Mohammed Rouda's FILM READER
العدد 244 | السنة 8
------------------------------------------------------------------------------------------
أفلام الأسبوع الجديدة
------------------------------------------------------------------------------------------
The...
Mohammed Rouda's FILM READER
العدد 243 | السنة 8
------------------------------------------------------------------------------------------
إلكلاسيكو
★★★★★
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج:...
هناك عدة أسباب لبناء سور الصين العظيم… ليس منها ما يرد في هذا الفيلم
★★★★★
يبدأ الفيلم بالإعتراف بأن هناك حقائق وراء بناء سور الصين العظيم لكن هناك أساطير أيضاً. وأن ما سنراه هو واحد من الأساطير. بعد قليل فقط سيتحوّل الفيلم عن جادة الأساطير إلى ناصية الخزعبلات وسيبقى كذلك حتى نهايته.
زانغ ييمو، الذي ترك ماضيه المازج بين الشاعرية والواقع والنقد الإجتماعي، لم يتردد في قبول مهمّـة إخراج هذا الفيلم الأميركي الأول له. مات دامون في الوقت ذاته لم يتردد في قبول تمثيل هذا الفيلم الصيني الأول له. الإثنان يتوجهان إلى جماهير عالمية بعنوان مشترك أميركي- صيني ونجاح هذا الفيلم، الذي سيباشر عروضاً واسعة في مطلع العام الجديد، قد يعني إستمرارهما في منهجين مختلفين: زانغ ييمو يصبح المخرج الصيني المفضل لهوليوود ومات دامون الممثل الأميركي المفضل في الصين. أي شيء من هذا القبيل سوف لن يكسر القاعدة.
وليام (دامون) مغامرأميركيفيالفترةالتيتبعتبناءالسور (مابين 476 و770 ميلادية) يعمل محارباً مرتزقاً ونتعرف عليه وعلى أصحابه وهم يفرون من أعداء لهم في إحدى الصحارى. يلجأوون إلى مغارة وبعد قليل يفتك بمعظمهم وحش غريب. ينجو وليام من الموت مع صديق له أسمه توفار (بدرو باسكال). يصلان إلى موقع عسكري حيث يُـلقى القبض عليهما. بعد قليل تصل جحافل الوحوش التي تتميـز بقدرات كثيرة من بينها أنها تصلح للظهور في نظام الأبعاد الثلاثة. لكل منها فم بأنياب كبيرة تساعده على أكل البشر. حراس الموقع، بقيادة الحسناء لِـن (جينغ تيان) سينبرون للدفاع عن السور من الغزو في معركة هائلة يشارك فيها وليام وتوفار حيث يظهر الأول فنون قتل برمي السهام.
الموقعة الأولى تنتهي والإستلطاف يبدأ وعندما يقرر توفار وذلك الأميركي المقبوض عليه منذ ربع قرن (وليم دافو) الهرب يمتنع وليام عن مشاركتهما. عوض ذلك يبقى ليشارك في الموقعة الأخيرة وينال المزيد من استلطاف قائدة الموقع.
عند هذه النهاية، يكون زانغ ييمو استعرض كل ما في وسعه من قدرات لحث المشاهد على تبني ما يراه وشحنه بالمؤثرات والتأثيرات. معظمها يبقى متوقعاً. خطوات ييمو في هذا الفيلم مسبوقة بأعمال كثيرة أخرى في السنوات القريبة شاهدنا فيها "أساطير" فانتازية تحمل المعارك الكبيرة بالسيف والرماح والقدرات القتالية. لا شيء في الواقع جديداً حتى على صعيد كتابة الحكاية وما يحدث يمر بلا توقعات تذكر و-الأهم- من دون أن يتطوّر في أي إتجاه غير مسبوق.
حسب الفيلم فإن هذه الوحوش عليها أن ترضي الملكة التي لن تنجب إلا إذا أطعموها، لكن لا شيء يخبرنا لماذا تهاجم البشر كل ستين سنة فقط (كيفتحسبالسنوات؟).
ركاكةالعملمغطاةبالتكنولوجياوالدجيتال. لكنمنينظرفيصميمهيدرككم هو هش بهما ومن دونهما.
تشويق • بن أفلك يقدم أداءاً جيّـداً في دور محاسب ذكياً وله مآرب أخرى
•سيناريو بل دوبوكيو لهذا الفيلم قد يرشحه للأوسكار في العام المقبل. هذا الكاتب سبق وأن وضع سيناريو «القاضي» الذي كاد أن يكون الشيء الوحيد الصالح في تلك الدراما حول المحامي الذي لا وقت لديه لكي يضيعه (روبرت داوني جونيور) وأبيه القاضي (روبرت دوفال) الذي ارتكب جرماً ويحتاج إلى إبنه للدفاع عنه.
