الجمهور يقبل عليها لأنه يحب ما يخيفه
سينما الرعب تملأ شاشات السينما  

محمد رُضـا
It


منذ مطلع هذا العام وحتى اليوم، تم عرض 58 فيلم رعب أميركي عرضاً سينمائياً وهناك 34 فيلماً مبرمجاً لكي تحتل الشاشات الأميركية وسواها حتى نهاية هذا العام.
هذا مع إستثناء الأفلام المنتجة من هذا النوع والتي توجهت، أو  ستتوجه، الى رفوف مبيعات الأسطوانات المدمّـجة. المجموع يجاور، حسب إحصاءات، 166 فيلم هذه السنة، وهي في نطاق النسبة ذاتها منذ مطلع هذا القرن.
الفيلم الذي احتل في الأسبوعين الماضيين الرقم الأول في الإيرادات الأميركية، هو It. فيلم رعب أحبه الجمهور  وغالبية النقاد  الأميركيين لأسباب من الصعب فهمها لكن النتيجة أنه تربع على عرش الإيرادات إلى أن أزاحه فيلم «كينغزمان: الحلقة الذهبية»، وهو الجزء الثاني من فيلم أكشن جاسوسي- كوميدي.
It لا يأتي بجديد على الإطلاق. هو إعادة صنع لفيلم تلفزيوني تم إنتاجه (إقتباساً عن رواية لستيفن كينغ) سنة 1990 لكن السبب في كونه لا يأتي بجديد لا يتوقف عند مقارنته بالفيلم السابق، بل بمقارنته بأفلام الرعب الأخرى.
ها هو المهرج القاتل. المخلوق المخيف. المنزل القديم المتداعي. الدهاليز. الممرات تحت الأرضية. الحمامات الملطخة بالدماء. الفتيان الذين يخوضون تجاربهم الحياتية الأولى وتلك الموسيقا المستنزفة من السبعينات غرار ما كتبه جون وليامز لفيلم ستيفن سبيلبرغ «لقاءات قريبة من النوع الثالث» (1977).

في فضاء الغرف
لكن لا شيء من هذا السير في ركاب معظم ما خرج من أفلام رعب هذا العام أو في الأعوام السبعة عشر الماضية أثر على قدرة الفيلم على الصمود تجارياً. صحيح أن الإقبال بأسره كان ضعيفاً، لكن «هو/هي» (كما يصح تسميته) هو الذي أحب الجمهور مشاهدته أكثر من سواه وبإيعاز من مراجعي أفلام وغالبية نقدية منحازة.
الواضح أن الدوافع الرئيسية الأهم لشيوع أفلام الرعب اليوم تمنحنا عدة أوجه للسؤال الكامن حول السبب الذي من أجله يهوى الناس مشاهدة هذا النوع من الأفلام. شيوع هذه السينما له مرجعيات مختلفة فهي قليلة التكلفة، قياساً بأفلام الخيال العلمي وأفلام الأكشن والسينما المزدانة بالممثلين المشهورين، ومضمونة النتائج خلال وسائط العروض المختلفة. إلى ذلك، لم تعد تتطلب خبرات فنية وأسلوبية واسعة كتلك التي امتلكها مورناو أو هيتشكوك أو جورج أ. روميرو  أو جون كاربنتر أو مارسها كوبريك وسواه.
هؤلاء استمدوا فن التخويف من فن الإيحاء ثم فن المداهمة. لا شيء يمكن أن يزيل من البال مشهد اقتحام آنطوني بيركنز (دون آن نتعرف إليه) الحمام ليقتل جانيت لي في «سايكو» (1960)  ولا مشهد جاك نيكولسون وهو يدخل رأسه من شق الباب المكسور ليخيف زوجته شيلي دوڤال في «ذا شاينينغ» (1980).
الرعيل الحاضر من المخرجين يعمد إلى برنامج جرى إعتماده لا يختلف كثيراً، في سرده وتأليف شخصياته ومواقفه وديكوراته وأماكنه، من فيلم لآخر. حتى برامج الكومبيوتر والمؤثرات الصوتية تتشابه. كذلك تفعيلات تلك الأفلام من زر الكهرباء الذي- فجأة- لا يشتعل إلى الباب الذي يوصد بقوة، إلى الضحايا العالقين من دون حبال في فضاء الغرف. كل ما على المخرج الجديد فعله هو أن يمد بيده إلى الوعاء المعتمد ذاته ويغرف منه. هذا في العموم طبعاً لأن بعض أفلام الرعب في السنوات الأخيرة، مثل «أخرج» (Get Out) لجوردان بيل الذي تحلّـى ببعد اجتماعي قلما تلتفت إليه أفلام الرعب الأخرى وIt Follows لديفيد روبرت ميتشل الذي نرى فيه إمرأة تتعرض لقوى غرائبية بعدما تعرّفت ومارست الحب مع غريب، كما «فأس عظمي» (Bone Tomahawk) للمخرج أس. كريغ زولر الذي دمج الرعب في إطار فيلم وسترن نفسي وتاريخي. 
هناك أيضاً «ماجي» لهنري هوبسون الذي قرّب سينما الفامبايرز أكثر إلى محيط الحدث داخل العائلة و«يبدون أناساً» (They Look Like People) لبيري بلاشير الذي يبدو مستوحى من فيلم «يحيون» (They Live) لجون كاربنتر (1988).

