نقد فيلم توفيق صالح الأول: درب المهابيل | تحية لممثلين مغمورين رائعين



Year 5/ Issue: 167

شاشات محمد رُضــا
فيليس أورلاندي ومات كلارك: ممثلان جديران بالتحية

  فيليس أورلاندي، الذي وعدتكم بالحديث عنه إن لم يكن لشيء فلأني أحب أن أقول كل ما عندي عن أي ممثل يستحق الإشارة خصوصاً إذا لم يكن معروفاً، ظهر في نحو أربعة عشر فيلماً ثم اعتزل ليموت عن 87 سنة في الحادي والعشرين من العام 2003 أي بعد 23 سنة على ظهوره في آخر فيلم له لاعباً دور حارس السجن في Another 48 Hrs  بما أن مخرج هذا الفيلم هو وولتر هِـل، مخرج The Driver، موضوع هذه الزاوية في العدد الماضي، فإن المرء يمكن أن يتكهّـن أنه لعب في أفلام أخرى للمخرج نفسه، وبالفعل نجده في فيلمين آخرين من إخراج هِـل هما Hard Times [«أزمنة صعبة»- 1975] و The Long Riders [«الفرسان الطوال»- 1980]. 
لكن شغل الممثل في السينما كان متقطّـعاً من الأساس. كان له دور صغير جدّاً في Killer's Kiss قبلة القاتل-1955] لستانلي كوبريك ثم دور صغير آخر في The Harder They Fall [مارك روبسون-1965]. بعده ظهر في Never Love A Stranger [روبرت ستيفنس- 1958] ثم في بطولة The Pusher [جين ملفورد- 1960] وكلاهما من الأفلام التي لم أرها بعد. لكن كل ما ورد هو أدوار شاقّـة في أفلام تشويقية وحادة.
  
شكله الحسن لم يعن أن أدواره كانت خيّـرة. هكذا كان حاله أيضاً حين لعب شخصية ألبرت الذي تم إستئجاره ليتظاهر بأنه الشاهد الذي سيستخدمه المدّعي العام. ذلك في فيلم «بوليت» Bullett للمخرج بيتر ياتس سنة 1968

لهذا الفيلم البوليس مكانة خاصّـة عندي ذكرتها في مقالة لي عنه وربما سأذكرها قريباً للقراء الجدد. شيء له علاقة بسان فرنسيسكو ذاتها حيث تدور الأحداث. لكن الفيلم بحد ذاته رائع أيضاً ومن يريد إخراج أفلامه بأسلوب واقعي وتسجيلي عليه أن يرصد هذا الفيلم. الفصل الذي يظهر فيه فيليس يقع في الدقائق الخمسة عشر الأولى من الفيلم. لا أنساه يغافل التحري الذي يحل معه في غرفة الفندق الصغيرة التي تم وضعه فيها. يتظاهر بأنه يسمع الموسيقا من راديو بالقرب من الباب ثم يرفع القفل عنه بغفلة من التحري. القاتلان سيقتحمان المكان ويطلقان النار على التحري ثم عليه هو… منظره وهو يرفع يديه غير مصدّق أن هذا سيحدث لا ينسى. طلقة من البوب أب تطيح به فوق السرير. نهاية الدور.

ظهر في أفلام أخرى لكن واحداً منه ليس أكشن وهو «كاتش 22» [مايك نيكولز- 1970] الكوميديا السوداء مع ألان أركِن ومارتن بالسام وأنطوني بركنز من بين آخرين. الفيلم التالي مباشرة وضعه في صلب الحكاية البوليسية وعنوانه The Outfit [المنظّـمة | جون فلين- 1973]. ولجانب هذه الأفلام ظهر في 44 حلقة تلفزيونية في الفترة النشطة من حياته المهنية.
----- *****------

من ناحية الممثل الآخر مات كلارك فإن باعه أطول وأكثر عدداً وهو لا يزال حيّاً. فهو ظهر في 55 عملاً سينمائياً و25 فيلماً تلفزيونياً ولم يكترث للتمثيل في حلقات تلفزيونية. له مظهر خاص: محدودب بعض الشيء، يمثّـل على نحو من الثقل في الحركة، لكنه ممثل جيّد ويجسد ما هو مطلوب منه ضمن مساحة الدور. إنه من ذلك النوع الذي لا يُمنح بطولة، لكنه يترك في أي نطاق يؤديه أثراً وحضوراً مهمّاً.

