Saturday, January 26, 2013

Les Miserables | Django Unchained | Hitchcock | The Last Stand


أفلام العدد 
Django Unchained
وسترن من كونتين تارانتينو يمارس فيه كل هوسه بالوسترن سباغتي مع رسالة ضد العنصرية. في مكانها … ولكن…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Hitchcock
نظرة ثانية على فيلم يدّعي أنه جزء من سيرة حياة عبقري سينما التشويق لم تنجح في رفع مستوى النظرة إليه، لكنها جلبت أفكاراً جديدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Les Miserables
صراع طويل الأمد بين البائس فالجان والضابط جافريه من ناحية وبين هذا الناقد والفيلم من ناحية أخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Last Stand
فيلم أرنولد شوارتزنيغر مشروع عودة إلى البطولة وفيه يذكر بطله أنه تعب من العنف، لكن الفعل شيء آخر.



DJANGO UNCHAINED ***

دجانغو طليقاً
إخراج: كونتين تارانتينو  
وسترن ألوان [35 مم] • 165 د 
الولايات المتحدة (2013)  

شولتز (كريستوف وولتز) ودجانغو (جايمي فوكس) ثنائي أبيض/ أسود جديد كما كان فنسنت (جون ترافولتا) وجولز (سامويل ل. جاكسون) في فيلمه كوينتن تارنتينو «بالب فيكشن» (1994) بإستثناء أن الأحداث هذه المرة تدور قبل 136 سنة قبل ذلك الفيلم (155 سنة من اليوم) حين كانت كلمة Nigger لم تولد بعد. رغم ذلك استخدمها تارانتينو 92 مرّة بمعدل مرّة وثلاثة أرباع المرّة كل دقيقة. ليس عن هدف واقعي لأن السود في ثمانينات القرن التاسع عشر وحتى قبيل منتصف القرن العشرين كانوا يُـسمّـون بـ Nigroes أو Coloured  أو- ببساطة Slaves. "نيغرز" هي كلمة التحقير الأشد أذى من "نيغرو" التي هي أيضاً بمثابة إهانة كبيرة إذا ما استخدمت ضد شخص أسود. حقيقة أنها كثيرة الإستخدام هذه الأيام كناية عن إنحدار سوقي ولغة شوارعية قد يبتادلها السود فيما بينهم (من باب تحقير أحد للآخر) لكنهم بكل تأكيد يعتبرونها إهانة قد تسيح الدماء بسببها إذا ما قالها رجل أبيض. تارانتينو رجل أبيض وهو يستخدمها في كل أعماله ويقول أنه لا يقصد بها سوى نقل الواقع، لكنه لم يحقق فيلم وسترن من قبل ولا كانت منتشرة في تلك الفترة ما يجعل استخدامها في هذا الفيلم غير ضرورياً وبل سبباً في إخفاق الفيلم بلوغ مستوى أفضل.
«دجانغو طليقاً» وسترن وهو يبدأ بداية جيّدة: صائد المكافآت كينغ شولتز كما يقوم به النمساوي كريستوف وولتز الذي استخدمه تارانتينو في «أوغاد غير جديرين» ينبري لرجلين يقودان قافلة من العبيد السود المقيّـدين بسلاسل ويعرض شراء عبد معيّن. حين يحتدم النقاش يسارع بإنهائه بقتل أحد الرجلين وجرح الآخر ثم البحث عن الأسود الذي يريده ليجده في صف العبيد المكبّلين. شولتز بحاجة إلى هذا العبد، وأسمه دجانغو، لكي يساعده في الوصول إلى عصابة أشرار يريد قتلها وقبض المكافأة المخصصة لها. هذا هو عمله في الحياة وليس طب الأسنان كما يدّعي مطلع الأمر. شولتز يطلق سراح دجانغو ويعتقه وبل لاحقاً ما يطلب منه أن يكون شريكاً له في عملياته لقاء الثلث، ويتعهد بمساعدته على البحث عن زوجته بروهيلدا (كيري واشنطن) التي تم فصلها عن زوجها وبيعت للعمل في مزرعة كالفين كاندي (ليوناردو ديكابريو) الشاسعة في المسيسيبي. ينتقل الشريكان أولاً إلى بلدة ترفض استقبال العبد في حانتها لكن كل شيء محسوب عند شولتز، فشريف البلدة كان مجرماً مطلوباً للعدالة من دون علم البلدة وحين يواجهه الشريف مهدداً إياه يقتله. يصل المارشال ويلخص له شولتز الوضع. ليس فقط أنه يقنع المارشال بأن الشريف كان يستحق أن يُـقتل بل يطالبه بمئتي دولار كمكافأة. 
المهمّـة التي من أجلها أراد شولتز مساعدة دجانغو تنقضي والآن على الإثنين التوجّـه إلى حيث سينقذ دجانغو زوجته من العبودية. 
لكن شيئاً غريباً كان بدأ يقع، ليس أن العديد من التفاصيل لا يمكن أن تكون صحيحة (من بينها قيام دجانغو بإرتداء نظارة شمسية قبل إختراعها، ومن بينها قنص رجل على مسافة بعيدة ليلاً لا يمكن تبيان ملامحه ناهيك عن إصابته) بل أن حرية التخيّـل والتصرّف تبعاً للخيال باتت في هذا الفيلم متداولة كما المال في يد المحروم. حين يصل الإثنان إلى مزرعة كالفين يستفيد الفيلم من إداء رائع من ليوناردو ديكابريو وبضع مواقف منفّذة جيّداً، لكن معظم الفيلم يبقى سجالاً حوارياً خالياً من المشاعر- على الأقل ليس على نحو ظاهر. دجانغو يستطيع أن يتصرّف كما لو أن عبداً تم التهامه من قبل كلاب كالفين المتوحّـشة كما لو أن شيئاً لم يقع مدفوعاً برغبته عدم إثارة الشكوك حول سبب مجيئه. طبعاً وجوده كأسود حر قبل عامين من بدء الحرب الأهلية الأميركية، التي كانت تجارة الرق وحقوق السود المدنية أحد أهم أسبابها، استدعى دهشة سود المزرعة قبل بيضها. كالفين عامل دجانغو بمرح ولطف من دون أن يسمح لذلك بتغيير موقفه من السود قيد أنملة. إنه رجل يملك عبيداً وخدماً وأراض ولا أحد يحق له أن يتدخل في شؤونه. وهو يصدّق أن هدف د. شولتز ودجانغو هو إبرام صفقة عمل إلى أن يلحظ رئيس خدمه ستيفن (سامويل ل. جاكسون) تبادل النظر بين الخادمة برومهيلدا (التي أدركت سبب وجود زوجها واتفقت مع شولتز على إبقاء المسألة سرّاً) وبين دجانغو واستنتج (المبررات ضعيفة ولكن….) أنه زوجها وأن السبب الحقيقي للزيارة هو هي ويحذّر كالفين الذي يشعر بأنه كان مخدوعاً. 

