Sunday, September 19, 2010

New: The Town, The Expendebles, Crim d'amour, Police adjective | Classics: Tarkovski's The Sacrifice, Ray's The Lonely Wife

Year 2 | Issue 74


بين الأفلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للمجهول  والغريب والمنسي

واحد من الأفلام التي ستشتغل هوليوود على إعادة تصويرها او صنعها، كما يقولون، هو: المخلوق من البحيرة
   Creature of the Black Lagoon  السوداء
لا أعرف شكل الفيلم المقبل، لكن الفيلم السابق الذي تم تحقيقه سنة 1954 كان من تلك التي شاهدتها (بعد إنتاجه بسنوات) حين كنت صغيراً وسمّرتني الى الشاشة خوفاً. حكاية  بعثة علمية تنتقل الى الأمازون وتبحر عبابه وصولاً الى شبه  بحيرة صغيرة مغلقة. حين محاولة البعثة العودة من حيث أتت تكتشف أن المنفذ الوحيد لتلك البحيرة مسدود بشجرة ضخمة. هل سقطت الشجرة إثر ليلة عاصفة؟ أم أن أحداً لا يود من هذا الفريق العودة سالماً؟
أصبت. الجواب هو الثاني خصوصاً وأن هناك إمرأة من بين الموجودين على ظهر المركب ستكون صالحة لكي تصرخ بكل ما أوتيت من قدرة على الصريخ حين تقف وجهاً لوجه أمام مخلوق مخيف نصفه سمكه ونصف ذا شكل آدمي. وهو مستعد لأن يقتل الرجال لكن المرأة لها معاملة خاصّة.... نعم لقد وقع في الحب٠
الفيلم من إخراج جاك أرنولد وكان سادس أفلامه وثاني أفلام الرعب التي أخرجها. قبله أنجز فيلماً بعنوان
It Came From Outer Space  جاء من الفضاء الخارجي
الذي قص بفاعلية حكاية مركبة فضائية (صحن طائر سمعت من يقول وأنا صغير) تحط في بلدة صغيرة في أريزونا وتحوّل سكّانها الى تابعين بإستثناء ولد صغير ومعلّمة مدرسة٠
بعد نجاح »ملخوق البحيرة السوداء«  قام- بعد عام واحد-  بتحقيق »انتقام المخلوق«  او
Revenge of the Creature
الذي شاهدته مرّة واحدة، لكن انطباع الفيلم الأول بقي غالباً.  لقطة الى حافّة المركب ليلاً ثم كف ذلك المخلوق  تظهر ماسكة بالحافة ثم يظهر رأسه وها هو صار فوق المركب. ترى من سيكون ضحيّته؟ الفيلم الى جانب تشويقه معمول بصياغة تجعلك، لو كنت حيّاً في الستينات تريد أن تؤمن بأنه موجود في الحقيقة، وأنه في الأيام العادية يتغذّى بالتقاط السمك في البحيرة.
طبعاً، وكما في كل الحالات، الحب يقتل وحبيبنا هذا كشف سرّه فاستدعى قيام بطل الفيلم بملاحقته وقتله بعدما خطف الدكتورة٠
الطبيب المسلّح أسمه رتشارد كارلسون وكان وجهاً ثابتاً في سينما التشويق الرخيصة (رخيصة التكاليف) والمرأة المرافقة (لأنها عالمة أيضاً ولو أنها على علاقة عاطفية مع زميلها) هي جوليا أدامز التي لا زالت حيّة في الثالثة والثمانين من العمر كونها وُلدت سنة 1928  وهي لعبت في نحو خمسين فيلم صغير وكبير وعشرات الحلقات التلفزيونية وكانت دائماً واحدة من اللواتي تعرفهن بالوجه وتتمنى لهن نجاحاً أكبر لكن النجاح له شروط كثيرة٠
كثير من أفلامها كان من الوسترن. تجدها شريكة روك هدسون في فيلم راوول وولش  «الصنف الشرير» وتدافع عن غلن فورد في فيلم بد بوويتكر «الرجل من ألامو»   ومع جيمس ستيوارت في فيلم أنطوني مان »التواء النهر«٠

تقييم الأفلام المذكورة
Creature of the Black Lagoon ***
It Came From Outer Space ***
Revenge of the Creature **1/2
The Lawless Breed ***
The Man From the Alamo ***
The Bend of the River ***1/2

أفلام معروضة
The Town, The Expendables 

The Town  (2010)  ***
البلدة | بن أفلك
أدوار أولى: بن أفلك، ربيكا هول، جيمس
رَنر، جون هام٠
Reviews. n. 155
.......................................................................................................
بوليسي | الولايات المتحدة | بن أفلك  جيّد وراء الكاميرا وأمامها ولو أن المرء يشعر بأنه لا يزال غير نهائي النتيجة على هذين المستويين


