Moneyball/ The Ides of March/ A Nous la Lebrte/ دايما براندو

Year 3 | Issue 103
المشهد
 Modern Times
1936
من شاهد »أزمنة معاصرة» يعرف هذا المشهد جيّداً: تشارلي تشابلن وقد تعرّض لنوبة جنوبية في المصنع الذي يعمل فيه. عليه
  اللحاق بتلك الأزرار لشدّها وهو بالكاد يستطيع والحركة الروتينية سريعاً ما تغلبها نراه ينقلب على رفاقه  قبل أن يدخل الآلة التي تعصره،  برموزها، في مشهد بات من كلاسيكيات السينما. هذا آخر فيلم حققه تشابلن صامتاً (رغم أنه يغني في النهاية أغنية ذات كلمات مبهمة لكي يبرهن أنك لست بحاجة لحوار لكي تستمتع بالصورة)٠
هذا العدد
بين الأفلام  | نجوم يحبّون السينما
......................................................................................................
أنيماشن  | فيلم تونسي تريد أن تفهمه لكنه مستعصي
......................................................................................................
أفلام جديدة | أفلام من كلوني وبراد بت ورضا الباهي
......................................................................................................
عرض خاص | تفاصيل رائعة رنيه كلير  الكلاسيكية «الحرية لنا»٠


بين الأفلام
....................................................................................
نجوم يحبّون السينما

جورج كلوني

بحلول فيلم جديد من سلسلة «نشاط غير طبيعي 3« من إخراج هنري جوست وأيريال شولمان (وكلاهما جديد في المهنة) تكون السينما الزرقاء حققت إنتصاراً آخر. سأسمّيها الزرقاء لأنها إنجاز دجيتال يحاول بناء سرده على محاكاة كاميرات دجيتال من المفترض أن تكون موزّعة في أركان المشهد تلتقط الأحداث من دون دراية أحد، ولا حتى المخرج. شيء قريب من مشاهدة ما صوّرته كاميرا دجيتال حين دخول لصوص المصارف للسرقة وباللون الأزرق الباهت في تلك الأحيان التي تبحث فيها عن فيلم سرقة جيّد٠
لا تقل لي "حضارة" و"تمدّن" و"عصرنة"، لا يودي بنا إلى التهلكة الثقافية الا اندحارنا إلى مثل هذه الإعتقادات بأننا نتقدّم بينما كل شيء علي الأرض في رجوع من الفن والثقافة والأدب (وحتى قلة الأدب على اعتبار أننا صرنا في عصر زيرو أدب) والبيئة والناس والثروات الطبيعية تتأخر وتنتهي٠
   طبعاً هو فيلم من دون نجوم ولا أعتقد أنه سيصنع نجوماً، فقط بضع ملايين من الدولارات التي ستقوم شركة الإنتاج بصرفها على الفيلم المقبل وستوالي الصرف إلى أن يسترد الجمهور الأميركي وحول العالم عقله الذي كان نسيه  عند باب الصالة٠

لكن نجومية الممثلين ليست بالضرورة ضماناً للنجاح. ولدينا مثالان قد ينضم إليهما ثالث بعد أسبوع: جورج كلوني عن «منتصف أشهر مارس» وبراد بت عن »مونيبول» (أقرأ النقد عنهما أدناه). كلاهما نجم وكلاهما أم فيلمه بإقتناع كامل وكلا الفيلمين لم يحقق أرباحاً تذكر. وفي الأسبوع المقبل قد ينضم جوني
The Rum Diary  دب إليهما فلديه فيلم ذي نواحي فنية وسقف من الطموحات عنوانه
لكن المرء لابد أن يحيي إيمان كل من هؤلاء الممثلين بمشروعه فالثلاثة أنتجوا هذه الأفلام (وكلوني أخرج كذلك) وخطّتهم هي بسيطة وفعّالة: كل واحد، من حين لآخر، يختار عملاً من الصعب لهوليوود أن تنتجه من دون اندفاع أحد النجوم فيه، وذلك إيماناً من هؤلاء بأن الطريقة الوحيدة لإنجاز أدوار جيّدة في أفلام جيّدة هي إنتاجها بأنفسهم٠
 




أنيماشن


فيلم الأنيماشن التونسي «لاأمبوبا» فيلم أنيماشن تونسي من تسع دقائق يروي شيئا يشبه القصّة حول فتاة بدينة محاطة بالساعات التي تدور عقاربها أسرع مما يجب ما يجعلها عصبية ومتوتّرة ويتسبب في فوضاها فهي لديها موعداً مهماً بعد ظهر ذلك اليوم، لكنها الآن أصبحت غير مدركة ما هو الوقت تماماً.... وهذا كل ما فهمته من الفيلم الذي شاهدته مؤخراً.
المخرجة هي التونسية نادية ريّس وهي درست التصميم الفني والأنيماشن وعادت إلى تونس وساهمت في تأسيس "الجمعية التونسية للأنيماشن". ومع أن النتيجة فنيّاً لا غبار على تقنياتها وألوانها وأسلوب تحريكها، الا أن المخرجة بحاجة لأن تمنح المشاهد سبباً للمشاهدة، مثل أن يُتاح له متابعة الفيلم لمعرفة ما الذي يتحدّث عنه. هناك الكثير من الأفكار الجيّدة والإستخدامات النيّرة، لكنها لا تتبع قصّة بل فصولاً بلا عناوين وأكاد أقول بلا محتوى٠



أفلام جديدة

 
**** Moneyball
إخراج: بَنِت ميلر
أدوار أولى: براد بت، جونا هيل، فيليب سايمور مور، روبين رات، كريس برات
دراما [رياضي/ بايسبول]٠
الولايات المتحدة- 2011
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 Review n. 274
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم مخرج «كابوتي» سابقاً ينجز فيلمه عن الفرد مقابل الآلة التي تطحن الأحلام


هناك أميركيون كثيرون لا يعرفون شروط وقواعد لعبة البايسبول، اللعبة الوطنية الأولى في الولايات المتحدة. ما البال إذاً بمن هم غير الأميركيين. طبعاً، في زمن غوغل وعصر الدجيتال تستطيع أن تتعلّم كل شيء وتعرف عنها ما تريد، لكن لمن ينظر إليها في نشرات الأخبار ويعد نفسه بأن يبحث في أمرها غداً ولا يفعل، لا زالت تبدو عبارة عن ضرب الكرة بالعصا الغليظة وقيام من التقطها بضربها بعيداً  ثم الركض وراءها 180 درجة حول الملعب لتلقّفها من الناحية الثانية. في أحيان تبدو اللعبة سهلة، وفي أحيان أخرى تبدو مثل بناء كومبيوتر من لا شيء.
فيلم بَنت ميلر الجديد «مونيبول» لا يحاول شرح ما هي اللعبة. بل أن الفيلم ليس، رغم اهتمامه وموضوعه، فيلماً رياضياً، بل هو عن تلك الدوافع التي تتشبّث ببعضنا لفعل شيء يعتبره صحيحاً واعتباره ذاك هو كل ما يحتاجه لأجل المضي. براد بت في هذا الفيلم المبني على قصّة وشخصيات واقعية نُشرت في كتاب بنفس العنوان قبل بضع سنوات، يحاول التعويض عن خسارته ثلاثة لاعبين جيّدين، عبر البحث عن خريجي معاهد هواة يسعون للإنضمام إلى الفرق الرئيسية، لكن تلك لا تجدهم مؤهلين. الدافع الذي يحرّضه على إختيار بعض هؤلاء الخريجين، ليس مبنياً على قواعد رياضية او مهنية. كذلك فإنه عوض الإعتماد على 
خبراء في مثل هذا البحث (مكتشفي مواهب) ينبري للمهمّة لا يساعده فيها إلا مدير لم يجرّب اللعبة يوما (جونا هيل).
النتيجة الماثلة ليست دراما عن لعب البايسبول كرياضة بل دراما عن الخيوط التي تحرّك فريقاً يحاول التأكيد على صلاحيّته لمناوأة الفرق الكبرى. الفريق الذي يكوّنه براد بت قبل رحيل لاعبيه الثلاثة كان صال وجال جيّداً، كما يخبرنا الفيلم عبر وثائقيات ينتقل إليها من حين لآخر، في العام 2001. بعد نحو سنة، ومع لاعبين جدد، خسر المركز الأول ولم يحصل حتى على المركز الثاني في المباريات الرئيسية، لكنه كان محط تشجيع هواة وجمهور البايسبول لدرجة تحقيقه بعض الأرباح رغم خسارته أرض الملعب.
في هذا المضمار، يذكّرنا الفيلم بنفسه. إنه في جانب أساسي منه يشبه ما يخوضه المنتجون (او المخرجون أحياناً) المستقلّون من مصاعب لتحقيق أفلامهم وإنجازها لكي تدخل سوق العروض في مواجهة الأفلام الهوليوودية الكبيرة. براد بت كرئيس فريق، هو إنعكاس لمنتج صغير في عالم كبير. هو شخصية مصمم السيارات برستون تاكر كما لعبه جف بردجز في فيلم فرنسيس فورد كوبولا سنة 1988 في «تاكر: الرجل وحلمه». ذاك حاول صنع سيارة غير مسبوقة لكن الشركات الكبرى قتلت طموحه. أكثر من ذلك، براد بت في دور بيلي بين، رئيس فريق البايسبول الآيل للفشل، هو فرنسيس فورد كوبولا الذي قبل وخلال وبعد تحقيقه »العراب» أنجز أفلاماً مستقلّة واجهت صعوبة في إقناع هوليوود في عرضها٠
إنها استعارات كثيرة مقترحة وليس بالضرورة من النوع الذي يخطر على البال حين مشاهدة الفيلم بالضرورة. المخرج ميلر سبق له وأن حقق فيلماً ذكيّ المعالجة كهذا، وصادق النبرة أيضاً، هو »كابوتي» الذي لعبه بطولته فيليب سايمور هوفمن الذي لا يضن بوجوده هنا. لكن الراية يحملها براد بت بلا ريب. إنه الممثل النموذجي للتعبير عن "الأميركانا" تلك التي لا نشاهدها في نشرات الأخبار. مثل بعض سواه من النجوم، يضع موهبته ونجوميّته في خدمة أفلام لا تستطيع أن تتصوّرها من دونه٠


The Ides of March ****

إخراج: جورج كلوني
أدوار أولى: رايان غوزلينغ، جورج كلوني، فيليب سايمور
هوفمان، بول جياماتي، روبين رايت، ماريسا توماي
دراما [إنتخابات رئاسة] | الولايات المتحدة- 2011
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 Review n. 275
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جورج كلوني يحب أفلام السبعينات وقد حقق فيلماً يماثله