هذه المرة، وفي فيلم «المحاسب» يرفع من درجة إتقانه تنظيم الخطوط التي تعصف، كما تربط، بين شخصيات الفيلم. بن أفلك هو كرستيان وولف الذي يتمتع بموهبة ذهنية فريدة عندما يتعلق الأمر بالأرقام. لا عجب إذاً أنه يعمل محاسباً- لكن ليس كأي محاسب نعرفه، بل كواحد يتعامل مع مؤسسات مشبوهة تتاجر بالسلاح هنا وتغسل الأموال هناك. في الفيلم نسمع أسماء دول عديدة وشركات من الشرق والغرب وبلاد العرب. إنه شخصية مهمّـة وخطيرة لكنه لا يتصرّف أمام الناس على هذا النحو، بل يؤم مكتباً صغيراً للحسابات ويعالج شؤون الناس البسيطة أيضاً.
لكن وزارة الخزينة تعلم أنه مثل كتاب معلومات مشفّـر إذا ما تم توريطه والقبض عليه واستجوابه. كرستيان لا يترك مجالاً لأحد لكي يوقع به والمسؤول في تلك الوزارة (ج ك سيمونز) يلجأ لموظفة ذكية (سينثيا أداي روبنسون) لكي تساعده في الوصول إلى غريمه. لكن ما ينتظر الإثنين هو أكثر مما كانا يتوقعانه. كرستيان ليس مجرد ذهن وقّـاد ونابغة حسابات لا مثيل له، بل قاتل محترف أيضاً. لديه سوابق وهو في سبيل إضافة عمليات أخرى فوقها.
نراه يقبل عرضاً للعمل في مؤسسة ضخمة اكتشفت إختفاء 70 مليون دولار من حساباتها تساعده في ذلك إمرأة شابة (آنا كندريك) التي سرعان ما تجد نفسها مهددة بالقتل. كرستيان نفسه سيصبح مهدداً لكن لا خوف عليه فهو يجيد الدفاع عن نفسه.
الفيلم يسير صعداً بشبكته من الأسئلة اللغزية ثم يزيد الوضع صعوبة وتعقيداً عندما يلج إلى كنه علاقة كرستيان بماضيه، فهو وُلد بعضال عصبي يؤثر على سلوكه في الوقت الذي يمنحه طاقة كبيرة من التفكير. لجانبه شقيق من عمره اختار النأي بنفسه ما أثر على وضعه ايضاً. الأب المنتمي إلى تربية عسكرية قرر أن الطريقة الوحيدة لمعالجتهما معاً هو إرسالهما لتعلم فنون القتال الشرقية وهما ما زالا صغيران. حين كبرا تفرقا لكن النهاية تحمل مفاجأة لا يصح الإفصاح عنها هنا.
بينما يرتفع الفيلم ويختلف عن مستوى أفلام تشويق أخرى كثيرة، يخفق المخرج غافين أو كونور في الحفاظ على هذا الإختلاف حتى النهاية. كان يستطيع الحفاظ على بعض الحسنات في مشاهد النهاية لو أنه صاغ المواقف الأخيرة ببعض الحلول الفنية عوض الهرولة إلى مشاهد قتل من تلك التي تعلم نهاياتها. على ذلك، ينقذ بن أفلك الفيلم بأسره من خطر هزال إضافي بتمثيل جيد يكبت فيه عواطفه ويعكس حالته بأقل قدر من الكلمات.
تشويق • لقاء آخر بين المخرج زويك والممثل توم كروز لا يثمر عن فيلم أفضل
• في العام 2012 قام توم كروز بإناج وبطولة فيلم عنوانه «جاك ريتشر» حول ذلك التحري ذو الخلفية العسكرية الذي عليه أن يكتشف قاتلاً هو بدوره مدرّب على القتل في المؤسسة العسكرية. الفيلم، الذي شارك في بطولته رواموند بايك، كان خير تقديم لمسلسل جديد يعزز به توم كروز حضوره الجماهيري، جنباً إلى جنب سلسلته الأخرى (والأقدم بالطبع)«مهمّـة: مستحيلة».
الآن، آن الأوان للجزء الثاني وتمت تسميته بـ «جاك ريتشر: لا ترجع مطلقاً» وتم إسناد إخراجه إلى إدوارد زويك الذي سبق له وأن أخرج من بطولة كروز أيضاً «الساموراي الأخير» سنة 2003. الجزآن مستوحيان من روايات الكاتب البوليسي لي تشايلد والقصّـة الحالية هي الرقم 18 في سلسلة جاك ريتشر المنشورة والتي تبلغ 20 رواية. لكن من ينظر إلى الفيلم سيتساءل إذا ما كان هذا الجزء الثاني قد يكون الأخير وبعده سيتم غلق هذا الملف وذلك لأن الفيلم، رغم قصّـة محبوكة، يتحامل على نفسه من مشهد لآخر ومن موقع تصوير لما بعده كما لو كان هو المصاب بطلقة في ساقه.