مع القاتل
لجانب ما تقدم من أسباب، فإن السبب الرئيس بين أسباب انتشار سينما الرعب بيننا إلى حد أنها باتت واحدة من أكثر أنواع السينما حضوراً اليوم، يعود إلى عامل مهم يبدو بسيطاً من الخارج لكنه معقد من الداخل وهو حب الناس للفزع.
في الأساس يتوجه الجمهور للسينما لأنهم يبحثون عن مصدر تأثير. هي توفر لهم الضحك والبكاء والإثارة وحس المغامرة وغرابة الفانتازيا و... الخوف. هذا العامل الأخير مطلب نفسي للشعور بأن أشياء قبيحة وشنيعة وقاتلة تقع مع الغير ولا تقع معهم. بذلك يسري خلال المتابعة، ويمتد لما بعدها، الشعور بالرضا لكون ما وقع ما زال في نطاق الشاشة وحدها. الخروج من قاعة السينما إلى الحياة العادية يمنح المرء نـظرة متجددة بأنه ما زال بخير.

Get Out

هذه النـظرة تلتقي مع ما نشره دكتور غلن وولترز في مجلة «جورنال أوڤ ميديا سايكولوجي» قبل نحو ثماني سنوات محدداً ثلاثة أسباب تدفع الجمهور للنزوح إلى سينما الخوف وهي التوتر والرعب والعنف. 
وهو لاحـظ أن عرض فيلم تسجيلي حول ذبح بقرة أو إطلاق النار على قرد أو سلخ ماشية وطهيها سيدفع معـظم المشاهدين إلى عدم متابعة الفيلم، لكن إذا ما وردت هذه المشاهد في فيلم رعب روائي فإنه سيتابعها بقليل أو بكثير من الشغف (يتوقف ذلك على قوّة الفيلم البصرية والدرامية).
وجد الباحث المذكور الجواب في طيات بحث سابق قام به عالم نفس آخر، هو ماثيو ماكولي، الذي فسر الأمر بأن الفيلم التسجيلي هو الواقع والفيلم الروائي هو الخيال. لأن «الفيلم الواقعي يلغي المسافة بين المشاهد وبين الحقيقة ما يزعجه ويدفعه لعدم مشاهدة المادة المصوّرة، بينما يحافظ الفيلم الروائي على تلك المسافة لأن المشاهد يدرك أن ما يراه ليس واقعياً».
المخيف في الموضوع هو الجانب الذي يدركه الناقد المتابع بنفسه (وإذا ما بحث عنه في المصادر النفسية وجده فيها أيضاَ) وهو أن قسماً كبيراً من المشاهدين الذكور (وهم النسبة الغالبة من روّاد أفلام الرعب) تجد في القتلة متنفساً لرغبة داكنة تكمن في الذات وتوافق على ما يقوم به القاتل (وهو عادة ما يكون مخلوقاً مشوهاً نفسياً وبدنياً) من جرائم. 
بالتالي، ينحسر التعاطف مع الضحايا إذا لم يحيطهم الفيلم بما يلزم من سلوكيات بطولية ويعريهم من أي قدرة على الدفاع عن أنفسهم لأن هذا الجمهور يخشى في الحياة الحقيقية أن يكون ضحية وقد لا يدري كيف لا يكون ضحية الا عندما يشاهد بريئاً سواه يقع تحت براثن القاتل وما يثيره من خوف.
في فيلم  It لأندي موشييتي، طرق ساذج لهذا الجانب عندما يتوجه الفتية الشجعان إلى المخلوق المرعب برسالة مفادها أن السبب في سقوط البشر كضحايا يعود إلى خوفهم، لكن إذا ما توحدوا فإن المخلوق (المخيف) هو الذي سيشعر بالخوف وسينهزم.
هذا التفسير شائع، بوجوه متعددة، منذ فيلم «نوسفيراتو» سنة 1922 ولو تحت مسميات أخرى (كأن يسقط المخلوق المخيف في الحب كما في «كينغ كونغ» مثلاً). لكن «إت» سوف يستخدمه، نقلاً عن مفهوم استقاه ستيفن كينغ، في شكل حوار سريع يحل به المعضلات المتراكمة.
الفيلم مشوق حتى المشهد الذي نرى فيه المهرج القاتل يظهر لولد صغير من بالوعة الطريق التي تبدو من الكُـبر بحيث تسع لسقوط سيارة من حجم ميني كوبر. وهذا يقع في الدقائق العشر الأولى من الفيلم. بعد ذلك هو توهان ما بين تقديم فيلم حول فتيان في نحو السادسة عشر من العمر (وفتاة واحدة) يخوضون مغامرة ضد الوحش ذي القدرات غير المتعددة، وبين احتواء نص حول مستضعفين بينهم (فتى أسود وفتى بدين وفتى يهودي وفتاة تعاني من والدها الذي يريد استحواذها). هذا الجانب كان يمكن تقديره لو أجيدت صياغته ولو أن الفيلم لم يعمد إلى ذلك الوعاء ذاته من عناصر التخويف الجاهزة التي استخدمت مؤخراً مرات متوالية.