بعد عدد من الأفلام المتناثرة التي بدأها سنة 1964 بـ Black Like Me [«أسود مثلي» | كارل لرنر] أوجد له المخرج نورمان جويسون دوراً مسانداً في فيلم «في حرارة الليل» In the Heat of the Night لاعباً دور واحد من رجال البوليس تحت إدارة رود شتايغر. بعده ظهر مع شارلتون هستون في وسترن هو Will Penny [توم غرايز- 1968] واحتل دوراً رائعاً بعد ثلاث سنوات وثلاثة أفلام في Monte Walsh [وليام أ. فراكر- 1970]. هناك هو الكاوبوي الذي أحيل للتقاعد لأن الأحوال الإقتصادية سيئة. يتحوّل إلى شرير ويلاحقه لي مارڤن ويرديه

The Grissom Gang عصابة غريسوم» | روبرت ألدريتش-1971 أيضاً] وضعه في دور صغير لكن الفيلم احتوى على ممثل جيّد وغير معروف آخر هو سكوت ولسون. عاد إلى سينما الوسترن في «رعاة البقر» [مارك رايدل- 1971] ثم لعب واحداً من أفضل أدواره في فيلم وسترن رائع هو The Culpepper Cattle Co. [دك رتشاردس- 1972]: راعي بقر يضطر لمغادرة المجموعة لكونه لا يود الرد على إهانة بالسلاح. اللحظة التي يتراجع فيها عن المواجهة رائعة. بعده دخل أربعة أفلام الوسترن متتالية هي: «غارة نورثفيلد مينوسوتا الكبرى»  The Great Northfield Minnesota Raid لفيليب كوفمن (1972) و«جيرومايا جونسون» [سيدني بولاك-1972] و «حياة وأزمنة القاضي روي بين» [جون هيوستن-1972] ثم- أفضلها- Pat Garrett & Billy the Kid [سام بكنباه-1973] إذا شاهدته فقط في هذا الفيلم الأخير ستحب مشاهدته في الأفلام السابقة كلّـها: هو مساعد الشريف الذي يلعب الورق مع المجرم بيلي ذ كيد ويدافع عنه أمام زميله المتديّن (الممثل الجيّد الآخر آر. جي. أرمسترونغ) لكن هذا لا يمنع بيلي (كريس كريستوفرسون) من قتله لاحقاً

تابع مات كلارك العمل بغزارة وظهر في The Outlaw Josey Wales   [«الخارج عن القانون جوزي وَلز» | كلينت ايستوود- 1976] دور صغير- لكن الممثل الجيد هو من يصنع من دوره الصغير دوراً كبيراً.

شاهدته في 42 هذا العام، لكنه وقد بلغ السادسة والسبعين من العمر، لا يظهر كثيراً. وهو أخرج فيلمين أو أربعة أفلام شاهدت واحداً منها هو Da («أبي»- 1988) من أرق الأفلام التي تناولت العلاقة بين إبن وأبيه في التاريخ- ولا يهم أن أحداً آخر من النقاد العرب شاهده لأن معظمهم يكتفي بنحو 10 بالمئة مما هو متاح للمشاهدة على أي حال.

والى موعد قريب مع أوراق جديدة.


