Issue n. 79 | Red | The Girl Who Kicked the Hornet's Nest |Cornered | The Postman Always Rings Twice | This Gun is For Hire | أولى ثانوي | أفلام كلينت ايستوود

 هذا العدد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنويعة على فكرة السي آي أيه تقتل أبناءها : Red
مع فارق أن أبطال الفريق من فوق الخمسين يقودهم
Not Bad  بروس ويليس ومورغن فريمَن٠
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قائمة بعروض شهر تشرين / نوفمبر الحالي مثل
Megamind, Due Date, Tangled, Skyline,
127 Hours و Burlesque
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Girl Who Kicked the Hornet's Nestعروض خاصة
هو ثالث فيلم من السلسلة البوليسية الدنماركية المعروفة التي 
ربما أخذت تتعب مبكراً. هي وبطلتها ناوومي ريبايس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تظاهرة | كم فيلماً مثّل كلينت ايستوود وكم فيلماً أخرج وما هو
تقييم الناقد لكل منها؟  ماهي تلك الأفلام التي مثّلها لاعباً أدواراً
Hearafter صغيرة جدا؟ كل شيء ايستوود بمناسبة  فيلمه الجديد
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثلاثة أفلام "نوار" تُحيل عتمة الشاشة الي وله بحياة أبطالها الصعبة
من ثلاثة مخرجين ذي باع هوليوودي قديم: ديمتريك المسجون
وتاي غارنت المنسي وفرانك تاتل المجهول٠ 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من أرشيف السينما العربية | هل تعامل النقّاد مع أفلام محمد أبوسيف
كما يجب؟ أم هم اعتبروا أن إبن المخرج الكبير يجب أن لا يقل
قدرة فحكموا عليه سريعاً؟ الإجابة في "أولى ثانوي«٠




قراءة مشهد

The Searchers   (1956)  ****

كان المخرج جون فورد شديد الإعجاب بهذا التكوين واستخدمه في أكثر من فيلم (واستخدمه من بعده فكتور ف مكلغلين من بين آخرين) : كاميرا داخلية منصبّة فضاء بعيد وفي الوسط شخصية ما. الأبيض والأسود بالألوان.  في هذا الفيلم نرى الشخص (جون واين) وهو يغادر الداخل (البيت وما يرمز إليه) الى الخارج (الفضاء وما يرمز إليه) كما لو كان سيجتاز المسافة مشياً يدعوه الى ذلك ما يشدّه الى عالم من  المجهول. مدير التصوير وينتون س. هوتش الذي صوّر  بضعة أفلام أخرى لفورد٠

فيلم جديد

RED ***
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Robert Schentke   إخراج: روبرت شننتكَ
أدوار أولى: بروس ويليس، مورغن فريمان، ماري-لويز باركر، جون مالكوفيتش، هيلين ميرين
 الولايات المتحدة- 111 دقيقة
Film Review n. 185
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أكشن [ سي أي أيه/ كوميكس] | عملاء السي آي أيه القدامى يطلبون العون من العدو القديم: كي جي بي٠

عنوان الفيلم هو RED
لكن ترجمته الى «أحمر« هو خطأ لأن الكلمة هي مجموع الحروف الأولى من ثلاث كلمات هي
 Retired and Extremely Dangerous
ومعناها «متقاعدون وخطرون جداً« وهو عنوان ساخر ومدل في الوقت نفسه، ففي حين أن معظم أبطال هذا الفيلم الجديد المعروض في الصالات حاليا والذي أخرجه روبرت شننتكَ الذي أخرج في العام الماضي «زوجة مسافر الزمن« Time Traveler's Wife  هم من فوق الخمسين والبعض منهم كان تقاعد بالفعل قبل أن تسحبه السينما اليها مجدداً، لا يمكن تصوّر أن أحداً من تلك الشخصيات العتيقة يمكن لها أن تنفّذ العمليات الصعبة، وأن تتصدّى لرجال المخابرات الأعتى في العالم (السي آي أيه) وتخرج بأقل قدر من الخسائر٠
«رد» كما يجب أن نسمّيه له زاوية أخرى يمكن النظر اليه منها: إنه ضد السي آي أيه وبل أكثر من ذلك: ضد البيت الأبيض٠
حسب القصّة هناك عميل السي آي أيه السابق فرانك (بروس ويليس- 55 سنة) الذي كان ترك الخدمة قبل سنوات عدّة ويبحث، ولو متأخراً، عن الإستقرار. هناك فتاة يتحدّث معها على الهاتف أسمها سارا (ماري-لويز باركر) والغرام يبدأ بغزل شباكه فيقرر زيارتها في اليوم الذي يكتشف فيه أن السي آي أيه ترصد تحرّكاته بهدف قتله. الآن عليه أن يحمي من يحب ويحمي نفسه ويجد طريقة للإتصال بأترابه من عملاء تقاعدوا ليبحث عن سر المكيدة فيتّجه الى رفيق الأمس جو (مورغن فريمان- 73 سنة) ثم يلتقي برفيق آخر هو أسمه مارفن (جون مالكوفيتش- 56 سنة) وبين اللقائين لا تتوقّف الأحداث عن الدخول والخروج بشخصياتها في مغامرات ومعارك، لكن المعركة الأكبر تأخذ معظم النصف الثاني حين يتسلل هؤلاء جميعاً، بعدما انضمام العميلة السابقة فكتوريا (هيلين ميرين- 65 سنة) والعميل الروسي إيفان (برايان كوكس- 64 سنة) وساعدهم على الحصول على بعض المعلومات المهمّة موظّف الأرشيف هنري (ارنست بورغنين- 93 سنة). إنه لا يمر عابراً حقيقة أن إيفان، وهو مقدّم على أساس أنه عضو سابق في الكي جي بي، هو من يسهم مع باقي الشخصيات البطولية في الفيلم في مواجهة الأشرار. لقد طلبوا مساعدته ووافق في رسالة مفادها أن أعداء الأمس تجمعهم مصالح اليوم ، هذا لجانب أنه يحب تلك المرأة التي حاولت قتله (هيلين ميرين) حين كانت تعمل لصالح المخابرات البريطانية بدورها٠
النصف الثاني من الفيلم هو الذي يحفل لا بالمواجهات القتالية وحدها، وهي منفّذة كالفيلم كله بقدر من السخرية كما لو أن المخرج يتقصّد الإقلال من تأثيرها من دون أن يقلل من كم المستخدم من الرصاص والإنفجارات والمطاردات بالضرورة، بل أيضاً بالمواجهات السياسية. فالفيلم في واقعه يتمحور حول كيف تأكل الآلة السياسية أبناءها. كيف أن السي آي أيه قد تنقلب على عقبيها لكي تحاول قتل رجالاتها. هذا طبعاً لا يعني أنه فيلم واقعي وأنه يقصد حالة بعينها، لكن ما يرد في سياق الأحداث أن نائب رئيس الجمهورية  كان ضابطاً أمر رجاله  من جهاز المخابرات الأميركي بقتل من بقي حيّاً شهدوا على مذبحة أمر بها في مهمّة سرية في غواتيمالا. ليس هناك تأسيس للعملية ولا نراها في فلاشباك ولا تتخذ شكلاً سياسياً في أي من الأحوال (ولو أن شخصية رتشارد درايفوس- 63 سنة) معمولة لكي تشبه نائب الرئيس الأميركي السابق دِك تشايني (لم يعتذر للآن عن إلحاق إصابة بصديقه حين أطلق عليه نار بندقية الصيد خطأ فأصابه في كتفه). لكن ما يقوله هو أن نائب الرئيس يريد أن يصبح رئيس جمهورية وعليه أن يؤمّن لنفسه طمس كل معالم جريمته فأمر أعوانه في جهاز المخابرات بقتل هؤلاء. أحدهم (كارل كوبر) شاب لا يعرف الخلفية لكن عليه الإمتثال في كل الأحوال، لكنه في النهاية يدرك أن عليه أن يفعل شيئاً يحفظ عبره ماء وجه المخابرات الأميركية٠
الى حد بعيد يعيد الفيلم الى الواجهة بضعة أفلام حديثة تحدّثت عن حكايات مماثلة حيث تآمرت وكالة المخابرات الأميركية لقتل بعض أعضائها. في »سولت« لفيليب نويس شاهدنا أنجلينا جولي تدافع عن حياتها بعدما تم اتهامها بأنها عميلة روسية لكي يكون ذلك تمهيداً لقتلها. في »الفرقة أ« هناك جهاز من السي آي أيه يلاحق فريقاً من الجنود الأميركيين الذي سبق لهم وأن خدموا في الجيش الأميركي في العراق، وذلك لقتلهم خوفاً من إنكشاف تورّطهم في عملية تزوير ضخمة للعملة الأميركية.
قبل ذلك توقّفنا مليّاً عند سلسلتين شهيرتين في هذا الإتجاه: »مهمّة: مستحيلة« و»بورن« حيث توم كروز في السلسلة الأولى ومات دايمون في الثانية يدافعان عن حياتهما ضد خطر الوكالة التي عملا لها٠
ناحية أخرى لافتة في »رَد«: العون على إتمام المهمّة الصعبة يأتي من العميل الروسي إيفان، الذي كان جاسوساً لموسكو في الولايات المتحدة. إنه كما لو كان الفيلم يود أن يقول أن أعداء الماضي هم أصدقاء اليوم٠
كان يمكن للفيلم أن يأتي أفضل. إنه على حافة السخيف من ناحية والهزل الساخر من ناحية وكان يتطلّب معالجة الأبعاد المطروحة بقدر أعلى من قوّة الإيحاء. للفيلم حس منفلش غير موّحد في بعض مطارحه، لكنه مقبول فيما بقى. بلورة فنّية أفضل كانت أيضاً ممكنة لولا الخوف من استبعاد الجمهور التقليدي٠

Directed by: Robert Schwentke.  Written by: Jon Hoeber، Erich Hoeber. Graphic novels: Warren Ellis and Cully Hamne. Cinematography: Florian Ballhause. Editor : Thom Noble (111 min). Music: Christophe Beck. Production designer: Alec Hammond.
Producers: Lorenzo di Bonaventura, Mark Vahradian
Cast: Bruce Willis (Frank Moses), Morgan Freeman (Joe Matheson), John Malkovich (Marvin Boggs), Helen Mirren (Victoria), Karl Urban (William Cooper), Mary-Louise Parker (Sarah Ross), Brian Cox (Ivan Simonov), Julian McMahon (Robert Stanton), Rebecca Pidgeon (Cynthia Wilkes), Ernest Borgnine (Henry, the Records Keeper), James Remar (Gabriel Singer), Robert Morse (Interrogator) and Richard Dreyfuss (Alexander Dunning).


عروض خاصّة

The Girl Who Kicked the Hornet's Nest  **
الفتاة التي رفست خلية الدبّور
 Daniel Alfredson  إخراج: دانيال ألفردسن
أدوار أولى: ناوومي رابايس,، مايكل نكفست، لينا أندري، أنيكا هالين٠
سويدي/دنماركي/ ألماني - 2010
Film Review n. 186
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تشويق جنائي [سلسلة سينمائية/ اقتباس عن كتاب] | ثالث ثلاثية وضعها الروائي الراحل تغلق فصلاً دامياً حول الفتاة التي عانت طويلاً

بعد »الفتاة ذات الوشم التنين» و»الفتاة التي لعبت بالنار« يختتم »الفتاة التي رفست خلية الدبور« الثلاثية التي وضعها الكاتب الراحل ستيغ لارسن وأنجزت نجاحاً عالمياً  لا بأس به لفيلم سويدي/ دنماركي المنشأ. الجزء الأول تكلّف عشرة ملايين دولار وحقق حتى الآن 110 مليوناً. الثاني تكلّف نحو ثماني ملايين وأنجز 24 مليوناً، وهذا الثالث قد يصل الى ما حققه الثاني او يتجاوزه قليلاً. الجمهور الآن ينتظر النسخة الأميركية من الفيلم الأول لكن الفيلم السويدي أطلق كلمته أوّلاً وربما على النحو الأكثر إثارة للإهتمام كونه اقتباساً لا للقصّة فقط بل لحسّها المحلي الذي لن يجيده الا سينمائي من هناك٠
نيلز أندرياس أوبليف حقق الفيلم الأول، ودانيال ألفردسن أنجز الجزء الثاني والثالث، وفي نهاية الجزء الثاني رأينا أن بطلة الفيلم ليزابث (ناوومي رايباس) أصيبت برصاصة أطلقها عليها والدها. ماتت.... لم تمت... بقي الأمر معلّقاً لحين هذا الفيلم الذي يبدأ بها وهي تنقل على وجه السرعة الى المستشفي بين الحياة والموت٠
المفاد الناتج هو أنها ستعالج وربما ستعيش (أقول المفاد وليس التوقّع) لكن الكاميرا المنصبّة على الدم السائل والوجه الغارق بالنزيف ثم على العملية التي يقوم بها الجرّاحون، لا علاقة له بالمفاد بل بمحاولة إبقاء العمل مشرّبا بالعنف، وهي محاولة سريعاً ما تدفع الفيلم الى منزلق غير واعد الا إذا اعتبر البعض أن متابعة عملية جراحية هي من تلك المهام التي على السينما القيام بها٠
    لكن ليزابت ستعيش. إنها جوهر العمل ولا يمكن تغييبها، كما أن الحكاية كلها تتمحور حولها وحول ماضيها وحاضرها .... شيء كما لو أن الحديث ليس عن ليزابث بل عن السويد من منظور أنه وطن انتهك مرّات ومرّات ولا يزال. فالفتاة الشابّة التي تترك خطر الموت بأعجوبة تجد نفسها تدافع عن نفسها ضد عصبة تسمى نفسها بـ "القِسم" وتحتوى على رجال قانون (قضاة وما دون) وسياسيين وأطبّاء وجهات نافذة أخرى، تريد سجنها مدى الحياة في المصحّة النفسية كونها في نهاية الأمر قتلت أبيها اللاجيء من الإتحاد السوفييتي بعدما اشتغل عميلاً للغرب. لكن المجموعة تعلم أن أبيها كان يعتدي عليها، وتعلم أن من تم تعيينه وصيّاً عليها كان يعتدي عليها أيضاً (كما شاهدنا في الجزء الأول وكما نشاهد في فلاشباك في هذا الفيلم). لكن -وهذا هو لب الحديث- بما أنها عصبة نخرها سوس الفساد الأخلاقي وتمارس الإعتداءات الجنسية على الفتيات والأطفال وتتاجر بها على الإنترنت، فإنها، ودرءاً لاحتمال أن تكشف ليزابث عنها، لابد من إيداع هذه الفتاة في المصحّة حيث سيتسنّى للأطبّاء والممرّضين الإعتداء عليها أيضاً٠
إنها نظرة داكنة للعالم الذي تقع فيه الأحداث، لكنها قابلة للتصديق (مجموعة من هذا الفصيل تم إلقاء القبض عليه في البرتغال مؤخراً) والصحافي (نيكفست) الذي تعاونت معه سابقاً على كشف معضلات بوليسية، يحاول مساعدتها للخروج مدركاً أنها إذا ما فعلت فإن أولويّاتها الإنتقام من تلك العصبة الفاسدة٠
يحافظ الفيلم على المتوقّع منه. إنه يريد أن يحفل بالأجواء التي صنعت نجاح الفيلم الأول، ولديه الموضوع، لكن السيناريو يتوقّف عن الإتيان بجديد بعد حين، وثمّة منطقة منخفضة في وسطه قبل أن يعاود الفيلم إثارة الإهتمام. سيكون مثيراً إذا ما تمكّن هاوي السينما من مشاهدة الأجزاء الثلاثة متتابعة ولو من  باب المقارنة بينها، لكن المرء سعيد بأن السلسلة انتهت عند هذا الحد، وسفكت دماءاً كثيرة، ولو بإسم انتصار الخير على الشر. في أفضل لحظاتها هي تذكير بأن عالمنا الحالي موبق من كثرة شروره. وبإنتظار النسخة الأميركية من الجزء الأول، ربما ارتفعت قيمة هذه الثلاثية لا لكونها البادئة، بل لحقيقة أنه يمكن اقتباس القصّة لأحداث تقع في مدغشقر إذا أردنا، لكن الحس الإجتماعي والبيئي للرواية السويدية كان لابد لمخرج سويدي التعبير عنه وهذا ما أنجزته الثلاثية جيّداً٠