هنا بداية فصل آخر جديد: شولتز يضطر لدفع إثنا عشر ألف دولار ثمناً للزوجة لكنه يرفض أن يصافح كالفين حين يخبره ذاك أن الصفقة لا تتم إلا بالمصافحة. عوضاً عن ذلك، يسحب شولتز مسدّسه ويقتل كالفين. باقي الفيلم مغامرة ينفرد بها دجانغو لأن شولتز لحق بكالفين في المعركة التي تلت. هذه المغامرة تشهد بحراً من الدماء على طريقة تارانتينو في «أقتل بل» (نهاية الجزء الأول) وتنتهي بإعدامه عائلة كالفين وحرسه ورجاله وستيفن.
ستيفن هو شخصية مهمّـة في هذا الفيلم الذي حين وصوله إلى نصف ساعته الأخيرة يبدو متهالكاً صوب نهاية دموية وسعيدة معاً. إنه أسود وضع كل إخلاصه لحساب سيّده. وهو يجاهر بعدائه لـ "النيغرز" (الشخصية الأكثر إستخداماً لها بين كل الشخصيات) وله من السُـلطة ما يجعله يتعامل و"سيّده" كما لو كان مدير أعماله والوصي على مصالحه. في أحد المشاهد يخرج عن طاعته ولا يعود الا بصرخة من كالفين. في آخر يجلس أمامه على كنبة مواجهة ويقول له: They played your ass
علاوة على كلمة Nigger يأتي إستخدام شتيمة أخرى (Mother F…..) حرّاً من حقيقة أنها أيضاً من بنات القرن الماضي (والسنوات الأربعين الأخيرة منها تحديداً). لكن ذلك لن يوقف المخرج عن استخدامها.
«دجانغو» مستوحى، عن قصد، من كل تلك الأفلام التي أحبّها تارانتينو والتي عمد إليها الإيطاليون في الستينات وجزء من السبعينات. كانت وسترن مختلف عن الوسترن الأميركي لذلك سُـمّـيت بالوسترن سباغتي. لكن منشأها هو أحد الإختلافات وليس كلّـه، ذلك أنه بإستثناء جهد سيرجيو ليوني في «الطيّب والسيء والبشع» و«حدث ذات مرّة في الغرب» لمنح عمليه حالة شعرية خاصّـة، انفصلت عن أفلام الغرب الأميركية على نحو معظمه ركيك ولو أنه حمل تجديداً للمعالجة الكلاسيكية التي أمّـها مخرجون أميركيون كبار أمثال جون فورد، راوول وولش، هوارد هوكس، أنطوني مان، بد بوويتكر، أندريه د توث وآخرون كثيرون. بين المعالجتين فإن إختيار الهادف للمعرفة والباحث عن القيمة الموضوعية والوجدانية في سينما الوسترن لابد أن  يذهب إلى المعالجة الأميركية. الباقي كان استغلالاً وإهداراً، أحياناً بمضامين جيّدة لكن غالباً بمعالجات رديئة. أحد المخرجين الإيطاليين الذين عملوا في إطار «الوسترن سباغتي» هو سيرجيو كوربوتشي الذي حقق بضعة أفلام أشبه بالشوربة منها بالسباغتي من بينها «دجانغو» (1966) وهذا كان من بطولة فرانكو نيرو الذي يجلبه تارانتينو هنا لدور صغير. 
الحال أن تارانتينو يستطيع أن يُـعجب بسينما الوسترن سباغتي كما يشاء وبل أن ينقل عنها كما يريد. ما لا يستطيعه هو الدفاع عن إختياره إذا ما كان التنفيذ متأرجحاً بين المقبول وعدمه، كما الحال هنا.
لجانب تصوير روبرت رتشردسون الأخّـاذ (خصوصاً في المناظر الخارجية) لا يوجد ما يمكن للمرء أن يربطه وجدانياً بالعمل. البعض من النقاد (الأجانب) حبّـذ الفيلم لحد أقصى، لكن ذلك ربما حماسة وإندفاعاً في القبول من دون سؤال. هناك بلا ريب مشاهد كثيرة جيّدة الحرفة كما الفكرة (يكفي السخرية من جماعة الكوكلس كلان المستوحاة من مشهد جاد كان غريفيث استخدمه في «مولد أمّـة» من باب تأييد هذه الجماعة العنصرية). لكن في الوقت الذي لا يعاني فيه  «دجانغو طليقاً» في الوقت الذي لا يعاني فيه من الركاكة مطلقاً، ليس فيه ما يمنحه سماتاً فنيّـة عالية كما كان الحال في «أوغاد غير جديرين» على سبيل المثال. ونقطة الضعف الأساسية هي فرض شخصيات لا تستطيع جذب المشاهد لجانبها بعدما تم إفراغها من الدواعي. لا شولتز الألماني يبدو ضرورياً ولا دجانغو واقعياً. والمشاهد الطويلة بحواراتها المستطردة لا تصيب هدف المخرج منها طوال الوقت، خصوصاً وأن الحوارات تنتهي بالضرورة مع مقتل شولتز وكالفين وتفرّد فوكس بـ "الشو" وحده.




DIRECTOR: Quentin Tarantino.
-----------------------------------------------------------------------
CAST:  Jamie Foxx, Chritoph Waltz, Leonardo DiCaprio, Kerry Washington, Samuel L. Jackson. PLUS: Bruce Dern, Franco Nero, Sammi Rotibi
-----------------------------------------------------------------------
SCREENPLAY: Quentin Tarantino |  CINEMATOGRAPHY: Robert Richardson. EDITOR: Fred Raskin | MUSIC: Behzad Abdi | PROD. DESIGN: J. Michael Riva.
-----------------------------------------------------------------------
PRODUCERS: Reginald Hudlin, Pilar Savone, Stacey Sher |   PROD. COMP.: The Weinstein Company/ Columbia Pictures Prods.




Hitchcock   **

هيتشكوك
إخراج: ساشا جرفازي 
الولايات المتحدة 2012
سيرة [سينما

لو صدّقنا هذا الفيلم الدرامي حول واحد من أهم سينمائيي العالم، قديماً وحديثاً، لخرجنا ونحن أقل ثقة في أن ألفرد هيتشكوك يستحق التصنيف السابق. السؤال الأمامي هو إذا ما كان هيتشكوك على الصورة التي شاهدناه عليها: رجل محبط، مهووس، يشرب كثيراً ويفكّـر قليلاً ومركوب بهواجس وكوابيس تقض حياته. السؤال الخلفي هو كيف والحال هذه، لو كان هذا هو الحال فعلاً، تمكّـن هذا المخرج من تحقيق تحفه السينمائية من «سايكو» إلى «فرتيغو» ومن «رجلان في القطار» و«تخريب» إلى «شمال شمالي غرب» و«طيور» وعشرات الأعمال الأخرى.
قد لا تتوقّـف الإسئلة لأن الفيلم يرغب في رسم هالة معتّمـة حول رجل لم يكن معصوماً عن الخطأ بالتأكيد، لكنه كان أكثر تماسكاً وقدرة مما يسمح له هذا الفيلم أن يكون. هل ساشا جرفيز، مخرج هذا الفيلم، لديه إنتقام شخصي من كونه سوف لن يستطع مجاراة ملك السينما التشويقية؟
في البطاقة الرسمية ما يُـشير إلى أن «هيتشكوك»- الفيلم، مقتبس عن كتاب لستيفن ربيللو وفي الحقيقة وضع ربيللو كتابين عن هيتشكوك، الأول حول سينماه، والآخر حول حياته الخاصّـة. الأول قائم على تحقيقات شملت كافّـة العاملين في أفلامه وغطّـت كل تلك الأفلام (وهو بذلك ليس الكتاب الوحيد من نوعه). أما الثاني فكان عن حياة المخرج العائلية وكيف أنه كان يعاني من الإكتئاب والشرب الزائد. كيف أن زوجته (هيلين ميرين في الفيلم) تحمّـلته طويلاً، خصوصاً وأنه كان يخونها بأفكاره فهو مهووس بالشقراوات وكان يحبّهن ولو أنه عاجز في الوقت نفسه عن التواصل جنسياً معهن بسبب بدانته. على هذه الإفتراضات تم بناء فيلم لا يريد سبر غور عبقرية المخرج بل تقديم خامـة فضائحية حول المخرج الكبير الذي يعاني من مشاكل مع نفسه ومحيطه وزوجته، وحول تلك الزوجة التي لم تكن أمينة له طوال حياتها، ولم تشاركه أفراحه وأطراحه دوماً، بل- وحسب الفيلم- هي من كانت تصحح له وجهات نظره حول ما سيقوم بتصويره، وهي التي كانت تقترح عليه الممثلين والمشاهد الأفضل والتقطيع الأنسب… لم ينقص الفيلم الا لأن يقول أنها هي من أخرجت الأفلام بدلاً عنه، وبل يكاد يقول ذلك في مشهد خلال تصوير «سايكو».
الفيلم بأسره يدور حول كيفية صنع هذا الفيلم الخاص في حياة مخرجه، وما تخلله من مشاكل بين هيتشكوك وزوجته. الأول كان يعتقد إنها تخونه (مع كاتب سيناريو) قبل أن تكشف له كم كانت شريكة فعّـالة وصادقة معه على طول الخط. أنطوني هوبكنز تحت نصف طن من المساحيق يشبه هيتشكوك قليلاً، لكنه يشبه أنطوني هوبكنز نفسه أكثر وأكثر.

• DIRECTOR: Sacha Gervasi
-----------------------------------------------------------------------
• CAST: Anthony Hopkins, Helen Mirren, Scarlett Johansson, Danny Huston, Toni Collette, Jessica Biel
-----------------------------------------------------------------------
• PRODUCERS: Alan Barnette, Joe Medjuck, Tom Pollock, Ivan Reitman, Tom Thayer.
• SCREENPLAY: John J. Mclaughlin.
• CINEMATOGRAPHY:  Jeff Cronenweth [Colour- Digital (Red Epic)].
• EDITOR: Pamela Martin (98 m).
• MUSIC: Danny Elfman 
• PROD. DESIGNER: Judy Becker
• PROD. COMP.: Fox Searchlight/ Cold Spring Pictures



Les Miserable ** 
البائسون
إخراج: توم هوبر.
بريطانيا- 2012
دراما موسيقية [إقتباس أدبي].