_______________________________________________________
©
كل الحقوق محفوظة للمؤلف بحكم قانون الملكية البريطانية
2008-2017
All rights are reserved by Mohammed Rouda
_______________________________________________________



الرجال فقط عند الدفن



الرجال فقط عند الدفن              
إخراج | Directed By
 عبدالله الكعبي  


إخراج:   عبدالله الكعبي
تمثيل:   هبة صباح سليمة يعقوب، عبدالرضا نصاري، إنعام الربيعي، حورية الكعبي، عواطف السلمان.
•  النوع:   دراما نفسية | الإمارات العربية المتحدة (2017)
نقد:  محمد رُضا

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ★★★★ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خطوة كبيرة للأمام بالنسبة للمخرج وللسينما الإماراتية ايضاً



|*| على الرغم من العنوان، إلا أن وجود الرجل محدود بصرياً. فقط وجوده في خلفية المشاهد وكمظلة مخفية تعيش النساء تحتها وتتبع تقاليد فرضها المجتمع عليها. ما هو إنساني وطبيعي مهدور إذا كانت المرأة هي الفاعلة. مسموح ومسكوت عنه إذا كان الرجل هو الفاعل. على ذلك، هذا الفيلم الذي بوشر بعرضه في الإمارات هذا الأسبوع بعد أن ربح أحد جوائز مهرجان دبي الأولى في نهاية العام الماضي  ليس صرخات ضاربة الأطناب في دعوتها لتحرير المرأة. في الواقع، يتجنب الكاتب والمخرج عبدالله الكعبي في هذا الفيلم الروائي الأول له، أي دعاوى مباشرة ويعمد إلى جعل الأحداث الماثلة تتضمن ما يكفي من أسباب وتفاصيل إنسانية كافية لأن تشكل الرسالة حول تأثير التقاليد على نماذجه النسائية.
في مطلع هذا الفيلم المفاجئ في مستواه، تطلب الأم فاهمة (حورية الكعبي) من إبنتها غنيمة (هبة صباح) العاملة في إحدى المحطات الإذاعية أن تترك كل شيء وتحضر. الأم عمياء (مع مفاجأة لاحقة في هذا الصدد) وعندما تجلس على سطح المنزل مع شقيقتها عارفة (سليمة يعقوب) وإبنتها غنيمة وتبدأ بالإفصاح عن سبب هذا اللقاء، تنقلب بها الكرسي فتهوى من على السطح إلى الأرض. هي لا زالت حيّـة لكن لدقيقة واحدة إذ يدهسها زوج غنيمة (عبدالرضا نصاري) بسيارته بعدما فوجئ بها أمامه.
لا تدع هذه الصدفة تهز إيمانك بالفيلم، لكنها من وجهة نظر نقدية لا تلعب دوراً حاسماً. كان يمكن لها أن تموت من شدة السقطة ما يبعد عن الفيلم شبح الصدفة رغم أن المخرج يستفيد من هذا الوضع قدر الإمكان. 
