Year 5/ Issue 175
Identificazione Di una Donna
إخراج: ميكلانجلو أنطونيوني.
إيطالي ـ فرنسي. إنتاج: أيتر فيلم (روما) وغومون (باريس) بالتعاون مع التلفزيون الإيطالي ـ القناة 2...
التوليف (المونتاج بكلمة أخرى) بالنسبة للمخرج بول غرنغراس هو ما يبني الفيلم وما يشكلّـه أمام المشاهدين. هو ما يضع الفيلم، أي فيلم له، أمام سباق الزمانين: زمن المشاهدة المحدود بساعتين أو ما يجاورهما، وزمن الأحداث التي تقع على الشاشة. الكاميرا تأتي لتواكب هذه الصيغة. محمولة ومتسارعة ولاهثة. لكن لا المونتاج متفذلك أو مصطنع الوتيرة، ولا التصوير عبثي بلا قواعد. لذلك أفلامه (من سلسلة العميلجاسونبورن،إلىأفلامهالتيتتناولقضاياسياسيةالتكوينمثل «يونايتد 93» و«أحددموي» إلىهذاالفيلم) تشتركفيهذاالأسلوبالذيباتعنواناًلمخرجه.
الحكايةالمرتسمةعلىالشاشةهنامقتبسةعنأحداثحقيقيةبطلهاالكابتنرتشاردفيليبسالذيتعرضوسفينتهإلىالقرصنةالبحرية سنة 2009 وخاض غمار تجربة مرّة وصعبة نجا منها بأعجوبة، كما ورد ذلك في كتاب وضعه (بالمشاركة مع ستيفن تالتي) عنوانه «أيام خطرة في البحر». الجزء المرتاح نوعاً في هذا الفيلم هو التمهيد: كابتن فيليبس (توم هانكس) وزوجته ينطلقان من بيتهما في السيارة. يتحدّثان عن جيل سيحيا في عالم مضطرب، بذا يعبّران عن شعور ملايين الناس وربما عن رأي المخرج أيضاً. يصلان إلى المطار وتعود هي بالسيارة. أن لا نراها بعد ذلك هو حقيقة بالنسبة إلينا. بالنسبة للكابتن فيليبس هو خوف شديد يتبلور عندما يدرك أن السفينة التي قادها مع نحو ثلاثين بحار من ساحل عُـمان قاصدة الساحل الأفريقي، ملاحقة من قًـبل قاربين صوماليين.
يحاول الفرار مرتكباً بضع حيل بعضها ناجح لكن بحارة مركب واحد من القراصنة (المركب الآخر ولّى الأدبار) يتعقّـبه بالإصرار ذاته التي يقتحم به القمرة الرئيسية. إنهم أربعة قراصنة صوماليين مسلّحين يقودهم عبدالولي موسى (بركاتعبدي) ضد الكابتن فيليبس وأعوانه الأساسيين. باقي البحارة لجأوا إلى القاع واختبأوا وهناك مرحلة من الفيلم تتضمّن قيام القراصنة بالبحث عن الطاقم لأنه كلما ارتفع عدد الرهائن كلما إرتفعت الفدية. «هذه السفينة تحمل الطعام لجائعين أفريقيين»، يقول الكابتن فيليبس لخاطفي السفينة، لكن هذا لا يعني شيئاً لهم. يعرض 30 ألف دولار في حوزة الباخرة للإنفاق حين الضرورة. يأخذونها لكنهم يصرّون على احتجازه بعدما فشلوا في السيطرة على الباخرة.
هنا يكمن النصف الثاني من الفيلم: التجربة المرّة لإنسان يقع في قبضة أفراد يعيشون حقبة مختلفة من التاريخ وثقافة متناقضة تماماً. الشرخ الحاصل مقصود لكن المخرج لا يجيره على مبدأ «نحن» و«هم»، بل يمنح القراصنة وجوداً فردياً تبرز بين جوانبه إختلافات كل منهم عن الآخر كما يعكس وضعاً قد يحمل البعض على قدر من التعاطف. صحيح أن عبدالولي يذكّـر كابتن فيليبس، والمشاهدين الغربيين أن الغرب يسرق الثروة السمكية (ويصر على أنه ورفاقه صيادي سمك) إلا أن المتمثّـل أن الفارق الإقتصادي الشاسع بين قارات الأرض ودولها يلعب دوراً فيما يقع أمام أعيننا.