ريتشر (كروز) لم يكن يتوقع أن يجد أن المايجور سوزان تيرنر، التي تمسك زمام المكتب الذي كان يديره في المؤسسة العسكرية، متهمة بالتجسس ومتوقفة عن عملها. لا يرتاح للكابتن الذي أخبره النبأ، ولا يرتاح للسرية في تداوله. لم يكن التقى بتيرنر (تؤديها كوبي سملدرز) وكان يستطيع أن يصدّق ما قيل له ويمضي، لكنه يقرر أن المسألة ليست كما قيل له وعلى هذا الأساس يقرر إنقاذ تيرنر من الأسر، وتمضية باقي أحداث الفيلم وهما يحاولان البقاء حيين بعدما أرسلت الإدارة العسكرية قتلة مأجورين لم يفشلوا من قبل لكنهم سيفشلون الآن ولأول مرّة.
تنفيذ المهام الصعبة صار أصعب هذه الأيام، والفيلم يبحث عن كيفية تقديم مشاهد أكشن جديدة المعالجة علماً بأنه كان من الأجدى البحث عن أسلوب فني أساساً كون كل ما يمكن التطرّق إليه من مشاهد مداهمات ومشاهد مطاردات ومشاهد معارك تم عشرات المرات من قبل. لم يعد جديداً أن يفاجئ البطل غريمه من الخلف أو أن يفرغ المسدس من رصاصه في الوقت المناسب. الفصل الأخير (مطاردة فوق أسطح المباني خلال حفل كرنفالي) يحمل تشويقاً لكن الباقي يودعنا سرداً لا يتطلب أكثر من فعل المتابعة على أكثر تقدير.
ريتشر هنا بحاجة لإمرأة قوية مثل تيرنر تساعده وتحميه ويحميها ويتبادلان الخبرات. إنها قوية مثله وعنيدة مثله وتثور إذا ما نظر إليها كإمرأة. لكن الفيلم يحيطه بإثنين من الإناث. الأخرى هي فتاة في الخامسة عشر قد تكون إبنته وقد لا تكون. وأنت قد تهتم إذا ما كانت أو لا تهتم.
تشويق • أي كارثة هي الأهم: إنفجار محطة النفط البحرية أم الفيلم؟
• في العاشر من أبريل/ نيسان سنة 2010 وقعت كارثة تلوّث اعتبرت أكبر كارثة من نوعها في التاريخ الأميركي. محطة بترول بحرية تابعة للشركة البريطانية العملاقة BP إنفجرت بنفطها المستخرج من عمق المحيط في خليج المكسيك ما نتج عنه تلوث البحر ومقتل ثروته المائية والبرمائية على حد سواء إلى جانب مقتل إحدى عشر عاملاً في تلك المحطة التي حملت إسم «ديبووتر هورايزن».
في التاسع من مارس/ آذار، سنة 2011 تم شراء حقوق تحقيق شارك في كتابته ديفيد رود وستيفاني صول حول الحادثة ونشرته صحيفة «ذا نيويورك تايمز». وفي العام 2014 تم التواصل مع المخرج ج. س شاندور («كل شيء ضاع» من بين أخرى جيدة) لتحقيق هذا الفيلم لكن المخرج اصطدم برغبة شركة الإنتاج بتحقيق فيلم إثاري حول الموضوع. فيلم يحوّل الكارثة الحقيقية إلى إحتفاء بحد ذاته لكون ذلك، في العرف المتداول، الطريقة الصحيحة لإنجاز فيلم من هذا النوع.
بيتر بيرغ الذي سبق له وحقق «المملكة»(1977) و»هانكوك»(2008) و«سفينة حربية»(2012) من بين أخرى معتدلة الأهمية والقيمة، استلم المهمة. والآن بعد ست سنوات على الكارثة نشاهدها مرتسمة على الشاشة على نحو مزدوج: هو فيلم- كارثة عن حدث كارثي.
