Alice e Martin ميسر المسكي

في العديد من أفلامه، يبدو مولعاً بتلك الحالات التي تروي العلاقات الإنسانية الهاجسة بتناقضات أطرافها. وهو بهذا إنما يُـكمل في تفصيل اللوحة الكبيرة عن تعقيد شرط الوجود الإنساني ولوعة المشاعر التي طالما رسمتها كاميرا مخرجين فرنسيين عديدين. قبله كان تروفو في "جول وجيم" (1962) و"الإنكليزيتان والقارّة" (1971)، شابرول في "الجزّار" (1970)، كلود غوريتا في "صانعة الدانتيلا" (1977) و | إقرأ النقد إدناه





The Age of Shadows محمد رُضـا

لا يوفر المخرج جيم-وون سبيلاً لتقديم أحداث مثيرة الا وعمد إليها. هناك مشاهد مطاردات ومشاهد تحريات ومشاهد درامية من المواجهات. هناك مطاردات على الأرض وفوق السطوح وفي القطارات. العنف ليس بعيد المنال بالنسبة لهذا الفيلم ولو أنه لا يثير الإنزعاج بقدر ما يـثير غرابة الموقف. هذا ضمن إنتاج يضمن مشاهد لا تحصى منضبة تحت… | إقرأ النقد إدناه



Manchester By the Sea محمد رُضـا

فيلم عن أشياء معطلة بالجملة في حياة هذه الشخصية وفي حياة بعض الشخصيات المحيطة به. هناك نقد لإبن أخ لي الذي لا يستطيع أن يشعر بالحب الحقيقي لأنه ما زال بكراً لكنه يستطيع التباهي بأنه على علاقة بفتاتين معا. أم واحدة منهما تعيش وحيدة وتتوخى أن تجد لي رفيقاً لها. حقيقة يود المخرج لونرغن (في ثالث أفلامه) إيصالها إليك.

| إقرأ النقد إدناه



Arrival مهنّـد النابلسي


يطرح الفيلم الشيق والاستثنائي عدة اسئلة: هل هم علماء ام سياح ام غزاة أذكياء؟ وما مدى صدقهم؟ انه تشويق فضائي بلا معارك ومطاردات ساخنة، يبدو هذا الفيلم وكأنه لا يتحدث فقط عن هذه الكائنات الفضائية الغريبة، بقدر ما يتحدث عن سحر التواصل البشري وأهميته لفهم عالمنا المضطرب. | إقرأ النقد إدناه



روحي محمد رُضـا

تشكيل الصورة في كل ما سبق جيّـد. الإضاءة. العتمة. الوقت من النهار. المشاهد الداخلية معنى بها كاللوحات والخارجية معنية بالمكان. سرد الحكاية، لولا هنات السيناريو، متكامل وعلى وتيرة فنية واحدة. الكاميرا عندما تأتي محمولة لا تفرض وجودها بكثير من الهز. سعي المخرجة لكي تعبّـر الصورة عما لا تنطق به الكلمات رائع.

| إقرأ النقد إدناه




Fences محمد رُضـا

تروي (دنزل واشنطن) ناقم على أنه وُلد قبل حدوث هذه المتغيرات الموعودة. عاش حياة صعبة وعانى فيها من العنصرية المباشرة. الآن هو متزوّج ولديه ولدين ومنزل يدفع ثمنه كل شهر. يريد أن يؤكد، من المشهد الثاني وما بعد، إنه سيد هذا الحيّـز من الوجود. سيد البيت ورجله وهو يؤكد ذلك حتى حين يداعب زوجته (ڤيولا ديڤيز). | إقرأ النقد إدناه

Friday, October 18, 2013

12 Years a Slave | Runner Runner | Machete Kills


                                                    Year 5/ Issue  172


الحر والعبد

إثنتا عشر سنة عبداً   12Years a Slave
إخراج: ستيف ماكوين Steve MaQueen
أدوار أولى: شيويت إيجيفور، مايكل فاسبيندر، براد بت، بول جياماتي.
النوع: دراما إجتماعية [الولايات المتحدة- 2013]
تقييم الناقد: **** 