لم يكن «البلدة« فيلم جدير بمهرجان غير متخصص لكن السعي لجذب الأسماء الكبيرة التي يثمر وجودها عن لهفة إعلامية هو الذي حدا بمهرجان فنيسيا عرض الفيلم و، حسناً فعل، خارج المسابقة. هذا لا يمنح الفيلم بحد ذاته قيمة ما، لكن الباحث عن  جواهر فنية كبيرة لن يجد إي منها هنا. ما يجده فيلم مصنوع جيّداً يريد معالجة المغامرة من مواقع اهتمامه بالشخصيات. على هذا النحو ليس بالطبع فيلماً جديداً لكن هذه ليست مسألة مهمّة بحد ذاتها٠
حسب بن أفلك في حديث خاص، فإنه كان يود في الواقع لو أنه استبعد من الفيلم مشاهد المعارك التي تقع بين ابطال الفيلم (وهم أشراره أيضاً) وبين البوليس، لكنه لم يكن قادراً من غير تعريض الفيلم لخطر الفشل جماهيرياً. والفيلم يبدأ بحبكته: سرقة مصرف يقوم بها أربعة رجال متنكّرين  بينهم ماكراي (أفلك) وجَم (جريمي رَنر)  المتقاربين كشقيقين. في الواقع كان الموت خطف والدة الأول ودخل والده (كريس كوبر) السجن وهو لا يزال صغيراً فاستقبلته عائلة جَم ونشأ بينها ولذلك فإن رابطاً أخوياً قائماً بين الإثنين. لكن جَم لديه رعونته. الى جانب إدمانه هناك سلوكه الإجرامي غير المبالي، وتبعاً لذلك السلوك يضرب بقسوة مدير المصرف ثم -لاحقاً- رجلين طلب منه ماكراي مساعدته بشأنهما. جَم يحمل على خلف رقبته وشماً تشاهده الموظّفة كلير (ربيكا هول) التي يستجوبها المحقق الفدرالي (جون هَم) لكنها لا تذكر الوشم. تختطفها عصابة الأربعة ثم تفرج عنها من دون أذى قبل أن يتبدّى لماكراي أن عليه مراقبتها عن كثب ليتأكد من أنها لم تعرف ما يمكن أن يؤذي العصابة. هي لم تر وجه أحد منهم ما يسهّل مهمّة ماكراي، لكن ما يبدأ سهلاً يتعقّد حين يقع في حبّها ويواجه أزمة عاطفية وسلوكية: هل يعترف لها بأنه مجرم؟ او هل يسكت ويحاول الإنسحاب من العصابة (التي يرأسها خامس يؤديه البريطاني بيت بوستلوايت)  ليمضي معها بعيداً؟ هي تحبّه أيضاً لذلك كانت صدمة كبيرة بالنسبة إليها حينما كشف لها المحقق الحقيقة. الفصل الأخير مثير جدّاً للمتابعة على صعيدي الدراما وخلاصات الفيلم من ناحية وعلى صعيد المعركة التي تقع والتي تتصّف بالتدريجية إذ تتخللها محطات تتغيّر فيها المواقع وحجم وتكتيك  المواجهة على نحو قريب مما شاهدناه في فيلم كَڤن كوستنر الممتاز
Open Range
مثل ذلك الفيلم الوسترن، المكان مهم ويشغل حيّزاً من كيان العمل. في مطلع الفيلم تذكير بأن الضاحية التي تدور فيها الأحداث (وهي ضاحية لمدينة بوسطن) خرّجت مجرمين عديدين لكن الأحداث قد تقع في أي مدينة أخرى. المسألة هي أن الشوارع جديدة إذا ما قورنت بالأفلام البوليسية الأخرى التي اتخذت من مدن لوس أنجيليس ونيويورك وشيكاغو مسارح لها. كذلك هناك توظيف جيّد لشاشة عريضة (صوّر الفيلم بنظام سوبر 35مم) مسؤول عنه مدير التصوير روبرت إلسويت. أفلك مخرجاً يُجيد تقديم شخصياته، بما فيها شخصيّته هو، ويتعامل مع حوار جيّد معظم الوقت وفرص لتقديم شخصيات جديدة حتى ولو كانت الأطر التي تحكمها ليست كذلك تماماً٠
ليس هناك توجيهاً للمشاهد حول كيف عليه أن يستقبل أي شخصية من شخصيات الفيلم.  لا يستدعي المخرج دفاعاً او إدانة لا للشخصية التي يؤديها ولا لأي شخصية أخرى. بل الجميع يدور حول  مواقف  شخصية تجعل العصابة في مكان وماكراي في مكان بينها وبين الفتاة التي تحب التي تقف منتصف الطريق بينه وبين البوليس٠
Gone, Baby Gone فيلم أفلك هذا هو الثاني له كمخرج بعد
قبل عامين. وهو جيّد وراء الكاميرا وأمامها ولو أن المرء يشعر بأنه لا يزال غير نهائي النتيجة على هذين المستويين٠
CAST & CREDITS 
Director: Ben Affleck

Cast: Ben Affleck, Rebecca Hall, Jon Hamm, Jeremy Renner, Black Lively, Slaine, Owen Burke, Pete Postlethwaite, Chris Cooper, Dennis McLaughlin.
Scrennplay: Ben Affleck, Aaron Stockard. Book: "Prince of Thieves: By: Chuck Hogan . Camera: Robert Elswit (Super 35- Color). 
Editor: Dylan  Tichenor (110 mins).  
Music: David Buckly, Harry Gregson- Williams.    
Prod. Designer: Sharon Seymour.

Producers: Basil Iwanyk, Graham King. Prod. Company: Focus Features [USA- 2010]





The Expendables | Sylvester Stallone  (2010)  *
المستهلكون | سلفستر ستالوني
أدوار أولى: سلفستر ستالوني، جاسون ستاذام، دولف
لندغرن، ميكي رورك، إريك روبرتس، جيزيل إيتلي٠
Review n. 156
.......................................................................................................
أكشن | الولايات المتحدة | ستالون ورفاقه يحررون البلاد والعالم صار أحسن حالاً بفضلهم٠

