Ossessione/ Obssesion فيلم لوكيانو ڤيسكونتي- ميسر المسكي



 هاجس | Osessione                                

إخراج:  لوكيانو ڤيسكونتي
  دراما عاطفية | الولايات المتحدة (1943)  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  ميسّـر المسكي  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 إحدى روائع المخرج ڤيسكونتي الكلاسيكية
هي أيضاً نتاج فنان تعلّـم نقد الفاشية باكراً
 ★★★★★  
|*|   1943 

الحلفاء في صقلية و يتهيأون للنزول على "الجزمة" الإيطالية. النظام الفاشي في روما يترنح، لكن لا زال الرقيب على الإنتاج الفني قادر على المنع والتضييق على الإبداع. لوكينو ڤيسكونتي يحصل على فرصته الأولى لإخراج فيلم سينمائي. ڤيسكونتي، الآتي من نتاج التزاوج بين الأرستقراطية النبيلة التي تعود في جذورها إلى القرن الثاني عشر (عائلة الأب) و البورجوازية المتخمة الثراء (عائلةالأم)، ڤيسكونتي الشاب هذا كان يُـغازل الفاشية في ريعانه، لكنه حين يقصد فرنسا في ثلاثينيات القرن الماضي ليعمل مُـساعداً للفرنسي العظيم جان رينوار، يختلط مع محيط رينوار المُثقف والزاخر بالشيوعيين. يعود ڤيسكونتي إلى روما شيوعياً لا يلبث أن يُكنّى بالـ "كونت الأحمر". رينوار كان أعطاه ترجمة فرنسية لكتاب القاص الأميركي جيمس م. كين بعنوان "ساعي البريد يقرع دائماً مرتين."
يكتب ڤيسكونتي سيناريو (يساعده عليه ثلاثة من واقعيي السينما الإيطالية اللاحقة: دي سانتيس، أليكاتا وبوتشيني). يوافق الرقيب الفاشي على مضض مُـفترضاً أن الفيلم بأجوائه الكئيبة هو عن مثلث الحب: زوج، زوجة وعشيق....وجريمة قتل [تابع هنا]>

Vinyl فيلم مارتن سكورسيزي الجديد



--------------------------------------------------------------------------------------------

 ڤينيل | Vinyl                                                  

إخراج: مارتن سكورسيزي 
  موسيقا/ نيويورك/ السبعينات | الولايات المتحدة (2016)  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  محمد رُضــا  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يعود سكورسيزي إلى عوالم ثلاث: الموسيقا
والعصابات والشخصيات المذنبة التي قد نحب
 ★★★★★  

|*|  يستحق فيلم مارتن سكورسيزي الأخير «فينيل» (وهي مادة تُـستخدم، فيما تستخدم، لصنع الأسطوانات الموسيقية) أكثر من الإيجاز الذي ورد هنا قبل بضعة أسابيع، خصوصاً وأن هذا هو جهده التلفزيوني (حققه لصالح محطة HBO المشفّـرة وشوهد الفيلم بإذن خاص من الشركة) الجديد الذي سيبقى متوارياً عن العيان بالنسبة للغالبية حتى أولئك المعجبين بفنه [تابع هنا…]>

زنزانة لماجد الأنصاري


--------------------------------------------------------------------------------------------


 زنزانة  

إخراج:  ماجد الأنصاري
  تشويق/ أحداث في مكان واحد  | الإمارات العربية المتحدة (2016)  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  محمد رُضــا  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نجاح كبير بإنتظار هذا الفيلم الأول لمخرجه
ماجد الأنصاري.  إستحقاقه مسألة أخرى
 ★★1/2★★  

|*|  «زنزانة» هو فيلم تشويقي مع حافة تلتقي وسينما الرعب.  قوامه حكاية رجل أسمه طلال (صالح بكري) يجد نفسه في زنزانة في قسم للبوليس. كان أحد طرفي مشادة وقعت بينه وبين زوج مطلقته (الجيد علي الجابري) فقيد إلى السجن كونه كان مخموراً. هويته التي سقطت منه في مكان الحادث تتسبب في تأخير إطلاق سراحه. الملازم المناوب يرسل طالباً البحث عن الهوية لكن قبل وصولها يدخل عليه ضابط آخر (يؤديه الفلسطيني علي سليمان) يوهمه بأنه مكلّـف بالتواجد في هذا القسم النائي ثم يستل نصلاً ويذبح الضابط الأول أمام عيني السجين. يجر الضحية إلى غرفة الحمام ويغلق الباب. هناك شرطية بدينة (الممثلة ياسا) التي تأتي من خارج المكان ولا ترتاب لحظة حيال هذا القاتل الذي جاء تفيذاً لخطّـة تسبق وصول قاتل لإطلاق سراحه [للمتابعة: كليك Read more]>

Deadpool



--------------------------------------------------------------------------------------------