لإثني عشر سنة، بقيت حياة سولومون (شيويت إجيفور) معلّـقة بين السماء والأرض. إنه أفرو-أميركي حر لكن بشرته السوداء لم تمنحه الحريّـة. ها هو، بعد قليل من مطلع الفيلم، يُـساق عبداً من جديد للبيع في السوق. كل إحتجاجاته وأوراقه لا تعني شيئاً. في أحد المشاهد نراه معلّـقاً بحبل المشنقة. لم يرتفع كثيراً عن الأرض ولا الحبل اشتد ليخنقه. المشهد يعبّـر عن تلك السنوات الطويلة من العبودية في سجن الإنسان الآخر.
«إثنا عشر سنة عبداً» للمخرج ستيف ماكوين مقتبس عن مذكّرات منشورة في كتاب وضعه سولومون نورثاب بنفسه سنة 1853 يروي فيه حياته. وُلد في سنة 1807 وأصبح عازف كمان عندما انتقل من موقع ولادته (بلدة صغيرة) إلى المدينة (نيويورك). بسيط وقليل الإرتياب بالناس لذلك يصدّق إدعاء رجلين من البيض بأنهما يريدان منه العزف في مسرح جوّال في واشنطن. في اليوم التالي يجد نفسه مقيّداً في سلاسل. لقد باعه الرجلان إلى تاجر. خسر في ساعات حريّـته وتحول عبداً يتم نقله إلى ريف لويزيانا. المخرج يتابع رحلة بطله المؤلمة فالعبد ليس أكثر من بضاعة يمكن بيعها أكثر من مرّة وبل، في مشهد آخر، يتم دفع دين بين رجلين به
في العام الماضي، في مثل هذه الأيام، قدّم كونتين تارنتينو قراءته لواقع العبيد في «دجانغو طليقاً» وعرض ستيفن سبيلبرغ هذا الوضع في «لينكولن» وكلاهما دخل سباق الأوسكار (وكلاهما خسر لصالح فيلم من التاريخ القريب (جدّاً) هو «أرغو» لبن أفلك. لكن إذا ما كانت قراءة تارنتينو بطولية ساخرة ثم عنيفة، وعرض سبيلبرغ يدور حول الأبيض الذي حرر العبيد وليس العبيد بذاتهم، فإن فيلم ماكوين هو الفكر الجاد حول هذا الموضوع. بالتأكيد هو أفضل فيلم عن موضوع العبيد قامت بإنتاجه السينما الأميركية، وإذا ما فشل الفيلمان السابقان بإستحواذ الأوسكار، فإنه من المستبعد جدّاً أن يفشل هذا الفيلم أيضاً لأنه مدهم وقوي وغير عاطفي ولو أنه في الوقت ذاته مؤلم. 
الساعة الأولى من الفيلم إذ تنقل الأحداث تباعاً ليست مجرد تمهيد بل بناء لساعة ثانية أقوى وأكثر تعقيداً بالنسبة لشخصياتها البيضاء، خاصّـة تلك التي يؤديها مايكل فاسبيندر الذي بات سولومون واحداً من عبيده في الحقل. هنا يصرف الفيلم بعض الوقت لإظهار شخصية معقّـدة في زواج مفرط في الخديعة. المخرج كوين لا يفتأ تقديم الواقع كما يراه، لكنه واقع قابل للتصديق (وبل موثوق في الكتب والمراجع) ولأول مرّة في مهنته السينمائية التي شملت «جوع» و««عار»، ينتقل إلى صرح الدراميات الإجتماعية الكبيرة. لكن لا شيء من هذا يتقدّم حسن تنفيذ وقوّة حضور فني لمخرج دائماً ما يفاجيء. ثم لا شيء من الأحداث يطغى على قوّة حضور وتمثيل خصوصاً من قِـبل الممثل شيويتل إيجيفور في دور سولومون. لجانب أنه ممثل أفرو-أميركي يشعر تلقائياً بتاريخه، يملك الممثل ذلك الوجه المعبّـر عن الألم والغضب والقدر الكبير من الكرامة التي ترفض أن تُـهدر.

