Junun | Black Mass | Steve Jobs | معالي الوزير | Fat City



_________________________________________________________________
  أفلام جديدة 
محمد رُضــا

Junun
جنون
★★★✩✩
إخراج: بول توماس أندرسون   Paul Thomas Anderson
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المخرج المعروف يترك الفيلم الروائي لينجز فيلماً موسيقياً جميلاً


|*|  هناك مشهد من فيلم بول توماس أندرسون التسجيلي «جُـنون» يتوقف فيه لاعب الغيتار الأميركي جوني غرينوود عن العزف ويلاحق حمامة تصدر أصوات الهديل المعتادة وقد وقفت  على مقربة. إنها ليست مشتركة لا في الجوقة العازفة ولا كان مقصوداً لها أن تحط فوق الرؤوس وتهدل. والمخرج أندرسون كان يستطيع أن يوقف التصوير إلى ما بعد طرد الحمامة من المكان حتى لا يؤثر صوت هديلها على التسجيل الصوتي. لكن تلقائية ما حدث هنا هي ذات تلقائية ما يحدث طوال هذا الفيلم التسجيلي- الموسيقي الذي تم تصويره بالكامل في قلعة مهرانجاره في مدينة جودفاهور في مقاطعة راجستان. 
المكان يأوي، لجانب الحمام الذي يعيش في أركانه عازفين هنود والمغني غرينوود،  الذي وضع موسيقا بعض أعمال أندرسون السابقة كما سواه، ومغني إسرائيلي أسمه شاي بن زور وفرقة هندية (أسمها «راجاستان إكسبرس») موزّعة على كل الآلات التقليدية من بينهم غفران علي وصابر بامامي واختشام خان أجمري والمغنية أصفهانا خان. 
تطل  القلعة القديمة على مدينة جودفاهور وهناك لقطة ملحوظة تخرج فيها الكاميرا من المكان عبر إطاراته الحجرية المفتوحة لتلقي نظرة على المدينة من فوق. لكن معظم التصوير داخلي ويبدأ بالنقر والعزف وينتهي بهما بعد نحو ساعة من لا شيء سوى الموسيقا والغناء (بالهندية والعبرية عندما ينبري بن زور في «صولو»).


جهد بعيد عن أعمال أندرسون المعتادة وهو يترك نفسه وكاميرته يرتاحان من دون ضوابط تذكر. لا بأس إذا أفلت «الفوكاس» هنا أو تحرّكت الكاميرا ببانوراما يدوية عوض القطع أو ثابتة على تروللي. هناك معايشة للأجواء من دون فرض الذات الفنية مطلقاً. لكن هذا الإبتعاد له أيضاً سلبياته. في النهاية لابد أن يتساءل المرء عن السبب وراء فيلم يستمع ويصوّر ولا يفعل أي شيء آخر. على عكس فيلم أحمد المعنوني «نشوات» (Trances) الذي عبّر به المخرج، سنة 1981، عن قوّة الموسيقا في صهر الثقافة الشعبية، لا يحمل الفيلم أي رغبات تتجاوز الإستماع والإستمتاع بالموسيقا التي تستمر من مطلع الفيلم لآخر. الموسيقا هنا ليست بوليوودية مطلقاً وهي المفتاح الجيد الوحيد الذي يبقى المشاهد مع الفيلم طوال الوقت ملاحظاً دقة العزف وبساطة الفنانين والعمل بأسره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Black Mass
قداس أسود
★★★✩✩
إخراج: سكوت كوبر   Scott Cooper
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دراما واقعية عن ملك آخر من ملوك الجريمة يؤديه جوني دَب بإمتياز

|*|  جيمس بلغار هو مجرم حقيقي شهدت مدينة بوسطن، في السبعينات، نشاطاته كرئيس عصابة تمارس كل ما يمكن أن تمارسه من تجارة الممنوعات والتهريب. جوني دب هو، بدوره، ممثل حقيقي أيضاً. ليس فعلاً طارئاً ولو أن إختيارات من الأفلام في السنوات الأخيرة لم تسع لإظهار كفاءته.
يروي «قداس أسود» حكاية مسحوبة من الواقع حول شخصية رئيس عصابة أسمه وايتي بولغر (جوني دَب) لعب على حبال الجريمة والبوليس بلا هوادة مورّطاً كل من حوله حتى وإن كان بعضهم (مثل أخيه بل ويؤديه بندكيت كمبرباتش) يحاول أن ينأى بنفسه عنه. بِـل هو النقيض ولو أن الفيلم لا يملك الوقت لمنحه حضوراً كافياً ولا يكترث، عن صواب، لإظهار تعارض مواقفهما حيال القانون بعد أن أشار إلى ذلك بلقطات ومشاهد قصيرة.  المتورط الأكبر هو تحري الأف بي آي جون (جويل إدغرتون) الذي اعتقد أنه إذا ما استمال وايتي ليصبح مخبراً يرشده إلى كيفية التخلص من عصابات بوسطن الأخرى. بذلك يبرز جون أمام رؤسائه من جهة، ويتيح لوايتي ممارسة ما يريد ممارسته من ناحية أخرى. لكن جون يسقط في الفخ ويصبح، وأحد زملائه (ديفيد هاربور)، متعاونان مع وايتي أكثر مما يجب. بكلمات أخرى، يطغى عنصر المال الذي أخذ وايتي يغدقه على جون وبدأت رائحة التسويات تستوي على نار تحقيقات الأف بي آي. أو كما يصرخ أحد المحققين في وجه جون: "كيف حدث أنه لا توجد جريمة في بوسطن إلا وكان وايتي وراءها من دون أن يلقى القبض عليه حتى الآن؟".  