 هذا السوبر هيرو يحتاج إلى قيم أعلى

 Deadpool    

إخراج:  تيم ميلر
  كوميكس/ أكشن   | الولايات المتحدة (2016)  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  محمد رُضــا  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سوبرهيرو جديد موجه لمن يرضى بالقليل
 ★★★★★  

|*|   على سياق «وراء كل رجل عظيم إمرأة» (أو ألف عذر آخر) فإن وراء كل شخصية من شخصيات «السوبر هيروز»، من
الكابتن مارڤل إلى سوبرمان ومن باتمان إلى كابتن أميركا، مروراً بشخصيات الكوميكس الأخرى كلها تقريباً، علّـة نفسية وأخرى جسدية دفعته إلى البطولة.
في الواقع تسببت هذه العلّـة في جعله خصم نفسه ومحيطه. صنعت منه بطلاً هو- في التحليل الإجتماعي الأخير لها- مزيّـفاً وغير قادر على التواصل مع الناس بالإعتماد على حلول فعلية والبحث عن دور حقيقي مفيد. البديل هو الإنقلاب إلى رجل سلطوي يتمتع بقوّة هائلة لكي يحقق بالقوّة ما عجز عنه عندما كان مجرد شخص عادي. خلال ذلك فإن هذا الصدام بين ما كان وبين ما أصبح عليه يكشف عن نتوء نفسي لا يكترث له معظمنا على أساس أن الناتج هو متعة سينمائية ترفيهية خيالية مليئة بالأكشن والتشويق والمرح… [للمتابعة: كليك Read More]>

Gods of Egypt • فيلم أليكس بروياس


--------------------------------------------------------------------------------------------

 آلهات مصر | Gods of Egypt                                                  

إخراج: أليكس بروياس
  تاريخ/ أكشن | الولايات المتحدة (2016)  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  محمد رُضــا  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  عن مصر القديمة وهي غير موجودة. مسلٍ
لكن كذلك متابعة قطّـة تلعب بكوكب صوف
 ★★★★★  

|*|  بعد أن قدّم في Dark City قبل 18 سنة أوراق اعتماد ناجحة، تراجع أليكس بروياس قليلاً عندما أخرج فيلماه «أيام الكاراج» Garage Days (سنة 2002) وI, Robot (سنة 2004) ثم تقدّم قليلاً في Knowing (في العام 2009) والآنقفزة إلى المجهول: فيلم هو الأغلى بين ميزانيات أفلامه والأقل إيراداً منها. هذا من الناحية التجارية (المهمّـة كونها تفرض على الفيلم شروطاً فنية). أما من الناحية الفنية فالحركة هذه المرّة إلى الوراء: كل تلك المؤثرات الصاخبة التي تبدأ مع الفيلم وتنتهي به تنهش من لحم الممثلين وتحوّلهم إلى بائعين جوّالين وراء عرباتهم. هناك ما يبهر لكنه ليس تمثيلهم، بل تلك الأزرار التي يشتغل فنيو المؤثرات عليها لخلق الوهم غير الجميل هذه الأيام…. [كليك على Read More]...

لأندريه تيشينيه: أمّـة تاهت على طريق هزيمتها Les Égrés

"التائهون"  |  Les Égrés 
★★★★

إخراج:  أندريه تيشينيه 
فرنسا (2003) 
دراما إجتماعية (الإحتلال الألماني)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ميسر المسكي


صيف عام 1943 . الدفاعات الفرنسية والتي من المُفترَض أنها مُحكَمَة، تنهار سريعاً أمام المُناورات المُباغتة والعصرية لطوابير المدرعات الألمانية. الحكومة الفرنسية تَفرّ من باريس جنوباً نحو مدينة بوردو. الفرنسيون في حالة من الذهول والصدمة.  حالة من الضياع الكامل دفعت بعشرات الآلاف إلى تكويم ما يستطيعوا نقله فوق عرباتهم وسياراتهم و الإتجاه جنوباً وبعيداً عن تقدم الجيوش الألمانية. الكثيرون لم يكن لديهم وجهة مُحددة. هذيان فزع جمعي، غريزي يُحرك الناس دون هدف ودون بوصلة.

يسرد حكاية كاتب ممنوع ومرحلة هوليوودية خطرة Trumbo


 شبح المكارثية لا يزول

 محمد رُضا

Trumbo / ترامبو
★★★✩✩
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج:  جاي روتش |  Jay Roach
سيرة (الحقبة المكارثية، هوليوود) | الولايات المتحدة- 2015

هناك وجهتا نظر في الحملة المكارثية التي انطلقت في الأربعينات واستمرت لمعظم سنوات العقد التالي. الأولى تقول أن الولايات المتحدة كانت تدافع عن نفسها بالفعل حيال ارتفاع عدد المنضمين إلى الحزب الشيوعي الأميركي لنحو 75 ألف عضو وسيطرة اليسار على نقابات واتحادات العمّـال في الولايات المتحدة، كما انتشاره في الأوساط الثقافية والفنية (المسرحية في نيويورك والسينمائية في هوليوود) ما شكّـل خطراً على النظام الأميركي نفسه.