فاشل فاشل
راكض راكض   Runner Runner
إخراج: براد فورمان Brad Furman
أدوار أولى: بن أفلك، أنطوني ماكي، جستون تمبرلايك، جيما أرترتون.
النوع: تشويق [الولايات المتحدة- 2013]
تقييم الناقد: ** 

لا تدع حركة الكاميرا الدائرية ونصف الدائرية (الفيلم من تصوير ماورو فيوري الذي إستعان به جيمس كاميرون لتصوير «أڤاتار» وبيتر بيرغ لفيلمه «المملكة») توهمك بأن للفيلم ناصية فنيّـة فعلية. هي مجرد حركات يراد منها تغطية نقص المعرفة في كيفية إنشاء أسلوب أجدى وأكثر متانة لفيلم تشويقي. بالتالي، عوض الإعتماد على حكاية لها قدرة على إثارة الإهتمام، ولو إلى حين، تأتي رغبة المخرج في اعتماد حركة الكاميرا شبه المتواصلة كنوع من سد الثغرة الناتجة عن قلّـة الموهبة مع قدر من الإعتقاد بأن الجمهور لا يستجيب إلا لمثل هذا الأسلوب من التنفيذ. وضع  أجاب عنه الجمهور سريعاً عندما ترك الفيلم يتخبّـط بلا نجاح.
ريتشي (جستين تمبرلايك) رجل في مقتبل العمر خريج وول ستريت لكنه لم يستطع الحفاظ على وجوده فيه عندما وقعت أزمة العام 2008. ها هو يمضي الوقت في لعب البوكر على الإنترنت مع رفاق الجامعة (وجدته أكبر سنّاً من الدور ولكن…) قبل أن ينكشف أمره ما يزيد وضعه المادي حرجاً. بالإضافة إلى ذلك، يكتشف أن أحدهم على الخط الآخر غشّـه في اللعب. هذا الواحد هو إيفان (بن أفلك) الذي يعيش في كوستا ريكا. إليه سيسافر ريتشي لكي يواجهه.  إيفان ليس من النوع الذي يخشى شيئاً وهو يعرض على ريتشي في المقابل صفقة عمل معه تتضمن التعرّف على بعض أثرياء العالم. هذا من قبل أن يكتشف ريتشي بالطبع أنه ضحية خدعة جديدة في الوقت الذي يتصل به عميل الأف بي آي (أنطوني ماكي) يريد تجنيده لفضح إيفان ونشاطاته غير القانونية.
لا علم لي بالسبب الذي إختار صانعي هذا الفيلم تسميته بكلمة مكررة. من باب التأكيد؟ طبعاً بعد فشله في شباك التذاكر، يصح تسميته بـ "فاشل فاشل" أو "بالفيلم الذي سقط وهو يركض". المشكلة هي أن الفيلم مرسوم من مطلعه وخيوطه معروفة. مثلاً حين يظهر بن أفلك تستطيع أن تشتم رائحة المطبخ الذي يطهي فيه مؤامراته. حين يصل دور عميل الأف بي آي، ستكون على ثقة من أن ريتشي الفاشل في كل شيء (ولو أننا نسمع دائماً من يمدحه على مواهبه في الحساب!)  سيكون المخلب الذي سينال من إيفان. المهم، وتستطيع أن تقرأ ذلك عبر السيناريو ومن خلال التنفيذ، أن تبقى الشخصيات الأميركية أهل ثقة وموهبة خداع ومحط إعجاب حتى حين تكون شريرة النوايا. في المقابل أهل كوستا ريكا حثالات من المرتشين والفاسدين والعاهرات. 


ماشيتي بالساطور


ماشيتي يقتل   Machete Kills
إخراج: روبرت رودريغيز    Robert Rodriguez
أدوار أولى: داني تريو، مل غيبسون، ميشيل رودريغيز، صوفيا فرغارا، أمبر هيد، أنطوني بانديراس، كوبا غودينغ.
النوع: أكشن [الولايات المتحدة- 2013]
تقييم الناقد: * 