بين «المستهلكون» و«الفريق أ» علاقة قائمة على الوضع التالي: كلاهما حول مجموعة من المجنّدين السابقين الذين يقومون بمهام مستحيلة يقتلون فيها، او على الأقل، يصيبون عشرات (وفي حالة فيلم ستالوني ربما المئات) من الأعداء. لكن في حين أن «الفريق أ» كما أخرجه جو كارناهَن عمل مسل وجيّد التنفيذ، فإن فيلم سلفستر ستالوني مسل ورديء التنفيذ- لكن مع قصّة سخيفة كتلك التي يحملها بين اللقطة الأولى واللقطة الأخيرة كان سيبقى سخيفاً ورديئاً حتى ولو قام جو كارناهَن بتنفيذه أيضاً٠
المشكلة مع سلفستر ستالوني هو أن وجهته شخصية تماماً: ممثل في الرابعة والستّين يحاول الإمساك بحافة النافذة من على طابق علوي حتى لا يسقط أرضاً. تقدّر محاولته (التي لا تختلف كثيراً عن محاولات عادل إمام مثلاً) لكنك تتساءل ما إذا كان ثمن البقاء معلّقاً قرب القمّة عليه أن يتم دفعه من الموهبة  مهما كانت محدودة
في هذا الفيلم  انطلاقة متوقّعة للتعريف بما يستطيع ستالوني ورجاله فعله حيال بعض الإرهابيين. وبعد قتلهم الجميع وإظهار اختلاف قائم بين أحدهم  أسمه غَنَر (أدولف لندغرن) سيتم توظيفه لاحقاً، ينتقل الفيلم بنا الى الموضوع الصلب: دكتاتور في دولة لاتينية صغيرة أسمه جنرال غازا  (ديفيد زاياس) يتعامل مع شرير أميركي استقال من (وانتبه لكلمة استقال) من السي آي أيه وفتح دكاناً تجارياً على حسابه هو جيمس مونرو (إريك روبرتس). رجل أعمال لديه بضعة رجال يأكلون رأس الأفعي لو أمرهم بذلك، يستولي على خيرات البلد بموافقة الجنرال والمصلحة مشتركة. المهمّة التي تُسند لهذا الفريق الذي يديره ستالوني هو التخلّص من الدكتاتور وتحرير البلاد من سطوته. في سبيل ذلك، عليه وأعوانه (أقربهم إليه جون ستاذام) الإنتقال الى ذلك البلد الساحلي. الهبوط بطائرة برمائية قديمة. التعرّف على إبنة الجنرال والقيام بغارة على طريقة أضرب واهرب. ومع أن الهرب هو الذي كان في البال أكثر من الضرب، الا أن المغوار ستالوني يعلم أنه خلف وراءه مناضلة في سبيل الحريّة وعليه أن يجمع رجاله- ناقص غَنَر الذي سينحاز الى الأعداء، وينطلق بهم وبمدافعهم الكبيرة وصوارخهم المتنوّعة وذخائرهم الى تلك البلد والهجوم على رجال الجنرال ورجال الأميركي والمعركة تشمل فك الرقاب وغرز الجناجر وكسر الأطراف كما القتل والنسف ثم ترك البلاد بعدما تمّ تطهيرها وها هو العالم الآن أفضل بعد أن أنجز ستالون ورفاقه مهمّتهم الأخيرة٠
في فيلم آخر سابق أسمه «الخاسرون» من إخراج سيلڤاين وايت، كانت هناك مهمة صعبة أخرى، لكن الفريق المناويء لم يكن سوى السي آي أيه نفسه. كذلك في «الفريق أ» فإن العدو الرئيسي هو أطراف تعمل لصالح المؤسسة. لكن كون ستالون تأسس يمينياً منذ البداية («دم أول» او «رامبو» الأول كما هو معروف أيضاً) ومؤمن بالحلم الأميركي وقدرته هو على تحقيقه («روكي») فإن الأعداء لا علاقة لهم بالسي آي أيه والأميركي بينهم مستقيل. ليس أن تلك الأفلام التي تنتقد السي أي أيه أقل وطنية لكن نقد الوكالة يمنح الفيلم فرصة للتلوين واستحداث بعض المفارقات المثيرة. إنها مثل لوحة تحمل ألواناً أكثر وتنوّعاً أفضل. وعلى ذكر اللوحات، هل يعتقد ستالوني أن فيلمه عمل فني بمجرد أن يقدم ثلاث شخصيات تحب الرسم على أشكاله: ميكي رورك  يرسم الوشم (إذاً هو فنّان!)، ابنة الجنرال ترسم والجنرال نفسه مصاب باللوثة ويرسم. وهناك حديث عن الرسم ولقطات قريبة للعيون لا تفهم هل هي مستوحاة من رسّام مجهول أم لا٠
إلى جانب المذكورين في عداد الممثلين هناك ظهور لأرنولد شوارتزنيغر وآخر لبروس ويليس كل منهما يلوك بضع كلمات والأول كان وعد ستالوني منذ أن كان لا يزال ممثلاً بفيلم مشترك ثم استجاب بوجوده كضيف شرف. الثاني ربما أراد التضامن مع ستالوني لأسباب سياسية. لكن لو أن الكتابة على الأقل حملت بعض السخرية او لو أن المخرج سمح ببعض العمق (شبر في الماء) لربما لأضاف سبباً لمشاهدته. الحال أن الفيلم جاف ومضج والمشاهد كبر (حتى ولو كان مراهقاً) على أن يُعامل بضجيج القذائف والصواريخ
مستوى التنفيذ بأسره على نمط واحد من الرداءة. ليس فقط أن لا شيء يوفّره السيناريو الذي يبدو مقتطعاً من كل فيلم مشابه من قبل، بل الفيلم من لقطة الى أخرى. على ذلك، ستالون جاد في اعتبار هذا الفيلم عملاً جديراً بالإحترام وهو عرضه على "كان" كبرميير ورفضه ذاك (تصوّر لو قبل به) ويعتبر أن الإقبال الجمهور الأميركي عليه إشارة خضراء لتحقيق جزء ثان٠    
CAST & CREDITS
Director: Sylvester Stallone
Cast: Sylvester Stallone, Jason Statham, Jet Li, Dolph Lundgren, Eric Roberts, Randy Couture, Steve Austin, Mickey Rourke.
Scrennplay: David Callaham, Sylvester Stallone . 
Camera: Jeffrey Kimball (35mm- Color). 
Editos: Ken Blackwell, Paul Harb (103 mins). 
Music: Brian Tyler. 
Prod. Designer: Franco-Giacomo Carbone.
Producers: Kevin King, Avi Lerner, John Thompson. Prod. Company : Millinnium Films/ Nu Image Films [USA- 2010]

أفلام حديثة
Police, Adjective (Romania), Crim d'amour (France) 

 Police, Adjective |  Corneliu Porumboiu (2009) ***
بوليس، صفة | كورنيو بورومبايو
أدوار أولى: دراغوش بوكور
Review n. 157
.......................................................................................................
دراما | رومانيا |  السينما الرومانية تقدّم عملاً جديداً آخر في منوال رصد الحدث الواحد واللقطة ذات المشهد الواحد٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
لا يقع الكثير في »بوليس، صفة» وبل لا شيء يحدث على الإطلاق تقريباً: تحري شاب مطلوب منه مراقبة مراهق يدخّن الحشيشة مع صديقين لإلقاء القبض عليه بالجرم المشهود. لكن التحري، وأسمه كريس ( بوكور) يرفض تنفيذ المهمّة لأنه بذلك سوف يقضي على مستقبل الشاب. لا معارك ولا مطاردات ولا مشاحنات ولا إثارة، لكن ذلك الأسلوب الذي يتّبعه مخرجو السينما الرومانية حالياً والذي يعتمد على الرصد والتأمّل وأخذ الوقت بين الحركة والأخرى يجعلك، حين ينجح، مكترثاً لما تراه على قلّة مفارقاته او على الرغم من خلوّه من أي شحنة درامية او عاطفية على صعيد الشخصيات٠
المكان هو مدينة فاسيلو والزمن الحاضر. سنوات على انتهاء حكم تشاوشسكو . بطل الفيلم تحري شاب متزوّج حديثاً. يؤم مكتبه الصغير الذي يغلقه بمفتاح كل يوم باستثناء الأيام التي يلاحق فيها مشتبهاً به. وقضيّته هذه الأيام هي شاب لا نتبيّن ملامح وجهه، فكل المشاهد الملتقطة له ملتقطة من وجهة نظر التحري او من وجهة نظر قريبة من موقعه والتحري لا يقترب من الشاب. في الحقيقة هو لا يريد القاء القبض عليه مطلقاً. وفي مشهد قريب من البداية يورد الفيلم معلومة تقول أن رومانيا هي البلد الأوروبي الوحيد الذي لا زال يعاقب مدخّني الحشيشة بالسجن، وكريس لا يريد أن يرى ذلك الشاب يدخل السجن فيقضي فيه سنوات ستهدم حياته. يذهب الى رئيس أعلى ويعرض عليه الوضع طالباً منه إعفاءه، لكن هذا لا يوافق ويطلب من كريس ممارسة المطلوب منه من دون تفكير في التبعات. في وقت لاحق من الفيلم يدخل كريس على رئيسه المباشر  في مشهد يمكن لعبّاس كياروستامي دراسته حتى يعرف كيف يخلق من فضاء المشهد بعض القيمة
يبدأ المشهد بكريس وزميل له بدين وأكبر سنّا ينتظران لدى السكرتيرة. الحوار هنا (بينهما وبين السكرتيرة المشغولة) مهم لناحية دقة الواقع وايقاع الحياة. حين يدخلان الى المدير (إيون ستاويكا) الذي كان قرأ تقرير كريس المطوّل،  يعلن كريس عدم رغبته استكمال مهمّته ويشرح موقفه. يحوّل المدير الإجتماع الى درس في اللغة بعدما يسأل كريس السبب فيقول له أنه يخشى أن ضميره لن يسمح له. يطلب المدير قاموساً رومانيا- رومانيا وفي الإنتظار يطلب من التحري الآخر كتابة السبب الذي يتلوه كريس كلمة كلمة ثم حال وصول القاموس يتوقّف عند كلمة «ضمير» ليشرّحها، ثم عند كلمة »قانون» و-الأهم- كلمة «بوليس« التي يجدها المدير مثيرة  للإهتمام فهي، حسب القاموس، صفة تُتّبع لذاتها لا خيار فيها مخيّراً التحري بين أن ينفّذ القانون او أن يترك العمل. كريس لا يريد الإستقالة، لكنه لا يريد تنفيذ القانون٠
هذا المشهد ليس الوحيد الذي تتبدّى فيه اللغة ومفرداتها كعنصر مهم. هناك أكثر من مشهد يدل على أن المخرج غارق بدوره في محاولة تحديد الأمور لغوياً وتعريفياً. هناك المشهد الذي يدخل فيه الزوج الى شقّته الصغيرة. زوجته (إرينا ساولسكو) تستمتع، على الكومبيوتر، الى أغنية بالإنكليزية لا تعرف شيئاً من كلماتها. يدخل التحري المطبخ الصغير. هناك طاولة في المكان يجلس اليها ويسكب ويبدأ بالأكل غالباً في صمت (يبدي اعجابه بالطعام مرّة). نتابعه يأكل ثم ينهض ويتوجّه الى حيث تجلس زوجته الى مكتبها وفي يده علبة بيرة ثم يبدأ مع زوجته حواراً حول "لا معنى" كلمات الأغنية. عبر محاولته البحث عن منطق لتلك الكلمات العاطفية، جدل حول الغناء المبعثر من دون شعر وتصوير لحياة داكنة. الزوجة ستنتهي من سماع أغنيتها وتتجه الى النوم. على الرغم من حداثة زواجهما تدرك أن الأمور في البيت ليست على ما يرام
      يستخدم المخرج الكاميرا كلاقط صامت للأشياء. تلك المشاهد الطويلة التي يمشي فيها كريس خلف من يقتفي أثرهم، تلك المشاهد الأطول له واقفاً عند الشارع يرقب الفيلا التي يعيش فيها الشاب ثم تلك التي ترصد حركته من مكان الى آخر، كلها رصد لإيقاع كريس في أرض بلا إيقاع. الحياة تمر بطيئة هنا وتدرك سريعاً بأن المسألة هي أكثر من مجرد متابعة لما هو ظاهر، هو نقد مستتر لكيف لا زالت البلاد تقبع في تخلّف اقتصادي ومعيشي وبيئي على الرغم من وعود فترة ما بعد انهيار الدولة الشيوعية٠
ينتهي الفيلم بخطّة يتم عرضها على لوحة في قسم الشرطة. المتكلّم يوضح للمستمعين مواصفات المكان الذي سيتم فيه مداهمة الشاب ومن أي مواقع انطلاق. فعملية القبض عليه ستتم من دون كريستي ولا شيء سيتغيّر. نظرة المخرج الى الوضع ليست خطابية والفيلم أساساً ليس مصنوعاً لأن يطالب مباشرة بأي شيء، بل لكي يعرض ويمرر نقده شبه المبطّن منتخباً من بين ملفّات البوليس وضعاً يعكس آخر أكبر منه. هناك جفاف في المادّة، لكن الفيلم يقصد أن يكون مختلفاً وينجز هذا القصد جيّداً٠

CAST & CREDITS

Director: Corneliu Porumboiu

Cast: Dragos Bucur, Vlad Ivanov, Ion Stoica, Irina Saulescu, Cerasela Trandafir, Marian Ghenea, Cosmin Selesi, Serban Georgevici, George Remes

Scrennplay: Corneliu Porumboiu. 
Camera (color). Marius Panduru. 
Editor: Roxana Szel. 
Music: Mirabela Dauer, Yan Raiburg (110 min).  
Prod. Designer, Mihaela Poenaru; 
Producer: Corneliu Porumboiu.  
Prod. Company: A 42 KM Film/  Racova, Raza Studio/  HBO Romania.



Crime d'amour (2010) ***
جريمة حب | ألان كورنيو
أدوار أولى: كرستين سكوت توماس، لودفين سانييه، غوليليم ماركيه، باتريك
ميل، جيرالد لاروش، مايك باورز٠
Review. n. 158
.......................................................................................................
دراما | فرنسا |  آخر فيلم للمخرج الذي أحب السينما البوليسية ليس بمستوى سوابقه، لكنه
جيد في كل الأحوال٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نحو ثمانين دقيقة من أصل 106 من فيلم ألان كورنيو الجديد (والأخير كونه مات في العاشر من هذا الشهر، قبل كلود شابرول بيومين) تمضي من دون أن تخرج الكاميرا الى مشاهد خارجية. كل ما فيه، من مشهد الإفتتاح وطوال المشاهد المتتابعة حتى ذلك الحين يدور إما داخل شقّة، داخل غرفة اجتماعات، داخل مصعد، داخل مكتب او داخل كاراج. في البداية يُثير ذلك تساؤلاً حول جماليات الأمكنة وما إذا كان الفيلم بحاجة ماسّة الى مشهد "مرتاح" او مختلف. لكن لاحقاً ما تستجيب لفكرة كانت تتردد ضمن التساؤلات حول ما إذا كان المخرج يحاول تشييد تعليق  ما اجتماعي او أسلوبي من خلال رفضه التصوير الخارجي. فقط حين تدرك أنه لن يخرج بالكاميرا، وأن المخرج اختار منواله هذا عن قصد، يخرق المخرج ما قام به ويبدأ بالخروج الى الشوارع والمساحات الخارجية٠
 هذا القرار يهدم ما بدا كما لو كان اسلوباً مقصوداً. الآن لم يعد بالإمكان القول أن كورنيو أخرج فيلمه كلّه بمشاهد محصورة بين أربع جدران علماً بأن الموضوع كان يناسب مثل ذلك الإختيار. فهو يتناول قصّة جريمة قتل خططت لها موظّفة مرموقة في شركة هندسية كبيرة (لودفين سانييه إحدى أهم الممثلات الجديدات في السينما الفرنسية وظهرت مؤخراً في »»الفتاة مقطوعة لإثنين« و«بيتوش«)  للتخلّص من رئيستها (ورئيس مجلس إدارة الشركة) التي دأبت على مضايقتها. تؤدي دور الرئيسة البريطانية التي تجيد الفرنسية كالفرنسيين تماماً كرستين سكوت توماس. لكن الفيلم يبدأ بحالة وئام كاملة. اجتماع عمل بين المرأتين في منزل الرئيسة يتداولان بعض الشؤون. كرستين تتقدّم من  لودفين وتطبع على وجنتها قبلة حانية. ثم يدخل عشيق كرستين (غويلوم ماركيه) وتنصرف لودفين. السيناريو، الذي كتبه  كورنيو مع نتالي كارتر، ستدفع بإتجاه علاقة بين عشيق كرستين ولودفين تقع بعد الدوام وبعيداً عن ناظري الرئيسية التي حين تدرك وجود العلاقة تتغيّر تماماً لناحية لودفين. وهناك مشهدان ذا دلالة هنا: الأول حين تكتشف كرستين أن اتصالات لودفين مع الأميركيين قطعت شوطاً كبيراً  فتتصرّف في الإجتماع الذي ضمّها ولودفين ومندوبين أميركيين كما لو كانت تشرف على المشروع لكن ما ان ينصرفا حتى تبادر لنهر لودفين متسائلة عن السبب في إقدام هذه على العمل من ورائها. المشهد الثاني حين تلتقط كاميرا الأمن لودفين وهي تغادر العمل منفعلة فتصطدم بسيارتها بعمود. كرستين تستغل الموقف لتثير سخرية موظّفي المكتب. كل هذا لا يمضي بعيداً عن مراقبة موظّف يعمل مباشرة تحت لودفين (باتريك ميل) الذي يتابع أيضاً سلسلة تحوّلات تظهر على السطح بالنسبة لتصرّفات لودفين. لكنها تصرّفات وهمية مقصودة ناتجة عن قرار لودفين تنفيذ الجريمة الكاملة وقتل كرستين والتربّع مكانها والتمتّع بعشيقها ولو أن الأمور لا تسير تماماً على هذا النحو حينما يفاجئها مساعدها في اللقطة ما قبل الأخيرة بمعرفته عن خطّتها تلك التي قضت دخول لودفين السجن على أساس أنها قاتلة قبل أن توظّف الظروف للبرهنة على أنها كانت في مكان آخر وقت حدوث الجريمة ودافعة البوليس للإرتياب بالعشيق٠
كل ذلك يصنع عملاً مثيراً للإهتمام ولو أنه كلاسيكي وبارد٠ هذا البرود كان يمكن أن يوظّف أفضل تبعاً لخطّة، لكن كورنيو يكتفي بما يوفّره المكان وما تحمله الشخصيات من دواخل وعدائيات ليشكل الزخرفة النفسية والعاطفية للفيلم٠
الخطّة التي يكشف عنها الفيلم هي، بوليسياً، محكمة وإن لم تكن خالية من الثقوب الصغيرة التي إذا  ما اجتمعت كشفت عن عيب او إثنين. على ذلك، معالجة كورنيو القوية المعتادة للنوع البوليسي تتدخّل لإنقاذ الفيلم من أي متاهة او ضعف بإستثناء أن ثلث الساعة الأخيرة او نحوها مرتّبة ومبرمجة أكثر مما يجب معتمدة على إخفاق البوليس في الكشف عن الحقيقة غير المبرر

CAST & CREDITS
Director: Alain Cornequ
Cast:  Ludivine Sagnier, Kristin Scott Thomas, Patrick Mille, Guillaume Marquet, Gerald Laroche, Julien Rochefort, Olivier Rabourdin

Camera (color), Yves Angelo. 
Editor (106 min).Thierry Derocle
Music: Pharoah Sander.
Prod Designer: Katia Wyszkop.
Producer: Said Ben Said

.  
Prod. Company: SBS Films production, in association with Sofica UGC 1, with participation of Canal Plus, CineCinema, France Televisions


مبدعون
أندريه تاركوفسكي/ ساتياجيت راي

Offert / The Sacrifice (1986) *****
التضحية | أندريه تاركوڤسكي
أدوار أولى: إرلاند جوزفسون، سوزان فليتوود، تومي يلوغفيست، ألان
إدوول، فيليبا فرانزن٠
Review. n. 159
.......................................................................................................
دراما | سويد/ بريطانيا |  فيلم تاركوفسكي الأخير رسالة خالدة للبشرية وإنجاز فني يزداد نضارة مع كل مشاهدة٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في تناولي لفيلم «المقتفي»، فيلم تاركوفسكي السابق لهذا الفيلم كتبت ما يلي: «المقتفي» فيلم  صعب
  وربما اندريه تاركوفسكي اليوم هو «أصعب» مخرج على قيد الحياة. لكن الذي لا شك ـ عندي ـ فيه هو أنه، مع (ستانلي) كوبريك مثلاً، هو من القلة النادرة في سينما اليوم التي تؤلف أفلامها تأليفاً يتناول كل لقطة وكل عنصر تتضمنه. إنه يحول الموسيقى والشعر والتاريخ والسياسة كلها إلى مرئيات وذلك بتسليط كاميرته على عناصر الحياة المرئية ذاتها وكأنه يسدد على أن كل الفنون والفلسفات قد انطلقت من الطبيعة ذاتها، وعمرت طويلاً مستمدة حياتها من حياة الشجر والماء وكذلك الإنسان ولو أنه دوماً ما يبقى موضع تساؤل مثير"٠
الملاحظة ذاتها يمكن أن تقال عن «التضحية»، بل هي ذاتها التي تغلف كل أعمال تاركوفسكي الذي يؤمن بأن الفنان الحقيقي «يتبع خطاً مستقيماً واحداً وإن يكن بتكاليف باهظة أو بمستوى غير سوي، إنما دائماً باسم فكرة واحدة ومفهوم واحد» (تاركوفسكي في كتابه «نحت في الزمن» ـ 1986). سينما تاركوفسكي هي مزيج من البحث عن التوازن المفقود بين الروح والمادة في عالمنا وبين الباس تصرفاتنا وحياتنا غلافات جمالية وشاعرية ورمزية. سينما لتقديم الأعماق لأن لا شيء في الواقع هو فقط على ما يبدو عليه في الظاهر، ولأن السينما عنده، تخسر من شخصيتها الكثير عندما لا تحاول استيعاب اللامرئيات من زمن ونفس وروح. لاحظ اهتدائه إلى الطريقة التي يصور بها الهواء. في «المرآة» وحين تجلس بطلة الفيلم (مرغريتا تريكوفا) أمام العشب الأخضر الممتد صامتة. نسمات هواء تبدأ بالورود وتزداد اتساعاً وثقلاً ونلحظها بالنظر إلى العشب الأخضر وهو يبدأ بالتمايل. لاحظ في «حنين» و«التضحية» الشبابيك المفتوحة والستائر المتطايرة دوماً بفعل الهواء. إنها دوماً كذلك حتى لتكاد تقرر النهوض من مكانك وإغلاق ذلك الشباك. تلك المروج وتلك الستائر إنما تتحرك بفعل النسيم، وهذا النسيم هو بيت القصيد في تلك المشاهد لأنه جزء من الطبيعة التي يريد تاركوفسكي الحديث عنها وإبراز دورها في كل فيلم له٠
في بداية «التضحية» يفتح تاركوفسكي على أرض سويدية مفتوحة وشاسعة. هناك بحيرة في يوم ضبابي ساكن. أول ما نلحظه رجل وابنه يزرعان شجرة ويدعمانها بالأحجار. ومن بعيد يأتي ساعي البريد على دراجته وتمضي الكاميرا في مشهد يمتد عشر دقائق، أو نحوها، عاكساً ملامح من شخصيات الأشخاص الثلاثة. بعد ذلك ننتقل مع الرجل وابنه إلى حقل أكثر اخضراراً. الأب جالساً يروي حكاية وابنه يلعب قريباً. ينسحب الابن من الصورة بطيئاً، وتتحول الحكاية إلى كابوس داخلي مؤرق. يفيق الأب من كابوسه ويبحث عن ابنه في هلع. ابنه، الذي لا يتكلم، ينقض عليه فجأة في إيحاء يربط بين مخاوف الرجل الدفينة من الحياة والمستقبل على الأقل، وبين تجسيد ذلك الخوف في شكل معالم الجيل المقبل
الفيلم يأخذنا بعد ذلك إلى عالم الرجل الذي يعيش عصراً غير إنساني. في عيد ميلاده (ذات الليلة) هناك زوجته والخادمة والطبيب وساعي البريد وأما ابنه (الأبكم؟) فإنه يصعد غرفته لينام. هنا يصرف تاركوفسكي وقتاً ملحاً لدخول أعماق هذه الشخصيات القليلة التي جمعها، زوجته التي تفيق من هستريا انتابتها ذعراً عندما سمعت بالانفجار النووي تتساءل عن «لماذا يفعل الناس ما لا يريدون؟» موحية بأنها لم تكن تريد هذا الزواج. كلامها هذا لا يضايق زوجها ولا صديقهما الطبيب الذي ما زال يمني النفس بالسفر إلى استراليا وبدء حياة جديدة. ساعي البريد فيلسوف تعلم من القراءة التاريخ والثقافات وهديته إلى الكسندر في عيده خريطة قديمة لأوروبا، خريطة زالت من معالمها الحدود موحية بعالم أكثر تماسكاً ووحدة. هذا التلميح (عاكساً بالضرورة علاقة الشرق الأوروبي بالغرب) يتبعه ـ بعد دقائق وجيزة ـ إعلان التلفزيون السويدي بأن حرباً قد اشتعلت وأن القنبلة النووية قد ألقيت. هنا يبدأ أهم ما في الفيلم: الكسندر الدائم القلق على ابنه النائم صار وحده بعدما ألقى الليل بوشاحه. يتجه إلى الله (مباشرة وليس  بإسم «الثالوث المقدس») طالباً منه أن يمنح العالم فرصة أخرى «افعل ما تريد» يؤكد ثم ينسحب إلى أريكة خائفاً ووجلاً حيث يستلقي لينام. سريعاً نسمع طرقات على الباب وأوتو، ساعي البريد، يوحي له بمعاشرة الساحرة الطيبة ماري. يتسلل من بيته ويصل عندها لكنه يجلس هناك يحادثها ويبكي أمامها ثم يعود. أو بالأحرى نجده يستيقظ ثانية على صوت آخر٠
إلى جانب الخيط الديني المسحوب بدءاً من التوجه إلى الله  ومروراً بالرمزيات والموحيات من الأسماء والشخصيات، هناك خيط آخر مهم للغاية أيضاً يمتد طوال هذا الفصل. ذلك أن سرعة نهوض الكسندر من الأريكة حيث طرق أوتو البابا مقصود بها عدم الولوج في المعالجات التقليدية للحلم، لكن هذا لا يعني أن الكسندر لم يستغرق في النوم فعلاً ـ بعد دعائه ـ وأن أوتو إنما صورة رمزية وردت إليه في الحلم وأن الرحلة كلها (من بيته إلى ماري القبع في القرية)  كانت بدورها حلماً، وما يؤكد ذلك استيقاظه ثانية بعد افتراض عودته إلى بيته. أهمية هذه النقطة هي الفصل بين الحلم والواقع. كلاهما في النهاية مر، الأول لأنه غير قابل للتحقيق والثاني لأنه معاش أساساً، لكنهما متباعدان نحواً حين يصل الأمر إلى محاولة الخروج من أي منهما بنتيجة. دعاء الكسندر، إذاً، يتبعه حلم القدرة على تحقيق المستحيل وإنقاذ العالم. النقطة غير المهمة الوحيدة هنا هي الوقوف كثيراً في تحليل ما إذا كان ذلك الفصل حقيقياَ أو مجرد حلم لأن كلا الاستنتاجين غير كامل وقد قصد أن يكون هكذا
المهم، فعلياً، أن الحرب النووية لم تنشب، وسواء تفسير ذلك يعود إلى استجابة الله لدعاء الكسندر أو لا، فإن الكسندر نفسه اعتبر أن عليه رسالة يؤديها وهي نبذ نفسه بعيداً عن العائلة والماديات. إنه يحرق بيته الخشبي الكبير. يقدم بذلك قرباناً صغيراً/ كبيراً دون أن يصاب بلوثة الفعل وإن كان نقله إلى المستشفى ينم عن عدم اعتقاد الآخرين بذلك٠
المشهد الأخير زبدة الفيلم وأحد أجمل مشاهده: الصبي تحت الشجرة ذاتها التي كان زرعها مع والده في مطلع الفيلم،  وقد بدت الآن ممشوقة، طويلة وجميلة. الابن يستلقي تحتها في راحة والكاميرا ترتفع من عند ساق الشجرة إلى جذعها ثم فوقها كاشفة عن البحيرة الجميلة الساكنة حيث ينتهي الفيلم. لقد حقق الصبي وصية والده: حمل رسالة الاستمرار وجمالية المشهد توحي بأنه قد نجح، كما تشدد على دوره في بناء مستقبل أفضل٠