 "Is there another way to goooooooo"?
يتساءل هيو جاكمن وهو يشرح حالته المأسوية في أحد مشاهد هذا الفيلم المسحوب عن مسرحية غنائية تم تقديمها فوق أحد مسارح نيويورك لأول مرّة سنة 1980. وهو إذ يصل إلى كلمـة Go فيمطّـها يكاد يطرح السؤال ذاته الذي يشغل بال بعضنا من مطلع الفيلم؟ إلى أين سيتّجه هذا العمل فعلاً؟ أهناك طريقة أخرى لتقديمه؟
«البائسون»، عن رواية فكتور هوغو المنشورة سنة 1862 لم تكتب كمادّة غنائية بل كفعل أدبي. لكن ما قد ينجح فوق خشبة المسرح في حال تحويلها إلى ملحمة غنائية لا ينجح بالضرورة على الشاشة. أو تحديداً، ليس مضمون النجاح على الشاشة على الرغم من الخيارات الفنية والتقنية الكثيرة التي يمنحها الفيلم في مقابل ما تمنحه المسرحية.
في هذا الفيلم استخدام للمؤثرات (يطالعنا من المشهد الأول) ثم لمنوال يتكرر لاحقاً أكثر من مرّة، فالكاميرا تبدأ عالية أو بعيدة لتصوّر المكان ووضعية الممثل- المغني فيه على نحو شامل ثم ما أن يفتح ذاك فمه حتى تنتقل إليه في لقطة قريبة متوسّـطة (وأحياناً قريبة- كلوز أب) وتبقى هناك بلا أي خيارات أخرى كما  لو أن هناك علاقة بين الصوت والصورة لا يمكن إدراكها الا بممارسة المنوال نفسه في معظم المرّات. أو كما لو أن  علينا مشاهد الفم مفتوحاً على آخره لكي نتأكد من أن الممثل يغني بالفعل؟ 
القصّـة في خلاصتها المعروفة موجودة: صراع طويل الأمد بين فالجان (جاكمن) والضابط جافريه (كراو). نتابع الأول في السجن لسرقته رغيفاً. يذكّره جافريه بأن مدّة العقوبة كانت خمس سنوات وعقوبة محاولة الهرب هي أربعة عشر سنة. إثر إطلاق سراحه وتحقيقه ثروة تمكّنه من التحوّل إلى صناعي ناجح، يعاود سجّانه السابق جافريه البحث في ماضيه تمهيداً لإعادته إلى السجن. 
توم هوبر كان أنجز عملاً جيّـداً، وإن لم يكن بالغ الجودة، من قبل هو «خطاب الملك» وفيه استعرض قاموسه من القواعد الفنية التي جعلته قادراً على بلورة الأجواء جيّداً وإبراز عامل التصميم الفني وتصاميم الإنتاج المختلفة على نحو متآلف وطبيعي لافت. لكنه هنا ينجز عملاً مختلفاً لا بنوعيّته فقط، بل بمستواه أيضاً. إنه فيلم صعب الضبط والإدارة حتى من دون أن يكون موسيقياً، ما البال إذاً لو أن الغناء فيه مسجّـل خلال التصوير ما يجعل الممثل تحت عبء الإجادة تعبيرياً وصوتياً في كل مرّة. وفي فيلم يخلو من الحوار ومن كاميرا تخرج عن نطاق الشخصيات لتقدّم تصويراً فعلياً لمضمون الرواية الشهيرة فإن ما يرتسم لدينا هو 155 دقيقة من عذاب مزدوج يمر به الممثلون لإتقان ما يقومون به، وينتقل إلى المشاهدين خصوصاً أولئك الذين كانوا ينشدون فيلماً وليس مسرحية مصوّرة.
المشكلة ليست في الأصوات، وليست حتى في تحويل الرواية إلى فيلم غنائي أو، بالأحرى، تحويل المسرحية التي اقتبست عن الرواية، إلى فيلم غنائي، بل في معالجة تتكرر بكل ما فيها من تسطيح. المتكرر هنا ليس فقط حركة الكاميرا والقطع أو الإنتقال من مشاهد كبيرة إلى صغيرة، بل إيقاع الصوت  والغناء المتحوّل، بعد حين، إلى إيقاع ضاج ورتيب. كذلك قلّـة حيلة المخرج البريطاني في مسألة توفير تصاعد درامي مقبول.



• DIRECTOR: Tom Hooper
-----------------------------------------------------------------------
• CAST:  Hugh Jackman, Russell Crowe, Anne Hathaway, Amanda Seyfried, Helena Bonham Carter.
-----------------------------------------------------------------------
• PRODUCERS:  Tim Bevan, Eric Fellner, Debra Hayward, Cameron Mackintosh.
• SCREENPLAY: Claude-Michel Schönberg, Alain Buoblil.
• NOVEL: Victor Hugo
• CINEMATOGRAPHY:  Danny Cohen [Colour- 35 mm)].
• EDITOR: Chris Dickens, Melanie Ann Oliver (158 m).
• PROD. DESIGNER: Eve Stewart
• PROD. COMP.: Working Title Films/ Cameron Mackintosh Ltd.




Wednesday, January 16, 2013

Zero Dark Thirty | The Impossible | Kon- Tiki



    THE IMPOSSIBLE   ****

المستحيل 
إخراج: خوان أنطونيو بايونا | تمثيل: ناوومي ووتس، إوان مكروغر، توم هولاند
دراما | أسبانيا 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تحت يدي معظم المخرجين، خصوصاً الأميركيين، فإن الحكاية التي ترد في هذا الفيلم، مناسبة لفيلم ميلودرامي من الدرجة الأولى. وفيه العناصر المواتية: تراجيديا عائلية أبطالها خمسة أفراد يمر كل فرد منهم في صراع ضد الموت خلال التسونامي الذي عصف بتايلاند سنة 2004. وما يجعل من الميلودراما وعاءاً أكبر للميلودرامية هو أن صراع هؤلاء ضد الموت لم يتم على نحو جماعي بل وجد كل فرد من العائلة نفسه وحيداً يصارع أمواج الغضب منفرداً ما يعني فرصة كبيرة لمن يريد سرد عذاب الفرقة وفرحة اللقاء من جديد وسبر غور كل مغامرة على حدة على نحو من يريد إثارة مزيد من الفواجع.
لكن الأسباني خوان أنطونيو بايونا لديه المعالجة الصحيحة التي يستطيع بها سرد أحداث  حقيقية من صلب كارثة بحجم التسونامي الذي ضرب تايلاند قبل تسع سنوات من دون الخوف من السقوط في شباك الميلودراما وحس الفواجع.  
الحكاية الأم وخطوطها الفرعية وقعت بالفعل،  لكن المخرج الأسباني حوّل الشخصيات من أسبانية إلى بريطانية ليضمن نجاح الفيلم عالمياً. وهذا هو التغيير الكبير الوحيد إلى جانب حقيقة أنه لم يكن ليستطيع المضي في الإتيان بكل التفاصيل اليومية التي عاشتها تلك العائلة (ومئات العائلات الأخرى) في فيلم من نحو ساعتين وعشر دقائق.
ما حدث أنه في أحد الأيام الأخيرة التالية لعيد الميلاد في ذلك العام، فوجيء هنري (إوان مكروغر) كما ملايين من سكان شرق آسيا بأمواج المحيط العملاقة وهي تجرف أمامها كل ما تواجهه من أشخاص ومباني وأشجار وسيارات على حد سواء في ثورة عارمة غير مسبوقة في زمننا على الأقل. كانت العائلة وصلت قبل يومين لقضاء العطلة في فندق سياحي قادمة من طوكيو حيث يعمل الأب. هناك مشهد من تلك التي تسبق العاصفة يظهر فيها الزوج قلقه بعد أن أختير لمشاركته المنصب موظّـف جديد. زوجته (ناوومي ووتس) لا تعتقد أن ذلك مؤشر سلبي وتعرض أن تعود للعمل كطبيبة إذا ما اضطرت العائلة لمغادرة اليابان عائدة إلى بريطانيا. هذا نوع من الحديث الذي سوف لن يتكرر. المعضلة المحتملة من ناحية هي طرف خيط يتبادله كل زوجين في حياتهما تعبيراً عن قلق معيشي معيّن، ومن ناحية أخرى تأكيد لأن آخر ما في بال أحد هو أن تتحوّل هذه البقعة من الشاطيء التي تبدو نعيماً إلى جحيم من الدمار والموت.
في صباح ذلك اليوم الصعب نزل الزوج مع طفليه الصغيرين سايمون (أوكلي بندرغاست) وتوماس (سامويل جوسلين) بينما كانت الأم ماريا (ناوومي ووتس) مع ولدها لوكاس (توم هولاند) في جانب آخر من شاطيء الفندق. اللقطات المدهمة للعاصفة مفاجئة للمشاهد حتى ذاك الذي يعرف عما يدور الفيلم حوله. إذ تدك الجبال المائية ما أمامها يتقطع شمل العائلة تماماً. تضيع الكاميرا فيما يحدث عن قصد حتى تنقل إلينا وقع الكارثة وضياع الأفراد في المقابل. بعد ذلك،  تلتقط الكاميرا لوكاس باحثاً عن أمّـه التي يلتقيها في مجرى المياه الجارف. إذ ينطلقان بحثاً عن باقي العائلة تجرفهما الماء وتصطدم الأم بألواح (خشبية على الأرجح) تمزّق ساقها. يمضيان ليلتهما فوق شجرة وفي صباح اليوم التالي، يعمد  رجال قرية لإنقاذهما وبعد علاج مبدأي ينقلانهما إلى المستشفى الذي أقيم لمعالجة ألوف المصابين. في الوقت نفسه ها هو الأب يمشي فوق الدمار الشامل وهو يصرخ بحثاً عن طفليه إذ كانا معه حينما جرفت الأمواج الجميع. عندما يجدهما سالمين ينطلق للبحث عن زوجته وعن إبنه الأكبر لوكاس فهو لا يدري عما آلا إليه على الإطلاق. كيف تتفرق الدروب مرّة أخرى ثم يلتقي كل فرد بالآخر في وسط ظروف عاتية هو من بين أفضل ما في الفيلم من ذروات مشاهده. فبينما ينتقل بحثاً من مستشفى ميداني إلى آخر، يمضي لوكاس الوقت لجانب والدته التي أصبحت على شفير أن تفقد ساقها. يعرف المخرج كيف يدخل الخيوط في خرمها الصحيح ليؤلف ذلك النسيج الجيّـد فلا تبدو المسألة مجرد حظوظ أو صدف. لكن اللقاء حتمي ويقع كونه الواقع الذي عاش أفراد العائلة لسرده.
الفارق بين إخراج هذا السينمائي الأسباني وبين معظم مخرجي اليوم لا يكمن في أن ما يعرضه حقيقي، بل يكمن في أنه يعرف كيف يجعل المشاهد يعايشه على نحو حقيقي. وهذا فارق كبير للغاية وكفيل بالقضاء على الإفتعال في المواقف من دون التخلّـي عن المشاعر العاطفية وتصوير ما تمر به الشخصيات من مواقف دقيقة.
حين يأتي الأمر للتمثيل، فإن المرء يدرك أن الكبار موهوبين، لكن من المعجزات هو ذلك التمثيل المتقن لطفلين دون العاشرة، ثم لتوم هولاند إبن الثانية عشر من العمر في الفيلم الذي يسرق الضوء من كل المحطين به. طوال العرض كنت أسأل نفسي كيف، بحق السماء، يستطيع ممثل في الخامسة أن يعيش مثل هذا الدور أمام الكاميرا معايشة من يملك تقنيات ومفردات  ممثل محترف ناضج. قررت في النهاية أنه لو كنت مخرجاً لفشلت حقّـاً في إدارة هؤلاء الممثلين الصغار… على النحو الذي فشل معه معظم المخرجين العرب في إدارة أولاد وأطفال الى اليوم.


• DIRECTOR: Juan Antonio Bayona
-----------------------------------------------------------------------
• CAST:  Naomi Watts, Ewan McGregor, Tom Holland, Samuel Joslin, Oaklee Pendrgast, Marta Etura Simone, Geraldine Chaplin.
-----------------------------------------------------------------------
• PRODUCERS: Belén Atienza, Àlvaro Augustin, Gislain Barrois, Enrique López Lavigne.
• SCREENPLAY: Sergio G. Sánchez.
• CINEMATOGRAPHY:  Óscar Faura [Colour- 35 mm].
• EDITOR: Elina Ruiz (114 m).
• MUSIC: Fernando Veláquez 
• PROD. DESIGNER: Eugineo Caballerto
• PROD. COMP.: Apaches Entertainment/ Telecinco Cinema/ Canal +España


 ZERO DARK THIRTY   ****            

الثانية عشر والنصف ليلاً 
إخراج: كاثرين بيغيلو | تمثيل: جسيكا شستين، جاسون كلارك، رضا كاتب.
دراما [إرهاب/ إسلام/ عن واقعة] | الولايات المتحدة 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هناك مشهد في فيلم كاثرين بيغيلو الجديد والمثير «الثانية عشر والنصف ليلاً» Zero Dark Thirty  نرى فيه  الرئيس باراك أوباما يؤكد في مقابلة تلفزيونية أن "أميركا لا تعمد إلى التعذيب". رغم ذلك، وبل على الرغم من أن صانعي الفيلم تحدّثوا عن تعاون وثيق بينهم وبين البيت الأبيض خلال مرحلتي كتابة السيناريو وقبل التنفيذ، الا أن المشهد لا يأتي للتكذيب فقط، بل لكي يُـثير التساؤل الساخر حول أساليب التحقيق مع المعتقلين المشتبه بتعاونهم مع بن لادن أو الإنضمام إليه أو بعلاقتهم بالعملية الإرهابية التي وقعت في نيويورك في الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001.
هذا التعاون، الذي لم ينفه البيت الأبيض ولم تنفه المخرجة بيغيلو، كان ضرورياً لوضع سيناريو مارك بووَل، الذي عمل مع المخرجة على فيلمها السابق «خزنة الألم»، موضع التنفيذ. إنه سيناريو "تحقيقاتي" يعتمد أسلوب جمع المعلومات بكثافة ثم صياغة مادة روائية لكن ليست بالضرورة درامية  بغية تقديم حكاية تتعامل والجهد الكبير الذي بذلته وكالة الإستخبارات الأميركية طوال الفترة الممتدة من 2001 إلى 2011 للوصول إلى بن لادن وتصفيته. 
لكن الغاية في فيلم هذه المخرجة التي تصطاد مواضيعها من بين مشاريع غير أنثوية على الإطلاق (أفلامها السابقة خيال-علمية وبوليسية وتشويقية صارمة) ليس تقديم جهود الوكالة على نحو يُـشيد بها ويبرر أفعالها ويصبغ عليه أي صفة بطولية، بل العكس هو الذي يحدث في مفاد أخير يقول أن أميركا ربما لها الحق في التصدّي للإرهاب ولأسامة بن لادن (المعترف في واحد من تسجيلاته السابقة بمسؤوليته عن كارثة نيويورك) لكن وسائلها، بكل بساطة، لا تختلف عن أي وسيلة تعذيب قصوى وعنف وقمع يقطع دابر العلاقة بينه وبين القوانين المسطورة في الكتب والتشريعات حول كيفية التعامل مع المسجونين والتحقيق معهم
هذا ما أثار أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي منتمين إلى ما يسمّـى بـ "لجنة مخابرات مجلس الشيوخ» الذين شاهدوا الفيلم، قبل بدء عروضه التجارية في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي، وأدانوه كما فتحوا تحقيقاً حول مصادر معلومات الفيلم وإذا ما كان موظّـفون في وكالة المخابرات الأميركية تعاونوا مع صانعي الفيلم وأمدّوهم بالمعلومات التي وجدها أعضاء اللجنة "كاذبة" و"مشينة".

يبدأ فيلم كاثرين بيغلو الأول منذ «خزنة الألم» (أوسكار 2009) بنحو دقيقة من العتمة الداكنة، ليس تيمّـنا بالعنوان الذي هو التعبير العسكري عن ساعة الحسم المختارة لإنهاء حياة زعيم القاعدة، بل لوضع المشاهد في جو خانق بدكانته وخطره. نحو دقيقة ونصف لا نرى فيها شيئاً بل نسمع أنين جرحى  رنين الهواتف النقالة لأفراد بين ركامات وأنقاض مركز التجارة العالمي في الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر الماضي. هذه البداية تضع المشاهد أمام إختيار الإنحياز مع أو ضد الفيلم لأن رسالته بعد ذلك تسير في وجهة مناهضة: إذا ما كانت كارثة نيويورك الكبرى تلك حافزاً كافياً لشحن المشاهدين بخلفية الحدث الذي سيلي، وبتتويج مشاعرهم ضد مرتكبيها، فإن باقي الفيلم هو عن المنهج الذي إتبعته عميلة المخابرات مايا (جسيكا شستين) خصوصاً و"السي آي أيه" عموماً للوصول إلى من أعطى الضوء الآخر (بإعترافه) للهجوم الإرهابي، وهو منهج سيسحب بعض ما اختزنته البداية من تبريرات. 
من الشاشة المعتّمة إلى مواقع لا تقل دكانة: محققون (يمثّـلهم دان كما يقوم بدوره جاسون كلارك) من وكالة المخابرات الأميركية يكيلون للمعتقلين مختلف أنواع التعذيب. مايا تتابع بعض هذه الوسائل ولا تتأثر بها. لا تتأثر لاحقاً حين تشهد رئيس الولايات المتحدة وهو ينكر قيام أميركا بتعذيب المعتقلين. من بعد تلك اللقطة على جهاز التلفزيون حيث تبث مقابلة أوباما، لقطة على وجهها وهو خال من التعبير، كما لو أنها تؤاثر الحقائق ونفيها في وقت واحد. 
ما تصبو مايا إليه هو مواصلة  مهمّـتها في العمل على المعلومات التي يحصدها المحققون لوضع الخطّـة المحكمة للإيقاع بالرجل الذي تحوّل إلى أسطورة بين أتباعه على الأقل. مايا لن تحيد عن هذا الهدف بكل ما تحويه في دواخلها من فراغ عاطفي يجعلها بمنأى عن إبداء الرأي أو التعاطف مع أو ضد ما تقوم به. إنها موظّـفة تسعى لغاية تخدم وظيفتها ولن تتدخل في السياسة بل ستنفّذها. الفيلم يسمح لنفسه بتصوير عمليات إرهابية أخرى، لكنه، ومثل بطلته، لا وقت لديه يضيّعـه في تصوير طروحات تتداول الموضوع. ما هو الصح وما هو الخطأ وهل كانت هناك معطيات أخرى وماذا عن واحدة- أو أكثر- من نظريات المؤامرة. هناك إلتزام من الكاتب والمخرجة والفيلم بأسره بنوع من سينما التحقيق الذي لا ينتمي لا إلى الدراما المعهودة ولا إلى السينما التسجيلية المعروفة ولا حتى إلى ذلك المزيج المسمّى بـ "الدوكيو دراما". على ذلك لا يغيب أن العملية التي قادتها قوّات "السيلز" الأميركية بناءاً على ما جمعته الوكالة (وفي الفيلم مايا كونها تمثّـل الوكالة) لم تكن ردّاً على كارثة نيويورك، بل إنتقاماً لها أساساً.
«الثانية والنصف ليلاً» سيسمح لنفسه بإدانة وضع المخابرات لطرف غير بريء. لدى المخرجة تقدير أكبر للعملية العسكرية التي قام بها جنود فريق "السيلز" التابع للبحرية الأميركية. في أربعين دقيقة أخيرة في الفيلم نتابع عملية الهجوم على مقر بن لادن بكل ما تستطيع المخرجة مواكبته من دقائق وتفاصيل وفي ترتيب ذهني وتصميم تنفيذي فريد لما تتطلّـبه معالجة تهدف أن تبقى سينمائية خالصة.
هنا يتبدّى إنحياز الفيلم، من دون خطابة أو مباشرة، ضد الأسلوب المتّـبع في الحصول على المعلومات التي ستساعد مايا الوصول إلى "سعاة البريد". أولئك الذين تؤمن مايا بوجودهم وأنهم، في عالم بن لادن الذي لا يعرف الساتالايت وأجهزة الهواتف النقالة، هم من يعرفون الطريق إليه. والفيلم هنا يُـظهر تعاون رجل أردني ساهم في إحكام القبضة على الرجل المطلوب رقم واحد. لكن الأساسي في كل ذلك يبقى مايا، ليس كشخصية مستنيرة وواعية وبطولية بل كإمرأة خالية من المشاعر بإستثناء ما تكنّـه حيال إيمانها بأن طريقتها هي التي ستحقق النتائج وليس طريقة أحد آخر.
مع نهاية الفيلم ما يبقى ماثلاً كثير: أداء جسيكا شستين الصحيح، مشاهد التعذيب والأهم ذكاء إختيار المخرجة لكل أدواتها السينمائية فإذا بالكاميرا (تصوير فذ من كريغ فرايزر) تضعنا وسط المشهد الذي تريد أن تصدمنا به. وبما أن الكاميرا هنا لا تسعى لإتخاذ موقف ما، بل لتسجيل الحدث وحده، فإن هذه الصدمة لا تلغي التفاعل الذي يعيشه المشاهد. تبقى الصورة واضحة تماماً.
لقد أغفل أعضاء أكاديمية العلوم والفنون السينمائية المخرجة كاثرين بيغيلو من ترشيح تستحقه كأفضل مخرجة في سباق الأوسكار الحالي على الرغم من أن الفيلم موجود في قائمة أفضل الأفلام. فهل يعقل أن يكون الأعضاء أحبّـوا الفيلم ولم يقعوا في حب مخرجته؟ ممكن كذلك ممكن أن يخفق هذا الفيلم في مواجهة عمل يهدف إلى إثارة الحس الوطني والطمأنينة المزيـّفة أسمه «لينكولن» فيخرج بلا أوسكار في هذا المجال أيضاً.


• DIRECTOR: Christopher McQuarrie
-----------------------------------------------------------------------
• CAST: Tom Cruise, Rosamund Pike, Richard Jenkins, David Oyelowo, Werner Herzog,
Vladimir Sirov.
-----------------------------------------------------------------------
• PRODUCERS:  Tom Cruise, David Ellison, Dana Goldberg, Don Granger, Gary Levinson, Kevin J. Messick, Paula Wagner.
• SCREENPLAY: Christopher McQuarrie.
• NOVEL:  Lee Child
• CINEMATOGRAPHY: Caleb Deschanel [Colour- 35 mm].
• EDITOR: Mindy Marin (130 m).
• MUSIC: Joe Kraemer 
• PROD. DESIGNER: Jim Bissell
• PROD. COMP.: Mutual Film Company/ Paramount/ Skydance Pictures


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2008- 2013
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Sunday, January 6, 2013

Lincoln | Jack Reacher | Trilogy: The Weeping Meadow


 Lincoln   ***            


سبيلبرغ يعصر لينكولن على الآخر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لينكولن
إخراج: ستيفن سبيلبرغ | تمثيل:  دانيال داي-لويس، تومي لي جونز، سالي فيلد.
سيرة حياة | الولايات المتحدة 2012

لنضع الأمور في نصابها الحقيقي أوّلاً: إبراهام لينكولن، الرئيس السادس عشر في تاريخ الولايات المتحدة، لم يؤمن بالمساواة المطلقة بين البيض والسود، فهو كان يعتقد بأن البيض هم الجنس الأفضل، بل آمن بالمساواة حيال القانون. أي قانونياً يحق للأسود ما يحق للأبيض، لكنه يبقى أسود قبل أن يكون أي شيء آخر. لكن هذا ربما كان كافياً كبداية. وفي الفيلم يعكس حكمة حين يقول: "أفكّـر في مئتي سنة من الآن حين يبلغ عدد السود مئات الملايين»… وبعد نظر حين يقول: "أميركا أصبحت دولة رائدة ينظر إليها العالم. لا يمكن السماح ببقاء العنصرية قائمة".
الحقيقة أن لا أحد كان حاضراً إجتماعات الرئيس التي تحدّث فيها عن هذا الموضوع ولا يزال حيّـاً إلى اليوم لكي يتأكد لنا أن هذا ما قاله بالفعل. لكن هناك رسائل محفوظة تناقض هذا الكلام من بينها واحدة مكتوبة سنة 1862 يقول فيها أن مهمّـته الرئيسية ليست تحرير العبيد بل إنهاء الحرب الأهلية: "إذا كنت أستطيع إنهاء الحرب من دون تحرير أي عبد، سأفعل ذلك".
لكن الحقيقة يجب أن تقال: لينكولن في سطر آخر من رسالته كتب: "لا أقصد (بذلك) أي تعديل لرغبتي المعلنة كثيراً من أن كل الناس في كل مكان يمكن لهم أن يكونوا أحراراً".
لينكولن حسب ستيفن سبيلبرغ ليس لينكولن كاملاً. ليس سيرة حياة، بل سيرة حقبة محددة بالأسابيع الأخيرة التي سبقت التصويت على قراره في الكونغرس الأميركي على إصدار قانون يحرر السود من العبودية، ولا هو كامل بمعالجته للشخصية بموضوعية. إنه دراما معالجة بقدر كبير من التأمّـل المنحاز للرجل وإنحيازه إختياري يجعله في النهاية مصرّاً على تقديم الجوانب المناسبة من حياة وأفكار الرئيس. مناسبة لمن؟ لسبيلبرغ ومشروعه هذا لأن الموضوعية ستلخبط صياغة جمالية وعاطفية لا يريد لها أن تضطرب أو تهتز.
هو أيضاً فيلم مهم رغم ما سبق. بمجرد أن تنظر إليه من وجهة نظر تلك الصياغة الجمالية، تجد نفسك في تقدير حقيقي للجهد المبذول في خانات الفيلم التشكيلية والتصميمية: للتصوير بكل جوانبه، للتشكيل الضوئي (ولو أن فبركته واضحة في كذا مشهد)، لعناصره الإنتاجية المتوفّرة تلك التي كان يمكن لها أن ستصنع عملاً مسطّـحاً ولتفاصيله التصميمية وكل التزاوج بينها لخلق النظرة (The Look) المقصودة بها إستئصال الزمن بخصوصيّـته ووضعه أمام عين المشاهد. 
«لينكولن» حول الرئيس الأميركي  قبل بضعة أسابيع من التئام الكونغرس، بحزبيه التقليديين الجمهوري والديمقراطي، لمناقشة رغبة الرئيس في إصدار تشريع يمنح الحريّة للأفرو- أميركيين. يعايش تباين وجهات النظر والتحذيرات من أن صدور القرار قد يؤدي إلى استمرار الحرب الأهلية غير البعيدة عن واشنطن دي سي. 
يبدأ الفيلم بفصل من المعارك التي التحم فيها جنود سود وجنود بيض يتقاتلون بالسلاح الأبيض خلال موقعة من مواقع الحرب الأهلية. السود كانوا مجنّدين في الجيش الشمالي (الإتحادي) والبيض هم من الجيش الجنوبي (الكونفدرالي). والمشهد يكاد يذكّر ببداية فيلم سبيلبرغ «إنقاذ المجنّـد رايان»  بإستثناء أن المعركة هنا تنتهي بعد نحو دقيقة لنلتقي بالرئيس وهو يجلس أمام عدد من الجنود "الملوّنين"، كما كان التعبير آنذاك، ليتحدّث معهم. لا نعرف إذا كان ذلك حدث فعلاً أو لا، لكن هذا المشهد (المعتم إختياراً) هو أحد المشاهد الخارجية القليلة التي في الفيلم، فباقي المشاهد (في معظمها) تحدث في عتمة الأماكن الداخلية: مكتب الرئيس، قاعة الرئيس في منزله، قاعة الكونغرس، داخل عربة الرئيس). وإذ يستمر الفيلم في تناوله الأيام المؤدية إلى تاريخ إنعقاد الجلسة للتصويت على تشريع لينكولن ذاك، يمر في سلسلة من المواقف (وليس الأحداث لأن الفيلم خالياً منها عموماً) التي تتناول لقاءات لينكولن بأعوانه من الحزب الجمهوري كما بسياسيين مختلفين بعضهم مع والآخر ضد صدور ذلك القرار. ويحاول السيناريو جهده صنع شيء مهم من حقيقة أن لينكولن ووجه أولاً بنحو عشرين ممتنع أو معارض لقراره لكنه بذل جهداً كبيراً لكسب هذه الأصوات. يوحي الفيلم بأن الرئيس لم يخالف القانون بشرائه أصوات مؤيديه ويمنحه دفاعاً عن وسائله علماً بأن بعض المراجع ذكرت أنه رشى واشترى ذمماً في سبيل الفوز بغالبية لصالح قراره.
مهما يكن، يضعنا كل ذلك أمام فيلم هو في صلبه عملية إنتظار طويلة. هناك إنتظار لكي تتبلور الأمور وإنتظار لتمحيص الوقائع وإنتظار لوصول المندوبين مع أخبارهم والإنتظار الأكبر لعقد جلسة الكونغرس للبحث فيما ندرك جميعاً أنه صدر فعلاً.
فترات الإنتظار تتواصل حتى تسود الفيلم بأسره مشهداً بعد مشهد وفصلاً بعد فصل. هذا يحدث لأن سيناريو توني كوشنر قائم عليها. إنه بصدد الحديث عن ذلك القرار التاريخي ومن ناحية مبدأية على الفصل الخاص بذلك القرار أن يأتي في نهايات الفيلم لأنه ذروته. هذا ليس خطأ. الخطأ هو أن ما قبل ذلك اليوم العصيب لا يوجد ما يكفي من أحداث ما يجعل أرض الفيلم مسطّـحة على الدوام من مطلعه حتى ذلك الفصل… الذي حين يصل إلى الشاشة يبدو كما لو كان الهم الأول للفيلم هو إعطاء درس في التاريخ عوض البحث في جوانب غير معلومة أو معالجة الذروة بما يناسبها من تفعيل تشويقي. منهج الفيلم هو إنتظار  تصويت الكونغرس على مشروعه تحرير العبيد. والجميع، الرئيس وأعوان الرئيس ومشاهدو الرئيس، ينتظرون معه. 

