالب المسرحية لم يعن (هنا على الأخص) التقيد بالمكان واللون الأدائي للممثل، بل التمسك بالثقل الدرامي الكبير الذي جسدته مسرحية شكسبير ونقله ليناسب الأداء الياباني والتقليد الآتي من تاريخها وثقافتها العامة٠
الحسد والضغينة وحب السلطة، الجنون والتيه كما الإخلاص والتفاني بقيت ذاتها (ولو بتعبير صوري أبلغ من ذلك الكلامي لشاعر الآداب) لأنها عناصر إنسانية عالمية، أما إضافات كوروساوا فهي إخراج هذه العناصر إلى العلن ممهورة بطابعه الملحمي والشعري البعيد. بذلك أتاح المخرج لفيلمه جمالاً من الصعب وصفه، وبعداً وعمقاً ودلالات تساعد غير المنظور من الأفكار وغير المسموع من التفاعلات النفسية على البروز٠
أحد النماذج المهمّة في هذا الشأن هو الفصل الذي تدور فيه رحى المعركة الأولى. اللورد هيديتورا الذي تخلى عن قيادته (وليس عن مكانته) لابنه الأكبر تارو، يفيق صبيحة يوم على أصوات المعركة ـ لقد هاجم جنود ولديه تارو وجيرو القلعة التي آوى إليها والدهما مع جنوده قليلي العدد (30 جندياً هم النخبة التي اختارها هيديتورا لنفسه). يقف هيديتورا إلى جانب النافذة المطلة على ساحة القلعة ومن النافذة نرى مئات الأسهم تطير من الاتجاهين المعاكسين. هنا يقطع كوروساوا الصوت (الصوت موجود في كل المشاهد الأخرى) لنرى عدة مشاهد من المعركة الضخمة بصمت. الكاميرا تزيد من ثراها. الدخان والغبار، النيران المشتعلة، الجموع المتقدمة، القتلى والجرحى، الجياد الواقعة، الحياة كلها وقت التلاحم مجسدة بصمت كامل دون أن تفقد شيئاً من تأثيرها. لكن هذا الاختيار الذكي يستمر لنصف هذا الفصل من المشاهد فقط، إذ حين يصير من الضروري سحب المفادات وتجميع الخلاصات أو القبض على كل المعاني السابقة يعيد كوروساوا للفيلم صوته. هنا تسمع أصوات كل تلك العناصر الحية ويضيف المخرج ثراء جديداً فوق ثراء المشاهد السابقة خاصة وأن تسجيل الصوت في فيلمه متقن ليس فقط في هذا الفصل بل في كل مشهد نراه (تسمع ـ مثلاً ـ الأصوات المختلفة للرايات الخفاقة في الهواء أو صليل أسلحة الجنود حين يركضون، فإذا انتبهت وأنصت كاملاً عجبت للدقة المتناهية وانتهبت ـ بالتالي ـ للدور المهم الذي يمارسه الصوت في الفيلم). في هذا الجزء أيضاً نرى جنود السيد هيديتورا وهم يبذلون دفاعاً عن سيدهم. إنهم القلة المنتخبة والشجاعة في مواجهة أعداد أكبر بكثير، ولا يخفي كوروساوا إعجابه بهم حين يتساقطون أمام نيران أعدائهم. وإذ يخرج السيد هيديتورا لاحقاً من بين النيران التي كانت تآكل القلعة كلها يضع الفيلم فاصلاً مهمّاً بين ما سبق وما تبع يلائم في أهميته الروع الذي أصاب هيديتورا وهو يكتشف فداحة خطأه أو لنقل إثم ولديه٠

كوروساوا شاعر العنف الكبير ولأنه شاعراً وليس ناقلاً فإن هذا العنف ليس دماً وإمعاءاً ومتشوهات، بل لوحات عن قسوة الإنسان، حين تنشأ عن ضعفه، وفداحة الحرب وقوة الموت. مشاهده تجسيد مرعب للحظات الفاصلة بين الحياة والموت، تلك اللحظات التي تبدأ وتنتهي سريعاً لكنها تدوم، داخل الحي ـ الميت، زمناً يكفي لضم العالم في صور وذكريات. إدراك الموت لحظة وقوعه هو بعض مما تبعثه شاشة كوروساوا حين تصور تلك المعارك مهما كان دور القتيل ثانوياً (من الجموع)٠
إنه من المهم كذلك ملاحظة الرواتب الاجتماعية المتعددة في المجتمع الياباني التقليدي. ماذا يلبس أيناء كل طبقة، من يجلس وكيف وأين.  ثم كيف لا يقف أحد المستشارين في الغرفة حتى ولو أراد المشي، بل يتقدم على ركبتيه (إلا إذا كان خارجاً). كل هذه البنيات الطبقية التي هي جزء من الحياة التراثية اليابانية القديمة يلم بها كوروساوا في معظم أفلامه إلماماً صحيحاً ودقيقاً. كذلك هو ملم بالألوان، ومثل  رائعته الأخرى «كاغاموشا« (1980) يصرف هذا المخرج الكثير من الوقت في الاعتناء بملابس الجنود والألوان البراقة والمختلفة لهم ثم يصنع من الألوان كلّها موزاييكا فاعلاً وبالغ الجمال.  يبهرك منظر تلك الألوان المختلفة وجمال انعكاسها على الشاشة. ولا تعوز كوروساوا أية مقدرة على إدارة ممثليه (وإن كان النجاح ليس كاملاً بالنسبة لأداء الأبله) ومن هؤلاء تبرع ميكاو هارادا لاعبة دور الزوجة التي ترى في الصراع القائم بين أفراد العائلة الواحدة فرصتها للانتقام٠
٠«ران» في نهاية المطاف عمل لا يمكن تكراره. في نقله لتراجيديا شكسبير استفاد كوروساوا من تغيير البنات إلى أبناء رافعاً من حدة الصراع وعبثه، كذلك جسد كل ما ذهب المسرحي من تصوير تراجيدي لقصة الملك الذي وقع فريسة ضغن أفراد عائلته، بل وأضاف على ذلك متعة النقل السينمائي وسعته ليعطينا عملاً بديعاً وجديراً بكل تلك السنوات التي أمضاها المخرج العجوز في التحضير والعمل. «ران» هو مجال إبداعي فريد لمخرج يعكس نظرته للتراث الياباني في كافة أعماله، وهذا الإبداع لا يوجد متشابهاً بين المبدعين، ففلليني ليس انطونيوني (على الرغم من قدومهما من تراث واحد) وانطونيوني ليس كوبريك وكوبريك ليس كوبولا وكوبولا ليس رينيه ورينيه ليس كوروساوا. في الحقيقة ليس هناك من هو كوروساوا، أسلوباً وتنفيذاً وتعبيراً، الا كوروساوا. حتى شكسبير ليس كوروساوا٠



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠


Sunday, August 8, 2010

New Releases | Salt. Farewell. Looking for Palladin | 5 Spy Movies | Robert Aldrich's Films (part 2).

Year 2 | Issue 72
فلاش باك
L'Armée des ombres/ Army of Shadows (1969) ****

صاغ المخرج الفرنسي الراحل جان-بيير ملڤيل كل فيلم من أفلامه الأربعة عشر عشر بعناية فائقة وأنجز في معظمها نتائج مبهرة. "جيش من الظلال" واحد من أفضلها: دراما عن حياة عدد من المشتركين في المقاومة ضد الإحتلال الألماني وحكومة فيشي المتعاونة. لكنه ليس فيلم أكشن ومغامرات، بل فيلم شخصيات تقود حياة خطرة بخوف وحذر والكثير من الشجاعة في الوقت ذاته. ملڤيل، الذي شارك في المقاومة بنفسه، يعرف كيف يقدّم شخصيات حيّة ولا يخون منحاه القائم على سينما الظل والنوار. صوّر الفيلم وولتر ووتيتز عن رواية لجوزف كاسل، وبطولة لينو ڤنتورا، سيمون سينيوريه، بول ميوريز، جان-بيير كاسل