لدينا خبير الإلكترونيات مايك (مارك وولبرغ) الذي يستيقظ صباح اليوم الذي سيتوجه فيه إلى الحقل المائي. تلك الدقائق الخمسة تكاد تكون الدقائق الواقعية الوحيدة إذ يتحدّث لزوجته وإبنته ويتناول طعام الإفطار ثم يقبلهما وداعاً للتوجه إلى عمله على أن يلتقي بهما بعد ثلاثة أسابيع. لكن الفيلم من تلك النقطة وما بعد يهرول كما لو أن هناك عصا تلاحقه. نصف الساعة التالية هي ثرثرة متمادية جلها المعلومات التقنية والعلمية التي- بعد الكثير من الشرح- ما زالت مبهمة كون الحديث حولها وليس فيها. يقرر الفيلم هنا أن الصيانة هم مايك ورئيس المحطة جيمي (كيرت راسل) لكنها آخر هموم المندوب المشرف لشركة BP(جون مالكوفيتش).
بعد جدال حول هذا الموضوع يدخل مايك حجرته لإجراء اتصال عبر السكايبي مع زوجته ويقرر جيمي أخذ حمام في حجرته. في الوقت ذاته تبدأ مشاكل المحطة. لقطات لأجهزة لا تعمل وعقارب ساعاتها تهتز وصراخ ضاج من قبل الجميع يليه بدء تسرب النفط المفترض به أن يمر فقط عبر أنابيب محمية، ثم ذلك الإنفجار الذي يهز المحطة ويدمرها مشهداً بعد مشهد.
مايك، كونه بطل الواقعة هنا، كان مشغولاً بحديث لا يهم المشاهدين مع زوجته عندما بدأ يشعر بشيء غير عادي. ثم يكتشف أن كل ما حوله ليس عادياً عندما تهتز غرفته ويسمع دوياً هائلاً. ينطلق بعده ليدرك هول ما وقع ولينقذ العديد من الموظفين والعمال بمفرده.
هاك إذاً، فيلم عن مأساة نتج عنها مقتل 11 شخصاً لكن التركيز سينحصر في الشخص الناجي. مايك هو البطل رغم أنف المأساة وفي فيلم لا يثير التشويق بل الأعصاب. فيلم صوت مضج وصورة مهتزة وأحداث مزدحمة محشورة بينهما.
دراما • رحلة لشقيقين قزمين من القطاع الكردي من العراق إلى أسبانيا بحثاً عن لاعب كرة وواقع مختلف • يمثّـل العراق بين الأفلام المرسلة لدخول أوسكار أفضل فيلم أجنبي
السيناريوالذيوضعهالمخرج والهولندي أندرز فاغرهولت يتبع خطى شقيقين قزمين من أكراد العراق هما ألان (وريا أحمد) وشيروان (دانا أحمد) يحاولان الخروج من العراق إلى أسبانيا ليقابلا الرياضي كريستانو رونالدو إرضاءاً لوالد الفتاة التي يحبها الأول، غونا (روزين شريفي). ألانكانطلب يد غونا من أبيها، لكن هذا عارض ذلك لكونه قزماً وطرد شقيقه من العمل ومن الغرفة التي يعيش فيهامع وزوجته.
الشقيقان يقرران السفر إلى أسبانيا لمقابلة لاعب الكرة إستاديو سانتياغو بارنابيو (الملقب بالكلاسيكو). إنها رحلة شاقة القيام من الشمال العراقي إلى وسطه في مثل هذه الظروف، فما البال بالوصول إلى مدريد؟ لكن الشقيقين ينجحان ليثبتا أنهما كبيرا الحجم طموحاً وقدرة وأن الحياة كقزم قد تتطلب أوضاعاً خاصّـة لكنها ليست أقل قدرة على الفعل من حياة الآخرين.
حلقوت مصطفى لا يعامل الموضوع كفانتازيا، ولا يحمّـل بطليه ما لا يستطيعان في الواقع القيام به. هما ليسا سوبرمانا عصرهما. لذلك الفيلم صادق في معالجته، والعلاقة المباشرة مع وريا ودانا تترك انطباعها الإيجابي على النحو نفسه من الواقع. وما يعرضه الفيلم في ثنايا هذه الرحلة كثير من الوضع الأمني، إلى التجارة بالأعضاء البشرية، إلى معاملة البعض للبعض الآخر، لكن الفيلم لا يتخلى عن سدادة الموقف وعن معالجة كل هذه الأوضاع بأسلوب عمل يتجاوز الوقوع في صندوق الإنحيار ويتمتع بجمال بصري بفضل تصوير كييلڤاسدالالمناسبللمكانوللشخصيتينالرئيسيتين (يصورهمامنزوايامناسبة).
في النهاية فقط ينحني الفيلم قليلاً صوب ميلودرامية الموقف.أحد الشقيقين يدفع حياته ثمناً لتحقيق الحلم وفي ذلكالكثير من الألم المباشر الذي تحاشاه المخرج سابقاً.