في حديث سابق تم بين هذا الناقد وبين جورج كلوني فوق جزيرة قريبة من الليدو حيث يُقام مهرجان فنيسيا كل عام تحدّث الممثل والمخرج عن حبّه لسينما السبعينات وذكر أنه معجب جدّاً بالدراميات السياسية التي تم إطلاقها في ذلك الحين ومنها، حسب كلامه، «كل رجال الرئيس»، و«بارالاكس فيو» وكلاهما للمخرج المهم في تلك الحقبة ألان ج. باكولا.
«منتصف أشهر مارس» The Ides of March
إسم يبقى ماثلاً عند نهاية الفيلم لأن الأصل محفور في التاريخ الروماني، إذ يعتقد أنه اليوم الذي تم اغتيال جوليوس سيزار. في فيلم جورج كلوني الجديد، نهاية الفيلم توحي بإغتيال مماثل مع اختلاف الظروف. كلوني يؤدي دور حاكم الولاية مايك موريس الذي لديه حظ كبير في انتخابات الرئاسة ومجموعة رائعة من الأفكار والمباديء لا يساوم عليها. في مطلع الفيلم نستمع إلى بعض تلك المباديء: "أنا لست مسيحياً، ولست ملحداً. لست يهودياً ولست مسلماً. أنا أؤمن بالدستور الأميركي".
خلال الفيلم سنستمع إلى مباديء أخرى تعكس آراء الرجل ومواقفه من المشاكل التي تعيشها الولايات المتحدة الأميركية. يخطب ضد القلّة من الأثرياء التي تهيمن على المقدّرات الإقتصادية للبلاد، ومع حق الطلاب في تعليم مجاني كامل. ينتقد تراجع الولايات المتحدة عن مكانتها السابقة ويدعو إلى بداية عصر جديد من الثورة التكنولوجية تكون الرائدة فيه. الأهم: "علينا أن نجلس وأعداء أميركا على طاولة المفاوضات، عوض أن نلقي على العراق القنابل".
هذه الكلمات تضعه في شريحة الساعين لتغيير وجه الولايات المتحدة، ومن يعرف كلوني يدرك أنه يؤمن فعلاً بهذه الآراء فهو ليبرالي ويساري ولديه أجندة تثير نقمة اليمين، والأهم أنه شارك في كتابة الفيلم (مع غرانت هوسلوف الذي أخرج «الرجال الذي يحدّقون بالماعز» من بطولة كلوني وعرض هنا قبل عامين) وشارك كذلك في إنتاجه لجانب إخراجه وتمثيله. وإذا ما قرر كلوني بعد أربع سنوات أو أكثر ترشيح نفسه لانتخابات الرئاسة فإنه ليس من المثير للعجب مطلقاً أن نسمع منه خطباً شبيهة بهذه التي يرددها في الفيلم.
رغم ذلك، هو جوهر الدراما لكنه ليس جوهر المشاهد. البطولة الفعلية هي لمساعده في الحملة الإنتخابية ستيفن مايرز (رايان غوزلينغ) الذي يبدأ الفيلم بلقطة متوسّطة عليه وينتهي به أيضاً. في الأولى هو شاب مقبل على السياسة بعنفوان شاب وبمثاليات جادّة، وفي الثانية، يقف بوجه صامت يعبّر فيه عن اكتشافه فساداً اضطر لأن يمارسه. اللقطة الأخيرة هي له من بعد أن كشف عن أنيابه.
ستيفن يدير عمله بمهارة ويؤمن بأفكار المرشّح الديمقراطي ويدافع عنه. على الخط يبرز توم دافي (الرائع بول جياماتي) الذي يعمل لصالح مرشح ديمقراطي مناويء منافس. توم يتصل بستيفن طالباً منه لقاءاً وخطأ ستيفن الساذج هو أنه استجاب من دون إعلام رئيسه المباشر بول (فيليب سايمور هوفمان- الذي لا يقل روعة). كان اتصل به لإعلامه لكنه لم يجده ولم يعد الكرّة. يسأله أن يعمل له لكن ستيفن يرفض. في الوقت ذاته يبدأ علاقة بفتاة تعمل في فريق الحملة الإنتخابية أسمها مولي (إيفان راتشل وود). في ثاني لقاء بينهما يكتشف أنها حامل من المرشّح موريس. إنقاذاً لمرشّحه يعمد إلى صرفها من الخدمة وإجبارها على الإجهاض ولاحقاً ما يكتشف إنها انتحرت. لا يزال يحاول تغطية فضيحة انتخابية حينما تبادره الصحافية آيدا هوروفيتز (ماريسا توماي) بنيّتها نشر خبر لقائه بتوم الذي كان من المفترض أن يبقى سرّاً. نتيجة ذلك يقوم بول بفصل ستيفن ويقوم ستيفن بتهديد المرشّح الرئاسي بإفشاء سر العلاقة مع مولي المنتحرة ما سيؤثر سلباً بالتأكيد على حملته الإنتخابية.
ينتهي الفيلم عند نقطة سوداوية: تلك العلاقات الخاصّة التي قد تودي بالمضامين والطموحات الكبيرة. على الشاشة كل شيء من مطلع الفيلم إلى نهايته مُحاك بفاعلية. تشويق سياسي من الدرجة الأولى حول الفساد وكيف يقضي علي النوايا الصادقة وحول اللعبة السياسية في خلفية كل حملة انخابية.
كلوني المتأثر بسينما السبعينات يعمد إلى محاكاتها. الكاميرا الثابتة (غالباً) النبرة الهادئة (رغم كثرة الحوار) والمعالجة التي لا تريد أن تمنح المشاهد أكذوبة ما او حلاً سعيداً٠
كلوني ناضج هنا أكثر من أي وقت مضى، ومثل فيلمه «ليلة طيّبة، وحظ طيّب» قبل سنوات يقرر لنفسه دوراً مسانداً مانحاً رايان غوزلينغ الكرة ليلعب بها في ميدان مكتظ بممثلين جيّدين بأحجام مختلفة. بعض الخلل السردي في النصف الثاني (إثر معرفة ستيفن بانتحار مولي) يؤثر على النهاية (يجعلها مبهمة بعض الشيء. لكن الفيلم بأسره، وعلى الرغم من محدودية ميزانيّته، هو تحية للسينما الرصينة التي تركتها هوليوود وراءها طوال ثلاث عقود٠

ديما براندو٠
إخراج: رضا الباهي
أدوار أولى: أنيس الراشي، لطفي العبدلي.
دراما | تونس- 2011
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review N. 276
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم مارلون براندو الذي بقي حلماً

في الأصل، حَلُم المخرج رضا الباهي بفيلم ليس فقط عن مارلون براندو وبل معه أيضاً. التقى به في قصره في لوس أنجيليس على يومين لثلاث ساعات. ذهب إليه لأخذ رأيه إذا ما كان يرضى التمثيل معه في فيلم يقوم على فكرة أن شابّاً تونسياً يشبهه يتعرّف على مجموعة من السينمائيين الأميركيين كانوا وصلوا إحدي قرى تونس لتصوير فيلم فاكتشفوه. أخرج الباهي صورة ذلك الممثل، وأسمه أنيس الراشي، وأعطاها لبراندو الذي أدرك سريعاً مدى التشابه بينه وبين صاحب الصورة. الصورة، التي عرضها المخرج في فيلمه أيضاً، تشير إلى شبه كبير بين الممثل التونسي وبين الممثل الأميركي حين كان الثاني لا يزال شاباً.
إذ وافق براندو على التمثيل في الفيلم (وحدد خمسة ملايين دولار كأجر له) انطلق المخرج التونسي ليجمع المال اللازم ووجد في شركة بريطانية أذنا صاغية فانطلق ليكتب السيناريو الذي يقوم على انتقال الممثل التونسي داخل الفيلم ببيع حانته وهجران فتاته والإنتقال إلى هوليوود بناءاً على تشجيع أحد الممثلين ووعده إياه بمساعدته وذلك لمجرد شبهه ببراندو. في هوليوود يكتشف أن الأمر أصعب بكثير مما يتصوّر وأنه في قاع السلّم بينما الشهرة والإحتراف في أعلاه٠
لكن مارلون براندو مات وهو لا يزال ينتظر بدء المخرج بالتصوير (الذي كان بدوره لا يزال ينتظر أن تفي الشركة بوعدها) وبذلك تبعثر الجهد واندحرت الأحلام. أحلام لم يخسرها رضا الباهي لأن يكون المخرج العربي الوحيد الذي ضمّ إليه براندو العظيم ممثلاً، بل السينمائي العربي الوحيد الذي نجح في هذه المهمّة الصعبة٠
لكن الباهي، لم يستسلم وأحب تحقيق فيلم عن براندو ولو من دونه. وبينما كانت النسخة السابقة من السيناريو تتكوّن من عشر دقائق مصوّرة في تونس والباقي كله مصوّر في لوس أنجيليس، تمخّض السيناريو الجديد عن فيلم تقع كل أحداثه في تلك القرية التونسية. أنيس، بطل الفيلم، كان يعيش حياة هنيئة إلى أن وصل فريق التصوير ولوحظ مباشرة شبهه ببراندو فمنح دوراً في الفيلم الذي وجد نفسه يجول في عالم جديد عليه تماماً وذلك بتشجيع أحد ممثلي الفيلم المصابين بشهوة المثلية. في سبيل تحقيق حلم أنيس المفاجيء بالذهاب إلى هوليوود لكي يصبح نجماً، تنازل عن كثير. عن شرفه وعن قيمه ومبادئه وحبيبته دون أن يحقق شيئاً من هذا الحلم.
الباهي بدوره خسر كبطله. لقد ولّف فيلماً من نوع الذاكرة الممتزجة بالأحداث الروائية. نراه يكتب ويشاهد ونسمعه يتحدّث عما مرّ به، ثم نقطع إلى مشاهد طويلة من الفيلم، ثم نعود إليه أكثر من مرّة. تلك اللحظات التي يظهر فيها تبدو أكثر إثارة من معظم المشاهد الخيالية. خسارة الباهي هي أن فيلمه، بعدما خسر براندو، لم يعد يحتوي على الكثير. طبعاً هناك الحديث عن كيف يغزو الغرب العالمين الإسلامي والعربي ويضرب المواطنين غير المؤهلين لمواجهة هذا الغزو الثقافي او الفكري، لكن هذه الفكرة قديمة  أمّها المخرج في أفلام له أولى («شمس الضباع»، «العتبات الممنوعة«) وهي قديمة هنا كموضوع يحتاج إلى تأسيس أحدث، وإلى تفاصيل درامية أثرى. من حين لآخر تطالعنا مشاهد قويّة التنفيذ، لكن تلك التي تعكس بهاتة الفكرة بعد زوال براندو عنها، وبسبب من التذكير دوماً بما لم يتح للباهي تنفيذه، يبقى أكثر تواصلاً للأسف٠



وحيداً في الصالة


  A  Nous La Liberté
الحرية لنا
****
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: رنيه كلير
تمثيل: هنري مارشا، رايمو كاردي، رولا
فرانس، بول أوليفييه
كوميديا اجتماعية | فرنسا- 1931
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review n.  277
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الحرية لنا والتأثير لهم
...........................
عرفت السينما الفرنسية في الثلاثينات والأربعينات مجموعة من الأفلام الكوميدية الإجتماعية. تلك التي تتحدّث عن أوضاع إجتماعية على نحو ساخر او إنتقادي او كليهما معاً. «الحريّة لنا» كان، حسب  أكثر الترجيحات، الأول بينها، لكنها احتوت أيضاً، وفيما بعد، على «نادي النساء»  لجاك ديفال (1936) و«ليلة رائعة»  لمارسل لإيربييه (1942)، لكن إذا ما كانت هذه الأفلام متأثّرة بفيلم رينيه كلير هذا أم لا، فإن هذا يتطلّب مشاهدتها- الأمر المتعذّر حالياً، فإن ذلك ليس مؤكّداً. الإحتمال، رغم ذلك وارد، لأن الكثير من الأفلام تأثّرت بمنحى كلير في هذا الفيلم ومنها  «متاعب في الفردوس« لإرنست لوبيتش (1932) و»ولدت، ولكن»  لياسوجيرو أوزو» (1933) و«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (1936)٠
لوبيتش من خلال سخريته من الرأسمالية على النحو الوارد في »الحريّة لنا»، أوزو من خلال «تشابه مفردات التصوير في مكاتب المؤسسات الكبيرة (ولو أن ذلك قد يكون توارد أفكار كون سفر الفيلم الواحد من فرنسا إلى اليابان كان يستغرق عادة أكثر من عام الإنتاج نفسه ومعلوماتي تفيد بأن عرضه الياباني الأول تم سنة 1933 أي في عام خروج فيلم أوزو وليس قبله)، وتشابلن من خلال التركيبة الساخرة من الحياة في المصانع وهيمنة رأسالمال، ومن خلال التركيبة القصصية والمشهدية ذاتيهما التي دفعت رنيه كلير إلى رفع دعوى قضائية خسرها٠

حكاية رجلين
.............................
يبدأ الفيلم بالسجن الذي يقيم فيه كل من لويس (كوردي) وإميل (مارشا). الكاميرا تنقل سريعاً نماذج من الحياة لكنها توعز أيضاً بأن الرجلين خطّطا للهرب. حين التنفيذ ينفذ لويس بنفسه بينما يقع إميل في قبضة الحرس. يبدأ لويس مرحلة جديدة من الحياة الحرّة. يبيع أدوات الموسيقا وسريعاً ما يتسلّق سلّم النجاح والثراء فإذا به يصبح واحداً من أثرى رجال الصناعة في فرنسا (هذه كانت بداية شارل باتييه في بزنس السينما إذ بدأ ببيع أجهزة الفونوغراف- كما كان أسمها- وانتهى مؤسساً لإحدى أهم شركتي إنتاج وتوزيع سينمائيتين في فرنسا، بعد غومو). في الفيلم يتّبع لويس الإدارة المنظّمة والمحكمة التي تعرّف عليها حين كان سجيناً، تفصيلة يستخدمها المخرج لكي يربط بين الحياتين وتأثير الأولى على الثانية)٠
فالكيانان، السجن والمصنع، متشابه وكل مواز للآخر من حيث أنه مصنوع ومركّب ومُدار بتنظيم آلي. يدل على ذلك صفوف المساجين المنقادين بعيداً عن موائد الطعام في مقابل صفوف العمّال وهم يغادرون موائد وآلات العمل٠
ستبقى تصرّفات لويس مثيرة جدّاً للإهتمام طوال الفيلم لأنه عصب الموضوع بأسره. فهو يفاجأ بإميل الذي كان أفرج عنه بعد سنوات وانتقلت إليه الكاميرا في خط مواز من السرد حتى ينتهي عاملاً في المصنع ذاته. حين اللقاء يتصرّف لويس كما لو لم يكن يعرف إميل، لكن إميل يسطو علي إهتمامه بتحرره من التقاليد ومنحاه الحياتي المتحرر. في النهاية يؤثر إميل في لويس لدرجة أن هذا يقرر التخلّي عن المصنع وإهدائه إلى العمّال ثم يمضي مع إميل في حياة أقل قلقاً وأكثر حريّة٠

