من أفلام مهرجان برلين 2018

حكاية وطن مسلوب وقّوة قاهرة في
7 Days in Entebbe

اليوم الرابع من مهرجان برلين كان تكملة ليوم ثالث حافل بالأعمال التي تستدعي الإهتمام إن لم يكن التقدير كذلك. عدد منها تعامل مع قضايا مطروحة منذ الأمس وإلى اليوم وما زالت بلا حل يٌرتجى. تحديداً ما يُـعرف بالقضية الفلسطينية. هذا الوضع الذي دفع المخرج البرازيلي جوزيه بَديّـا (لبناني الأصل من عائلة بديعة) لإعادة طرح وتصوير عملية اختطاف طائرة إيرفرانس من أثينا إلى مطار عنتابي في العاصمة الأوغندية سنة 1976 وعلى متنها 248 مسافر من بينه 102 مسافر يهودي أو بجوازات إسرائيلية.
ما أن قامت القوات الإسرائيلية بالإغارة على مطار عنتابي لانتزاع رهائنها، في عملية ناجحة عسكريا وإعلامياً، حتى قامت السينما بتتويج تلك العملية في عملين متعاقبين.  الأميركي مارفن ج. تشومسكي (وهو مخرج تلفزيوني ببراعات محدودة) أخرج فيلماً بثته محطة ABC الأميركية بعنوان «نصر في عنتبي». المنتج الإسرائيلي الراحل مناحيم غولان قدم، من إخراج الأميركي مارفن كيرشنر الفيلم التالي  «غارة على عنتبي» لحساب شركته كانون في العام ذاته. 
بمقارنتهما (وهناك أفلام أخرى بعدهما) بفيلم جوزيه بَديّـا الحالي، وعنوانه «7 أيام في عنتابي»، يتبدى كم غرق الفيلمان السابقان في المواطنية العاطفية التي لم تأخذ في حسابها طرح أي وضع سياسي أو تتناول البعد الأساسي لما حدث آنذاك. أكثر من ذلك تعامل الفيلمان مع سيل من العواطف الهشة أو التي بدت، من كثرة التباكي هنا والفخر هناك، كذلك.
«7 أيام في عنتابي» يتناول العواطف بصدق ويضعها في إطار صحيح كونه من البداية هدف لتقديم عمل لا ينحرف عن خط وجده ملتقى لمختلف الغايات من تلك العملية. بذلك هو الفيلم الوحيد الذي لا يتحدث عن معاناة اليهود الخائفين من عاقبة الخطف، بل وجهة نظر الفلسطينيين وعضوي بايدر مانهوف الألمانية اللذان شاركا فيها. 
بالنسبة للفلسطينيين فإن شخصية جابر تطرح المسألة بوضوح أكثر من مرّة. مثلاً المرّة الذي يتحدث فيها عن «الشلل الذي أصاب العقل الألماني نتيجة الشعور بالذنب» حيال ما آل إليه اليهود تحت قبضة النازيين، أو العبارة القوية التي ينطق بها قائلاً للشريك الألماني «أنت لديك وطن تكره...أنا لدي وطن أحبه لكنه ليس لي".

إشكال
يبدأ الفيلم بمشهد موسيقي مدهم: مجموعة كبيرة من راقصي الباليه الإستعراضي في إسرائيل يقومون على كلمات أغنية فولكلورية (أغنية بإسم Echad yi Yodea كما يتردد) بتقديم استعراض راقص على الكراسي. هناك العدد الموازي لعدد الراقصين وهم يتلوون عليها أو يقفزون عنها ويطيحون بحيوية ملحوظة بأجسادهم في كل إتجاه. كلهم يجيدون ما يقومون به بإستثناء راقصة واحدة تسقط أرضاً في كل مرّة. 
علاقة هذا المشهد (الذي يتكرر كما يختم الفيلم بالتناوب مع عملية الإنقاذ ذاتها) تتبدى سريعاً لمن يلحظ أن السقوط يقع بعدما تدخل الرقصة فصلاً حاسماً: كل الراقصين يبدأون استعراضهم بثياب الحاخاميين وبعد حين يخلعون تلك الثياب (الرداء ثم القميص) بإستثناء الفتاة التي تقع أرضاً قبيل إتمام هذا المشهد. 
الرمز هنا واضح وهو أن التمسك بالتطرف الديني يؤدي إلى السقوط. إذ يتكرر ذلك في مشاهد النهاية فإن هذه الرسالة تأتي لتغلف الإنتصار الإسرائيلي بعبثيته مؤيداً ما يطرحه الفيلم من أن ذلك التشدد السياسي ورفض الحوار المتساوي مع الجانب الفلسطيني (حسب رؤية رئيس الوزراء آنذاك إسحاق رابين) لا يمكن أن يعزز استقرار إسرائيل. في الفيلم يقول رابين لشمعون بيريز: "نحن في وسط جيران عرب وعلينا أن نتعايش معهم»
خط سير الفيلم تتابعي مقسم إلى سبعة أيام مع بعض مشاهد الإستعادة والكثير من الإنتقال ما بين عنتابي وتل أبيب. الجانب الإنساني نراه يكمن لدى الدوافع التي حدت بالفلسطينيين للقيام بتلك العملية. الجانب العسكري محدد بإقرار خطة مداهمة أثبتت نجاحها إذ لم ينتج عنها سوى قتيل إسرائيلي واحد.
اللغات المستخدمة هي، حسب حجمها من الحوار، الإنكليزية  والألمانية والعربية. لكن المخرج لابد وجد أن جعل الشخصيات الإسرائيلية تتحدث الإنكليزية فيما بينها ضروري لأن المشاهد الإسرائيلية المصوّرة (في لندن كما في إسرائيل) كثيرة ما يعني أن المتلقي عليه أن يعيش نحو نصف الفيلم مع لغة صعبة التلقي وتحتاج إلى ترجمة ما يعيق وصول الفيلم وغاياته.