إذ يختار سبيلبرغ الإنتقال إلى مشاهد التحضير للقرار التي تقع إما في بيت الرئيس أو في مقر الكونغرس آنذاك، تتوالى المَـشاهد بصيغة تقريرية مثيرة للضجر. هذا الفيلم، أراد أو لم يرد، يتحوّل إلى "فلفشة" في صفحات التاريخ من حيث لا تريده أن يكون. صحيح أنها صفحات مختارة لكي تلائم المنشود في الفيلم، لكنها صفحات من النوع الذي يساعد على النوم وليس على الإزدياد. 
هناك محطّـات معهودة للمخرج فهو يصوّر لينكولن كما يصوّر سبيلبرغ كل شخصية أب في أفلامه متدفقة الحنان. ها هو ذلك المشهد الطويل الذي ترقب فيه كاميرا يانوش كامينسكي  (يصر المخرج على الإستعانة به وبالموسيقار جون وليامز في كل أعماله) لينكولن وهو يضع إبنه الصغير على حضنه. علاقة سبيلبرغ بالأبوّة مستمدّة من حياته الخاصّـة وهذا لا بأس به، لكن حشرها لإرضاء رغبته هو البأس ذاته. وهذا يحدث لأن الفيلم لا يتعمّـق (أو حتى يبحث) في الحياة الأسروية للينكولن بل يمررها أفقيا مثل صفحات الأيباد وسبب وجودها عاطفي كحال معالجة سبيلبرغ للرئيس ما يجعل الفيلم أقل دراية وكفاءة من شريط جون فورد القديم (1939) «السيد لينكولن الشاب» Young Mr. Lincoln *** بطولة هنري فوندا.
في مقابل كل ذلك فإن حسنات فيلم سبيلبرغ الفعلية هي محض تشكيلية كما ذكرت. سبيلبرغ يصنع الفيلم المحترم للعين. المشاهد المغزولة بصرياً على نحو جيّـد ويمنح الممثلين حريّاتهم. طبعاً معظمهم هنا يمرون من دون ترك علامة تناسب مقاماتهم. قبل العرض تقرأ أسماء جون هوكس وجاكي إيرل هايلي وتيم بلايك نلسون ويارد هاريس وجيمس سبايدر لكنك لن تستطيع معرفتهم تحت الماكياج ولا هم الفيلم تعريفنا بهم (هذا سلاح ذو حدّين). الممثلون الذين يدركهم المُـشاهد من النظرة الأولى هم بالطبع دانيال داي-لويس (في دور لينكولن) وسالي فيلد (زوجته) وديفيد ستراذن (نائبه وليام سيوورد) وجوزف غوردون- ليفيت (إبنه الأكبر) وتوم لي جونز الذي لا يمكن إخفاءه بصرف النظر عن الدور. هناك أيضاً الممثل المعمّـر هال هولبروك في تشخيص مهيّـأ له. 
دانيال داي-لويس يلبس الدور بإقناع. ليس صعباً عليه التحوّل إلى الشخص على الأقل تبعاً لتفسير إجتهادي، فالتصوير كان بالكاد صوراً فوتوغرافية- وبدائية ونادرة- في القرن التاسع عشر عندما وقعت الحرب الأهلية. وفي حدود ذلك هو إبداعي من درجة بالغة الإحتراف. أما سالي فيلد فهي سالي فيلد مرّة تلو المرّة.
قبل أن ينتهي الفيلم بخمس دقائق هناك المشهد الذي يتحامل لينكولن على نفسه ويمضي صوب المسرحية التي دُعي لحضورها على غير رغبة منه. خادم البيت (الأسود) يقف عند الباب يودّعه بنظراته ولينكولن يمضي في الرواق طويلاً نحو عتمة الخارج. هنا كان على الفيلم أن ينتهي، لكنه أراد أن يكمل لما بعد. صحيح أنه يتجنّـب تصوير مقتله لكن أحداً يرتقي المنصّـة ويصيح بأن لينكولن قُـتل. وهنا أيضاً لا ينتهي الفيلم بل يمضي معيداً لينكولن إلى الحياة في خطبة يقول فيها أن أميركا بحاجة إلى السلام بين محاربيها والعالم كلّـه بحاجة إلى السلام. سبيلبرغ لا يبدو أنه يريد أن يترك لينكولن وشأنه قبل عصره لآخر نقطة!



• DIRECTOR: Steven Spielberg
-----------------------------------------------------------------------
• CAST:  Daniel Day-Lewis, Sally Field, David Strathairn, Joseph Gordon- Levitt, James Spader, Tommy Lee Jones, Hal Holbrook, Tim Blake Nelson.
-----------------------------------------------------------------------
• PRODUCERS: Kathleen Kennedy, Steve Spielberg.
• SCREENPLAY: Tony Kushner.
• NOVEL:  Doris Kearns Goodwin
• CINEMATOGRAPHY:  Janusz Kaminski [Colour- 35 mm].
• EDITOR: Michael Kahn (150 m).
• MUSIC: John Williams 
• PROD. DESIGNER: Rick Carter
• PROD. COMP.: DreamWorks/ Universal/ 20th Century Fox/ Reliance Enter./ Participant Media.