1
دك باول يخرج من حرب الى حرب  لكن على عكس مواقع القتال  لا يعرف هنا من يحارب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Cornered | (1945) ***|   محصور
Edward  Dmytryk    إخراج: إدوارد  دميتريك
تمثيل: دك باول، وولتر سليزاك، نينا فايل، ميشيلين شيرَل٠
Film Review n. 187

المجموعة الأساسية التي شاركت إنجاز «محصور« كانت قامت قبل سنة واحدة بتحقيق "فيلم نوار"  آخر
هو: جريمة يا حلوتي Murder, My Sweet
هذه المجموعة تألّفت من المخرج إدوارد ديمترك، المنتج  أدريان سكوت، مدير التصوير هاري ج. وايلد، كاتب السيناريو جون باكسون وممثله الأول دك باول. »جريمة يا حلوتي« هو أيضاً فيلم نوار ينتمي في الوقت ذاته الى سينما التحري الخاص، فالرواية من تأليف أفضل كتّاب هذا النوع رايموند تشاندلر. لكن  هذا الفيلم الثاني لم يتمتّع بالمعطيات والعناصر الإنتاجية التي تمتّع بها الفيلم السابق، وانطلق كظل للأول يختفي حين يكون الضوء قوياً٠
باول يؤدي هنا شخصية طيّار كندي أسمه جيرارد شارك في الحرب العالمية الثانية التي انتهت وعاد الى فرنسا باحثاً عمن قتل زوجته الفرنسية. ما يعرفه أن زوجته كانت تحارب في صفوف المقاومة الفرنسية عندما وشى بها عميل وتم قتلها. جيرارد يريد أن يعرف من هو هذا العميل، وأسمه مارسيل،  ويتوصّل الى معرفة أنه لجأ، بعد انتهاء تلك الحرب، الى الأرجنتين. لديه خيط نحيف، كعادة الأفلام القائمة على التحري عموماً، وعليه أن يتبعه. الخيط يقوده الى مجموعتين من الشخصيات: واحدة تريد الإقتناص من ذلك العميل والمنظّمة النازية التي يعمل على تأسيسها، وأخرى يعمل رجالها لحساب العميل، ولو أن جيرارد سوف لن يعرف ذلك الا حين يتوغّل أكثر. في الحقيقة تستطيع أن تقول الا حينما يُضرب أكثر من مرّة، ويقع في المكائد ويتهم بجريمة لم يرتكبها وينجو من الموت في آخر لحظة٠
هذا فيلم مختلف من أفلام النوار كونه يتعامل مع أمور عدّة. الحرب العالمية الثانية ومشاكل ما بعد انتهائها. ليس أنه فيلم دراسة بل في خضمّه موقف معاد للحرب التي لم تثمر، بالنسبة لمن شارك فيها، ولو كان متمثّلاً بالبطل الغربي، الا عن بداية حرب أخرى شخصية هذه المرّة. في ذات الوقت هناك البعد السياسي الناضج في جوهره: ربما الحرب في الجبهات انتهت، لكن غيرها بدأ إذ أن مواجهة الفاشية والنازية لم تنته بعد٠
على ذلك، الشخصية الرئيسية محمّلة بمواقف تفلت من شروط المنطق أكثر من مرّة. إنه لا يريد أن يسمع من أحد وفي الوقت ذاته لا خيارات لديه. شخصيات كثيرة حوله والوقت الذي يمضي الى أن يهتدي الى بصيص ضوء يمر في سلسلة من المواقف المتكررة. من ناحيته أراد المخرج ديمتريك عكس موقعه السياسي المضاد للنازية. كونه مضاداً للنازية لا يعني أنه كان أميركياً (ولو أن أميركا حاربت النازية في أوروبا) ذلك بسبب موقف المحافظين اليمينيين. في الحقيقة، بعد عامين من هذا الفيلم تم وضع المخرج في السجن لشهرين كونه كان انضم، مع المنتج وكاتب السيناريو، الى الحزب الشيوعي ولو أنه أنفصل عن ذلك الحزب حينما أراد منه تحويل »محصور« الى عمل يخدم قضيّته (حسبما ورد في كتاب مذكراته
One Man Out: A Memoir of the Hollywood Ten
التنفيذ هنا يحمل حسّاً عالياً بأهمية الأسلوب. كل عناصر الفيلم النوار البصرية والدرامية تقريباً موجودة، من تقشف في الألوان الى الرجل الذي يجد نفسه يحارب العالم وحيداً، ومن تلك الكاميرا غير المرتاحة في مواقعها الى التشكيل الليلي والشخصيات التي تحمل ما يتفاعل في عالم الفيلم (وعالم اليوم أيضاً) من شرور٠

2
المرأة مستهل النهايات والحب خطوات سريعة نحوها ... لكن أبطال جيمس م. كاين 
يخوضون دائماً حرباً خاسرة ضد ظروفهم ... وبطل روايته هذه القالب الذي تبنى على أشكاله 
القوالب الأخرى٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Postman Always Rings Twice  (1946)  ****  ساعي البريد يدق مرّتين دائما
Tay Garnett   إخراج: تاي غارنت
تمثيل: لانا تيرنر، جون غارفيلد، سيسيل كلواي٠
Film Review n. 188

جيمس م. كاين من أفضل كتّاب القصّة البوليسية وأعماله التي تحوّلت الى أفلام  بلغ عددها نحو عشرين عمل منها »تأمين مزدوج» [بيلي وايلدر- 1944] و»ملدرد بيرس« [مايكل كورتيز- 1945] اللذان هما من أفضل دراميات الأربعينات الداكنة. «ساعي البريد يدق مرّتين دائماً» (وبالترجمة الحرفية المتعبة "يرن الجرس» بدل يدق) تم نقلها ثلاث مرّات الى السينما. مرّة على يدي الإيطالي لوكينو فيسكونتي في فيلمه المحاك إيطالياً بإمتياز »هاجس« سنة 1943 ومن دون ذكر مصدر القصّة، ومرّة على يدي تاي غارنت، واحد من جنود هوليوود الممتازين والمجهولين، وذلك سنة  1946 (النسخة التي أستعرضها هنا)، والثالثة بإدارة المخرج بوب رافلسون سنة 1981 مع جاك نيكولسون وجسيكا لانغ في البطولة٠

رواية «ساعي البريد دائماً يدق مرتين» كانت أكثر جرأة من أن تقدم هوليوود على تحويلها إلى فيلم في ذلك الحين. ففيها نقل كاين أعباء الشعور الديني (المسيحي ـ الكاثوليكي نسبة للكاتب) بالذنب، والخطيئة، وأورد اسم الكنيسة في مواضع ترتبط بمكان الجريمة وكأن هذا تعبير عن السبب الذي من أجله يرى أن أبطاله يعانون الإحباط والأزمات الأخلاقية ويتحملون وزر ما يفعلونه مضاعفاً. والقصة، في تلخيص، تدور حول رجل بلا مستقبل يجد نفسه في مكان متعدد الخدمات ومنزوِ خارج المدينة. فهو محطة وقود ومطعم للعابرين ومنزل للنوم في الطابق العلوي. فرانك (غارفيلد) يحل ضيفاً وعاملاً  بفضل رعاية الرجل الطيّب نك (كالاواي)، لكن فرانك فيطمع في جمال الزوجة (تيرنر)  ويهيم بها شغفاً حتى يقوده ذلك إلى الاتفاق معها على قتل الزوج. حين تقع الجريمة «الكاملة»، بعد عدة أشهر، يحمل كل منهما عبء الجريمة المشتركة، لكن بطل كاين إلى جانب ذلك العبء الخفي يتأكد من أن علاقته بتلك الإمرأة ليست عابرة، وإنه يحبها فعلاً. وفقط عندما يبدو المستقبل وقد استقر لهما، تقع حادثة طريق تقتل فيها امرأته في نفس الصورة التي دبرا فيها قتل الزوج. هذه المرة الماضي سيعود، ولن تصدق لجنة المحققين أن الحادثة الجديدة هي قدرية، وستفتح مجدداً ملف الحادثة السابقة. هذه المرة سوف يتحمل بطل كاين وزر الجريمة وحده، بل وسوف يتحمل وزر جريمة أخرى لم يرتكبها٠.
لم تستطيع هوليوود، على الرغم من إعجابها بالرواية والموافقة عليها كقصة، تحويل العمل إلى فيلم حتى عام 1946، أي بعد 12 سنة من خروجها  إلى الأسواق، والسبب في ذلك إن أحداً لم يستطع تجاوز المنطلقات العنيفة والمحرمات الأخلاقية التي كانت الرقابة تحرمها آنذاك، وتقديم فيلم بوليسي جيد في الوقت ذاته٠
هنا لدينا رجل مقطوع ومفلس يدخل المطعم ليأكل فيعتقد أن السماء استجابت له ومنحته لا الطعام فقط، بل العمل والمرأة الجميلة. مثل أبطال آخرين له، فإن المال مرتبط بالجنس (قوام فيلم النوار الآخر من تأليف كاين «تأمين مزدوج» مع موظّف الشركة التي يمزج حب المال بحب المرأة ويخسر). لكن الشغف الذي ينتاب غارفيلد لا حدود له وتيرنر (كشخصية وكممثلة) من الفتنة والإغراء بحيث سيكون من غير المجدي تقديم رجل يستطيع مقاومتها ضمن هذه الظروف٠
غارنت، في محاولة منه لتفادي الرقابة الأخلاقية، استبدل المشاهد العاطفية بالدلالات. طبعاً سنرى ما هو عاطفي بلا إلتباس، لكن خذ مشهد البداية حين يرمي فرانك اعلاناً كان الزوج وضعه أمام محطّة البنزين يقول: "مطلوب رجل"، وهو يقصد بذلك عاملاً يساعده في الشغل. العبارة ذاتها تعكس أيضاً حالة الزوجة التي يتبدّى أن زوجها الطيّب لا يلبّيها، بذلك هي عبارة مزدوجة لا تغيب عن بال فرانك/ غارفيلد الذي قرر أن يثب الى الفرصة المزدوجة٠
غارنت  (الذي أخرج  93 فيلماً ما بين 1920 و1975) يدرك أن موضوعه هنا كامل العناصر. ليس عليه إنجاز أسلوب "نواري" لأن القصّة وشخصياتها حافلة بالشروط الملائمة. السيناريو يغط في النوم ما بين الفصلين الأول والثالث، لكن اخراج غارنت ينقذ الموقف كذلك تمثيل غارفيلد وتيرنر
٠
3
٠٠٠٠ وواحد ضد الأثرياء !٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
This Gun is For Hire | Frank Tuttle  (1942) ****    | هذا المسدس للإيجار 
Frank Tuttle  إخراج: فرانك تاتل
تمثيل: ألان لاد، فيرونيكا لايك، روبرت برستون، لارد كريغر
Film Review 189
إذا شاهدت ذات مرّة، او ستشاهد في المستقبل، فيلم »لا ساموراي« لملك الفيلم نوار فرنسياً جان-بيير ملفيل، فكّر بالصورة التي يحتلّها ألان لاد في ذلك الفيلم كقاتل مأجور. حركاته. صمته. ومعطفه الواقي. ثم شاهد، إذا استطعت وستستطيع إذا أردت، فيلم فرانك تاتل »هذا المسدس للإيجار« وستعرف على ماذا استند »لا ساموراي« في تقديم تلك الصورة: لقد استوحاها من حركات وصمت ومعطف وتمثيل ألان لاد، الممثل الذي نال أقل مما يستحق من تقدير هوليوودي والذي لا يذكره اليوم سوى نادرون٠
هذا الفيلم، عن سيناريو للروائي الكبير غراهام غرين نقلاً عن رواية قصيرة كتبها، هو أحد بضعة نوار مثّلها ديلون  ومخرجه تاتل أيضاً من الجنود المجهولين اليوم رغم وفرة أعماله منها ما هو ممتاز كهذا الفيلم. شخصيّة بطله فيليب (لاد) المركّبة شخصية فيلم نوار رائعة: قاتل (إذاً هو خارج عن القانون- مشاكس إذا أردت) لا روابط عاطفية له، لا أهل، لا أصدقاء، ولا معارف. يحب قطّته الصغيرة، وربما يقف مدافعاً عن طفل يتعرّض لضرب من رجل من الواقفين لصف القانون. إذاً لديناً هذا الشخصية المركّبة ليس سايكولوجيّاً فقط (وهناك نواحي في الفيلم يجد المشاهد لزاماً عليه دخول ذلك العلم ولو قليلاً) بل لناحية كيف يمكن تقديم شخصية ضد القانون وتجمع حب الناس معاً٠
 الحبكة تدور حول هذا القاتل المأجور (صاحب العنوان) الذي ينفّذ عملية لحساب، غايتس،  أحد رجال الأعمال الأثرياء الفاسدين (يجسّده لارد كريغر ببدانته وحضوره المدهم)  ليكتشف أن غايتس دفع له أجره بمال تم تعليمه لكي يسقط في قبضة البوليس بعد الإبلاغ عنه. الآن على فيليب أن يتصيّد الفرصة السانحة لقتل غايتس، لكن ما سيعترض طريقه المرأة الجميلة التي تعمل لدى غايتس (لايك) وصديقها البوليس (روبرت برستون) الذي لا يدري أن فيليب، الذي لم يكترث (كحال بطل الفيلم الأول) لحال الدنيا السياسية سيكشف عن أن غايتس يقود حلقة من المتعاونين مع العدو الياباني
الفيلم مع بطله، يُظهره طاهراً حين يدرك الخطر الماحق الذي يشكّله ذلك الرأسمالي. جرائمه كقاتل لقاء أجر، لا تعدو "فكّة صغيرة" حيال جرائم الرأسمالي الكبير. المشكلة الوحيدة هي أن الفيلم محمّل بالمصادفات. صدفة أن المرأة تعمل عند غايتس وصدفة أنها صديقة التحري. وصدفة هو ذلك اللقاء، لكن السيناريو رغم ذلك محكم. والتصوير هو لجون سايتز الذي صوّر عدداً من أفلام النوار ويمارس هذا الفن بحرفية سهلة وعميقة معاً٠
إذا كنت تريد مشاهدة معالم الفيلم النوار البصرية. الشغل على الإضاءة وزوايا التصوير وكيفية التعبير عن الشخصية الصامتة هذا هو الفيلم، وإذا أردت الإلمام الكامل بهذه العناصر، فإن الدقائق الخمسة الأولى تضمّها جميعاً. حتى ذلك الحوار القاتل من شدّة روعته: حين يضرب لاد خادمة الفندق الذي يعيش فيه لأنها ضربت القطّة ويمزّق عن غير قصد ما ترتديه. تقول له: "عليك أن تشتري لي رداءاً جديداً". ردّه المبتسر: "أخرجي"٠
علينا أن نتعلّم السينما من هنا لأن لو أن الفيلم كان من عندنا لناجحته وناجحها وردّت عليه وردّ عليها وصرخت فصرخ أكثر منها. ذلك الإيجاز المنطقي للبطل الوحيد كان دائماً تعبيراً صادقاً عن شخصه وحياته٠
إخراج تاتل حاد كالسكين. اللقطات موضّبة بحرفية. لم يكن المانياً كشأن لانغ او وايلدر لكنه كان يعرف شغله جيّداً.  لجانب مشاهد البداية الدالّة تماماً عن أي رجل هذا الفيليب، هناك مشاهد مشوّقة معتنى بها جيّداً تقع حين هروب فيليب من مطارديه في النفق وفوق جسر وقفزه من الجسر الى القطار تحته. المخرج ومدير تصويره يعمدان هنا الى تلك اللقطات الطويلة التي تتضمّن الحياة كأوراق خريف مهددة بالسقوط