الثانية تقول أن الخوف لم يكن مبرراً والمواجهة لم تكن ضد الشيوعيين فقط، بل ضد المثقفين عموماً والليبراليين واليساريين على نحو شامل. بعض أصحاب هذا الرأي يضم اليهود

جيش الظلال L'Armée des Ombres • العدد 234 | السنة 9



_________________________________________________________________
  كنوز السينما  

L'Armée des Ombres
جيش الظلال
★★★★
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نقد: ميسر المسكي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج:  جان- بيير ملڤيل  Jean-Pierre Melville
تشويق سياسي | فرنسا - 1969


|*|  منذ أن أقتَرَحَ الصديق محمد رُضا أن اُشارك في مقال أسبوعي على صفحات هذه المجلة، وأنا أحاول، بين وقت وآخر أن أعثر على فيلم لم ينل حقه من التقدير، على مسار الإنتاج السينمائي الممتد لأكثر من مئة عام، لإعادة تقديمه أو التذكير به وبصانعيه. 
عديدة هي الأفلام التي أعَـرَضَ عنها الجمهور حين ظهرت على الشاشة، لكنها ومع الوقت ومع تكرار عرضها على شاشة التلفزيون وفي نوادي السينما، كوّنَت لنفسها حيزاً من الوجود اللافت والذي تستحقه. ونحن نكاد نتفق بالكامل على حقيقة أنه لوكتب كل نقاد الأرض ضدّ فيلم أحتشد له الجمهور فهم لن يستطيعوا التأثير على إيراداته في شباك التذاكر، ولن يثنوا المشاهدين عن إستعادة الحضور مرتين وثلاث. الأمثلة عن هذه الأفلام عديدة لكنها ليست قضيتنا هنا. 
نريد التحدث هنا عن تلك الأفلام الجيدة التي ظلمها النقد وليس الجمهور. أفلام ظهرت في زمن أو ظرف معين فأشهرَ النقاد أقلامهم وكتاباتهم في وجهها ليجرّحوها وينالوا من صانعيها. هم غالباً لم يهاجموا صنعة الفيلم لإنه لا يمكن نكران ما هو جليّ على الشاشة. لكنهم هاجموها فكرياً أو إيديولوجياً. وذلك حدث في الشرق كما حصل في الغرب. فما أُسمّـيه "ديكتاتورية النقد" لم يكن حكراً على مجتعات الأنظمة الشمولية بل كان له نفوذه الثقافي في المجتمعات التي وصفت نفسها يوماً بالـ "حُرّة".

اليوم لا يمكن القول أن تحفة جان-بيير ملفيل "جيش الظلال" لم ينل حقه. لكن السؤال بعد كم من السنين؟ ثلاثون عاماً؟ أربعون؟ حين إحتفت صفحات النقد بعمل ملفيل هذا، كان الرجل قد مات ودُفن قبل عقود. لم يسمع بنجاح فيلمه، لم يسعد بلذة النجاح في تحقيق عمل كان يستحق التصفيق من المرّة الأولى. 
كُنتُ شاباً حين شاهدت الفيلم للمرة الأولى في بداية سبعينيات القرن الماضي. أحببته وأدهشتني مناخاته. لكن بإستثناء بعض المطبوعات المحدودة التي كانت تُوزع في النادي السينمائي في دمشق لم أقرأ أن أحداً إحتفى بالفيلم. وزادت دهشتي لاحقاً حين قرأت أن نقاد باريس شرّعوا رايات العداء لفيلم إتهموه بالرجعية (ليس بمفهومنا العربي اليساري الأعرج) وتملق نظام المؤسسات الذي كان يترنح حينها.

ربيع عام 1968 إنتفضَ طلاب باريس (ومن ثمّ العالم) ضد مفاهيم المجتمع وسلطاته بكل أشكالها المؤسساتية: رئيس جمهورية، حكومة، بوليس، كنيسة، مدرسة....ومنظومة القيم والمفاهيم التي كانت تتحكم بالمجتمع الفرنسي. نزلوا الشارع، إقتلعوا طوب الأرصفة ورشقوا به عناصر الشرطة التي بادلتهم بالغاز والهراوات. أهتزَ النظام الفرنسي أمام شباب كانوا (ضمن أشياء كثيرة) يحاولون تقصير القامة التاريخية المهيبة للرئيس الرمز الجنرال شارل دوغول الفارع الطول.
عام 1969 كانت الأزمة لا تزال تتفاعل في الشارع كما في أروقة الحكم والسلطة حين أنجَزَ جان بيير-ملفيل فيلمه "جيش الظلال" عن فترة الاحتلال الألماني لفرنسا في الحرب العالمية الثانية والمقاومة الفرنسية السرّية. في الفيلم مشهد واحد وحيد نرى فيه شخصية تُمثل الجنرال دوغول وهو يُقلّـد أحد المقاومة وسام البطولة. قامت قيامة نقاد مجلّة "دفاتر السينما" الشباب ولم تقعد. هاجموا الفيلم بقسوة لاذعة على أنه إصطفاف إلى جانب الرئيس والسلطة التي نزلوا الشارع ليزيحوها ويزيحوه. هَشّموا الفيلم بلا رحمة. وبين من كان يكتب أسماء شابة بارزة لعبت دوراً بارزاً في الموجة الفرنسية الجديدة التي أكتسبت زخمها من إنتفاضة الطلاب. "دكتاتورية النقد" الشاب قمعت فيلم ملفيل الجميل. أهانته. هَمّشتهُ بعد أن هَشّمتهُ. لم يعد للفيلم وجود في قوائم أفضل أفلام العام ولا في تلك التي تلته. لم يحظ الفيلم بتوزيع في الولايات المُتحدة الأميركية مثلاً إلا بعد أربعين عاماً من إنتاجه. وحينها إنفجرت صفحات النقد تُرحّب بتحفة "منسية". فجأة الفيلم على لوائح أهم نقاد السينما في أميركا كأفضل فيلم لذلك العام. وكان ذلك في العام 2006. وللتذكير فقط، توفي المُخرج جان بيير-ملفيل عام 1973.