أفلام توفيق صالح |
___________________________________________________________________

فيلم توفيق صالح الأول عن مجتمع الذين لا حول لهم

الفيلم: درب المهابيل
إخراج: توفيق صالح (1955)
أدوار أولى: شكري سرحان، برلنتي عبدالحميد، عبد الغني
قمر، توفيق الدقن، حسن البارودي، نادية السبع.
النوع: دراما إجتماعية
تقييم الناقد: *** (من خمسة)

إذ لم تتح لي (ولكثيرين غيري) مناقشة المخرج الراحل توفيق صالح في كل فيلم على حدة [واجب أهمله حتى النقاد القادرين مكاناً وزماناً على ذلك] فإن ما يبقى لديّ هو قراءة الصورة والتكهّـن من أن بعض الناتج من هذه القراءة في مكانه الصحيح. البعض الآخر هو في مكانه الصحيح فعلاً، لكن البعض الأول والمقصود هو ما يرد مثلاً منذ مطلع الفيلم ثم يزداد حضوراً بعد نصف ساعة وينسحب على الفيلم لباقي مدّة عرضه.
هذا الشيء هو المرجعية التسجيلية التي استلهم منها توفيق صالح معالجته البصرية والحسيّة. لا ندري إذ ترك مصر إلى باريس لدراسة السينما باكراً ما هي الأفلام التي استهوته، وكيف أقبل عليها ولماذا هي بالذات، لكن الفيلم يطالعنا ببعض الإجابات خصوصاً وأنه الفيلم الأول… العمل الأكثر عرضة للكشف عن الشخصية السينمائية لمخرج جديد.
«درب المهابيل» عن سيناريو لنجيب محفوظ وتوفيق صالح يدور حول ما يحدث لأهل حارة قاهرية عندما يفوز أحد الساكنين فيها بألف جنيه في اليانصيب. لكن ماذا لو كان هذا الفائز هو «أهبل» الحارة؟ العبيط الذي يمسك بالبخور ويمر على المحلات بأدعيته الدينية التي يراها البعض بركة والبعض الآخر يتبرم منه ومنها؟
إختار المخرج البدء بتصوير البيت: أب (عبدالعزيز أحمد متديّن. أم ذات خامة طيّبة (رفيعة الشال)  وإبنتهما الشابّة (برلنتي عبدالحميد) المخطوبة للشاب طه (شكري سرحان) الذي يسكن على السطح. من البيت إلى الشارع حيث يتم تعريفنا بباقي الشخصيات: صاحب محل العجلات البخيل عزوز (حسن البارودي) وإبنه (توفيق الدقن) الذي على علاقة بإبنة الليل ذات السمعة (نادية السبع)، أصحاب المحلات عبد الغني الجندي وشفيق نور الدين وأحمد الجزيري والفقير (أحمد أباظة) والأهبل (عبد الغني قمر). وسيلة توفيق صالح في التعريف بكل واحد من هؤلاء هي استطرادية وفي بعض الحالات يترك للكاميرا أن «تسجل» دخول الشخصية الفيلم ثم «تسجل» ما تقوم به في عملية تعريف  غير مستعجلة للوصول إلى نهايتها. يستلم صالح بعض الشخصيات على حدة وبالمتابعة: شخصية المرأة المشبوهة أخلاقياً تصل إلى المبنى بسيارة أجرة. تخرج مترنّحة. تدفع "مفيش فكّة". تصعد السلم إلى شقّتها. يتعرّض لها إبن العجلاتي. تصدّه. تدخل. تأخذ وقتها لتبحث عن الفكّـة وترميها من الشبّاك للسائق. 
مباشرة بعد ذلك ترصد الكاميرا العبيط حين تقدّمه- مثل إبنة الليل- لأول مرّة: يصل إلى شارع الحارة الرئيسي ويدخل ويخرج من المحال والكاميرا تتابعه. تسجل من يتبارك به ومن لا يأبه له ثم تتركه وقد جلس ومعزته لجانب رجل فقير على الأرض.