بين الأفلام | 24 ساعة في بيروت  

 العديد من أفلام هذا العدد يتحدّث عن الجاسوسية. جدّتي كانت تقول وسواها من جيلها (رحمهم الله جميعا) "داسوس" وكنا نضحك عليها لجهلها بالكلمة الصحيحة، خصوصاً وأن "البيارتة" أيام زمان كانوا كثيرا ما يقلبون حرفاً في الكلمة إذا ما كانوا انقطعوا عن التعليم او استسلموا للهجة التي اعتادوا عليها، فهي "سيلما" وليست "سينما" و"معلقة" بدل "ملعقة" و"رعبون" بدل "عربون"، فقط من باب الأمثلة٠
لكن كلمة داسوس صحيحة، واعذروني إذا استطردت  فيها قليلاً،  فهي آتية من "دسّ"  وهو من يدس الشيء، وما الجاسوس الا -في هذه الحالة- مدسوساً بين القوم لكي يتجسس عليهم. إذاً...٠
أما وقد  "فضفضت" عن نفسي هذا السر فيمكنني الآن أن أذكر أن "سولت" و"فاروَل" وسواها من الأفلام الداسوسية في هذا العدد ما هي الا حفنة قليلة جدّاً من الأعمال التي تم إنتاجها  عبر التاريخ. لكن مرحلة الستينات تبقى من أغزر المراحل في هذا النوع من الأفلام تحديداً لأسباب عدّة، في مقدّمتها الحرب الباردة بين الشرق والغرب (رحم الله تلك الأيام) ومشاكل الشرق الأوسط ونجاح جيمس بوند الذي كان مثل حقل نفط تدفّقت منه أفلاماً جادّة وأفلاماً كوميدية و-بالطبع- أفلام مغامرات٠
24 Hours to Kill  أحد الأفلام التي أذكرها تقريباً جيّداً واحد بعنوان: 24 ساعة للقتل
وهو لمخرج بريطاني بإسم بيتر بزنسنتي، دخل السينما مونتيراً  سنة 1936 وبدأ الإخراج سنة  1961
Bomb in the High Street بفيلم أسمه: قنبلة في الشارع الرئيسي
قام ببطولته رونالد هوارد الذي مثل أدواراً رئيسية نحو خمسين فيلم وبقي مجهولاً الا من الزمرة المتوحشة سينمائياً التي تساوي بينه مثل هذا الممثل وأنطوني هوبكنز او مثل المخرج بنزنسنتي وفديريكو فيلليني، ليس في مستوى الحرفة والفن، بل في حق كل منهما أن يكون مشهوراً٠
في سنة 1962 أخرج بنزنسنتي فيلمه الثاني "عصبة  من اللصوص" (لا يقصد بهم لصوص المقالات طبعاً)  وفي العام 1965 فيلم "24 ساعة للقتل"  وفي سنة 1965 "مدينة الخوف" وفي سنة 2003 مات مكتفياً بهذه الأفلام الأربعة٠
اعتقد أن "24 ساعة للقتل" كان فيلمه ذي المغامرة الجاسوسية الوحيد (كوني لم أشاهد الا هذا الفيلم له لكني قرأت النذر اليسير عن كل منها) وهو من بطولة ميكي روني وهذا ممثل أميركي قصير القامة كان نجماً لامعاً في الثلاثينات  والأربعينات والخمسينات ولا يزال يظهر في الأفلام (في أدوار قصيرة غالباً) الى اليوم غير مستسلماً لعمر يبلغ 89 سنة٠ كان ظهر في فيلمين في العام الماضي وظهر في فيلمين هذا العام، ومسجّل في أربعة أفلام للسنة المقبلة بينها من بينها فيلمين انتهى من تصويرهما وواحد في التصوير. أليس هذا عجيباً؟
وعندنا يحيلون الممثلين الى الحظيرة التلفزيونية بمجرد تجاوزهم الأربعين سنة او ينسونهم تماماً ركضاً وراء ما يعتقدون خيراً لجيوبهم. فقط حين يموت أحدهم يكتب الإعلام بضعة أسطر وقد يستعين بواحد او إثنين من جيله ليصفا حسناته ... "والله كان ممثلاً عظيماً"، يقولون لك. طيّب ماذا تركتم للممثلين غير العظماء إذا ما عاملتم العظماء بهذه الطريقة؟
إذاً.... ميكي روني كان في بطولة "24 ساعة للقتل" والفيلم تم تصوير معظم مشاهده في بيروت. ميكي روني يصل الى العاصمة اللبنانية طياراً ليجد نفسه متورّطاً في عمليات كر وفر بين الإنتربول وعصابة دولية. حين أشاهد الفيلم في عروضه القليلة على التلفزيون الأميركي، أرقبه بحثاً عن تلك النخبة من الممثلين اللبنانيين الذين لعبوا أدواراً قريبة الى صدورهم وذواتهم٠ عندك شكيب خوري وعصام شنّاوي ورشيد علامي وداني طبّارة وغستون شيخاني وعوني مصري كما المصرية البديعة سامية جمال (رحم الله من مات منهم)٠

برميير

  SALT | Phillip Noyce ***
سولت | فيليب نويس
 الولايات المتحدة | ألوان-  100  د | 2010
Film n.  126
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جاسوسي | ملح وبهار كثير في هذا الفيلم لكنه يمر سريعاً ومسلّياً ومقبولاً
على الرغم من ثقوب في مادّته. نويس في إخراج لا مزاح فيه٠


تستطيع أن تكوّن اسئلة كثيرة خلال مشاهدة "سولت" او بعد المشاهدة لتكتشف أن هناك ثقوباً في العمل لم يستطع المخرج فيليب نويس سدّها، على حسن إخراجه ووقع تنفيذه. لكني في مزاج أن أعفو عن معظمها، لأنه في فيلم كهذا ليس من المطلوب أن نصدّق بل أن نتسلّى. وهل سأل أحدهم عنتر بن شدّاد عن صحّة مواقعه أم قبلها سعيداً؟ لكن الثقب الذي لم أستطع أن أعفو عنه يقع بعد نحو ربع ساعة من بداية الفيلم ويبدأ حين يتم محاصرة إيڤيلين سولت (أنجلينا جولي) في غرفة تستخدم كمخزن تقع في مبنى وكالة المخابرات الأميركية، بعدما اتّهمها لاجيء من روسيا بأنها مزروعة (او مدسوسة) في المخابرات الأميركية من دون علم الوكالة بالطبع، ما جعلها تعمد الى حاسّتها الفطرية: إذا قررت أن تدافع عن نفسها على أمل إظهار براءتها بالمنطق والحجة  لن تنتصر (ولن يكون هناك هذا الفيلم)، أما إذا قفزت الى فعل شيء نبيل مثل الهرب فإن لديها، على الأقل، حرية الحركة لمجابهة هذا الوضع الذي تعلم أنه مُحاك ضدّها. لذلك نجدها في تلك الغرفة التي توزّعت فيها كاميرات المراقبة. بسرعة تخلع لباسها التحتي (الكيلوت) وترميه فوق واحدة من كاميرات المراقبة. بادرة وجدتها ذكية وفكّرت أنه لو أني كنت مكانها لما استطعت أن أفعل ذلك لأن سر نجاح البادرة يكمن في سرعة التنفيذ وما مكّنها أن تكون سريعة هو أنها كانت ترتدي تنّورة، بينما على الرجل- إذا ما كان ذكيّاً مثلها- أن يخلع بنطلونه أولاً، ثم كيلوته ثانياً، لكي يقوم بذلك، وعليه أيضاً أن لا ينسى إعادة ارتداء البنطلون قبل أن ينفلت هارباً٠
فقط تصوّر لو أن جيمس بوند وجد نفسه في ذلك الوضع، لكان المشاهدون ضحكوا عليه. لكن مع قيام إمرأة- بوند بهذا الفعل فإن عقل المشاهد سيمنعه من الضحك على، ولو أنه قد يضحك من. سولت تفلت هاربة من دون  لباسها الأسود الصغير وتركب سيّارة تاكسي وهل لا تحمل اي محفظتها كونها لم تستطع استردادها. سؤالي هو: كيف دفعت أجرة التاكسي؟
السؤال سيبقى بلا جواب في فيلم قائم على متابعة إمرأة ذات قدرة على التماثل تماماً مع المادة التي تتطلّب حركة دائمة ولياقة بدنية عالية وقدر من الذكاء في كيفية تجنّب الشكل الكرتوني من الأداء. في هذا الصدد، أنجلينا جولي هي في كامل حيويّتها ولياقتها. لا يمكن لممثل او ممثلة القيام بمشهد واحد من مشاهدها إن لم يكن بذلك الإستعداد البدني والمعرفة بأي خط أداء عليه أن يمسكه حتى يحمل المشهد ليتجاوز به دوائر المنطق ويحوّل الخيال الى حقيقة افتراضية.  صحيح أن هناك كومبيوتر غرافيكس لكن المخرج فيليب نويس ليس من النوع الذي يضع هذا الخيار في الصدارة كمبدأ.  من الصحيح التفكير بأن جولي أدّت الكثير من تلك الحركات كما فعل توم كروز في "فارس ويوم" او ربما أكثر منه٠