الصمت الناطق
...........................
 رنيه كلير، كسواه من مخرجي ذلك الحين، لم يكن سعيداً باستحداث الصوت في السينما، وفيلمه هذا يحتوي على الغناء وعلى أصوات طبيعية والقليل جدّاً من الحوار، لكن موقف كلير من النطق لم يمنعه من الإعتناء بالصوت. وفي كتاب المؤرخ آرثر نايت الفريد (رغم مرور عقود علي صدوره) وعنوانه
The Liveliest Art الفن الأكثر حياة
كتب المؤرخ ملاحظاً كيف أن المخرج ربما كان أوّل من تعامل مع الصوت بتقدير عال«. هذا لا ينفي أن كلير أحب الصمت وفضّله على النطق. ما يجعل من ملاحظة نايت او سواه مثار اهتمامنا هو أن الفيلم لم يسجل الصوت على طول الشريط ما يجعل مشاهدته اليوم على الأسطوانة غير منضبط صوتياً ما لا يعكس، بالتالي، مكمن الإهتمام الذي تحدّث عنه المؤرخ المذكور٠

الصورة وتصميم المناظر
.............................
والحال هكذا، البديل الجيّد الذي يوفّره الفيلم، والعنصر الأهم دائماً، هو الصورة. ماذا تقول؟ كيف تقول؟ ولماذا استخدامها على هذا النحو او ذاك.٠

في مشاهد البداية هناك انسياق طبيعي محبب لكل شيء. الفيلم بأسره مقسّم إلى اهتمام بالبيئات (من المساجين، إلى الإدارات المؤلّفة من رجال الأعمال، إلى العاملين والصانعين) والبيئة التي تدور في ذلك السجن ليست، على طريقة أفلام الثلاثينات الأميركية، مشبعة بالترهيب والقسوة. السجناء مرتاحون يلعبون ويأكلون ويتحدّثون فيما بينهم طبيعياً. هنا الكاميرا تسبر غور المكان معتمدة على اللقطات الطويلة وسوف تفعل ذلك حين تعريفنا بالمصنع (استخدام مماثل ورد في فيلمين صامتين من قبل: "متروبوليس» للألماني فريتز لانغ  (1927) الذي يقترح عالماً مبنياً على الطبقية ورجل صناعي يستولى على مقاديره ويحكم
The Crowd  على مصيره بكل ما أوتي من قوّة، وفيلم «الجموع» للأميركي هنري كينغ
الذي حققه سنة 1928، وهذا يسجّل له المشهد الطويل لمجموعة كبيرة من المكاتب التي ينكب العاملين فيها على العمل بحركة واحدة. المسألة بالنسبة لهذه الأفلام الثلاثة (بينها «الحريّة لنا») ليست الصورة وحدها بل تصميم المناظر. دائماً ما هو من أهم العناصر التي تؤسس لبصريات الفيلم وكيفية التعاون بين المصمم ومدير التصوير واختلاف عطاء كل منهما عن الآخر. في هذا الفيلم قام مصمم مناظر ترك أثراً كبيراً في السينما الفرنسية أسمه لازار ميرسون بهذه العملية وكان سبق له وإن اشتغل على أفلام كلير السابقة أيضاً.  كذلك اشتغل على ثلاثة أفلام للمخرج الذائع الآخر جاك فيدير ومن يعرف ذلك المخرج يعرف صعوبة تصاميم أفلامه ومتطلّباتها كما تأثيرها على الفيلم٠

موسيقا وغناء
...............................
رسالة الفيلم واضحة وتدعو إلى نبذ المال وتحكّمه وتأثيره في تغييب العنصرين الإجتماعي والإنساني في عالمنا. المزاج كوميدي والنبرة ساخرة لكن الفيلم أيضاً هو ميوزيكال مبكر. هناك مشاهد للشخصيات الرئيسية وهي تغني وهذه المشاهد ليست دخيلة بل منضبطة ضمن المعالجة الكلّية للفيلم. وهناك استخدام جيّد للموسيقا التي وضعها جورج أوريك، وكان مشهوراً آنذاك بتعاونه مع جان كوكتو على فيلم «دم شاعر» وهو الفيلم الذي كان في الواقع صُوّر سنة 1930 لكنه تأخر عرضه حتى العام 1932
لكل هذه الأسباب، لا يزال »الحرية لنا» مثيراً للمشاهدة اليوم كما كان في عام إنتاجه من حيث قدرة المخرج على توظيف التقنية والمضمون في عمل كوميدي جيّد وترفيهي معاً. كذلك لا يزال من تلك الأفلام النقدية ذات الرسالة. في الثلاثينات كان كلير واضحاً في موقفه تجاه المواطن المثقل بتبعات الحياة الذي لا يجد منفذاً لأحلامه او وسيلة يصعد به السلم الإجتماعي٠ 



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011


The Lion King | Straw Dogs (2011)| The Turino Horse| Le Havre | Pina Chicken With Plums | أفلام أوسكار 2012

Year 3 | Issue 102                                                                                                                                      

أفلام الأسبوع 


The Lion King **

إخراج: روجر ألرز، روب منكوف
أصوات:  جيمس إيرل جونز، ماثيو
برودريك، نيكيتا كالامي، جيم كمنغز
أنيماشن - 1994 [نسخة جديدة- بالأبعاد الثلاثة]٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 Review N. 267
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 لا أدري إذا ما كانت هناك سابقة لما سيلي أم لا، لكن فيلماً حط في المركز الأول في سلّم الإيرادات قبل ستة عشر سنة منجزاً نجاحاً كبيراً، يعود إلى الصالات ليتبوّأ، مرّة أخرى المركز نفسه.
الفيلم هو «الملك الأسد»، فيلم أنيماشن من ديزني ستديو وكان افتتح في الولايات المتحدة في الخامس عشر من حزيران/ يونيو سنة 1994 وعالمياً، بدءا بكوريا الجنوبية، في السابع من تموز/ يوليو. آنذاك حصد من أسواقه العالمية 783 مليون دولار، أي ما يوازي بليون و200 مليون دولار، إذا ما أخذنا في الحسبان التضخم المالي وسعر التذكرة الأعلى اليوم مما كان عليه في ذلك الحين٠
الفيلم نفسه طل في الأسبوع الماضي مزوّداً بسلاح الأبعاد الثلاثة وأنجز 30,151,614 دولار في أيامه الثلاث الأولى٠
نجاحه المتجدد سيكون مدعاة اهتمام هوليوود من حيث أنها قد تجلب بعض القديم المتميّز الذي سبق له وأن حقق نجاحاً كبيراً لتعيد طرحه فيما يشبه من يكتشف أن بذلة ما لا زالت تناسبه فينظّفها ويعيد لبسها و "ڤوالا"... لديه الآن بذلة جديدة٠
ما هو خاص بتجربة ديزني هذه هو أن الفيلم كان عُرض على جمهور من الأولاد والراشدين كحال كل الأفلام الكرتونية غالباً. في الأساس، فيلم ولاّدي للصغار، الصغار بحاجة للكبار كي يصطحبوهم إلى الصالة. التذكرة بتذكرتين والدولار بدولارين.... كيف لفيلم أنيماشن أن يفشل؟
لكن ما استند إليه الاستديو عملية حسابية بسيطة: الجمهور الذي كان صغيراً كَبُر وقد يرغب في مشاهدته من جديد، وأولئك الذين شاهدوه من فئة الثلاثين سنة وما فوق، ربما أرادوا مشاهدته من جديد أيضاً. إليهما سينضم جيل صغير دون السادسة عشر لم يلحق بتلك التجربة وسوف يود مشاهدته كما لو كان إنتاجاً جديداً.
في صلبه، «الملك الأسد» هو طموح شكسبيري على الشاشة الشكسبيرية. شيء من «هاملت» مدفون مباشرة تحت تربة هذا الفيلم من دون السعي للذكر. صانعوه استعاروا لكنهم لم يقدّموا الفيلم على أنه يحمل إقتباساً لـ «هاملت» متمثّلاً بحكاية الأسد الصغير، الأمير سيمبا ووالده الملك موفاسا وعمّه سكار.  العم قتل الأب والأمير يقرر العودة لكي ينتقم. هذا إلى جانب ايحاءات دينية مسيحية غير خافية بدءاً من مشهد في مقدّمة الفيلم حين يوحي الفيلم أن الطفل سيمبا هو منحة مميّزة من الله تعالى٠
إنه ليس فيلماً أخلاقياً وديزني ليست في صناعة السينما لكي تنتج أفلاماً من هذا النوع، لكنه فيلم يقدّم لمن يشاء بضعة مباديء ما يجعله منتمياً إلى تلك الأفلام الكرتونية ذات الأبعاد. أهم تلك المباديء حب العائلة واعتمادها الواجب على وحدتها في مواجهة بعض الأطراف الشريرة. أيضاً تعلّم سيمبا أن الحفاظ على مملكة والده من مسؤوليّته. يستطيع أن يهرب ويستطيع أن يلتهي مع أصدقائه من حيوانات الغابة الأقل من مركزه الإجتماعي لكنه لا يستطيع أن يستمر في ذلك غافلاً شؤون الحكم٠
لكن هذه المباديء الإجتماعية الكبيرة ليست ناصعة من دون شوائب. ما يرسم إيجابية طرح لفيلم ليس أبطاله وما يقومون به، بل أشراره أيضاً وما يمارسونه. كنه هؤلاء الأشرار. ألوانهم وثقافاتهم. في هذا الإطار  «ذ كينغ ليون» يحتاج إلى تقطير لسحب الشوائب منه. مصفاة عدس يُلتقط منها الحجارة الصغيرة التي يستخدمها لوصف سواه. هل نأخذ مثلاً بالصورة التي يرسمها الفيلم للأشرار كشخصيات ذات بشرة داكنة بقبول؟ وإذا كنا نستطيع أن نفعل متجاوزين، هل يستطيع إبن السابعة من العمر او نحوه تمييز ما هو خيالي عما هو واقعي او مستوحى من الواقع؟
خلو الفيلم من الحس المسؤول شيء، لكنه أيضاً، وبصرف النظر عن جيش النقاد الأميركيين الذين وجدوا الفيلم آنذاك رائعاً، هناك التقنية الممارسة. أيامها (منتصف التسعينات) كانت ديزني تخطو خطوات فاصلة عن تقنية الرسوم التي اعتمدتها سابقاً في الستينات وما بعد. تلك المدرسة الكلاسيكية العريقة التي نتج عنها أفضل أعمالها لليوم: «كتاب الأدغال»، «سنو وايت والأقزام السبعة»، «بامبي» وسواها.  «ذ ليون كينغ» هو آخر العنقود الفاصل بين مدرستين: يحمل ما يكفي للتذكير بتلك التقنية التي صنعت تلك الكلاسيكيات، ويحمل تقنيات جديدة تبلورت لاحقاً عن أخرى أكثر انتماءاً للجديد من القديم. لكن في صلبه، هو أيضاً فيلم قليل الجدوى. لا أقول قليل القيمة، لكن جدواه على صعيد الذخيرة الذهنية وعلى صعيد الترفيه ذاتيهما محدود. لا نحكم على الأولاد إذا ما أعجبوا بالفيلم، فشخصيات ساحرة كالأسد ومضحكة كالسعدان والظرافة تسعد هؤلاء كما تخيفهم شخصيات الضباع والصوت الفحيح للممثل البريطاني جيريمي آيرونز لاعب شخصية عم الأسد الصغير الذي قتل شقيقه٠
هذا يعيدنا إلى «هاملت» الذي احتوى، لجانب قيم كثيرة، على شخصية شاب وجد أن لديه اختياراً بين أن يقبل باستيلاء عمّه على الحكم والزواج من أمّه (سنوات ضوئية قبل سيغموند فرويد) أو أن يعيش حرّاً من الرغبة في السُلطة والإنتقام٠
هذا الفيلم يوجّه بطله إلى الإختيار نفسه وهوإذا يختار الحل الأول طبعاً يترك وراءه العيش بحريّة والإختلاط بقوم آخرين. أعتقد أن ما هو مقبول بالنسبة لهاملت شكسبير ليس بالضرورة مقبولاً في «الملك الأسد» والسبب هو أن الأول دراسة في ذلك الإختيار وفي المراجع النفسية عدى كونه عملاً أدبياً رائعاً. أما فيلم ديزني ففي أفضل حالاته ملهاة لا نستطيع أن نقول عنها أنها بريئة فعلاً، لكنها ترفيه تختلف حول الآراء حسب مفاهيمها ومرجعياتها٠


