Pages

ثريلر | Taken 3 • أحمد عبد الرحيم


Taken 3
مخطوفة 3
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحمد عبدالرحيم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 أكشن بطعم الوجبات المأكولة سابقاً 


إخراج أوليفر ميجاتون
أكشن بوليسي [سلسلة] | فرنسا/ الولايات المتحدة- 2015
•  تقييم الناقد : ★★★★


هذا هو الجزء الثالث من سلسلة أفلام الأكشن الصاخب Taken، والمقصود المخطوف أو المخطوفة، التى ينتجها السينمائىي الفرنسي لوك بيسون، وتنطق بالإنجليزية، ويقوم ببطولتها النجم إيرلندى الأصل ليام نيسون. Taken الأول سنة 2008، وTaken الثانى سنة 2012، حققا إيردات خيالية تعدت 700 مليون دولار، وهو ما جعل الطلب مُـلحاً لتفريخ Taken ثالث. لكن يبدو لإنشغال نيسون الشديد فى سنتى 2013 و2014، بـ13 عمل سينمائى وتلفزيونى ومسرحى، إضطر بيسون، المشارك فى الكتابة هنا أيضاً، أن يمزج أجزاء من أفلام سابقة، مرتجلاً سيناريو جزء جديد بأقصى سرعة، يتمكن نيسون من تصويره فى أقل من شهر، وهو ما حدث بالفعل، لتكون النتيجة للأسف هذا الفيلم المتسرع، الممل، الأصفر !

راجع معى إعادة تدوير الأفلام على نحو سيئ : من جديد، سنتابع شخصية عميل المخابرات المتقاعد برايان ميلز، وعائلته المكونة من ابنته الشابة وزوجته السابقة (الفيلمان السابقان فى سلسلة Taken)، حيث يُـتَهم ظلماً بقتل هذه الزوجة، ثم يهرب من الشرطة، محاولاً العثور على القاتل الحقيقي (فيلم The Fugitive من عام 1994، مع سرقة مشهد هرب البطل من الشرطة إلى أنبوب مجاري!)، وذلك من خلال مطاردات بالسيارات، وذروة تتضمن سيارة تطارد طائرة على وشك الإقلاع (فيلم The Transporter 2 أو الناقل الجزء الثاني من سنة 2005، من تأليف وإنتاج بيسون نفسه). ما ضايقني ليس عدم أصالة ما سبق؛ وإنما النتاج الغبى لتزاوجهم !

الحق أنى لم أحتمل قصفنا كمشاهدين بنقاط سلبية لا تنقطع. إليك بعض القنابل الصغيرة : المفروض أن مرتكب الجريمة هو الزوج الجديد لزوجة ميلز (أداء دوجراى سكوت) وذلك رغبة فى صرف بوليصة التأمين على حياتها كى يسدد ديونه لعصابة المافيا الروسية. لكن عند كذبه على ميلز، يقول : "أنا أخبرت الشرطة أنك القاتل كى أنتقم منك لإعتقادى أنك أقمت علاقة مع زوجتي. ثم أخبرت العصابة أنك ورائهم كي تحميني أنا وابنتك !" صدقني عزيزي القارئ، لقد إضطررت أن أعيد مشاهدة الفيلم خصيصاً كى أتأكد أن ما سمعته فى هذا المشهد صحيح. إن الأمر يبدو كشخص يريد موتك وحياتك فى نفس الوقت، وهذه ليست حماقة من الشخصية بقدر ما هى حماقة من الكاتب!

مفتش المباحث (أداء الممثل الأسمر فوريست ويتيكر) المكلَّف بقضية قتل الزوجة، والقبض على ميلز، يكتشف أن البطل برئ من الجريمة لمجرد أنه ذهب لزيارة طليقته قبيل قتلها بصحبة معجنات ساخنة ! إما أنه يقصد أن من يعتزم القتل لابد أن يذهب لهدفه بمعجنات باردة، وإما أن بيسون يقدم إعادة لشخصية Pink Panther أو الفهد الوردي كمحقق أبله لكن لونه أسمر هذه المرة، وهى فكرة أفضل من الأولى بكثير!  

يمحو ميلز المافيا الروسية من على وجه الأرض، بينما الشرطة لا تحقق معه فى هذا الأمر مطلقاً، رغم المذبحة التى أتمها قبل قتل زعيم العصابة !! تنقلب سيارة ميلز من فوق الجبل، ثم تسقط متفجرة إلى ألف قطعة، ثم نكتشف فى اللقطة التالية أنه حى يرزق، هكذا بدون تفسير، أو إحترام لعقلية المشاهد !! قرب النهاية، يباغت زوج الأم، أى شرير الفيلم، بإختطاف ابنة البطل، أو أقرب ما يكون لبطلة الفيلم، ليطارده البطل كوسيلة لإنهاء الفصل الثالث من الفيلم. ألا تعرف ما اسم ذلك ؟! اسمه أكثر الحيل إبتذالاً فى التاريخ الحديث لسينما الأكشن الأمريكية، وأستطيع أن أعدد لك ما لا يقل عن 100 فيلم أمريكى من العقد الأخير فقط، تقوم فيهم الذروة على إختطاف الشرير للبطلة وتفرغ البطل لإنقاذها !!

وأخيراً، لماذا يمسك مفتش المباحث قطعة شطرنج فى مشهد المطعم ؟ هل وجدها هناك ؟ هل يوزعون واحدة مع كل وجبة كومبو ؟ هل هى لعبته التى تحادثه منذ الصغر، وهى التى أخبرته على دليل "المعجنات الساخنة" العبقرى ؟! 