من أرشيف السينما العربية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 ***   أولى ثانوي
إخراج: محمد أبوسيف
أدوار أولى:  نور الشريف، ميرفت أمين، إبراهيم نصر، سوسن بدر٠
مصر- 2000
Film Review n. 190
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دراما اجتماعيةشخصيتان راشدتان وثلاثة شابّة في محاولة أبوسيف الإبن الحديث عن قيم اجتماعية متفاوتة٠

من المحتمل أن‮ ‬يكون عبء التوقعات الكبيرة الملقاة على كاهل المخرج المصري‮ ‬محمد أبو سيف السبب في‮ ‬أن أفلامه الى الان ابتعدت تماما عن التذكير بأفلام والده الراحل صلاح أبو سيف‮. ‬لعله شعور دفين بأن المجتمع السينمائي‮ ‬ينتظر من أبو سيف‮ -‬الإبن بعض ما حققه أبو سيف‮- ‬الأب،‮ ‬او لعله قناعته الخاصة بأنه لا‮ ‬يريد أن‮ ‬ينتمي،‮ ‬سينمائيا،‮ ‬الى تراث أبيه،‮ ‬بل‮ ‬يريد أن‮ ‬يشق طريقه الى تراثه الخاص به وحده‮.‬
النتيجة الى الآن ليست مجزية،‮ ‬لكنها واعدة‮. ‬بعض المشكلة لا‮ ‬يقع ضمن مسؤوليات المخرج،‮ ‬بل الوضع المتأزم للسينما المصرية والعربية بشكل عام وهو وضع لم‮ ‬يتعرض اليه المخرج الراحل،‮ ‬فعجلة الصناعة لم تتوقف في‮ ‬أيام أبو سيف الأب وما قبلها،‮ ‬والإختيارات كانت دائما متوفرة،‮ ‬والتمويل أمّن تغليف اختيارات الأستاذ صلاح بالعناصر الإنتاجية المناسبة لكل أفلامه حتى مطلع الثمانينات‮.‬
‮»‬أولى ثانوي‮« ‬يعكس ما تمر به السينما المصرية من حيث تواضعه الجم في‮ ‬نواحي‮ ‬الإنتاج،‮ ‬كما‮ ‬يعكس تواضعا مختارا من قبل المخرج محمد أبو سيف،‮ ‬كما لو أنه‮ ‬يريد أن‮ ‬يؤكد لمشاهديه أنه ليس في‮ ‬مجال المقارنة مع أبيه،‮ ‬ولا في‮ ‬مجال تحديات تطرح أكثر مما‮ ‬يود هو إنجازه وتقديمه‮.‬
انه عن رجل‮ (‬نور الشريف‮) ‬يعمل في‮ ‬المتحف ويعيش في‮ ‬فيلا ورثها عن جده،‮ ‬يلتقي‮ ‬يوما بالمرأة التي‮ ‬يمكن له أن‮ ‬يقع في‮ ‬حبها‮ (‬أمين‮). ‬في‮ ‬الوقت ذاته‮ ‬يتبنى،‮ ‬ولو لعطلة الصيف،‮ ‬ثلاثة أولاد في‮ ‬مطلع سنوات الشباب‮. ‬والقصة من هنا ذات خطين‮: ‬الأول تقع رحاها بين الشخصيتين الراشدتين‮ (‬تريد أن تعرف عنه أكثر،‮ ‬عن عزلته،‮ ‬عالمه‮) ‬والثاني‮ ‬بين الأولاد الثلاثة وبين ذلك الرجل،‮ ‬فأحدهم متمرد وذو نوايا سيئة تتضح عندما‮ ‬يهاجم إبنة المرأة التي‮ ‬يود موظف المتحف الزواج بها‮. ‬والخطان‮ ‬يتشابكان أكثر فأكثر وتصبح موحدة‮. ‬وفي‮ ‬توليفاتها تلك‮ ‬يكمن الجانب الأساسي‮ ‬من قيم الفيلم وطروحاته‮. ‬اذ قلما نشاهد فيلما‮ ‬يتيح متنفسا لممثلين وشخصيات في‮ ‬ذلك السن المبكر،‮ ‬والجزء الناجح أكثر من‮ ‬غيره‮  ‬من هذا العمل‮ ‬يتعلق باللقاء الوارد بين شخصيات ناضجة وأخرى‮ ‬غير راشدة والطروحات الأخلاقية التي‮ ‬يفرزها ذلك اللقاء‮. ‬
تدور معظم الأحداث في‮ ‬الفيلا التي‮ ‬يعيش فيها بطل الفيلم‮  ‬لكنها تنتقل الى مواقع أخرى قليلة‮. ‬الإختيارات أمام السيناريو في‮ ‬هذا المجال محدودة،‮ ‬لكن على الأقل ليست هناك تلك المشاهد السياحية الإستعراضية التي‮ ‬تلجأ اليها العديد من الأفلام الأخرى‮. ‬
غير أن‮  ‬أبو سيف‮ ‬يبدو كما لو أنه‮ ‬غير واثق من احتمالات الموضوع وآفاقه‮. ‬معظم ما نشاهده في‮ ‬الفيلم هو عزوف المخرج عن الإستفادة من تلك الإحتمالات الواردة‮. ‬توخيه اسلوب عمل قد‮ ‬يخلطه البعض بالإستكانة او التقليدية‮. ‬والفيلم‮ ‬يمر من دون حدة وإلحاح كما لو أن المخرج مصر علي‮ ‬تعميم المفاصل الجادة قدر الإمكان فنراه‮ ‬يميل الى تلك الإستراحات الكوميدية القصيرة‮. »‬قفشات‮« ‬يرميها على الطريق بين الحين والآخر كمن‮ ‬يبحث عن خلاص اضافي‮ ‬لموضوع هو أهم مما‮ ‬يعتقد،‮ ‬وذلك جذبا لجمهور عام‮.‬
‮ ‬وما‮ ‬يبدو مؤثرا هو أن أبو سيف لا‮ ‬يحاول،‮ ‬عن قصد او ربما نتيجة العقل الباطن،‮ ‬تحقيق ما هو أكثر من سرد الحكاية‮. ‬وفي‮ ‬هذا الإطار فإن نجاح الفيلم متوقف ليس على الأحداث وتنفيذها بل على نور الشريف الذي‮ ‬يحمل الفيلم على عاتقه في‮ ‬مهمة‮ ‬ينفذ من تبعاتها بنجاح رائع‮.‬




تظاهرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلينت ايستوود

Hereafter  بمناسبة عرض فيلمه الجديد
وجدت مناسباً استعراض كل أفلام كلينت
ايستوود بلمحات تقسّم مهنته الى مراحل
أساسية تعطينا فكرة كاملة عنها وعن مسيرة
ممثل ومخرج هو آخر المبدعين الكلاسيكيين
في سينما هوليوود


ممثل ومخرج ومنتج وكاتب موسيقي وُلد في 31/5/1930. حاصل على أربعة أوسكارات و109 جائزة مادية ومعنوية من مؤسسات مختلفة. أمّ ايستوود التمثيل أوّلاً فأدّى عدداً من الأدوار الثانوية في أفلام صغيرة من العام 1955 حتى العام 1959 حين شارك بطولة حلقات الوسترن التلفزيونية
Rawhide. في سنة 1964 لعب أوّل بطولة سينمائية في فيلم سيرجيو ليوني »حفنة من الدولارات« وبعد ذلك بسنة ترك التلفزيون نهائياً ومثّل في فيلمين لاحقين لليوني.  في العام 1971 أقدم على الإخراج
لأول مرّة وذلك عبر فيلم »ألعب لي ميستي« Play Misty For Me
الأفلام

أفلام المرحلة الأولى (1955-1956) المكوّنة من 12 فيلم في أدوار صغيرة او ثانوية. أبرز تلك الأفلام بالنسبة  إليه «فرنسيس في البحرية«  (كوميديا- 1955) و»العنكبوت«  (رعب- 1956) و«فخ في عند سيمارون» (وسترن- 1958)٠
1955: Revenge of the Creature | Jack Arnold ***
1955: Francis in The Navy | Arthur Lubin **
1955: Alien in Movieland | Dick McDonough  --- 
1955: Lady Godiva of Coventry | Arthur Lubin  ---
 <<  1956: Tarantula | Jack Arnold ***
1956:  Never Say Goodbye | Jerry Hooper ---
1956: Star in the Dust } Charles Haas ---
1956: Away All Boats | Joseph Pevney ---
1956: The First Traveling  Saleslady | Arthur Lubin **
1957: Escape in Japan | Arthur Lubin  ***
1958: Lafayette Escadrille |  William Wellman ---
1958: Ambush at Cimarron Pass | Jodie Copelan **

A fistful of Dollars
المرحلة الثانية: أفلامه مع سيرجيو ليوني (1965- 1968 ) ثلاثة أفلام
ايطالية - أدوار بطولة
1964: A Fistful of Dollars ***
1965: For A Few Dollars More ***
1966: The Good, The Bad and the Ugly ****

بعد ذلك دخل ايستوود بطولة أفلام مع مخرجين مختلفين في أنواع عدّة حال عودته الى هوليوود  من بينها أفلام مع المخرج دونالد سيغال الذي اعتبره ايستوود أحد معلّميه٠
Where Eagles Dare مع رتشارد بيرتون في
 1968: Hang 'Em High | Ted Post ***
 أشنقهم عالياً | وسترن
1968: Where Eagles Dare |  Brian G. Hutton ***
حيث تجرؤ النسور | حربي
1968: Coogan's Bluff ***
خداع كوغن | بوليسي
1969: Paint Your Wagon | Joshua Logan **
ادهن عربتك | وسترن موسيقي
1970: Two Mules For Sister Sara  ***
بغلان للأخت سارا | وسترن
1970: Kelly's Heroes | Brian G. Hutton **
أبطال كيلي | حربي
1971:  The Beguiled ***
المخدوع | وسترن
1972: Joe Kidd  | John Sturges ***
جو كِد | وسترن
1974:  Thunderbolt and Lightfoot | Michael Cimino ***
ثندربولت ولايتفوت | تشويق بوليسي

خلال هذه الفترة  أقدم كلينت ايستوود علي إخراج أول أفلامه (1971) وعلى تمثيل سلسلته البوليسية  الشهيرة »ديرتي هاري« التي تم إنتاج خمس أجزاء منها ما بين 1971 و1988  هي
1971:  Dirty Harry | Donald Siegel ***
1973: Magnum Force | Ted Post  ***
1976: The Enforcer | James Fargo ***
1983: Sudden Impact | Clint Eastwood ***
1988: The Dead Pool | Buddy Van Horn

أفلام أخرى له من إخراج آخرين تباعدت بعد أن بدأ الإخراج بنفسه وهي بدأت بكوميديا ناجحة مع ممثلته المفضّلة آنذاك سوندرا لوك  سنة 1973، وتوقّفت عند فيلم »في خط النار»  (1993) كآخر مرّة مثل تحت إخراج اي سينمائي
1978: Every Which Way You Can | James Fargo ***
كيفما استطعت | كوميديا مع أكشن
1979: Escape From Alcatraz | Don Siegel ****
هروب من ألكاتراز | دراما- سجن
1980: Any Which Way you Can | Buddy Van Horn ***
كيفما اتفق | كوميديا- جزء ثان
1984: City Heat | Richard Benjamin **
حرارة مدينة | بوليسي
1993: In the Line of Fire | Wolfgang Peterson
في خط النار | تحقيقات

أفلام ايستوود مخرجاً حتى الآن عددها  31. بعضها من تمثيله أيضاً (كما تتم الإشارة بـ + بطولة). علماً بأن الفيلم الوحيد المكرر من اللوائح السابقة هو «تأثير مفاجيء» (1983) الذي ورد معنا في قائمة أفلام سلسلة تمثيله شخصية ديرتي هاري