ما آل إليه كل شخصية من هذه الشخصيات مذكور في عناوين نهاية الفيلم، لكن الكثير من الشخصيات الأخرى تُـقتل إما على يدي رجال وايتي أو على يديه نفسه. وأكثر عمليات القتل عنفاً هي تلك التي يرتكبها بنفسه والتي تشمل الخنق وإطلاق النار ما عدا الضرب الدموي المبرح. وايتي متمتعاً بتلك التغطية التي وصلته مثل هدية من السماء، بات قادراً على أن ينفّـذ جرائمه كما يشاء. الأف بي آي تحتاج إليه، هذا إلى أن تدرك ما قادتها إليه خطّـة تحريها جون وفساده ما أدّى إلى سجنه لاحقاً.  
في أحيان كثيرة تستطيع أن تطالع أسلوب مارتن سكورسيزي في «أصحاب جيدون» Goodfellas وتشاهد كيف يبني المخرج سكوت على بعض أسس فرنسيس فورد كوبولا في «العراب»، وكيف يعالج موضوع العلاقة بين السلطة وبين الجريمة على غرار ما فعل المخرج سيدني لوميت في أكثر من فيلم سربيكو»، «أمير المدينة» من بينها).  
جوني دَب يكشف عن جانب أسود من الأداء لم ينفّـذه منذ أن لعب تحت إدارة تيم بيرتون «سويني تود» (2007) الذي أدّى فيه شخصية حقيقية أخرى هي شخصية الحلاق البريطاني في أواخر القرن التاسع عشر الذي كان يقتل زبائنه ويرميهم إلى غرفة تحت الأرض لفرمهم وبيع لحومهم. قابل للتصديق ومتحكم في تشخيصه لدرجة تمنحه إحتمالات الترشيح للأوسكار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Steve Jobs
ستيف جوبس
★★✩✩✩
إخراج: داني بويل   Danny Boyle
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقد سيناريو 
دراما واقعية عن ملك آخر من ملوك الجريمة يؤديه جوني دَب بإمتياز

|*|  «ستيف جوبس» هو فيلم بيوغرافي آخر من هوليوود وحول شخصية لا يُـستهان بها: مؤسس وصاحب «آبل ماكنتوتش» والملياردير الذي أنجز عبر ذلك الإنجاز وسواه نجاحاً يتساءل المرء إذا ما كان جوبس، الفعلي، أدرك حجمه كاملاً منذ البداية أو أن ذلك تراءى له تدريجاً.
مايكل فاسبندر يؤدي دوره في هذا الفيلم محاطاً بممثلين قديرين آخرين مثل كيت وينسلت (في دور المسؤولة عن التسويق) وجف دانيالز (دور رئيس آبل) وآخرين. لكن ما يلفت النظر هنا، لجانب أن التمثيل المؤدّى جيّـد بتساو بين الجميع، هو الكتابة. ذلك أن السيناريست آرون سوركين يمارس هنا ما هو بارع فيه عادة: الحوار، لكن الحوار ليس كل شيء في السيناريو ومهارة كتابته (أو عدمها لا ترفع أو تهبط بقيمة السيناريو إلا بمقدار. في الأساس تم رفض الفيلم لرداءة السيناريو. ديفيد فينشر لم يعجبه السيناريو كذلك لم يعجب كرستيان بايل الذي كان من المفترض به أن يقوم ببطولة الفيلم.
يتابع الفيلم حياة ستيف جوبس في البيت والعمل. هو، حسب السيناريو، شخصية معقدة ومركّبة ولديه مشاكل. في الحقيقة يكوّم الكاتب هذه المشاكل لكي يدفع بالفيلم إلى مآزق شخصية واجتماعية. جوبس لديه مشاكل مع زوجته (وينسلت) ومع مدير أعمله (دانيالز) ثم مع باقي المحيطين على التوالي. طريقة سوركين هي استخدام الحوار لرصد هذه المشاكل. ما نراه ليس، تبعاً لذلك وفي كثير من الحالات، إلا تصويراً لما سيرد من حوار. بناء السيناريو شيء آخر إذ اعتمد الكاتب فيه على الفصول التقليدية (من 1 إلى 3) لكن النتيجة مبعثرة كون المشاهد المستخدمة في كل فصل هي متكررة. خصوصاً تلك المشاهد التي تنص على المشي والحديث خلال ذلك، كما لو أن البوح المفترض لن يتم إلا بالحديث والشخصيات تمشي. لكن الواقع هو أن خيال الكاتب محدود. 