** Straw Dogs
كلاب من قش

إخراج: رود لوري عن سيناريو لسام بكنباه وديفيد ز. غودمان
أدوار أولى: جيمس مارسدن، كايت بوزوورث، ألكسندر
سكارسغارد، جيمس وودز٠
النوع: تشويق | الولايات المتحدة- 2011
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review N. 268
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ديفيد إنسان مسالم وكاتب سيناريو مجتهد وزوجته آمي ممثلة وكلاهما يصلان إلى بلدة في ولاية مسيسيبي ليمنحاها سمعة سيئة في فيلم يقول، خفياً، أن أهل الولايات الجنوبية لا زالوا كما عهدناهم في أفلام سابقة: عنيفون، غير متحضّرين وذوي سلوك غير اجتماعي او أخلاقي. سام بكنباه، المخرج المهم في تاريخ السينما الأميركية الحديث، أخرج هذه القصّة المأخوذة عن رواية غوردون وليامز «حصار مزرعة ترنشر» سنة 1971. لم يكن من بين أعماله الجيّدة. في الواقع، كان أقل جودة من كل أعماله. كان عنيفاً وذي نتوءات صدئة في معالجته، لكنه- على الأقل- انتمى لأسلوب بكنباه وطريقته في وصف البذور الشريرة في ذوات الناس وكيف أن ديفيد المسالم قد ينقلب وحشاً كاسراً تحت الضغط.
هناك، لعب دستين هوفمن دور ديفيد وشغلته كانت علم الحسابات. البريطانية التي قلّما نشاهدها الآن، ناهيك عن تذكّرها، سوزان جورج لعبت دور الزوجة. بريطانيون مرميين في الريف تثيرهم الزوجة، بقصد ومن دونه، فيشربون ويسكرون على ذكرها ثم- وبعد أحداث ترفع التوتّر عالياً- يحاصرون المنزل ثم يهاجمونه فيغتصبون الزوجة ويضربون الزوج الذي هنا تحديداً يقرر ديفيد أن الحال وصل إلى حد يدفعه لنكران أساليبه السلمية في الحياة فينقض على المهاجمين وينجح في قتلهم واحداً تلو الآخر: العنف له مبرراته وعليك أن تكون عنيفاً. هذه كانت رسالة سام بكنباه٠
وهذه الرسالة لا تتغيّر هنا. لكن ديفيد (مارسدن) أصبح كاتباً يضع سيناريو عن حصار ستالينغراد بينما يواجه حصاراً مماثلاً من قِبل أهل البلدة التي وصل إليها. يصلا إلى بلدة بلاكووتر لإصلاح منزل والدها. تشارلي (سكارسغارد) سيقوم بالإشراف على التصليحات وفريقه من الرجال سيقومون بالبصبصة على الزوجة خصوصاً حين ترتدي ذلك الضيّق او المكشوف وتخرج إليهم على نحو طبيعي كما لو كانت تستضيف بعض القطط الأليفة٠
طبعاً سيؤدي ذلك إلى غليان الأعصاب خصوصاً حين يتبدّى للجميع أن ديفيد ليس الرجل القوي في شخصيّته، وحين يقع الإغتصاب الذي يتوقّعه المشاهد حتى وإن لم يكن شاهد فيلم بكنباه السابق، فإن ذلك يقع بعدما ماتت المسألة أخلاقياً وأصبحت مفهومة الدوافع. في مكان ما من كل هذا، يحشر المخرج رسالة مفادها أن على أميركا أن تقف قويّة ضد ما يقوّض الحياة المدنية. هذا قد يكون رسالة موجّهة لليمين (حال الأشرار هنا)، او لليسار (حال الكاتب المهادن) لكن بصرف النظر عن التوجّه، فإن الفيلم هش بحيث تتمنّى لو أنك كنت تشاهد فيلم بكنباه مرّة ثانية كونه كان دائماً واضحاً في موقفه أعجبك ذلك الموقف أو لم يعجبك٠
رود لوري، الذي سبق له أن أخرج «المرشّحة» بطولة جوان ألن و»القلعة الأخيرة» مع روبرت ردفورد، دائماً ما سعى إلى شيء وأنجز ما هو دونه. وهنا لا يتغيّر شيء في هذا الوضع. المخرج يعرف أدواته التقنية لكنه لا يسمح لها أن تصيغ فيلماً أعلى قدرة. يدرك عصب الدراما التي بين يديه، لكنه لا يمنحها وقتاً لكي تتفاعل على نحو صحيح٠


أفلام المهرجانات

Chicken With Plums ** 








إخراج: مرجان ساترابي  وفنسنت بارونو
أدوار أولى: ماثيو أماريك، إدوار باير، ماريا دي ميدارو، غولشفته فرحاني٠
النوع:  دراما ساخرة [فرنسا/ ألمانيا/ بلجيكا- 2011]٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review N. 269
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 مشاهدتان متواليتان (الأولى انقطعت بعد 35 دقيقة بسبب موعد لم يكن من الممكن تأجيله) لم تغيّرا كثيراً في رد الفعل المستنتج من فيلم المخرجين ساترابي وبارونو.
بعضنا يتذكّر أنهما المسؤولان عن الفيلم الكرتوني «بيرسيبوليس» الذي وضعت فيه المخرجة مرجان ساترابي ذكرياتها في إيران وتجربتها ف الهجرة إلى أوروبا ورأيها الصريح فيما آلت إليه الحياة الإيرانية الإجتماعية والمدنية بفضل النظام والحكم الحاليين. ذلك الفيلم شاء أن يكشف حب المخرجة لإيران الأولى حين كانت الحريّة الفردية لا زالت ممكنة وحين كان الفرح بتغيير نظام الشاه لا يزال واعداً بنظام أفضل منه قبل أن ينقلب الحلم إلى كابوس.
الفيلم الجديد «دجاج مع خوخ مجفف» ليس كرتونياً الا بمقدار بضع لقطات هنا وهناك، بل دراما حيّة تتحدّث عن طهران العام 1958 من خلال سيرة عازف الموسيقا ناصر علي الذي نتابع هنا قصّة الأيام السبعة الأخيرة من حياته بمزيج من المواقف المضحكة والساخرة والدرامية الجادة.
وفي حين أن المرء يستطيع أن يفهم ضرورات التصوير في ستديو بابلسبيرغ في برلين، كون المخرجة من المغضوب عليهم في بلادها، الا أنه يتمنّى لو أن الفيلم امتلك الجرأة الكافية للإتيان بممثلين يتحدّثون اللغة الفارسية عوض التضحية بهذا القدر من الواقع (ذاك الذي مارسته المخرجة وزميلها في الفيلم السابق على أي حال) لأجل جلب ممثلين معروفين في أدوار صغيرة مثل الجزائري جمال دبّوس والإيطاليّتين شيارا ماستروياني وإيزابيلا روسيلليني، وإسناد البطولة إلى مجموعة فرنسية بالكامل تقريباً.
طبعاً الضرورات التجارية تبدو كل ما يحتاجه الإنتاج من دافع، علماً بأن فيلم بارونو وساترابي السابق تكلّم بالفارسية، معظم الوقت، وأنجز نجاحاً جماهيرياً كبيراً. هذا النطق بلغة تختلف عن شخصيات وموقع وبالتالي واقع الحدث، تذكّر بأفلام الوسترن التي كان النقاد الأجانب قبل سواهم يعارضونها لأنها كانت تصوّر الهنود الحمر كما لو كانوا خريجي أوكسفورد او هارفارد.
لجانب هذه النقطة فإن العمل الجديد للمخرجين يتواصل في قدر معتدل من النجاح. ناصر علي كسر آلة الكمان التي كان يعزف عليها وحين لا يجد بديلاً لها يرضيه يعزم على الإنتحار. بعد نحو ربع ساعة من الفيلم يتحوّل العمل إلى سرد لتلك الأيام السبعة التي ستفصل بين عزمه ذاك ونهايته المقبلة مع تعليق يصاحب الفيلم مصدره، حسب الفيلم، الملاك عزرائيل الذي يرصد خطوات الموسيقار وما يمر به من متاعب عاطفية ونفسية٠
في النواحي التنفيذية البحتة، فإن الفيلم يتعامل مع مجموعة من الفنيين والفانين الذي لا يمكن لهم القيام بخطوة غير مهنية وماهرة وادة. لكن على صعيد الإخراج نفسه، فإن العمل يحتاج الى ضوابط بين الفقرات أفضل من تلك المعتمدة. في أحيان كثيرة، يبدو الفيلم يعمد إلى خلط السخرية بالواقع لأن المناسبة فرضت ذلك. ماثيو أماريك جيّد في العموم، لكن مع تذكّر أن الدراما تعوزها المصداقية فإن صياغته للشخصية التي يؤدي هي صياغة تتبعه بالتالي ولا تتبع الواقع٠
ساترابي هي التي تبقى في مقدّمة هذا العمل بين المخرجين الشريكين. إنه عالمها وتاريخها وذكرياتها وهذا ما يمنح العمل ذلك القدر من التميّز. على ذلك، من المحتمل أن لا يحقق الفيلم الأثر ذاته، خصوصاً بين الذين كانوا يتوقّعون فيلماً آخر ذا موضوع سياسي معاصر ليجدوا أنفسه في فيلم قد يطرح في أفضل الأحوال أفكاراً ثم يسحبها.



ما شوهد من أفلام مرشّحة لأوسكار أفضل فيلم أجنبي


هلق لوين؟ **
إخراج: نادين لبكي
أدوار أولى: نادين لبكي، إيفون معلوف، على حيدر، مصطفى
السقا، جوليان فرحات، ليلى حكيم، كلود باز
لبنان/ فرنسا - 2011
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review N. 270
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نادين لبكي الآن، وبعد النجاح المستطرد لها، قوّة سينمائية لبنانية ضاربة. مخرجة موهوبة كانت برهنت على حسّها السينمائي في فيلمها الأول »كراميل» الذي كان، كهذا الفيلم، نسائي الهم والتركيبة والأحداث. لكن «هلق لوين؟» يختلف في كل شيء آخر. في حين أن «كراميل» كان عملاً يحمل نبرات فنية واضحة وهدوء في التحليل والمعالجة على حد سواء، يأتي هذا الفيلم كخضم من الأحداث الممتزجة، فهو يُضحك ويُسلّي ويتحدّث في الوقت ذاته عن موضوع جاد، وهذا ليس المشكلة. المشكلة هي أن هناك تمازجاً ينتج عملاً جيّداً، وآخر لا ينتج. فإذا أضفنا الموسيقا والغناء والحكاية الفانتازية التي تدور على خلفية واقعية، وجدنا أن الفيلم أكثر مما يحتمل. فكرة كبيرة تحوي في عناصرها كل ما يمكن أن ينتج عنه عملاً ترفيهياً جماهيرياً لكنه على حساب بلاغة فنية سبق للمخرجة أن حققتها من قبل
الفيلم الجديد الذي تم تقديمه في مهرجان "كان" يدور حول سكّان قرية  لبنانية نصفها مسلمون ونصفها مسيحيون، هناك وئام حذر بين الطرفين وحرب أهلية خارج حدود القرية . لكن هناك مناوشات. قطيع من الماعز دخل المسجد فهب بعض المسلمين ثائرين. تمثال لرأس المسيح هُشّم فهب بعض المسحيين. هذا إلى  أن  يخرج شاب مسيحي من القرية في غاية ويعود جثّة هامدة.  تحسّباً للفتنة، تقوم الأم الكثلى بإخفاء جثّة إبنها لكن سر الجثّة ينكشف وتقف القرية على حدود حرب طائفية. الحل؟ تقوم نساء القرية، اللواتي برهن من مطلع الفيلم، على أنهن رأس الحكمة وأنقى من الرجال تفكيراً بإقامة حفلة عشاء كبيرة يتم فيها صنع حلوى تحوي على حشيشة الكيف وفي الصباح تفاجيء النساء المسلمات أزواجهن بأنهن انقلبن مسيحيات والمسيحيات تفاجئن أزواجهن المسيحيين او أولادهم بأنهن اعتنقن الإسلام٠
ما سبق، إلى فصل الحفلة الليلية كان يمكن أن يكون وضعاً مثالياً لفيلم أكثر جدّية. لا مانع من سخرية او مناسبات كوميدية، بل لا مانع لو كان الفيلم كلّه معالج كوميدياً. كذلك ليست المشكلة أن الرجال في الفيلم أغبياء والنساء أذكياء لولا أن الفيلم ليس عن كوكب خلقهم الله فوقه هكذا. بالتالي لو عمدت المخرجة لمناطق رمادية  او حتى لو قدّمت سبباً فعلياً يبحث في تعنّت الرجل وسماحة المرأة (مثلاً) لكان الأمر أفضل وأكثر قبولاً
في وجه منه هو فيلم أمنيات طيّبة: الحرب بغيضة والحياة أقصر من أن نمضيها في حقد وضغائن. لكن مجرّد وجود هذه الأمنيات يجعل الفيلم أكبر بسنوات عن تلك الحرب الأهلية اللبنانية ومسبباتها وما نضحت به من نتائج٠ 

Burnt by the Sun 2 ***

إخراج: نيكيتا ميخالكوف
أدوار أولى: نادجدا ميخالكوف، نيكيتا ميخالكوف،  أوليغ
منشيكوف
روسيا - 2010