سنة 1992 ضج الوسط السينمائي في أميركا ومنها بعض هذا العالم بفيلم اعتبروه رائعاً عنوانه «المرياشي» لمخرج أول مرّة أسمه روبرت رودريغيز. على الرغم من أن ميزانية الفيلم لا تصنع جودة أو رداءة العمل، إلا أن معظم المعجبين إعتبر أن تحقيق المخرج عمله "الأكشن" ذاك بكلفة يوم تبضع ثياب من محلات هارودز، دلالة نبوغ. آسف، الفيلم من أسوأ ما تم طبعه على أشرطة. ولاحقاً كل أفلام المخرج هي من هذا المستوى بما فيها «دسبيرادو» (1995) و«فتيان جواسيس» (2001 وباقي السلسلة) والنصف الأول من «غريندهاوس» المعنون Planet Terror. حتى Sin City لم يكن لينجز علامة جيّـدة لولا التأثير الفعلي للكاتب وشريك الإخراج فرانك ميلر
مع هذه الخلفية ما الذي ننتظره من «ماشيت يقتل»؟. نعم الحكومة الأميركية ليس لديها سوى ماشيتي (كما يؤديه داني تريو) الخارج (سابقاً) عن القانون والذي في رقبته عشرات الضحايا من الفيلم الأول، لكي تستعين به وتجنّـده للوصول إلى ڤوس (مل غيبسون) للقضاء على نواياه الشريرة. تصوّر تاجر السلاح البليونير هذا يريد إشعال حرب نووية ضد واشنطن! مستخدماً شريراً آخر (داميان بشير) تم زرع جهاز تفجير في قلبه. إذا توقّـفت ضربات القلب (مثلاً في حالة أن الممثل شاهد نفسه على الشاشة) فإن الجهاز الموصول بالقنبلة النووية سيعمل. فكّرت حين إكتشفت ذلك في أنني أحسنت التوقيت عندما تركت لوس أنجيليس ولو من باب أن ينتشر الضباب البرتقالي فوقها. 
يحمل الممثل تريو في يده  ساطوراً من نوع جديد. فيه زر أحمر وذو أسنان مستوحاة من أسنانه المربّـعة والكبيرة على ما يبدو. إذا افتقد الساطور فلديه يد يستخرج بها أمعاء من يعاديه. طبعاً تحقيق فيلم سخيف هو قصد المخرج رودريغيز، لكن هناك سخفاً تقبله على أساس أنه ترفيه ومؤسس لحالة من إنعدام الرغبة في أخذ أي شيء بجدّية، وهذا مفهوم، وسخفاً يزداد سخفاً مع مرور كل خمس دقائق حتى يصبح العمل مملاً وبلا طائل. «ماشيتي يقتل» (الجزء الثاني من «ماشيتي») هو من هذا النوع الثاني.
لا داعي للحديث عن فن مفقود في العمل كله. المفقود هو ثمن التذكرة لمن عليه أن يدفع. بالنسبة لي، في عرض خاص في راحة صالة مكيّـفة، فإن المفقود هو ساعتين من الوقت المندرج تحت بند "أسوأ أفلام العام".




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2008- 2013
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Tuesday, October 8, 2013

ستة أفلام لعبقري الكوميديا بستر كيتون | Gravity | Prisoners



"سجناء" تشويق بوليسي يتعرّج كثيراً

سجناء   Prisoners
إخراج: دنيس فيلنيوف Denis Velleneuve
أدوار أولى: هيو جاكمن، جايك جيلنهال، فيولا ديفيز، ماريو بيلو
النوع: تشويق بوليسي [الولايات المتحدة- 2013]
تقييم الناقد: *** 