مع أن المخرج داني بويل مارس مهارة في تفادي كل نتائج هذا المنوال من الأخطاء بإدارة ممثلين جيّـدة وبتنفيذه الملم والمعالج بحرارة الطرح من ناحية أخرى، إلا أن شخصية جوبس ليست من تلك التي يمكن للمشاهد الوقوف لجانبها (وإيرادات الفيلم تكشف عن أن القليلين أعجبوا بها). هذا يدفع بالمشاهد للتساؤل حول السبب في أنه سيمضي الوقت ليتابع شخصية سلبية، خصوصاً أن السبيل الوحيد للمحافظة على شيء من صلاحية شخصية جوبس لتولي البطولة هو تلميع صورته قبل نهاية الفيلم. 
بعض خصائل جوبس، تبعاً لهذا السيناريو، هي أنه بالغ الثقة بالنفس لدرجة مقلقة، كان يعتبر نفسه آلهة ويردد إنه القيصر سيزار وطريقته في الطلب هو الأمر به. إلى ذلك كان لا يشعر بالعاطفة حيال أحد وكان يعزي ذلك إلى إعتبارات من بينها أن المحيطين به يرغبون في النيل منه.
عند هذا الحد، فإن الحقيقة لا تهم. أقصد إنه إذا ما كان ستيف جوبس فعلياً كذلك أو أن السيناريست سوركين مضى في وجهة إفتعالية لتقديم شخصية يريد مناوءتها للضرورة الدرامية سيان. فالمشكلة هي أن هذا الحشد من السلبيات يأتي ليطرح شخصية لا يمكن أن تُـحب في حين أن مصدر السيناريو ليس في تقديم شخصية إيجابية أو سلبية بحد ذاتها بل في تلبيسها المبررات أو البواعث النفسية أو الإجتماعية ولو بمقدار.
سوركين هو كاتب «الشبكة الإجتماعية» (The Social Network العام 2010) الذي أخرجه فينشر وكان بدوره مليئاً بالحوار. نجاح المهمّـة في تكوين ذلك الفيلم يعود إلى المخرج الذي وظّـف جيداً شخصية مبتدع نظام فايسبوك مارك زوكربيرغ ليستخلص من مآزقه ذاتها ما يدينه بها عوض الإكتفاء بالمادة وحدها. فينشر رصد بعض المواقف وعالجها بالكم المناسب من السخرية بحيث أن الفيلم لم يكتف بذكر سلبيات الشخصية (ما يدعو إلى التفكير في أن السلبي هو ما يحب سوركين كتابته) بل ربطها بحالة إجتماعية مفادها الصراع على الشهرة والمال والنفوذ.
وفي حين من حق كاتب السيناريو أن يكتب مشاهد لم تقع في الحقيقة لكن هذا الحق ينتفي من الضرورة إذا ما كان، كما الحال هنا، مغاير تماماً عن الواقع. مراجعة حياة ستيف جوبس وكتابه عن نفسه يعارضان ما يذهب إليه سوركين بما في ذلك تقديم شخصيته بكل هذه الكتل من السلبيات.

A Bout de Souffle كنوز السينما



_________________________________________________________________
 كنوز السينما 
 الحلقة 1
فيلم جان-لوك غودار الأول لا يزال جديداً بعد 55 سنة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
A Bout de Souffle
عند آخر نفس
★★★★
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


|*|  عندما خرج هذا الفيلم للعروض السينمائية الأولى سنة 1960 فوجيء الجمهور والهواة بذلك الدفق المختلف من العمل. على عكس ما كان سائداً من أفلام، عمد المخرج هنا إلى جملة من التفعيلات الخاصّـة التي تحوّلت سريعاً إلى بعض ما يميّـز غودار أسلوبياً، ومن بينها ترك الحكاية فضفاضة وغير إيقاعية، إختيار مواكبات فنية من معين الثقافة الأوروبية (بيكاسو، رنوار، موتزار الخ…) والإعتماد على مونتاج يحذف منه بعض كادراته ما يؤدي إلى إرتجاج المشهد في أكثر من مكان عن قصد ورغبة في تفكيك كل ما قد يضع المشاهد في وهم الحكاية. بداية، يقتل ميشيل (جان-بول بلموندو) شرطياً كان تعقّـبه عندما سرق سيارة أميركية فاخرة (يقول أنه معجب بصناعتين أميركيّتين: السيارات والأفلام) ثم يعود ميشيل إلى باريس ليلتقي بالفتاة الأميركية باتريشيا (جين سيبرغ) التي يحبّـها حيث يمضيان أكثر من ساعة يتحدّثان فيها عن نفسيهما وعن علاقتهما. إنه مطارد من البوليس لكن عليه أن يسترد قرضاً من صديق له. باتريشيا تخبر البوليس عن مكانه فيحيط به وينتهي الفيلم بقتله في الشارع. 
تيمات: هذه قصّـة عاطفية بين فرنسي متيّم وأميركية ليست واثقة من أنها تحبّه. حائرة في كل ما يخصّـها (تقول في مشهد: لا أعرف إذا ما كنت غير سعيدة لأنني غير حرّة او غير حرّة لأنني غير سعيدة"). ثم حيرتها تتبدّى حين  تقول باتريشا له أنها حائرة في أمر ما. في صبيحة اليوم التالي نقف على ما يحيّرها: تتّجه الى مقهى. تطلب ويسكي أوّلاً. "ليس لدينا ويسكي". تطلب قهوة. تأخذ التلفون القريب وتطلب التحري الذي كان قابلها واعطاها بطاقته. تخبره أين هو ميشيل الآن٠

