Monday, June 19, 2017

Paterson | Fallen Stars



       فيلمان أميركيان مستقلان                                           
ميسر المسكي 

باترسون | Paterson              ★★★★
شُـهُـب   | Fallen Stars            ★★★


في نهاية ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، كان أمراً مألوفاً، بل ومتوقعاً، أن يأتي مخرج شاب (أو مُـخضرم) بفيلم من خارج السياق. ففي تلك السنوات المُضطربة والمُفـعَـمَـة بروح التغيير، كان تحطيم السياق هو أحد أسباب إنتفاضة الشباب، من الجامعة إلى الشارع. لكن حين أستعادَت المؤسسة السلطوية، بكل أشكالها وتجلياتها، عادَ السياق العام ليحكم مفاهيم التذوق والتعبير والإنتاج. وهوليوود بأستوديوهاتها الكبرى عادت لتتحَكَم بالدور الثقافي للفيلم الأميركي وشكله الفني. ومع الوقت أصبَحَ مجرّد أن يأتي مُـخرج ما بفيلم "مختلف" جيد هو مدعاة للتحية وأمراً مُـنعشاً للعين والعقل.
في "باترسون" و "شُـهُـبْ" يصنع جيم جارموش وبرايان جيت فيلمين من خارج السياق العام للمُـنـتَجْ الهوليوودي السائد. طبعاً جارموش وجيت يختلفان في القيمة كمُـخرجين تماماً كأختلاف القيمة بين فيلميهما. لكن اللافت أن العملين يتناولان بلغة  تأملية هادئة حالة شخصياتهما في رتابة أيامها وتكرار أحداثها فيما السؤال الكبير المُعَلّق فوق رؤوسها (ورؤوسنا) عن معنى الأشياء وقيمتها في الحياة.


باترسون

يأخذ جارموش الشعر المُعاصر مَدخلاً إلى سيرة شخصيته الرئيسة في الفيلم، باترسون (يؤديه آدم داريفر ببراعة). ففي مقابلة مع مجلة تايم يقول جارموش أنه زار مدينة باترسون (نفس أسم الشخصية الأساسية في الفيلم) قبل خمس وعشرين عاماً ولفته بحدة ذلك التنوع العرقي الصارخ والواقع المتدهور لمدينة كانت يوماً عاصمة صناعة النسيج في أميركا وواعدة بأن تكون يوتوبيا المدن الصناعية في القرن التاسع عشر. كَـتَـبَ يومها جارموش معالجة سينمائية من صفحة واحدة عن رجل يرمز للمدينة، مُـستنداً إلى شعر أحد أشهر شعراء باترسون، الدكتور وليم كارلوس وليامز. بقيت المعالجة عقوداً في الدرج إلى أنعَادَ إليها جارموش أخيراً الأن ليحولها إلى فيلم جميل، ساحر.
يبدأ الفيلم بقصيدة تتحدث عن نوع من أعواد الكبريت. هذا الشعر الذي يلتقط أشياء الحياة اليومية المُطلقة في عاديتها وعدم أستثنائيتها ويصنع منها فناً، هو ما كان يدعو إليه بعض سورياليّ بداية القرن العشرين والذين طالما أكدوا أن هناك "سحراً" في كل أشياء الحياة العادية حولنا وما علينا إلا أن نفتح أعيننا لنرى ذلك السحر. وجارموش حقاً يفتح عينيه (وعيوننا) على دهشة عادية الأشياء. تلتقط كاميرا جارموش (التصوير لفريدريك إلمز الذي سبق وتعامل مع جارموش في "قهوة وسجائر" وكذلك مع المُخرج المُتفرد الأخر ديفيد لينش في "مخمل أزرق") زوايا من مدينة باترسون حين تتابع تكرار ذهاب وعودة باترسون إلى عمله في محطة الباصات الرئيسية في المدينة. في تلك الزوايا يفوح عبق النوستالجيا المُرهقة بالواقع التعس لحال الأبنية وقفر الشوارع: "لم أحاول أن أضفي لمسة رومانسية على الإنحطاط." يقول جارموش. لكن مع ذلك أنت لا تستطيع أن تفلت من ذلك الإحساس بالأسى الذي يسكنك حين ترى تلك الأبنية التي شهدت عزّاً في الماضي واليوم هي تكافح لكي لا تسقط. ربما هذه واحدة من سحر الأشياء "العادية" حولنا