تمطر السماء في الكثير من الأفلام، لكنها في هذا الفيلم تمطر بغزارة تجعلك تتمنّـى لو تتوقّـف كما لو كنت أنت تحتها. هذا مردّه أن الصورة المستخدمة من قِـبل مدير التصوير الفذ روجر ديكنز واضحة وحادّة. المطر ليس بعيداً وليس رشّ ماء فوق مناطق مختلفة دون أخرى، كما في أفلام كثيرة، بل يهطل في كل مكان. ويزعج.
لكنه شرط من شروط الفيلم. هذه بلدة صغيرة في ضواحي مدينة بنسلفانيا وهذه هي عائلة دوفر المكوّنة من الأب كَلر (هيو جاكمن) والأم غريس (ماريو بيلو) والفتى رالف (ديلان مينيتي) والفتاة الصغيرة آنا (إرين جيراسيموفيتش)، وهي عائلة بيضاء، تؤم حفلة صغيرة لعائلة أفرو- أميركية مؤلّـفة من الأب فرانكلين (ترنس هوارد) والأم نانسي (فيولا ديفيز) والفتاة الصغيرة إليزا (زاو صول). فجأة تختفي الفتاتان آنا وزاو. ينطلق الجميع للبحث عنهما لكن بلا فائدة. هناك شاحنة كانت متوقّـفة أمام بيت عائلة دوفر اختفت والشكوك تدور حول من كان يقودها. التحري لوكي (جايك جيلنهال) ينبري للقضية. يلقي القبض سريعاً على السائق الذي يتبيّـن له أنه معتوه. عليه رغم شكوكه أن يطلق سراحه لعدم توفّـر الأدلّـة وعلى الرغم من إحتجاج كَلر، الذي يتعقّـب الرجل وييختطفه إلى بناية مهجورة حيث يحبسه ويعذّبه. هو واثق من أنه من قام بخطف إبنته وإبنة جيرانه، لكن الرجل لا يعترف. وعدم إعترافه (أو إحتمال إنهياره واعترافه تحت وطأة التعذيب) يحتل جزءاً كبيراً من الفيلم. يمنح كَلر الخائف من أن لا يرى إبنته الصغيرة بعد اليوم، والذي شهد إنهيار زوجته التي أدمنت الحبوب المنوّمة حتى تهرب من هذا الواقع، رقعة سوداوية لم يمثّـلها جاكمن من قبل. 
في الوقت ذاته، هناك ذلك التحرّي الذي حل كل قضيّـة سابقة أوكلت إليه، لكنه يبدو كما لو كان يدور على عقبيه في هذه القضية غير قادر على أن يوجه أصبع إتهام لأحد. التطوّر الذي يحدث في منتصف الفيلم تقريباً هو وليد صدفة أو، على نحو أدق، وليد فعل خارجي لا علاقة للتحري بصنعه: التحري في عزاء مفتوح يرقب من بعيد. فجأة هناك ذلك الرجل الغريب الذي يأتي ليضع الزهور. تلتقي أعينهما. يهرب الرجل. يدرك التحري أن هذا لديه ما يربطه بالقضية يلاحقه. 
التطوّر اللاحق لا علاقة للتحري بصنعه المباشر: الرجل الغريب يخطف مسدّساً وينتحر به. عند هذه اللحظة تبرز مجدداً تلك الدوائر والخطوط المتشابكة السابقة: كَلر والسجين. عائلته. عائلة جيرانه (التي تكتشف أنه يعذب المتهم) والتحري الذي يكتشف لاحقاً أن كَلر سجن المتهم في غرفة خاصّة به وأخذ يكيل له التعذيب آملاً في انتزاع إعتراف منه.