إذ تقع الأحداث في الإمارات لكن وباللهجة العراقية تبعاً لهوية الوافدين في أعقاب حرب 1988، ينقسم الفيلم إلى ثلاثة أجزاء هي أيام العزاء المتوالية. ما يحدث في هذه الأجزاء هو وصول نساء أخريات للبيت للتعزية وفي الوقت ذاته للكشف عن احداث تعود إلى الماضي حيث لا شيء مما في ذلك الماضي كان ظاهراً للعيان حتى للنساء المجتمعات. هناك أسرار تعرفها العمّـة وأخرى تكشفها الجارة أو الصديقة. مواقف تفاجأ غنيمة وأخرى تدهم الجميع. ومثل حياكة سجادة بالطريقة اليدوية القديمة تشترك كل هذه الأسرار والحكايات والمواقف الصادرة من عواطف مكبوتة في صياغة ما يحدث خلال تلك الأيام  الثلاث. وما يدور يخلق شخصيات من لدن شخصيات أخرى. غنيمة، الأكثر عناداً، تضطر لتفهم أوضاع سواها وتدفع ثمن جهلها السابق وتخسر حين يقرر زوجها أن لا وجود له في حياتها. 
عبدالله يتخلص من هذا الفيلم الأول من شظايا الأساليب التقليدية في سرد الحكاية. لا مشاهد تطوف بك في أوجه عديدة لتقول ما يمكن لمشهد واحد أن يعبر عنه داخل المنزل، في عتمة الليل، صمتاً أو همساً.
الكاميرا ثابتة (بيد مدير التصوير بيمان شادمنفاز) تتخلص من عبء تصميم كان سيخفف وطأة الثبات على أسلوب الفيلم البصري. لا تتحرك ولا تتقدم ولا تتأخر بل تنصب نفسها في كادرات محسوبة همها الأول أن تنقل مباشرة ما يحدث مع ولكل شخصية على حدة. هنا يبرز تصميم المخرج لكل كادراته. إنها رسوما لشخصيات بينها مسافات محسوبة، لقطات من زوايا تعبر عن الموقف النفسي السائد في المشهد الذي تقوم بتصويره. كل هذا يؤلف عملاً فنياً غير مسبوق إماراتياً وقليل التطرّق إليه عربياِ (يشبه إلى حد أعمال التونسيين فاضل الجعايبي وفاضل الحريري ذات المصادر المسرحية  في الثمانينات).



_______________________________________________________
©
كل الحقوق محفوظة للمؤلف بحكم قانون الملكية البريطانية
2008-2017
All rights are reserved by Mohammed Rouda
_______________________________________________________




  نقد فيلم                                           

الفيلم:     The Wall | الجدار
إخراج:   دوغ ليمان
تمثيل آرون تايلور-جونسون، جون سينا، ليث نقلي.
•  النوع:   حربي | الولايات المتحدة  (2017)
•  تقييم: ★★★


أصعب الدراميات تلك التي يقودها ممثل واحد تبقى الكاميرا معه طوال الفيلم أو ربما شاركه ممثل آخر أو إثنان. روبرت ألتمن حقق أفضل فيلم عن شخصية الرئيس الأميركي رتشارد نيكسون في «شرف سري» (1984) وسيجد المنقب أفلاماً أخرى جيدة. لكن ليس بفاعلية فيلم ألتمن ذاك
الصعوبة ليست غامضة، بل يمكن أن يشير لها المشاهد بأصبعه: محاولة إشغال المشاهد بمشاهد غير متنوعة المكان (عادة) يقودها جميعاً فرد واحد عليه تقع كل الأحداث الواردة أو تنتج عنه. الكاميرا تبقى معه كذلك الخط النحيف من الحكاية الذي عليه أن لا يتأثر بمحدودية المكان أو الفرد الوحيد الذي تدور الأحداث حوله ومعه.
المخرج دوغ ليمان إنذار بورن» «بعيداً عنها») يؤم هذا الوضع في «الجدار»: مجند أميركي أسمه إيزاك في موقع صحراوي مع رفيق له أسمه ماثيو. كلاهما الناجيان الوحيدان من فرقة تعرضت لهجوم ما (قبل بداية الفيلم) وذلك في العام الذي أعلن فيه جورج بوش الإبن بأن الحرب العراقية انتهت بالإنتصار (2007). الحركة ساكنة في مطلع الفيلم ثم ينهض ماثيو من مخبأه ويتقدم صوب ذلك الجدار أو ما بقي ماثلاً منه معتقداً أن لا أحد وراءه. لكن قناصاً عراقياً ما زال في الجوار. لا نراه وطوال الفيلم سنسمع صوته فقط (يؤديه ليث نقلي). هذا القناص يرمي الجندي الأميركي ماثيو برصاصة تصيبه في امعائه فيسقط مضجراً. الجندي الآخر آيزاك (آرون تايلور- جونسون) يهب لنجدة رفيقه الجريح فيصاب بطلقة في ساقه ما يضطره للجوء إلى ذلك الجدار الذي سيذكّـره القناص العراقي بأنه كل ما بقي من مدرسة القرية التي دمرها الأميركيون.
جل الفيلم عن ايزاك المحاصر في مكانه والقناص المختفي الذي لا نرى له وجهاً. بعض الحوار الناشيء بينهما يتعاطى ومنظور كل منهما للحرب مع إعطاء الحجة أكثر من مرّة للعراقي الذي يسأل، على سبيل المثال، ايزاك إذا كان يعرف لماذا هو هنا. وعندما يصفه ايزاك بالإرهابي، يذكره القناص بأنه، اي الأميركي، هو الذي جاء ليغزو أرض سواه.
ليس أن الفيلم يصطف لجانب قضية أحدهما، لكنه- على الأقل- يعرضهما بضوء واحد وكان هذا ما فعله المخرج في فيلمه السابق الذي تناول، من بعيد، الحرب العراقية وهو «لعبة عادلة» (Fair Game) قبل سبع سنوات.
الفيلم (بميزانية تقل عن مليون دولار ومن إنتاج مؤسسة أمازون الإلكترونية،  ولو أن الفيلم شهد عروضاً أميركية ودولية في صالات السينما) يقوم على تصوير ذلك المأزق الصعب للجندي الأميركي في موقع لا يمكن له الخروج منها حياً بمفرده. إنه ذات المأزق الذي واجهته السياسة الأميركية أيام الحرب العراقية ما يفسر أن النهاية ليست في مقتل العراقي وبقاء الأميركي على قيد الحياة، بل العكس. عندما تصل النجدة أخيراً بطائرتين مروحيّـتين وتلتقط ايزاك عن الأرض يطلق عليها القناص الرصاص فتسقط بمن فيها كما لو أنها حطت في الأساس فوق طمى متحركة. 
طبعاً ما يقلق المشاهد هو أن احتمالات وجود قناص في موقع صحراوي خال من الحياة ضئيلة. عما كان يدافع عنه. حتى القرية التي يتحدث عنها ممحية. لكن كذلك يُـطرح السؤال حول الجنود الأميركيين (نرى جثث بعضهم هنا وهناك) وماذا كانوا يفعلون في موقع انتهى تدميره. بعض هذا العطب يزول باعتماد النظرة الرمزية التي يوفرها السيناريو (كتبه دواين وورل) والمخرج ليمان.