1971: Play Misty For Me ***
أعزف لي ميستي (+ بطولة) | دراما عاطفية
1973: Breezy ***
بريزي  | دراما اجتماعية
1973: High Plains Drifter **
جوّال السهول العالية  (+ بطولة) | وسترن
1975: The Eiger Sanction ***
قسم آيغر (+ بطولة) |  مغامرات
The Outlaw Josey Wales
   1976: The Outlaw Josey Wales  ****
الخارج عن القانون جوزي وايلز  (+ بطولة)| وسترن
1977: The Gauntlet ***
التحدي  (+ بطولة)| بوليسي
1980: Bronco Billy ***1/2
برونكو بيلي  (+ بطولة) | وسترن حديث
1982: Firefox **1/2
فايرفوكس (+ بطولة) | جاسوسي/ عسكري
1982: Honkytonk Man ****
رجل الحانات (+ بطولة) | دراما- وسترن حديث
1983: Sudden Impact ***
تأثير مفاجيء (+ بطولة) | بوليسي
1985: Pale Rider ***
فارس شاحب (+ بطولة) | وسترن
1986: Heartbreak Ridge ***
هيرتبريك ريدج (+ بطولة) | حربي
1988: Bird  ***
بيرد | دراما/ سيرة حياة
1990: White Hunter Black Heart ***
صياد أبيض قلب أسود (+ بطولة) | دراما
1990:  The Rookie **1/2
الشريك (+ بطولة) | بوليسي
1992:  Unforgiven *****
غير المسامَح (+ بطولة)| وسترن
1993: A Perfect World ****
عالم متكامل  (+ بطولة) | دراما مع خيط بوليسي
1995: The Bridges of Madison County ****
جسور مقاطعة ماديسون  (+ بطولة) | دراما عاطفية
1997: Absolute Power ***
سُلطة مطلقة (+ بطولة) | بوليسي
1997:  Midnight in the Garden of Good and Evil ***
منتصف الليل في حديقة الخير والشر |  دراما تحقيقات
1999: True Crime ***1/2
جريمة حقيقية  (+ بطولة) | بوليسي
2000: Space Cowboys ***
رعاة بقر الفضاء  (+ بطولة) |  دراما
2002: Blood Work ***1/2
تحليل دم (+ بطولة) | بوليسي
Mystic River:  شون بن في
2003: Mystic River ****
ميستيك ريفر |  دراما
2004: Million Dollar Baby ****
مليون دولار بايبي  (+ بطولة) | دراما
2006: Flags of Our Fathers ****
رايات آبائنا | حربي
2006: Letters of Iwo Jima ****1/2
رسائل إيوا جيما | حربي
2008: Changeling ***
المبادلة | دراما
2008: Gran Torino ***1/2
غران تورينو  (+ بطولة) | دراما اجتماعية
2009: Invictus ***1/2
انفيكتوس |  دراما اجتماعية
2010: Hereafter ****
من الآن | دراما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠


Issue 78 | Petri's 10th Victim | Forman's Amadeus | Fincher's Zodiac


Film* Reader: يوم الإثنين في العدد الجديد من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنويعة على فكرة السي آي أيه تقتل أبناءها : Red
مع فارق أن أبطال الفريق من فوق الخمسين يقودهم
Not Bad بروس ويليس ومورغن فريمَن٠
  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قائمة بعروض شهر تشرين / نوفمبر الحالي مثل
Megamind, Due Date, Tangled, Skyline,
127 Hours و Burlesque
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Girld Who Kicked the Hornet's Nestعروض خاصة
هو ثالث فيلم من السلسلة البوليسية الدنماركية المعروفة التي 
ربما أخذت تتعب مبكراً. هي وبطلتها ناوومي ريبايس
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
The White Ribbon  دي ڤي دي الأسبوع : فيلم ميشيل هنيكة 
لا يزال يُثير قشعريرة غير مريحة في البدن حين مشاهدته مرّة
جديدة على شاشة البيت٠
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثلاثة أفلام "نوار" تُحيل عتمة الشاشة الي وله بحياة أبطالها الصعبة
من ثلاثة مخرجين ذي باع هوليوودي قديم: ديمتريك المسجون
وتاي غارنت المنسي وفرانك تاتل المجهول٠ 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أرشيف السينما العربية | هل تعامل النقّاد مع أفلام محمد أبوسيف
كما يجب؟ أم هم اعتبروا أن إبن المخرج الكبير يجب أن لا يقل
قدرة فحكموا عليه سريعاً؟ الإجابة في "أولى ثانوي«٠



قراءة مشهد 
Pat Garrett and Billy The Kid   (1973)  ***** 
سْلم بيكنز أصيب خلال مواجهة حين اصطحبه  جيمس كوبرن لمساعدته  ضد بعض الأشرار في فيلم سام بكنباه  الوسترن «بات غاريت وبيلي ذ كيد«. ينهض من موقعه واضعاً يده على جرحه البليغ  وناظراً الى النهر القريب.  يمشي إليه قاصداً إياه كما تفعل الفيلة حين تشعر بدنو الأجل. هذه اللقطة  قرب النهر حين يستدير لينظر الى زوجته (الممثلة المكسيكية الأصل كاتي جورادو) وهي تقف بعيداً. كانت تقاتل لجانبه ثم تركت بندقيّتها وهرعت وراءه حين شاهدته يبتعد جريحاً. لكنها توقّفت على مسافة لكي تتركه يموت بسلام. ترقبه من هناك من خلال دموع صامتة. لاحظ كيف وجهه يبدو مشعّاً بنور غريب. شبه ابتسامة على ذلك الوجه. فرحة غريبة وحزن أليم في الوقت ذاته. النهر ليس دافقا كما لو أنه بدوره منته. التصوير من إدارة جون كوكولون الذي صوّر لسام بكنباه 4 أفلام. الثلاثة الأخرى هي
Straw Dogs (1971), Cross of Iron (77), The Osterman Weekend (83)
 
ـــــــ هذا العدد    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بدءاً من هذا العدد يتخلى هذا الموقع عن عرض ونقد الأفلام الجديدة المعروضة في الصالات. هذه ستجد طريقها الطبيعي الى مجلة »ظلال وأشباح«. أما »فيلم ريدر« فستتخصص في الأفلام التي لا عروض تجارية لها، مثل الأفلام الأجنبية المعروضة على أعضاء جمعية مراسلي هوليوود او تلك الملتقطة في المهرجانات والمناسبات المختلفة، وفي الأفلام القديمة من أزمنة ودول وتيارات ومدارس مختلفة. كالعادة، هذا الموقع لا يكترث ما إذا كان الفيلم لفديريكو فيلليني او لبيتر ساسدي. المهمّة هي عرض هذا السيل الذي لا يريد أن يتوقّف من الأفلام٠

ـــــــ إكتشافات ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إيليو بتري والخيال العلمي. أوه... ولا تنسى جمال أرسولا أندرس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
La Decima Vittima /  The 10th Victim   (1965)  ****
الضحية العاشرة
Elio Petri  إخراج: إيليو بتري
أدوار أولى: مارشيللو ماستروياني، أرسولا أندرس، إيلزا مارتينللي، سالفو راندوني
كوميديا. خيال علمي | إيطاليا ٠
Review # 182
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حين  توفي  المخرج الإيطالي إيليو بتري سنة  1982 عن 53 سنة، كان أنجز  13 فيلماً لجانب أفلام أخرى كتبها وأخرجها سواه. وهو بدأ مشواره بفيلم جيّد سنة 1961 عنوانه: المغتال 
 The Assassin
عن سيناريو لباسكال فيستا كامبانيلي  وكان جنائياً (حول جريمة قتل) إنما في قالب كوميدي.  بعد أربع سنوات وخمسة أفلام أخرى أنجز هذا الفيلم الذي ينتمي، بشروط، الى سينما الخيال-العلمي إنما، وبشروط أيضاً، في خانة الأفلام الكوميدية٠
هذا الفيلم ليس بشهرة عمليه اللاحقين «الطبقة العاملة تدخل الجنّة« و«تحقيق حول مواطن فوق الشبهات» لكنه لا يقل عنهما جودة  وهو مقتبس عن قصّة أميركية قصيرة بعنوان »الضحية السابعة« لمؤلّف أسمه روبرت شكلي الذي نقلت السينما عنه ست روايات أشهرها ذلك الفيلم الذي قام ببطولته إميليو استفيز  وأخرجه جف مورفي سنة  1992 بعنوان
Freejack
إنه عن زمن انتشر فيه حل لمسألة الحروب الكبيرة. من الآن وصاعداً ليس هناك داع للحرب لأنه تم تقسيم الناس الى  صيادين وضحايا. الصيّادون يتناوبون على لعب دور الفريسة. بذلك يعيشون (إن عاشوا) الدورين على نحو متلاحق. ليس كل الناس، بل من يرغب في ربح مليون دولار إذا ما استطاع البقاء حيّاً بعد عشر جولات.  بذلك توخّت الحكومات حل مسائل النزاعات الكبيرة وبل القضاء على العنف بتوفير  سبل القتل الفردي لمن يرغب وفي لعبة تنجز قدراً من الخيال الكامن لدى البعض في تمثيل دور البطولة في الحياة. خلال المطاردة، وهذا ما نراه في مقدّمة الفيلم، سيتاح للفريسة أن تدافع عن نفسهاوقد تفوز بالدورة وتقتل الصيّاد الذي يقصد قتلها٠
مارشيللو بوليتي (ماستروياني) عليه أن يلعب الآن دور الضحية في عاشر جولة له. إنه مفلس. لديه قضية طلاق كلّفته كثيراً، وعشيقة (مارتينللي) لا يحبّها، وفي أعقابه أميركية أسمها كارولين (أندرس) كنا شاهدناها في المقدّمة وهي تنتصر على صيّادها. الآن دورها لكي تصطاد مارشيللو. لكنها على اتفاق مع شركة تلفزيونية لفعل ذلك في استعراض ترعاه شركة تجارية٠
تدّعي أمامه أنها صحافية تريد إجراء مقابلة معه في موقع أثري لصالح التلفزيون. لكنه حذر ويفطن الى أن هذه الدعوة، وكل ما يحف بها من أنوثة ونعومة وقبلات، هي فخ لإسقاطه. نمضي الوقت في لعبة كر وفر لكنه وقت غير ضائع. هناك تمثيل أرسولا أندرس وجمالها. وأنا لا أمزح هنا او أرغب في إثارة ما، بل يلعب جمالها البدني وأنوثتها الطاغية لصالح الفيلم على طول الخط.  شاهدت أرسولا أندرس في عدد من الأفلام حيث بدت مثل قطعة ديكور متحرّكة من شدّة جمودها. أما هنا فهي مقبلة على الدور بكل ما لديها من طاقة وناجحة في تجسيد شخصية تستفيد من أنوثتها جيّداً. في المقابل، مارشيللو لم يُشاهد في دور مشابه وهو يقوم به بتخفيف تأثيره ما يجعله أكثر تأثيراً. ضد البطل وفي الوقت ذاته بطل لا ريب فيه٠
سبب آخر لمشاهدة الفيلم هو تصوير جياني دي فانزانو. هو مصوّر رائعة فديريكو فيلليني »ثمانية ونصف« ولديه هنا لقطات مشابهة للقطاته في ذلك الفيلم لمدينة روما. سبب ثالث يكمن في معالجة بتري للموضوع بأسره: خيالي- علمي من دون المؤثرات حتى مؤثرات تلك الفترة
في هذا النطاق لا يستخدم بتري أدوات مستقبلية معقّدة للدلالة على نوع الفيلم.  ليس هناك حاجة للمستقبل في هذا الفيلم. العالم عند بتري تحوّل الى حلبة على الطريقة الرومانية (وهناك مشهدان للدلالة على ذلك الأول لميدان أثري والثاني لعرض ترفيهي تتم فيه مبارزة بين متبارزين بأسلحة القرون الميلادية الأولى كما كان دارجاً)٠
الناحية اللافتة أنه يستند إلى فكرة برمجة القتل مصوّراً، قبل خمسة عشر سنة من قيام الفرنسي برتران
Death Watch  ترفنييه بتحقيق فيلمه المماثل (من دون مرح) مراقبة موت
  كذلك هو قبل سبعة عشر سنة من فيلم الأميركي بول مايكل غلازر »الراكض
The  Running Man كذلك هو قبل سبعة عشر سنة من فيلم الأميركي بول مايكل غلازر الراكض
وقبل عشر سنوات او يزيد على عدد آخر من الأفلام المشابهة مثل
Death Race (1975) و Rollerball (75)
الكوميديا مُعالجة بجدّية. هذا لا يجعلها أقل إضحاكاً بل هي سبب للإمعان في رسالة الفيلم  الإجتماعية. فإليو بتري ينتقد ما سيؤول إليه المجتمع الغربي كما حاضره أيضاً. وهناك مشاهد  كوميدية مختلفة لغايات مختلفة. ها هو مارشيللو يقف على شاطيء البحر عند الغروب يخطب في مجموعة تعبد الشمس. ترقبه كارولين يصعد المنصّة ويخطب في الحاضرين ثم يبدأ عدّاً تنازلياً أراده مصاحباً لغياب الشمس في لحظاتها الأخيرة: عشرة ... تسعة ... ثمانية ... حين يصل الى نهاية العد يقول: إثنان ... واحد. على الفور قطع سريع لرجل من خارج تلك المجموعة يضم شفتيه  حول طرف لسانه ويصدر صوتاً بمعنى »طز« ولا تستطيع هنا الا أن تضحك للتأثير الفوري. لاحقاً يدور هذا الحديث بين مارشيللو وكارولين
هي: لقد شاهدتك تبكي (خلال الخطاب)٠
هو: طبعاً، لقد تناولت حبّتي بكاء . يدوم تأثيرهما لربع ساعة
هي: الا تصدّق ما كنت تقوله؟
هو: يجب أن أصدّق. أحصل على عشرين بالمئة من الأرباح٠
يأتي هذا المشهد في عداد لعبة القط والفأر بين الجانبين، لكن هناك الكثير من الحوارات الصالحة لأمثلة على براعة المخرج توظيف الحوار لكشف مواقف او أفكار٠


ـــــــ مخرج وفيلم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ميلوش فورمان في «أماديوس« .... نثر السخرية على شخصياته ومجتمعها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


AMADEUS ****
Milos Forman  إخراج:  ميلوش فورمان
بطولة : ف. موراي ابراهام (أنطونيو سالييري)، توم هولس (موتزارت)، اليزابث باريدج، سيمون كالو
سيرة ذاتية عن فصول في حياة موتزارت - الولايات المتحدة
(1984 )٠
Review # 183
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أول ما يلفت النظر في هذا العمل، عدا النواحي الجمالية التي أدارها فورمان وفريق عمله بنجاح، حقيقة أن الفيلم لا يعتمد سرداً تقليدياً لحياة الموسيقار وولفغانغ أماديوس موتزارت (1756 ـ 1791)، بل سريعاً ما يدور حول جانب معين من حياته هو ثرائه وموهبته ووفرة إنتاجه وكيف جر عليه ذلك حقد موسيقار آخر هو أنطونيو سالييري ومحاربته له. هذا التخصيص يعمل لصالح الفيلم وليس ضده. ذلك أن السيناريو الذي كتبه بيتر شافر عن مسرحيته، يضعنا مباشرة، من بعد التمهيد الذي نرى فيه سالييري عجوزاً مريضاً في أحد المصحات يعترف لصحافي (على نحو «رجل صغير كبير» لآرثر بن)، في «فلاش باك» تنتقل من 1823 ـ تاريخ إقدام سالييري على محاولة الانتحار ثم نقله إلى المستشفى كما نرى في أول الفيلم ـ إلى 1781 عندما وصل الشاب موتزارت إلى فيينا بعدما سبقته شهرته المدوية. اللقاء الأول بينه وبين سالييري لم يكن ودياً، والذي ساد علاقاتهما لاحقاً كان أكثر من سيء. سالييري، كما يقول التاريخ والفيلم، تأذى من اهتمام البلاط والكنيسة بهذا الموسيقار الجديد وسعى دوماً إلى عرقلة أعماله وانتشاره وحاربه بكل طاقته مسبباً له مشاكل متعددة منها المرض والفقر ثم الانحدار إلى مستوى التأليف المسرحيات الموسيقية الشعبية اللاهية حتى يؤمن قوته٠
لكن بين طيات تلك الحرب التي خاضها سالييري، يعمد الفيلم إلى التأكيد على أن سالييري كان أكثر الملمين والعارفين بقيمة موهبة موتزارت. لكن في حين أن مسرحية بيتر شافر تذهب إلى حد قيام موتزارت علانية باتهام سالييري بتسميمه، تجاوز الفيلم هذا الاتهام مكتفياً بكل تلك الشحنات من الكراهية والحسد التي أولاها أحدهما للآخر. «أماديوس» ينجح في منهجه هذا خاصة وأن سالييري يعترف بقيمة موتزارت ولو أنه لاشخص الذي كان من الممكن له أن ينكرها. وهذا الاعتراف غير مباشر إلا في الفصل التمهيدي عندنا يبدأ سالييري برواية ذكرياته عن غريمه، وفي المشاهد الأخيرة من الفيلم. لكن إلى ذلك يضاف أن سالييري في نهاية الفيلم يعلن أن «إرادة الله قد أعطته عمراً يرى فيه موسيقى موتزارت وهي تكتسح موسيقاه» وهذا حقيقي إذا ما نظر المرء إلى شهرة كل منهما غير المتساوية عبر الأجيال٠

