فيلم ريدر كافيه

الوضع الغريب لتوني إردمان


شاهدت «توني إردمان» مرّتين، الأولى في مهرجان "كان" والثانية عندما كان لابد لي من مراجعة رأي سلبي كوّنته في المرّة الأولى بعدما وجدت أن حماسة النقاد الغربيين للفيلم فائقة وبدرجة غير اعتيادية. المشاهدة الثانية أكدت استنتاجات الأولى: هو فيلم ثرثرة حوارية طويل مؤطرة بكادرات شغل تلفزيوني ومعالج بقدر كبير من الإسترسال حول نقطة لا تنتهي.


لكن هل يعقل أن يكون ناقد واحد، أو بضعة نقاد، على حق والمعظم الكاسح على خطأ؟ الجواب أن المسألة ليست من هو صاحب الرأي الصحيح مقابل من هو صاحب الرأي الخطأ، وبالتاكيد ليست المسألة نسبية. هناك الكثير من الأفلام التي تنال إعجاب ناقد ما ليجد نفسه وحيداً فوق جزيرته بينما يرى النقاد الآخرون أن الفيلم لا يستحق أي إعجاب يذكر، والعكس صحيح كما في حالة «توني إردمان».


نعم، هو نظرة (شبه) كوميدية سوداء عن أوروبا اليوم (متمثلة بألمانيا تبعاً لهوية بطليه الأب وإبنته) وعن إختلاف الأجيال لكن من بعد نصف ساعة من تداول هذه النقطة الباقي هو إسترسال مع قليل مما يمكن البناء عليه. حتى مع التقدير لهذا المضمون ولما سعت المخرجة مارن أدَ لإنجازه على صعيد تقديم مواقف تحمل تناقضاً بين الجيلين والمفهومين، إلا أن الفيلم ليس المضمون إلا بمقدار. الأهم هو كيفية معالجة هذا المضمون وإذا ما تم صنع فيلم جيد عنه أم لا.


معظم ما هو منشور من مقالات إعجاب لهذا الفيلم قائم على الإعجاب بالفكرة وبالمضمون مع إعتراف البعض بأن الفيلم (قرابة ثلاث ساعات) أطول قليلاً مما يجب. كما لو أن هذه النقطة بالتحديد أطول قليلاً») ليست ذا أهمية عندما تبحث في المدّة التي استغرقتها المخرجة للوصول من أ إلى ب.