تاركوفسكي يهدي الفيلم إلى ابنه، كما يفعل الكسندر بغرسه تلك الشجرة، وهذا يبدو طبيعياً مع كل ما  يحمله الفيلم من ملامح عاطفية وعقلانية تشدد على العطاء والبذل من أجل المستقبل. ولأن سينما تاركوفسكي واحدة فإن المرء يتبع، ولو بمشاهد مختلفة من فيلم إلى آخر، مفاهيم ومقولات يؤمن المخرج بها ويكررها مؤكداً أهميتها. فكما في «سولاريس» و«المقتفي» هناك تساؤل حول ما آل إليه العلم. هنا يضع المخرج يده على قلب الحقيقة عندما يضع على لسان بطله الكسندر التساؤل المر عن ذلك العلم الذي دوماً يبدأ كخطوة في صالح الإنسانية لينقلب ضدها («سولاريس» بأكمله كان عن هذا الموضوع). أيضاً هناك الإيمان. إن تاركوفسكي لا يقدم فيلماً إنجيلياً لكنه يقدم فيلماً دينياً/ روحانياً فريداً كان قد سبق وأن أوحى به في «اندريه روبلوف»، «سولاريس»، «المقتفي» و«حنين». الرمزيات المستخدمة ليست بدورها جديدة: الماء عنوان الحياة موجود، مطراً أو بحيرة أو نهراً، في كل أعماله، العشب والهواء وأشياء الحياة التي تتنفس من طبيعتها. الأكثر من ذلك الصبي الذي لا يتكلم هو ذاته ـ رمزاً وبعداً ـ الفتاة البكماء في «المقتفي»، والمعنى المنشود هو جيل مسلوب من حق الحياة بفعل الحاضر الموحش٠
هذا التكرار  لا يضعف أياً من أفلامه، بل هي ملامح أساسية تحفظ لها قيمها الفكرية كما الجمالية، ما هو جديد هنا هي درجة مزجه بين أسلوبه التعبيري الخاص وذاك التابع لفنان آخر هو انغمار برغمان. تاركوفسكي هنا هو على أرض برغمانية. البيت على البحيرة، الوداعة، الفاصل الزمني المنساب بين الشخصيات، الممثل الرئيسي (جوزفسون) ومدير التصوير (نكفست) كلها عناصر برغمانية. كذلك هناك الإعجاب المتبادل بين تاركوفسكي وبرغمان وإلى حد يصير صحيحاً القول أن تاركوفسكي ليس تلميذاً، بل هو بدوره أستاذ له مقومات ومعالم خاصة وحقيقة أن فيلمه الأخير هو القريب من عالم برغمان لا يعني سوى الاستفادة من ذلك العالم في معالجة مناسبة٠
الفيلم مليء بالرغبات والهموم الإنسانية. يكفي الهاجس النووي الذي نعيشه والذي عكسه تاركوفسكي هنا بأصغر وأبسط وسائط تعبير: صوت طائرات حربية هادرة، بيت يهتز، صوت وصورة (غير واضحة) تلفزيون يعلن نهاية العالم. الذعر الذي يصيبنا هو ذاته ـ إن لم يكن أكبر ـ من ذلك الذي كان سيصيبنا لو أنه عمد لتصوير الهول الواقع. تاركوفسكي لا يتجنب المشاهد ذات الحجم الكبير وينجح في تصويبها لتخدم فكر الفيلم تماماً كما الصغيرة. مشهد الحريق حي وكبير والكاميرا تتبع انتشاره وكبره منذ أن بدأ صغيراً يلتهم الستائر في إحدى الغرف إلى أن حوى البيت بأكمله محولاً إياه إلى شعلة واحدة. في مشاهد مختلفة (قبل فعل الحريق) يعود الكسندر/ تاركوفسكي لإلقاء النظرة على الصبي/ المستقبل. هذه المشاهد المفعمة بالحب والسكينة هي بذات الجمال والقدرة على التعبير كأي من المشاهد المباشرة والمفزعة الأخرى مثل نشوب الحرب أو الحريق الكبير. بفضل نكفست، يجيء التصوير خطوات متقدمة صوب الفن الجمالي/ النفسي المطلق، لكن تاركوفسكي هو الذي يبقى ممسكاً في النهاية بكافة الخيوط والإبداع الذي نلتهمه بأحاسيسنا ـ على طول مشاهده ـ يضعنا مباشرة في أوج حالة الفن السينمائي قيمة وجمالاً وفكراً. إن مات تاركوفسكي دون فيلم آخر، فإن أعماله الطويلة السبعة تبقى حاضرة مؤلفة مسيرة أحد أهم فناني التاريخ

CAST & CREDITS

Director: Andrei Tarkovskij
Cast: Erland Josephson, Susan Fleetwood, Tommy Kjellgvist, Allan Edwall, Gudun S. Gisladottir, Sven Wollter, Valerie Mairesse

Screenplay: Andrej Tarkovskij.   
Camera: Sven Nykvist. 
Editors: Michal Leszczylowski, Andrei Tarkovskij. 
Prod. Desinger: Anna Asp.