  أفلام اليوم                                           

Okja 
إخراج: 
Bong Jon-Ho 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضــا
★★★


 بالنسبة للبعض، فإن «أوكجا» (أو «أوكيا» في بعض أوروبا)، فيلم ترفيهي كبير جرى إنتاجه من قِـبل شركة نتفلكس التي وجهته للعرض في مهرجان «كان» الماضي ما أحدث ارتباكاً كبيراً لجميع المعنيين عندما انتقدت نقابة أصحاب الصالات المهرجان الشهير لقبوله فيلماً لم يحدد له موعد عرض في صالات السينما الفرنسية ولن يعرض فيها مستقبلاً.
هذا الإعتبار صحيح وكال ما يرد فيه كذلك. لأن الفيلم بالفعل أحدث ضجة كبيرة، كما سبق لهذا الناقد أن ذكر في إحدى رسائله من هناك، وعرف قدراً كبيراً من السمعة السيئة حتى من قبل أن يعرض على المشاهدين.
لكن الحال تغير بعدما عُـرض. أولئك الذين لا يحكمون على الأمور على نحو من أنتج ولماذا وكيف سُـمح به أو لم يسمح وجدوا فيه، عموماً، مادّة غير مشاعة لفيلم فانتازي حول فتاة صغيرة وخنزير ضخم (وضخم جداً). شركة «نتفلكس» المنتجة التي تتعامل والعروض غير المخصصة لصالات السينما والمنافسة الأولى لشركة «أمازون» الضخمة، انتجت هذا الفيلم بميزانية تقدر (كون أحد لم يفصح تحديداً عن الرقم الصحيح) بخمسين مليون دولار. وإليه جلبت المخرج الكوري جون-هو بونغ ليمارس  فيه طرح رؤيته للموضوع كونه كتب القصّـة الأساسية والسيناريو، قبل أن يقوم بإعادة الكتابة ضمن شروط المخرج جون رونسون لأمركة الفيلم. ورونسون هو كاتب سيناريوهات خمسة من قبل أشهرها «الرجل الذي حدّق بالماعز»، ذاك الذي انتجه وقام ببطولته سنة 2009 جورج كلوني.

جينيات
«أوكجا» فيلم فانتازي غير مُـشاع بمعنى أنه لو أسند لمخرج أميركي أمر تحقيقه لجاء مختلفاً وإن ليس بالضرورة أفضل أو أسوأ. المادة المثارة هنا مندمجة بثقافة المخرج وملاحظاته الخاصة وبثراء العناصر المكوّنة لكل مشهد. ستيفن سبيلبرغ كان سيصنع فيلماً مختلفاً من النص ذاته. كذلك جو جونستون جومانجي»)، غارث إدواردز غودزيللا») والآخرون.
هناك طرح مهم في «أوكجا» قد يفوت المشاهد وحتى المخرج الآخر فيما لو تصدّى له: كيف نمارس عاطفتنا على بعض الحيوانات ونأكل بعضها الآخر؟
الرجل ذاته الذي يربي كلباً أو المرأة التي تفضل القطّـة،  أو أي شخص آخر مشدوه لفكرة تربية حيوان أليف من أي نوع ومنحه البيت الآمن ليعيش فيه، هو ذاته- اللهم إذا كان لا يأكل اللحم مطلقاً- هو من يضع على طاولة العشاء دجاجاً أو لحماً بقرياً. معظمنا لا يفكر في ذلك، لكن جون- هو بونغ يفكر في ذلك (أقرأ المقابلة معه أدناه). الفكرة هنا هي أن الإنسان لا يستخدم كل مداركه حين يقوم بالشيء وعكسه تحت أي مبرر. هل البقرة أقل إثارة للعطف من الكلب أو ألا يعاني الحمل مصيراً أكثر بؤساً من الكلاب التي تعيش في كنف الإنسان؟