Sunday, January 29, 2012



وحيداً في الصالة

WAR HORSE **

حمار بريسون أفضل من حصان سبيلبرغ
بلتازار كان حماراً ولم يكن حصاناً. لكن ذلك في فيلم الفرنسي روبير بريسون «بلتازارر البائس» سنة 1966 وفيه تابع المخرج المعروف قصّـة حمار فرنسي تنتقل ملكيّته من شخص إلى آخر. وهو (أقصد الحمار)  دائماً غير محظوظ ولا سعيد بصاحبه الجديد. بريسون أيضاً هو مخرج «مال» (1983) حيث يتابع فيه مصير ورقة مالية تنتقل من يد إلى يد طوال الفيلم. 
لكن الحمار كحكاية أقرب إلى حصان ستيفن سبيلبرغ في فيلمه هذا.  حمار بريسون عاش  أيضاً في مزرعة في مطلع الفيلم، كما يفعل حصان سبيلبرغ هنا، وإذا ما بدا ذلك عادياً، فمعـظم الحمير والجياد تعيش في مزارع، فإن هناك عملية نقل كليهما من مالك لآخر بعد قليل من بداية الفيلم. لكن طبعاً هناك اختلافات، ولا أقصد اختلافات التاريخ والجغرافيا، لكن ما هو أهم: حمار بريسون يمثّل نفسه. إنه حيوان مسكين يبحث عن خلاصه من إنسان لا يقدّره، وهو شأن هذا الحيوان الصبور والمسكين دائماً. إما حصان سبيلبرغ فهو يمثل حالة خيالية قوامها فرس يقع في حبّه أكثر من فرد ولديه القدرة على صنع المعجزات مثل الركض عبر حقول القتال بين الألمان والبريطانيين خلال الحرب العالمية الأولى والقفز فوق الحواجز ثم المرور في وسط الأسلاك الشائكة التي تحيط به من كل جانب والتي تؤدي إلى سقوطه ومنعه من الحركة، ثم الخروج من كل ذلك بجرح بسيط. المعجزة الأكبر هي أنه سيلتقي بصاحبه الأصلي ويسطر النهاية العاطفية السعيدة. وهو يفعل كل ذلك من دون أن يكون قرأ السيناريو،  لكنه يمثّل جيّداً وأفضل من معـظم الطاقم البشري الذي معه. بذلك حصان سبيلبرغ ليس حصاناً عادياً وليس عن الحصان ذاته، إنه عن سوبر هيرو متلبّس شكل الحصان.
الفيلم في أصله رواية وضعها مايكل موربوغو سنة 1982 وليس معروفاً (على عكس الحال في «مغامرات تان تان» الفيلم ما قبل الأخير لسبيلبرغ) متى لفتت نظر المخرج لأول مرّة، لكن مكتبه اشترى الحقوق سنة 2009 والسيناريو (للي هول ورتشارد كيرتس) كٌـتب في منتصف العام التالي، والتصوير بدأ سنة 2010  وانتهت المراحل التقنية والفنية اللاحقة في مطلع العام 2011 وتلك المراحل الأخيرة مهمّـة. كل ذلك القفز فوق الخنادق والحواجز والستائر الترابية والأسلاك الشائكة والبطولات التي يدرك المرء أنها مزيّـفة حتى وإن لم يكن خبير جياد، تمّـت في عِـهدة فناني المؤثرات الخاصّـة (علاوة على أن خمسة عشر حصاناً او نحوها تم لها تمثيل الدور الواحد). طبعاً النتيجة على الشاشة مبهرة، وهذا هو المتوقّع من المخرج المعروف، لكن هل هي مبررة؟
سبيلبرغ عاطفي جدّاً هنا، من البداية هناك ذلك الشاب ألبرت (جيريمي إرڤن) الذي يراقب المهر الصغير بجانب أمّه، وحين ينجح والده (بيتر مولان) في شراء الحصان من المزاد يفرح ألبرت ويتعهد برعايته. صاحب الأرض ليونز (ديفيد ثيوليس) يتوعّد الأب بسبب ديونه والأب يريد بيع الحصان. ألبرت يعارض وفي ملحمة من العواطف التي تشترك في إحيائها موسيقا جون وليامز بلا خجل، ينجح في تطويع الحصان (الذي ربما كان لا يزال يبحث عن هوية) إلى حصان فلاحة. طبعاً مثل ممثلي السينما، نجاح واحد يجعل الممثل مطلوباً من قبل الاستديوهات، وكذلك الحال مع هذا الحصان، فالجيش البريطاني يريده ويشتريه بالفعل. لكن الضابط الذي يقدّر الحصان ويحبّه يقع قتيلاً في معركة ضد الألمان والعهدة تنتقل إلى الألمان ثم إلى فرنسي وإبنته ثم إلى ألمان آخرين، ثم إلى البريطانيين حينما يقرر الحصان أنه شبع من هذه الشعوب كلّها ويريد للفيلم أن ينتهي. لكن سواء أكان المالك الجديد فرنسياً او ألمانياً فهو سيتحدّث الإنكليزية بطلاقة ومن دون لكنة حتى لا يتسبب ذلك في التضحية المحتملة لمشاهد واحد. 
النصف الأول ملتاع وفيه دموع ونحيب وأصوات ضاجّـة. في النصف الثاني يتحسّن وضع الفيلم قليلاً بإستثناء أنه يبقى ضاجّـاً، لكن هذا لا يستمر طويلاً. سبيلبرغ يشيد صوراً مشحونة بالعاطفة الرخيصة ومفتقدة إلى فن التعامل مع تلك العاطفة. كل ما نراه مرمي أمامنا لغاية لا علاقة لها بقيمة أي شيء. فقط قصّة أخرى من المخرج الذي يهددنا دوماً بأنه يستطيع صنع فيلم مسل عن دليل الهاتف، لكن يا حبّذا يستطيع تحقيق شيء قريب من بعض أعماله السابقة.


Year 4/ Issue 112 | Number of films reviewed: 293 | No. of films reviewed this year: 8

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2008- 2012

No comments: