وحيداً في الصالة

WAR HORSE **

حمار بريسون أفضل من حصان سبيلبرغ
بلتازار كان حماراً ولم يكن حصاناً. لكن ذلك في فيلم الفرنسي روبير بريسون «بلتازارر البائس» سنة 1966 وفيه تابع المخرج المعروف قصّـة حمار فرنسي تنتقل ملكيّته من شخص إلى آخر. وهو (أقصد الحمار)  دائماً غير محظوظ ولا سعيد بصاحبه الجديد. بريسون أيضاً هو مخرج «مال» (1983) حيث يتابع فيه مصير ورقة مالية تنتقل من يد إلى يد طوال الفيلم. 
لكن الحمار كحكاية أقرب إلى حصان ستيفن سبيلبرغ في فيلمه هذا.  حمار بريسون عاش  أيضاً في مزرعة في مطلع الفيلم، كما يفعل حصان سبيلبرغ هنا، وإذا ما بدا ذلك عادياً، فمعـظم الحمير والجياد تعيش في مزارع، فإن هناك عملية نقل كليهما من مالك لآخر بعد قليل من بداية الفيلم. لكن طبعاً هناك اختلافات، ولا أقصد اختلافات التاريخ والجغرافيا، لكن ما هو أهم: حمار بريسون يمثّل نفسه. إنه حيوان مسكين يبحث عن خلاصه من إنسان لا يقدّره، وهو شأن هذا الحيوان الصبور والمسكين دائماً. إما حصان سبيلبرغ فهو يمثل حالة خيالية قوامها فرس يقع في حبّه أكثر من فرد ولديه القدرة على صنع المعجزات مثل الركض عبر حقول القتال بين الألمان والبريطانيين خلال الحرب العالمية الأولى والقفز فوق الحواجز ثم المرور في وسط الأسلاك الشائكة التي تحيط به من كل جانب والتي تؤدي إلى سقوطه ومنعه من الحركة، ثم الخروج من كل ذلك بجرح بسيط. المعجزة الأكبر هي أنه سيلتقي بصاحبه الأصلي ويسطر النهاية العاطفية السعيدة. وهو يفعل كل ذلك من دون أن يكون قرأ السيناريو،  لكنه يمثّل جيّداً وأفضل من معـظم الطاقم البشري الذي معه. بذلك حصان سبيلبرغ ليس حصاناً عادياً وليس عن الحصان ذاته، إنه عن سوبر هيرو متلبّس شكل الحصان.
الفيلم في أصله رواية وضعها مايكل موربوغو سنة 1982 وليس معروفاً (على عكس الحال في «مغامرات تان تان» الفيلم ما قبل الأخير لسبيلبرغ) متى لفتت نظر المخرج لأول مرّة، لكن مكتبه اشترى الحقوق سنة 2009 والسيناريو (للي هول ورتشارد كيرتس) كٌـتب في منتصف العام التالي، والتصوير بدأ سنة 2010  وانتهت المراحل التقنية والفنية اللاحقة في مطلع العام 2011 وتلك المراحل الأخيرة مهمّـة. كل ذلك القفز فوق الخنادق والحواجز والستائر الترابية والأسلاك الشائكة والبطولات التي يدرك المرء أنها مزيّـفة حتى وإن لم يكن خبير جياد، تمّـت في عِـهدة فناني المؤثرات الخاصّـة (علاوة على أن خمسة عشر حصاناً او نحوها تم لها تمثيل الدور الواحد). طبعاً النتيجة على الشاشة مبهرة، وهذا هو المتوقّع من المخرج المعروف، لكن هل هي مبررة؟
سبيلبرغ عاطفي جدّاً هنا، من البداية هناك ذلك الشاب ألبرت (جيريمي إرڤن) الذي يراقب المهر الصغير بجانب أمّه، وحين ينجح والده (بيتر مولان) في شراء الحصان من المزاد يفرح ألبرت ويتعهد برعايته. صاحب الأرض ليونز (ديفيد ثيوليس) يتوعّد الأب بسبب ديونه والأب يريد بيع الحصان. ألبرت يعارض وفي ملحمة من العواطف التي تشترك في إحيائها موسيقا جون وليامز بلا خجل، ينجح في تطويع الحصان (الذي ربما كان لا يزال يبحث عن هوية) إلى حصان فلاحة. طبعاً مثل ممثلي السينما، نجاح واحد يجعل الممثل مطلوباً من قبل الاستديوهات، وكذلك الحال مع هذا الحصان، فالجيش البريطاني يريده ويشتريه بالفعل. لكن الضابط الذي يقدّر الحصان ويحبّه يقع قتيلاً في معركة ضد الألمان والعهدة تنتقل إلى الألمان ثم إلى فرنسي وإبنته ثم إلى ألمان آخرين، ثم إلى البريطانيين حينما يقرر الحصان أنه شبع من هذه الشعوب كلّها ويريد للفيلم أن ينتهي. لكن سواء أكان المالك الجديد فرنسياً او ألمانياً فهو سيتحدّث الإنكليزية بطلاقة ومن دون لكنة حتى لا يتسبب ذلك في التضحية المحتملة لمشاهد واحد. 
النصف الأول ملتاع وفيه دموع ونحيب وأصوات ضاجّـة. في النصف الثاني يتحسّن وضع الفيلم قليلاً بإستثناء أنه يبقى ضاجّـاً، لكن هذا لا يستمر طويلاً. سبيلبرغ يشيد صوراً مشحونة بالعاطفة الرخيصة ومفتقدة إلى فن التعامل مع تلك العاطفة. كل ما نراه مرمي أمامنا لغاية لا علاقة لها بقيمة أي شيء. فقط قصّة أخرى من المخرج الذي يهددنا دوماً بأنه يستطيع صنع فيلم مسل عن دليل الهاتف، لكن يا حبّذا يستطيع تحقيق شيء قريب من بعض أعماله السابقة.


Year 4/ Issue 112 | Number of films reviewed: 293 | No. of films reviewed this year: 8

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2008- 2012

The Artist/ Underground: Awakening/ J. Edgar


Year 4/ Issue 111 | No. of films reviewed till now:292 | No. of films reviewed this year:7



الفنان              The Artist                           

فرنسا (2012) ** 
تصنيف: كوميديا صامتة  [ألوان/ دجيتال] 100 د
إخراج: ميشيل أزانافيشو أدوار أولى: جان دوجاردان، بيرينيس بيجو، جون غودمان، جيمس كرومول، بينيلوبي آن ميلر.