بعد فشل القراصنة الأربعة في عملية احتجاز السفينة، يكتفون بإحتجاز الكابتن ذاته في قارب النجاة البطيء. هذه هي المرحلة الأصعب في كل شيء: في التمثيل، في التصوير، في إنتقاء ما يجب عرضه وما ليس مهمّـاً وفي التعامل مع ذلك السباق الزمني للنهاية. يغيب عن البال غالباً أن بطلنا سيبقى حيّـاً، ليس لأنه توم هانكس وليس لأنه يقود الفيلم، بل لأنه عاش في الواقع ليضع كتاباً عن هذه التجربة.
التصوير داخل قمرة ليس كالتصوير في مساحة واسعة. وبراعة غرينغراس تصل إلى ذروتها هنا. «كابتن فيليبس» مدرسة نموذجية في هذا الشأن: من ناحية لديه الكابتن المختطف ومن ناحية لديه أربع صوماليين أحدهم شاب لا يمانع في إعطاء الكابتن ماءاً ليشرب ما يخلق توتراً إضافياً ولو ليس عالياً. ثم هناك جنود البحرية الأميركية الذين يهرعون لنجدة الأميركي المخطوف. مهما قيل في أن الفيلم يبدو عن براعة الأميركيين لا يخرج عن أن ذلك هو أقل واجبات الدولة حيال رعاياها. في هذا الخضم يبرز عنصر التشخيص (ولا أقول التمثيل فقط): توم هانكس يجسّـد كل نبضة بواقعية. وعينا بركات عبدي تعكسان كل ما تريد معرفته عن شخصيته والآخرين.
هذا الممثل لأول مرّة يسرق المشاهد أكثر من مرّة. يسهم، من خلال وقوفه، رمزياً، على قدم واحدة طوال الفيلم (غير واثق من خطواته لكنه ماض بها على أي حال)، في حشد ذلك الإدراك بأن العصبة اليائسة تموت بالذبح البطيء. هذا الإدراك يبدأ حالما تتدخل القوّات البحرية الأميركية. إنهم في البحر لا مهرب. ومعهم رهينة هي بدورها دافعاً لنهايتهم، فالقوات الأميركية لن تترك مواطنها وترحل أو تتنازل. لا يستطيعون قتله فيتم قتلهم بقذيفة واحدة، ولا يستطيعون إخلاء سبيله. قارب النجاة الصغير يصبح عالمهم المطبق عليهم والصياد يتحوّل إلى طريدة.
عبدالولي، قبل نحو ربع ساعة من نهاية الفيلم، يقع في الفخ. يوهمه الأميركيون أنهم يريدون الإتفاق معه لحل الإشكال فوق سفينتهم. يدخل على هذا الأساس. فقط حينها يدرك (وندرك أنه يدرك بمجرد النظر إلى عينيه اللتان تخلتا عن أي بارقة أمل) أنه أصبح بدوره رهينة. عندما يتم قتل رفاقه لن يكون هناك ما يمنع من إنقضاض رجال البحرية عليه وتكبيله. النهاية.
الكابتن فيليبس يبكي من التجربة متأثراً وغير مصدّق لنجاته. يريد زوجته وأطفاله وهو الذي كان يخشى أن لا يراهم بعد ذلك اليوم.
هل سرد الفيلم القصّـة الحقيقية تماماً كما حدثت؟
بالطبع لا. ولا يجب أن يفعل. من يبحث عن سينما التقرير عليه أن يكتفي بالنشرات الإخبارية على الشاشة الصغيرة. وطالما أن سرد زبدتها فلا بأس إذا ما استبعد بعض المفارقات أو أضطر لتقديم مشاهد لم تقع على هذا النحو طالما أنه حقق غايته: الحديث عن تجربة إنسانية مرّة في عالم من حقنا أن نعرف إلى أين يتّـجه ولا نستطيع.
لم ينل «السُـلطة الخامسة» إعجابأقرب الأشخاص إليه: جوليان أسانج، لكن الأمر لم يتوقّـف عليه بل شهد الفيلم صدّاً كبيراً من قبل الجمهور الأميركي وفتوراً واسعاً بين النقاد وعالمياً لا يبدو أن للفيلم، كما أخرجه بيل كوندون (الذي سبق وحقق فيلمين من السير الحياتية) حظ أفضل.