ما يدفعه الفيلم لقاء كونه جانباً من حياة موتزارت وليس سرداً لكل حياته هو ثمن مرتفع. شافر يميل إلى تلك المنهجية التي تحاول إدخال تفسيرات خاصة أو مدلولات لا ندري مدى صحتها في نطاق الفيلم محاولاً الخروج بدراسة أو بععد، مثل علاقة موتزارت بواله التي حاول الفيلم إعطائها بعداً نفسياً. كذلك قيام الفيلم بتسجيل اعترافات سالييري في مصح يمنح الفيلم في البداية مظهراً كوميدياً يطيح بجدية المشاهد اللاحقة (الأولى من «الفلاش باك») هذا إلى جانب أن الرغبة في تحقيق نجاح تجاري (وقد حدث) دفع فورمان إلى الكثير من الشكلية في الحركات وإلى الاتكال بثقل على التصميمات والأزياء والحركة المسرحية. أداء هولس وابراهام متكافئ وأحياناً مذهل في دقته يساعد الفيلم على الانضواء تحت راية فنية جامعة. إن هذا التناقض ما بين العناصر (الشكل على حساب ثقل الموضوع، تغييب الواقع على حساب الاهتمام بتأليف وقائع أخرى، خلق اهتمام محصور بالحسد والعواطف الأخرى مقابل التفسير الذاتي، الخ...) يتركنا في النهاية أمام فيلم تتلخص فيه كل هذه التناقضات في حالة واحدة: ألفة ورواح العمل مقابل تخليه عن الدراسة الأكاديمية. إنه ليس اختياراً سيئاً بحد ذاته، لكنه ليس كذلك بالشافي والوافي في نهاية الأمر٠

  أحد أهم ملامح أفلام ميلوش فورمان هذا القدر من السخرية التي ينثرها على شخصياته ومن خلالها على المجتمع بأسره. أفلامه التشيكية (من 1955 ككاتب سيناريو) وأفلامه الأميركية (من 1970 بفيلم
(Taking Off
عكست هذا الجنوح نحو السخرية. لكن أفلام فورمان قد تضع أصابعها على حالات أو عيوب، إنما لا تذهب إلى أكثر من ذلك، وبعد سنوات من حريته خارج أوروبا الشرقية يحق للمرء التساؤل عما إذا ما كانت الهالة التي نالها حتى اليوم مغالى في أمرها. «أماديوس» منح ف. موراي أبراهام أوسكاراً، كذلك فعل
One Flew Over the Cuckoo's Nest  أحدهم طار فوق عش المجانين
بالنسبة لممثله الأول جاك نيكولسون، ومخرجه وبطلته لويز فلتشر. أفلام أخرى. هذان الفيلمان وردا خلال فترة هي الأفضل إبداعياً بالنسبة لميلوش وسواه. ومع أنه لا يزال يحقق الأفلام الى اليوم، الا أن أحداً قلّما يكترث للبحث عنها، بما في ذلك مهرجانات السينما التي ربما تنظر بعيداً عن عمد٠

ـــــــ استعادة  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ZODIAC ****
 حكايات عن أبطال من  قاع المدينة
مارك روفالو
المخرج ديفيد فينشر يُدير ممثليه

David Fincher  إخراج: ديفيد فينشر
بطولة:  جايك جيلنهال، مارك روفالو، انطوني إدواردز، روبرت داوني جونيور، برايان كوكس٠
دراما [عن أحداث واقعية]. |الولايات المتحدة- 2007
Review # 184
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

‮»‬زودياك‮« ‬هو عبارة عن بحث في‮ ‬قضية بقيت‮ ‬غامضة الى اليوم‮: ‬من هي‮ ‬هوية ذلك القاتل المتسلسل الذي‮ ‬روّع مدينة سان فرانسيسكو في‮ ‬أواخر الستينات وحتى مطلع السبعينات فقتل عدّة ضحايا‮ ‬غير مترابطين بهدف او معرفة وعلى نحو شبه طائش ثم أختفى بعدما كتب عن نفسه وعن جرائمه لصحيفة‮ »‬سان فرانسيسكو كرونيكل‮« ‬وسمّى نفسه بـ‮ »‬زودياك‮« ‬ثم أختفى؟
قبل هذا الفيلم الذي‮ ‬يؤم تمثيله روبرت داوني‮ ‬جونيور ومارك روفالو وجيك جيلنهال،‮ ‬كانت هناك أفلاماً‮ ‬أخرى حول ذات الموضوع،‮ ‬لكن فيلم فينشر أكثرها فنيّة‮. ‬ومن الموضوع استوحى فيلم‮ »‬ديرتي‮ ‬هاري‮« ‬موضوعه،‮ ‬ومن شخصية التحرّي‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يكل،‮ ‬إستخدم فيلم‮ »‬بوليت‮« ‬شخصيّته‮. ‬لكن زودياك بقي‮ ‬الشخص اللغز بعدما توقّف فجأة عن ارتكاب جرائمه ليثير عاصفة من الاسئلة‮:‬
هل توقف بمحض إختياره؟
هل ألقي‮ ‬القبض عليه لتهمة بعيدة عن القتل ودخل السجن؟
هل لا‮ ‬يزال حيّاً؟
أم هل انتقل الى‮ »‬العمل السري‮« ‬بعدما سعى لسنوات للحديث عن نفسه وجرائمه علناً‮.‬

                    ‮||‬*‮||‬‮ ‬خطايا‮ ‬‮||‬*‮||‬‮ ‬
من المشهد الأول‮ ‬يعيدنا المخرج فينش الى مطلع السبعينات عن طريق أغنية من تلك الفترة،‮ ‬لكن الأمر‮ ‬يتطلّب بالطبع أكثر من أغنية‮. ‬هناك كل شيء آخر من تصميم الملابس الى تصميم المناظر ومن العناية بالسلوك العام وكيف كان المرء‮ ‬يتصرّف وماذا كان‮ ‬يقول وكيف الى الأجواء والديكورات‮. ‬لكن في‮ ‬الصميم طبعاً‮ ‬هناك طريقة الإخراج‮: ‬من‮ ‬ينتظر من ديفيد فينشر تخويفه على النحو الذي‮ ‬فعله في‮ ‬فيلمه المشهور الأول‮ »‬سبعة‮« ‬عليه أن‮ ‬ينزع هذه الفكرة عن باله إذا ما اختار مشاهدة هذا الفيلم‮: ‬عوض الصدمات هناك المشاهد التي‮ ‬تُقرأ فنياً‮ ‬وموضوعياً‮. ‬عوض المطاردات الكبيرة،‮ ‬هناك الصياغة الهادئة‮. ‬العنف بلا عنف والتشويق بلا إثارة‮.‬
عوض البطل الطائر في‮ ‬الأجواء،‮ ‬هناك البطل المنتمي‮ ‬الى قاع المدينة‮. »‬زودياك‮« ‬كما كان‮ »‬سبعة‮« ‬من قبله عن التحرّي‮ ‬الآتي‮ ‬مما كان‮ ‬يُعرف آنذاك بـ‮ »‬الطبقة العاملة‮«. ‬وفي‮ ‬صلب الملاحظات المصوّرة في‮ ‬فيلميه سؤال حول تلاشي‮ ‬البؤر الضوئية من العالم وظلمة الآمال بدل بصيصها الصغير‮.‬
أنت مع العائلة في‮ »‬سبعة‮«: ‬مورغان فريمان تحرٍ‮  ‬آيل الى التقاعد‮ ‬يعيش منفرداً‮ ‬في‮ ‬شقّة صغيرة كئيبة تعكس عالمه الصغير‮. ‬في‮ ‬العالم الكبير حوله ذات الكآبة‮. ‬بعضها معكوس بشقّة صغيرة أخرى بقطنها زميله الشاب براد بت مع زوجته‮. ‬كلّما مر قطار بالقرب من المكان اهتز البيت هزّاً‮. ‬الجرائم التي‮ ‬يرتكبها القاتل المتسلسل في‮ ‬ذلك الفيلم هي‮ ‬أيضاً‮ ‬ذات رسالة عن العائلة او فقدانها‮: ‬يريد ارتكاب سبع جرائم كل منها منتمٍ‮ ‬الى واحدة من الخطايا السبع كما وردت أنجيلياً‮. ‬هدفه التذكير بأننا نعيش عالماً‮ ‬من الخطايا من الأكل بلا شبع الى الطمع الى الشهوة وسواها‮. ‬حين‮ ‬يُلقى القبض عليه‮ (‬كما أدّاه كَڤن سبايسي‮) ‬يقول للتحريين‮: »‬أنطرا حولكما‮... ‬عند كل زاوية طريق هناك خطيئة تُرتكب‮«.‬

                    ‮||‬*‮||‬‮ ‬من دون دعايات‮ ‬‮||‬*‮||‬‮ ‬
العائلة أيضاً‮ ‬في‮ »‬غرفة الفزع‮«: ‬تلك العلاقة الحميمة بين الأم‮ (‬جودي‮ ‬فوستر‮) ‬وإبنتها‮ (‬كرستن ستيوارت‮) ‬تتبع إنفصال الأم عن الزوج‮. ‬ومداهمة البيت الذي‮ ‬ظنّته الأم ممتنعاً‮ ‬عن المداهمة،‮ ‬ثم الغرفة الصغيرة المحصّنة التي‮ ‬أعتقدت أنها الملاذ الآمن هي‮ ‬خروقات الوضع الذي‮ ‬آل إليه المجتمع للعائلة والخطر الذي‮ ‬يتمثّل في‮ ‬الرجل القوي‮ ‬على المرأة الضعيفة‮ (‬الا من ذكائها كما في‮ ‬الفيلم‮).‬
‮»‬زودياك‮« ‬هو أيضاً‮ ‬عن المسألة العائلية‮. ‬لجانب أن التحرّي‮ ‬هو أيضاً‮ »‬طبقة عاملة‮« ‬فإن الكرتوني‮ ‬الذي‮ ‬يؤديه جيك جيلنهال هو معبّر آخر عن وضع عائلي‮. ‬ومع أن الصحافي‮ ‬الذي‮ ‬يمثّله روبرت داوني‮ ‬جونيور ليس متزوّجاً،‮ ‬لكن الثلاثة هم ضحايا الجريمة التي‮ ‬تُمارس على المجتمع والأبرياء ورغبة كل منهم البدء بالعالم لتغييره قبل أن‮ ‬يغيّر نفسه‮. ‬ربما القول بأن على المرء أن‮ ‬يُغيّر وضعه كشرط لكي‮ ‬يتغيّر العالم بأسره ما عاد كافياً‮ ‬لإحداث أي‮ ‬تغيير‮. ‬انظر البيئة الطبيعية التي‮ ‬نعيش‮. ‬هل صار كافياً‮ ‬اليوم أن تستبدل السيارة بالدراجة حفاظاً‮ ‬على البيئة لكي‮ ‬تنقذ البيئة؟‮ ‬
الأمر الآخر الملاحظ في‮ »‬زودياك‮« ‬هو التالي‮:‬
هذا فيلم خال من الفبركة البصرية‮. ‬لا أقصد فقط تقنيات الكومبيوتر،‮ ‬بل أساساً‮ ‬أي‮ ‬منحى‮ ‬يذكّرك بأن المخرج‮ ‬يجد لزاما عليه إستخدام الخمسين مليون دولار لصنع الفيلم لكي‮ ‬يسرق البصر ويخطف النظر ببعض الألاعيب السريعة‮. ‬ما تراه على الشاشة في‮ ‬أفلامه هو الحياة‮. ‬الجدار المتآكل والمليء رسوماً‮ ‬وكتابات في‮ »‬سبعة‮« ‬و»نادي‮ ‬القتال‮« (‬مع براد بت أيضاً‮) ‬هو قراءة في‮ ‬العالم الذي‮ ‬رصف تلك الرسومات‮. ‬إنه كما لو كان التعليق المبتسر عن حال العالم‮. ‬لا داعي،‮ ‬وهذا درس لنا جميعاً،‮ ‬لإدخال نصف حبكة او حشر شخصية تتحدّث عما آل إليه حال العالم‮. ‬هذا هو حال العالم في‮ »‬خربشات‮« ‬جدارية‮. ‬الإضاءة الخافتة في‮ ‬الشقق الوضيعة‮. ‬الكلام الذي‮ ‬يتبادله الناس‮. ‬الغبار،‮ ‬الروائح،‮ ‬المشاغل التي‮ ‬في‮ ‬البال،‮ ‬كلها تقول أشياءاً‮ ‬من دون دعايات‮.‬
هذا جدير بالإهتمام لأن فينشر خرّيج مصنع‮ »‬أندستريال لايت أند ماجيك‮« ‬الذي‮ ‬أسسه المخرج جورج لوكاس‮ (»‬حرب النجوم‮«) ‬وكان‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يذهب بفكره الى الإشتراك في‮ ‬تفضيل التقنيات البصرية على الجوهر،‮ ‬لكنه لم‮ ‬يفعل‮. ‬اشتغل في‮ ‬الإعلانات لكنه حين عمد الى إخراج الأفلام الروائية استبعد تماماً‮ ‬إمكانية استخدام اللقطة الخاطفة‮. ‬الوهج‮. ‬السرعة وكل ما‮ ‬يأتي‮ ‬عادة مع مثل هذا النوع من التفيلم