كل هذا، إلى جانب الغيوم المتلبّدة والمطر المنهمر، يمنح الفيلم- ومشاهده- ثقلاً شديداً. المخرج الكندي دنيس فيلنيوف كان تعامل مع سينما الغموض في فيلمه السابق «حرائق» الذي تقع أحداثه بين كندا و"منطقة عربية تخوض حرباً طائفية" (لا يسمّـيها لكنه يرمز إلى لبنان). لكن ذاك كان غموضاً مختلفاً. الغموض الماثل حالياً بعضه طبيعي ناتج عن الحبكة (فتاتان صغيرتان تختطفان- لماذا؟ من الخاطف؟ هل لا زالتا على قيد الحياة؟) وبعضه مركّـب ناتج عن العودة إلى كل سؤال مطروح والتأكيد عليه وفتح خط جانبي منه وهذا الخط لا يضمن الوصول إلى نتيجة جديدة وإذا لم يصل إلى نتيجة جديدة عاد إلى حيث انطلق.
بعض ذلك يتسبب في حالة من حصار المشاهد بأكوام من الأسئلة لا يسرع الفيلم في الإجابة عليها. بل يتلاعب بها أطول قليلاً مما يجب. في بداية الفيلم غزال بريء وها هو كَـلر يعلّـم إبنه الشاب كيف يصطاده. يطلق الصبي النار ويسقط الغزال. لقطة إلى الشاحنة التي يقودها الأب ويريد تعليم إبنه أمراً آخر: "أهم شيء في الحياة هو أن تكون جاهزاً"، يقصد أن تكون جاهزاً لأي طاريء ولو أن كَـلر لم يكن جاهزاً لاختفاء إبنته ولكيف سيتصرّف حيال ذلك. 
المهم هو أن المخرج يتلاعب بالصورة هنا، فتعتقد أن الشاحنة المتوقّـفة قرب المنزل هي لـكَـلر بالفعل. إذ يمر ذلك عابراً وبتأثير مرحلي محدود، يختار المخرج أن يتلاعب لاحقاً بما هو أهم: كَـلر يسأل الفتاة السمراء الصغيرة ليزا بعدما تم استعادتها سالمة إذا ما شاهدت إبنته التي لا زالت مخطوفة. تنظر إليه وتقول له "أنت من كممت فمي". رد فعل كَـلر هو الهرب. لكن، إما لأن نقطة ما فاتت هذا الناقد (إحتمال ضعيف) أو لأن المخرج يريد استغلال الوضع في رسم معالم توهان أكثر، لا نجد لما قالته دلالة مؤكدة، ولا لرد فعله ربطاً بما سيقع لاحقاً. كلام الفتاة الصغيرة يتضمّـن تهمة بأن يكون هو الفاعل، لكن الفيلم ينفي ذلك ليس عبر تفنيد بعض المشاهد، بل بمجرد عدم التفاته للنفي أساساً ما يجعل الطرح غير مبرر على الإطلاق. 
«سجناء» يبقى، رغم ثقله، بارعاً في طرح مضامينه. على صعيد شخصي، الموقف الأخلاقي (أو غير الأخلاقي) للأب في مثل هذه الحالة وتوجهّه إلى الله طالباً المغفرة عما يقوم به. والإحباط المتعالي في داخل التحري الذي يصيب ويخطيء لكن الخطأ أكبر من الصواب. على صعيد عام، يتناول الفيلم موضوع الخير والشر جنباً إلى جنب. فالخلفية دينية، كما تكشف الجهة التي قامت بالخطف فعلاً (ولن أكشفها هنا)، وهي تمثّـل الصراع بين الخير والشر. الملاك والشيطان في شخصياته وكيف أن النفس تتنازعهما إلى أن ينتصر جانب على آخر. إنتبه للدور الذي تؤديه ماليسا ليو من البداية إذا ما كنت تريد مساعدة في حل طلاسم المعروض.
على ثقله، هو فيلم جيّـد التحقيق. المخرج يعرف ما يريد من ممثليه وممثليه يعرفون كيف يؤدّونه. يمسك المخرج بزمام الأمور رغم ميله للتشعّـب ويحقق فيلماً يشبه المتاهة التي نراها مرتسمة في أكثر من مشهد، من دون أن يتوه فيها.