هما كلمتان ينطقهما بطل فيلم «الفنان» للمخرج الفرنسي ميشيل أزانافيشوس وذلك في اللقطة الأخيرة من الفيلم: Wiz Pleasure. طبعاً المقصود هو With Pleasure لكن بما أنه فرنسي فإن اللكنة تغلب وwith تصبح wiz
هذا مفتاح لنحو تسعين دقيقة من فن السينما الفريد. لا شيء يشبه هذا الفيلم من … من … من… أوه   لنقل أيام السينما الصامتة…. والسبب أنه فيلم صامت بدوره و- علاوة عن أنه صامت- هو فيلم عن … السينما الصامتة.
الكلمتان هما مفتاح الفيلم الذي نعثر عليه في اللقطة الأخيرة. صحيح أن الباب كان مفتوحاً من البداية بحيث لو وجدنا المفتاح او لم نجده لما كان ذلك مهمّاً، لكن الآن فقط عرفنا ذلك السر الصغير- الكبير: لماذا لم يرحب الممثل (في الفيلم) جورج فالنتين (يقوم به الفرنسي جان دوجاردا) بالسينما الناطقة؟ لماذا مانعها؟ سخر منها في البداية قبل أن يجد نفسه عاطلاً عن العمل. وجد نفسه بلا عمل. نجم فترة ولّت و"شخصية بلا هوية" لفترة جديدة.
هنا نفهم أن جورج لم يرحّب بالنطق لأنه، كونه ممثلاً هوليوودياً، إنّما امتلك في ناصية الحياة الفعلية لكنة فرنسية. وفي تلك الأيام لم يكن ذلك مسموحاً به. الجمهور لم يكن ليفهم او يرضى بأن يقبل لكنة غير أميركية ينطق بها الممثل حتى ولو كان نجماً محبوباً. النطق، الذي بدأ تدريجياً سنة 1927 ثم اكتمل مع مطلع الثلاثينات، فضح كثيرين: بعض الممثلين كان يمتلك صوتاً غليظاً، بعضهم لم يكن يمتلك قدرة على النطق الصحيح، والبعض الثالث، كهذه الحالة، كان أجنبياً، إيطالياً او لاتينياً او فرنسياً، بحيث أن فرصته لدوام الشهرة كانت معدومة. «الفنان»، الذي يتصدّر هذا العام قوائم الترشيحات في أكثر من مناسبة وجائزة دولية من أوروبا إلى الولايات المتحدة، يتحدّث عن واحد من هؤلاء.

إذاً، لنعود إلى الوراء: الحكاية بإيجاز أن جورج نجم لامع في السينما الصامتة. تتحرّش به فتاة طموحة إسمها بَبي ميلر (برنيس بيجو) ويساعدها فتصبح ممثلة مساندة ثم نجمة كبيرة بفضله. لكن فيما هي تصعد إلى الأعلى، كان هو يشهد إنحداره. منتج أفلامه (جون غودمان) يخبره بأن الخطوة الكبرى التي تنتظر السينما هي النطق، لكن جورج يتركه ساخراً. بعد حين، عندما أخذت أفلامه تفشل في جذب الجمهور وقد نطقت السينما فتوجّه إلى الممثلين الناطقين، يدرك أن المنتج كان على حق. يصنع فيلم مغامرات في الأدغال ويراه يتهاوى بينما الفيلم الذي تظهر فيه بَبي، وقد باتت نجمة، يحقق نجاحاً كبيراً بين الجمهور. يكتشف أنه أصبح على حافة الماضي، ثم ها هو يسقط في حفرة الأمس. عاطل عن العمل، يبيع مقتنياته بالمزاد او في دكان الرهونات، ثم يحرق معظم أفلامه ويسقط مغشياً عليه فيما يحاول كلبه إنقاذه. حين يفيق في المستشفى يجد بَبي إلى جانبه، وبعدما تنقله إلى بيتها يكتشف أنها هي من اشترت مقتنياته حتى تحفظها له. لكن كبرياءه يدفعه لمحاولة دمار نفسه من جديد لولا أنها تنقذه هذه المرّة. معاً سيمثلان فيلماً جديداً. إنه هنا، بعدما يقدّمان مشهداً أمام الكاميرا (داخل الفيلم) بنجاح كبير، يقول له المنتج: "هل تستطيع إعادة تصوير هذا المشهد" فيجيبه جورج wiz pleasure وهنا فقط، ثانية قبل أن  نهاية الفيلم، نفهم السبب الذي من أجله كان على جورج أن يمتنع عن الإستمرار في التمثيل وأن يترك قافلة السينما تمضي من دونه.