النهاية فيها إشكال كبير واحد: بإعادة مشاهد الرقص رغم ما تؤديه من مفاد، تشهد مشاهد انقاذ الرهائن مستعجلة وأقل إندماجاً مع قوّة ما سبق. ولكن هذا، على الأرجح، مقصود بسبب أن غاية الفيلم ليس تقديم غارة عنتابي كبطولة، كما فعلت الأفلام السابقة له، بل كحدث واحد في فصل متتابع من فصول القضية التي لم تُـحل بعد لا سلمياً ولا حربياً. لكن في كل خانة أخرى من خانات الفيلم الفنية نجاح متين في توليفته وفي صنعته.


FILM REVIEW
Dunkirk

ميسر المسكي يجد فيلم كريستوفر نولان
الأخير خالٍ من إبداعات المخرج السابقة

|*| يبدو فيلم "دنكرك" لـ كريستوفر نولان أقرب للبروباغندا التاريخية منه إلى الملحمة، رغم اللقطات العريضة وحركات الكاميرا الواسعة والتناول الدرامي. قد يبدو فجاً ومُستهجناً وَصْم"دنكرك" بالبروباغندا وهو المُرَشَح لثماني أوسكارات والذي حاز ترحيباً نقدياً. لكن البروباغندا لم تَعُدْ تلك الدعاية السمجة والثقيلة والتي هدفها تشويه الآخر والإعلاء من شأن الذات. البروباغندا أصبحت أعمالاً فنية كبيرة تُرَوج لفكرٍ ما أولأسلوب حياة معينة بطريقة فعالة و رفيعة اللغة الإبداعية. كما أن الروباغندا لم تَعُد مُرتبطة بحدثٍ مرحلي أوصراع حالي، بل هي سيرة طويلة من الأعمال الفنية التي لا تكفّ عن الطرق في رأس المُتلقي لترسيخ أيديولجيا أو فكرةٍ ما. الشيوعية سقطت منذ أكثر من عشرين عاماً، والنازية سبقتها بعقودٍ طويلة، لكننا لا زلنا نتلقى كل عام حفنة من الأعمال (تتفاوت في جودتها وجدّيتها) تُبجلّ نصر العالم الحُرّ على أفكار "الظلام"!
لنعُد إلى الواقعة، في الأساس عمل نولان يتناول مرحلة من الحرب العالمية الثانية يكاد يتفق المؤرخون على أن تأريخها لاحقاً بأقلام المُنتصرين في الحرب حولها من هزيمة موصوفة وبكل المقاييس إلى "إنتصار" أو شيء يقاربه. ففي أوائل صيف 1940 أندفعَتْ الطوابير المُدرعة الألمانية والمدعومة جواً بفعالية، عبر بلاد البلجيك وتدفقت جنوباً مكتسحة شمال فرنسا. لم يستطع الحلفاء الفرنسيون والبريطانيون من مواجهة التكتيكات العسكرية الألمانية الحديثة فأنسحبوا بسرعة وسط فوضى وهبوط حاد في المعنويات. و وَجَدَ حوالي أربعمئة ألف جندي أنفسهم محاصرين في جيب صغير حول ميناء "دنكرك". فجأة، وبدون أي سبب أستراتيجي مفهوم، توقَفَ الألمان عن الهجوم للقضاء نهائياً على الجيب المُحَاصَرْ. يقول المؤرخون (أو بعضهم) لاحقاً أن هتلر أمَرَ قادته بالتمهل لأيام لإعطاء فرصة للبريطانيين لإجلاء قسم من جنودهم وإنقاذ ماء الوجه، بحيث يمكن التفاهم معهم لاحقاً على وقف الحرب بعد أن يستكمل إحتلال فرنسا (المحاولة الثانية كانت في الرحلة الغامضة إلى اليوم التي قام بها رودولف هيس إلى بريطانيا بعد عام من نهاية كارثة"دنكرك") في هذه الأيام الثلاث الحاسمة جمع البريطانيون أسطولاً هجيناً من السفن الصغيرة التي أسرعت لإجلاء المُحاصرين. حين إنجلى دخان القتال والقصف عن شاطئ الدنكرك كان الثمن الذي دفعهُ البريطانيون باهظاً: حوالي السبعين ألف قتيل ومثلهم من الأسرى (بحساب الأسرى الفرنسيين أيضاً) وعتاد الجيش البريطاني والفرنسي بكامله.
ماذا عن الفيلم؟ على خلفية الكارثة في ميناء دنكرك، أختارَ نولان أن ينحاز إلى وهم الإنتصار والبطولة (أول عناصر البروباغندا التاريخية) فمن المُقدمة المكتوبة والتي تسبق الفيلم نقرأ أن "العدو" يحاصر الجيش البريطاني في الميناء الفرنسي. لم يخترْ نولان أن يقول "الجيش الألماني" أو "القوات الألمانية" بل هو تَعَمّدَ، ومن البداية، أن يحول الرؤية التاريخية إلى "نحن" و"هُمّ". وإمعاناً في تكريس الإنحياز الدرامي إلى شخصياته عَمَدَ إلى تجهيل "العدو". فنحن لا نرى الجنود الألمان ولا طياريهم. لا نراهم يعانون ولا عذابات موتهم بالحركة البطيئة. هم فقط هناك يطلقون النار ويقصفون دون هوادة. لا وجه لهم، لا روح، لا تشخيص، لا عذاب، لا أحلام مكسورة، ولا.....بطولة، بالتأكيد.