بعد ثلاث وثلاثون عاماً من رحيله، وجدَ ملفيل من يعيد إعتباره بعد أن كان ضحية ديكتاتورية نقد سينمائي جامح، مُندفع، مُسيّس. وربما يفيد هنا أن نُذكّر أن بعض أولئك النقاد الشباب (فرانسوا تروفو مثلاً) أسَهَبَ وفَصّلَ وشَرَحَ وفَسّرَ كل لقطة وحركة كاميرا أنجزها "ألفريد هيتشكوك" الذي أفتخرَ نقاد "دفاتر السينما" أنهم أكتشفوه من جديد و أعادوا إعتباره...على حياته. من حظ "هيتشكوك" أنه لم يكن للجنرال دوغول أي دور أو لقطة في أفلامه!

الفيلم

تفتح الكاميرا في المشهد على لقطة، من زاوية مُـنخفضة، لقوس النصر في باريس. زاوية الكاميرا تجعل القوس مُسيطراً بطغيان شديد على المشهد بحيث يبدو طابور العرض للقوات الألمانية، التي تدخل من يسار الكادر، تافهاً أمام سطوة قوس النصر الفرنسي، وكأن ملفيل يوحي بحتمية النصر القادم رغم واقع الاحتلال الحالي.
من هنا يذهب ملفيل لينجز فيلماً لا أراه عن المقاومة الفرنسية فقط، بل هو في الأساس، برأيي، عن حالة الشرط البشري حين يُوضع الإنسان أمام تجربة شديدة القسوة في مناخ تتكون عناصره من السرّية، الخوف، القلق، الموت المتربص عند المُنعطف، الخيانة، الوشاية، عدم الثقة....
نظرة ملفيل إلى المقاومة الفرنسية ليست رؤوفة ولا مُناصرة: "البريطانيون لا يثقوا بالمقاومة الفرنسية السرّية، لذلك لن يسلحوكم. ربما يساعدونكم في تحسن الإتصال والمراقبة." يقول ضابط الإتصال البريطاني لقائد المقاومة السرّية الذي يزور لندن للحصول على الدعم. 
أصلاً قضية المقاومة وسنوات الاحتلال الألماني الأربع لا تزال قضية شائكة وموجعة إلى اليوم رغم محاولات حثيثة بُذلت في السابق لـ "تلميع" ونفخ دور المقاومة لما هو أكبر من حجمها الحقيقي للمواراة على حقيقة أن جزء غير قليل من المجتمع الفرنسي لم يكن مُعارضاً، بل ومتعاوناً، مع الألمان.
لكن إذا تركنا التاريخ والسياسة على حدة، فأن "جيش الظلال" يُطلّ على شخصياته من فردانيتها وليس على أنها جزء من جسم واسع مقاوم، كما درجت عليه العادة في السينما الروسية واليوغسلافية حين تناولتا قضية المقاومة في بلديهما.
شخصيات ملفيل المُقاومة ليست أساطير ولا رجال أكبر من الحياة ولا أبواق لكليشيهات فارغة عن الوطن والبطولة. هم أشخاص يخافون ويتألمون ويندمون ويخونون ويقتلون ببرودة لا إنسانية (مشهد إعدام الشاب في الشقة يحمل في طياته قسوة لا تُطاق رغم هدوء وبطء إيقاعه ودون قطرة دم واحدة) 
مقاومو ملفيل يدفعهم حسّ وطني أكيد (وإلا لأنتفى مُبرر المقاومة) لكنهم لا يتقمصون دورهم كرموز بحيث تذهب البروباغندا السياسية والأيديولوجية فيما بعد إلى إستثمارهم كتماثيل مُقدسّة خارج المسائلة والإستفسار.....والحقيقةّ!
ماتيلدا مثلاً (تلعبها سيمون سينوريه بمقدرة عالية ليست غريبة عنها) أمرأة صلبة، قاسية، ذات مراس لا ينكسر. تقوم بدورها المُقاوم بتفاني وكفاءة ينحني لها زملاؤها الرجال. لكن حين يلقي الألمان القبض عليها ويضعوها أمام خيار قاسي دون تعذيب ودون إذلال فإن خيارها يُصبح إنسانياً، ضعيفاً ولو حَملَ في نتائجه كارثة على زملاؤها المقاومين.