يقوم بندكيت كمبرباتش بتأدية الشخصية التي أثارت المتاعب في وجه الإدارة الأميركية عندما سرّبت كل ذلك الكم من المعلومات حول خفايا السياسة الخارجية وما تم طمره من تفاصيل الحرب العراقية وسواها من القضايا التي لا تزال عالقة إلى اليوم. وكمبرباتش ممثل جيّـد في دور له حدوده في نهاية المطاف كونه مستمد من شخصية لا زالت تعيش بيننا (ولو في كنف سفارة إكوادور في لندن بعيداً عن أصابع السلطات البريطانية). ما يأتي به الممثل كمعين لدوره هذا هو قدر من الغموض يلف موقف الشخصية التي يمثّـلها من بعض الأحداث التي تتطلّـب رد فعل عاطفي. هل لوسانج بارد لهذه الدرجة أم أن العاطفة تتداخل وتستعر في داخله؟
لكن هذا ليس ما منع الجمهور من الإقبال على هذا الفيلم، بل حقيقة أن العمل بأسره، كما كتبه جوش سينجر وأخرجه كوندون، لم يضف جديداً وبل لم يستطع. الأحداث كلّـها راهنة لم يمض عليها أكثر من حفنة سنين. خلالها لا زال إسم لوسانج مطروحاً ومتردداً ما يجعل الفيلم يبدو كما لو كان مرآة مشروخة أو «فوتوكوبي» لا حاجة لها بوجود الأصل.
يبدأ الفيلم فاشلاً: مونتاج كثيف لتاريخ الصحافة من أيام ما كانت تكتب بخط اليد إلى يومنا هذا. حين الوصول إلى الحاضر تضعنا المقدّمة أمام قرار أسانج بنشر أسراره في ثلاثة مؤسسات صحافية كبيرة هي الغارديان البريطانية ودير شبيغل الألمانية و«ذا نيويورك تايمز» الأميركية. المنشور كان مدوياً على أساس أنه رصد موثّـق لمواضيع ساخنة مثل الفساد في الطبقة الحاكمة في كينيا ومثله في أحد المصارف السويسرية، والحرب الأفغانية حيث ارتكب الجنود الأميركيون مذابح خافية وسواها.
من هذه النقلة يعود الفيلم القهقرى إلى العام 2007 لتعريفنا بصداقة متوتّـرة قامت بين أوسانج وشخص أسمه دانيال بيرغ (دانيال برول) ونتج عنها الموقع الإلكتروني الشهير «ويكيليكس» ولو أن العلاقة بينهما تراجعت لحساب قدر من الريبة بالنسبة لأوسانج ونسبة لرغبته- حسب الفيلم- إستحواذ كل شيء.
بكاميرا تحب الحركة المفتعلة وبإيقاع ينشد أن يصطنع التوتر، تمضي ما يمكن وصفه بالأحداث عنوة. الفيلم إذ يسرد قصّـة حياة يتابعها من دون ذلك الإلمام الأعلى بالعلاقة بين الشخص المنفرد والعالم الذي ينتمي إليه. كمشاهدين نتذكّـر فيلمديفيدفينشرالجيد «الشبكةالإجتماعية» حيثمارك زوكربيرغ (كما لعبه جيسي آيزنبورغ) وكيف توصّـل إلى كشف سلبيات الشخصية على نحو من الصعب مناهضته، ثم كيف جعل الموضوع الفردي مطروحاً على مستوى يهم المشاهدين جميعاً في عصر يربطنا جميعاً إلى سلسلة التطوّرات التقنية الخارقة الحاصلة اليوم. تلك الرؤية غائبة عن «السُـلطة الخامسة». حتى تلك المشاهد المفعمة بالحيوية تبقى مصطنعة تنتمي إلى رغبة تأثير أكثر من إختيارات فنيّـة ملائمة. الحوار في هذا الفيلم كارثة كون الكاتب أراد من كل مشهد أن يحمل حوار الموقف الماثل مضاف إليه أبعاداً وخطباً مكثّفة.