يعالج جارموش اسبوعاً من حياة باترسون، سائق الباص، بأكثر قدر ممكن من الوفاء لفكرة تجريد المعالجة من أي خيال رومانسي أو فانتازيا. هذا الوفاء قد يبلغ حَـدّ التقشف أحياناً. فالغوص في "عادية" حياة باترسون يقود جارموش إلى تكرار المشاهد. فالرجل يصحو حوالي السادسة والنصف كل صباح ليسمع من زوجته التي لا تزال تتشبث بأهداب النعاس (تؤديها بجودة الإيرانية غولشيفيت فرحاني) نتفاً من أحلام غريبة راودتها. ثم يتناول إفطاره ويقطع نفس الطريق نحو محطة الباص ليقود باص النقل الداخلي في ورديّة من ثمان ساعات. ربما التنوع الوحيد في يومياته هي نتف الحديث الذي يسمعه من أحاديث الركاب التي يتبادلونها في الدقائق القليلة التي يمضونها على الباص. مساء باترسون له روتينه كما صباحه. هناك البار والإستماع لقصص الرواد المتراوحة بين حب مرفوض ومال مُختَلَس.
مساحة الخيال والفانتازيا الوحيدة التي يتيحها جارموش، هي في طموحات وأحلام زوجة باترسون الراغبة يوماً أن تُصبح مُـغنية كاونتري شهيرة، ويوماً فنانة تشكيلية وهي في النهاية تنجح فقط في بيع كل الحلوى التي صنعتها في سوق المزارعين فتطير فرحاً لحفنة من الدولارات.
"باترسون" هو عن الشعر المُستتر في أيامنا. عن حياة قد لا يحدث فيها شيء، لكنها بحدّ ذاتها هي كل الأشياء. عن خيال يصنع عالمه من أشياء يومه المرمية في كل مكان بلا جدوى إلا لو شئنا أن نستلهم منها إبداعاً نبقيه لذاتنا ربما وليس بهدف الشهرة والمال. باترسون المدينة هنا وفي هذه الحال يبدو معنى أختيارها عميقاً في رمزيته ودلالته


شُـهُـب

في "شُـهُـبْ" لبريان جيت أيضاً تعيش الشخصيتين الرئيستين في رتابة وروتين أيامهما لكن مع فارق هام، فهنا الشخصيات إما فقَدَت قدرتها على التواصل الاجتماعي، أو هي فشلت في العثور على معنى للحياة الرتيبة التي تعيشها. من هنا تبدو الشخصيتان وكأن فيهما، ومن بعيد، ملامح للشخصيات الـ "ساغانيّة" (نسبة للكاتبة الفرنسية الراحلة فرانسوا ساغان) التي غالباً ما كانت الكاتبة تضعها في محنة وجودية تتجلى بمواجهتها لعقم بحثها عن معنى العلاقات الإنسانية وشروطها.
"كوبر" (يلعبه رايان أونان بهدوء وإتزان لافتين) شاب في منتصف الثلاثينات من عمره، يعمل بارمان في حَيّ تقطنه غالبية من الشرق أسيويين، في لوس أنجلس. لعشرة سنوات كوبر يعمل بارمان ولإنه توقف عن العَدّ من سنوات فهو يتفاجئ بقالب الحلوى الصغير الذي يحضره أحدّ الرواد المواظبين على البار إحتفالاً بالمناسبة الصغيرة هذه. المناسبة تضعه أمام سؤال كبير "ماذا أفعل بحياتي؟". السؤال يفزعه ويرميه على علاقات عابرة مع نساء لا يتذكرن أسمه صباح اليوم التالي ولا هو يعود يلتقيهنّ. الظروف تجعله ياتقي (ديزي كارز) شابة تبدو أقل من عادية لكنه يشعر بإنجذاب إليها. ما سيتبع هو حكاية شخصين تعذبهما دواخلهما بما فيها من خوف من الأتي والوحدة والتقدم في العمر وعبث الوجود فيستحيل التواصل بينهما.
برايان جيت أيضاً (كما جارموش في "باترسون") يحيل الرتابة إلى لغة تتكرر فيها أفعال الشخصيات يوم بعد آخر. كاميراه تقترب برهافة من وجوه شخصياته لتلتقط الدمعة المُحتبسة في العين كما الإضطراب الداخلي والقلق.
براين جيت يأخذ وقته في سرد الحكاية، كاميراه تتابع شخصياته بأناة وصبر تلتقط تفاصيل صغيرة بالـ "كلوس-أب" لتضيف على معنى الحالة وتعبيرها.