«الفنان» ليس فيلماً عن السينما الصامتة. إنه فيلم صامت. وهو ليس فيلماً عن التصوير بالأبيض والأسود. إنه بالأبيض والأسود. ليس فيلماً عن تقنيّة السرد في أيام زمان الأول، بل يمارس تقنية السرد في تلك الأيام والكيفية التي كان الفيلم ينتقل فيها من مشهد لآخر. إذا كنت تعتقد أن أفلام الأمس ساذجة ستجد هذا الفيلم ساذجاً، أما إذا كنت تعتقد أنك تستطيع فهم كنه السينما من خلالها، كما تفهمها من خلال فيلم مارتن سكورسيزي الذي لا يقل قيمة «هيوغو»، فأنت في ضيافة فيلم من النوع النادر. فيلم ربما يقدّم حكاية من نوع صعود نجم وهبوط آخر في المقابل (كما في «مولد نجمة» مثلاً) لكنه في الوقت ذاته أفضل فيلم عاطفي تم تحقيقه في العام المنصرم. في مواجهته، كل فيلم ناطق يتبادل فيه البطلان كلمة "أحبّك" يبدو لعب "عيال". أمراً خالياً من البراءة ومفعماً بالزيف.
طبعاً أستطيع الدخول في بعض التفاصيل لكي استنتج أن هناك اختلافات معيّنة: الفيلم الجديد من صنع العشرينات لم يكن بهذه النظافة التي عليها هذا الفيلم- لكن هل نستطيع أن نلوم المخرج إذا ما صنع فيلماً سليم الصورة؟ طبعاً لا. بالتالي، هذا ليس موضوع خلاف خصوصاً حين النظر إلى صنعة الفنيين الذين عملوا في الفيلم من مصمم المناظر الأميركي لورنس بانت، الى مدير التصوير الفرنسي غويلوم شيفمان إلى الموسيقي الفرنسي لوفيك بورس. كل منهم يكمل الصورة المنشودة التي في بال المخرج.
إنه ليس أمراً بسيطاً إقدام مخرج ما على تحقيق فيلم صامت. نعم يستطيع سينمائي ما أن يقرر، بفرض أنه وجد منتجاً مجنوناً، تحقيق فيلم روائي طويل من دون استخدام كلمة واحدة. لكن الأصعب هو البحث عن السبب. لماذا يريد تحقيق مثل هذا الفيلم. المخرج أزانافيشوس وجد السبب: فيلم صامت عن السينما الصامتة. طبعاً حتى هنا كان يستطيع إنجاز فيلم ناطق عن السينما الصامتة وسواه فعل ذلك. لكن إذا ما صنع الفيلم من لحمة وعجينة أفلام ما قبل العام 1927 او نحوها، فإن الناتج ستكون تماماً هذا الفيلم الماثل بإستثناء مشهد كابوسي قصير (يسمع الممثل صوت آخرين وأشياء ترتطم لكنه لا يسمع صوته) والمشهد الأقصر الذي ينطق فيه بالكلمتين الجوهريّتين. 
كان الفيلم عُرض في "كان" وخرج بجائزته الأولى من هناك، ثم هاهو الآن معروض في كل مكان حول العالملنتصوّر مجدداً: فيلم صامت معروض في صالات السينما الكبرى حول العالم! مثل «هيوغو» لمارتن سكورسيزي و«منتصف الليل في باريس» لوودي ألن هو جزء من ثلاثية تدعو إلى حب الماضي لأنه من دون حب الماضي فإن الحاضر لا جوهر له.


تحت الأرض: يقظة              Underworld: Awakening                           

الولايات المتحدة (2012) ** 
تصنيف: رعب  [ألوان/ دجيتال] 122 د
إخراج: مانس مارليند، بيورن ستاين  أدوار أولى: كايت بيكنسايل، ستيفن راي، مايكل إيلي  .

الفيلم الأول في العروض الأميركية هذا الأسبوع هو الفيلم الأردأ، وهذا ليس للمرّة الأولى، بل سبق لأفلام رديئة وضعيفة ومستهلكة أن احتلت المركز الأول من قبل. وبما أنني لا أمتنع عن مشاهدة أي فيلم، حتى لو كنت أعرف مسبقاً أنه رديء. في الحقيقة هذا الفيلم يصلح فقط لأربعة فئات من المشاهدين: الرجال- الذئاب (النوع الشرس الذي ربما كان أصله آدمي) ومصّاصي الدماء وهواة ألعاب الفيديو ومدمنين أفلام مثلي. بما أن معظم المشاهدين ليسوا من أي فئة مذكورة من حق المرء أن يتساءل عن السبب في تبوأ هذا الفيلم الصدارة حتى بين الشبيبة. 
طبعاً السبب هو أن هناك فيلمين سابقين من هذه السلسلة ما يعني أن المشروع الماثل الآن لديه خلفية وتاريخ والجمهور هو- غالباً- الذي اعجب مما شاهده سابقاً. فوتو كوبي من نفسه. لكن الفيلمين السابقين تضمّنا، أساساً، الصراع بين الرجال-الذئاب وبين الڤامبايرز فقط. أما البشر فكانوا بلا وجود فعلي. هذا الجزء هم موجودون مجرمين وضحايا.
نحن في عالم قد يكون مستقبلياً قريباً. لقد انتقل الصراع بين وحوش الرجال- الذئاب ومصاصي الدماء من تحت الأرض لفوقه (رغم العنوان).  وميزة سيلين (كايَت بكنسبال) هي أنها مصاصة دماء محاربة تبلي بلاءاً حسناً ضد الرجال- الذئاب (يسمّيهم الفيلم ليكانز) والبشر على حد سواء. ويبدأ الفيلم بهجوم شرس على المشاهدين عبر خمس او سبع دقائق من الأجساد المطعونة والرؤوس المقطوعة والأطراف المبتورة. هذا قبل قيام مؤسسة علمية أسمها "أنتيغان" بالقبض على سيلين ووضعها في البرّاد مثلّجة. الطبيب المسؤول عن المؤسسة هو د. جاكوب لَين (ستيفن راي) الذي يؤكد للمسؤولين أن كل شيء على ما يرام بينما ليس هناك شيء على ما يرام. رجاله المسلّحون يتساقطون كالذباب بعد البخ.  
بعد إثني عشر سنة من التمتع بطقس الأسكيمو تهرب سيلين من أسرها وتعود إلى سابق عهدها في سلسلة أخرى من مشاهد القتل المجاني ولا تنسى أن يعجبها سائق شاحنة فتعض رقبته وتمص دمّه لكي تعيش. لديها طبعاً "رسالة" حياة او موت، فحبيبها خليط من البشر والرجال- الذئاب وهو بحاجة لمساعدتها لإنقاذه من مصيره المحتوم. وكلاهما مغضوب عليه من كل الأطراف. كل ذلك وسواه في 80 دقيقة من العرض معظمه يمر أمامك لأنه كُتب هكذا ونُفّذ هكذا وليس لأي سبب فعلي آخر.
وجود البشر في هذا الجزء الثالث، وفي شكل أساسي، هو ديكور متحرّك ولمنح الفيلم ضلعاً ثالثاً في الصراع. بما أنني لم أشاهد الفيلمين السابقين لا أستطيع أن أقارن ما أراه هنا وأصل إلى نتيجة بالقياس بما سبق، لكن طالما أن البشر دخلوا الصراع فإن ذلك يوسع من المتشابكين فيصبح كل طرف في حرب مع طرفين آخرين عوض أن يكون طرفاً ضد طرف.
الفيلم يستعين بعدد من الممثلين الجيّدين وفي المقدّمة ستيفن راي وتشارلز دانس وكلاهما لم ينل حظّه من التقدير في السنوات الخمسة عشر الأخيرة على الأقل. بيكنسايل تملك قدرة بدنية ولو أننا نعرف أن قدرات الكومبيوتر غرافيكس هي الغلاّبة، لكن لابد من ممثل رشيق وقوي وسريع وهي تؤمن هذه الخصال جيّداً.
الفيلم ثلاثي الأبعاد والبعد الثالث موظّف جيّداً، لكن بما أن الفيلم يخلو من بعد فكري فإنه في نهاية الأمر لا زال ببعدين او هكذا اعتقدت. 