يُغلّف ملفيل فيلمه بمناخ من القنوط. فنادراً ما نرى الشمس تسطع، ويسود الألوان طيف من الرمادي الأزرق الذي يُضفي برودة وحيادية تُمعن في تحديد فردية الشخصيات. كما أن العديد من مشاهد الفيلم يحصرها ملفيل في فراغات داخلية ضيقة ليزيد من شحنة الضيق والخوف الذي يحيط بشخصياته التي لا تجد مجالاً رحباً للمناورة أو الإنفكاك من قدرها المحكوم بالخوف والموت.
التشويق عند جان-بيير ملفيل ليس أمطار من الرصاص ومطاردات وموسيقى رخيصة تصرخ فجأة في لحظة لتثير فزع المشاهدين. ملفيل يقدّم في "جيش الظلال" درساً في بناء التشويق المُضمَر في بنية المشهد. هنا التشويق لا يأتي من ما تقوم به الشخصيات بل مما لا تقوم به. سلبية الحدث يستغلها ملفيل ببراعة للوصول إلى تأثير إيجابي عالي التشويق. مثلاً في مشهد: فيليب (لينو فنتورا ممتاز) مُـعتقل لدى الألمان. يجلس في غرفة مع شخص آخر لا يعرفه بإنتظار التحقيق. جندي واحد يحرس الباب. يتبادل الرجلان النظرات. صمت. الكاميرا تدور وتقترب من الُعتقلين الإثنين. صمت. الرجلان ممنوعان من الكلام. مرّة ثانية يتبادلان نظرات ذات مغزى لكنها أيضاً تحمل الشك بالآخر. صمت. شيء ما يدور في عقل كل منهما. صمت. يترك ملفيل لخيالنا وتوقعاتنا أن تركض مجنونة لتملأ هذا الصمت بصخب التوقع مما يدور في عقلهما في لحظة كثيفة الخوف، هل هما على موجة واحدة، وماذا سيفعلان وما هي حظوظهما في الخلاص؟ الكاميرا تدور ببطء مرّة جديدة لتنقل حوار العيون القلقة والمرعوبة من إحتمالات اللآتي بعد لحظات. صمت. ثمّ.... لن أكمل المشهد فعليك أن تشاهده لتعرف نهايته وقيمة تركيب التوتر الداخلي الذي يصنعه ملفيل ببراعة كما قلت.

اليوم، كل المُشاركين في الفيلم رحلوا وكذلك أولئك النقاد الذين أخضعوه لديكتاتورية أقلامهم.فقط بقي الفيلم. بقي وثيقة على مقدرة مُخرج يحصد التحية والتقدير والمجد بعد ثلاثين سنة على وفاته. 
اليوم، يقولون أنه وبأسلوبه كان سباقاً في تحضير المناخ لقدوم "الموجة الجديدة". هي ذات الموجة التي عـَلَت وتعالت وغمرته بالنسيان، لكن إلى حين. إذا كان من الممكن التبسيط السنوات ووصف الثلاث والثلاثين سنة بإنها "إلى حين"!





Star Wars: The Force Awakens

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أفلام 2016 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Star Wars: The Force Awakens 
«ستار وورز»: القوّة تستيقظ                  

إخراج: ج ج أبرامز  J. J. Abrams
خيال علمي | الولايات المتحدة- 2014- 2015
★★✩✩✩

|*|  خلاصة أحداث هذا الفيلم السابع من المسلسل الأشهر هي أن هناك "جيداي" واحد ما زال حيّـاً وإمبراطورية الشر سوف لن ترتاح، كما تعلمنا المقدّمة المنفّـذة بأسلوب أفلام الأربعينات، إلا حين القضاء عليه. للمهمّـة ينبري القائد الشرس كايلو رن (أدام درايفر) بلباسه الأسود المستعار من شخصية دارث فادور في الأفلام الأولى. معه في المهمّـة الجنرال هاكس (دومنول غليسون) وبينهما عداوة خفية يعرفها القائد (السوبريم كما يصفه الفيلم) سنوك (أندي سركيس) الذي لا يخفى عليه شيء مما يدور داخل صومعته أو خارجها أو في ذلك الفضاء الشاسع.
الصراع الأول يدور حول خريطة تبيّـن موقع الجيداي الناجي والأخير من أتباع قومه سكايووكر (مارك هامِـل) هرب بها المقاوم بو (أوسكار أيزاك) وأودعها الروبوت BB-8 قبل أن يُـلقى القبض عليه. لكن بو يهرب بمساعدة منشق عن الأشرار أسمه فِـن (الجديد جون بوييغا). تدخل الصورة المحاربة راي (ديزي ريدلي) التي تعيش وحيدة (نشأت يتيمة) وتعمل في الخردة فوق كوكب صحراوي قبل أن تجد الروبوت وتنقذه من تجار الخردة الآخرين. تتعدد الأحداث بعدما تم إرساء هذه التمهيدات ويعود هان صولو (هاريسون فورد) والغوريللا شيوباكا (بيتر ماهيو) ليلتقيا بالأميرة ليا أورغانا (كاري فيشر) التي تكشف له أن الشرير كايلو ليس سوى إبنهما. المواجهة الكبرى، تبعاً لكل أنواع السينما المبنية على قصص إثارية، تكمن في النهاية بين القوى الخيّـرة ومختلف القوى الشريرة. والفوز طبعاً معروف.