 Trilogy: The Weeping Meadow   **            

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثلاثية: المروج المنتحبة
إخراج: ثيو أنجيليبوليس | تمثيل:ألكسندرا أيديني، نيكوس بورسانيديس، يورغوس أرمينيس، فاسيليس كولوفوس.
دراما تاريخية [الحرب الأهلية/ صعود الفاشية اليونانية] | اليونان/ فرنسا 2004

1. سمات
كل أفلام ثيو انجيلوبولوس تتطلب صبرا طويلا اذ يفتح المخرج صفحات أفلامه بروية مقصودة وأحيانا بأبطأ مما ينبغي. لكن »المرج المنتحب« أكثرها بطأً ورويّة. ما يكوّن البطء ليس حركة الكاميرا ولا المونتاج ولا حتى التصميم المسبق للمشاهد ثم تنفيذها حسبها. ما يكوّن البطء هو المعالجة المذكورة بنواحيها الثلاثة عندما لا يجد المشاهد  في الصورة المنقولة ما يُـثير. عندما لا يكون هناك في المادة المنقولة، في الموضوع الماثل، ما يشغل البال او العين، ما يُـحيل المتابعة الى عملية انتظار هنا تدرك أن ما في بال المخرج لم يتحقق. على ذلك، لا يعني هذا أن المشاهد مصوّرة بجمالية شعرية وروحانية. أن الفيلم لا يملك أبعاداً. ما يعنيه هو أن  الموضوع الماثل قد يكون مهما ضمن معالجة أخرى، لكنه هنا خال من تلك الومضات والأبعاد التي تجيز له ملء ثلاث ساعات من العرض على هذا النحو الرتيب. حكاية المهاجرين اللذين تحابا وتزوّجا ثم نزحا من القرية التي غمرتها المياه وتعرضت لملاحقة الفاشية ثم إنشطرت بسببها وبسبب الحرب الأهلية في الخمسينات معالجة من دون تفاعلاتها وبقليل او نذر من الأبعاد التي كان يمكن تجسيدها. الكاميرا قد تأخذ وقتها لكي تتقدم صوب مشهد مشاة معلقة  على غصن شجرة كبيرة، لكن التجسيد المقصود لا يوازي تكوين المشهد دلالة او عمقا. انه كما لو أن المخرج صرف وقتا طويلا على التصميم وأقل على محاولة معرفة ما اذا كانت المشاهد المُصمّمة مرتبطة بما هو مقصود منها بالفعل.

2. سيناريو
يبدأ الفيلم بواحد من المشاهد الكبيرة المحببة لدى المخرج: جموعا قادمة من الهضاب يتقدمها رجل وزوجته وولده ومعهما فتاة صغيرة التقطها الزوجان يتيمة. السنة هي 1919 والمهاجرون هم يونانيون نازحون من روسيا يبغون العودة الى بلادهم ويصلون الى نهر ثيسالونيكي ويقفون عند الطرف الشمالي منه تحت ستار تعليق مقروء (بصوت المخرج نفسه) يوضح حالتهم ومن هم ثم يخصص العائلة المذكورة بالعناية. حين وصول النازحين الى ضفة النهر ينطلق سبيروس (فاسيليس كولوفوس) بالكلام ناظرا مباشرة الى الكاميرا حيث من المتفرض ايضا ان يكون هناك مستقبل ما على الضفة الأخرى يوجه سبيروس كلامه اليه. يقفز الفيلم  سنوات الى الأمام حيث أسس النازحون قرية نشطة ومزدهرة (بنيت خصيصا في منطقة كركيني) تسرح فوقها الكاميرا (بإدارة اندرياس سينانوس) مصوّرة أناس وحيوانات وبيوتا تتنفس المكان الطبيعي بدعة
إنها نقطة عالية من الفيلم ليس بسبب الكاميرا المنصبّة من بعيد ومن فوق  على القرية، بل عالية أيضا لأنها تشمل حركة كاملة محاكة بتفاصيل ثرية. أمر لن يتكرر الا مرّات قليلة طوال الفيلم. حين يعود المخرج الى شخصياته نجده اختص بالشخصيتين اللتين ستسودان الفيلم بأسره: إيليني (ألكسندرا أيديني) الفتاة اليتيمة وإبن سبيروس (الذي يبقى بلا إسم ويؤديه نيكوس  بورسانيديس) وكلاهما يحبان بعضهما البعض غصباً عن الأب سبيروس الذي كان يطلب الزواج منها (بعد وفاة زوجته خارج أحداث الفيلم المباشرة) ويهربان من القرية التي تنطلق في البحث عنهما (خلال البحث فإن الجميع ينادي إيلينا ولا ينادي إسم الإبن).  ينضم العاشقان الى  فرقة موسيقية يقودها نيكوس (يورغوس أرمينيس) حيث يبرهن الإبن عن عزف من شأنه «جعل الأشجار ترقص» كما يَصف نيكوس لعب الإبن على الأكورديون.
في مشهد يقترن مباشرة بالمسرح الإغريقي ومنفذ بذات الحس التراجيدي- المسرحي يقتحم سبيروس مسرحا مهجورا تحوّل الى مكان سكني للجوّالين والمهاجرين مناديا  ايلينا راجيا منها أن ترد عليه. يعلم أنها تسمعه. يقف على المسرح منفردا (والكاميرا من ورائه) ويتلو ما يوازي  صفحة حوار من السيناريو. بعد ذلك يوزع المخرج   الإداءات الرئيسية بين بعض أفراد الفرقة والعاشقين وبذلك يأخذ من بطولة ايلينا وزوجها مقحما المشاهد في لا مركزية الحدث وشخصيات الفيلم الى أمد بعيد هو أقسى ما يرد على الشاشة من فصول الفيلم كونه قابل للإختزال لو شاء  أنجيلوبولوس ذلك. الفترات الزمنية تتعاقب والفرقة الموسيقية تنقسم على نفسها بسبب ميل بعضهم لسياسة اليمين الفاشي وبقاء الآخرين عرضة لملاحقة السلطة وسجنهم لها. حياة الزوجين، وقد رزقا الآن بتوأمين، تصبح أكثر صعوبة في تلك الفترة فيعودان الى القرية التي نزحا منها حيث يطالعنا مشهد الشاة المعلقة. في الليلة ذاتها يفيض النهر ويغمر القرية ويضطر الزوجان وطفليهما للنجاة على ظهر مركب صغير. مرة أخرى يستعرض المخرج تصاميمه المناظرية الواسعة لمشهد طويل من المراكب وقد حملت أعلاما تتوجه بعيدا تاركة الزوجين على الضفة الأخرىهذا الفصل يليه فصل من التطوّرات السياسية حتى آخر الفيلم. الزوج يقرر تحقيق حلمه القديم والهجرة الى أميركا. والزوجة بعدما تخسره وتمر السنوات وينشأ طفليها يتوجهان لجبهة قتال في الحرب الأهلية اليونانية في أواخر الأربعينات. أحدهما تعود السلطة بجثته. الثاني تجده أمه ميّتا في بيت العائلة القديم الذي لا زال - جزئيا- مطمورا بمياه النهر (في الواقع بحيرة كركيني). الأم هي الوحيدة التي تبقى ناحبة الذكريات والسنون ووحدتها بغياب الزوج في اميركا دون أثر.

3تصميم 
تعلم أن المخرج يدافع عن أسلوب عمل حتى من دون أن يملك، لمعظم الوقت، ما يملأ فراغات المشاهد التي ينفذها، حينما تلحظ أن تصميم المشهد التمثيلي يقوم على الحركة المسرحية الكلاسيكية بكل ثقلها وتتابعها الرتيب. في المشاهد التي نرى فيه ممثلا يقود باقي الممثلين، متكلما او متحركا، تجد باقي الممثلين يتابعونه جميعا بحركة واحدة مجتمعة. الحركة الناتجة عن متابعة الشخص الماثل كيفما تحرك. تلك المشاهد التي تعكس حركة جماعية ما، هي تلك التي لا حوارات فيها والتي صممها المخرج كمشاهد كبيرة. والحوار نفسه هو أقرب الى المونولوغ  منه الى الديالوغ. وبشكل غالب ايضا يثق أنجيلوبولوس بأن مناظره ذات الرمز واصلة. ذلك المشهد المتكرر لشراشف بيضاء منشورة يلوح بها الهواء جميلة كتكوين لكنها خالية كمضمون. جميلة للتعبير عن شيء، لكن لا يبدو أن هناك شيئا تعبّر عنه.
والحال هذه، لا عجب أن التمثيل، باستثناء إداء ألكسندرا أيديني (في بعض مشاهدها الأخيرةويورغوس أرمينيس (في معظم مشاهده) خال من الحياة بدوره. انه من المؤسف كيف أن الطفلين الصغيرين يكادان ينفذان حرفيا تعاليم بدنية من نوع »تتقدم خطوة واحدة وتقف هنا« وشأنهما لا يختلف كثيرا عن شأن الكبار.
المشاهد التي تنجح أكثر من سواها تلك العامة الكبيرة التي تصوّر حالة شاملة كمشهد القرية الأول، ثم مشهدها وقد فاضت المياه من حولها. هنا ينفذ انجيلوبولوس الى أعماله السابقة. يجد المشاهد الرابط الإبداعي بين تلك الأعمال وبين هذه المشاهد المميزة. في سياق الأساليب القائمة على كاميرا التأمل (من أندريه تاركوفسكي وما دون) يقف انجيلوبولوس عادة في موقع متقدم. لكن هذا الفيلم لم يساعده بأي حال. إنه يذكر بقيمته لمن شاهد أعماله السابقة واللاحقة.
لكن المشاهد بأسرها جميلة بصمتها وحزنها وتصميمها كأفكار. ما كان ينقص هو شحنها بعاطفة ما حيال ما يدور كما بشخصيات تثير تلك العاطفة كما بسيناريو يربط حكاياتها على نحو يتفاعل أمام المشاهد وليس بعيداً عنه.