• «هاكسو ريدج» هو فيلم العودة للممثل والمخرج مل غيسبون إلى الإخراج. فقبل عشر سنوات بالتحديد قام بإخراج عمله الرائع «أبوكاليبتو» ثم مرّ عليه عقد من الزمان عانى فيه من مشاكل تسبب بها وتناولتها الصحافة بكل ما فيها من تناقضات واستنتاجات.
ألقي القبض عليه مخموراً، فشتم السود وأكمل على اليهود فهبت هوليوود تدين كلامه وقامت مراكز القوى فيها بقرار شطبه من قوائم من تتعامل معهم. لم ينفع إعتذاره كثيراً، لكن غيبسون صبر وأخذ يقضم العراقيل واحداً تلو الآخر إلى أن عاد إلى الحضور سينمائياً وعاود احتلال مكانته في وسط النشاطات السينمائية.
عودته إلى نشاطه، أو عودة النشاط إليه، بدأ قبل خمس سنوات فعلياً عندما تجرأت جودي فوستر على قرار الحظر غير المعلن وأسندت إلى هذا الفنان الموهوب بطولة فيلمها TheBeaver. لم يتح غيبسون للإعلام أن ينال منه. قدّم تمثيلاً جيداً دفع النقاد للإشادة به. في العام 2012 عمد إلى فيلم أكشن جيد التنفيذ بعنوان «أقبض على الأميركي»(GettheGringo) شهد رواجاً في بعض العواصم ونجاحاً كبيراً على الأسطوانات.
عامان بعد ذلك التقطناه أحد ممثلي فيلم «المستـّهلكون 3»(TheExpendables 3)،السلسلة التي يقوم على بطولتها سلفستر ستالون. في الحقيقة تمثيل غيبسون كان الأفضل بين كل من جمعهم ستالون من وجوه معروفة بمن فيها هو نفسه.
«هاكسو ريدج»(HacksawRidge) هو فيلمه الخامس مخرجاً بعد «رجل بلا وجه»(1993) و«قلب شجاع»(1995) و«عشاء المسيح»(2004) و«أبوكاليبو» (2006). فيلم حربي بكل مواصفات هذه الكلمة. لثلث ساعة يبدأ المخرج بتوفير خلفية لذلك الشاب دزموند دوس (أندرو غارفيلد) الذي كاد أن يتسبب في أذى بالغ لأخيه عندما كانا صغيرين، ثم، وفي مشهد فلاشباك لاحق وقد أصبح شاباً، يدافع عن أمه بعدما تعرض لها والده بالضرب. يشهر عليه مسدساً ويهدده. يتعلم دزموند من الحادثتين أن ينبذ العنف، لكن الحرب العالمية الثانية تنشب والقتال بين أميركا واليابان على أشدّه بعد إعتداء اليابان على بيرل هاربور. يتطوع دزموند في وحدة الإسعاف ويرفض حمل السلاح وبل لمس البندقية لأجل التدريب. يتم تقديمه إلى المحكمة بعد تهديده بالعقاب كونه يرفض الأوامر. رسالة من جهة عسكرية عليا تجيز له الإنضمام إلى الجيش الذي سينتقل لتحرير جزيرة أكيناوا. هناك يخوض الجيش الأميركي حرباً ضروساً فيها مشاهد تذكّـر بـ «سفر الرؤيا الآن» لفرنسيس فورد كوبولا دون أن تصل إلى عمقه السياسي، وتتجاوز ما جاء به ستيفن سبيلبرغ في «إنقاذ المجند رايان».
خلال القتال الدامي الذي خسر فيه الجيش الأميركي موقعاً يقع على سلسلة مرتفعات تشبه المنشار (عنوان الفيلم) يبقى دزموند وحيداً على قمة ذلك الجبل باحثاً بين من سقطوا عن جرحى يسعفهم وينقلهم بحبل يتدلى من رأس الجبل إلى قعره المنبسط حيث ما زال للجيش الأميركي وجوداً. يفعل ذلك بضع عشرة مرّة بنتائج مذهلة. وأكثر ما هو مذهل فيها أن القصّـة حقيقية.
المشاهد غريبة ولو وردت من الخيال لكان ذلك أسهل تصديقاً من ورودها في الواقع. لكن دزموند فعل ذلك مرات ومرات. يرسل إلى الجنود الأميركيين في أسفل الجبل العالي الجرحى بحبل، ثم ينطلق بحثاً عن جرحى آخرين بعد معركة هائلة خسرها الأميركيون أمام جحافل يابانية لا نهاية لها.