هناك الكثير جداً من الخزعبلات تمر أمام العين لا توازيها عدداً إلا تلك الثغور الكامنة في سيناريو يثير الأسئلة ولا يجيب عليها. بعض أهم هذه الاسئلة هو من هي المحاربة راي ولماذا تمتلك القوّة الذهنية والجسدية ذاتها لأشرس أعدائها من رجال الإمبراطورية. في أحد مشاهدها تظهر قوتها الإرادية عندما تطلب من حارس مسلّـح أن يفك قيدها ويلقي سلاحه ويغادر ويترك الباب مفتوحاً. ذلك الحارس ينصاع للأمر. هذه البساطة لا تفيد في صياغة مشهد يقترح أساساً أنه أكثر تعقيداً مما مر.
لكن الواقع هو أن الفيلم يناور هذه الثغرات جيّـداً. صحيح أنه يترك الأسئلة تطير في فضاء الصالة من دون جواب، لكنه يمارس سُـلطته على المشاهدين بقوّة. ينجز له بعض ما يريد من نقلة بين الأجيال: الجيل الذي شاهد أبطال السبعينات والثمانينات لجانب الجيل الذي لا يعي شيئاً منها. في طور ذلك يعود إلى هاريسون فورد وكاري فيشر ومارك هامل. الأول يمثل بشفة يرتفع يسراها إلى أعلى من دون سبب مفهوم، والثانية لا دوراً حقيقياً لها والثالث نراه وجيزاً على الرغم من أهمية دوره.
إثنان من ممثلي الفيلم ينجزان أكثر من المتوقع: ديزي ريدلي التي تجمع في تعابير وجه مشتركة كافة الإنفعالات الصحيحة لجانب قدرتها البدنية (أفضل من جنيفر لورنس في «ألعاب الجوع» وسكارلت جوهانسن في «المنتقمون») وجون بوييغا، الهارب من إمبراطورية الشر والمتردد في قبول مهمّـة أن يكون بطلاً عوض الذوبان فوق كوكب من تلك البعيدة.
على أن مشاهد القتال، سواء المبارزات الفردية، أو تلك التي تقع بين تلك السفن والمركبات الفضائية الصغيرة والكبيرة ليست خارجة عن التقليد أو جديدة في أي جانب. استخدامها، من قبل المخرج أبرامز، هو الذي يغطي عيوبها في هذا الصدد، فهو يميل إليها حين لابد من قطع ذلك الإسترسال في مشاهد موزّعة بين آثار الأمس ومتطلبات الحاضر مستعيناً بقدر كبير من التدمير. هنا عدّة كواكب تُـنسف بينها ما هو كروي على شكل الأرض ما يجعل بعضنا يختزن الصورة التي قد تنتهي إليها الحياة على الأرض فيما لو امتدت الأصابع، يوما ما، للضغط على الأزرار النووية.


Junun | Black Mass | Steve Jobs | معالي الوزير | Fat City



_________________________________________________________________
  أفلام جديدة 
محمد رُضــا

Junun
جنون
★★★✩✩
إخراج: بول توماس أندرسون   Paul Thomas Anderson
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المخرج المعروف يترك الفيلم الروائي لينجز فيلماً موسيقياً جميلاً


|*|  هناك مشهد من فيلم بول توماس أندرسون التسجيلي «جُـنون» يتوقف فيه لاعب الغيتار الأميركي جوني غرينوود عن العزف ويلاحق حمامة تصدر أصوات الهديل المعتادة وقد وقفت  على مقربة. إنها ليست مشتركة لا في الجوقة العازفة ولا كان مقصوداً لها أن تحط فوق الرؤوس وتهدل. والمخرج أندرسون كان يستطيع أن يوقف التصوير إلى ما بعد طرد الحمامة من المكان حتى لا يؤثر صوت هديلها على التسجيل الصوتي. لكن تلقائية ما حدث هنا هي ذات تلقائية ما يحدث طوال هذا الفيلم التسجيلي- الموسيقي الذي تم تصويره بالكامل في قلعة مهرانجاره في مدينة جودفاهور في مقاطعة راجستان. 
المكان يأوي، لجانب الحمام الذي يعيش في أركانه عازفين هنود والمغني غرينوود،  الذي وضع موسيقا بعض أعمال أندرسون السابقة كما سواه، ومغني إسرائيلي أسمه شاي بن زور وفرقة هندية (أسمها «راجاستان إكسبرس») موزّعة على كل الآلات التقليدية من بينهم غفران علي وصابر بامامي واختشام خان أجمري والمغنية أصفهانا خان. 
تطل  القلعة القديمة على مدينة جودفاهور وهناك لقطة ملحوظة تخرج فيها الكاميرا من المكان عبر إطاراته الحجرية المفتوحة لتلقي نظرة على المدينة من فوق. لكن معظم التصوير داخلي ويبدأ بالنقر والعزف وينتهي بهما بعد نحو ساعة من لا شيء سوى الموسيقا والغناء (بالهندية والعبرية عندما ينبري بن زور في «صولو»).