شخصيات فيلم نولان تبدو وكأنها ترميز لفكرته. فالطيار المُقاتل (يلعبه توم هاردي دون تأثير) هو إختصار للتحدي البريطاني للهزيمة (التي ربما يُعبّر عنها أولئك الجنود على الأرض الذين لا ينفكوا عن محاولة التسلل إلى مراكب الإخلاء) وحتى حين يُوضع بين خيار أن يعود إلى قاعدته لقرب خلو خزانات طائرته من الوقود وبين التصدي للطائرات الألمانية المُغيرة على قوارب الإخلاء فهو يختار فعل البطولة والتضحية وتقديم سلامة الآخرين على النجاة بالذات (عنصر آخر من البروباغندا البطولية)
طبعاً، لا ينسى نولان أن يختم فيلمه بخطاب الصمود الشهير لونستون تشرتشل عن أن بريطانيا تحتفي بأولادها العائدين من البرّ الأوروبي وأنها ستواصل القتال في البرّ والبحر والجو حتى هزيمة المُعتدي. هو تبني كامل لرؤية التاريخ من زاوية المُنتصر كما يريدنا أن نراها بعد سبعين عاماً من الكارثة.
كاميرا السويسري-الهولندي فان هويتما (في جعبته واحد من أفلام جيمس بوند "سبيكتر" وفيلم الخيال العلمي "انتر ستيلر")
تحتفي بمناخ البطولة بحركات كاميرا واسعة، آخاذة وساحرة لكنها تفتقد إلى روح الملحمة التي أجاد ديفيد لين في خلقها في فيلم مثل "لورنس العرب". فالملحمية ليست شاشة عريضة وكاميرا مُذهلة الحركة وتكوينات بصرية خلابة. بل هي تناول التاريخ (ولو من زاوية مُحددة) بنظرة شاملة تصل إلى عمقها عبر السبر في سيرة الشخصيات التاريخية الحقيقي منها أو المُتخيل. لا يمكن للبروباغندا أن تصنع فيلماً تاريخياً ملحمياً، وإلا لكانت العديد من إنتاجات ستوديو "موسفيلم" السوفيتي الكبيرة تحولت إلى ملاحم سينمائية. لكن الحقيقة أن تلك الأفلام بقيت إنتاجات ضخمة تُطنب في الضرب على وتر البطولة السوفيتية و "وحشية" النازيين.


"دنكرك" مُخيّب للأمل. نعم. لكنه ليس فيلماً رديئاً بالمعنى التنفيذي والتقني. بالعكس بل أن بعض تفاصيله باهرة. فالفيلم يفتح على مشهد جميل جداً: صمت تام. الكاميرا تأخذ عدداً من الجنود البريطانيين يسيرون في شوارع المدينة المهجورة فيما مئات قصاصات الورق تتساقط عليهم من السماء في جو أقرب إلى الإحتفال. يبدو المشهد وكأنه خارج من الحلم و الخرافة. يلتقط أحد الجنود واحدة من القصاصات لنرى أنها تحذيراً من الألمان للمُحَاصرين أن يستسلموا. وبعدها يلعلع الرصاص. كما أن مشهد الجنود المحصورين في جوف سفينة  وعليهم أن يختاروا بين الموت غرقاً أو بالرصاص لو تجرأوا على الصعود إلى السطح قوي بدلالاته وتقطيعه وبنائه.

إذا كان الشيء بالشيء يُذكر، فإن "دنكرك" كريستوفر نولان يُذَكّر بفيلم صغير عن نفس الواقعة صنعه الفرنسي هنري فرنوي عام 1964. الفيلمان يختلفان في كل شيء في الميزانية كما الحكاية كما التناول. لكن فيلم فرنوي (لعبه جان بول بلمندو وكاترين سباك) يبقى الأكثر حميمية، أقرب للروح....والحقيقة.