ج. إدغار              J. Edgar                           

الولايات المتحدة (2011) *** 
تصنيف: دراما/ بيوغرافي  [ألوان/ دجيتال] 137 د
إخراج: كلينت ايستوود  أدوار أولى: ليوناردو ديكابريو، جودي لينش، آرمي هامر، ناوومي ووتس.

علاقة كلينت ايستوود بالسيناريوهات المبنية على شخصيات حقيقية من بين الأفلام التي أخرجها حتى اليوم (35) موزّعة بين ثلاث محاولات سابقة: «بيرد» (1988) حول عازف الجاز تشارلي بيرد باركر (كما أدّاه فورست ويتيكر)، «صيّاد أبيض، قلب أسود» (1990) الذي كان استيحاءاً من رحلة قام بها المخرج جون هيوستون إلى أفريقيا (وقام ببطولته بنفسه)، «إنڤيكتوس» (2009) عن لاعب كرة القدم (مات دامون) الذي حقق الفوز لفريق كرة القدم الوطني في جنوب أفريقيا أول عهد تلك الدولة بالتحرر من النظام العنصري.
لكن هذه المرّة، في إطار «ج. إدغار» فإن الدراما المبنية حول شخصية الرجل الذي ارتعدت منه أميركا لأكثر من أربعين سنة، مختلفة.  على عكس المرّات السابقة، الشخصية الماثلة ليست فنية او رياضية، بل شخصية سياسية. هذا وحده كان يمكن له أن يكون تمييزاً كبيراً للفيلم. لكن ليس فقط أن سيناريو الكاتب (المثلي) دستين لانس بلاك، ترك السياسة وأم الجانب الشخصي وحده، بل وافقه ايستوود وصنع من المادة المكتوبة فيلماً يخسر أشواطاً في خانة المضمون راضياً بتقديم حكاية رجل تشغله مهنته من ناحية ويحكمه الخوف من "أعداء أميركا" وينساق لعلاقة مثلية. في حين أن الشواهد على كيف أدار مكتب التحقيقات الفدرالية الذي أسسه بنفسه ووجّهه لملاحقة من اعتبرهم شيوعيين (رؤساء وعمال إتحادات أساساً) ثم رجال العصابات الكبيرة (بايبي فايس نلسون، دلنجر الخ…) وكيف أمسك بكل السلطات ومارس جميع الأعمال التي من شأنها تلميع صورته كمحارب لصالح العدالة والقانون، فإن لا شواهد على ميوله الجنسية بل أقاويل. الكاتب يريد أن يثبت ذلك محوّلاً قدراً كبيراً من الفيلم لدراما عاطفية بين جون إدغار هوڤر (ليوناردو ديكابريو) ومساعده كلايد (أرمي هامر). لكن هنا المشكلة: كما أن حياة هوڤر المهنية مثبّته وموثوقة ولا شيء يُذكر عن حياته الجنسية، فإن الفيلم أيضاً لديه مئات الثوابت حول حياته المهنية ولا شيء سوى الإفتراضات حول حياته الجنسية.
لذلك، حين تموت والدته (لعبتها البريطانية جودي دنش) ويخصص المخرج مشهداً لبطله وهو يبدأ بارتداء حلى وملابس والدته قبل أن ينهار ويقع أرضاً وهو يبكي، فإن أول ما يخطر على بال هذا الناقد (على الأقل) هو: من أين جلب المخرج وكاتب الفيلم هذه الأكذوبة طالما أنها ليست موجودة في مذكّرات خلفها هوڤر عن نفسه؟ هل كان شخص خفي في الغرفة وشاهد رئيس الأف بي آي يتصرّف على هذا النحو حين ماتت والدته؟
رغم ذلك، فإن هذا الناقد يعرف التبرير: حسب فيلم أراد أن يثبت أن ج. إدغار هوڤر كان مثلياً وليس لديه أي دلائل على ذلك، (المثليون يعتبرون عادة أن لكل منا ميل مُثلي وكثيرون منّا ينقادون إليه) المشهد يبدو نتيجة منطقية كرد فعل على خسارته لأمّه التي أحب… منطقية ولو أنها افتراضية تماماً.
ايستوود كان يستطيع أن يستقل عن تنفيذ السيناريو كما هو وينجز بعض مراميه ومواقفه الخاصّة. تصوّر لو أنه منح الفيلم مادّة سياسية فعلية، فأخذ موقفاً مع او ضد هوڤر إنما تبعاً لقراءة تاريخية حول محاولة هوڤر السيطرة على مخاوف الجميع بإثارة الذعر من خطّة شيوعية جهنّمية لاحتلال أميركا. تصوّر لو حلل الوضع الأميركي آنذاك وربطه بذلك الوضع الآن حيث أن نشر الخوف من الآخر والخوف من كل شيء آخر أيضاً هو ما يسهّل البقاء على سدّة الوظيفة أوّلاً، والاستحواذ على السُلطات كما يرغب، وهو لب موضوع فيلم جورج كلوني «تصبحون على خير وحظ سعيد» (2005).
في طيّ ذلك، كان يستطيع الفيلم أن يوحي بأن هوڤر ربما ربط نفسه بعلاقة مثلية مع مساعده، طالما أن هذا "الإيحاء" هو كل ما هو متوفّر من إثباتات. 
لكن الفيلم، لكل هذه الأسباب الموجبة، عمل معقّد وتحليله لا يقلل من تعقيده. المدخل الذي يطل منه الفيلم على موضوعه هو تقديم شخصية لا تخلو من التناقض: هو إنسان ملتزم بعقيدته القائمة على تعاليم الأم والكنيسة، وواقع تحت تأثير الشهوة المثلية من ناحية ثانية (وذلك خلف ستار الفيلم إذ لا نرى سوى الإيحاءات وقبلة مغتصبة لا يرضاها هوڤر ويحذّر من تكرارها). يريد تطبيق أخلاقيات الوطن ومحاربة الفساد والجريمة، لكنه لا يستطيع أن يصون نفسه من الرغبة في تسجيل مواقف دعائية له حتى ولو كانت، كما ينص الفيلم، كاذبة (ادعائه بأنه قاد حملات اعتقال للمجرمين، لكن الفيلم ينفي ذلك مؤكداً أنه كان يهرع إلى المعتقل بعد اعتقاله لأجل أخذ الصور التذكارية ويسمح  لمجلات الكوميكس بكتابة روايات خيالية طالما تضعه في البطولة).
في صدد ذلك، يؤمن هوڤر الفيلم بأن الشعب الأميركي يريد ظلالة من الأمان يعيش فيها وأن مكتبه هو من سيتولّى تأمينها تحت إدارته غير المتنازلة، وكانت أمام الفيلم فرصة لطرح هذا الإيمان وفعله كما الثغرات التي فيه لو أراد. 
ايستوود يقص علينا حكاية قفّازة تنط من فترة زمنية إلى أخرى على نحو تفضّل معه أسلوب سرد كلاسيكي يتبع المراحل حسب ورودها الزمني. صحيح أنك تستطيع أن تصنع فيلماً سيئاً في هذه الحالة أيضاً، لكن الناتج على الشاشة غير سلس وليس هناك داعياً له ويخطف الكثير من الإهتمام الشخصي الذي يوليه المخرج. في الحقيقة هذا أكثر أفلام ايستوود رغبة في الوقوف عند حدود التنفيذ وعدم الإلتزام بوجهة نظر ذاتية مهما كانت. في ذلك، وجهة نظر الفيلم، تتوزّع ما بين الكاتب والمخرج كشريكين ولا تقع تحت وصاية الثاني وصلاحيّته الكاملة. صحيح أن الإختيارات المشهدية تبقى للمخرج، لكن كذلك كل شيء آخر وايستوود اختار النأي عن قرار المبدع والإكتفاء بقرار المنفّذ.
هناك حس في الفيلم بأن ايستوود يقصد تصوير هذا الرجل كخطر على الأمة، وهو بالفعل لا يقدّمه كبطل لها، لكن هذا الحس يتبلور على نحو تلقائي وغير تحليلي على الإطلاق. في نطاق التنفيذ، كل كادر معتنى به لوناً وظلالاً وحجماً وزاوية. ليوناردو ديكابريو (بإستثناء نبرة صوته القوية كمعلّق حتى في وقت لاحق من حياته) جيّد ولو محدود الجودة في دور كان يتطلّب ممثلاً أكبر سنّاً او تسلسلاً في المراحل الزمنية تمهّد لقبول مراحل انتقاله وبالتالي تمثيله التدرّجي في تلك المراحل.
حضوره البدني فاعل، لكن الحوارات كثيرة ما يلزمه بمحاولة إنجاز حضور صوتي يماثل حضوره البدني إقحاماً، وهذا يعيدنا إلى ليوناردو أكثر مما يضعنا أمام ج. إدغار هوڤر. يرفع من نبرة خطابة مُعالجة درامياً لشخصية حقيقية ربما لم تكن على هذا النحو مطلقاً.
لكن أفضل ما ينجزه الفيلم هو التالي:
ايستوود إذ يدخل حياة هذه الشخصية المعقّدة يريد كشف خطرها على المحيط الإجتماعي والسياسي معاً. بالنسبة إليه، هذا الرجل لا يقل دكتاتورية عن رئيس دولة. من البداية وفي مشهد جيّد يعكس فرحه بإنشاء "بنك معلومات" من البطاقات والملفّات عن كل من يأمر بالتخابر عليهم سواء أكان موظّفاً او رئيس جمهورية او بين الإثنين. وهو لا يلين مع الوقت بل يواصل منهجه فإذا به يتجسس على "الشيوعي" مارتن لوثر كينغ ويستمع إلى عميلته وهي تتحدّث لزوجة الرئيس أيزنهاور وتشكرها على "علاقة" مميّزة بينهما. فقط مع وصول رتشارد نيكسون (كريستوفر شاير) يجد أن وقته في المنصب بات محدوداً، فالرجل لا يريده في منصبه وهو يأمره بالإستقالة ليس كرهاً بممارساته اليمينية، بل تحسّباً مما قد يضعه هوڤر في ملفّه عنه.
هذا الفيلم في النهاية يقف عند الحافة بين عمل جيّد جدّاً في نواحيه التنفيذية (تقنية وعنصر كل جانب انتاجي) وبين عمل أقل أهمية مما كان يؤمل له. أحد أهم الجوانب التي قرر المرور عليها من دون كثير جهد وهي أكثر الجوانب أذى للفيلم، دور هوڤر في عملية صيد المثقفين والسينمائيين الذين اتهموا، عن صواب او عن خطأ، بأنهم شيوعيين وبالتالي دوره في حملة جوزف مكارثي التي نحرت المبدعين بتهم معظمها ملفّق متجاوزة مباديء قامت عليها الولايات المتحدة مثل حريّة المعتقد والتعبير.
لكن ما يغفر للفيلم بعض نواقصه هو أنه نجح في تقديم رجل عاش وعمل في فترة قلقة من تاريخ أميركا وهو كان الأكثر قلقاً من سواه. أراد أميركا (وكرر ذلك في الفيلم) "آمنة"، كرد فعل واضح على عدم شعوره هو نفسه بالأمان.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2008- 2012