جهد بعيد عن أعمال أندرسون المعتادة وهو يترك نفسه وكاميرته يرتاحان من دون ضوابط تذكر. لا بأس إذا أفلت «الفوكاس» هنا أو تحرّكت الكاميرا ببانوراما يدوية عوض القطع أو ثابتة على تروللي. هناك معايشة للأجواء من دون فرض الذات الفنية مطلقاً. لكن هذا الإبتعاد له أيضاً سلبياته. في النهاية لابد أن يتساءل المرء عن السبب وراء فيلم يستمع ويصوّر ولا يفعل أي شيء آخر. على عكس فيلم أحمد المعنوني «نشوات» (Trances) الذي عبّر به المخرج، سنة 1981، عن قوّة الموسيقا في صهر الثقافة الشعبية، لا يحمل الفيلم أي رغبات تتجاوز الإستماع والإستمتاع بالموسيقا التي تستمر من مطلع الفيلم لآخر. الموسيقا هنا ليست بوليوودية مطلقاً وهي المفتاح الجيد الوحيد الذي يبقى المشاهد مع الفيلم طوال الوقت ملاحظاً دقة العزف وبساطة الفنانين والعمل بأسره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Black Mass
قداس أسود
★★★✩✩
إخراج: سكوت كوبر   Scott Cooper
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دراما واقعية عن ملك آخر من ملوك الجريمة يؤديه جوني دَب بإمتياز

|*|  جيمس بلغار هو مجرم حقيقي شهدت مدينة بوسطن، في السبعينات، نشاطاته كرئيس عصابة تمارس كل ما يمكن أن تمارسه من تجارة الممنوعات والتهريب. جوني دب هو، بدوره، ممثل حقيقي أيضاً. ليس فعلاً طارئاً ولو أن إختيارات من الأفلام في السنوات الأخيرة لم تسع لإظهار كفاءته.
يروي «قداس أسود» حكاية مسحوبة من الواقع حول شخصية رئيس عصابة أسمه وايتي بولغر (جوني دَب) لعب على حبال الجريمة والبوليس بلا هوادة مورّطاً كل من حوله حتى وإن كان بعضهم (مثل أخيه بل ويؤديه بندكيت كمبرباتش) يحاول أن ينأى بنفسه عنه. بِـل هو النقيض ولو أن الفيلم لا يملك الوقت لمنحه حضوراً كافياً ولا يكترث، عن صواب، لإظهار تعارض مواقفهما حيال القانون بعد أن أشار إلى ذلك بلقطات ومشاهد قصيرة.  المتورط الأكبر هو تحري الأف بي آي جون (جويل إدغرتون) الذي اعتقد أنه إذا ما استمال وايتي ليصبح مخبراً يرشده إلى كيفية التخلص من عصابات بوسطن الأخرى. بذلك يبرز جون أمام رؤسائه من جهة، ويتيح لوايتي ممارسة ما يريد ممارسته من ناحية أخرى. لكن جون يسقط في الفخ ويصبح، وأحد زملائه (ديفيد هاربور)، متعاونان مع وايتي أكثر مما يجب. بكلمات أخرى، يطغى عنصر المال الذي أخذ وايتي يغدقه على جون وبدأت رائحة التسويات تستوي على نار تحقيقات الأف بي آي. أو كما يصرخ أحد المحققين في وجه جون: "كيف حدث أنه لا توجد جريمة في بوسطن إلا وكان وايتي وراءها من دون أن يلقى القبض عليه حتى الآن؟".  


ما آل إليه كل شخصية من هذه الشخصيات مذكور في عناوين نهاية الفيلم، لكن الكثير من الشخصيات الأخرى تُـقتل إما على يدي رجال وايتي أو على يديه نفسه. وأكثر عمليات القتل عنفاً هي تلك التي يرتكبها بنفسه والتي تشمل الخنق وإطلاق النار ما عدا الضرب الدموي المبرح. وايتي متمتعاً بتلك التغطية التي وصلته مثل هدية من السماء، بات قادراً على أن ينفّـذ جرائمه كما يشاء. الأف بي آي تحتاج إليه، هذا إلى أن تدرك ما قادتها إليه خطّـة تحريها جون وفساده ما أدّى إلى سجنه لاحقاً.  
في أحيان كثيرة تستطيع أن تطالع أسلوب مارتن سكورسيزي في «أصحاب جيدون» Goodfellas وتشاهد كيف يبني المخرج سكوت على بعض أسس فرنسيس فورد كوبولا في «العراب»، وكيف يعالج موضوع العلاقة بين السلطة وبين الجريمة على غرار ما فعل المخرج سيدني لوميت في أكثر من فيلم سربيكو»، «أمير المدينة» من بينها).  
جوني دَب يكشف عن جانب أسود من الأداء لم ينفّـذه منذ أن لعب تحت إدارة تيم بيرتون «سويني تود» (2007) الذي أدّى فيه شخصية حقيقية أخرى هي شخصية الحلاق البريطاني في أواخر القرن التاسع عشر الذي كان يقتل زبائنه ويرميهم إلى غرفة تحت الأرض لفرمهم وبيع لحومهم. قابل للتصديق ومتحكم في تشخيصه لدرجة تمنحه إحتمالات الترشيح للأوسكار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Steve Jobs
ستيف جوبس
★★✩✩✩
إخراج: داني بويل   Danny Boyle
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقد سيناريو 
دراما واقعية عن ملك آخر من ملوك الجريمة يؤديه جوني دَب بإمتياز