ميشيل (جان-بول بلموندو) يقتل شرطياً بعدما سرق سيّارة وانطلق بها خارج المدينة. نراه يقود تلك السيارة الأميركية. وهناك سبب جليّ لماذا يختار ميشيل سيارات أميركية ليسرقها في فرنسا أواخر الخمسينات وهو إعجابه بصناعتين أميركيّتين  هما السيارات والأفلام. الأولى تلتقي والثانية من حيث أنهما صاغا لميشيل عالماً يخرج من واقعه إليه. هو سعيد بقيادته تلك السيارة.  حين يصل الى حاجز للشرطة على الطريق الريفي يقرر عدم التوقّف ما ينتج عنه ملاحقته من قبل ثلاث رجال بوليس على درّاجات. ينحرف عن الطريق ويوقف سيّارته تحت شجرة. يمر الشرطيان الأوّلان ثم الثالث. لكن الثالث يعود أدراجه بعدما لاحظ  وجود السيارة . يطلب الشرطي من ميشيل الا يتحرّك والا قتله، لكن ميشيل يبادر بإطلاق النار. المشهد مأخوذ بلقطة بعيدة واحدة٠
بعد الجريمة يصل ميشيل إلى باريس (التي يكرهها) ويعاود التقاء إمرأة شابّة أميركية تعيش وتعمل في فرنسا  أسمها باتريشا (الراحلة جين سيبرغ)  مُـفصحاً عن حبّه لها. لكن في حين أنه واثق من أنه يحبّها هي ليست متأكدة بعد. وهي ليست متأكدة من مسائل أخرى عدّة في حياتها. تعمل بائعة جوّالة علي قدميها لصحيفة "ذ هيرالد تربيون" تعرّف ميشيل عليها قبل أيام ليست بعيدة ويجد ما يجذبه إليها: "الرجل لا يحب الا من لا تناسبه" يقول لها ذات مرّة. وهناك جزء طويل من الفيلم يدور في غرفة فندق يتبادلان فيه الكثير من الحديث الكاشف عن نقاط نفسية وعاطفية ستقود لما سيلي. تحاول باتريشا تجنّب فعل الحب معه رغم إصراره، لكن ذلك يأتي ضمن متابعة ما يمكن أن تكون عليه ساعة ونصف من الخلوة بينهما. ما هي المواضيع المثارة. كيف يُـعامل كل منهما الآخر من منطلق منظوره اليه والى الحياة من ورائه. على الرغم من أنه فصل حواري الا أنه مليء بالمعلومات. بعض التململ (أعتقد) لكنه مشهد طويل ليس لاختيار خطأ من المخرج، بل لأسلوبه في سرد الحكاية. الغاية إظهارهما قريبين بعيدين: هي الباحثة عن شيء لا تعرفه، وهو ذو القناعة بأشياء يؤكد عليها: "أنتم الأميركيون معجبون بأغبى الشخصيات الفرنسية: لا فاييت وموريس شفالييه" يقول لها موقظاً الحس بأن غودار هو الذي يقول. وغودرار أيضاً هو الذي يضع على لسانها العبارة التالية (ولو في مشهد آخر): "لا أعرف إذا ما كنت غير سعيدة لأنني غير حرّة او غير حرّة لأنني غير سعيدة"٠

يخرجان من الفندق. هي لديها موعد مع مؤلّف متباه علّه يساعدها في التحوّل الى صحافية وهو ليبحث عن صديق كان قرضه مالاً، لكننا نجد أنه يتبعها لمعرفة كنه اجتماعها الذي يتم في الطابق الأعلى من مقهى. حين ينتهي اللقاء يقوم غودار بفعل الشيء الآتي: يضع الكاميرا (تصوير راوول كوتار) أمام باتريشا والمؤلّف وهما ينزلان الدرج الى الطابق الأرضي ثم تنسحب اللقطة من دون انقطاع ليستديرا الى اليمين ويمضيا بعيداً عنها، تستدير يساراً لتلتقط ميشيل ثم لتلحقه بعدما يراهما متّجهين الى الخارج مبتسماً بغموض٠
حين تجالس باتريشا ذلك المؤلّف وبينهما طاولة مستديرة يقدم غودار -بصورة تقليدية- على الإنتقال المتواصل بينهما كل في لقطة خاصّة. لكن بعد قليل نراه يفعل التالي في المونتاج: لقطة طويلة (نسبياً) للكاتب وهو يتحدّث (عن نفسه غالباً). يحذف غودار بعض الكادرات من اللقطة من دون أن يعمد الى إذابة الرجفة الناتجة عن ذلك الحذف. من يشاهد اللقطة سيلاحظ أن المخرج ألغى ثوان من اللقطة من دون أن يكترث، عن قصد، لإذابة ما سبق وما تلا في سلاسة.  وها هو يقول للمشاهد أنني ألغيتها. يترك اللقطة تتحوّل الى فقرات وكل فقرة تبدأ وتنتهي بهزّة او نطّة صغيرة. هذا عاد اليه غودار من جديد في أكثر من فيلم لاحق وتقديمه في "نفس لاهث" إيحاء بلازمة يحافظ عليها، كما عنصر لعب على معالجة المشهد ضمن ما لم يتوقّعه الجمهور آنذاك٠

أميركا دائماً مذكورة في أفلام غودار٠
كما تقدّم هنا ميشيل معجب بالسيارات الفارهة (أنا كذلك) ومعجب بالأفلام الأميركية. نراه يقف عند فيلمين معروضان في صالتين. الأول Ten Seconds of Hell عشر ثوان من الجحيم») لروبرت الدريتش (1959)، فيلم حربي من بطولة جاك بالانس وجف شاندلر. والثاني هو The Harder They Fall (ما يمكن ترجمته إلى «السقوط الأقسى») للمخرج مارك روبسون وبطولة همفري بوغارت ورود شتايغر (1956). 
لا دلالات كبيرة هنا باستثناء أن غودار وتروفو وكلود شابرول كانوا معجبين جدّاً بروبرت ألدريتش، وأن الفيلم الثاني من بطولة همفري بوغارت. وميشيل، بطل "نفس لاهث" معجب جدّاً ببوغارت ويرى نفسه هو ويعيش عالمه الخيالي الذي لا يستطيع تحقيقه والمؤلّف من خشونة بوغارت وسيغارته وقبّعته وتلك الحركة التي كان بوغارت يقوم بها في بعض أفلامه: يمر بأصبعه على شفته العليا ماسحاً ما ليس هناك٠ غودار لا يذكر هنا كل التأثيرات التي في باله. ماذا عن فيلم Gun Crazy الذي أنجزه قبل عشر سنوات من  تاريخ هذا الفيلم (أي سنة 1950) المخرج الأميركي الممتاز المغلّف بالنسيان جوزف هـ لويس؟  
هذا ليس مجرد أي فيلم بوليس، بل عن فيلم يحمل في موضوعه قصّـة مشابهة: رجل وإمرأة يلتقيان. هو معجب مدمن على المسدّسات وهي معجبة مدمنة على المال. كلاهما يدمجان هذا الإعجاب بعمليات سطو: المرأة كما الحال هنا تكون سبباً في القضاء على الرجل. أيضاً يجب أن أذكر أن "غن كرايزي" ليس فيلماً متصالح مع النمط التقليدي في السرد. يوماً ما سأحاول ردّ الإعتبار لجوزف هـ لويس هذا٠