في مطلع الفيلم إثارة لموضوع آخر قريب ومنفصل معاً: تيلدا سوينتون تصعد منصّـة تحيط بها جماهير حافلة (تذكرك بمنصات المرشحين لرئاسة البيت الأبيض وقت الإنتخابات) وتخطب طويلاً ذاكرة أن العالم فيه من الجياع ما لا يحصى وسيكون هناك جياعاً أكثر مع فقدان مصادر الغذاء. لهذا السبب فإن مؤسستها ملتزمة بالبحث عن حلول مثل "صنع" حيوانات أليفة كبيرة الحجم لدرجة أن الواحد منها سيساوي عشرين أو أكثر من الخنازير الأخرى. وأن هناك مسابقة في هذا الصدد والرابح (أو الرابحة) بجوائز مالية عالية. 
نقفز من أميركا إلى كوريا الجنوبية (تم افتتاح الفيلم سينمائياً هذا الأسبوع). هناك في قرية جبلية عالية. هناك فتاة في الرابعة عشر من عمرها أسمها ميا (آن سيو هيون) تعيش مع جدها في مزرعته ولديها خنزير من تلك التي قامت المؤسسة الأميركية بتوفير الجينيات الخاصّـة بها لكي تكبر وتنتفخ ويثقل وزنها. أوكجا، وهو إسم هذا الحيوان، ليس خنزيراً فحسب بل يداخل جينياته عناصر حيوانية أخرى لذلك يبدو طيّـعاً مثل كلب أليف ويحمل مظهر جاموس أو فرس بحر. 
ما لم تحسبه المؤسسة هو الرابط العاطفي الكبير المتبادل بين هذا الحيوان وبين الفتاة التي تربيه. هو صديقها الوحيد وهي ملاذه اليتيم من عالم هو وحيد فيه. هذه العلاقة تقطعها المؤسسة النيويوركية أو هكذا يخيّـل لها عندما تختطف أوكجا لتنقله إلى نيويورك. ميا لا تستطيع قبول ذلك ولا الحيوان يبدو سعيداً بدونها. وما يلي مباشرة فصل مبهر من المطاردات يحتوي على مشهد يدخل أوكجا وميا فيه محلاً للعب الأولاد كما مطاردة في نفق للسيارات قبل أن  تدخل جمعية الرأفة بالحيوان لتساعد ميا (كما يتبدّى في البداية) استعادة حيوانها المحبوس في شاحنة كبيرة. 

مضامين مضادة
لكن الجمعية لها «أجندتها» الخاصة التي لا ترضى عنها ميا على أي حال وفي كل ما سبق من حالات، وهنا على وجه التحديد، يقوم المخرج برسم ملامح ساخرة على ازدواجية الحياة التي نعيشها: العلم مفيد ومضر، الإعلام يوحي بعكس ما هو واقع، الجمعيات المفترض بها أن تعمل لصالح العناية بالحيوانات لديها برنامجها الخاص. هذا كله لجانب ما يتبدّى منذ البداية حول ازدواجية السلوك الفردي حيال الحيوان بصفة عامّــة.
المؤسسات مدانة هنا لخلو مساعيها من الفائدة العامّـة واستثمار أعمالها لخدمة القائمين عليها ولجني الأرباح. لعدم اكتراثها لأي مبادئ أخلاقية تقف في مواجهة المنافع الذاتية. المخرج بونغ يفرّغ العالم الذي بين يديه من الأخلاقيات ويحصر ما تبقّـى منها في بطلته ميا التي لا هدف لها  سوى إنقاذه والإحتفاظ به.
الناحية الإنسانية ملحوظة ومشروطة. ميا هي الإنسان (داخلنا ربما) والعالم الخارجي هو الفعل المادي السائد. وبونغ يعالجه بنقد محسوس وإن ليس موجعاً خشية تحويل عمله إلى دراسة وعظية.
بونغ لا يمكن له أن يكون قاطعاً في مبادئه. لا أحد يستطيع. حتى شعراء السينما من أنطونيوني إلى كوروساوا وصولاً إلى تاركوڤسكي كان لابد لهم من التعامل مع الجوانب المرفوضة  للحياة النظامية التي ينتقدونها. تفجير مايكلأنجلو أنطونيوني للبيت الكبير الذي يرمز إلى الرأسمالية الأميركية في نهاية «زابريسكي بوينت» (1970) هو مثل مرثاة العالم المنتهي عند «درسو أوزالا» (1975) أو المآسي الواردة في ترجمته لرائعة شكسبير «الملك لير» (1985). كذلك تلتقي مع الحريق الذي يلتهم البيت الكبير في فيلم أندريه تاركوڤسكي «تضحية» (1986) تعبيراً عن مستقبل مخيف كنا سمعنا احتمالاته النووية خلال الفيلم.
بونغ، كهؤلاء وسواهم، يحتاجون إلى المؤسسات ذاتها التي ينتقدون وجودها ممثلة في شركات الإنتاج والتوزيع التي ستتعامل مع المشاريع، حتى الإنتقادية، على أساس أن توليفة تجارية في المقام الأول. 