|*|  «ستيف جوبس» هو فيلم بيوغرافي آخر من هوليوود وحول شخصية لا يُـستهان بها: مؤسس وصاحب «آبل ماكنتوتش» والملياردير الذي أنجز عبر ذلك الإنجاز وسواه نجاحاً يتساءل المرء إذا ما كان جوبس، الفعلي، أدرك حجمه كاملاً منذ البداية أو أن ذلك تراءى له تدريجاً.
مايكل فاسبندر يؤدي دوره في هذا الفيلم محاطاً بممثلين قديرين آخرين مثل كيت وينسلت (في دور المسؤولة عن التسويق) وجف دانيالز (دور رئيس آبل) وآخرين. لكن ما يلفت النظر هنا، لجانب أن التمثيل المؤدّى جيّـد بتساو بين الجميع، هو الكتابة. ذلك أن السيناريست آرون سوركين يمارس هنا ما هو بارع فيه عادة: الحوار، لكن الحوار ليس كل شيء في السيناريو ومهارة كتابته (أو عدمها لا ترفع أو تهبط بقيمة السيناريو إلا بمقدار. في الأساس تم رفض الفيلم لرداءة السيناريو. ديفيد فينشر لم يعجبه السيناريو كذلك لم يعجب كرستيان بايل الذي كان من المفترض به أن يقوم ببطولة الفيلم.
يتابع الفيلم حياة ستيف جوبس في البيت والعمل. هو، حسب السيناريو، شخصية معقدة ومركّبة ولديه مشاكل. في الحقيقة يكوّم الكاتب هذه المشاكل لكي يدفع بالفيلم إلى مآزق شخصية واجتماعية. جوبس لديه مشاكل مع زوجته (وينسلت) ومع مدير أعمله (دانيالز) ثم مع باقي المحيطين على التوالي. طريقة سوركين هي استخدام الحوار لرصد هذه المشاكل. ما نراه ليس، تبعاً لذلك وفي كثير من الحالات، إلا تصويراً لما سيرد من حوار. بناء السيناريو شيء آخر إذ اعتمد الكاتب فيه على الفصول التقليدية (من 1 إلى 3) لكن النتيجة مبعثرة كون المشاهد المستخدمة في كل فصل هي متكررة. خصوصاً تلك المشاهد التي تنص على المشي والحديث خلال ذلك، كما لو أن البوح المفترض لن يتم إلا بالحديث والشخصيات تمشي. لكن الواقع هو أن خيال الكاتب محدود. 


مع أن المخرج داني بويل مارس مهارة في تفادي كل نتائج هذا المنوال من الأخطاء بإدارة ممثلين جيّـدة وبتنفيذه الملم والمعالج بحرارة الطرح من ناحية أخرى، إلا أن شخصية جوبس ليست من تلك التي يمكن للمشاهد الوقوف لجانبها (وإيرادات الفيلم تكشف عن أن القليلين أعجبوا بها). هذا يدفع بالمشاهد للتساؤل حول السبب في أنه سيمضي الوقت ليتابع شخصية سلبية، خصوصاً أن السبيل الوحيد للمحافظة على شيء من صلاحية شخصية جوبس لتولي البطولة هو تلميع صورته قبل نهاية الفيلم. 
بعض خصائل جوبس، تبعاً لهذا السيناريو، هي أنه بالغ الثقة بالنفس لدرجة مقلقة، كان يعتبر نفسه آلهة ويردد إنه القيصر سيزار وطريقته في الطلب هو الأمر به. إلى ذلك كان لا يشعر بالعاطفة حيال أحد وكان يعزي ذلك إلى إعتبارات من بينها أن المحيطين به يرغبون في النيل منه.
عند هذا الحد، فإن الحقيقة لا تهم. أقصد إنه إذا ما كان ستيف جوبس فعلياً كذلك أو أن السيناريست سوركين مضى في وجهة إفتعالية لتقديم شخصية يريد مناوءتها للضرورة الدرامية سيان. فالمشكلة هي أن هذا الحشد من السلبيات يأتي ليطرح شخصية لا يمكن أن تُـحب في حين أن مصدر السيناريو ليس في تقديم شخصية إيجابية أو سلبية بحد ذاتها بل في تلبيسها المبررات أو البواعث النفسية أو الإجتماعية ولو بمقدار.
سوركين هو كاتب «الشبكة الإجتماعية» (The Social Network العام 2010) الذي أخرجه فينشر وكان بدوره مليئاً بالحوار. نجاح المهمّـة في تكوين ذلك الفيلم يعود إلى المخرج الذي وظّـف جيداً شخصية مبتدع نظام فايسبوك مارك زوكربيرغ ليستخلص من مآزقه ذاتها ما يدينه بها عوض الإكتفاء بالمادة وحدها. فينشر رصد بعض المواقف وعالجها بالكم المناسب من السخرية بحيث أن الفيلم لم يكتف بذكر سلبيات الشخصية (ما يدعو إلى التفكير في أن السلبي هو ما يحب سوركين كتابته) بل ربطها بحالة إجتماعية مفادها الصراع على الشهرة والمال والنفوذ.
وفي حين من حق كاتب السيناريو أن يكتب مشاهد لم تقع في الحقيقة لكن هذا الحق ينتفي من الضرورة إذا ما كان، كما الحال هنا، مغاير تماماً عن الواقع. مراجعة حياة ستيف جوبس وكتابه عن نفسه يعارضان ما يذهب إليه سوركين بما في ذلك تقديم شخصيته بكل هذه الكتل من السلبيات.