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review N. 271
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عندما سئل المخرج نيكيتا ميخالكوف لماذا انتظر ستة عشر عاماً قبل أن يحقق جزءاً ثانياً من فيلمه  «حرقتهم الشمس» أجاب بأنه كان يريد أن يُتيح للممثلين النمو إلى السن التي تسمح لهم بتمثيل شخصياتهم في مقابل جلب ممثلين جدد ليقدّموا حكاية الجزء الثاني التي تقع بعد ثلاثة عشر سنة على أحداث الفيلم الأول.  تبرير مقبول بالطبع لكن في المقابل يبدو الجزء الثاني كما لو خسر نصيبه من النجاح الذي أصاب الأول وكان من الممكن له أن ينسحب على الثاني فيما لو تم إنتاجه خلال السنوات الخمس اللاحقة
مهما يكن يُحلينا المخرج الروسي نيكيتا ميخالكوف (كونتشالوفسكي- كما أسمه الكامل) إلى أحداثتنبع من الجزء الأول. في «حرقتهم الشمس» الأول تعرّفنا على تلك الشخصيات التي تعيش ثلاثينات الفترة السوفييتية تحت حكم ستالين. على كوتوف (ميخالكوف) الذي كان يعمل تحت إمرة النظام واعداً نفسه بحياة راغدة  والذي كان يمضي أيام سعيدة مع زوجته  ماروسيا (إنغبورغا دابكونياتَ)  وإبنته ناديا (ناديا ميخالكوفا) ذات السنوات الست. شيء ما يقلقه في ذلك الأفق. لم لا فقريبه ديمتري، خادم النظام الأول  أوليغ منشيكوف) حاقد عليه كونه خطف منه المرأة التي كان يحبّها، وهو يخطط  للإنتقام من كوتوف وينجز ذلك مع نهاية الفيلم بإرسال الزوج إلى معتقل سياسي
في هذا الجزء ننتقل إلى العام 1943 (سبع سنوات بعد أحداث الفيلم الأول). كوتوف في وحول جبهة القتال ضد الألمان. كذلك في الجبهة ولو في مكان آخر إبنته التي أصبحت ممرضة. وفي مكان خلفي ديمتري الذي يحاول جهده منع لقاء الأب بإبنته. كونتشالوفسكي ينجح في خلق هذه العداوة واستغلالها في الوقت الذي يقدّم فيه عملاً حربياً (ولو في جزئه الأول هذا) مظهراً الصراع ضد العدو الآخر: النازية٠
الصراع الثاني يأتي متوقّعاً ويتيح للفيلم الذهاب إلى الحرب بكل ما فيها من وحشية وشراسة وعنف. لكن الأول هو الذي يحظى باهتمام المخرج الخاص، كونه يحوّل شخصية كوتوف إلى تعبير عن الإنسان السوفييتي الذي هو ضحية نظام جائر. نظام يبدأ الفيلم به وهو يوجّه أوامره إلى ديمتري بتعقّب كوتوف وإبنته والتخلّص منهما. والخلاص عند المخرج هو الدين الذي سيحيل عذابات بطله وإبنته إلى روحانيات جميلة. إنه في هذه المشاهد الأخيرة من الفيلم، حيث يكمن فصل الخلاصات والمفادات، يتبدّى ضعف سليقته الدرامية وتشتت اهتمامه وإضاعة الفرصة لإنجاز عمل يلتحم بالتاريخ بصرف النظر عن الرؤية الشخصية له٠

Le Havre  ***

إخراج: آكي كوريسماكي
أدوار أولى: أندريه ويلمز، كاتي أوتينن، جان- بيير
داروسان، بلوندل ميغويل
فنلندا/ فرنسا/ ألمانيا - 2011
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review N.272
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين كل الأفلام الأوروبية الحديثة التي تناولت في السنوات الأخيرة ظاهرة الهجرة غير الشرعية عبر
البحر، «لو هاڤر» هو أكثرها تشبّعاً بالحزن الإنساني الدفين على مصير أولئك الذين جرفتهم الظروف من أفريقيا إلى السواحل الفرنسية. هذا شأن كوريسمالي في أفلامه السابقة وبصرف النظر عن الموضوع الذي يعالجه. ما ينتقل من فيلم لآخر هو الحس بالوضع الإنساني والإجتماعي والحزن العميق على حالة  شخصياته الرئيسية في مدينة تتحرّك تحت وطأة نظم ضاغطة
   كوريسماكي اختصاصي حكايات عن ناس خاسرين. وهنا بعضهم ولو أن الأمر يختلف هنا عن أفلامه الأخيرة السابقة مثل «ضوء في الغسق» و«رجل بلا ماض». بطله مارسل ماركس  (أندريه ويلمز) لديه  عمل ثابت في بلدة لو هاڤر الفرنسية الكامنة فوق النورماندي. هو ماسح أحذية وهناك المشهد الذي يمهّد للكشف عن بواطن الأمور: يمسح حذاء شاب أسود فينتفض فرنسي كان يمعن النظر بهما ويغادر المكان. لكن عمل مارسل لا يعرف لون البشرة، بل لون الحذاء وسريعاً ما سيجد نفسه يستبدل الأولويات حينما يلتقي بالصبي إدريس الذي سبح هرباً من البوليس الفرنسي الذي كان ضبط شحنة من اللاجئين الأفريقيين لكنه أفلت منهم. العلاقة الإنسانية تنمو بينهما على الرغم من أن زوجة مارسل دخلت المستشفى لمرض شديد. في سياق الموضوع حياة رجل تجاوز الخمسين ويعيش حياة متواضعة ككل شخصيات كوريسماكي السابقة. ما يتغيّر ليس فقط تعامله مع طاريء جديد ومنحه مساحة زمنية يرتاح فيها من عناء الهرب، بل حياته الخاصّة وتبعاً للظروف التي تمر بها زوجته أيضاً. عند المخرج شخصية كاملة الأوضاع تمر بمصاعب حياتها مع وبدون إدريس. ما يمنحه إدريس لمارسيل فهماً لقضيّة اجتماعية تساوي قضاياه الأخرى
كالعادة لا يكترث المخرج لليافطات الكبيرة، بل أفلامه هي فن كبير على مواضيع صغيرة وشخصيات متواضعة. هو دائماً ما يبحث في عتمة المدينة عن شخصيات تعيش بيننا (وقد أكون أنا او تكون أنت بينها)  ولا يشعر بها أحد حين ينشد هؤلاء صداقة (كحال بطله في «أضواء في الغسق» مثلاً)٠
الرابط الإجتماعي هنا متساو: ماسح أحذية لا يمكن أن تكون حياته المادية أفضل بكثير من أفريقي شاب هرب من بلده قاصداً لندن ليصل إلى شواطيء فرنسا. لكن الرسالة الخفية نوعاً هنا هي أن فقط من يعيشون المستوى المحدود من الدخل ذاته، ومن الحياة المهمّشة نفسها، هم من سيشعر حيال أزمة الآخر. إلى ذلك، هناك القدر ذاته من السخرية. كوريسماكي قد يتطرّق لمواضيع جادّة بأسلوب عمل مرهف وداكن لكنه ليس معلّقاً يصدح بالخطب بل على العكس يحتفظ لنفسه بحق تمرير سخريته من هذه الأوضاع. في الوقت ذاته هو أحرص على أن يسخر أكثر مما يجب، حتى لا يعرّض عمله للهدر. وبصرياً، فإن الكثافة التي تحتويها الصورة وتوزيع عناصرها البشرية وخلفياتها الطبيعية او المكانية على حد سواء، تؤكد حسن تعامله مع مادته ومع مشاهده. كل شيء لديه موحّد على خط قصير مباشر ومبتسر. لا يوجد عنده مشهد يستمر لحظة من دون أن يضيف شيئاً. ولا يقصد الإضافة إن لم يكن لديه شيء. بذلك هو راسم بارع لحدود مشاهده أيضاً٠

Pina ***

إخراج: ڤيم ڤندرز
تسجيلي
ألمانيا-  2011
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review N.273
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بينما حظت سينما الخيال العلمي وأفلام الأنيماشن والفانتازيات المختلفة بنصيب الأسد من نظام الأبعاد الثلاثة، كان مفاجئاً، للعقل المثقّف عموماً، أن يعمد مخرج- مؤلف ما إلى ذات النظام ليبث فنّه. الألمانيان ڤيم ڤندرز وڤرنر هرتزوغ فعلاها. الأول عبر هذا الفيلم والثاني عبر فيلمه
Cave of Forgotten Dreams
وكلاهما تسجيليان
في «بينا» سيرة للحياة المهنية للراقصة ومدرّبة الباليه بينا بوش التي ماتت قبل سنوات. عشرون سنة على قيام ڤندرز بإبداء رغبته لها تحقيق فيلم عنها. بعد ذلك اشتغل على أفلامه واحتل موضوع التعاون صفّا خلفياً إلى أن عاد إلى الواجهة سنة 2007 بعد مشاهدته فيلما بالأبعاد الثلاثة. أتصل بها وأخبرها أنه بات يعرف كيف سيقدّم فيلماً عنها. بعد عامين ماتت وڤندرز بحث مع أعضاء فرقتها وقرر أن يصنع الفيلم على أي حال
بوش لم ترغب في فيلم من نوع سيرة الحياة وڤندرز تجاوب مع هذه الرغبة مفضّلاً بدوره التركيز على كيف مهنتها الفنية وكيفية قيامها بتصميم وتدريب الراقصات. في ذلك هناك استعانة بالتسجيلات المختلفة، لكن الكثير من اللقاءات والأكثر من ذلك من قيام الفرقة التي عملت تحت مظلّة بوش تقديم أعمالها لعل هذه الأعمال تقترح على المراقب ما كانت عليه المصممة فنّاً ورسالة٠
ڤندرز يوظّف الإستعراضات الراقصة أفضل توظيف. كاميرا محمولة تتحرّك دون اهتزاز مانحة الفيلم حريّة وليونة تتشابه وحريّة وليونة الفصول الراقصة ذاتها.  وبل يجد المخرج فرصة لبعض الأفكار شبه التجريبية.  لكن محور كل شيء يبقى بوش وفلسفتها الفنية ومنظورها للعالم من خلال فنّها. بوش كانت دائماً تسأل عما يحرّك الرقص في راقصاتها (على الأخص) وليس لماذا يرقصن. والمخرج يعمل على هذا المنوال فاتحاً منهجاً فنيّاً مثيراً للعين وشاغلاً للذهن ولو أنه في نهاية الأمر يبقى محدود التأثير كون الفيلم تأليف ذاتي حول فن أكثر ذاتية٠


 The Turino Horse
*****

إخراج: بيلا تار
تمثيل:  مات دايمون، إميلي بْلَنت، ترنس ستامب، مايكل
 كَلي، أنطوني ماكي
النوع: تشويق | الولايات المتحدة - 2011
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review # 224
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحد شروط تحقيق تُحفة سينمائية هي أن يقوم المخرج بإلغاء كل الروابط التي من الممكن لها أن تلزم فيلمه بإتباع التقاليد. وشرط ثان أن يفعل تحديداً ما يُريد بالطريقة التي يُريد وهذا بعد تمكّنه من رؤيته وأسلوبه. فيلم بيلا تار يملك، على الأقل، هذين الشرطين.
فيلم بيلا تار، أي فيلم لبيلا تار، يصفع الناظر بمشاهد من الصعب أن تُمحى من البال. في الحقيقة، فيلمه  الطويل جدّاً "تانغو الشيطان" كلّه يبقى في البال كما لو شوهد بالأمس بمشاهده الطويلة، معايشاته المتمددة التي لا يمكن معرفة متى ستنتهي صوب معايشة أخرى. بلقطاته التي تحرص على تأطير البيئة المنتقلة الى الشاشة. بذلك يبقيها تحت الضوء وفي المدّمة. الساحة الكبيرة التي تتحرك عليها الأشياء والشخصيات معا. إنه كما لو أن المخرج يخشى (او ربما يدرك) انه لو اقترب كثيراً من الشخصيات التي لديه اضطر المشاهد لإهمال ذلك المحيط. علي ذلك يسمح لنفسه بلقطات قريبة عند الضرورة خصوصاً في الحالات التي تعكس البؤس كاملاً٠
الفيلم الجديد يبدأ بذكر حادثة تردد أنها وقعت مع  نيتشه في تورينو سنة 1889 حينما شاهد حصاناً يتلقّى الضرب المبرح من صاحبه، فما كان منه الا أن هرع الى الحصان وحضن رأسه وأخذ يبكي. وحسب ما يرد في مقدّمة مطبوعة قبل المشهد الأول في الفيلم، سقط الفيلسوف مريضاً من بعد ذلك وحتى وفاته. لكن الفيلم لا يريد أن يبحث في تصرّف نيتشه او دوافعه او حتى ما حدث له من مرض، بل يسأل ".... لكن ما الذي حدث للحصان؟"
ما حدث للحصان كثير.... وقليل. بعد ذلك، يقول الفيلم، رفض الحصان أن يمتثل لرغبة صاحبه الا مرّة واحدة، عندما قرر صاحبه الهجرة وإبنته من البيت الذين يعيشان فيه بعيداً عن كل شيء الى مكان آخر لا يدريان أين.... لكن لحظة. هل هو الحصان ذاته الذي تسبب في موت نيتشه؟ بيلا تار لا يقول.
المشهد الأول: الكاميرا تصوّر حصاناً يجر عربة ثقيلة وفوقها رجل يحثّه بالسوط على المضي. المكان ريفي والكاميرا تتراجع الى الوراء وتمسح جانب الحصان والعربة ومن فوقها ببطء لتعود بعد ذلك الى الجزء الأمامي من الحصان كل ذلك بلقطة طويلة واحدة لا تريد أن تنتهي وتستمر طوال المشهد (نحو أربع دقائق). في نهاية تلك اللقطة من الممكن مشاهد الحصان وقد أخذت خطواته تقصر وعنقه يميل الى تحت دلالة تعبه. هذه اللقطة الأولى هي موازية للقطات بيلا تار (قدّمت سينماه في بحث على عدّة حلقات في العام الماضي في "ظلال وأشباح") في "رجل لندن" (2008) عندما تمسح الكاميرا ببطء شديد مقدّمة باخرة راسية في مرفأ. كذلك في "تانغو الشيطان" (1994) حيث الكاميرا تتحرّك بموازاة قطيع من البقر في شوارع قرية مهجورة.
هنا تتحرّك أكثر كونها منصبّة على ذلك الحصان. لكنها لن تتحرّك كثيراً بعد ذلك. ستقف في مكانها لتلتقط حياة الرتيبة أمامها. مع وصول الحصان الى مزرعة صحراوية جافّة في منطقة مهجورة، تهرع إبنة صاحب العربة الى أبيها وحصانه. أولاً تعتني بالحصان فتساعد أبيها في تفريغ الحمولة وتقود الحصان الى الإصطبل وتغلق الباب وتلحق بوالدها الى داخل البيت المؤلّف من حجرة كبيرة واحدة هي مكان للنوم ومكان للأكل وللطبخ (لا نرى الحمّام مطلقاً) وللجلوس والنظر من النافذة الى العراء في الخارج.
مع هذا المكان سنقضي الأيام الستّة المقبلة، لأن الحصان في اليوم التالي يرفض أن يخطو بعيداً عن اصطبله، وفي اليوم التالي يرفض أن يأكل وفي الرابع يرفض أن يشرب، في الخامس تعتقد أنه لابد مات. في السادس صباحاً سيجرّه صاحبيه بعدما حمّلا العربة بأمتعتهما الضرورية. يتحرك الجميع بعيداً عن البيت وبعيداً عن الكاميرا فوق الأرض الخالية الا من بئر كان جف ماءه فجأة. تبتعد العربة والكاميرا تراقبها. تصل العربة الى هضبة بعيدة فوقها شجرة يتيمة تمر بها وتغيب في الأفق. الكاميرا لا تزال في مكانها وحس المشاهد ويقظته منصبّان على الحركة التالية لها او للمخرج. فجأة تعود العربة كنقطة غابرة من الأفق التي غابت فيه. وبنفس المدّة الزمنية التي تطلّبها غيابها تعود الى مكانها الأول. الأب وإبنته ينقلان الأمتعة الى البيت (الكاميرا تحرّكت من مكانها السابق للقطات متوسّطة لكنها لا تزال خارجية) والحصان الى الإصطبل: لا مكان يستطيعان اللجوء إليه.

بطاطا مسلوقة
هناك غرابة في التكوين لا تفلت من الملاحظة، لكنها جزء من منهج عمل يقع ما بين بدايات الفيلم (المقدّمة ثم ما يقع في اليوم الأول) ونهاياته (هذا اليوم). وما يقع ليس كثير العدد، ولا متعدد الشؤون لكنه أثرى مما لو كان كذلك. خلال هذه الأيام التي يمضيها الرجل العجوز وإبنته الناضجة (لن تشاهد من أنوثتها ما يُذكر) تمر الأيام ذاتها. هنا لا فرق بين إثنين وثلاثاء وخميس وجمعة (لذلك يطلق عليها المخرج أرقاماً). كل شيء يبدأ باستيقاظ الأب وقد نام على سريره مستلقياً ببعض ثيابه نفسها على ظهره. يجلس وينح. إنها إشارة الى إبنته (الكلام شبه معدوم بينهما خصوصاً منه) لكي تساعده على ارتداء ما خلع من ثيابه وحذائه فيده اليمنى معطوبة. تذهب الى البئر  حاملة الدلو وقاطعة المسافة ذاتها وتستخرج الماء ثم تسلق قطعتين من البطاطا. هذا في اليومين الأوّلين، حين كان ذلك الأب (كلاهما بلا إسم) يأكل البطاطا بشراهة. الآن لنلاحظ شكل "مأدبة" الغذاء:
طاولة خشبية كبيرة يجلسان عليها متواجهين. كل منهما بصحنه وفي الصحن قطعة بطاطا مسلوقة. حين يبدآن الأكل يسرع الرجل بتقشير البطاطا التي لا زالت تغلي من السخونة (تستطيع أن ترى الدخان يتصاعد منها). لكنه لا يكترث. يقشّرها بأصابع يده مجتمعة ثم يضع فتاتها في فمه وهي ساخنة. يأكل سريعاً ثم ينهض بينما لا تزال إبنته تأكل متمهّلة.
هذا في اليومين الأوّلين. الإيقاع يصبح بطيئاً بعدما رفض الحصان العمل فتدخّل في حياة صاحبيه. البئر يجف بعد زيارة سريعة لمجموعة من الغجر (لعنة غجرية). الحياة تتحوّل من رمادية الى داكنة. ليس أن تلك الحياة كانت سعيدة قبل ذلك، لكننا نرى الآن موتها. في اليومين الأخيرين تبدو تلك الوجبة باردة والبطاطا ليست مسلوقة تماماً. الأب في اليوم الخامس يحث إبنته على أن تأكل. في اليوم السادس يتوقّف هو أيضاً عن الأكل.
كما يُلاحظ فإن البؤس الذي تطرّق إليه المجري بيلا تار في "تانغو الشيطان" وأعماله السابقة واللاحقة، مجسّد هنا من جديد لكن ما نراه ليس ساخراً بقدر ما هو مؤلم وهو أكثر ألماً مما في أفلامه السابقة. في الوقت ذاته الألم ليس نتيجة محاولة تحسيس المشاهد بمشاعر إنسانية. هذه الشخصيات تم كيّها من قبل الأقدار وظروف الحياة بحيث لم يعد لديها أي دواع لكي تتحدّث ناهيك عن أن تشعر. وكما في أفلام بيلا تار الأخرى، فإن التصوير بالأبيض والأسود جزء من العالم الذي يصوّره كون الألوان ستوحي ببعض الأمل وهو ضد الأمل الكاذب٠
طوال ساعتي الفيلم يحرض المخرج تار على إعادة  تصوير الحركة ذاتها (البطاطا، جلب الماء، الإستيقاظ، الخ...) لكن المشهد ليس هو ذاته دائماً. رغم ما يبدو رتيباً ومتكرراً فإن الفيلم فيه من الثراء في المعاني وفي الصورة ومن ثنايا الشكل القشيب، كالحياة، ما يجعله متخماً بالمضمون الذي يكبر لكنه لا يتكرر.
هذا ليس فيلماً لكل المشاهدين. أفلام المخرج عادة لا تجذب حتى النقاد المدللين فما البال بالجمهور الذي يريد أن يستشف شيئاً يتواصل وإياه حين يراه ماثلاً على الشاشة، لكن حين لا يكون في نيّة المخرج التعامل شعورياً مع شخصياته وإتاحة الفرصة أمامهم لتكوين ذلك الشعور، فإنه لن يكون مستعداً لمعاملة مماثلة مع مشاهديه. لذلك تحب أفلامه -إذا أردت- كما هي.
إنها قطع أقرب الى التحف تصويراً وشعراً وتأمّلاً، ما يمنعها أن تجتاز النطاق الضيق بالفعل وتصبح تحفاً هو فقدانها الأمل. لا الأمل الكاذب الواصل الى نهاية سعيدة حتى وإن لم تنتم، بل أمل ناتج عن حب الحياة ذاتها.... هذا لا يزال من مزايا المخرج الراحل أندريه تاركوفسكي وحده٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011

30 Minutes or Less | Final Destination 5 | The guard | In A Better World | The Help| Crazy, Stupid, Love

Year 3 | Issue 101                                                                                                                                       


30 Minutes or Less  **
ثلاثون دقيقة أو أقل


إخراج: روبين فلايشر
أدوار أولى: جيسي أيزنبيرغ، عزيز أنصاري، داني مكبرايد، نك سواردسون، فرد وود
كوميديا- أكشن | الولايات المتحدة (2011)٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review n. 261
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خلال حفلة راقصة يكشف رجل أسمه دواين (داني مكبرايد) على أن والده ربح الجائزة الأكبر في اللوتو. هذا يدفع صديقته للإقتراح التالي: لم لا يقتل أبيه ويستولي على الملايين التي ربحها؟ في هذه اللحظة يعتقد الشخص العاقل أن الرجل سيطردها كونها اقترحت قتل والده، لكنه يبدو أنه من النوع الذي يقبل النصائح ويتجاوب، هو وصديقه ترافيز (نك سواردسون)،  مع هذا الإقتراح. لتنفيذه عليهما الإستعانة بقاتل محترف (مايكل بينا) ولتمويله عليهما أن يملكا المال. هنا يدخل على الخط عامل البيتزا الذي سيتم ربطه إلى عبوّة وإرساله إلى المصرف لكي يسرق المال المطلوب لدفعه للقاتل المحترف لقاء قيامه بقتل الأب. خطّة بسيطة جدّاً لا تتطلّب سوى مشاهدين غير سائلين عن أي نوع من الذكاء٠

عامل تسليم البيتزا (الممثل جيسي أيزنبيرغ الذي ينزل درجات عن مستوى دوره في «الشبكة الإجتماعية» الذي رُشح للأوسكار بسببه) موصول بروموت كونترول قابل للتفجير بضغط الزر من بعيد الا إذا استجاب موظفو المصرف وسلّموه المال الذي في الأدراج.
طريقة تبدو أسهل في الفيلم من الواقع، لكن الفيلم مأخوذ من واقعة حقيقية لم تقع بالتأكيد على هذا النحو. ولو ثابر الفيلم عليها لحققت فيلماً أفضل من ذاك الذي ارتسم على الشاشة. المشكلة هي أن المخرج روبين فلايشر لم تكن له مطلق الحريّة في اختيار المعالجة المناسبة لموضوعه هذا. إنه، في الجوهر، لابد أنه موضوع جاد لكن المنتجين الواقفين خلف المخرج والموصولون بدورهم إلى ستديو يملك روموت كونترول من شأنه إذا ضغطوا عليه تفجير المشروع من أساسه،  أرادوه فيلماً هازلاً، وكان لهم ذلك بالطبع. وهذا ليس أمراً فريداً في السينما الأميركية اليوم لأنه من النادر أن تجد مخرجاً قادراً على فرض وصايته واختيار المعالجة والحس السينمائي المناسبين او المختلفين عن السائد. القصّة الواقعية انتهت بمقتل عامل البيتزا لكنه هنا له دور بطولي لابد من لوي ذراع الحكاية الأصلية لأجله




Final Destination 5  ***
الوجهة الأخيرة  5


إخراج:  ستيفن كوايل
أدوار أولى: نيكولاس دأغوستو، إيما بل، مايلز فيشر، إيلين رو٠
تشويق | الولايات المتحدة (2011)٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review n. 262
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كل جزء من أجزاء هذا المسلسل قدّم مجموعة من الشباب والشابات الذين يجدون أنفسهم في مواجهة الموت. لقد آن الأوان ومن آن أوانه لا مهرب له من الموت، الا إذا كان السيناريو ينص له على أن يعيش. هذا الفيلم لا يختلف في هذا المنحى، ولو كان يختلف في نوعية المفارقات. هذه المرّة، وعوض الطائرة التي لم يستقلها من كان من المفترض به أن يفعل، فإذا بها تهوي، هناك جسر يهوي بعدد كبير من الناس بإستثناء من كتب لهم السيناريو النجاة وفي مقدّمتهم سام (دأغوستو) لكن بما أنه وأصحابه كان مفترضاً لهم الموت. نجاتهم غير محسوبة ولا مستحبّة وباقي الفيلم هو سلسلة من اخفاقات ملك الموت في القضاء عليهم. المهمّة التي يحاول هذا الفيلم حملها، وينجح بذلك إلى حد لا بأس به، هو إعادة تقديم نفسه على نحو جديد. صحيح أن الحكاية تدور في ذات الإطار إلا أن الشخصيات جديدة والمنهج هو شحن مشاهد خوف وقلق وعنف أكثر من ذي قبل.  المخرج سبق له وأن عمل تحت إدارة جيمس كاميرون كمساعد في فيلميه «أتلانتيك» و«أفاتار»٠


The Guard ***
الحارس


إخراج:  جون مايكل ماكدوناف
أدوار أولى: برندان غليسون، دون شيدل، ليام كاننيغهام، مارك سترونغ٠
بوليسي | بريطانيا (2010)٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review n. 263
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الفيلم البريطاني شهد عروضه العالمية قبل بضعة أشهر من بدء عروضه البريطانية اليوم. وفي رحلاته حصد إعجاباً نقدياً أكثر مما يمنحه هذا الناقد له. ليس أنه فيلم رديء، لكنه رغم أن معالجته العامّة تختلف عن أفلام تماثله في الموضوع، إلا أنه يبقى بلا جديد على صعيد الحكاية وشخصياتها.  إنه حول شرطي أيرلندي (غليسون) يعيش حياته ببطء المتعب وحين تقع جريمة يفاجيء أن الأف بي آي الأميركية مهتمّة بالجريمة وبواعثها وقد أرسلت للغاية تحرياً أسود (شيدل) لمساعدة الشرطي المحلّي. إذا قبلنا هذا الموقف المقدّم ببساطة، لا بأس من تكملة المشوار والتقاط تلك المفارقات التي يبنيها المخرج على ردّ فعل كل طرف على الآخر. فالشرطي الأيرلندي لم يعتد العمل مع أميركي، او مع أسود والأسود لم يفهم البيئة. هذا مستهلك لآخر قطرة في هذا الفيلم مع المعركة الأخيرة بين الرجلين من ناحية والأشرار (بقيادة مارك سترونغ) من ناحية أخرى. على الرغم من إعتيادية المواقف، يقحم المخرج نفسه في إيقاع متمهّل جميل، وكان يمكن أن يكون ذا وقع أكثر لو أن القصّة كانت أعمق أو أفضل. التمثيل رائع من كلا الشخصيّتين٠



In A Better World  ***
في عالم أفضل


إخراج:  سوزان بيير
أدوار أولى:  وليام جونك جوول نيلسون، مرقص رايغارد، ميكايل برشبراند، تراين ديرهولم٠
دراما إجتماعية | دنمارك/ سويد (2010)٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review n. 264
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
درجت المخرجة بيير في أفلامها على التعاطي مع الموضوع المحلّي وتطيعمه بالتأثير الخارجي. مثلاً في «بعد الزواج»، الذي أنجزته سنة 2006 قامت بتقديم شخصية دنماركي يعيش ويعمل في مؤسسة خيرية في الهند، يعود بمثالياته الإنسانية ليشهد عرس المرأة التي أحب إلى أحد كبار الأثرياء. في «شقيقان» ذلك الذي تم إقتباسه إلى فيلم أميركي الإنتاج أخرجه جيم شريدان قبل عامين، أحد الشقيقين جندي دنماركي يختفي في افغانستان ثم يعود إلى بلاده ليجد أن زوجته واقعة في حب أخيه. هذه المرّة أحد أبطال الفيلم طبيب في أفريقيا، وحين يعود ليزور مطلّقته وإبنه تقع بضعة حوادث تضعه في مواجهة حالات من العنف يواجهها بتمسّكه بموقف سلمي يؤمن به. المشكلة التي يكتشفها هي أن إبنه الصبي قد اعتمد العنف مبدأ بدوره وأنه متورّط في حادثة جنائية.
فيلمها هذا أفضل من فيلميها المذكورين أعلاه. إنه يحمل وضعاً اجتماعياً معبّر عنه باهتمام حقيقي لما هو واقع اليوم من فجوات تحياها العائلة الواحدة، لكن مشكلة المخرجة هي أن نظرتها الى العالم الخارجي وتأثيره تبدو مقحمة ورسالتها غير جليّة. هذه المشاهد الأفريقية تبدو كما لو كانت السبب الذي من أجله بطل الفيلم لم يعد يفهم لوجوده معنى في بلده وداخل إسرته. لاحظ أن هذا الإغتراب في أفلامها الثلاثة ينتج عنه دائماً أوضاعاً كان الجميع بغنى عنها، وهذا يقول الكثير٠


The Help  **
المساعدة (الخادمة)٠


إخراج:  تايت تايلور
أدوار أولى:   ڤيولا ديڤيز، برايس دالاس هوارد، إيما ستون، سيسي سبايسك، جسيكا تشاستاين
كوميديا إجتماعية | الولايات المتحدة (2011)٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review n. 265
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في أحد المشاهد تقوم إيما تومسون، وهي تلعب دور الكاتبة التي وضعت الرواية، كاثرين ستوكيت، ولو بإسم آخر، تسأل الخادمة إبيلين (ديڤيز) عما إذا كانت حلمت يوماً ما في أن تكون أي شيء آخر غير كونها خادمة، كما كانت والدتها وكما كانت جدّتها من قبل. وبصرف النظر عن الجواب، والنظرة الحادّة التي توجهها إبيلين للكاميرا مباشرة (على أساس أنها مقابلة!) فإن المشاهِد لابد له وأن يشعر بأن الفجوة بين البيض والسود في أميركا الستينات كانت، بجانب منها، رغبة بعض البيض فهم الروح السوداء وإخفاقهم في رؤية جوهر تلك الروح المتمثّلة في الوضع الإنساني نفسه. البعض الآخر لم يكترث مطلقاً. لكن هل يمكن أن يكون هناك، في ذلك الحين او قبله او اليوم، من كان طموحه في الحياة أن يكون خادماً؟
فيلم «المساعدة» يمضي محاولاً إظهار الأمور قريباً مما كانت عليه. قريباً وليس فعلاً او تحديداً. ليس فقط أنه، مثل طارحة السؤال، لا يصل إلى جوهر الموضوع الإنساني بل يكتفي بصنع الدراما بقدر من افتعال الأحاسيس، بل يحاول أن يساوي بين تجربة الأفرو- أميركيين الصعبة تحت براثن العنصرية التي كانت تعصف بالجنوب الأميركي (تقع الأحداث في مدينة جاكسون في ولاية مسيسيبي في مطلع الستينات) وبين البيض الذين كانوا يعانون من مشاكل مساوية، مثل علاقاتهم الأسروية المتفاوتة ومشاكلهم العاطفية مع الجنس الأبيض الآخر. لكن هل يحق لأحد أن يفترض أن المعاناة هي واحدة او متساوية؟
نحن في بلدة ذات تقاليد عنصرية صارمة. هناك جريمة قتل لناشط حقوقي وفتاة أسمها سكيتر (إيما ستون) تعود إلى البلدة وقد تخرّجت من الجامعة وفي بالها البحث عن خادمة سوداء اختفت، والحديث مع خادمات أخريات حول حياتهن. هناك بذوراً ليبرالية في شخصية سكيتر وهذه البذور كافية لتجعلها محط تعجّب، ونقد، الشخصيات النسائية البيضاء الأخرى. والفيلم ينتقل من شخصية إلى أخرى، فهناك المرأة ذات الروح الجميلة التي تحاول أن تكون عادلة داخل مفهومها الخاص (جسيكا تشاستاين) والمرأة التي تعمل إبيلين عندها (برايس دالاس هوارد) التي يمكن وصفها بشريرة الفيلم كونها تعتز بلون بشرتها وترى أن الأبيض والأسود نقيضان يجب منعهما من الإختلاط٠
«المساعدة» ينتقل بين هذه الشخصيات لكنه لا يوفّرها للدراسة. السيناريو غير عميق ولا هو مؤهل لذلك، كما أن الرواية التي أثارت اللغط كون صاحبتها البيضاء كتبتها بشخصية سوداء، ليست في مستوى الأعمال الأدبية العديدة التي نضح بها التاريخ حول الموضوع العنصري نفسه. على العكس من كل ذلك، يبقى الفيلم على السطح وتبدو الحياة في الوقت ذاته خفيفة في معالجة تعتمد أن لا تجعلك ترى الحقيقة بل ما هو قريب منها، وقريب عن بعد في بعض الأحيان.
ما ينقذ الفيلم هو الأداء الجيد للممثلة (السوداء) ڤيولا ديڤيز. هي محور الفيلم والممثلة لا تكتفي بذلك، بل ونظراً لسوء ترجمة الممثلات الأخريات لشخصياتهن، الوحيدة التي تعرف كيف تُجيد٠


Crazy, Stupid, Love   *
مجنون، غبي، حب

إخراج:  غلن فيكارا، جون ركوا
أدوار أولى:   ستيف كارل، كيفن باكون، جوليان مور، رايان كوزلينغ
كوميديا | الولايات المتحدة (2011)٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review n. 266
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تطلّب هذا الفيلم مخرجان ليتساعدا على جعله من أسخف الأفلام الجديدة هذا العام. إنهما الدليل الساطع على أنه حين يكون لديك مخرجان رديئان فإن الرداءة تصبح مضاعفة. ستيف كارل، الكوميدي ذي اللمعة سابقاً، يؤدي شخصية رجل اكتشف في وقت متأخر أن زوجته (مور) تخونه مع رئيسها (باكون) بعد خمس وعشرين سنة من الزواج. على بعد مشاهد قليلة يجد أن إبنه ذي الثالثة عشر من العمر واقع في هيام المربّية  ذات السابعة عشر من العمر (هل هناك مربيّة لمن هم في مثل عمره؟) والمربية تحبّه. وتحت عبء كل ذلك، يتوجّه إلى الحانة ليضع همومه في كأس يشربه. هناك يلتقي بجاكوب (غوزلينغ) الذي يعده بأن يساعده، لكن جاكوب يعقّد الأمور وهو بحاجة لمن يساعده أيضاً. في النهاية الجميع يتعلّم شيئاً وبه يرتقون ويصبحون أشخاصاً أفضل مما كانوا عليه قبل الفيلم. 
التمثيل من الجميع (حتى من جوليان مور التي هي أفضل الممثلين وأكثرهم تجربة) وظيفي مثل باب يُفتح ويُغلق حسب الطلب. والإيقاع متمهّل. وإذا كان ذلك لا يكفي لردع القاريء عن مشاهدة هذه السقطة، ماذا لو أضفت أن لا شيء في هذه الكوميديا مضحك؟



 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011


نقد لكتاب إبراهيم العريس عن السينما اللبنانية

Year 3 / Issue 100                                                                                                                                                                                  

إبراهيم العريس في كتابه عن السينما اللبنانية
  لف ودوران يؤدّيان إلى نتائج محدودة في 400 صفحة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكتاب:  الصورة الملتبسة- السينما في لبنان: مبدعوها وأفلامها 
تأليف: إبراهيم العريس
 الناشر: دار النهضة العربية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدهشة، كلمة تتردد كثيراً في هذا الكتاب أسوة بكلمات أخرى مثل «بات يبدو» و«طبعاً لن نقول هنا» و«الحقيقة أن» وعشرات التعابير التي تتكرر ليس في الفصل الواحد، بل في الصفحة ذاتها أحياناً. لكن ما هو مدهش فعلاً كيف يستطيع ناقد ما وضع كتاب من 400 صفحة (بينها نحو 50 صفحة للصور) لا يتطلّب أكثر من 150  إلى 200 صفحة لسبر غور كل ما يتطرّق إليه٠
 إبراهيم العريس ناقد ثقافي معروف اعتاد الكتابة بغزارة وتطويل ليس لأنه لا ينجز الوصول إلى الفكرة سريعاً، بل لأنه يدور حولها أكثر من مرّة ثم يعود إليها مراراً بعد ذلك. هذا متوفّر في زاويته اليومية في جريدة «الحياة»  المسمّاة »ألف يوم وألف وجه« التي تنتقل بين أسماء وعناوين في الفن والثقافة عموماً، كما هو متوفّر في كتابه هذا ما ينتج عنه ذلك التطويل. فما يطرحه في المقدّمة يعاود طرحه في الفصل الأول، وما يطرحه في الفصل الأول ينتقل مجدداً إلى الفصل الثاني وهكذا. ودائماً بالتعابير الموحية بعدم ثقة الكاتب حين تُطلب وبثقته المعتدة بنفسها حين لا يكون لها داع. إلى ذلك، فإن هذا الإنتقال بنفس الحقائب المحمولة فوق الظهر من فصل إلى فصل يؤدي إلى تراكمات مبنية على أسئلة يطرحها. بعضها يجيب عليها سريعاً، والبعض الآخر يقصد حملها معه عوض التخلّص منها في حينه ما يفرض قراءة مبعثرة لطروحات هي في الأساس مهمّة٠

باديء ذي بدء، يعرّف الزميل نفسه على الغلاف الأخير من هذا الكتاب الضخم، بأنه باحث في التاريخ الثقافي وصحافي وناقد سينمائي وأنه درس الإخراج السينمائي في روما، ودرس السيناريو والنقد في لندن، وهذا جديد على مسامعنا كون هذا الناقد على يقين من أن الزميل لم يدرس السيناريو ولا النقد لا في لندن ولا في سواها. أما الإخراج فهو لا يستطيع أن يتأكد من أمره، لكنه يقبل ما قاله له العريس أكثر من مرّة بأنه اشتغل مع المخرج فاروق عجرمة في روما لأشهر طويلة. ربما حينها أخذ منهجاً ودرسه بالإيطالية الا إذا كانت المدرسة تؤمّن مترجماً يلقّن المادة بالفرنسية أيضاً٠
في المقدّمة يشكر بعض الزملاء بينهم محمد سويد وهوفيك حبشيان ونديم جرجورة ووليد شميط  الذين "كان لكتاباتهم، مجتمعة او متفرّقة، دور أساسي في صياغة هذا الكتاب في هذا الوقت القياسي الذي أنجز فيه".  علماً بأن الأخ وليد شميط كان أعلمني بعد أن قرأ الكتاب أن الكثير مما ورد في كتابه عن السينما اللبنانية  تم نقله هنا من دون الإشارة إلى المصدر. رغم ذلك، لا يتوانى العريس عن اتهام مبطّن لمحمد سويد، الذي وضع كتاباً آخر عن السينما اللبنانية، بالنهل من كتاب وليد شميط. ولا يفت القاريء أن العريس ينأى بنفسه عن ضرورة ذكر المصادر مجتمعة في نهاية الكتاب، رغم أنه يورد بعض النصوص (مقابلات وآراء) ويرجعها إلى بعض الكتّاب أمثال فريد جبر وفيكي حبيب، زميلته في صحيفة «الحياة»٠
لكن ماذا أخذ الباحث من كتب سواه وما لم يأخذه يصبح أمراً ثانوياً علماً بأن الصياغة لا يمكن الا أن تكون له.  تلك الصياغة التي تريد أن تضع الأمور في نصاب مفترض بناءاً على بعض المعطيات التي قد يجوز معها صحّة إفتراض ما لكن يجوز بالطبع عدمه. في كثير من شأنه يبحر الكتاب موضوعه مبنياً على  قدر لا يستهان به من الإفتراضات. يؤسس ثم لا يجد الدعم الموثق لكن ذلك لا يمنعه من الإستنتاج والمضي قُدماً٠
خلال ذلك قدر كبير من التناقض: في الصفحة 44 يقرر أن استخدام اللهجة البدوية «كوكب أميرة الصحراء«  كان صحيحاً بعدما سبق له أن ذكر أنه كان خطأ في صفحة سابقة٠
وقبلها بصفحة يقول «وهي حكاية لن نكررها هنا« لكنه يمضي فيكررها كاملة على أي حال. ويستخدم في طي أسلوبه تعبيرات لم أقرأها في مكان آخر مثل »ربما بالتحديد» فلا تدري إذا ما كانت المسألة تحتمل الشك او أنها محددة خالصة. وفي مطارح مختلفة يتساءل عما كانت عليه لغة فيلم "جورج نصر الروائي الثالث أشورية او سيريانية، لكنه ما أن يصل للحديث مرّة أخرى عنه في الصفحات 56 وما بعد، حتى يؤكد أنها "أشورية"٠
ويقرر أن المخرج سيف الدين شوكت لم يكن يتحدّث العربية، لكن هذا الناقد نشر له مقابلة في مجلة »بيروت المساء« في مطلع السبعينات جرت بالعربية٠
خلال ذلك أيضاً، هناك مغالطات تتضمّن تضخيماً للذات كما الحال في التعريف المذكور على الغلاف. هل قرأ وعاين وحلل ابراهيم العريس السيناريوهات في الخمسينات وهو من مواليد  النصف الثاني من الأربعينات؟ 
كان لابد من وضع كل هذه السلبيات في المقدّمة عمداً إلى تجاوزها، قدر المستطاع، كونها تؤثر على نصاعة النص وتقلل من أهمية  العمل ككل علماً بأن المسألة، في جانب كبير منها، مسألة منهج تفكير. ما يكتبه الزميل (عموماً وهنا تحديداً) يقوم على تداعيات تشتغل في مداراته انطلاقاً من قناعات محددة. هذه القناعات تُصيب وتخطيء ولو أن الكاتب لا يعتريه الشك في صحّة ما هو خطأ. وهي تمتزج بأسلوب عرض قائم على طرح نظريات وضحدها او البحث فيها لكن مع الرغبة في حمايتها كونها آراءاً حملها إلى القاريء بنفسه ما يعني، في معظم الأحوال، أنها صحيحة كونه هو حاملها.  فابراهيم العريس نوع من النقاد الذين كان منتشراً في الستينيات والسبعينات يؤمن بأن الفن للفن خطأ جسيم وأن العمل المهم في السينما هو ذلك الذي يمكن تحليله من خلال أبعاده السياسية وطروحاته الفكرية- وإن لم يكن له تلك الطروحات، فلا بأس من تحميله إياها٠
ما يختلف العريس به عن سواه الذين كانوا، او الذين لا يزالون يؤمنون بأن السينما هي سياسية وفكرية أوّلاً وقبل كل شيء، هو أنه أكثر دراية وسعة في التناول من معظم النقاد الآخرين- من ناحية  وأنه يعي المسألة الفنية ولو أنه قلّما يبحث فيها، وهو حين يفعل يطرحها على طريقة »لو أن الكاميرا اقتربت من عينا تلك الشخصية لطالعنا...» وهو طرح افتراضي آخر، ويبقى على السطح غير مبال (وهذا غريب بالنسبة لمن درس الإخراج والسيناريو والنقد) في تحليل الصورة  فنياً وتقنياً. لكن العريس ليس سطحياً حتى وإن لم يؤم، إلا نادراً، ألفبيّات الفيلم الواحد، بل يجد في عمله على السطح الكثير مما يقوله او يريد أن يقوله على نحو أو آخر٠

موضوع الكتاب شاسع وثري: نظرة شاملة وأكثر من وافية على السينما اللبنانية في مراحلها المختلفة وعن ذكاء ابتعد عن تقسيم فصوله تحت مسميّات مرحلية (الثلاثينات، الستينات الخ...) علماً بأنه يتّبع في عرضه تلك المراحل فعلاً. ويُصيب الزميل حين يذكّر كيف أن ذلك الكتاب الذي وضعه غي هنيبل ذات مرّة حول نشأة السينمات في العالم العربي، لم يذكر شيئاً عن والده المخرج الراحل علي العريس. ليست هفوة بل خطأ جسيم في كتاب يريد أن يؤرخ. الكاتبة لوسيان خوري التي تصدّت لتأريخ النشأة السينمائية في لبنان في ذلك الكتاب الصادر في الستينات، لم يكن لديها ريب أن الإيطاليين جوردانو بيدوتي وجوليو دي لوكا هما اللذان أسسا السينما اللبنانية لكن عبر فيلم لكل منهما (وليس فيلمان لبيدوتي)، قبل أن تنتقل مباشرة إلى الخمسينات من دون ذكر الإسهام الكبير لعلي العريس. هذا الخطأ قد يكون جهلاً، لكن هذا لا يقل بشاعة عن الإحتمال الآخر وهو أنه مقصود، كون رغبة بعض أبناء ذلك الجيل من مسيحيي لبنان الإنصهار كلّياً في الثقافة الأوروبية وإظهار لبنان على أنه تابع لتلك الثقافة وحيُّ بسببها ما يُحتمل معه أن شكّل رادعاً حال دون ذكر الحقيقة لأنها ستشوّه الأيديولوجيا المذكورة٠
لكن ابراهيم العريس يأخذ عدّة صفحات من الحديث حول هذا الموضوع في المقدّمة ثم صفحات أكثر للعودة إليه في الفصل الأول الذي يحيط بمرحلة الولادة. ويا ليت استطاع البحث أكثر في تلك الأفلام الثلاث الأولى، وهي »مغامرات إلياس مبروك» و«مغامرات أبو العبد» (1929 و1931 على التوالي) لجوردانو بيدوتي و»بين هياكل بعلبك» لجوليو دي لوكا (1934 وفي مصادر أخرى 1936) لاكتشف أن دي لوكا صوّر «بين هياكل بعلبك» ولم يخرجه بل أخرجه الكاتب اللبناني كريم بستاني. فحسب مراجع ايطالية، لم يحقق جوليو دي لوكا أفلاماً كمخرج بل اكتفى بكونه مدير تصوير (او مصوّر كما كان الحال في تلك الأزمنة). وفي أحد تلك المراجع ذكر على اشتراك واحد بإسم جوليو دي لوكّي (وليس دي لوكا)   بإخراج «بين هياكل بعلبك» ما يُثير سؤالاً حول صحّة أن نعتبر دي لوكّي او دي لوكّا (والمرجع يعتبرهما إثنان وليس واحداً) مخرج هذا الفيلم ونتوقّف عند ذلك. لكن إذا ما كان صحيحاً أن كريم بستاني أخرج الفيلم، منفرداً او مشاركة،  فإن هذا يجعل علي العريس ثاني مخرج لبناني وليس الأول، في حين بنى إبراهيم العريس بحثه في المرحلة الأولى كلّها على أن والده هو أول مخرج لبناني٠
يُحسب للكتاب أنه تحدّث عن فيلم مجهول عنوانه »جميلة تحت الأرز« (وليس "جميلة تحت ظلال الأرز») وهو فيلم يبدو أنه كان وحيد مخرجه شارل ديبيني (1939) على اعتباره فيلماً يود الباحث نسبه إلى السينما اللبنانية. الفيلم طُرح على أسطوانات منذ سنوات قليلة وكان حريّاً بالباحث أن يطلبه ليشاهده ويقدّمه لأن ما يذكره من أسباب تجعل الفيلم لبنانياً غير موثّق: هل صُوّر الفيلم فعلاً في لبنان؟ هل مجرّد قيام إنتاج أجنبي بتمويل فيلم يصوّر في بلد ما يجعل الفيلم منتمياً إلى ذلك البلد؟ إذا صحّ ذلك على هذا الفيلم فإنه سيجعل من  أي فيلم فرنسي من إنجاز شركات لوميير وباتيه وغومون التي تم تصويرها من الصين إلى مصر ومن روسيا القيصرية إلى جنوب أفريقيا أفلاماً غير فرنسية. الكاتب يعتبر أنه إذا ما اعتبرنا أفلام بيدوتي ودي لوكا لبنانيان فإنه من باب أولى اعتبار هذا الفيلم لبنانياً كونه يتعامل مع موضوع لبناني (حب تحت ظلال الطائفية عن رواية لهنري بوردو) وكونه صوّر في لبنان. لكن المسألة التي تقرر هوية الفيلم حتى في باقي حساباته هي هوية التمويل، بما في ذلك الأفلام التي حققها مصريون في لبنان والتي كانت لبنانية التمويل او لبنانية/ سورية التمويل٠
هذه الاسئلة هي أهم من كثير من تلك التي يطرحها الكتاب على نفسه. اذا ما تغاضينا عن اسئلة من
نوع "ولكن ما هو «بين هياكل بعلبك»" الذي لا داعي له لأن الجواب ليس اكتشافاً بل منقولاً عن مراجع أخرى، فإن بعض الاسئلة الواردة ليست في الحقيقة مطروحة كما يذكر الكاتب، وهي لا تستدعي الطرح في الصياغة الواردة بها، مثلاً في الصفحة 39 يقول: "إن السؤال الذي كثيراً ما حيّر نقّاد السينما- والحركة الفنية في لبنان في شكل عام- ومؤرخيها هو: إذا كان منطقياً للمسلم البيروتي رشيد علي شعبان، الواقف سنوات وسنوات بجرسه على أبواب الصالات داعياً الناس لمشاهدة الأفلام، أن يحلم ذات يوم بأن يمثل في فيلم حقيقي هو الآخر، ما الذي-حقاً- قاد البيروتي المسلم الآخر على العريس، الآتي من عائلة محافظة من سكان منطقة عائشة بكار التي كانت واحدة من أكثر مناطق بيروت انغلاقاً على التقاليد الرافضة- في ذلك الحين- لشتّى أنواع الفنون، إلى السينما؟"٠
إنه سؤال طويل (وهو لا ينتهي عند هذا الحد بل يمتد ليشمل اسئلة أخرى) لكن مشكلته هي عدم وجود داع له، لأنه لا تناقض مذكور في طيّه بين دخول رشيد علي شعبان السينما ودخول ابراهيم العريس إليها؟ كان يمكن- لو اعتمد الكاتب لغة خالية من التضخيم، أن يطرح السؤال مباشرة: "ما الذي دفع علي العريس، الآتي من منطقة محافظة (هي منطقتي أيضاً) لدخول السينما؟". هذا التضخيم ناتج عن الرغبة في البحث عن محاور حتى حين لا يوجد لها ضرورة. لا ننسى أن هذا السؤال كما طرحه العريس- الإبن لم يُطرح على هذا النحو مطلقاً من قبل. لم يشغل بال المثقّفين والفنانين ولا حيّر النقاد او المؤرخين كونه يخلو من القضية٠
يتحسّن وضع الكتابة في هذا الفيلم من الصفحة 141 وصاعداً من دون أن تزول تلك المنغصات القائمة على  ما سبق ذكره من سلبيات. ما يحسّن الوضع تخلّص الكاتب من هم البحث التاريخي والسياسي للحقبتين السابقتين ودخوله في حقبة قريبة لا تحتمل التأويلات الا بحدود.  وهو هم وضعه في مواجهة إصراره على فتح ملفّات بعضها فارغ قام بملئها بنفسه٠
الكتاب يتوقّف طويلاً عند مرحلة مهمّة هي الأفلام التي قام بإخراجها سينمائيون مصريون في لبنان تبعاً للظرف السياسي حينما طبّقت مصر قوانينها الإشتراكية، وهو صائب تماماً في هذه الوقفة ولديه ما يعرضه من معلومات، مستقاة او مؤلّفة، خصوصاً وأنها متزامنة تقريباً مع انطلاقة الفيلم اللبناني ، المسيحي (كما يؤكد الكاتب) وكل ما حمله ذلك من أسباب ونتائج٠
لكن في كل ما قرأت لم أجد أسباباً للعنوان »الصورة الملتبسة» خصوصاً وأن آخرين ذهبوا أحياناً إلى ما ذهب إليه ابراهيم العريس (هناك دراسة قصيرة لجورج الراسي تحتوي على معلومات أكثر). لعله عنوان لافت لكنه يفترض أن في تاريخ السينما غموضاً وأن إزالة هذا الغموض سيتم بين دفّتي الكتاب الكبير ذي الأربعمئة صفحة٠
   
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011