توم كروز يخطر على البال  ليس بسبب فيلمه الأخير ذاك فقط، بل لأنه كان مرشّحاً لبطولة هذا الفيلم. لكنه اعتذر في النهاية حتى لا يضر بالجزء المقبل من "مهمّة: مستحيلة" ما دفع كاتب السيناريو كيرت وَمر الى تغيير جنس البطل الى بطلة حالما جاءه الطلب بذلك من شركة  كولمبيا (كانت الممثلة عبّرت لرئيسة الشركة بأنها تبحث عن فيلم أكشن يقدّمها كجاسوسة هاربة). طبعاً اعتذر من هنا  لكنه قام بلعب "فارس ويوم" من هناك٠ المهم هو أن جولي تحقق الصورة التي تريد. مصلحتها في ذلك النجاح في تشخيص حالة إمرأة هاربة لكنها من القوّة بحيث لن تقبل بأن تكون الضحية. مرّة أخرى، لولا استعداداتها البدنية لما استطاعت ذلك، ولولا طموحها لما حملت الفيلم الى الأمام من لقطة الى أخرى
نجدها في مطلع الفيلم في ذات الورطة التي وجدنا فيها براد بِت في فيلم توني سكوت " لعبة تجسس"
فهي مقبوض عليها في بلد عدو (كوريا الشمالية) تنكر أن لها علاقة بالمخابرات الأميركية Spy Game
وتعاني من آثار الضرب الذي نالته. يتدخّل زوجها (أوغوست ديل) لدى الوكالة لكي تعمل على استعادتها. لا نرى تدخّله في أي مشهد، لكن هذا ما نفهمه حين توجّه سولت الشكر لرئيسها المباشر تد (لييف شرايبر) فيخبرها أن عليها أن تشكر زوجها لأنه هو من سعى لذلك. بعد أيام عادت الى نضارتها وها هي على أهبة مغادرة مكتبها حينما يُطلب منها الدخول لاستجواب روسي أسمه أورلوڤ (البولندي دانيال أولبرجسكي) يدّعي إنه يطلب اللجوء وفي حوزته معلومات مفيدة. واحد من هذه المعلومات، وبل كل ما لديه في الواقع مما لم تكن الوكالة تعرفه، هو أن سولت مزروعة في المخابرات من قِبل المخابرات الروسية٠
هذا ما يشعل فتيل الساعة والنصف الباقية من الفيلم  او نحوها: سولت هاربة من مطارديها من رجال السي آي أيه (كما العميل بورن/ مات دايمون في سلسلة "بورن") ولديها أربع مهام تريد القيام بها: الدفاع عن نفسها. كشف الخلية الروسية التي يعمل أورلوف لحسابها وإنقاذ مليون مسلم معرّضين لمحو نووي وانقاذ حياة الرئيس الأميركي٠
حين اعتذر توم كروز عن تمثيل هذا الفيلم، قامت شركة كولمبيا المنتجة  بالطلب من كاتب السيناريو كيرت وَمر بتغيير جنس البطل الى بطلة وذلك حين عبّرت الممثلة أنجلينا جولي، حتى من قبل أن تقرأ المشروع، عن رغبتها في تمثيل فيلم مغامرات وأكشن٠
تغيير الشخصية من رجل الي إمرأة يتطلب أكثر من مجرد استبدال أحرف وكلمات لها علاقة بجنس الشخصية. في هذه الحالة، هناك القدرة على أن تبدو المفارقات التي تحدث لها قابلة للتصديق بحدود ما هو متعارف عليه من شروط الفيلم الخيالي على الأقل. ولولا أن الممثلة علي قدر كبير من الإستعداد البدني واللياقة لما استطاعت كسب هذه المواجهة بينها وبين شخصيتها والمطلوب من تلك الشخصية أن تفعله. الى ذلك، هناك -في السيناريو السابق- مشهداً يتطلّب قيام توم كروز بإنقاذ زوجته من أسر العصبة الروسية التي تقوم بخطفها والتي تهدف الى إشعال حرب ساخنة بين روسيا والولايات المتحدة. إنقاذ الرجل للمرأة هو تقليد قديم في الأفلام من أيام "الشيخ" مع راندولف فالنتينو وآغنس إيريس سنة 1921، لكن السيناريو اكتشف أنه لا يستطيع قلب الصورة بسهولة. حسب الأحداث، فإن قيام سولت بدخول معقل الجواسيس الروس ثم الخروج منه سليمة هو مخاطرة محسوبة لكن الدراما الناتجة عن إنقاذها زوجها كانت ستبدو أقل فاعلية فيما لو نجحت في مهمّتها. البديل؟ قتل الزوج بحضورها ما يجعلها أكثر تصميماً على النيل من القاتل وجماعته وهذا ما يحدث بالفعل٠

لييف شرايبر (اليمين) وشيوتل إيفور
ثم هناك المسألة التي تتعلّق بالعالم الذي تم وضع الفيلم فيه. هذا مهم لأنه يفرض البطانة الزمنية والموضوعية للفيلم: تلك  المجموعة الروسية النافذة تحلم بروسيا الستينات، شيوعية، قويّة، مُهابة ومعادية للغرب وهي تسعي للعودة الى السُلطة عبر إعادة الوضع السياسي بين الروس والأميركيين الى أيام الحرب الباردة. والمؤسسة قامت منذ سنوات بعيدة بخطف أولاد وبنات وتدريبهم وترميم أرواحهم لكي يتحوّلوا الى مخلب يساعد على تحقيق الغاية. نعم سولت كانت أحد المخطوفين والمدرّبين. لكنها لم تتبنّى النهج حين انتقلت الى الولايات المتحدة ثم انضمّت الى السي آي أيه. بذلك، وهذا الوضع الشائك جديد يستفيد منه السيناريو والفيلم.  هي بالفعل مدرّبة في مؤسسة روسية قبل انتمائها الى المخابرات الأميركية ما يجعلها تبدو كعميلة مزروعة، في أفضل الأحوال. ما يطلب الفيلم منا تصديقه هو أنها لم تقم بالتجسس لصالح الروس ولن تشارك هنا بتنفيذ المهام التي سيتصدّى لتنفيذها العميل الفعلي، ذاك الذي سيتم كشف النقاب عنه قبل أقل من نصف ساعة من الفيلم٠
ليس لدى "سولت"- الفيلم كلمة طيّبة يقولها عن أحد.إذا ما بحثت عن أناس خيّرين (أبطال) يمثّلهم هذا الفيلم او يعبّر عنهم، لما وجدت الكثيرين منهم.  لا الروس على حق ولا السي أي أيه على حق وحتى سولت ليست بريئة تماماً من الشوائب. أكثر من هذا، هل شاهدت رئيس جمهورية أميركي عديم النفع كهذا الرئيس (قام بإدائه ممثل أسمه هانت بلوك)؟ أترك كل ما سبق مشهد قيام الشرير الفعلي (وسوف لن أذكر من هو حتى لا أفسد متعة اكتشافه إذا لم تحزره من البداية) وابدأ من حين قيام الشرير بضرب الرئيس الذي يسقط مغميّاً عليه. انتهى. الرسالة التي تتكوّن أمام العين (وأنا أتحدّث لغة الفيلم وليس لغة سياسية يحب بعض الكتّاب الغوص فيها دائماً) هي أن الرئاسة الأميركية أعجز حتى الدفاع عن نفسها٠
عيب نويس هنا هو أنه في محاولته عدم التخلّي عن خط الفيلم والتزامه بالممثلة وشخصيّتها، قرر أن باقي الممثلين لا يحتاجون منه الى إدارة.   هذا واضح مع الممثلين الواقفين في الصف الثاني مباشرة: لييف شرايبر  وشيوتل إيوفور (هذا الثاني في دور رئيس الجهاز الأمني في الوكالة)، إذ ليس عند المخرج نيّة تخصيص أي منهما بأي إداء يكشف عن لمعة في الشخصية التي يؤديها. بذلك يبقيان دمى متحركة حين الحاجة٠
يلتقي "سولت" وسلسلة أفلام "بورن" أكثر مما يلتقي بسلسلة جيمس بوند: كلتا الشخصيّتان متشابهتان على أكثر من وجه. سولت، مثل بورن، تعمل لصالح وكالة المخابرات الأميركية. سولت مثل بورن، متّهمة بما لم ترتكبه من ذنب. مثله مطاردة من قِبل رجال السي آي أيه الذين يريدون قتلها أولاً وسؤالها عن تهمتها فيما بعد. كلاهما أيضاً يجد نفسه مضطراً للتحرّك مسبقاً قبل أن تطبق المصيدة عليه، ومثل بورن الذي فقد هويّته بفقدانه ذاكرته، هي شخصية فقدت هوّيتها الخاصّة حين وجدت نفسها محسوبة على أنها روسية الأصل وليست أميركية النشأة والإنتماء