في النهاية هنا، تكون  باتريشا سبب القضاء عليه. كان يستطيع أن يهرب. لقد وافق صديقه على لقائه لدفع المبلغ الذي استدانه منه. لكن ميشيل  آثر البقاء لجانبها. قبل انقضاء  الليلة الأخيرة (لا مشاهد حب في الفيلم بل شعور به) تقول باتريشا له أنها حائرة في أمر ما. في صبيحة اليوم التالي، إذا كنا لم نعرف بعد ما هو الأمر الذي يحيّرها، تتّجه الى مقهى. تطلب ويسكي أوّلاً. "ليس لدينا ويسكي". تطلب قهوة. تأخذ التلفون القريب وتطلب التحري الذي كان قابلها واعطاها بطاقته. تخبره أين هو ميشيل الآن٠
"المخبر مخبر" كان ميشيل قال لها قبل نصف ساعة في الفيلم (نشاهد جان-لوك غودار نفسه في دور قصير كرجل تعرّف على ميشيل وهرع حاملاً الصحيفة التي نشرت صورته الى رجلي بوليس) وهي تعود الى مخبأه (ستديو تصوير فوتوغرافي) وتعترف له بما فعلت. لا يستعجل الهرب. مثل بطل "الجزائر"  [جون كروموَل- 1938] يعرف أن هذه المرأة هي نهايته، لكنه مستجيب لتلك النهاية: "دائماً ما كان عندي اهتمام بالفتيات اللواتي لا يصلحن لي"، قال لها قبل ذلك٠
يخرج ميشيل الى الشارع. صديقه يصل. يعطيه مسدّساً يدافع به عن نفسه. يرفضه. يرمي له الصديق المسدّس عبر الشارع وينطلق بالسيارة. يلتقط ميشيل المسدس. يطلق البوليس النار على ميشيل. ميشيل يركض مبتعداً مصاباً في ظهره الكاميرا تتركه يمضي بعيداً عنها قبل أن تلاحقه قليلاً. يسقط أرضاً. تركض ميشيل إليه. لم تتوقّع نهاية عنيفة. ينظر إليها ويقول لها «أنت كيس زبالة»، عبارة مهمّـة لأن ميشيل وهو ينازع لا يبدو عليه الغضب. ما يعنيه هو (في إعتقادي لكني أقبل قراءة مختلفة هنا) هو ذلك الحلم الأميركي الذي كان يعيشه كونها أميركية وكون ما يحبّه في الحياة لجانبها (السيارات والأفلام وهمفري بوغارت) أميركيون أيضاً٠

الآن جزء من عالم ميشيل أسمه. 
الإسم الذي يتعامل به هو ميشيل بياكار. لكنه يذكر أيضاً أنه معروف بإسم لازلو كوفاكش. ولازلو كوفاكش  مدير تصوير مات سنة 2007 عن 74 سنة وكان وُلد في المجر سنة 1933. لكن لماذا كوفاكش؟  سؤال مهم لأن كوفاكش كان صوّر بضعة أفلام فقط في المجر في مطلع الستينات، ولم يصوّر فيلماً أميركياً الا مع منتصف الستينات أي بعد وليس قبل قيام غودار بتصوير فيلمه هذا الذي صوّره واحد من روّاد سينما المؤلّف وهو راوول كوتار٠
هناك ملامح سينمائية ومراجع عديدة. إسم لينين مذكور (عبر عبارة قالها: "نحن موتى في إجازة") ثم  صوت جين تييرني في فيلم أوتو برمنجر  Whirlpool  («الدوّامة»، 1949).
ومذكور أيضاً  فيلم  Westbound ("وستباوند"، 1959) للرائع بد بوويتيكر.
ميشيل الذي يقتل الشرطي ويسرق مال صديقة سابقة ويضرب رجلاً في الحمّام ليسرق ماله، هو ميشيل نفسه الطيّب الجذّاب والفكه والذي يحب سماع موتزار (موتزار هو عضو دائم في أفلام غودار أيضاً)  وهو المحرّك الدافع  لشخصيات غودار في كل مرّة أراد تقديم شخصية فرنسي لديه مرجعية فكرية يقارن بها الواقع والسياسة وبعض التاريخ. إنه هو٠
أخيراً، هناك عدّة لقطات لعدة شخصيات تقرأ الصحف. أولاها لقطة لميشيل/ بلموندو نفسه. لاحظ أنه في كل مرّة الصفحة المقابلة للكاميرا، هي صفحة "كوميكس". لا نعرف ما يقرأونه لأن الصفحة التي تواجههم غير ظاهرة لنا (ولا يعمد غودار لكشفها بلقطة خاصّـة). لاحظ أيضاً الخطأ التالي: في مطلع الفيلم ميشيل يقرأ في صحيفة والصورة المواجهة للكاميرا هي صفحة كوميكس. بعد قليل يطوي ميشيل الصحيفة ليتحرّك من مكانه. انتهت اللقطة المتوسّـطة له. لقطة جانبية بعيدة- متوسّطة له وهو يطوي الصحيفة مرّة أخرى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
                                                                                                إخراج
جان لوك غودار
كتابة
فرنسوا تروفو
تصوير
راوول كوتار
توليف
سيسيل ديوجيس
موسيقا
مارتيال سولال
المنتج
جورج دو بيورغارد
الممثلون
جين سيبرغ، جان-بول بلموندو، دانيال بولانجير،
روجيه هانين، كلود مانسار
فرنسا - 1960
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 