الشاب ريان أونان في الدور الرئيس يعرف كيف يُبقي أداؤه الهادئ تحت سقف مُحدد من الإنفعالات يتلائم مع حالة الإحباط والعَدَم التي تعيشها الشخصية. وحين تقترب الكاميرا من ملامحه يبدو مُدهشاً فيما تقوله عيناه
لا حَـدَثْ في "شُهُبْ" كما لا حَدَثْ في "باترسون". وأقصد هنا بالحَـدَثْ ذلك الإصرار الهوليوودي على حشو أو إفتعال الرواية لخلق التوتر وإستدراج المُتفرج للمتابعة. الحكايتان لدى جارموش وجيت هما حكاية عادية الأيام، تكرارها، والكمية الهائلة من الأفكار والهواجس التي تدور في رؤوسنا دون الحاجة لمؤثر خارجي بهدف جعل الحكاية أكثر "إثارة وتشويقاً".

من هنا ربما ومن باب المُقارنة العابرة بين أفلام السياق العام وتلك الغير مُـنتمية له. فقد حَـقَـقَ الممثل كريس إيفانز  فيلماً بعنوان "قبل أن نذهب" (إيفانز يُخرج، يُـمثلّ ويُنتج). هو أيضاً عن رجل وأمرأة يلتقيان لليلة واحدة في نيويورك ويبوحان لبعضهما بما يؤرقهما. الفيلم لطيف، سهل، مصنوع بأناقة لكن دون جرأة ولا خيال. فيلم يروي الحكاية ويثرثر دون أن يتأمل. لذلك يحشر إيفانز أحداثاً في ليلة واحدة لا تحدث عادةً مع المرء في عدّة أعوام. الهدف هو جعل الفيلم أكثر تشويقاً ...وإفتعالاً!
لكن لمن يبحث عن فيلم عواطف ناعم (لا يبقى منه ذكر فور إنتهائه) لسهرة مع صديقة، فـ "قبل أن نذهب" قد يحقق الغَرَض.


_______________________________________________________
©
كل الحقوق محفوظة للمؤلف بحكم قانون الملكية البريطانية
All rights are reserved by Mohammed Rouda
_______________________________________________________



Saturday, June 10, 2017

Year 8 • Issue: 254 | The Beguiled (The old & the New).



  فيلم الأسبوع                                           

THE BEGUILED 
إخراج: صوفيا كوبولا
Sofia Coppola 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضــا
مقارنة بين فيلمين من مصدر واحد: 
فيلم صوفيا كوبولا ضد فيلم دون سيغل
من هو المخدوع حقاً: رجل يقع ضحية أم نساء يقعن في الشبق؟

★★★★★

• The Beguiled: نسخة صوفيا كوبولا من 

• نسخة دون سيغل/ كلينت ايستوود سنة 1971

العمل السينمائي الوحيد الذي تم نقله إلى الشاشة الكبيرة للمؤلف توماس كولينان (1919-1995) هو  The Beguiled الذي قام دون سيغل بإخراجه سنة 1971 وتعمد إليه ثانية المخرجة صوفيا كوبولا في نسخة جديدة عرضها المهرجان الفرنسي في مسابقته قبل يومين.
العنوان الإنكليزي ليس سهلاً احتوائه بتفسير واحد: Beguiled هو المخدوع الواقع تحت فعل مراوغة أو خطّـة ناتجة عن إغواء. في فيلم سيغال أمكن تسمية الفيلم بـ «المخدوع» (أو «المنخدع») نسبة إلى الرجل الذي يسقط في أسر نساء،  وفي نسخة صوفيا كوبولا تنطبق الكلمة على الإناث الستة اللواتي تسلل الجندي الشمالي إلى مدرستهن الخاصة فوقعن تحت جاذبيته كونهن يعشن في حرمان ما وكونه الرجل الوحيد في ذلك المكان، بالتالي هن «منخدعات» أكثر من خادعات كما ورد في نسخة سيغل.
حاولت طوال مدة عرض الفيلم الجديد (94 دقيقة) تجاهل الفيلم الأصلي، لكن ذلك لم يكن ممكناً. الفيلم الجديد ينقل الحكاية كلها والتغييرات التي في عمل المخرجة ليست حاسمة أو جديدة بحيث تمكن المشاهد من إلغاء فيلم سيغل إذا ما كان شاهده.