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأفلام الأهم  : Phillip Noyce
Dead Calm (1989) ***, Blind Fury (89)  ***, Patriot Games (92) ***, Clear and Present Danger (94) ***, The Bone Collector (2002), The Quiet American (02) ***1/2, Rabbit-Proof Fence (02) ***1/2, Salt (2010) ***
--------------------------- CAST AND CREDITS ---------------------------
DIRECTOR: Phillip Noyce
CAST: Angelina Julie, Liev Schreiber, Chiwetel
Ejiofor, Daniel Olbrychski, August Diehl, Hunt Bloc
SCREENPLAY: Kurt Wimmer
PRODUCERS: Lerenzo di Bonaventura, Sunil Perkash
CINEMATOGRAPHY: Robert Elswit [Color-35].
EDITING: Stuart Baird, John Gilroy, Steven Kemper (100 min).
MUSIC: James Newton Howard
PROD. DESIGN: Scott Chambliss
PROD. COMPANY: Columbia/ Di Bonaventura Pictures/
Relativity Media [USA- 2010]




أفلام     حديثة      أخرى 

L'AFFAIRE FAREWLL (Farwell) | Christian Carion ***
إخراج: كرستيان كاريو
فرنسي | ألوان - 35 مم | 2009
Film n. 127
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 جاسوسي  فيلم فرنسي عن روسي أدّت خدماته للغرب  لكشف أسرار وتقويض دولة 


بقدر ما "سولت" غارق في الخيال (المستند الى فرضية ثَبُتت جدارتها مؤخراً بالقبض على حفنة من الدواسيس)  بقدر ما يختار الفيلم الفرنسي المعروض حالياً في الصالات الأميركية "فاروَل" الإستناد الى وقائع حدثت بالفعل، بصرف النظر عن نسبة هذا الإستناد (التي تبدو عالية على أي حال)٠
كذلك في حين أن "سولت" تعني ملح لكنها في الفيلم هي إسم العميلة الجميلة، فإن "فاروَل" تعني وداعاً، لكنه الإسم الحركي لجاسوس روسي يُقال أنه أضر بالمؤسسة السوفييتية حينما نشط لنقل المعلومات الى الغرب في مطلع الثمانينات٠
إنه سيرغي غريغورييف ويؤديه المخرج الصربي أمير كوستاريتزا. وسيرغي كان كولونيل في المخابرات الروسية على قدر يؤمن أن مستقبل روسيا يكمن في تغيير النظام  وعلى هذا الأساس وجد لزاماً عليه تسريب معلومات مخابراتية على قدر كبير من الأهمية الى الغرب بما فيها معلومات عن العملاء الذين يعملون في الولايات المتحدة وأوروبا. تبعاً لمعلوماته، يقول الفيلم، أخذ الكيان السوفييتي بالتهاوي. غريغورييف، على الأقل، من الذين ساهموا في تداعيه٠
سواء أكانت هذه كل الحقيقة او نصفها، فإن ما يسرده الفيلم مُصاغ بفاعلية متابعاً غيغورييف بدءاً بقراره ذاك، سنة 1981 متابعاً تواصله مع رجل أعمال فرنسي أسمه بيير  (جيلوم كانيه) طالباً منه مساعدته في نقل المعلومات الى باريس. بيير لم يكن ضلعاً في أي حلقة تجسس او سواها. إنه رجل أعمال يعيش وعائلته في موسكو وليس لديه مآرب سياسية من أي نوع. إنها أسباب كافية لأن يصبح عميلاً. وهو يرضى في مطلع الأمر بتذمّر وخشية (أمر طبيعي) لكنه لاحقاً ما تستهويه الحكاية خصوصاً من بعد أن يتناهى له الأثر الإيجابي لتلك المعلومات٠ الفرنسي فيليب مانان يقوم بدور الرئيس فرنسوا ميتران والأميركي فرد وورد بدور الرئيس رونالد ريغَن وفي الفيلم يعكسا شعورهما بأن التغيير قادم في الربوع السوفييتية٠
يحافظ الفيلم على دوافع غيغورييف باحترام. إنه مندفع برغبة وطنية وإدراك للمستقبل. أبناء النظام لديهم مفهومهم المختلف لما هي الوطنية وبالنسبة إليهم فإن ما يفعله غيغورييف هو خيانة وطنية- ليست أقل من ذلك، لكن ذاك يصبو الى التغيير معتقداً أن لا حياة في النظام السائد٠
تحت قراءة الممثل كوستاريتزا، فإن غيغورييف ليس ملاكاً في الوقت ذاته. إنه يحمل نظرة داكنة وساخرة من العالم. لا ينطلق من قواعد أخلاقية. يحب عائلته، لكنه يخون زوجته في الوقت ذاته. كوستاريتزا يقدّمه على نحو يثير الخشية رغم ما يوضّحه الفيلم من أن دوافعه هي محض وطنية. يفيد في تلك الترجمة حقيقة أن كوستاريتزا في الفهم المناسب للسلوكيات المفترضة لشخصية ذات سُلطة كهذه الشخصية، كونه عايش حياة النظام اليوغوسلافي سابقاً يجعله على قدرة طبيعية تجسيد الدور على نحو يترك تأثيره. في "فاروَل" أهمية العنصر التمثيلي الذي افتقده كل من فيلم "سولت" ومن قبله "بداية" (الذي له علاقة بنوع آخر من الجاسوسية) ٠
السيناريو هنا يتابع الحقائق متدخّلاً، على ما يبدو، في مجال تطويعها لتصنع فيلماً مؤثراً. والمخرج كاريو يؤمّن هذه الغاية متجاهلاً التنميط والكليشيهات التي عادة ما تدخل في هذا الصنف من الأعمال. ما يقوم به هو اختزال كل ما جمع بين سينما الجاسوسية من أيام جيمس بوند الأولى الى اليوم محققاً عملاً رصيناً حول روسي وفرنسي غيّرا العالم الى ما نحن عليه اليوم- سواء أكان هذا التغيير مفيداً لي ولك

CAST AND CREDITS
  
DIRECTOR: Christian Carion

CAST:  Emir Kusturica, Guillaume Canet, Alexandra Dapkunaite, 
Oleksii Gorbanuv, Dian Korzon, Fred Ward, David Soul, Willem Dafoe

SCREENPLAY: Christian Carion
PRODUCERS: Phillippe Boeffard, Bertrand Faivre, Christophe Rossignon
CINEMATOGRAPHY: Walther van den Ende [Color-35].
EDITING: Andrea Sedlackova (113 min).
MUSIC: Clint Mansell
PROD. DESIGN: Jean-Michel Simonet
PROD. COMPANY: Nord-Ouest Proda [France- 2010]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
LOOKING FOR PALLADIN | Andrzei Krakowski ***
البحث عن بالادين | أندريه كراكوڤسكي
الولايات  المتحدة | ألوان- 115 د| 2009
Film n. 128
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دراما | كوميديا نصفها الأول آسر حول منتج يبحث عن ممثل معتزل. حال يجده قدراً من جدواه