                    ‮||‬*‮||‬‮ ‬أيديولوجية‮ ‬‮||‬*‮||‬‮ ‬ 
فيلم ديفيد فينشر الكبير الأول كان‮ »‬غريب ‮٣« ‬وفيه دخل صراعاً‮ ‬كبيراً‮ ‬مع الشركة المموّلة التي‮ ‬رفضت نسخته الأولى من السيناريو على أساس أنها داكنة‮. ‬عبثاً‮ ‬حاول فينشر إقناع فوكس بأن السلسلة الخيالية العلمية هي‮ ‬في‮ ‬الأصل داكنة،‮ ‬لكن الشركة قالت له أن هذه الحقيقة هي‮ ‬ذاتها السبب التي‮ ‬تدعوها للإصرار على موقفها‮. ‬النتيجة فيلم جيّد في‮ ‬عدة نواحي‮ ‬لكنه ليس جيّداً‮ ‬بالمطلق فلقد احتوى على أجواء جيّدة تنقذ الفيلم من الهبوط‮. ‬تصميم المناظر خاصّة جداً‮. ‬تبقى عالقة في‮ ‬البال وتمنح الفيلم جواً‮ ‬سوداوياً‮ ‬والكاميرا تتفحّص المكان‮. ‬وحين تقع المفاجأة فيخرج الوحش الفضائي‮ ‬ليبتلع أحد البشر فإن المداهمة قويّة وناجحة‮.‬
واصل فينشر منحاه في‮ »‬سبعة‮« ‬كما تقدّم‮. ‬صنع‮ »‬الفيلم نوار‮« ‬الذي‮ ‬يريد‮. ‬غامق‮. ‬داكن في‮ ‬المكان وفي‮ ‬الشخصية وفي‮ ‬العالم بأسره‮. »‬سبعة‮« ‬وراء ذلك القناع كفيلم تشويقي‮ ‬فيه لحظات رعب كثيرة‮ (‬كما‮ »‬غريب ‮٣«) ‬هو أيضاً‮ ‬فيلم‮ ‬يعبّر عن أيديولوجية‮ ‬يصفها المخرج نفسه بـ‮ »‬التقدّمية‮« ‬وتنص على رفض الواقع وتصر على تحليل العنف بحثاً‮ ‬عن عالم أفضل ربما تأخر الإنسان الحالي‮ ‬في‮ ‬توفير شروطه‮.‬
هذه‮ »‬الأيديولوجية‮« ‬متوفّرة في‮ »‬نادي‮ ‬القتال‮« (٩٩٩١). ‬إنه أيضاً‮ ‬عن عالم داكن وصفحات نفسية منطوية تحاول سبر‮ ‬غور حياتها الضيّقة بالعنف‮. ‬أفلام فينشر معادية للعنف ولا‮ ‬يهم كيف‮. ‬معادية للعنف كما كانت أفلام سام بكنباه التي‮ ‬كانت أحياناً‮ ‬ما تبدو سادية من كثرة عنفها‮. ‬لكن باكنباه كان‮ ‬يوظّف العنف ليقول أشياءاً‮ ‬من نوع‮: »‬هذا هو العالم الذي‮ ‬نعيش فيه وهو عالم مكروه‮«.‬
ما بين‮ »‬سبعة‮« ‬و»نادي‮ ‬القتال‮« ‬كان هناك فيلم ثالث هو‮ »‬اللعبة‮« (٧٩٩١) ‬وهو تشويقي‮ ‬أيضاً‮ ‬أدّى فيه مايكل دوغلاس شخصية رجل ورث الثروة لكن ذلك لم‮ ‬يمنحه الطمأنينة‮. ‬والده مات منتحراً‮ ‬والبطل لا‮ ‬يزال تحت الصدمة‮ ‬يحاول أن‮ ‬يفهم ما‮ ‬يدور‮. ‬حين‮ ‬يبلغ‮ ‬عمره أربعين سنة،‮ ‬يتم إهداءه لعبة حياة‮. ‬يقول له شقيقه‮ (‬شون بن‮) ‬أن هذه اللعبة ستجعله قادراً‮ ‬على نسيان همومه‮. ‬فجأة هو عالق في‮ ‬لعبة خطرة وواقعية لا‮ ‬يفهم شروطها‮. ‬واختيار فينشر لإبقاء شروطها خفية‮ ‬يجعلنا نحن أيضاً‮ ‬شركاء فيها‮. ‬بالضرورة،‮ »‬اللعبة‮« ‬من أمهر الأفلام التشويقية منذ خروجه والى اليوم‮.‬
‮»‬غرفة الفزع‮« ‬ورد بعد‮ »‬نادي‮ ‬القتال‮« ‬واحتوى على توضيبة تشويقية خاصّة‮. ‬إنه،‮ ‬قبل كل شيء،‮ ‬الدليل أن فينشر‮ ‬يستخدم نوع السينما التشويقية ليقول أشياءاً‮ ‬عن الحياة التي‮ ‬نعيشها‮. ‬وكما سبق القول،‮ ‬واحد من هذه الأشياد هو المستوى الممارس من العلاقات العائلية‮. ‬المرأة كضحية والرجل كمعتدي‮ ‬والزوج الغائب تاركاً‮ ‬المرأة وحدها في‮ ‬معركة لا تستطيع أن تيستخدم فيها سلاحاً‮ ‬حقيقياً‮.‬
أبطال فينشر‮ ‬يأتون من أكثر من مكان‮. ‬إقتصادياً‮ ‬هم مرتاحون او فقراء‮. ‬المرتاحون‮ ‬يعتقدون دوماً‮ ‬أنهم في‮ ‬أمان‮. ‬الفقراء‮ ‬يفتقدون الأمان ويعلمون ذلك‮. ‬في‮ »‬زودياك‮« ‬مثلاً‮ ‬نجد أن بعض الشخصيات لا تود الإنخراط أكثر مما فعلت خوفاً‮ ‬من أن تخسر موقعها الأخير في‮ ‬الحياة‮. ‬وأحدهم‮ (‬الصحافي‮ ‬روبرت داوني‮) ‬يفضّل أن‮ ‬يستقبل من الصحيفة وينزوي‮ ‬في‮ ‬مكان بعيد على أن‮ ‬يبقى قريباً‮ ‬من نار قد تحرقه‮. ‬وهي‮ ‬تحرق من بقي‮ ‬باحثاً‮ ‬عن الحقيقة وتحديداً‮ ‬التحري‮ ‬غرايسميث‮ (‬ماركروفالو‮) ‬والرسام الكرتوني‮ (‬جيك جيلنهال‮). ‬لكن كل ذلك على نحو‮ ‬غير مباشر‮. ‬في‮ ‬أفلام هذا المخرج لا ضرورة للمباشرة بل الضرورة هي‮ ‬لإتمام عملية تشريح حالة ومن ورائها تشريح الإنسان‮.‬


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Issue 77 | The Social Network, Secretariat, Four Friends, Target

FLASHBACK

All The President's Men (1976) ****
كل رجال الرئيس
بعد فضيحة ووترغيت، قام المخرج الأميركي ألان ج. باكولا بتحقيق هذا الفيلم عن التسربيات المعلوماتية التي أدّت للفضيحة (ومن ثم لاستقالة الرئيس رتشارد نيكسون). على الرغم من معرفة المشاهد بنهاية الفيلم كونها مستمدّة من أحداث حقيقية ومشهودة، الا أن المخرج حوّل ما بدا مستحيلاً الى تشويق فعلي على طول الخط. تشعر بحراجة الموقف. بفساد الأزمنة وبذلك التناقض بين حياة الصحافي الذي يعمل لخدمة الحقيقة والإدارة التي تعمل لإخمادها. تصوير غوردون ويليس، أحد أفضل أترابه في ذلك الحين. وبطولة روبرت ردفورد ودستين هوفمان٠


أفلام معروضة حاليا
ُُThe  Social Network **** | شبكة اجتماعية
 Review n. 176
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
David Fincher إخراج: ديفيد فينشر
تمثيل: جيسي ايزنبرغ، روني مارا، برايان بارتر، أرمي هامر
سيناريو: ارون سوركين [بوحي من كتاب بن مزريتش]. تصوير: جف كروننوَذ [ألوان- دجيتال]. توليف: كيرك باكستر، أنغوس وول ٠ (121 دقيقة). موسيقا: ترنت رزنور، أتيكوس روس. المنتج: دانا برونيتي، شيان شافن، مايكل دي لوكا، سكوت رودين ٠
PRODUCTION: ٍRelativity Media/ Scott Rodin Prods/ Columbia [USA- 2010]

دراما اجتماعية [سيرة شخصية حقيقية] | الفيلم الجديد لفينشر ضد حياتنا الغارقة في التكنولوجيا والفايسبوك. هذا وحده كفيل بجعله من أفضل أفلام العام، لكن فينشر لا يتوقّف عند هذا الحد


أي مارك زوكربيرغ صنع «فايسبوك»؟ زوكربيرغ الذي المرفوض من المرأة؟ زوكربيرغ العبقري؟ زوكربيرغ الخائن لأصدقائه؟ أم زوكربيرغ ذو الروح المغلقة؟
أول وصف له يأتي في مشهد رائع في مقدّمة فيلم ديفيد فينشر الجديد »الشبكة الإجتماعية« عندما تقول له الفتاة التي كان يصادقها: "أسمع سوف تصبح شهيراً وثرياً، لكنك ستمضي في هذه الغاية معتقداً أن الفتيات لسن معجبات بك لأنهن يعتقدن أنك فريد. وأريد أن أخبرك من أعماق قلبي أن هذا ليس صحيحاً. الصحيح هو أنك أحمق"٠
رائع ليس بسبب هذا الوصف، على أهمّيته، بل لأن المخرج فينشر، صاحب «زودياك» و«قضية بنجامين بوتون الغامضة«، بل لأنه يبدأ مع بداية اللحظة الأولى للصورة كما لو أننا في منتصف الفيلم وليس في مطلعه، ولأن المتحاورين مارك زوكربيرغ (جيسي أيزنبرغ) والفتاة إريكا (روني مارا) يجيدان توجيه الكلمات كطلقات رشاش ناري. حوار طويل. محدد الكلمات. سريع الوقع والإيقاع على عكس آخر الكلمات التي تُقال في الفيلم ولو أنها تؤدي المعنى التي في الكلمات الأولي، حين تخبره محامية شابّة: "إنك لست إنساناً عاطلاً، فقط تحاول جهدك أن تبدو أحمق"٠
والكاميرا تنتهي بالإنغلاق على مارك هذا وهو جالس وحده في غرفة نصف مضيئة وأمامه الكومبيوتر. روح معزولة فوق جزيرتها رغم كل المعطيات التي كان يمكن أن تخلق منه إنساناً إجتماعياً داخل او خارج الشبكة الإجتماعية التي ابتدعها ٠
هذا الأحمق هو الذي ابتدع الفايسبوك .... ذلك المحيط الصاخب بنحو خمسمئة مليون مشترك عبر القارات حول العالم. المجتمع الذي لا يمكن الوثوق بما يرد به ورغم ذلك أصبح المنبر بين الناس والملجأ لجيل ترك التكنولوجيا تنتصر عليه وتستعبده عوض أن تكون مطواعة له. وهو أصغر ثري في العالم إذ تُقدّر ثروته بخمس وعشرون بليون دولار وهو لا يزال دون الثلاثين من العمر- لكن كيف استطاع زوكربيرغ الوصول الى هذا النجاح هو أمر آخر. في عالم مادي بحت كالذي نعيش فيه، فإن القليلين يكترثون. انتقل الى عالم من الحقيقة والفن كما الحال في فيلم ديفيد فينشر الجديد، لترى أن المسألة تستحق النظر، وبالتأكيد تستحق الفيلم٠

صنعه حلم
الفيلم من سيناريو وحوار شخص بارع أسمه آرون سوركين، ومأخوذ عن كتاب وضعه بن مزريش مستقى من حقائق ومعلومات حول مارك زوكربيرغ وبعض معلوماته وفّرها له صديق مارك في جامعة هارفارد إدواردو سافيرين. السيناريو يتبلور سريعاً حول شخصية زوكربيرغ من دون الوقوع في أسرها ومع الإبتعاد كلّياً عن الوله بها وبنجاحها. هذا ليس فيلماً عن كيف تصنع الحلم الأميركي وتعيش سعيداً الى الأبد، بل عن كيف يصنعك الحلم الأميركي من دون أن يُغيّرك تماماً. يجعلك أكثر ثراءاً لكنه لن يبدّل ما فيك من خصال سواء أكانت حميدة او ذميمة
بعد انصراف إريكا غاضبة نرى زوكربيرغ جالس مع بعض زملاء الجامعة يستمع الى فكرة يتداولها الأخوين وينكلوفس (يقوم بهما معاً وبفضل التكنولوجيا أرمي هامر) وصديق لهما حول القيام بإنجاز محطة إلكترونية على الإنترنت تكون بمثابة مكان تواصل بين الطلاّب الباحثين عن علاقات عاطفية، كل مع الجنس الآخر، من دون اعتماد أسلوب التعارف المعتاد وما يحمله من احتمالات صد وعزوف. زوكربيرغ يعود الى غرفته ويطلع صديقه إدواردو على الفكرة معترفاً بأنه سمعها من الأخوين وينكلوفس ويطلب منه أن يساعده لتحقيقها. هو سيهتم بالجانب التقني وعلى إدواردو تأمين ألف دولار لولادة المشروع. حال إنجاز هذه الخطوة التي تبدو من موقعنا اليوم بسيطة للغاية، يكتشف زوكربيرغ نجاحها السريع بين طلاب الجامعة إذ أخذ يؤمّها عشرات ثم مئات ما استدعاه لتوسيع رقعتها لتشمل جامعات أخرى. هنا أفاق الأخوين وينكلوفس وصديقهما على فعلة زوكربيرغ واعتبروها سرقة. ومن هنا هي معركة بين الطرفين يتحوّل فيها زوكربيرغ الى فاعل وأصحاب الفكرة الأساسيين الى منتقدين
لكن زوكربيرغ شخصية معقّدة. مثل الفايسبوك الذي أسّسه قد يكون قريباً منك إذا ما كان بحاجة إليك، او بقدر حاجتك أنت إليه، وبعيد عنك لأنه أشبح بشبح لا حضوراً فعلياً له. ومثله أيضاً، يمتلك شخصية منعزلة وغير معزولة. من يدمن الفايسبوك يخبرك بأنه في لحظة يصبح على اتصال مع من يريد، لكنه يبقى نقطة في محيط ونقطة منفردة ليست واثقة من ذلك المحيط. على عكس الصداقات الإنسانية في زمن مضى، فإن العلاقة هنا سطحية واهية وسلعية ورغم ذلك هي من الإنتشار كأي ثورة اجتماعية٠
زوكربيرغ، حسب الفيلم، أسس لأسلوب تواصل بينما تخلو حياته من كل قدرة على التواصل. الرابط الوحيد بينه وبين الآخرين هو كم سيستفيد من وجودهم في مسار حياته. لذلك، وحين بدا له أن إدواردو لن يقدر على الإنتقال بهذا المشروع من موقعه الإجتماعي الى نشاط تجاري مركّز ومتطوّر، يسعى لإدخال سواه في اللعبة مستغنياً لا عن خدماته وأمواله المحدودة فقط، بل عن صداقته أيضاً. شركاء زوكربيرغ الجدد هم رجال أعمال يشاركونه الرغبة في الإرتقاء وهم الذين ساعدوه -كل حسب حصّة من الكعكة- للوصول الى النجاح الذي حققه٠