"جاذبية" فيلم رائع رغم سيناريو غير مكتمل

جاذبية   Gravity
إخراج: ألفونسو كوارون
أدوار أولى: ساندرا بولوك، جورج كلوني
النوع: خيال علمي [فضاء] [الولايات المتحدة- 2013]
تقييم الناقد: **** 

في المقدّمات الإعلانية عن هذا الفيلم يمسك صانعو الفيلم بأحد خيوطه الرئيسية: كل شيء هاديء في البداية… مركبة فضائية… ملاحان… فضاء و"يا له من منظر جميل»…. "أي منظر؟"، "منظر شروق الشمس" يجيب الأول. وبعد لحظات تقع المفاجأة ولا أحد يسأل عن المنظر الجميل أو موقع الشمس من الأرض. هناك ملاحا فضاء في خطر الموت والمقدّمة توصل هذه الرسالة ثم تترك للمشاهد الذي تطلبه لحضور الفيلم أن يكتشف التفاصيل بنفسه.
هناك جديد غير مطروق في فيلم ألفونسو كوارون أطفال الرجال») على كثرة ما خرج من أفلام خيال علمي فضائية، وهو أنه حول شخصين فقط في الفضاء الشاسع. شخصين بحجم الذرّة أو أصغر يسبحان في الجزء القريب من الكون. مثل أفلام رعب تحذّر: "إذا صرخت، لا أحد يسمع صوتك"، هناك من سيصرخ … وليس هناك من سيسمع! ولا حتى المحطّـة الأرضية. مصيرهما عالق بالحبل الذي يربطهما بالمركبة وأحياناً من دون حبل. وهناك ذلك المشهد المثير في مطلع الفيلم عندما يفقد الملاح كلوني الكايبل الذي يربطه بالمركبة فيطفو يميناً ويسرة قبل أن يتعلّـق به من جديد. 
يبدأ الفيلم بالملاحين، لكن أحدهما (كلوني) سيقرر أن يخلص إلى نهايته: سيفقد الصلة بالمركبة وبالملاح الآخر. سيقبل أن يسبح هناك للأبد. 
هذا فضاء من دون أشرار أو وحوش… مجرد طالع سيء. حظ أو لاحظ رجل وإمرأة كانا في رحلة علمية انتهت قبل أوانها. السيناريو من كتابة يوناس كوارو  (إبن ألفونسو) وإذا ما كانت لي ملاحظة عليه فهي أنه لا يحوي عقدة، بل الحكاية كلّـها عقدة واحدة، وهو لا يؤسس لشخصياته. هنا أريد أن أشدد أنني لم أقرأ السيناريو لكي أعرف معرفة يقين من أنه أسّـس أو لم يؤسس، فهو ربما أسس لكن المخرج اكتفى لاغياً صفحات كثيرة من المقدّمة حتى لا يفقد الفيلم إيقاعه التشويقي… ولو أنني لا أعتقد ذلك. ألفونسو كوارون أذكى من أن يُـلغي أمراً كهذا لن يكلّفه من وقت الفيلم أكثر من خمس دقائق أخرى ستكون كافية لكي نقترب من العالمة رايان (ساندرا بولوك) أكثر قليلاً عوض أن نكتفي بمتابعتها. لا نعرف عنها ما يكفي لأن نهتم أو لا نهتم، نشعر معها أو لا نشعر… إنها هناك كحقيقة وليست كشخص ينتمي إلينا. هي إمرأة لم ترتكب جناية (ولو أن هناك سطر حولها له علاقة بزواج سابق وإبن لم تهتم به كثيراً) بل قامت برحلتها الفضائية الأولى والأخيرة.
مع فيلم من هذا النوع، بهذه التركيبة، لا يستطيع السيناريو فعل الكثير. يصبح مطيّـة الإخراج لتشكيل الفيلم المثير الذي سيوظّـف الحبكة في ساعة ونصف أو نحوها وعليه أن يكون مخرجاً جيّداً لكي يحسن توظيفها وألفونسو كوارون مخرج أكثر من جيّد والوقت الذي نقضيه مع الفيلم يحفل بالإثارة الناتجة عن تنفيذ تلك الحبكة وتنفيذ تلك الحبكة على صعيد الشغل التقني المكـثّـف.
واحد من الأسس المثيرة للإهتمام- نقدياً- هو أن الحدث واحد ومتواصل ومن نقطة أ إلى نقطة ي من دون حاجة للقطع والإنتقال إلى حبكة مساندة sub-plot أو شيء مثل «وفي هذا الوقت ذاته، وفي مكان آخر… كان هناك شيء آخر يقع…."