تاليا شاير وبن غازارا
على عكس عدد ملحوظ من أبناء جيله، لم يستطع البولندي المولد أندريه كراكوڤسكي إنجاز الحالة الفنية التي أنجزها سواه أمثل ڤايدا وسكولوموڤسكي وبولانسكي. ولهذا سبب جوهري: كراكوڤسكي بدأ مساعد مخرج ومدير تصوير ومنتج لأفلام غالبها أوروبي (ثم أميركي) ولم ينطلق مخرجاً من الأساس الا قبل سنوات قليلة، في ظروف ثقافية مختلفة.
لكن "البحث عن بالادين" فيلم مفاجأة. حان ومبهج ومكتوب ومنفّذ بحس رائع حيال شخصياته جميعاً. هي منسوجة بعناية من يجد في كل منها مادّة تستحق أن تقدّم الى الناس لأجل إتمام موزاييك المكان ولمنح القصّة جانبها الإجتماعي بعدما وجدّت خطّها الفردي والإنساني ولو أن كل هذا متوفّر في النصف الأول من الفيلم. النصف الثاني يتحوّل عن مسيرته ويخسر أشياءاً في المقابل ٠
 جوش (ديفيد موسكو) يصل الى بلدة أنتيغوا في غواتيمالا بحثاً عن ممثل قديم مختف هناك بمحض اختياره أسمه جاك بالادين (بن غازارا).  كما نعلم لاحقاً، كان الممثل صوّر فيلماً في البلدة وقبل مقايضة: أجره مقابل فيللا قديمة تعود للقرن السادس عشر تبع ذلك قراره قطع الصلة بهوليوود وبالنجومية والإستقرار في البلدة الى الأبد بعدما وجد عملاً كطبّاخ في مطعم يديره مهاجر آخر (ڤنسنت باستوري). الآن وبعد كل هذه السنوات، جوش مرسل من قبل شركة إنتاج في هوليوود للبحث عن الممثل   وإغرائه بالعودة للتمثيل في دور شرف مقابل مليون و200 ألف دولار. هي في الحقيقة خمسة ملايين وليس واضحاً (ولو أنه محتملاً) أن جوش سيقتطع الباقي لنفسه (إذا وجد سبيلاً)٠
حين وصول جوش الى المطار يخبر موظّف الجوازات بأنه سيمضي ساعات قليلة. هذه إشارة مؤكدة أن الساعات ستتحوّل الى بضعة أيام. من المطار الى شركة تأجير سيّارات لكن بطاقته المصرفية لا تعمل (ولا يتطوّع الفيلم ليخبرنا لماذا). يتّجه الى حافلة مليئة بالأهالي ويجلس شاكياً ما هو عليه في مكالمة طويلة الى الشركة التي انتدبته٠
حين وصوله الى البلدة التي يقصد، حاملاً حقيبة صغيرة واحدة، يسحب من جيبه صورة قديمة للممثل ويبدأ بسؤال الناس عن صاحبها. يدخل محلاً ويوقف أناساً على الطريق، ثم يلجأ الى البوليس ثم الى مركز البريد ولا أحد يريد مساعدته. في هذه الأثناء نتعرّف على الممثل وحلقة من السينمائيين المستقلّين الذين يريدون كتابة دور له وباقي فريق العمل في المطعم وكل ذلك في متابعة ذات اهتمام إنساني واقعي. حين يكتشف المنتج مكان وجود الممثل (في المطعم) ويقصده يقرر المخرج إغفال نقطة مهمّة هي: كيف. لا يمكن أن تقدّم مشهداً تلو المشهد حول ما تعانيه إحدى الشخصيات في بحثها عن شخصية أخرى، ولا تقدّم المشهد الذي سيعرف فيه الباحث مكان وجود الآخر. لكن كراكوڤسكي يفعل ذل، ثم يفعل ما هو أكثر من ذلك. يدخل المُشاهد في سلسلة من العلاقات الإجتماعية ذات الخلفيات التي لا تنجح في أن تصبح مهمّة. فالمنتج الشاب هو إبن الممثلة التي ماتت حين كان صغيراً والممثل صديقها. هذا واحد من خيوط تجمع بين المنتج وبين بعض الشخصيات الأخرى وتلك الشخصيات (وبينها صديقة الممثل حالياً وتقوم بها تاليا شاير التي لعبت دور زوجة سلفستر ستالون في أفلام "روكي" وشقيقة آل باتشينو وجيمس كان في سلسلة "العرّاب" من بين  قرابة خمسين فيلم آخر) لكنك لن تشعر بأن هذه الخلفية ضرورية بل مقحمة، ولا تترك ذيولاً مهمّة بل تؤدي الى مشاهد حوارية ومواقف باردة وصولاً الى نهاية غير ذات تأثير٠  

CAST AND CREDITS

DIRECTOR: Andrzej Krakowski

CAST:  Ben Gazzara, David Moscow, Talia Shire, Vincent Pastore, 
Pedro Armendariz Jr.

SCREENPLAY: Andrzej Krakowski
PRODUCERS:  Mahyad Tousi
CINEMATOGRAPHY: Giovanni Fabietti [Color-35].
EDITING: Babak Rassi (115 min).
PROD. COMPANY:  Palladin Pictures/ Long Tale Etertainment [USA- 2009]




SALLE B.  الصالة ب
استعادات

 خمسة أفلام جاسوسية من الماضي تختلف وتلتقي وتتفاوت

 1- ONE SPY TOO MANY| Joseph Sargent  *1/2
 جاسوس واحد أكثر من اللازم | جوزف سارجنت
الولايات المتحدة |  ألوان- 101 د | 1966
Film n. 129

نبذة
Men in Black  رب تورن، الممثل الأكثر شهرة  حين يؤدي رئيس جهاز التصدي للمخلوقات الغريبة في
يقوم هنا بتأدية دور ألكسندر الذي يحاول أن يكمّل ما كان ألكسندر الكبير حين فكّر غزو العالم  وهو من الذكاء بحيث يصعب على بطلي الفيلم، روبرت ڤون وديفيد ماكولم التابعين لجهاز استخباراتي أسمه
التكهّن بخطوته المقبلة لكن النجدة تأتيهم من أحد معاوني الشرير الكبير مع معركة ، U.N.C.L.E
 تنهي أطماع ألكسندر الى الأبد٠
تقييم
 مثل باقي سلسلة "أونكل" المذكورة، هناك التجسس وعمليات التخريب والبطلين الصديقين والشرير الحالم بهدم الحياة الغربية كما نعرفها. في طيّات ذلك هناك الكوميديا التي تبغي تخفيف حدّة الموضوع وتمنح المشاهد بديلاً عن الجاسوس رقم واحد في ذلك الحين: جيمس بوند. المشكلة أن الموضوع هنا خال من الحدّة أساساً ما يجعل المعالجة الكوميدية تخفيفاً لما هو خفيف جدّاً في الأصل. الحبكة (من كتابة دين هارغروف) تقوم على خيط قصصي محدود في الحجم والقيمة. أفضل ما في الفيلم مشاهد الأكشن التي نفّذها جوزف سارجنت، أحد سينمائيي الفترة الجيدين
معلومات
Joseph Sargent
عمل في السينما وترك أثراً جيّداً في نحو نصف الأفلام الثمانية عشر التي حققها، لكنه اشتغل تلفزيون أكثر بكثير في مسلسلات مختلفة من بينها "أف بي آي ستوري" و"كوجاك" كمسلسلات وعدد كبير من الأفلام المصوّرة لحساب التلفزيون لتعرض فيه وحده. سينمائياً وبعد ظهوره لحين وجيز كممثل حقق أعمالاً معروفة
White Lightning (1973) **, The Taking of Pelham One Two Three  مثل
(74),  MacArthur (77) ***, Jaws 4 (87) **
Robert Vaughn
بعد انطلاقته التلفزيونية أنجز العديد من الأدوار السينمائية لاعباً شخصيات 
متعددة أبرزها شخصية المدّعي العام المكروه في فيلم بيتر ياتس الرائع "بوليت". قبل شهرته التلفزيونية لعب كواحد من "الرائعون السبعة" وسترن لجون سترجز  سنة 1960: أحد سبعة أميركيين يقبلون مهمّة الدفاع عن المكسيكيين  ضد عصابة من المجرمين لنكتشف جبنه وأنه لم يكن يوماً بالشجاعة التي رسمها حول نفسه٠
آخر أدواره في السينما ورد قبل ستّة أعوام، لكن يُقال أنه سيظهر، شرفياً، في إعادة صنع لفيلم الوسترن ذاك خلال العام المقبل. عمره الآن 77 سنة٠
David McCallum
لم ينل هذا الممثل البريطاني حظّاً كبيراً  في السينما كما زميله روبرت ڤون
خارج نطاق هذه السلسلة لكنه ظهر كثيراً في الستينات والسبعينات. لعب تحت إدارة جون سترجز أيضاً في
 The Magnificent Seven  ومثل ڤون في  The Great Escape
يموت في ذلك الفيلم. عمره الآن 76 سنة وظهر في العام الماضي في فيلم توجّه مباشرة الى الدي ڤي دي هو
Wonder Woman