DIRECTOR: Theo Angelopoulos 
-----------------------------------------------------------------------
CAST: Alexandra Aidini (Eleni), Nikos Poursanidis (Son), Yorgos Armenis, Vasilis Kolovos, Eva Kotamanidou, Toula Stathopoulou Zissis, Mihalis Yannatos,  Thalia Argyriou. 
-----------------------------------------------------------------------
SCREENPLAY:Angelopoulos, Tonino Guerra, Petros Markaris, Giorgio Silvagni. 
CINEMATOGRAPHY: Andreas Sinanos (Colour- 35 mm). 
EDITOR: Yorgos Triantafyllou (178m). 
MUSIC: Eleni Karaindrou. 
ART DIRECTOR:  Yorgos Patsas, Kostas Dimitriadis.
-----------------------------------------------------------------------
PRODUCERS: Angelopoulos, Fivi Ekanomopoulos. 
PROD. COMPANY: Theo Anelopoulos/ Greek Film Centre/ Attica Art/ Hellenic Broadcasting Corp/ BAC Films/ Inetermedia Arte [Greece/ France- 2004]. 





نسخة أرشيفية
 Jack Reacher   ****            
مهمّـة مستحيلة أخرى لتوم كروز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جاك ريتشر
إخراج: كريستوفر مكواري | تمثيل: توم كروز، روزماند بايك، رتشارد جنكنز.
تشويق بوليسي | الولايات المتحدة 2012

في العام 1997 كتب لي تشايلد أول رواية من بطولة شخصية أسمها جاك ريتشر ومنذ ذلك الحين وضع ستة عشر أو سبعة عشر رواية من بطولة شخصيّته هذه لم أقرأ سوى إثنين منها ليس من بينهما رواية «طلقة واحدة» (التاسعة في السلسلة) التي تم إقتباس هذا الفيلم عنها. لكن المشاهد المتابع والمداوم يدرك أن الرسم الذي اعتمده المؤلّـف للشخصية منسوج من حبّـه لروايات بوليسية سابقة كتلك التي وضعها- وربما على الأخص- رايموند تشاندلر وأسند بطولتها إلى شخصية تحر خاص أسمه فيليب مارلو.
شيء أساسي واحد دال على هذا التأثر هو أن شخصية جاك ريتشر مبنية لتعيش في هذا العصر إنما بمواصفات عصر آخر. عصر لم يكن يستخدم بعد البطاقات المصرفية ولا الهواتف النقّـالة، وهو عصر الأربعينات، تلك التي دارت حكايات تشاندلر فيها. فبطله لا يملك الرغبة في حداثة وعصرنة حياته. لا يملك سيّـارة (لكنه قد يسرق واحدة أو أكثر في هذا الفيلم) بل يفضل ركوب الحافلات. ومع أن الشخصية مكتوبة وفي البال رجل في مطلع الأربعينات من عمره، إلا أن الأفكار التي في بال جاك ريتشر هي لشخص في الخمسينات. 
مهما يكن، ينقل المخرج كريستوفر مكواري في ثاني عمل له (الأول كان بوليسيا أيضاً بعنوان «طريق المسدس» قبل إحدى عشر سنة) الجو المنشود جيّـداً. لدينا تحر يعيش وحيداً لا يكلّـم أحداً ولا يملك تاريخاً يمكن للإستخبارات المحليّـة ترصدّه منه أو الإهتداء إليه. كل ما تملكه عليه هو أنه كان مجنّداً سابقاً… "بعد ذلك عاد من العراق واختفى". لكنه لن يختفي طويلاً هنا، إذ أن متّهما بجريمة شنيعة (ضحيّـتها بضع نساء بينهن حامل ورجل) يطلب مساعدته. ريتشر (توم كروز) يظهر للمحققين ويختار مساعدة المحامية (روزماند بايك) لتبرأة ساحة المتّهم ما يعني أن عليه معرفة من الفاعل الحقيقي والنيل منه.
يقدم المخرج على تورية جيّـدة. لقطة لرجل لا يدعوك للإطمئنان ثم لقنّاص على سطح مطل على حديقة عامّـة يبدأ بقتل عشوائي يسقط نتيجته رجل واحد وأربع نساء وطفلة (وإحدى النساء كانت حاملاً أيضاً). تعتقد أن الرجل الذي شاهدناه هو القنّـاص. لكنه ليس هو وهويّته تصبح مجال لغز الفيلم لبعض الوقت. حين يُـلقى القبض على الرجل الخطأ يطلب هذا جاك ريتشر، وقبل إنجلاء الموقف بأبعاده وحقائقه يصبح لدينا لغز آخر هو من هو جاك ريتشر ولماذا طلبه المعتقل الذي تحوم الشبهات حوله مستفيدة من قرائن دامغة. جاك ريتشر سيصل متحرّيـاً وسيتعاون مع محامية دفاع (روزماند بايك) للكشف عن الفاعلين الحقيقيين والسبب الذي من أجله وجد الرجل الخطأ نفسه متّـهماً.
لن أكشف أكثر من ذلك لكن قلب الحبكة، تلك التفعيلة التي يستطيع الفيلم أن يبني عليها الأحداث كلّـها، هش إلى حد، على ذلك، وبفضل سيناريو مقبول كتبه المخرج بنفسه، فإن الأحداث تبدو أكثر تماسكاً وصلابة بسبب معالجتها على نحو ينجح في الإبتعاد عن التقليد. فهو لا يصفعنا بعلاقة حب مفاجئة بين بطله وبين المحامية، ولا ينبري ليتعامل وتوابل معهودة، بل يبقي حريصاً على توفير الجديد مانحاً الفيلم زخماً متواصلاً من التشويق. 
في الوقت نفسه هناك ما يكفي من الدلالات السياسية خصوصاً عندما يطلب ريتشر من المحامية النظر من نافذتها إلى عدد من الموظّفين في مبنى آخر وهم يعملون: "قيل لنا أن هذا البلد بُـني على الحريّـة ويحاول تطبيقها حول العالم… لكن أنظري هناك… هل تجدين موظّـفاً حراً من الديون؟ من الأعباء؟ من المشاكل؟ من الإحباطات؟ من الخوف؟". كلام جيّد لفيلم يمشي إلى يسار الوسط ويقدّم شخصيّـة رافضة للحرب ورافضة للكيفية التي يعيش فيها الأميركي في بلاده المؤطرة بالقوانين المانعة. 
النقاد الأميركيون لم يستجيبوا جيّداً للفيلم، لكن معظم نقدهم انحصر في أن توم كروز ليس صالحاً للدور من باب أن تشايلد كتب شخصيّـته بمواصفات بدنية مختلفة: طويل وكبير الحجم يصلح لأن يكون مصارعاً. توم كروز أصغر حجماً وطولاً- لكن منذ متى كان ذلك أساساً للحكم؟ المسألة تتحوّل إلى ضد الفيلم لو أنه مثـّل دوره على نحو ركيك أو فضفاض أو على نحو غير مقنع. مشاهد العراك التي يؤديها كروز ليست خيالية لحد أنك تتساءل كيف يمكن لرجل في طوله أن ينال من رجال أطول منه؟ 
في الفيلم يلعب المخرج الألماني ڤرنر هرتزوغ دور رجل شرير. إنه الشرير الذي يقف عادة وراء الأشرار. يتكلّم بلكنة مفترض أن تكون روسية، ولا أدري إذا كان وجوده طلباً منه أو طلباً من المخرج إليه، لكنه يسلّـي خصوصاً وأنه يتلو حكاية وقعت له فوق ثلوج سايبيريا. يقول: "أكلت أصابع يدي حتى لا تُـصاب بالتجمّد"، وحال ينطق ذلك يداهمني الإعتقاد أنه هو من كتب حواره هنا خصوصاً وأنه كان وعد متابعيه ذات مرّة بأن يأكل فردة حذائه إذا أخلف شيئاً (ل أذكره) وحدث وأن أخلف فعلاً فتناول حذاءه (أو جزءاً منه) في مؤتمر صحافي في مهرجان "كان". يعملها.



• DIRECTOR: Christopher McQuarrie
-----------------------------------------------------------------------
• CAST: Tom Cruise, Rosamund Pike, Richard Jenkins, David Oyelowo, Werner Herzog,
Vladimir Sirov.
-----------------------------------------------------------------------
• PRODUCERS:  Tom Cruise, David Ellison, Dana Goldberg, Don Granger, Gary Levinson, Kevin J. Messick, Paula Wagner.
• SCREENPLAY: Christopher McQuarrie.
• NOVEL:  Lee Child
• CINEMATOGRAPHY: Caleb Deschanel [Colour- 35 mm].
• EDITOR: Mindy Marin (130 m).
• MUSIC: Joe Kraemer 
• PROD. DESIGNER: Jim Bissell
• PROD. COMP.: Mutual Film Company/ Paramount/ Skydance Pictures


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2008- 2013
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