ما يقع على الشاشة هو "الوقوع" الوحيد المتاح. وهنا لابد من العودة إلى ما رصفه الكاتب: من بدء الأزمة، بعد دقائق قليلة من بدء الفيلم ومباشرة بعد أن ضربت الشظايا المتحطّمة من مركبة روسية، المركبة الأميركية وقتلت الملاحين ما عدا هذين الشخصين، تصبح المسألة عبارة عن سباق بين المرأة وبين الموت. لديها لحظات قبل أن تنجو من شظية أخرى… لحظات لتدخل المركبة الروسية المعطّـلة قبل أن ينفذ الأوكسجين الذي معها… لحظات قبل أن تنجو من حريق مفاجيء… ولحظات من الحياة بقيت فيها عندما هبطت في البحيرة وبات عليها الخروج منها قبل أن تغرق فيها.
كوارون الأب لا يجعلك تشعر، في البداية، بأخطاء كتابة إبنه. يدافع عنه بابتكار تفعيلات بصرية جديدة ومبهرة وبتقديم تلك المواجهات بين رايان وما يهددها على نحو يعترف بها ويعالجها بلا هرب حتى تبدو في نهاية المطاف حقيقية وبالغة الصعوبة بالفعل بحيث لم يعد ممكناً التوقّـف لطرح السؤال بل الإنشغال فقط بالإجابة عليه. بالإنتقال إلى المشهد التالي لترى ما سيحل بها وأي عرقلة جديدة ستواجهها الآن.
تلاحظون أنني لم أستخدم تعبير «تطوير الشخصية» أو Character Development ليس لأنه أمر غائب، بل لأنه أمر لا مجال له هنا. السيناريوهات ليست ألواحاً محفوظة على الكاتب إستنساخها كما هي. بعض الأفلام لا قيمة لها إذا ما غاب ذلك التطوير. بعضها الآخر لا محل فيه لهذا التطوير وهذا واحد منها. فقط لو سنحت الفرصة لـ "التعريف". إذ لم تسنح (أو- مرة أخرى- سنحت لكنها ألغيت) الفرصة فإن ذلك لم يعد مشكلة بسبب ذكاء وقدرة المخرج. 
هذا لا يعني أنه ليست هناك مشكلة في الفيلم (النجمة الخامسة المفقودة): رايان لا تقول شيئاً يُذكر. لا للملاح الآخر قبل غيابه الأبدي ولا لنفسها (ونحن نسمعها تحادث نفسها- أي نحن). بما أنه ليست هناك معرفة بها، فإن عدم وجود حوار أو مونولوغ أو Voice Over ذات قيمة يزيد من تسطيحها على الرغم من أنها في ساعة من الفيلم هي كل شيء فيه. 
كل حسنات الفيلم هي إخراجية في مجال كيف تم تنفيذ الفيلم لقطة لقطة، صورة صورة، مشهد مشهد وموقف موقف. ثم كيف تم تنفيذ هذا العمل تقنياً. البعد الثالث وكيف تم إستخدامه والنجاح الكبير الذي حققه عبر كل ذلك.
مثلاً… لابد أننا نعلم أن المخرج كوارون ومدير تصويره إيمانويل لوبزكي وممثلي الفيلم لم يصعدوا إلى الفضاء لتصوير الفيلم (ولو أن التصوير من النجاح بحيث لا نسأل أنفسنا هذا السؤال)، لكن المسألة لم تكن مجرّد التصوير أمام شاشة خضراء وتأليف الباقي في الأستديو. لقد اكتفى كوارون ولوبزكي ومشرف المؤثرات تيم ويبر بتصوير الوجوه. ثم صنعوا كل شيء من حولها، حسب تصريح لتيم ويبر، هذا يشمل كل حركة كما كل خلفية ومحيط. لا أريد أن أفترض لكني واثق من أن المشاكل التقنية كانت مثل قائمة المشتريات بعد أن نفذ حاجيات البيت. وأن أحد أهمّـها كان إضاءة الوجوه على نحو واحد من بداية الفيلم حتى نهايته. لماذا؟ لأنه هناك في الفضاء البعيد ليس هناك تعدد مصادر إضاءة. لا يمكن التنويع ولا إختيار المصدر حسب الوقت من اليوم. 
كل ذلك يُـثير الإحترام لأن البذل لإنجازه على النحو الصحيح لم يتوقّـف (بما في ذلك إنتظار المخرج بعض الوقت لحين تطوير أجهزة تقنية خصيصة للفيلم، وقيام ساندرا بولوك بالتدريب لأكثر من أربعة أشهر على هذا الدور. ربما مخرج آخر قرر أن يحقق الفيلم بما هو متاح وأن يطبخه على عجل حتى لا يبرد. ليس كوارون.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2008- 2013
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