The Assassin الفيلم الذي يمثل تايوان في أوسكار أفضل فيلم أجنبي |


_________________________________________________________________
 أفلام أوسكار 2016 
 الحلقة 2
الفيلم الذي يمثّـل تايوان في مسابقة "أفضل فيلم أجنبي"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Assassin
المغتالة
★★★★
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

|*| آخر أعمال المخرج التايواني سياو-سيين  هاو وأكثرها إختلافاً عن أعماله السابقة منذ أن تبوأ شهرة المهرجانات والمحافل العالمية بفيلم «وقت للحياة، وقت للموت» قبل 30 سنة.
وهو أيضاً فيلم هاو الذي يمثل تايوان في سباق أوسكار أفضل فيلم أجنبي. إذا ما وصل الفيلم إلى الترشيحات الرسمية التي سيعلن عنها في الشهر الأول من العام المقبل، فإن ذلك سيكون المرّة الأولى بالنسبة لأحد أعمال المخرج على الرغم من أنه سبق له وأن نال جوائز أولى في مناسبات أخرى مثل برلين وكان وشيكاغو وفريبورغ ولوكارنو ومهرجانات أخرى.

 إذا كان ما سبق عادي إلى حد، نظراً لأن هناك رهط كبير من المخرجين الذين سبق لهم وأن نالوا جوائز أولى في مهرجانات عالمية، فإن انتخابه كواحد من بين ثلاثة مخرجين أكثر تأثيراً على مستقبل السينما في إحصاء قامت به المجلة السينمائية البريطانية العريقة «سايت أند ساوند» يكاد يبز كل ما سبق من جوائز المناسبات. وفي العام 2012 تم إنتخاب «مدينة الحزن» (1989) كأحد «أعظم» (على حد تعبير المجلة) عشرة أفلام في ذلك الإحصاء الكبير الذي شمل نقاداً ومخرجين عديدين.
«المُـغتالة» فيلم يجري في عروق الأعمال  التي تقوم على استعادة التاريخ الصيني العام (بما فيه التايواني) كما كانت هوليوود تستعيد دوماً (وبكثافة) تاريخها عبر أفلام الوسترن. يتبع أحداث تقع في القرن التاسع عشر ملؤها الخيال حول شخصيات غير واقعية ذات قدرات أسطورية تلج معارك مصوّرة بمد من الفانتازيا المبهرة. الصينيان تشن كايغي وزانغ ييمو عمدا إليها (لجانب آخرين عديدين أقل شهرة منهما) بعدما كانا قدّما أفلاماً أكثر مدعاة لتقدير النقاد الذين اعتادوا على ما قاما بتوفيره من مواضيع آنية أو شبه آنية تنتقد السلطات إلى حد تذمّـر المسؤولين الحكوميين وتهديدهم لهما بالعقاب. حينها، حوّلا جانباً من نشاطهما إلى أفلام سيوف ومبارزات وفنون قتال شرقية وتركا شغل النقد الإجتماعي.
لكن الحال يختلف بالنسبة للمخرج التايلاندي هاو.
صحيح أنه في السابق، وعبر أفلام مثل «مدينة الحزن» (1989) و«سيد الدمى» (1993) و«طيران البالون الأحمر» (2007) و«زهور شنغهاي» (1998) علاوة على «وقت للحياة، وقت للموت» بالطبع، أنجز أعمالاً درامية فنيّـة الطابع وإنسانية التناول، إلا أن هاتين الصفتين، الفن والإنسانية، لازماه في «المُـغتالة» ما يجعل إقدامه على تحقيق فيلم من نوع «الوسترن الصيني» هذا مختلف عن أفلام معظم أترابه الذين سبقوه في هذا المنحى. 
يتناول «المُـغتالة»  حكاية إمرأة أسمها يينيانغ (تقوم بها شو كي) تجيد المبارزة والقتال بعد أن أمضت سنوات من التدريب على يدي إمرأة ترهّـبت لكنها لم تنس القهر الذي تعرضت له. يينانغ تنفذ إحدى المهام بمهارة خارقة. بدقة وبلا تردد. هذا ما يمهد لها مهاماً أخطر إذ عليها الآن أن تقتنص من مسؤولين حكوميين فاسدين. لكن عندما تصل إلى قتل أحدهم، تتراجع بسبب وجود إبنه معه. عوض أن تكون هذه المرّة استثنائية، تعاود يينانغ التعرض إلى الرغبة في التراجع عن تنفيذ المهام عندما يتم إرسالها لقتل الحاكم (تشانغ تشن) فتكتشف إنه إبن عمّـها وكانا متحابين وعلى أهبة الزواج كل من الآخر.

هذا الملخص لحكاية لها مقدّمة بالأبيض والأسود وتوابع نتيجة امتناعها عن تنفيذ الأمر، لكن الفيلم بأسره أبعد بكثير من مجرد قصّـة وبل من كونه فيلم عراك ومبارزات.  سياو-سيين  هاو  يقدم على عمله بتحييده عن الفرص التي كان الآخرون سيستغلونها لو أخرجوا هذه الحكاية. لا يكترث كثيراً لمشاهد القتال بحد ذاتها. هي قليلة في الأساس لكن الظاهر منها سريع وبعيد جداً عن الإستعراض. جزء من هذا أن مهارة المحاربة يينانغ تنص على أنها تجيد الإنجاز على ضحاياها سريعاً.  على عكس أفلام أخرى تتحدّث عن محاربين مهرة، لا يترك هذا الفيلم بطلته تقاتل طويلاً، حتى وإن كان ذلك مطلباً جماهيرياً، لأن ذلك يعني إنها ليست ماهرة بما فيه الكفاية.
إلى هذا، عمد المخرج إلى قدر كبير من الواقعية. المشاهد سوف لن ير هنا أبطاله وهم يقفزون عشرات الأمتار في الفضاء كما لو كانوا مصاعد كهربائية، ولن ير أياً منهم يقف على غصن شجرة كما لو كان بوزن إحدى ورقاتها، أو وهم يواجهون النصول براحة أيديهم لاحتوائهم على قدرات استشفاء غير واقعية. كل هذا تركه المخرج وراءه ليؤم قتالاً مكتسباً من قدرات البدن الفعلية ومحلى بالمهارات القتالية الأسهل والأصدق قبولاً.
نتيجة ذلك، أن المشاهد عموماً يستوحي من الفيلم رغبته في إبداء الحكاية على الشخصية. الموقف على القتال من دون أن يغفل تماماً عن قيمة مشاهد المعارك. في هذا الشأن يعاود المخرج هاو الإغارة على هذه المناسبات عبر طيّـها داخل معطفه الواسع من المعالجة الفنية التي تمتد أفقياً لتشمل الفيلم بأسره. من تلك البداية بالأبيض والأسود إلى تلك اللقطات المصوّرة من بعيد. من طبيعة المكان وتضاريسه إلى طبيعة الشخصيات وما تقوم به مروراً بالتوقيت والإيقاع المختار عمداً من قبل وصول الفيلم إلى المونتاج، يغزل هاو فيلمه جيّـداً ما يجعل «المُـغتالة» عملاً فنياً رائعاً أولاً ثم حكاية قتال ومواقف شخصية لإمرأة تكتشف أنها لا تزال تحب من تم إنتدابها لقتله ثانياً. 
وُلد سياو-سيين هاو (والمراجع المكتوبة باللغة الصينية تضع إسم العائلة، هاو، أولاً) في مقاطعة ماي الصينية سنة 1947 ثم هاجر مع والديه وباقي أفراد العائلة إلى جزيرة تايوان وعمد إلى دراسة الفن في «أكاديمية تايوان الوطنية للفنون». 
منذ بداياته كمخرج مارس هاو ذلك القدر من الإعتماد شبه الكلي على الكاميرا وليس على التوليف. أسلوبه المتأني لالتقاط الفعل والشعور لدى شخصياته، أتاح له كاميرا راصدة وغير متكلفة وقليلاً ما تتحرك. وهو تعامل دوماً مع مدير تصويره مارك لي بينغ-بين الذي بات يعرف تماماً ما يرضي رغبة المخرج الفنية فيؤمّـها بأقل قدر ممكن من النقاش. إلى جانب هذا التعاون، اختار روائية تايوانية معروفة تصغره بتسع سنوات هي تشو تيين-ون وكل ذلك مكّـن المخرج من حفظ أسلوبه في العمل من دون تفاوت في أي من عناصر الصنعة الفنية الرئيسة.
عمد سياو-سيين إلى الحكايات التي تستطيع أن تعكس فترات من حياته شاباً في تايوان بعد نزوحه وأهله. لديه قدر كبير من الشعور الذي يحنو لتلك الفترة التي هي، عند سواه، فترة متاعب شخصية. في «وقت للحياة، وقت للموت» يستعير من فترة صباه وبلوغه ويلحظ تلك السمات التي أثرت فيه وهي وفاة والديه (تباعاً بفارق سنوات قليلة) وجدته من قبل. 
ذكريات الماضي نجدها أيضاً في «حكاية تايبي» (1985) عبر شخصيات تلتقي صدفة بعد طول إفتراق وتبدأ في تداول حكايات الطفولة وعادات وتقاليد الأسر حينها. الحاضر غير مثير للإهتمام لدى أبطال المخرج لا هنا ولا في أفلام أخرى.
سنة 2007 حقق فيلماً فرنسي التمويل بعنوان «طيران البالون الأحمر» حول ذلك الصبي المشدوه لبالون يطير فوق رأسه كما اتجه. في الوقت ذاته هو عن الفرنسية التي تعمل «بايبي سيتر» (جولييت بينوش) ومصاعب حياتها المعيشية والعاطفية.

_________________________________________________________________


أفلام الأوسكار 1: «إرحل بعيداً يا سرطان» (الترشيح الصيني) | نظرة ثانية على مهمة توم كروز المستحيلة | ميسر المسكي يكتب عن أحد أفضل أفلام جين سيبرغ | أحمد شوقي يستعيد «عفاريت الإسفلت» | إسراء إمام تبحر في فيلم عباس كياروستامي «أين بيت صديقي؟"


_________________________________________________________________
 أفلام أوسكار 2016 
 الحلقة 1
الفيلم الذي يمثّـل الصين في مسابقة "أفضل فيلم أجنبي"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Gun dan ba! Zhong liu jun
Go Away Mr. Tumor
"إرحل بعيداً، يا سرطان"
★★★✩✩
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

|*| يبدأ الفيلم وينتهي بطاقة وحيوية كبيرتين. لكن هذه الطاقة تضمحل في منطقة الوسط إلا في بعض المشاهد التي يلتقط فيها المخرج هان يان الشكل الذي كان سقط منه على الأرض ليستخدمه من جديد.
هو ميلودراما تميل إلى الكوميديا بينما تسرد تراجيديا. لا عجب أن إيرادات الفيلم الصينية (عندما إنطلق للعروض في صيف هذا العام) تجاوزت ما يوازي 32 مليون دولار في 32 يوم. وفي نهاية مطافه إقتربت إيراداته من 100 مليون دولار (رقم كبير بالنسبة لسعر تذكرة أقل من نصف سعرها في الغرب). أستطيع أن أتخيل نصف المشاهدين، في كل عرض وهم يبكون، خصوصاً قرب النهاية. النصف الثاني يحاول منع نفسه من البكاء.
المصدر هو مسلسل كرتوني على الإنترنت وضعته جيونغ دَن وأودعت فيه ما مرّت به في صراعها مع السرطان. إنه فعل شجاع ليس لإقدام الفنانة عليه، بل لإقدامها عليه بصراحة وبالقدر المناسب من المزاح أيضاً. لكن تحويله إلى فيلم هو، بدوره، فعل لا يقل شجاعة من حيث أن المخرج يان أصر على نقل الملامح الكوميدية وإضافة اللمسات الفنية الأخرى مستوحاة مباشرة من المصدر. هناك، على سبيل المثال، مشهد تقلب فيه بطلة الفيلم باي (تقوم بها بايهي باي) دفتر رسوماتها فإذا بتلك الرسومات تنطق. وفي مشهد آخر تتخيل أنها معرضة لهجوم من الزومبيز فتخرج مسدسيها وتبيدهم على طريقة «السوبر هيرو». إلى ذلك مشهد تنتقل فيه إلى شاطيء البحر عندما يخبرها طبيبها (دانيال وو) أنه يشعر بالحر (من جراء تعلقها به واحتضانه). هي لا تنتقل وحدها، بل مع طبيبها أيضاً وفي الوضع نفسه بإستثناء أن الطبيب بات مستمتعاً باللحظة الرومانسية عوض شعوره السابق بأنه محرج لأن مريضته تعانقه. 

تستطيع باي أن تفعل ذلك (ووراءها الفيلم) لأنها في أشد لحظات حياتها حرجاً تخرج من الواقع إلى الخيال لتعيش فيه كون الخيال مرتع غير مؤلم. قبل موتها في النهاية تبوح لأمها (وغالباً وسط جهش المشاهدين)  "سأمضي إلى حيث لن أشعر بالألم بعد اليوم". هذا هو الجانب المثير للإعجاب وبداخله قدرة الممثلة على ترجمة الشخصية إلى لحظات مثيرة للإهتمام وقابلة للتصديق ومُـعاشة كما لو أنها دمجت شخصية الكاتبة على نحو مزدوج: إنها جيونغ دَن وشخصيتها الخيالية باي في وقت واحد.
باي تعيش حياتها بلهو ومرح وتفصل من عملها وتخسر من تحب في يوم واحد ثم، بعد نحو ثلث ساعة من الفيلم، تكتشف أنها مصابة بالسرطان. جزء كبير من الفيلم يقع في المستشفى لكن من دون أن يقع تحت وطأة المكان. هناك مرح طويل ودائم في كل الأماكن بما فيها الجناح الذي وُضعت فيه: الطفل المصاب بدوره الذي يخبرها بأنه جاهز لمساعدتها والصديقات اللواتي يزرنها ووالديها اللذين يدركان أنهما سيخسرانها. حين تكتشف أن هناك ورم خبيث تفرح لاعتقادها أن الطب سيستطيع استئصال ذلك الورم فتشفى. تفرح لذلك وتقول: "كل هذا الوقت وأنا كنت أعتقد إنه السرطان. الآن أستطيع أن أعيش".
بالطبع لا يمكن للمشاهد إلا أن يقبل هذا العنفوان ولو لحين. المشكلة هي أن السيناريو يتحوّل إلى تأكيد على تأكيد سابق وتثقل همّـة العمل بأسره ليغوص أكثر في الإتجاه المأسوي. في نتيجته يتبدى كميلودراما عاطفية لا تخجل من صفتها تلك ولو أنها ليست بكائية وسمجة على الإطلاق. 
اللافت أن الفيلم جعل بطلته مسيحية (والمسيحيون قلّـة صينية) وسواء أكان ذلك لأن الكاتبة ذاتها مسيحية أو لأن الشخصية مكتوبة هكذا، فإن ذلك بمثابة دعاية طيّـبة في بلد المتدينون من إبنائه بوذيون، أو من أتباع ديانات شرقية أخرى.

إحتمالات دخوله الترشيح الرسمي: جيّـدة.

Cast & Credits
Director: Han Yan | Screenplay:  Xiong Dun, Han Yan.
Leading Actor: Baihe Bai | Supporting: Daniel Wu, Yuan Li, Temur 
Mamisashvilli.
Prod. Company: Wanda Media Co.  {China/ 2015)














_________________________________________________________________