برايان ميلز بطل سلسلة Taken ليس شخصية عظيمة فى الأساس. إنه يبدو كخارق، ويتصرف كخارق، وإن كان أقرب للملل الخارق من الرجل الخارق. إنه كبطل أكشن لا يملك أى شئ أصيل، ولا يصاب بأى أذى، ومجرد من أى روح مرحة (رغم أن شوارزنيجر بطل معدنى بالكامل فى سلسلة The Terminator، أو المدمر، فإن لديه على الأقل أفيهات لطيفة يقولها !). مما يجعل مجمل ما يمكن حبه فى ميلز هو أنه أب / زوج سابق مخلص، ويلعبه نجم محبوب اسمه ليام نيسون. إذ لم يكفك ذلك، وهو لا يكفينى أنا شخصياً، فإن هذا يتركنا مع مميزات ميلز المتبقية وهى : معداته المتطورة علمياً، وغضبه الجارف، وقدراته القتالية؛ والتى يتصادف أنها تظهر كلها فى هذا الفيلم على نحو دون المستوى ! 


فى هذا الجزء إنسى أى معدات مبدعة أو مدهشة. وبالنسبة للغضب والقدرات القتالية فالمحصلة صفر. ستشاهد ميلز يقاتل عشرات الخصوم، يواجه مئات الرصاصات، يقتحم الزجاج بجسده، ينجو من إنفجارات، كل ذلك بدون خدش واحد على وجهه أو نقطة دم تنزف منه ! هذه الشخصية التى لا تُقهَر على طول الخط مضجرة للغاية، وتجعل كل تتابع مثير سهل التنبؤ بنتيجته. كما أن خلوها من الضعف، واجتنابها لأى خطأ، يفقدها الصلة الإنسانية مع المشاهد؛ ليتحول ميلز إلى روبوت سمج متبلد، وهو ما ينفى الإنفعال به من جانبنا. أضف لذلك عدم إهتمام نيسون ذاته هذه الجولة. إنظر لردود أفعاله فى كل مشهد، بل فى كل لقطة، وستكتشف ببساطة أنه غير مكترث تماماً فى المشاركة بهذا الفيلم. كمثال، راقبه فى معركته بمنزل زعيم المافيا الروسية عندما يتلقى لكمة على وجهه ويسقط أرضاً. إن ملامح وجهه لا تعطى إيحاء بأى شعور، سواء كان ألم أو غيره، وكأنه كممثل زهق من تكرار المواقف، ويريد إنهاء العمل دون بذل مجهود يذكر !

بذكر الروبوتات، أنا أؤمن أن لوك بيسون نصف إنسان، نصف روبوت. فهو كمؤسسة إنتاج وتأليف وإخراج يطلق سنوياً مجموعة أفلام أغلبها أكشن آلى لا تلعب المشاعر دوراً فيه. وفى Taken 3 قام بدوره كمنتج ومشارك فى الكتابة بشكل يخلو من ذرة طرافة أو خيال أو جاذبية. مخرج الفيلم، الفرنسى أوليفر ميجاتون، صنع إعلاناً طويلاً بلا روح، بمقارنته مع إعلان الفيلم التجارى سيتفوق الأخير بجدارة ! ما أعيانى فى تقنيته هو إصراره المرضى على طمر صورة الفيلم كلها فى اللون الأصفر الفاقع. فإذا كان غرضه فنياً، لتجسيد حرارة الأحداث ورطوبة الأجواء، فلقد تمت المبالغة فى ذلك لدرجة أصابتنى بضربة شمس. وإذا كان الغرض مجرد شكل مختلف، فهى حذلقة سخيفة أعمتنى! موسيقى ناثانيل ميتشلى عانت من عقم عاطفى، وبعد إصطدام الطائرة فى النهاية إنقلبت إلى خطابية طنانة، وكأننا إنتقلنا فجأة لفيلم The Ten Commandments أو الوصايا العشر (1956) لسيسل بى دى ميل ! لمدة ساعتين إلا ثلث ما ستشاهده لن يخرج عن ذلك : حدث رآيناه من قبل فى فيلم أفضل حالاً، ثم نقطة غبية فى السيناريو، ثم تتابع أكشن ينتصر فيه البطل على نحو بديهى معروف سلفاً. كل ذلك فى دورة تتكرر وتتكرر، عبر مونتاج أشبه بمدفع سريع الطلقات، لا يعطيك الفرصة كى تفكر أو تستمتع أو حتى ترى أى شئ !

إنه فيلم لا يملك ما يفخر به، اللهم إلا مشهد كسر سيارة البطل لعجلة الطائرة أثناء تأهبها للإقلاع. حتى هذه اللحظة ستهزمها بعد ثوانى جملة الختام جبارة السخف؛ حيث تتفق أسرة ميلز على تسمية حفيدتهم الأولى على اسم جدتها القتيلة. من ناحية، هى حركة مكشوفة جداً تمت سابقاً فى آلاف الأفلام والمسلسلات، ومن ناحية أخرى، قد يضطرب قولونك حينما تدرك أن فى ذلك تلميح لفرد أسرة ميلز الذى سيتم إختطافه فى فيلم جديد محتمل من السلسلة !

صحيح أن الوجبات السريعة، كالبيتزا والهامبرجر، مجرد خلط لا تروى فيه، لأشباه عناصر، يقود لمُنتَج لا يحمل تميزاً كبيراً عن باقيه، لكنها كما قلت وجبات لها متعتها. نوعية فيلم حرف B، أو ما نطلق عليه الفيلم التجارى، يظهر أحياناً كوجبة سريعة، لكن حارة أو لذيذة. المشكلة هذه المرة ليست أننا بصدد وجبة سريعة باردة، المشكلة أننا أمام وجبة سريعة باردة.. مأكولة قبل ذلك!