Coriolanus

 Year 4/ Issue 109 | No of Films Reviewed until Now: 290 | This Year: 5

فيلم اليوم:

كوريولانوس                                      Coriolanus    
شكسبير  ضد حكم العسكر

بريطانيا (2011) ***
تصنيف: دراما [إقتباس أدبي] [ألوان/ دجيتال] 122 د
إخراج: رالف فاينس  أدوار أولى: جيرارد بتلر، رالف فاينس، لبنى ازبّال، أشرف برهوم، زوران سيكا، برايان كوكس| إقتباس عن رواية وليام شكسبير المعروفة وأحدى أقل أعماله انتقالاً إلى الشاشة.

"كوريولانوس"  من بين أقل مسرحيات وليام شكسبير انتقالاً الى الشاشة، لكنه كباقي أعمال الكاتب المُهيمن للحين على الأدب الغربي الكلاسيكي، فإن "كوريولانوس" في الوقت ذاته عملاً تراجيدياً يمضي بعيداً في تشريح النفس الواحدة وعواطفها المتشرذمة بين العقل والعاطفة وبين المنطق وغيابه وبين فعل القتال لمبدأ وفعل القتل كإنتقام. فيلم فاينس (الأول له كمخرج)  يحتوي على هذه العناصر بوضوح ويُثير، كما المسرحية، البحث في التاريخ. كل ما في الأمر من اختلاف، أن بحث شكسبير في هذا النطاق تعامل والزمن الغابر له، فهو كتب عن تراجيديا بطلها جايوس ماركوس كوريولانوس الذي عاش في القرن الخامس الميلادي (كتب شكسبير هذه المسرحية ما بين 1606 و 1608) في حين نقل المخرج هذه الأحداث الى عالم اليوم واجداً فيه الكثير من المبررات الكفيلة بجعل هذا التمازج عملاً واقعاً.
مثل محاولة المخرجة الأميركية جولي تايمور عندما أقدمت على اقتباس عمل آخر قليل الظهور على الشاشات هو «تيتوس» (1999) فألبسته ثياباً وهموماً تمزج ما بين التاريخ والعصر الراهن، يقوم المخرج فاينس بهذه النقلة بين الزمانين محافظاً على الكنه اللغوي والأدبي والأجوائي للمسرحية من ناحية وضامّاً إليها الطرح الزمني المعاصر لأجل أن تعمد الصورة إلى المزج والربط لتأكيد المفهوم من أن ذلك العمل وطروحاته إنما يعيش بيننا اليوم كما عاش في الفترة التي وضع فيها شكسبير عمله.
تقع الأحداث في روما حيث تهدد المجاعة المواطنين نتيجة استحواذ العسكر على المؤونات لصالح الجهد الغربي. تقوم المواطنة تامورا (جهد ملحوظ من المغربية لُبنى أزبال او الزبّال بالتعريب المصحح) بقيادة المحتجّين، لكن القائد العسكري كايوس كوريولانوس (رالف فاينس) لا يلقي بالاً حيال المطلب معتبراً أن العسكر هم أكثر من المدنيين حاجة للمؤونة. وفي موقفه، وعلى نحو واضح إزدراء للعامّة من الناس الذين يعتبرهم كوريولانوس، في خطبة له، غير جديرين بالرعاية أساساً. يصرف كوريولانوس الوقت والجهد لموقعة عسكرية ضد جيش عدو يقوده توليوس (جيرارد بَتلر) الذي يعتبره كوريولانوس خصماً أكيداً ومنذ سنوات. كوريولانوس متزوّج من ڤرجيليا (دور صغير نوعاً لجسيكا شَستين) لكنها تنأى بنفسها عن السياسة مكتفية بمراقبته من بعيد وتاركة مصيره لوالدته المتحكّمة ڤوليومينا (ڤانيسا ردغراف). لكن كوريولانوس يضطر للهرب من روما وإجراء مهادنة مع عدوّه توليوس سائلاً إياه توحيد الجهود للهجوم على روما. هذا لا يمنع من أن مصالحتهما سياسية محدودة الأثر والفترة، وأنهما سيتنازلان في نهاية الأمر كعدوّين.
مع والدته (ڤانيسا ردغراف)٠

هذا تشخيص لحكم العسكر استمدّه المخرج من الكاتب الأعجوبة شكسبير ومنحه ظروف العالم المعاصر (الحاضر والسابق بقليل) معلّقاً على فاشية الأنظمة وسلطويّتها وأفقها الضيق. فاينس يصنع فيلماً يريد طرح ذات المسائل السياسية والإجتماعية التي شكّلها شكسبير كأرضية صراع في مسرحيته تلك، وهو (فاينس) ينجح في الإتيان بالمسببات، فالفيلم لا يزال يتحدث عن جوانب لصراع دام وأحد هذه الجوانب اقتصادي بين من يملك ومن لا يملك، لكن الجانب الذي يطغى، وعن صواب، هو متى يعترض القائد الذي يحاول دخول السياسة طريقه بنفسه لأنه يشعر بأن ثأره لعدوّه يأتي في المرتبة الأولى فيفقد صوابه، ومن ثم حياته، في سبيل اندفاع جلّه عاطفي؟
فاينس نقل الأحداث كما وردت في المسرحية، لكنه بنقله لها زمنياً أمد الفيلم ببعد جديد. الماثل ليس تراجيديا شكسبيرية الملامح بقدر ما هو فيلم معارك وحروب يمضي بعيداً في عنف المواقع. ما يحفظ للفيلم عنفوانه هو أن المخرج لا يغفل متابعة شخصيته الرئيسية، كوريولانوس التي يقوم بتشخيصها بنفسه، ومحاولاته التي تنطلق أولاً من فصل نفسه عن السياسة، بعد انتصاره ضد عدوّه تالوس (جيرارد بتلر) ثم من قبوله بمنصب سياسي قبل أن يمضي في محاولة الإنتقام من عدوّه ذاك ثم تلبّد تلك الرغبة حين يجد لزاما الإنضمام إليه في حربه ضد المصالح السياسية قبل أن ينتهي وإياه في منازلة أخيرة.
مع زوجته جسيكا شستين
يخرج فاينس مشاهده بمطرقة هاوية على الأبصار والآذان والأدمغة. ليس لديه وقت للتفنن، لكن عمله في الوقت ذاته ليس رديئاً، وإن كان يبحث لنفسه عن ناصية أسلوبية بصرية أفضل لا يستطيع تأمينها. لكن هناك شخصيات قويّة في تشكيلها النفسي والفني وفي تصرّفاتها. كذلك فإن الإبقاء على النص الشكسبيري من دون تغيير (بنفس قاموس مفرداته وتعابيره غير المستخدمة اليوم) يمنح العمل تميّزاً آخر من ناحية، وباعثاً على قدر من الإنفصام في المرامي كما لو أن فاينس يريد أن ينجز التاريخ والحاضر في الوقت ذاته. الأداء بمفردات شكسبيرية يختلف كثيراً عن الأداء في أي عمل آخر. هنا على الممثل أن يكون مرتاحاً مع اللغة ذات المفردات الخاصّة ومن الأفضل له أن يكون خبيراً مسلّحاً بسنوات من التدريب المسرحي. في هذا النطاق، نجد أنه في الوقت الذي تمثّل فيه السيدة ردغراف دورها ببراعة واقعية فائقة، فإن جسيكا شستَين لا تقل عنها تلقائيّة على الرغم من الفارق الكبير سنّاً وتجربة بين الإثنين. جيرار بتلر المعروف بأدواره البعيدة عن هذا النوع من الأعمال، نجده ممتزج جيّداً فيه كما الحال مع رالف فاينس الذي يؤم عمليه (وراء وأمام الكاميرا) بقدرة مدوّية مع اختلاف أنه وراء الكاميرا كان يحتاج إلى أسلوب توغّل في الأحداث لا تتيحه اللكنة الهادرة للفيلم. لكنها قد تكون رؤيته للمسرحية التي يجب إحترامها في كل الأحوال.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2008- 2012

THE GIRL WITH THE DRAGON TATTOO

 Year 4/ Issue 108 | Numberof Movies Reviewed till Now: 289 | This Year: 4 

فيلم اليوم

The Girl With The Dragon Tattoo ***1/2

فيلم ديفيد فينشر الجديد: تشويق محسوب باللحظة واقتباس مباشر من الكتاب وليس من الفيلم السويدي السابق



في العام 1970 أخرج الفنلندي الذي صنع معظم أعماله في السويد فيلماً بعنوان «آنا» حول إمرأة تنتقم من الرجل الذي قام باغتصابها، عبر اغتصابه هي له وبطريقة مماثلة بعنفها. دونر كان مأخوذاً بأفلام إنغمار برغمن، لكن هذا الفيلم، الذي شوهد حينها في بيروت، لم يكن برغمانياً على الإطلاق. دونر حقق نسخته عن الأزمة النفسية التي تدفع المرأة للإنتقام، ولو من دون جهد كبير في خانة علم النفس. 
في العام الماضي قام المخرج الأميركي ديفيد فينشر بتحقيق هذا الفيلم حول إمرأة تنتقم من مغتصبها شر انتقام. طبعاً الحكاية لا تتمحور حول هذا الفعل، لكنه من أهم ما في الفيلم وذلك استنساخاً عن رواية ستيغ لارسن التي كان المخرج الدنماركي نيلز أردن أوبلوف حققها سنة 2009 في فيلم يحمل العنوان نفسه أيضاً مستنسخاً من رواية لارسن.
في المشهد المروع لقيام الفتاة ذات الوشم ليزابث سالاندر (روني مارا) بتعذيب المحامي الذي كان اغتصبها (في مشهد مروع سابق) هناك صوت لآلة الوشم فقد أصرّت على أن تشم صدره بعبارة "أنا خنزير مغتصب نساء". إذا لم تشاهد الفيلم بعد، وستشاهده قريباً، تابع صوت المنشار والكاميرا تنسحب إلى باب الشقّة مع تعالي صوت الموسيقا (كتبها إثنان ترنت رزنور وأتيكوس روس) وفي ثناياها صوت الآلة الحافرة نفسها. 
مثل هذه التفاصيل التقنية تشترك مجتمعة في التفاصيل الكبيرة التي مارسها المخرج ديفيد فينشر نفسه. النتيجة هي أن الفيلم لا يحمل ذرّة ضعف او هوان تقني واحدة. من لحظته الأولى الى آخر لقطة فيه منفّذ بحرفية عالية من قبل جميع المشتركين وراء الكاميرا (وأمامها ولو أن ذلك شأن آخر) وذلك يشمل الكتابة والإخراج والتصوير والموسيقا ومونتاج الصوت (المثال أعلاه) والمونتاج. وحين ذكر المونتاج (وهناك إثنان مسؤولان عنه أيضاً هما كيرك باكستر، أنغوس وول) معظم الفيلم مشدود الوتيرة كسكين حاد. اللقطة قد لا تستمر لأكثر من نصف ثانية لكنها محسوبة وغير مستخدمة استعجالاً لكن لخلق إيقاع مشحون بالتوتّر. هذا لمعظم الفيلم، لاحقاً في ثلثي الساعة الأخيرة (من نحو ساعتين ونصف) يهدأ الإيقاع قليلاً. والإختلاف بيّن. التوليف السابق يعمل جيّداً لكن على حساب الروح. هذا الفيلم لمعظمه خال من العاطفة والشعور الإيجابي تجاه أي شخصية. تستطيع أن تعرف ذلك إذا ما شاهدت الفيلم السابق الذي قامت ناوومي راباس بدور الفتاة الموشومة التي تؤدّيها هنا روني مارا. 


فيلم أوبليف استطاع كسب تعاطف المشاهدين حيال ما تتعرّض له ليزبث وبالتالي مهّد جيّداً لتعاطفهم معها حين انتقمت. هنا مشهد الإغتصاب مروع، لكن الفتاة تبدو كما لو كانت روبوت على أي حال، ما جعل مشاعرها غير المنطوقة مندثرة أكثر مما يجب. مع وصول مشهد انتقامها فإن المشاهد قد يتابع لكنه قد ينزعج أيضاً وبدرجة كبيرة.
فينشر يسرد الحكاية ذاتها: ليزبث هذه تعرّضت منذ صغرها إلى اعتداءات كثيرة. نشأت عدائية ولا تثق بالرجال وسحاقية. عليها أن تطلب من محامي والدها المعاق المعاش الشهري، لكن هذا يريد ثمناً لما تطلبه. هذا القسم من الفيلم يتقاطع وقسم آخر: ميكائيل (دانيال كريغ) صحافي كتب ما فضح أحد كبار الصناعيين لكنه قُدّم للمحكمة كونه لم يستطع تقديم براهين. خسر بذلك وظيفته ومدّخراته في الوقت الذي كان ثري عجوز أسمه هنريك فانغر (كريستوفر بلامر) قد طلب من مدير أعماله البحث عن ماضي ميكائيل تمهيداً لإسناد مهمة صعبة. ليزبث، كونها باحثة كومبيوتر مرتبة أولى، هي التي تؤمّن هذه المعلومات عن ميكائيل الذي يجد نفسه مطلوباً لمقابلة هنريك فوق جزيرة يملكها وأفراد العائلة. المهمّة هي البحث عن إبنة شقيقه هرييت التي اختفت قبل أربعين سنة. يقول له: "أمضيت نصف عمري
أتحرّى أحداث يوم واحد"
إبنة شقيقته كانت اختفت في يوم وقعت فيه حادثة على الجسر المؤدي إلى الجزيرة ما أدّى إلى إقفاله،  ما يعني أنها لم تغادر الجزيرة ولو أنها اختفت في اليوم ذاته. وهنريك يعتقد أن أحداً من العائلة قتلها وأخفى جثّتها ولو أنه لا يعرف من يكون. على ميكائيل أن يعرف وميكائيل، بعد ساعة ونصف من الفيلم، عليه أن يأتي بمساعدة. هنا يلتقي وليزبث لأول مرّة. وبعد نحو نصف ساعة يمارسان الحب بنفس القدر من اللا شعور الذي يُعالج به المخرج شخصيات الفيلم في المواقع المختلفة منه.
لكن الفيلم ليس بارداً. فينشر مارس العملية من قبل في «نادي العراك» Fight Club  (سنة 1999) وبنتائج مشابهة: جيّد الصنعة. خال من التعاطف. حرفياً ماهر ومشوّق، درامياً ليس لديه ما يقوله عن شخصياته من الداخل. هذا على عكس «سبعة» و«غرفة الفزع» ونسخة قريبة جدّاً من فيلمه الأخير «شبكة اجتماعية» الذي لعبت فيه مارا شخصية الفتاة التي تتحدّث إلى مارك زوكربيرغ (جيسي أيزنبرغ) في مطلع الفيلم.
إذا ما كان معظم الفيلم مشدود الإيقاع تبعاً لتوليف حاد، فإن ثلثي الساعة الأخيرة أكثر راحة. ومع أن ظروف هذا الإختيار لا يمكن أبداً أن تُقرأ على الشاشة، الا أن هذا الجزء الأخير هو الذي يرتاح الفيلم فيه من لهاثه ويبدأ بتكوين أجواءه الخاصّة. المكان، في الأساس، مشبع بالشتاء واللون الرمادي والبيئة الطبيعية للجزيرة البعيدة. لكن في ذلك الوقت يبدأ المخرج بتطويل المدّة الزمنية للقطة الواحدة ما ينتج عنه مساحة للتأمّل بعدما غرز المخرج في داخل المرء كل الحقائق وبات يتطلّع الآن إلى النتائج.

مصادر الفيلم خيالية عموماً بإستثناء أن الكاتب لارسن كان شهد حادثة اغتصاب قامت به عصبة من الشبّان لفتاة صغيرة أسمها ليزبث ولم يستطع التدخّل لأنه كان صغيراً (في الخامسة عشر من عمره كما صرّح) ووحيداً. لكنه استطاع توظيف هذا الشعور بالذنب في حكاية فتاة تحمل الإسم ذاته. الأمر الثاني الذي حرص المؤلّف على بثه في رواياته، خصوصاً هنا، هو العلاقة المتينة، كما يراها، بين الثراء والفساد المالي والفاشية. الرواية، وكلا الفيلمين، تتعامل ووضع القاتل المسلسل الذي يكشف عنه في النهايات هو ذاته النازي عدو السامية. وليست هناك أي محاولة للحديث لا عن النازية ولا عن ضحاياها من اليهود. هناك فقط الإشارة الموجزة التي توحي بأن ضحاياه يهوديات، لكن من دون التأكيد على ذلك او سحب خيوط سياسية منها. 

الحقيقة أن هذا الفيلم أقل اكتراثاً بالسياسة وبالمراجع السياسية لشخصياته مما كان عليه الفيلم السابق. هذا لم يكن حال «زودياك»، فيلم فينشر الأسبق. صحيح أنه لم يتحدّث سياسة لكن نضح بالفترة السبعيناتية وما مثّلته للأميركيين.
المقارنة بين نسخة المخرج الدنماركي أوبلوف والمخرج الأميركي فينشر للفيلم تعمل لصالح الثاني. في حين أن الفيلم الأول يفتقد توازناً ووحدة عمل في أركانه، نجد نسخة فينشر متماسكة و، على الرغم من طولها، سُلطوية. لا يمكن الإنسحاب منها على الرغم من فترات موجزة من الشعور بأن الحوار هو أكثر مما قد ينفع الفيلم. لكن، مرّة أخرى، أفلام فينشر لا تخشى الحوار، وفيلمه السابق «شبكة اجتماعية» مبني بكامله على الحوار. لكن المخرج يعرف كيف يُصندق هذا الحوار في مشاهد محكمة. إنه ليس فيلليني ولا أنطونيوني، لكنه فنان على الرغم من ذلك. أسلوبه يتعامل مع المادة روائياً واضعاً ملكيّة السرد فوق الإعتبارات الأخرى ثم ناسجاً كل ما يتطلّبه من تفاصيل محددة. 
الأمر الوحيد الذي يمكن، نظرياً، طرحه من زاوية انتقادية هي أن أحداث الفيلم وشخصياته سويدية، لكنه مصنوع بالإنكليزية. الآن، كلنا نفهم السبب، لكن الفيلم يجب أن لا يفهم سبباً في ذلك. طبعاً لم يكن ممكناً تحقيق فيلم أميركي بممثلين سويديين (كما فعل الفيلم السويدي ذاته)، هذا صحيح، والصحيح أيضا أن المخرج جرأ على عدم نقل الأحداث إلى أميركا لصياغة فيلم أقرب إلى محيطه بل أبقاها في بيئتها الخاصّة مع العلم بأنه كان يخاطر هنا من حيث أن المسافة الزمنية بين الفيلمين لا تزيد عن سنة وبضعة أشهر من شاهد الفيلم السابق، يشعر أحياناً كما لو أنه يرى الفيلم الواحد مرّتين.

DIRECTOR:   David Fincher
CAST:   Daniel Craig, Rooney Mara, Christopher Plummer, Stellan Skarsgard, Steven Berkoff, Robin Wright . SCREENPLAY:  Steven Zaillian . NOVEL BY:  Steig Larsson. CINEMATOGRAPHER Jeff Cronenweth (Color/35mm)   EDITOR: Kirk Baxter, Angus Wall (158 Min). MUSIC:   Trent Reznor, Atticus Ross. PRODUCER:  Cean Chaffin, Scott Rodin, Ole Sondberg. PRODUCTION:   Scott Roddin/ Columbia Pictures/ MGM [UK/ USA/ Sweden- 2011).



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2008- 2012

  الجمهور يقبل عليها لأنه يحب ما يخيفه سينما الرعب تملأ شاشات السينما   محمد رُضـا It منذ مطلع هذا العام وحتى اليوم، تم ...