2- OPERATION CIA | Christian Nyby  *
عملية سي آي أيه | كرستيان نيبي
الولايات المتحدة | ألوان- 90 د| 1965
Film n. 130
نبذة
عميل السي آي أيه مارك (بيرت رينولدز) يصل الى سايغون متخفياً بشخصية بروفسور وذلك لإلقاء محاضرة مجهّزة إمعاناً للتمويه. هدفه الحقيقي معرفة من يقف وراء الخطّة التي ستنفّذ لقتل السفير الأميركي هناك٠
تقييم
فيلم روتيني من المخرج الآتي من وراء طاولة المونتاج يحاول إثارة التشويق لكن القصّة التقليدية وغياب عناصر أهم من السرد القصصي (مثل الإحاطة بالأجواء الأمنية التي كانت دائرة آنذاك والحرب المحيطة بسايغون) يمنعان ذلك. بالنسبة لبيرت رينولدز وطأ أحد أضعف أفلامه في تلك المرحلة. هناك كمين يُنصب لشخصيّته خارج سايغون من قِبل الفييتنكونغ، لكنها ستكون المرّة الوحيدة التي نسمع بأولئك المحاربين. طبعاً سينجو من ذلك الكمين ومن كل خطر يحدق به لدرجة أنك تبدأ التساؤل عن جدوى الفيلم كلّه٠
معلومات
Christian Nyby
The Thing From Another World***   لمع أسمه مرّة واحدة في الحقيقة حين أخرج فيلم الرعب
سنة 1951 وذاك كتبه هوارد هوكس وقيل أن هوكس (وكان مخرجاً فذّاً في ذلك الحين) هو من حقّق الفيلم فعلاً. ضعف أفلام نيبي اللاحقة يؤكد ذلك. أخرج ما مجموعه ستة أفلام كان هذا الفيلم قبل آخرها بواحد. مات  في سنة  1993 عن 80 سنة٠
Burt Reynolds
استحوذ بيرت رينولدز (عمره الآن 74 سنة) على نجاح كبير وأنجز أكثر من تسعين فيلم منذ أن
معظمها بطولة. هذا الفيلم كان الثالث عدداً. معظم ما لعبه كان أدوار بطولة  ولحين كان النجم الأنجح الثاني مباشرة بعد كلينت ايستوود في مطلع السبعينات.  كان أكثر من حضور جيّد في بعض أفلامه مثل
Deliverance (1972) ****,  Shamus (73) ***, The Logest Yard (74) ****
وبعض سواها. لكنه مزج الخفّة والكوميديا أكثر قليلاً مما يجب ما جعله يظهر في العديد من الأفلام الرديئة
Gator (76) **, Smokey and the bandit (77) **, Cannonball  والمتوسّطة مثل
رينولدز أخرج بضعة أفلام جيّدة منها إثنان  بوليسيان ببلوز حزين
Sharky's Machine (81) ***1/2, Stick (85) ***

3-  THE SPY WHO LOVED ME | Lewis Gilbert  **
الجاسوس الذي أحبّني | لويس غيلبرت
بريطانيا/ الولايات المتحدة | أبيض/ أسود- 125 د| 1977
Film n. 131
نبذة
يتناهى الى المخابرات البريطانية أن منظّمة سريّة، يقودها شرير بإسم كارل سترومبرغ (كيرت جيرغنز) تختطف غواصات بريطانية  لإشعال نيران الحرب. علي بوند (روجر مور) أن يحل اللغز ويكشف الفاعلين وستساعده عميلة المخابرات السوڤييتية آنيا (باربرا باك) حيث تقودهما الأحداث الى مصر٠
تقييم
حين يسبب بوند تهاوي دعامات تسند أثراً تاريخياً ليطمر العملاق "جوز" (رتشارد كيل) يعلّق بإبتسامة
ساخرة "شغل مصري". لكن ما عدا هذه الناحية ليس هناك من تشويه او سوء تقديم للمصريين في هذا الفيلم الذي لم يكتبه إيان فليمنغ بل تم استيحاءه من شخصيّته. الفيلم الثالث من بطولة مور والأول بينها الذي حقق نجاحاً كبيراً. العناية الخاصّة كالعادة لوضع بهرجة بطولية حول شخصية العميل البريطاني الذي لا يُقهر، ومور المختلف تماماً عن شون كونيري، يمزح كثيراً ويحب كثيراً ويواجه أعداءاً شرسين طوال الوقت كما تقتضي المغامرة. لكن الفيلم متعب في نهايته  بسبب منوال لا يتغيّر من الأحداث وغياب الخطر. هذا كان الفيلم البوندي الثاني للمخرج غيلبرت  من ثلاثة٠
معلومات
Barbara Bach
ولدت في أميركا وتبلغ حالياً 62 سنة وتميّزت أفلامها بالخفّة طوال الخط. أبرز ما مثّلته كان هذا الفيلم الذي يجعلها من حريم بوند (الممثلات اللواتي لعبن معه في أدوار إيجابية) لكن لديها فيلم ناجح آخر بعد ذلك هو
الذي أخرجه غاي هاملتون، الذي اشتغل بدوره في أفلام بوند٠ Force 10 From Navaron

4- THE SPY WHO CAME IN FROM THE COLD | Martin Ritt  ***
الجاسوس الآتي من البرد | مارتن رِت
بريطانيا | أبيض/ أسود- 112 د| 1965
Film n. 132
نبذة
أريك  (رتشارد بيرتون) جاسوس بريطاني مزروع في ألمانيا الشرقية وآخر مهمّة له فشلت فأعيد الى لندن. لكن عوض صرفه طلبت منه المخابرات البريطانية مساعدتها في قضية أخرى. أريك لا يحب ما يقوم به ولا يحب المخابرات التي يعمل لها ويجد وظيفة في مكتبة تعمل بها  نان (كلير بلوم) ذات الميول الشيوعية التي تعرّفه على جواسيس يعملون لصالح ألمانيا ما يجعله متردد حيال انتماءاته٠
تقييم
فيلم جاسوسي جاد يعيبه كثرة الكلام فيه، لكنه جيّد فيما عدا ذلك. تعود كثافة الحوار الى محاولة تلخيص رواية ضخمة للمؤلف المتخصص في النوع جون لي كاري، وعدم محاولة المخرج رِت الخروج كثيراً عن النص. ما ينتج عن ذلك فيلم ذي حبكة قوية ومثيرة وناتجة عن موضوع يحتاج الى فيلم او أكثر: ما هي كنه العلاقة بين الجاسوس العامل في خدمة النظام الغربي (بريطانيا في هذا الشأن) وبين أخلاقيات عمله؟ هل قيامه بالتخريب والتجسس لصالح بلاده هو نتيجة إيمان مطلق بالسياسة التي ينتهجها النظام الذي ينتمي إليه، او يستطيع، كما الحال هنا، مراجعة نفسه وإدراك أن كل الأيدي حوله يمكن أن تكون قذرة؟ على الرغم من أن العديد من المشاهد غارقة في حواراتها، الا أنها حوارات ذكية وتفرض متابعتها لاختيارات الكاتب  (وضع السيناريو بول دَن) من الكلمات. ما يفتقده الفيلم على صعيد الحركة يعوّضه على صعيد التصوير البارع لأزوولد موريس: بريطاني خبر المهنة من العام 1932 الى العام 1982 أنجز فيها أكثر من 102 فيلم٠
معلومات
Martin Ritt
بدأ هذا المخرج ممثلاً ثم حقق فيلمه الأول وكان فيلما اجتماعياً لافتاً بعنوان
Edge of the City بدأ المخرج ممثلاً ثم حقق فيلمه الأول وكان دراما اجتماعية لافتة بعنوان
تتمحور حول الوضع العنصري الذي أدانه المخرج بشدّة مع جون كازافيتيس وسيدني بواتييه متعاونين٠ مال في أعماله الثماني والعشرين الى الأعمال المستلهمة عن الروايات الضخمة لكنه لم يحقق فيها ذات الإبداعات والمواقف التي حققتها أفلامه التي  لم تستوحى من المؤلّفات، ومن أهمها  "نورما راي" الذي تماشى مع موقفه اليساري كونه دعوة لتقوية عضد النقابات العمّالية. أفلام أخرى
  Paris Blues (61) **1/2, Hud (63) ***, Hombre (67) **,  The Great White Hope (70) ***, The Front (76) ***, Norma Rae (79) ***1/2
Stanley & Iris (89) **1/2  آخر أفلام المخرج الذي رحل عن 76 سنة كان
قبل عامين من وفاته٠
Richard Burton
احتضن رتشارد بيرتون صورة الممثل المسرحي الكبير الذي سيضفي نوعية على الفيلم الذي يشترك بإدائه. وهذا صحيح الى حد بعيد. في أكثر من حفنة من الأفلام هو أفضل ما فيها. لكن هذه الصورة حبسته أيضاً في إطار واحد. لا يمكن تصوّره في أفلام مختلفة الأنواع ولا هو من المهارة الكافية لكي ينتقل بين الشخصيات انتقالاً كاملاً بل يبقى رتشارد بيرتون من فيلم الي آخر٠ ولد سنة 1925 في بريطانيا ومات سنة 1984 عن  58 سنة ظهر خلالها في 66  فيلم٠ أمثلة
The Robe (1953) **1/2, Alexander the Great (56) **1/2,   Bitter Victory (57) ***, Cleopatra (63) **,  Hamlet (64) ***, Candy (68) *, The Assissination of Trotsky (72) **,  Nineteen Eighty Four (84) ***1/2
5- THE THIRD MAN | Carol Reed  ****
 الرجل الثالث |كارول ريد
بريطانيا | ألوان- 93 د| 1949
Film n. 133
نبذة
يصل هولي (جوزف كوتن) الى فيينا ساعياً للبحث عن صديقه لوسيفر (أورسن وَلز) بغية إيجاد عمل له. هناك يكتشف أن صديقه مات بحادثة  وينصحه رئيس البوليس بالعودة الى وطنه، لكن هولي يبقى لأنه يرتاب في أن الحادثة لم تكن مدبّرة. كل ذلك ليكتشف أن صديقه دبّر الحادثة لكي تعلن موته، بينما هو لا يزال على قيد الحياة متورّطاً بحلقة تجسس مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية٠
تقييم
هذه الدراما الجاسوسية هي من بين الأعمال النيّرة كفيلم نوار أيضاً. كتب القصّة غراهام غرين. مدير التصوير هو روبرت كراسكر وقد حاول والمخرج ريد إنجاز ما سبق لممثله أورسن وَلز أن حققه في "المواطن كاين" من لقطات مائلة وغير تقليدية. التوفيق حالفهما والفيلم -لجانب حبكة مثيرة- من بين الأهم في نوعه٠
كتابة تفصيلية ستتبع قريباً٠
معلومات
Graham Green
تناولت السينما أعمالاً كتبها غراهام غرين كروايات او شارك بكتابتها كسيناريوهات 37 مرّة آخرها
الذي أخرجه  فيليب نويس ("سولت") سنة 2002  The Quiet American
والكثير منها حول أميركيين في بلاد أوروبية كحال "الأميركي الهاديء" التي نُقلت الى السينما مرّة من قبل  نسخة نويس، وذلك سنة 1958 عندما تصدّى لها (بنتيجة متوسّطة) جوزف ل. مانكيوڤيتز سانداً بطولة ضعيفة لممثل أفلام الوسترن أودي مورفي. جون فورد قدّم من أعمال غراهام غرين "اللاجيء"  في السنة ذاتها التي أخرج فيها كارول ريد هذا الفيلم٠
Carol Reed
بدأ كارول ريد ممثلاً ومخرجاً على نحو متناوب ثم اكتفى بالإخراج  مباشرة بعد هذا الفيلم الذي سجل فيه ظهوراً مسانداً. أفلامه الأولى من منتصف الثلاثينات وحتى  منتصف الأربعينات كانت مقبولة لكن من دون لمعة خالصة.  أفضل أفلامه وردت سنة 1947 حين دراما جنائية من بطولة جيمس ماسون عنوانها
مع مدير التصوير المفضّل لديه روبرت كراسكر. في العام التالي أخرج The Odd Man Out ****
عن رواية أخرى لغراهام غرين وبعد "الرجل الثالث" استمر في منوال مثير The Fallen Idol ****