يُـبقي غيبسون الفيلم متماسكاً ويغذيه برؤيته شبه العبثية لعنف الإنسان من دون أن يدين هذه الجهة أو تلك أو يمجد الحرب أو ينبذها. أندرو غارفيلد يبرهن مجدداً عن حسن تقمصه لما يُسند إليه. هذا فيلمه الأول منذ 99Homes قبل عامين وكانبرعفيهرغمالإختلافالشاسعبينالدورين. هذاليستميّـزاً له وحده، لكنه تأكيد على أنه استلهم في غضون تسع سنوات منذ أن مثل فيلمه الأول (Lions for Lambs) الأدوارالتيتستحقأنتُـمثّـل.
• من بين ما تتميز به أفلام المخرج الهولندي بول فرهوفن الأناقة الشكلية خصصاً تلك التي حققها، في مسيرته الطويلة، في أوروبا قبل ثم بعد مرحلته الهوليوودية. العناية بالتصماميم العامّـةوبالألوانوالتصويرالخاليمنالشوائبتمنحأعماله،وآخرهاهذاالفيلم،مايشابهالثياب التي ترتديها بطلة الفيلم إيزابيل أوبيرت أناقة ونظافة.
ميشيل (إزابَـل أوبير) تدير مؤسسة لصنع ألعاب الفيديو الإلكترونية وتعيش وحيدة في بيت كبير في ضواحي باريس. يبدأ الفيلم بمشهد صراخ ثم لقطة لقطّـة تتابع ما يدور ثم وميض مما يقع: حادث إغتصاب يقوم به ملثم وضحيته ميشيل. هذه تلملم نفسها سريعاً بعد ذلك وتنطلق لمتابعة يوميات حياتها. لا تولول ولا تنهار ولا تتصل بالبوليس، بل تقرر مواصلة حياتها كما هي علماً بأنها ترتاب في أن أحد موظفيها قد يكون الفاعل. في الوقت نفسه هي محور وقائع عائلية مختلفةمحاطةبظروفمنصنعالذاتالبشريةوالقراراتغيرالصائبة. فهي مرتبطة بعلاقة تريد إنهاءها مع روبير (كرستيان بركل)،زوج صديقتها آنا (آن كونزيني). وإبنها الشاب (جوناس بلوكيه) تزوّج من فتاة حبلى تلد طفلاً أسود البشرة (من علاقة سابقة مع صديقه الأفريقي عمر). أما والدتها (جوديث ماغري) تختار شاباً جديداً لكي تعيش حياتها الجنسية كما ما زالت تشتهي. وصديقها السابق ريشار (شارل برلينغ) يحاول أن يستعيد مجداً مضى ككاتب.
في غمار كل ذلك وأحداثه (المكتظة) تبقى حادثة الإغتصاب ماثلة أمامها ثم تتعرض لها مجدداً بعدما اكتشفت أن جارها باتريك (لورانلافيت)،الذي بدأت تهواه، هو الفاعل. وقبل نهاية الفيلم (الذي يمتد رافضاً الإيجاز) يقدم باتريك على محاولة جديدة كونه لا يستطيع المعاشرة الجنسية إلا إذا اغتصب.
بقدر ما الفيلم مبني على حبكة لغزية، بقدر ما هو دراما ترفيهية ساخرة فيها ما يكفي من عناصر جذب الإعجاب لكل ما يدور فيها، بما في ذلك تناول المخرج المخفف لموضوع الإغتصاب وردات الفعل عليه. يستند لحسنات أكيدة في الكتابة والتصوير والتوليف كما في أداء أوبير لدورها بدراية وتلقائية مثيرة للتقدير. على ذلك، يبقى الفيلم نطناطاً من دون عمق. مثرثر بلا توقف من دون فسحات تأمل مطلوبة.
هذا هو فيلم بول فرهوفن الأبرز له في عشر سنوات، والأول له في إطار سينما وأحداث فرنسية كاملة كما أول تعاون بينه وبين المنتج الناجح سعيد بن سعيد. إيزابيل أوبير هي ذاتها من فيلم لآخر هذه الأيام لكنها مجتهدة هنا في دور صعب في شتّى مراحله. غاية فرهوفن تبدو مزدوجة: من ناحية يريد تقديم فيلم جاد وفني حول موضوع بطلته كجزء من حياة غير مستقرة، ومن ناحية أخرى لا يريد أن يدير ظهره للجمهور السائد. وهو يحقق هاتين الغايتين على نحو مرض.