استندت رواية ستيفن كينغ «كاري»(نشرت سنة 1974) إلى فكرة إنتقام فتاة مراهقة وغير محبوبة في المدرسة من الطلاب (ذكوراً وإناثاً) الذين سخروا منها طويلاً ودبّـروا لها المقالب المهينة لانتزاع الضحكات المهينة لها. هي فتاة نحيلة وطيّـبة القلب لكنها تكتشف أن لديها من القدرات غير الطبيعية ما يمكن لها توجيه انتقام من كل من يقصدها بالأذى… تتحوّل من الضعف إلى القوّة ومن الطيبة إلى الغرابة القصوى وما تلبث أن تستخدم قواها الإستثنائية لإشاعة الرعب بين الطلاب الذين أهانوها طويلاً ولإشعال المدرسة كما لو كانت تشعل النار في صرح المؤسسة النظامية بأسرها.
في العام 1976 قام المخرج الجيد برايان دي بالما بصنع فيلم من هذه الرواية نقل فيها الجزء الأكبر من الأحداث وصاغها على نحو فيلم رعب هيتشكوكي الأجواء (كعادته آنذاك) مانحاً فكرة إنتقام الضعيف من القوي (ديفيد ضد غولياث) جل اهتمامه. طبعاً عني بتقديم الخلفية. كاري (سيسي سبايسك) واقعة تحت هيمنة أمّـها (بايبر لوري) المتطرّفة دينياً ما يمنح الفيلم جوّاً قوطياً مناسباً.
الآن هناك «كاري» جديد هو أقرب لأن يكون إقتباساً جديداً للكتاب أكثر من كونه إعادة صنع للفيلم السابق. في النسخة الجديد تقوم المخرجة كمبرلي بيرس (سبق وأعجبنا بفيلمها المعادي للحرب العراقية Stop-Loss قبل خمس سنوات) بالتركيزعلىتلكالطقوسالدينيةالقوطيةوتمنحهاحجماً أكبر في معضلة حياة بطلتها. كاري هذا الفيلم (كلاوي غرايس مورتز) ضحيةأولىلأمهامرغريت (جوليان مور) التي يبدأ الفيلم بهما لحظة ولادة الأولى. مرغريت تطلق صرخة مريعة وترفع مقصّـاً تكاد تهوي به على الجنين المولود لولا أنها تمتنع فجأة ثم تلتقط إبنتها وتحتضنها.
طوال الفيلم ستتصرّف مرغريت المتطرّفة دينياً من منطلق أن إبنتها ممسوسة من قِـبل شيطان رجيم وأن عليها أن تنزع عنها كل الرغبات والمشاعر الطبيعية والإنسانية. تبقيها تحت عبء شهورها بالدونية وتبعث بها إلى المدرسة لتكون مثار هزء من حولها بإستثناء شاب صادق النيّـة تشعر كاري بأنها تستطيع مبادلته الشعور لولا أن أمّـها تضع قدمها في منتصف هذا اللقاء المحتمل وتفسده. كاري التي اكتشفت في نفسها قدرات كان يمكن أن تنضم بها إلى شخصيات «رجال إكس» تنتقم في النهاية بعدما طفح الكيل أكثر من مرّة.
حينكتبكينغهذهالرواية،ثمحينأخرجديبالماالنسخةالأولىمنها،لميكنالإنسان دلف عصر التقنيات الجديدة. هذه المرّة الفيلم يبدو كصرخة ضدّها. ليست صرخة أولى أو أساسية أو حتى يمكن ملاحظتها قبل سواها، بل ترد عندما تقوم إحدى الطالبات بتصوير كاري لحظة تلوّث ثيابها بدماء الحيض على هاتفها النقال وبث الصور للتو على صفحات الإنترنت. هذا لم يكن وارداً في بال كينغ لكنه يرد في بال المخرجة بيرس لأنها تقدّم «كاري» جديدة إبنة عصر مختلف. ومع أن الفيلم ملطّـخ بالدم في مناسبات عدّة، إلا أن بيرس لا تنسى أنها في صدد فيلم رعب فتمنحه الأجواء والمؤثرات الناجحة. مور مقنعة وموريتز أقل قدرة على التجسيد مما فعلت سيسي سبايسك في النسخة السابقة.