للإهتمام الى أن غابت غابت شمس إبداعه قبل نهاية الخمسينات ولو أنه استمر مخرجاً لأفلام متنوّعة وواعدة حتى سنة 1972، أي قبل أربع سنوات من رحيله٠



Robert Aldrich  2  |   مخرج وأفلامه

الفترة الثانية من مسيرة المخرج روبرت ألدريتش أفضل من الأولى وتحتوي على  عدد من التحف الصغيرة التي لم تشهد أيامها ما تستحق من اهتمام٠

Hush... Hush, Sweet Charlotte  (1964) ***
Film N. 134


سكوت، شارلوت الرقيقة | رعب | بعد نجاح «ما الذي حدث للبايبي جين؟« استعان بإحدى بطلتيه (بيتي ديڤيز) لكي تلعب الدور الرئيسي في هذا الفيلم التشويقي الأفضل في بعض نواحيه من الفيلم السابق. من بين هذه النواحي إبقاء الغموض قائماً بنجاح حول شخصية ديڤيز وإذا ما ارتكبت الجريمة التي يُقال أنها ارتكبتها. السر يتبدّى خلال زيارة عائلية تتحوّل الى مكاشفة. في الأدوار الرئيسية الأخرى أوليڤيا دي هاڤيلاند وجوزف كوتن٠

The Flight of the Phoenix (1965) ***
 Film N. 135

طيران الفينكس | دراما | فيلم جيّد آخر من صنع ألدريتش تبدأ أحداثه بسقوط طائرة تقل عدداً من العسكريين في الصحراء  غير المحددة (لكن يُفهم أنها عربية). الطائرة رابضة فوق الرمال. الطعام والماء محدود والصحراء تحيط بهم من كل جانب. في هذا الوضع ترتفع الاسئلة التي يصر ألدريتش على إلقائها حول المصير ومن يملكه وكيف يمكن التصرّف به. من يجب أن يقود ومن يجب أن يموت وأمور أخرى من هذا النوع. فيلم جيّد أعيد صنعه سنة 2004 بنسخة لا بأس بها لكنها مختلفة أقدم عليها جون مور٠

The Dirty Dozen (1967) **
Film N. 136

الدزينة القذرة | حرب | أكبر أفلامه  وأقلّها قيمة فكرية. على ذلك من أنجحها. فيلم لإلهاب المشاعر  يضم عدداً من الوجوه المعروفة  في سينما الأكشن (لي مارڤن، أرنست بورغناين، جيم براون، تشارلز برونسون، رتشارد جايكل، دونالد سذرلاند، كلينت ووكر، تيلي سافالاس) سيلقّنون الأعداء النازيين دروساً في الحرب. مهمّة لا يتوقّع أن يعود منها أحد تخترق كل المنطقيات وتعتمد على عنصر منح كل شخصية جانباً حادّاً يصطدم والاخرين (هذا عنصري، ذاك مصاب بتوتّر نفسي، الآخر قاتل) وكلّهم -بإستثناء قائدهم مارڤن- يتم الإفراج عنهم  لتجنيدهم. ليست هناك ذرّة من الحقيقة لكن الكثير من الضجيج. لجانب المذكورين هناك أيضاً جون كازافيتيز، رالف ميكر، جورج كندي وروبرت رايان٠

The Legend of Lylah Clare (1968) **
Film N. 137

أسطورة ليلا كلير | دراما | ضربة ركن أخرى تجاه هوليوود، إنما بتأثير أقل، يوجهها ألدريتش عبر هذا الفيلم الذي جلب له بيتر فينش ليؤدي دور مخرج  يستعين بممثلة غير معروفة (كيم نوڤاك) لتلعب شخصية ممثلة كانت ماتت في حادثة غامضة. الحادثة الغامضة تشبه تلك التي تعرّضت لها شخصية نوڤاك في فيلم ألفرد هيتشكوك  «فرتيغو« الذي خرج قبل هذا الفيلم بعشر سنوات. إداءات جيّدة من دون ريب، لكن الفيلم لا يحمل وحدة هدف. حينا يبدو كما لو كان سيتّجه صوب الغموض وحينا صوب الكوميديا السوداء وهو انتهى كأحد أضعف أفلامه٠

The Killing of Sister George (1968) **
Film N. 138

قتل الأخت جورج | دراما | ثالث أفلامه التي تتعاطى شخصيات نسائية قد تفقد صوابها وتقدم على جريمة في آخر لحظة، وأضعفها. هنا يقدّم ألدريتش حكاية ممثلة يتقدّم بها العمر (غير المعروفة بيريل ريد) تعيش مع صديقتها المثلية (سوزانا يورك) وتواجه معضلات خطيرة مثل فقدانها رجاحة عقلها في أي لحظة. الأسباب وجيهة: تعيش بوجهين: واحد لجمهور التلفزيون حيث تؤدي بطولة مسلسل ميلودرامي، والاخر في الحياة الحقيقية وكلّما ازداد وضعها حدّة، كلّما نفّست عن إحباطها بعدائها للفتاة التي تحب الى أن يختلط عليها الأمر فتمزج بين عالمها الخيالي وعالمها الواقعي٠