• هو فيلم موسيقي- رومانسي كبير ورائع وبالسينما سكوب. والشاشة العريضة هي أكثر من مجرد حجم عرض ملائم، هي تذكرة من صانعي الفيلم للعودة به إلى أيام ما كانت السينما الإستعراضية ذات المشاهد الراقصة والأغاني العاطفية الصادحة منوالاً شبه دائم حتى الستينات. ومع أن مثل هذه الأفلام تكررت وتبلورت بعد تلك الفترة أيضاً إلا أن عصرها الذهبي كان قد انقضى. كذلك فإن النتاج اللاحق، خلال السنوات الثلاثين الماضية، لم ينشد التماثل مع أفلام ما قبل الستينات لا من حيث مواضيعها الفرحة ولا من حيث أساليب تنفيذها البصرية. أفلام مثل «كل ذلك الجاز» لبوب فوسي(1979) و«بوباي»لروبرت ألتمن(1980) و«آني»لجون هيوستون(1982) ثم «شيكاغو»لروب مارشال(2002) كانت جميعاً جيدة، إنما حاملة هموماً مختلفة ورسالات إجتماعية- سياسية محددة، على عكس أفلام الميوزيكالز السابقة التي لم تعد مشاهديها (وكانوا بمئات الملايين) بأكثر من ترفيه عاطفي مناسب للعائلات والمراهقين على حد سواء.
«لا لا لاند» لا يخجل من أن ينتمي إلى تلك الأفلام الأولى، لكنه يفعل ذلك بفن غامر. بإدارة متقنة للأحداث وبقدر رائع من تزاوج الخيال الضروري لتلك الأفلام مع ما هو قابل للتصديق. المخرج داميان شازيل يعرف تماماً ما يريد ويحققه تماماً كما يريد. مباشرة بعد نجاحه اللائق بفيلم Whiplash («طرفالسوط») في العام الماضي، والذي دار أيضاً عن الموسيقا كأرضية، ها هو يقدم عملاً أفضل من سابقه. خال من الدكانة التي لصقت بالفيلم السابق ويتعامل مع حكاية عاطفية تعيد بث تلك العواطف الصحيحة إلى المشاهدين الذين نسوا كيف كانت السينما تقدّمها.
يبدأ «لا لا لاند» بـ "نُـمرة" راقصة جيدة تقع فوق طريق رئيسية في لوس أنجليس. الكاميرا تهبط من لقطة للسماء الزرقاء إلى أوتوستراد مزدحم توقفت فيه السيارات عن التقدم كما لو كانت مصطفة في مرآب مفتوح للسيارات. الكاميرا تتحرك بين هذه السيارات وكل منها يصدح بموسيقا مختلفة. فجأة تهبط إمرأة من إحدى تلك السيارات وتبدأ بالرقص، وما هي الا لحظات حتى يتحوّل الشارع بأسره إلى مرقص في وضح النهار. الركاب والسائقون نزلوا من سياراتهم واشتركوا في ذلك الإستعراض الكبير لنحو خمس دقائق حسنة التصميم وجيدة المونتاج قبل أن يعود كل إلى سيارته.
مثل هذه المشاهد منتشرة في عموم الفيلم. هناك عين جيدة للمخرج يلتقط فيها الأفكار التي ينفذها. وحكاية شاب إسمه سيباستيان (رايان غوزلينغ) مغرم بموسيقا الجاز. يعزف البيانو بمهارة ويبحث عن عمل ثابت. الفتاة هي ميا (إيما ستون) ممثلة مبتدأة تبحث بدورها عن عمل ثابت. لقاؤهما في البداية ليس لقاءاً عاطفياً من تلك التي تؤسس لقصة حب، بل هما لقاءان عاصفان على نحو غير ودّي، ثم تعارف بعد أشهر والوقوع كل في حب الآخر.
ما يشد كل منهما صوب الآخر حلمه بالنجاح. هو يريد افتتاح ناد للجاز يعزف فيه وهي تريد أن تحقق رغبتها في التمثيل. لكنهما يواجهان ظروفاً صعبة تفرض على الأول التنازل وعلى الثانية الإنسحاب لحين. في النهاية سيحقق كل منهما أمله ورغبته لكن ذلك سيكون على حساب قصّـة حبه وديمومة البقاء إلى جانب الآخر.
عند المخرج شازيل تلك الرؤية المتينة لما يتطلبه فيلم جيد من هذا النوع والقدرة على ضبط الأحداث بحيث لا تسقط في الميلودراما أو في عاطفة رخيصة الشأن. قبل النهاية يبتدع مشهد حلم في اليقظة: العازف شاهد حبيبته، وقد تزوّجت، جالسة بين الجمهور تتابعه. يبدأ العزف ثم، من دون خيط فاصل، يتوجه صوبها ويرقص معها ثم ينطلقان إلى باريس ويعودان إلى أميركا. يعيشان حياة جميلة تنتهي بالزواج. تعتقد أنها تطلّـقت بالفعل، فهذه المشاهد تبدو كما لو كانت استطراداً لأمنية تحققت لكن فجأة ما يعود الفيلم إلى الواقع فإذا به لا يزال يعزف وهي لا زالت جالسة في مكانها.