صورة إمرأة
هذا الإنقلاب على إدورادو حدث حين تعرّف على شون باركر (جوستين تمبرلايك)، رجل أعمال شاب يعرف كيف ينتهز الفرص ويتسلّق السلالم سريعاً. حين التقي زوكربيرغ به في مطعم نيويوركي أدرك أنه هو المرحلة الجديدة التي يبحث عنها. إدواردو، الذي كان يصاحبه مع صديقته، لم يعجبه شون وشون أدرك ذلك لكنه لم يكترث لمجابهة يعلم أنها ستقع لاحقاً حين يصبح ذا شأن أقوى في المؤسسة النامية. في ذلك المشهد هناك حركة واحدة تنبؤ بشخصية إدواردو غير الواثقة. بطيبة قلبه وبكونه الأكثر عرضة للأذى بسبب ذلك: شون ينظر الى صديقة إدواردو ويقول شيئاً قُصد به أن يكون لمّاحاً لمهارته. إدواردو يسارع لوضع يده وراء كتف صديقته لكي يخبر شون بأنها ملكه. بضم تلك الحركة الى خلو قلب زوكربيرغ من الحب وفشله في ايجاد الشريك الأنثوي العاطفي المناسب، يكون فينشر قدّم لنا مجتمعاً ذكورياً جديداً لا يختلف الا قليلاً عن المجتمع الذكوري التقليدي السابق الذي كان يسقط الجانب الإنساني من العلاقة مع المرأة من الإعتبار. إنها (المرأة) متعة. فهمها هو اكسسوار حياتي لا قيمة له. الفتيات اللواتي حول زوكربيرغ وشون و-الى حد- حول إدواردو، يأتين ويذهبن لأن هذه هي الطريقة المثلى لمعاملتهن٠
لكن الفيلم يقدّم صورة أخرى. هناك فتيات لا يدخلن ضمن هذا الوصف. يرفضن أن يظهرن في هذه الصورة، من بينهن إريكا ومن بينهن المحامية (مطلع الفيلم ونهايته). لكن هذا الطرح لا يستولي على الفيلم أيضاً. زوكربيرغ ومنوال حياته وانغلاقه على مصالحه الماديّة ونبذه للآخر وتعاليه هو ما تتألّف منه الصورة. والمخرج يحسن الإنتقال بين الحكاية الماثلة وبين النهاية المجسّدة. فما هو معروف أمامنا قصّة تقع على نحو مزدوج: نحو في غرفة اجتماعات لمؤسسة محاماة يجلس فيها زوكربيرغ ومحاميه في ناحية، وإدواردو ومحاميّته ومجموعة الأخوين وينكلوفوس ومحاميهم من ناحية أخرى. عبر ما يجري في تلك الغرفة ننتقل الى مراحل من حياة زوكربيرغ . فالفريق الآخر لجأ للقضاء لكي يأخذ حقوقه وإذ يسرد كل فريق جزءاً من الأحداث، ينقلنا فينشر الى هذا الجزء في مشاهد مصاحبة. بذلك لا يمارس المخرج نقلاً فنيّاً بالغ الدقّة فنيّاً وروائياً فقط، بل يثري مادة فيلم كان من الصعب الإعتقاد بأن أحداً يستطيع صنع عمل ترفيهي مثير وعميق منه. وإذا ما كان البعض قال عن أن ستيفن سبيلبرغ أنه يستطيع تحويل دليل الهاتف الى فيلم مثير، فإن فينشر ينجز هذا بالفعل عبر »المحطة الإجتماعية«٠
إنه يذكّر بفيلم ألان ج. باكولا «كل رجال الرئيس« (1976) من حيث قيام الحوار والمشاهد المحبوسة بتسيير دفّة الفيلم في إثارة وتشويق فعّالين وفي الوقت ذاته التعليق على مرحلة من حياة البشر. هذه المرّة فإن البشر هم نحن الذين انتمينا الى عصر ربما كان من الأفضل لو أنه لم يقع٠

الفيلم مُحكم. من الصعب تصوّر طريقة أخرى لسرده كما من الصعب تصوّر ممثل آخر عدا جيسي أيزنبيرغ لإداء الشخصية الرئيسية، ليس لأنه يهودي كما زوكربيرغ، بل لأنه يعكس شخصيّته تلك على نحو ملائم. بشعره المجعّد ونظراته التي تحتار أين تقع حين تود أن تهرب، ثم بطريقته العدائية التي لا تقيم وزناً للشخص الآخر يجسّد ما هو قابل للتصديق لشخصية تنتمي الى السنوات العشر الأولى من هذا القرن. لكن فينشر يستثمر ذلك لأنه وإن كان يُدين أفعال زوكربيرغ الا أنه يرسم بعض الوجوه الإنسانية التي يحاول زوكربيرغ طمسها كما تخبره المحامية في نهاية الفيلم٠
من ناحية أخرى، الفيلم هو نظرة على عالم زوكربيرغ الصغير والضيّق. في الوقت ذاته هو عن اختراع لعالم واسع لا أفق معروف له. ما يحمله فينشر لهذا العالم هو قدر كبير من السخرية يبثّها انطلاقاً من فكرته الأولى: هذا الابتداع أحدث ثورة في الإتصالات، يستخدمه كل يوم عشرات الملايين من
البشر (سواي) وتتخذ منه بعض الحكومات -وربما عن حق- مثل سوريا وباكستان موقفاً معادياً. لكن كل هذا الشأن تم استنباطه في غرفة صغيرة من غرف الجامعة وفي عقل بضعة أفراد كانوا يبحثون عن طريقة سهلة للتعرّف على البنات. إذا ما كان هذا صحيحاً (والفيلم يقدّمه على هذا الأساس) فإن العصر الذي نعيشه لا يستحق أن يُذكر في كتب التاريخ بعد اليوم. إنه أمر مخيف!٠
ديفيد فينشر هنا يتبلور مجدّداً. الإيقاع سريع، رغم ذلك بعض المشاهد طويلة وتأخذ وقتها ومليئة بالحوار. لا تناقض بفضل ما يحتويه المشهد الواحد من مواقف تنفجر عاطفة وأبعاداً. فينشر لديه المعرفة الكاملة حول كيف يمكن أن يعالج موضوعه من دون خيانة السيناريو والتصرّف به على غير ما هو مقصود منه، وفي ذات الوقت سرده على نحو يجعلك متابعاً يقظاً ليس فقط لأنك لم تكن تعرف ما يورده الفيلم من معلومات، بل لأن هناك من العواطف في تلك الشخصيات ما يجعلها طاغية أيضاً٠

تقييم أفلام ديفيد فينشر السابقة
Alien 3 (1992) *** Se7en (1995) *** The Game (1997) *** Fight Club (1999) *** Panic Room (2002) *** Zodiac (2007) **** The Curious Case of Benjamin Button (2008) ****


SECRETATIAT **1/2 | سكرتاريَت
 Review n. 177
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Randal Wallace إخراج: راندال والاس
تمثيل: دايان لين، جون مالكوفيتش، ديلان وولش، ديلان بايكر
سيناريو: مايك ريتش [بوحي من كتاب بيل ناك]. تصوير: دين سملر [ألوان- 35 مم]. توليف: جون رايت (123 دقيقة). موسيقا: نك غليني- سميث. المنتج: غوردان غراي، مارك سياردي٠
PRODUCTION: Mayhem Pictures. DISTRIBUTOR: Walt Disney [USA- 2010].

دراما | الحصان يمثّل جيّداً في هذا الفيلم، لكن كذلك تفعل دايان لاين في دراما تحف بها التوقّعات على طول الخط


الفيلم الذي اختاره مهرجان أبوظبي السينمائي للإفتتاح قد يُناسب حبنا للجياد أكثر مما هو مناسب لمهرجان. ذلك أن الموضوع الذي يشغله شيء وقيمة الفيلم الفنية شيء آخر. والموضوع هنا هو -وبناءاً على قصّة حقيقية كالعادة- الحصان الذي فاز بالسباقات رغم التوقّعات والمصائب. في الحقيقة، هو، حسبما يروي العارفون، أشهر حصان في تاريخ السباقات الأميركية ما يذكّرني بما قيل حين تم إنتاج فيلم من هذا النوع سنة 2003 بعنوان «سيبسكت» من أن ذاك هو أشهر حصان في تاريخ السباقات الأميركية. أشهر، أو أقل شهرة، ليس مهمّاً كثيراً. المهم هو أن الموضوع الذي ذكرت أنه مناسب لأنه يعكس حبّنا للجياد عموماً لا يخلو بدوره من سلبيات وفي مقدّمتها أن الفيلم ليس لديه سوى الإقدام على الخوض في مفارقات نعلم الى أين تؤدي. الحصان الجميل سكرتاريات (في الحقيقة خمسة جياد لعبت الدور- واحد حين كان لا يزال صغيراً، الثاني للعدو والثالث لأنه يحمل وجها فوتوجونيك وإثنان للإحتياط) سيواجه التحديّات بشجاعة وقوّة وسيدخل المباريات مسجّلاً الفوز تلو الفوز وصولا الى الفوز الكبير سنة 1973
في ميدان تريبل هورن٠

أمام الحصان وبراعته وجماله تتحوّل الأدوار البشرية، تلك التي يقوم بها ممثلون يقفون على قائمتين فقط، الى شكليات. صحيح أن دايان لاين تضع في الدور ما تتميّز به من تلقائية والتزام، لكن الباقين حولها يتصرّفون كمن قرأ السيناريو جيّداً وفهم أنه لن يستطيع انتزاع البطولة من الفرس. ليس أنهم رديئون، بل يكتفون بتصريف الأعمال غالباً. دايان لاين ترث مزرعة أبيها (سكوت غلن) الذي بدأ يخرّف وهي مزرعة لتربية الجياد، وتنقذها من خطر السقوط في أيدي آخرين يريدون استغلال ضعف صاحبها وشرائها. هناك الكثير من العزف المنفرد على الكمان في هذه المرحلة ننتقل بعده الى تبعات قرارها. لقد أخذت على عاتقها ليس فقط الإحتفاظ بالمزرعة بل تغيير بيئتها المعيشية والإنتقال من المدينة الى الريف. ثم أن هناك تفاصيل كثيرة عليها مواجهتها في سبيل القيام بعملها الجديد. في هذه الحقبة تلد الفرس »سكرتاريت« وتحمل البهجة الى قلب بطلة الفيلم والمحيطين بها. بعد ذلك هو دور لوسيان (جون مالكوفيتش) لتدريب سكرتاريت والجوكي روني توركت لإقامة علاقة فارس بحصانه، وفي هذه يمر الفيلم في تفاصيل أخرى استعداداً لكسب الجولات التمهيدية ثم الجولة الكبيرة الواقعة في نهاية الفيلم٠
إنه فيلم مفعم بالجماليات وله قلب رقيق ورغبة في أن يمنح المشاهد فهماً جديداً للحصان وللعلاقة الكبيرة بين سكرتاريت وصاحبته. في هذا الموقف، هناك بضعة مشاهد تنظر فيها دايان لاين الى عيني الحصان كما لو كانت تتواصل معه بشيفرات بصرية. وهي مشاهد شغوفة وحسنة التوضيب لكنها لا تكفي لمنح الفيلم قيمة أعلى مما يصل إليها من البداية كفيلم جيّد عن قصّة حصان حقيقية. لا شيء أكثر من ذلك ولا شيء أصغر. منوال المخرج راندال والاس في العمل هو ترميمي في الغالب. يعرف كل المطلوب للوصول الى القلب وشغل العين ومعالجته هي من طينة المعالجات السينمائية في الستينات حيث المغامرة الكتابية كانت محدودة او ممنوعة في مثل هذه الأفلام. كل شيء عليه أن ينتمي الى النمط المبرمج٠
في أميركا ركض الفيلم نصف المسافة الى النجاح. حل ثالثاً ما يعكس أن المسألة لم تعد كما كانت عليه في الستينات. إما هذا او أن الجياد التي ظهرت في الأفلام المشابهة السابقة، مثل »كل الجياد الجميلة« و»سيبسكت« و»شامبيون« كانت ركضت المسافة وربحت السباق فجاء البطل الحقيقي سكرتاريت في المركز النهائي٠


وحيداً في الصالة
فيلمان لآرثر بن: عن الصداقة وعن العائلة

 Four Friends **** 
Arthur Penn إخراج: آرثر بن
تمثيل: كريغ ولسون، جوزدي ثيلين، مايكل هادلستون، جيم متزلر، ريد برني، زايد فريد، جوليا موراي
دراما اجتماعية | الولايات المتحدة - 1982
Georgia's Friends: عنوان آخر
Review n. 178


دراما اجتماعية | مسلسل اغتيالات القيادة الأميركية السياسية والإجتماعية في الستينات من جون كندي الي مارتن لوثر كينغ كانت في بال آرثر بن حين أخرج هذا الفيلم٠

من بعد خمس سنوات من الغياب عاد آرثر بن («بوني وكلايد»، «رجل صغير كبير») إلى السينما بفيلم هو أفضل الأفلام التي تنظر إلى الماضي القريب بحنان. أحد أسباب تميزه، وهناك عدد من تلك الأسباب، كون النظرة التي يكنّها بن إلى الماضي ليست عاطفية ومعالجته للأحداث ليست من باب نوستالجي بحت٠
أربعة أصدقاء» يدور حول مصير أربعة أفراد تنتقل أحوالهم من وضع إلى آخر أو تنتهي مستقرة من خلال ذكريات أحدهم. هذا الواحد قد يكون تشخيصاً للسيناريست ستيفن تَسيش الذي جاء من يوغسلافيا، لكن تطورات الأحداث لا تعكس بالضرورة التزاماً بتجربة الكاتب بل تصير حكاية مستقلة ترينا شريحة حياة الشخصية الرئيسية للفيلم أساساً والشخصيات المتوزعة حوله٠
يبدأ «أربعة أصدقاء» بوصول دانيلو (كريغ ويلسون) ووالدته من يوغسلافيا مهاجرين إلى الولايات المتحدة لاحقين بوالد دانيلو الذي كان قد استقر في تشيكاغو عاملاً في أحد المصانع. الدقائق العشر الأولى فيها كل ذلك الإحساس الدافق بالوصول الجديد إلى أرض جديدة. زمنياً يتم ذلك في الخمسينات ثم تنتقل الأحداث إلى الستينات فنرى دانيلو قد صار فتى في المدرسة العليا ولديه صداقة وطيدة مع ثلاثة رفاق: الفتاة جورجيا، توم ودافيد. جورجيا تريد حب دانيلو لكن خجله يمنعه من التمادي فتضيع عليه فرصة اللقاء الحميم الأول معها وتتجه جورجيا إلى توم مما يسبب انزعاجاً كبيراً لدانيلو يقرر على أثرها قطع إجازته والعودة إلى المدرسة. بعد حين يتعرف على شاب مقعد يهدده الموت مرضاً لكنه يتمنى قبل موته أمران: أن يرى الإنسان وقد وطأ أرض القمر لأول مرة وأن يمارس الحب ولو مرة واحدة في حياته٠