براءة ورجولة
في الأصل، وكما ورد على الغلاف الأخير من نسخة «بينغوين» البريطانية للنشر عندما اشترت حقوق الرواية الأميركية الصادرة سنة 1966، تلعب القصّـة على نسيج من العوامل النفسية والعاطفية والمرح الداكن. هذا المزيج ما بين العمق والترفيه الذي تقترحه الرواية والذي عمد إليه المخرج دونالد سيغل جيداً هو ذاته المفقود في فيلم صوفيا كوبولا في أول فيلم لها تقوم بإعادة تصويره (أو كما يسمى بـ Remake)
الحكاية الواردة هي بالخطوط العريضة والمتوسطة ذاتها: جندي جريح (كولن فارل في الفيلم الجديد وكلينت ايستوود في النسخة الأولى) من الجيش الشمالي، خلال الحرب الأهلية الأميركية في مطلع ستينات القرن التاسع عشر، يسقط جريحاً بالقرب من مدرسة فتيات في الجنوب الأميركي وبمعزل عن باقي رفاقه. تكتشفه فتاة صغيرة فيتم نقله إلى داخل المدرسة التي لم تعتد على أن يدخلها رجل. تتم مداواته وعلاجه لكن في هذه الفترة التي يستغرقها العلاج يغوي الرجل فتاتين راشدتين الفتيات  واهماً كل منهما بإخلاصه ما يوقع بينهما وكذلك بين كل الإناث الأخريات. في النهاية هو ضحية فعلته إذ يتم تسميمه (بإقتراح من فتاة صغيرة) للتخلص منه.

• كرستِـن دنست وكولِـن فارل في نسخة كوبولا

نسختا هذا الفيلم تختلفان في التفاصيل. في فيلم  إبنة فرنسيس فورد كوبولا هناك مدرّسة واحدة (نيكول كيدمان) مسؤولة عن حفنة من الفتيات (ستة). في نسخة سيغل هناك مدرّستان وعدد أكبر من الطالبات. أيضاً، يخلو فيلم كوبولا من إمرأة سوداء تخدم في المدرسة وتقوم بمهام التنظيف والعناية بالمكان وهو الأمر الطبيعي (الوارد في الحكاية أصلاً)  لكن هذا لم يغب عن نسخة سيغل. وفي فيلم كوبولا يتم قطع ساق الرجل لكن ساق بطل نسخة 1971 يحتفظ بساقه.
ثم هناك ما هو أهم من فروقات بين العملين. 
دون سيغل، وقد عمل مع كلينت ايستوود خمس مرات كان «المخدوع» ثالثها، وفّـر فيلماً الرجل فيه هو المحور الظاهر وليس البعد العاطفي المستتر. إنه من يسقط فريسة الإناث اللواتي أدخلنه جريحاً وعملن على العناية به. صحيح أنه جلب على نفسه النهاية الوخيمة إذ غرر بهن وألب بعضهن على بعض، لكنه خُـدع بدوره مصدقاً ما تبدى من براءتهن وقبولهن به بينما كن قد خططن لقتله بشوربة فطر مسموم.
في نسخة صوفيا كوبولا تركيز على أن الفتيات هن المنخدعات اللواتي صدقن الرجل وألفن إليه وترددن في تسليمه إلى الجيش الجنوبي فبادرهن بعد ذلك بمحاولة فرض سيطرته عليهن.