علاوة على ذلك، يضم كل من غوزلينغ وستون إلى مواهبهما موهبتي الرقص والغناء. وعزف غوزلينغ على البيانو لا يمكن أن يكون تمثيلاً. هي أصابعه الفعلية تتلاعب بالمفاتيح في معزوفات تتلوّن بحسب الظرف التي تمر بها شخصيته. هذا لا يمنع من القول أن حركة قدميه خلال نمر الرقص قد لا تكون خفيفة كحركة قدمي فرد أستير، لكنه صاغ لنفسه برهاناً على أن موهبته تنجز تقدّماً من فيلم لآخر.
• المسافة من مطار لا غوارديا في نيويورك إلى حيث سقطت الطائرة المدنية التابعة للخطوط الجوية المعروفة بـ USAirways لا تزيد عن بضع كيلومترات. الطائرة أقلعت من المطار نهار الخامس عشر من يناير (كانون الثاني) سنة 2009 وبعد دقائق أصيب محركاها بعطل نتيجة اصطدام الطائرة بسرب من الطيور فحطت فوق مياه نهر الهدسون.
من المقدرة بمكان رفيع أن يمكن استغلال هذه الدقائق اليسيرة لصنع فيلم جيد لا يبحر كثيراً في أي إتجاه آخر سوى سرد حكاية ما حدث من وجهة نظر الكابتن تشسلي صولنبيرغر المعروف بـ «صولي». لقد واجه قراراً صعباً حالما احترق المحركان. كان لديه ثلاثة إختيارات: الأول العودة إلى مطار لا غوارديا والثاني التوجه إلى مطار آخر والثالث أن يحط فوق سطح الماء.
صولي (يقوم به توم هانكس بدرايته الدرامية النافذة) يختار الحل الأخير على خطورته. ذلك لأن ارتفاع الطائرة عن سطح الأرض كان لا يزال غير كاف للعودة إلى مطار المطار الذي انطلق منه ولا للتوجه إلى أي مطار آخر. الحل الوحيد هو الهبوط على سطح الماء في ذلك الشهر البارد معتمداً على حسه ومداركه ومواجهاً فيما بعد تحقيق مجلس «أمن المواصلات الوطني». تلك المواجهة التي على المجلس أن يثبت خطأ صولي وعلى صولي أن يثبت صواب قراره.
تحت يدي كلينت ايستوود الخبيرة، نتابع حكاية ندرك كل تفاصيلها الممكنة. لقد أنقذ صولي حياة كل فرد على الطائرة (155 شخص بمن فيهم طاقمها) وهو متمتع بخبرة ثلاثين سنة من الطيران ومئات الرحلات. متزوّج (من لورا ليني) ويعيشان مع إبنتيهما في سعادة. منطقي وطبيعي وواثق من نفسه إلى حين تؤدي التحقيقات إلى أن يبدأ بطرح السؤال حول ما إذا فعل الشيء الصحيح على نفسه.
على ذلك يدرك أنه فعل الشيء الصحيح. ويعلم ما لا يعلمه المحققون في الحادثة وهو أن استنتاجاتهم مبنية على إفتراضات خاطئة وكحصيلة لتجارب غير مكتملة لا يدخل فيها العنصر البشري.
كل ما نشاهده من سجال بين الملاح والمحققين يدفع بنا إلى تبين أن القرارات في عالم اليوم تنفذ تبعاً للمصالح والرغبة في التهرب من مسؤولية عدم الإلتزام بالقوانين حتى وإن لم تكن صالحة للتطبيق في كل وضع أو حال. رغم ذلك ايستوود أبعد من أن يصوّر اللجنة ككيان شرير. يترك للمشاهد حرية اختياره الموقف الذي يريد.
رغم إدراكنا لكل هذه التفاصيل، ومعرفتنا بالحادثة (أو سهولة الرجوع إليها على المواقع) إلا أن ايستوود يمارس قبضته التشويقية بإحكام. لا يضغط حتى لا ينفجر الفيلم في وجهه لكنه لا يكف عن الإمساك بقوة على جوانب القضية المثارة منتقلاً ما بين ما هو شخصي وما ينتمي إلى الحدث نفسه. ومع أنه يكرر بعض المشاهد عدة مرات (سواء من خلال فلاشباك أو من خلال وقوع الحدث نفسه) إلا أن المشاهد لا تراه يعبأ بذلك بل يستقبل ذلك التكرار كجزء فعال من التوليفة الكاملة للعمل.