هذا نوع من تسجيل الواقع ولو روائياً. توفيق صالح في تجربته الأولى يفضّـل هذا الأسلوب على أسلوب روائي بالكامل يلعب به المونتاج (قام به هنا سعيد الشيخ) دوراً أعلى. ما يبرهنه صالح هنا، لجانب تفضيله هذا النوع من الرصد، هو رغبته في التدليل على الشخصيات الملوّنة (الفيلم بالأبيض والأسود) التي يوفّرها. ليس منها شخصية ملائكية، إلا شخصية خديجة (برلنتي عبدالحميد). حتى طه هو أرعن في نهاية الأمر بعدما فقد رشده حين اكتشف أن ورقة اليانصيب التي اشتراها من أجرته عاملاً في محل الدراجات هي التي فازت. هناك شخصية أخرى جيّدة هي شخصية رجل الدين الذي يرمز للوسطية والخير ويحسن المخرج تقديمه من دون كثير دعاية. الباقون نموذجيون لمن يتخلّـى سريعاً عن المبدأ تبعاً لمصالح أقحمت نفسها على الحارة كلّـها.
بائعة اليانصيب (إلهام زكي) تحاول بيع ورقتها. يصرفها معظم الشخصيات. فقط شفيق نور الدين أراد شراء الورقة لكنه عدل عن ذلك عندما نهاه جاره. طه الفقير الحالم بحياة أفضل تضمّه وخطيبته يدخل على صاحب محل الدراجات (البارودي) ويطلب منه قرشاً من أجرته. يعطيه ذاك القرش مكرهاً. يشتري به الورقة ثم، ومن دون تفسير، يعطي ورقة اليانصيب إلى من يحب التي تدخل بها على أبيها المتديّن فيأمرها برميها في الشارع. يتلقفها صبي ويعطيها للأهبل. الأهبل يفوز بها في اليوم التالي. 
بالطبع سيشعر طه أنه سُـرق عندما يكتشف ما فعله والد خطيبته لكن المفاجأة هي أن صاحب المحل وإبنه يدّعيان أنهما صاحبا الورقة، ثم ينضم إليهما آخرين كل يدّعي الأمر نفسه. تنشب معركة بالأيدي يفضّـها البوليس. لكن النفوس لا تهدأ ويقوم المخرج بإستعراض إزدواجية المواقف (حتى الأب الذي استنكر على إبنته اليانصيب "عايزة في آخر الزمن تلعبي قمار؟" ينقلب يلوم نفسه)
مع أن الحبكة ذاتها لا تخلو من إفتراضية كبيرة، إلا أن المخرج يستغل إحتمالاتها الصغيرة ليصنع الفيلم الذي يريد. ينجح في تفجير الوضع على نحو جيّد ولو أن الفيلم نفسه يبقى مطّـاط المواقف في أكثر من مكان. بالتالي، وتبعاً لهذا النجاح، يعبّـر صالح عن وضع الحارة عندما تهبط عليها نعمة تنقلب إلى نقمة، وكيف يؤثر ذلك على المواقف. هذه الدراما هي حول مجتمع محكوم بالقدرات المحدودة وأحلام الثراء الذي لن يستطع سوى السير في مكانه الواحد. 
الفيلم مصوّر بأسره داخل الحارة عاصراً رمزياتها لكن ما يزعج هو تلك  الموسيقا (عبدالعزيز محمد) التي لا تريد أن تنتهي وتمثيل عبدالغني قمر لدور الأهبل الذي يتكرر من دون تمحيص حقيقي ينتج عنه تشخيص واقعي. كذلك بعض السذاجة في تصوير حالات أريد تصوير تناقضاتها مثل المشهدين المتقاطعين: واحد بين توفيق الدقن وعشيقته (الحب الخاطيء) وآخر بين شكري سرحان وحبيبته (الحب البريء). لكن عين المخرج على البعد الإجتماعي يبقى الأهم والأكثر مدعاة للتقدير حيث يستعد الفرقاء للتخلّـي حتى عن قناعاتهم الدينية حبّـاً في الثراء إنعكاساً (وهذا هو لب المقصود في الفيلم) لوضع معوز ومستقبل مسدود. 
في النهاية يتم زواج طه من خديجة، لكن النهاية ليست سعيدة على نحو ساذج، لأن المعز أكلت الثروة التي كان الأهبل ربحها وأخفاها. 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2008- 2013
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدنيا الأخرى و«السائق» الذي لا يشيخ


Year 5/ Issue: 166

شاشات محمد رُضــا
الدنيا الأخرى وفيلم «السائق» الذي لا يشيخ

في «كل فجر أموت» Each Dawn I Die (الصورة) يتم إرسال الصحافي جيمس كاغني إلى السجن لجريمة لم يرتكبها. فيلم وليام كيلي الممتاز (****) الذي حققه لحساب وورنر سنة 1939 يعلوه هذا العنوان النيّر الذي لا يخفق في التعبير عن حس بالطبقية. الأثرياء يموتون مرّة واحدة في الحياة. الفقراء يموتون كل يوم.

لكني وجدت، وأنا من محدودي الدخل ككل النقاد الذين أعرفهم بإستثناء إثنين أو ثلاثة غير عرب، طريقة لكي لا أموت كل فجر أو كل مساء…. أتسلل هرباً من هذه الدنيا إلى رحاب السينما. بعد الواجبات والكتابات ومشاهدات الأفلام المعروضة في الأسواق، وقبل أن أنام لخمس ساعات، أمنح لنفسي فيلماً أو فيلمين لم أرهما من قبل. لا يهم ما هو الفيلم اليوم، ولا فيلم الأمس أو قبله، بل المهم هو أنني أفتح باباً ينعشني بمجرد فتحه وأدخل عالماً أنا تقريباً وحدي من أهل الأرض. هناك ألتقي بالدنيا الأخرى التي ربما تعالج ما هو مؤلم لكنها في النهاية آمنة: لا أحد يموت فيها. وهذا هو مصدر جذب كاف. لا تقول لي أن الثقافة وطلبها هو ما يجب أن يحرّك المرء. الأفلام هي الثقافة بأسرها. إما أن تدخلها أو لا جدوى من دخول بعضها.

في السينما تشاهد مدينة مدمّـرة، لكن في حياتنا الحالية هي واقع. لا تستطيع أن تستيقظ منه. في السينما يتم إرسال بريء إلى السجن، لكنه يخرج منه متى شاء ويقبض أجره ويتحدّث مع ساجنيه ويضاحكهم. في الحياة هناك غواتانامو. في الأفلام تنطلق السيارات في مطاردات قاتلة. تنقلب واحدة منها عدّة مرّات. يموت من فيها. هاهي الكاميرا تظهر رجلاً ممداً تحت السيارة المقلوبة. Cut يصرخ المخرج. يتحرّك الرجل وينهض من مكانه وينفض غباره. وفي الحياة طبعاً، راحت عليه وعلى من كل معه.
----- *****------

قبل يومين فتحت شاشتي على «السائق» The Driver ****. فيلم لوولتر هيل من العام 1984. كنت شاهدته مرّتين من قبل. لم أكن واثقاً أنه سيعجبني مرّة ثالثة حين طالعتني صوره الأولى: الممثل رايان أونيل يجلس وراء مقود السيارة. هذا الممثل (الوسيم بمقاييس البعض) يناسبه دور ولا يناسبه دور آخر. ليس الممثل الذي يصلح لمعظم ما قد يصله من أدوار وهو حط في السينما عندما اختاره مخرج غير معروف (وربما لا يستحق أن يُـعرف) أسمه أليكس مارتش لبطولة فيلم عنوانه «الردّة الكبيرة» The Big Bounce ** سنة 1969 لجانب مجموعة لا بأس بها من الوجوه: فان هفلن وروبرت وَبر ولي غرانت ولي تايلور- يونغ. ثم إختاره البريطاني مايكل وينر لواحد من الأفلام القليلة التي لم أشاهدها له بعد «الألعاب» The Games  وهو فيلم رياضي وضع أونيل فيه لجانب خلطة من الوجوه بعضها جيّد والآخر عادي. في الفريق الأول هناك البريطاني ستانلي بايكر وفي الثاني الفرنسي شارل أزنافور! 

شهرة رايان أونيل تمّت سنة 1970 عندما وضع خدّه على خد ممثلة جديدة لم يمض عليها أيضاً سوى فيلمين أسمها آلي ماكغرو. الفيلم كان الدراما المنهكة «قصّة حب» Love Story ** التي أخرجها آرثر هِـل. البعض يقول أنه من إنتاج إتحاد شركات ورق المحارم الورقية لكن الحقيقة أن باراماونت هي من التزمت بفاتورته التي لم بالكاد تجاوزت مليوني دولار. هي تحبّه. هو يحبّـها. هي فقيرة. هو غني. هي تموت. هو يبكي. بعده مات هو في فيلم وسترن بعنوان «جوّالان متوحشان»  *** Wild Rovers [بلايك إدواردز -1971]: هنا هو أحد لصّين (الآخر جووَل ماكراي] قاما بعملية سطو وبعدها أصيب وعانى وماكراي حزن عليه حزناً شديداً.

حتى لا أطيل «السائق» كان الفيلم رقم 11 بالنسبة لأونيل. خلال ذلك تعلّم بعض الحنكة في الأداء من مخرجين جيّدين هما بيتر بوغدانوفيتش الذي استخدمه كوميدياً في «ما الجديد يا دكتور»؟  *** ? What's Up Doc  سنة 1972 (أمام باربرا سترايسند) و«قمر من ورق » Paper Moon *** سنة  1973 (أمام إبنته تاتوم أونيل) ثم في «نيكولوديون» Nickelodeon **** العام 1976 (مع بيرت رينولدز، تاتوم أونيل وبرايان كيث). قبل هذا الفيلم بعام فاجأ المجتمع السينمائي قيام المخرج ستانلي كوبريك بجلبه لبطولة واحد من أفضل أفلامه «باري ليندون» Barry Lyndon **** سنة 1975

لذلك حين منحه وولتر هِـل بطولة «السائق» كان الممثل نجماً جماهيرياً محبوباً ونقدياً في وضع أفضل من وضعه حين باشر التمثيل. هذا الفيلم بوليسي حول سائق خبير بالهرب. تستعين به العصابات لكي يقود سيارة الهروب. في العملية الأولى على الشاشة، تراه فتاة شابّة وجميلة (أيزابيل أدجياني) لكنها تدّعي أمام التحري السمج (بروس ديرن الجيّد) بأنه ليس من شاهدته حين ارتكاب السرقة. هذا التحري لديه فريق من إثنين يعملان تحت إمرته مات كلارك وفيليس أورلاندي وهو مصر على التعاون مع عصابة أخرى للإيقاع بالسائق رغم أن هذا سيكون خروجاً عن القانون. سوف لن أحكي الحكاية لعل القاريء يراه بنفسه ويشهد على أنه فيلم من أفضل أفلام السرقات في تاريخ السينما والشكر في ذلك لموهبة المخرج هِل الذي يستحق أن ينضم إلى قائمة أفضل مخرجي هوليوود- قرر نقادنا إكتشافه أم بقوا جاهلين لقدراته.

لابد لي أن أذكر شيئاً عن ثلاثة أمور هنا: ما يجعل هذا الفيلم بالغ التميّـز هو اللقطات الطويلة والمتأمـلة وغير المستعجلة. مع مشاهد مطاردات بارعة تقترب جودة من تلك التي أمّـها بيتر ياتس في «بوليت» Bullitt **** سنة 1968 [مع ستيف ماكوين وآلي ماكغرو في البطولة). هذا إختصار الأمر الأول. الأمر الثاني هو أن لا أحد في هذا الفيلم لديه إسماً لشخصيّته (لاحقاً ما استعار كونتين تارانتينو هذا المنهج في «كلاب المخزن» Reservoir Dogs ***  العام 1992):
رايان أونيل هو: السائق.
بروس ديرن هو: التحري.
إيزابل أدجياني هي: اللاعبة.
مات كلارك هو: التحري الأحمر.
فيليس أورلاندي هو: التحري الذهبي.
جوزف وَلـز (اللص ذي النظارات) : ذو النظارات.
رودي راموس (مساعده): أسنان.
وهذا ينطبق على جميع الممثلين وشخصياتهم. 

الأمر الثالث هو وجود ممثلين إثنين من وجوه الستينات والسبعينات اللذين لا أتعب من البحث عنهما والإعجاب بهما كلّما كان ذلك متاحاً: مات كلارك وفيليس أورلاندي

* البقية في العرض المقبل.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2008- 2013
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