بين ممثلين
بوجود عدد كبير من الشخصيات النسائية في نسخة دون سيغل، هناك قدر أوسع من تباين الشخصيات النسائية. مثلاً يجد الرجل نفسه، في كلا الفيلمين، في جنة من النساء وعليه أن يقتنص الفرصة. كذلك فإن إحدى أهم الشخصيات الثانوية هي الخادمة الأفرو- أميركية لكونها تعكس وضعاً واقعياً. غيابها في نسخة كوبولا يخلق تساؤلات، فالحرب الأهلية قامت على مبدأ تحرير «العبيد» ووجودها يجسد هذه الحقيقة كما أنها، في الفيلم السابق، واحدة من الإناث الجميلات التي سوف تخلق لإيستوود بديلاً عاطفياً محتملاً.
في أسلوب كوبولا  المتمحور حول أنثوية الوضع أكثر من ذكوريته، فقدت المخرجة كوبولا وجهة النظر المتوسطة الذي وفرها الروائي  معايناً الموضوع والتاريخ والمكان والإشكالات المترتبة جميعاً. في الوقت ذاته، يفشل الممثل البريطاني كولين فارل (المحتفظ بلكنته الأيرلندية مخففة) في تقديم تشخيص ثري وقوي وليس مجرد أداء تنفيذي. هو ربما جيد فيما أتيح له: تقديم دور الجندي الذي يحاول السيطرة على نساء المكان بالخديعة. لكن ايستوود نفّـذ مشروعاً أكثر أهمية كدراما: هو الرجل الذي يحاول السيطرة على نساء المكان بالخديعة، لكنه الأقدر على تجسيد الشخصية الرجولية (الماتشو) وهو ما كان مقصوداً  في الأساس لشحذ الدراما بالتناقضات الحادة وخدمة لإيستوود كنجم واثب. 
فاريل، حجماً، لا يقنع في هذا المجال والأهم أن المخرجة خلعت أنيابه فإذا به أضعف، بدناً وشخصاً، من أن يجسد تلك الذكورية. 
«المنخدعات»، حسب كوبولا، عليه أن يكون فيلماً نسائياً  لأنها إمرأة. وهذا أضعف مبرر يمكن اعتماده في هذه الحالة. لقطاتها بعيدة ومتوسطة والتمثيل كذلك من الجميع: بعيد عن اثارة الإهتمام أو متوسط. لا ألفة يمكن أن يشعر بها المرء حيال أي من الأوضاع أو الشخصيات ولا يستطيع الفيلم تجسيد أبعد مما يعرضه. وإذا كانت مشكلة فيلم سيغل أن الجمهور لم يعجب بدور ايستوود- الأيقونة لكونه أكثر دكانة من المتوقع له، فإن الجمهور هنا لن يكترث لأن تكون العصمة بيد النساء لأن الشخصيات الواردة منها ضعيفة حتى وإن بدت، في نموذجين هما دور نيكول كيدمان ودور كرستين دنست، غير ذلك.

• كلينت ايستوود يتعرض لحلاقة خطرة في نسخة سيغل

فيلم كوبولا يفتقد عمق الدلالات. في جل أفلامها تعتبر كوبولا أن حكايتها تستطيع أن تسرد نفسها بنفسها. لا تحتاج لأن تكترث للتفاصيل التي تؤلف- بصرياً- الكيان التفاعلي بين المشاهد وبين الفيلم.
هذا يتضح منذ مشهد البداية: الفتاة الصغيرة في المدرسة كانت تجوب الغابة بحثاً عن الفطر فتجد الجندي جريحاً على الأرض. هذه البداية تحمل تمهيداً مقبولاً لكنه غير مركّـز.
في فيلم سيغل يبدأ بالجندي الجريح وهو يسقط أرضاً ثم يتدحرج من مرتفع إلى آخر قبل أن يستقر شبه غائب عن الوعي. هذه البداية تحمل الخلفية والتشويق والتركيز على الرجل في محنته أمام الحرب ولاحقاً أمام عواطفه والمرأة عموماً.
بمقارنة تمثيل جيرالدين بايج واليزابث هارتمان وجون آن هاريس بذلك المتوفر في فيلم كوبولا، تتبدّى أسباب لتفضيل التمثيل في الفيلم الأول عنه في الفيلم الجديد. إنه إختيار المخرجة، غير الصائب، في إبقاء الحدة الناتجة عن هذا الوضع في أدنى قدرة لها على التجسيد.


_______________________________________________________
©
كل الحقوق محفوظة للمؤلف بحكم قانون الملكية البريطانية
All rights are reserved by Mohammed Rouda
_______________________________________________________