Producer: Anna-Lena Wiborn. Prod. Company:  Svenska Filminstutulet, Agros Films/ Film Four International (1986).


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Charulata/ The Lonely Wife (1964) ***
الزوجة الوحيدة | ساتياجيت راي
أدوار أولى: سوميترا شاترجي، مدهابي موخرجي، شيلان
موخرجي، شيامال غوشال٠٠
Review n. 160
.......................................................................................................
دراما | الهند |  آخر فيلم للمخرج الذي أحب السينما البوليسية ليس بمستوى سوابقه، لكنه
جيد في كل الأحوال٠

مثل فيلمه اللاحق «لاعبا الشطرنج»  (1977) يتعامل »الزوجة الوحيدة« مع وضع يقوم فيه الرجل بالإنصراف كلّياً على مشاغل أخرى غير العناية بزوجته وما يتبع ذلك من خيانة يراها المخرج سبيلاً تلقائياً، حتى لا نقول طبيعياً، لغياب الزوج عن لعب دوره كاملاً. لكن راي لا يروي قصّة فيها خير وشر وموقف جاهز للحكم له وآخر عليه، بل -وكما فعل في معظم أفلامه- يبني شخصياته بأناة وعناية بحيث يترك لها نوافذ مضيئة بصرف النظر عن أخطائها، فالخيانة -في نهاية المطاف- ليست خيانة طرف واحد بل الطرفين معاً، علماً بأن المخرج يترك الباب مفتوحاً أمام عدّة أنواع من الخيانة الجسدية ليس سوى واحدة منها. ما هو أكثر وقعاً، بالنسبة إليه، العاطفية والفكرية٠
يفتتح الفيلم بالإنكباب على دراسة الحالة مباشرة: شارو (مدهابي موخرجي) تشعر بالضجر. تحاول التغلّب على ذلك بالقراءة لكن لا شيء يستهويها، تصرخ في وجه خادمة لا نراها قبل أن تتطلّع من نافذتها الى خارج عالمها الصغير داخل الحجرة  بحثاً عن خلاص. بعد قليل يدخل زوجها، صاحب صحيفة سياسية يومية، الصورة حين تراه يذرع الشرفة غارقاً في التفكير بعمله٠
الى الصورة سينضم الشاب أمال (سومترا شاترجي)، قريب المخرج ويصغره سنّاً وأكثر انطلاقاً وآت في عطلة يمضيها في بيت عمّه. كل شيء يبدو ملائماً لإنعاش الحياة الخامدة في داخل شارولاتا وهو لا يقصد الأذى حين يبدأ بتوجيهها نحو كتابة القصّة والتعامل مع الخيال. أمر يبدو طبيعياً لإمرأة تعاني الوحدة وكل ما لديها هو ممارسة القدر المتاح من حريّة الخيال. بمرور الأيام يصبح وجود أمال مثل الأوكسجين بالنسبة لشارو، لكن الزوج حين يكتشف ما يقع يدرك أمال أن وجوده لم يعد ضرورياً ويغادر تاركاً المرأة في فراغ من نوع جديد. مأزق الفيلم الأمل المنساب في النهاية في أن الزوج سوف يدرك خطأه وها هو، في اللقطة الأخيرة، يمد يده لزوجته التي تمد يدها اليه و... "صافي يا لبن"٠
مأزق لأن النهاية هي رد اعتبار اخلاقي في نهاية سعيدة. من ناحية جيّد أن نرى الزوج وقد أدرك خطأه وكيف أن انشغاله التام بعمله هو نوع من الخيانة عما وعد زوجته به من حب وصيانة الخ٠٠٠ ومن ناحية ليس ذا وقع مؤثّر كون الحكاية تبدو كما لو كان لها أجنحة تطوى
ما يحسن المخرج الهندي الراحل استغلاله وتوظيفه هو وضع القصّة في أجواء الحملة الهندية/ البريطانية على أفغانستان سنة 1888 وهو يمنح الصحافي موقعاً نضالياً حين يجعله معارضاً دؤوبا لتلك الحملة ومعادياً للوجود الاستيطاني البريطاني بأسره ومتابعاً حثيثاً لنتائج الإنتخابات البريطانية التي قد تقرر أي وجهة ستتخذها الحكومة في لندن حيال مستعمراتها. لكن هذا التوظيف إذ يمنح الزوج بعض حسناته الشخصية يزيد من دفع الحبكة الى الأمام فانصرافه صوب شؤون العالم الواسع هذا يتم على حساب هجرانه عالمه الزوجي الصغير٠. 
فنياً، الفيلم لا يبدو كثير الإهتمام بتسجيل نقاط عليا. ساتياجيت راي، في اصراره على ابتعاده عن السائد الهندي، يكسر المواقع التقليدية للدراما وللعاطفة. لا يريد أن يستغلّها لكي ينجز عملاً في كيانه لا يختلف كثيراً عن حكايات الميلودراما المعتادة. لذلك كل شيء في عمله هذا، وفي سينماه عموماً، هاديء وتعابير الوجوه شبه ممحية لحد يكاد يتجاوز المسموح في هذه الحالات. للأسف، يبدو راي شغوفاً بالزوم إن. هذا لا يلغي أن تنفيذه للإخراج قائم على دراسة كما في المشهد الذي تتقاطع فيه الأصوات والصور في لقطات متتالية ذكية وهو مشهد نرى فيه الزوجة سعيدة بالجلوس فوق الأرجوحة بينما أمال سعيد في أن يكتب في مفكرة أهدته إياها. تأليف المشهد من حيثيات الحياة وتقسيمه الى لقطات والتعامل مع الموسيقا التي فيه يرفع من شأنه ويعزز بساطة التكوين العام له٠

Director: Satyajit Ray
Cast: Soumitra Chatterjee, Madhabi Mukherjee, Shailen Mukherjee, Shayamal Ghoshal, Gitai Roy
Screenplay:  Satyajit Ray, Rabindranath Tagore   
Camera: Subrata Mitra (Black & White). 
Editor:  Dulal Dutta (117 min). 
Prod. Desinger: Bans Chandragupta.
Producer: R.D. Bansal . Prod. Company: R.D. BANSHAL & Co. (1964).


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