بالعودة إلى رفاقه القدامى يقف دانيلو على أن توم قد انخرط في الجيش متجهاً إلى فييتنام وأن جورجيا حبلى منه لكن ديفيد يتزوجها على أي حال. دانيلو يعقد الأمر على الزواج من شقيقه صديقه الجامعي المقعد لكن المأساة تقع عندما يفقد والدها ضوابطه العاطفية فيغتالها وينتحر. صديق دانيلو المقعد يموت بعد أن حقق أمنيته ودانيلو بعد سنوات طويلة (نحن الآن في السبعينات) يلتقي بجورجيا التي تعرفت على مجتمع المخدرات والهلوسة وأن بصورة خفيفة. توم يعود من الحرب بزوجة فييتانمية وطفلين ودافيد كان قد طلق جورجيا وتزوج من جديد وانخرط في سلك والده ومهنته في سرعة وطبيعية٠
في الوقت الذي اختارت فيه الأفلام التي استعرضت الحياة في فترة زمنية ماضية قريبة أنواع السيارات والأغاني والعادات والأزياء وجعلت من كل واحدة من هذه العناصر زينة للعمل ومنفذاً للتعامل مع الماضي القريب بحنان، يبتعد «أربعة أصدقاء» عن هذا المنحى ويقدم محاولة جادة للحديث عن الفترة الزمنية ذاتها كتأثير متبادل بينها وبين مجريات الأحداث العامة. خمسينات وستينان ثم سبعينات آرثر بن ليست موديلات السيارات وألوان الموسيقى وقصص الحب الرومانسية في ذلك الحين بل استعراضاً مباشراً لعلاقة أبطاله بالفترة التي يعيشون فيها وبانعكاس أحداث اجتماعية كبيرة٠
وصول دانيلو إلى أمريكا كان، كوصول ألوف غيره، محملاً بالحلم الأميركي الكبير. القدرة على الوصول إلى الثرى والمرتبة الاجتماعية عبر الفرص الاجتماعية المطروحة وليدة النظام الاقتصادي الحر، وحين بدأ له أن الزواج بين الفقر والثرى ممكناً وبالتالي الانتماء إلى الطبقة الارستقراطية، لكن مع هذه الطبقة كشفت عيوباً وأن بدا لن أنه سيتغاضى عنها إلى أن قام الوالد، حباً بابنته، بإطلاق النار عليها في يوم زفافها (كان دوماً يريد الاحتفاظ بها لنفسه) فانهار حلم الوصول إلى الثرى وأخذت الحقيقة الجديدة التي اكتشف بها طبيعة المجتمع القائم تحل محل أحلامه. والده كان دوماً يحذره من التمادي في أحلامه ويرى أن المجتمع منقسماً وأن لا شيء سيغير من حالته تلك. ونرى في النهاية كيف يقرر العودة مع زوجته إلى يوغسلافيا إلى مجتمع أقل سعياً وراء التغيير أو تحقيقاً له٠
في نظرته الشاملة لتلك السنوات المتعاقبة يلمس المخرج دلالات تاريخية (حرب فييتنام في البداية، الهيبيون وثقافة المخدرات في المدينة مع بداية السبعينات) لكن أهم ما يتعرض عليه دون أن يظهره هو اغتيال جون ف. كندي. وهناك المشهد الذي نرى فيه والد العروس (جيمس ليو هيرليهي) يسحب مسدسه وسط الاحتفال ويصوبه بأحكام ناحية ابنته الواقفة مع عريسها على الشرفة ويطلق عليهما النار يتم ـ زمنياً ـ في الستينات، ذات فترة الاغتيالات التي عادت للمسرح السياسي الأميركي وكان ضحيتها جون كندي (الذي عمل آرثر بن معه في حملته الانتخابية) وشقيقه روبرت ثم الزعيم الأسود مارتن لوثر كينغ. الإحتفال، الوقوف على الشرفة، اجتياز الحاجز بين الفقر والثرى وعملية القتل كلها تمثل الاغتيال السياسي القابع في خلفية رأس آرثر بن وهو ينفذ هذا المشهد٠
هذا المشهد وطروحاته بالإضافة إلى كل طروحات الفيلم الاجتماعية يمثل الجانب السياسي في سينما آرثر بن التي ميّزت كل أعماله حتى تلك التي لا تبدو في وهلتها الأولى كذلك. لكن ـ كعادة تلك الأفلام ـ يفصل «بن» بين الطروحات والعمل الماثل على الشاشة، والفاصل عادة هو ما يستطيع المتفرج استخلاصه وفهمه مما يحدث، ومفاتيح الصلة بين المشاهد وأبعداها غالباً ما يتماثل على شكل الاهتمام بالواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي للفترة التي تدور فيها الأحداث (أفلام آرثر بن حول الغرب الأمريكي) «رجل صغير كبير»، «استراحات ميسوري» و«المسدس الأيسر» فيها من نوايا التحقيق الاجتماعي حول تلك الفترة من الحياة الأميركية أكثر ما في كل أفلام عدد من المخرجين الأميركيين الذين تخصصوا في أفلام الغرب)٠
بن ما زال يواجه اهتمامه إلى الممثلين ويختار أفضل النماذج الممكنة. في ذات الوقت ينسج معالجة هينة وممتعة ولو أن بعض أفلامه وهذا أحدها، يبقى بعيداً عن توخي عناصر إضافية تضمن نجاحه. الموضوع ذاته كان يمكن أن يصير فيلماً تجارياً يعجب الجيل الجديد والجيل السابق فيما لو نفذه مخرج ما على هيأة «داينر» و«أميركان غرافيتي»، لكن بعضاً من قيمة هذا المخرج الكبير أنه ليس كالآخرين وأنه مع كل موضوع لا بد أن يكون له معالجة مختلفة يرتكز عليها ليصنع عملاً أجدى وأفضل٠

Target ***
Arthur Penn إخراج: آرثر بن
تمثيل: جين هاكمان، مات ديلون، جايل هانيكات، راندي مور٠
الولايات المتحدة- 1985

تشويق | قبل موجة الأفلام التي تدين السي آي أيه أنجز بن هذا الفيلم عن الوكالة الأميركية كخطر يحيق بالعائلة الأميركية٠

Review n. 179

عندما قرر آرثر بن العودة إلى السينما بعد انقطاع أربع سنوات منذ أن قدم «أصدقاء جورجيا» (أو «أربعة أصدقاء» أعلاه)، قَبِل هذا العرض من المنتجين رتشارد زانوك وديفيد براون لسببين: الأول هو أنه كان يريد أن يقول لهوليوود أنه ما زال موجوداً (كما صرح في مقابلة) والثاني أنه كان دوماً يتمنى تحقيق فيلم له حبكة من المطاردات والتشويق ولو لم يكن تماماً على غرار «بوني وكلايد» الذي أخرجه قبل 19 سنة٠
السيناريو وفر أرضية مناسبة: زوج يبحث عن زوجته المخطوفة بمساعدة ابنهما الشاب في مغامرة تنقلهما من الولايات المتحدة إلى فرنسا ثم إلى الألمانيتين (آنذاك) ليكتشف الزوج، وهو عميل سابق للمخابرات الأميركية، أنه سقط في فخ منصوب له من قِبَل أشخاص في الوكالة ذاتها وذلك تبعاً لسيناريو كتبه هوارد برك ودون بيترسون. ورغم تلك المهارة الكبيرة التي دوماً غلفت أعمال بن، وتلك الكيفية الشاملة التي طالما عالج بها مواضيعه، ما يجعل من «هدف» أكثر من فيلم مطاردات وحركة قوبل الفيلم بفتور الأميركيين حيال الموضوع بأسره وعلى نحو غير متوقّع. ربما السنوات الأربع التي مرّت على بن بلا عمل شهدت أكثر مما توقّع من تغيّرات على صعيد المستوى الجماهيري. نقدياً، ووجه بردات فعل سلبية من معظم النقاد الغربيين الذين يعتقدون أنه إذا لم يكن الفيلم الجديد لأي مخرج بمستوى أفضل أعماله السابقة، فإن هذا يعني فشله أو رداءته. «هدف» ليس بأهمية «بوني وكلايد» و«المطاردة» و«رجل صغير ـ كبير»، لكن لا يقل جودة عنها، ولا تخفق أبعاده في إثارة الذهن وحثه على التفكير كما فعلت تلك الأفلام حينها٠
الوضع الذي يوفره بن لمتفرجيه هو التالي
زوج محب (هاكمان) يحاول التقرب من ابنه الشاب (ديلون) دون جدوى، فالتباعد بين الأجيال حاصل بينهما، لكن الإنسانة الوحيدة التي يكترث لها كلاهما هي الزوجة والأم (هانيكات) التي خُطفت في زيارة لها في باريس. هنا تلتقي مصلحة عليا وهي التي توفر لاحقاً عملية ردم تلك الهوة بينهما. بن يرسم خطوطاً غير مسطحة حالما تطأ الكاميرا الأرض الأوروبية. قبل ذلك لم يمتنع عن التمهيد للأحداث الكبيرة برسم ملامح الحياة العائلية في مدينة صغيرة من المدن الأميركية. هنا نحن أمام عائلة ليس فيها ما يميزها عن غيرها، بل وإيقاع ذلك الفصل الواقع في وطن تلك العائلة (نحو ربع ساعة) يتدرج في يسر كأنما هو جزء من حلقة تلفزيونية. الأمر الوحيد الهام فيه هو رصد التباعد الحاصل بين الأب وابنه، وهو رصد طالما قام به بن في شغف مخصصاً له فيلمين هما «مطعم أليس» و«أربعة أصدقاء»٠
حالما يصل الفيلم إلى أوروبا يسير الفيلم سريعاً على خطين متوازيين. الخط الأول بوليسي (بمعنى وجود جريمة واحتمال وقوع جرائم أخرى) ـ تشويقي على غرار ما ورد في النص الأصلي للعمل، والثاني اجتماعي/ أسروي هو الخط الأبعد من الفيلم والذي يعطيه ثقله النوعي. هنا يصل الابن إلى أرض الأحلام. إنها رحلته الأولى خارج الولايات المتحدة، ومثل كل السفرات الأولى في حياة المرء الراشد، يفتح عيناه على كل جديد يراه ويعمل ذهنه سريعاً في محاولة لاستيعاب كل ما يمر عليه من مشاهدات أو أحداث. إلى جانب هذه البدهية، يكتشف الشاب حقائق لم يكن يعرفها عن والده، وهذه الاكتشافات ترد بمثابة مفاجآت الرحلة، فهو لو تخلف أو لم يضطر وهو ووالده للسفر، لما وقف على تلك الحقائق. لقد علم أن الأمر أخطر مما تصور وحادثة المطار، ثم حادثة أخرى قريباً من الفندق الذي نزل فيه مع والده جعلاه يوقن أن في الأمر ما هو أبعد من قضية خطف. لاحقاً يقع تطور آخر عندما يعلم من والده، وتحت إلحاحه هو، إنه كان عميلاً للسي آي إيه. ردة الفعل السلبية تجاه النبأ لم تمنعه من الاستمرار في اندفاعه لمؤازرة والده، وإذ يستمع إلى والده وهو يخبر صديقة قديمة بأنه (الوالد) يتمنى لو كانت لديه حياة موازية لا تمس حياته الحالية، يعمل على محاولة شق طريقه بين حياتين واحدة موجودة والأخرى متمناة٠
هذه التعرجات الجميلة تزيد من ثقل الموضوع وتحول دون وصوله إلى المتفرج كمجرد شريط مغامرات، علماً بأنه على صعيد المغامرات فيه يكاد لا يشكو من أية نقاط ضعف. بن يبقي الإيقاع حياً، والمفاجأة مستمرة، يستخدم المطاردات في تكوين هزلي شبه سوريالي في ذات الدرجة التي يمضي فيها بعيداً في جدية معالجة تلك المشاهد. شيء من جنون الحياة ومفاجآت أرض الأحلام وتشابك هندسة المدن ينتمي إلى بونويل، والمعظم من المواقف فيه حس هيتشكوكي. في الحالتين ليس من باب التقليد، بل من باب تدفق الأحداث المتسارعة. هذه الأحداث المتلاحقة ذاتها تضيف إلى مشكلة الشاب الكامنة في البحث عن هوية وبن على حق حين يقول في أحد تصريحاته: " ذكرني ذلك الضياع بحالة صارت أكثر تكراراً في الولايات المتحدة، فالشهود المجهزون أو المتطوعون للشهادة ضد المافيا أعطوا هويات جديدة وحياة جديدة ضماناً لسلامتهم، لكن كم منهم ما زال يشعر بأنه هو ذاته الإنسان السابق؟"٠
بن ـ بعدما غابت الزوجة/ الأم عن الساحة إلى نهاية الفيلم يجد كذلك المجال للحديث عن الأب. ذلك الرجل الذي عمل مع المخابرات المركزية كرجل عمليات ثم عاد إليه الماضي على شاكلة انتقام من بعض من شاركوه المهمات بالأمس (بما في ذلك من إدانة للجهاز نفسه). إنه يدفع اليوم ثمن ما قام به بالأمس. مهدد (بزوجته) ومنتقل بقطار يعود به إلى الأمس خاصة حينما يقابل صديقته القديمة مع ما يشهده ذلك اللقاء من ذكريات ومناجاة. إلى جانب تصويره في وضع دقيق، كأب وكإنسان، هو تجسيد للمواطن المؤيد لنظامه (ممثل هنا بجهاز المخابرات) والواقع ضحية له في ذات الوقت. هذه الازدواجية هي من اللمحات العصرية الأخرى التي لا تغيب عن بال المخرج والتي يربطها في عنق ما يدور. بن يذهب إلى حد إدانة السي أي إيه، فالرئيس المسؤول فيها هو القاتل، المختطف والخائن. وأعماله ـ أو أعمال أمثاله ـ هي التي تقضم من حياة الأميركيين ربما أكثر مما تفعل مخابرات العدو، كما يقول الفيلم٠
براعة بن هي في أن المرء يكاد لا يصدق أن كل هذا الفحوى يخرج من فيلم ظاهره حكاية مطاردات وأعمال تشويق وجاسوسية على الطريقة القديمة (طريقة أفلام الخمسينات والستينات)، لكنه بن الذي نتحدث عنه والذي قد يقبل بفيلم لا يرقى إلى أعماله الأخرى الكبيرة، لكنه لا يقبل بأن يكف عن الشغب بسببه


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Hour of the Wolf

Hour of the Wolf   ( 1968 ) ****   إمرأة تحكي عن زوجها الذي اختفى داخل ذاته  محمد رُضا « ساعة الذئب » هو من بين أهم ...