Too Late the Hero (1970) ***1/2
Film N. 139

     متأخر أيها البطل | حربي | بداية عودة ألدريتش لمواقعه الجيّدة التي خسرها حين حاول توسيع رقعة جمهوره. والفيلم الذي يعيد حرصه على النهايات السوداوية عوض أن يتركها تائهة حسب رغبة الاستديوهات. مايكل كاين وكليف روبرتسون وإيان بانن من بين الوحدة الأميركية البريطانية  العاملة فوق جزيرة فيليبينية خلال الحرب العالمية الثانية: الهدف هو تعطيل محطة اتصالات يابانية. في المضمون معاينة وفحص معاني التضحية والشجاعة وبالنتيجة إلقاء نظرة باردة (180 درجة ضد "الدزينة القذرة") على الحرب ومفهومها٠

The Grissom Gang (1971) ***
Film n. 140


عصابة غريسوم | عصابات/ دراما |  كيم داربي، سكوت ولسون، توني موسانتي، كوني ستيفنز وسواهم من لآليء تلك الفترة يشتركون في هذه الدراما المسلّحة بالتصوير الواقعي  لفترتها الزمنية: سنوات البؤس الإقتصادي في العشرينات.  عصابة من صغار المجرمين يصطادون ما يعتقدونه كنزاً ثميناً: اختطاف فتاة شابّة وثرية (داربي) ومطالبة أهلها بفدية. لكن أحد أعضائها (ولسون)  يقع في حبّها ويريد مساعدتها على الهرب وهي تبادله الحب.  لفت الممثل سكوت ويلسون انتباهي حين ظهر في دور محدود في أول أفلامه
In the Heat of the Night  في حرارة الليل
الذي قام نورمَن جويسون بإخراجه من بطولة سيدني بواتييه ورود ستايغر، ولم أشاهد فيلمه الثاني »في دم بارد«  الا سنوات من بعد إنتاجه. بطولته لـ «عصابة غريسوم« كشف عن موهبة لم تحظ بالفرص الجيّدة على كثرة ما أدّاه من أدوار وشخصيات الى اليوم٠

Ulzana's Raid (1972) ****
Film n. 141

غارة أولزانا | وسترن | بيرت لانكاستر كشّاف الفرقة العسكرية الأميركية التي تواجه عصبة من الأباتشي في معركة حياة او موت في هذا الفيلم الآخر من أفلام ألدريتش التي تنتهي بأن لا نجاة ولا أمل لأحد. وسترن حزين مع تمثيل أكثر حزناً يجسّده لانكاستر الذي كان ظهر تحت إدارة ألدريتش في »ڤيرا كروز« (راجع العدد الماضي). الممثل رتشارد جايكل، الذي كثيراً ما لعب في أفلام لألدريتش له مساحة مهمّة هنا. الموقع الصحراوي الجاف والعنف المطلق من كلا الجانبين أمور تمم نظرة المخرج العدمية٠

Emperor of the North (1973) ****
Film n. 142

إمبراطور الشمال | دراما تشويقية | ثاني أفلام ألدريتش الرائعة في تلك الفترة ومن أكثرها تشويقاً وعنفاً في مكانه: لي مارڤن متسلل دائم الى القطارات يركب وسواه في زمن اليأس الإقتصادي مجاناً لفقره. حارس القطارات السادي شاك (أرنست همنغواي) دائماً ما هو مسلّح بجنزير يهوي به في استمتاع على كل من يلقي القبض عليه مختبئاً في عربة او على سطح القطار. لكن مارڤن مصر على تحدي شاك وهذا ما يقود الى معركة هائلة بينهما في فيلم يبقيك على خط السكّة الساخن طوال الوقت٠

The Longest Yard (1974) ****
Film n. 143

المسافة الأطول | دراما سجون | أحد أفضل أفلام السجون في تاريخ السينما الأميركية على الأقل. بيرت رينولدز لاعب كرة قدم مسجون. إيدي ألبرت هو مدير السجن وهو يجبر رينولدز على تكوين فرقة كرة قدم من المسجونين لمنازلة فريقه من الحرّاس ويريده أيضاً أن ينهزم أمامهم. لجانب طروحاته حول السُلطة والمصير ومن الذي يقود ومن لا يقود الخ... هو فيلم رائع كتشويق مع ممثلين كانوا من أجمل الطاقات الإبداعية على الشاشة وكلّهم في أدوار مساندة منهم إد لوتر، جون ستيدمان، هاري سيزر. أعيد صنع هذا الفيلم علي يدي بيتر سيغال كشريط كوميدي وذلك سنة 2005










Hustle (1976) ****
Film n. 144

تسريع | بوليسي | بيرت رينولدز هو الشرطي الذي تؤول اليه مهمّة التحقيق في مقتل فتاة شابّة اعتبر موتها انتحاراً، لكنه حين التحقيق يكتشف أنه ليس كذلك.  وراء هذا الخط وما يؤدي إليه ما هو أعمق من الحكاية التي تبدو تقليدية. الشخصيات المتلاطمة في بحثها عن قيمة ما لهذه الحياة. في الأدوار أيضاً  كاثرين دينوف وإيدي ألبرت وبول وينفيلد٠

Twilight Last Gleaming (1977)  ****
Film n. 14
اللمعان الأخير للغسق | تشويق | تأكيد على أن اكتشاف روبرت ألدريتش يبدأ من أفلامه الأخيرة.  هذا الفيلم التشويقي السياسي يدور حول أربعة سجناء يهربون من حبسهم وينجحون، حسب خطّة موضوعة ومنفّذة على الشاشة بقدر كبير من المنطق، بالتسلل الى قاعدة نووية أميركية (بيرت لانكاستر، ويليام سميث،  بول وينفيلد، بيرت يونغ) حيث يهددون الرئيس الأميركي (تشارلز دارنينغ) بإطلاق صواريخ نووية الا إذا نفّذ بضع مطالب من بينها إظهار الحقيقة للشعب حول السبب الذي دخلت فيه الولايات المتحدة الحرب الفييتنامية. الأمل في إنقاذ العالم من الخطر النووي يتضاءل تماماً كما هي نهاية فيلم ألدريتش الثالث «قبّلني للموت« سنة 1955 كما ورد في العدد الماضي٠




The Choirboys (1971) ***
Film n. 146

فتيان الكورس | دراما | عن رواية للكاتب جوزف وومبوه اقتبس المخرج هذا الفيلم الذي يفحص حياة رجال البوليس، كما سبق له أن فحص حياة الممثلين. تشارلز دارنينغ، لويس غوزيت جونيور، بيري كينغ، راندي كوايد من بين هؤلاء الباحثين بالتدريج عن معنى لحياتهم وسط الفساد الإجتماعي السائد. قدر من الإنسياب الفوضوي يؤثر على جودته وبالتالي قيمته٠

The Frisco Kid (1979) **
Film n. 147

فتى فريسكو | وسترن كوميدي | ألدريتش يحاول أن يتدخل في الصراع العربي الإسرائيلي  ولو رمزياً. أحد بطلا الفيلم (جين وايلدر) هو راباي من بولندا يصل الى الغرب الأميركي مسلّحاً ببراءته وطيبة قلبه ليكتشف  الغرب الموحش على حقيقته. هاريسون فورد في دور "البطل" التقليدي الذي يساعد الراباي من الأشرار.  كل ما يبغاه اليهودي هو موطأ قدم يعيش فيه بسلام الخ... أضعف أعمال ألدريتش في تلك الفترة وأخفّها قيمة٠

.... All the Marbles (1981) ****
Film n. 148

كل  الرخام (المقامات) | دراما | آخر فيلم لألدريتش من تلك الحكايات الناعمة حول الحياة في دنيا الهوامش. بيتر فولك وكيل أعمال إمرأتين (فيكي فردريك ولورين لاندون)  تمارسان المصارعة في حلبات الوحل. الثلاثة يواصلون السفر بين المدن، صغيرة وكبيرة، وحفلات تعكس وحشية حضورها وجمهورها في مقابل البذل البدني لمصارعتيه. الأهم هو ذلك القدر من الإنسانية الذي يحيط ممثلتيه به. أحلامهما وظروفهما ما يذكّرني
 Fat City  بفيلمين أحدهما لجون هيوستن حول ملاكمين في عالمهما المهدوم وعنوانه
من إنتاج سنة 1972 والثاني  أنجزه جون كازافيتيز سنة 1976 بعنوان "مقتل وكيل مراهنات صيني"٠











ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