لا بأس بذلك إذا كانت الغاية لدى المخرجين، في نهاية المطاف، هو شيوع العمل علماً بأن وسائط العروض اليوم تختلف عما كان سائداً في كل سنوات القرن الماضي أو معظمها. في البداية تم الإستثمار في أسطوانات أفلام تدار بالليزر وبأشرطة فيديو قابلة للعطب السريع. ثم دخلت الأسطوانات الصغيرة على الخط مباشرة قبل إنتشار الإنتاجات المتوجهة مباشرة عبر الأثير إلى أجهزة الإنترنت كما حال «أوكجا» وسواه.
ومن اللافت هنا المقارنة بين اختلاف وسائل الإستفادة من تقنيات اليوم تبعاً لمن يسعى فعلياً للحفاظ على الإرث السينمائي أكثر من سواه. ففي أيامنا هذه يتم إطلاق الفيلم على اسطوانات بعد 3 أشهر من إطلاقه في صالات السينما، أي قبل أن يبرد الإهتمام به ويتكلف الموزع ضعف ما سيتكلفه من ميزانية الدعاية لو تركه لمدة أطول. 
هذا في الولايات المتحدة، أما في فرنسا فإن القانون يفرض مرور 3 سنوات ما بين عرض الفيلم في الصالات وبين توفيره على الفيديو. خلالها يكون الفيلم قد شبع عروضاً وجسد التعامل مع السينما كفن وكثقافة وكترفيه منفصلة عن الغايات الأخرى وقبل أن يتحوّل إلى علبة تفتحها وتعرض ما فيها. 

رعاية
ضمن هذا، يجد مخرج اليوم نفسه مداناً إذا ما ساهم في إنجاح العروض البديلة ومداناً إذا لم يستثمرها في سبيل تحقيق فيلم مختلف يرضي به نزعته الإنتقادية. 
لكن «أوكجا» ليس مجرد معضلة أخلاقية. بل فيه من التحديات الفنية ما يمكن الكتابة عنه في صفحات. أخرج بونغ 14 فيلماً حتى الآن وتقدم من كل فيلم إلى آخر صعوداً خطوة خطوة. أحد أفضل أفلامه «أم» وأحد أكثر أفلامه رواجا «سنوبيرس». الأول حققه سنة 2009 والثاني 2013 وفي كليهما رسالات اجتماعية وقدر من المعالجة الفنية التي تحفظ للنص قيمته. «أوكجا» هو الفيلم الثاني له الذي يتعامل فيه مع شخصية أنثوية في المقام الأول. لا يعني ذلك أن المرأة في باقي أفلامه كانت غائبة أو ثانوية، بل يعني أنه وجد في ملامح الممثلة هاي-جا كيم في «أم» وفي ملامح الفتاة الشابة سيو-هيان آن، بطلة «أوكجا» ما يجعله يتعلق بقدرة كل من الممثلتين توفير  ترجمة تعبيرية على وجهيهما لما يتفاعل في داخلهما. 
هذا بالغ الضرورة في كلا الفيلمين لأنه من الصعب حث المشاهد على التفاعل تأييداً لهما (لكل منهما هدفاً لا يمكن التنازل عنه) من دون أن تخلق تعابير الوجه ما يستدعي التعاطف. لذلك، وعلى عكس معالجات بونغ لنساء أخريات في أفلامه) هناك تخصيص للقطات قريبة وقريبة متوسطة لكل من بطلتيه.
لجانب ذلك، يأتي هذا الفيلم مصحوباً برعاية فنية ملحوظة من مصدرين: مدير التصوير الفرنسي داروش كوندجي وفن تصميم وتحريك المؤثرات الخاصة التي أشرف عليها إريك-جان دي بووَر الذي اشتغل على أفلام لترنس مالك سفر في الزمن: رحلة حياة») ولأنغ لي حياة باي») وهو الذي بدأ العمل كمصمم كومبيوتر غرافيكس على فيلم أنطوني مانغيلا «المريض الإنكليزي».
يتعرض الفيلم لهزات مصدرها الإنتقال من نوع لآخر لفترة قصيرة. هو فانتازيا ثم تشويق ثم أكشن ومغامرة ثم فانتازيا مرّة أخرى. على ذلك، تنتصر، في نهاية الفيلم الرسالة كما الفن الذي يحويها. الفتاة تمضي مع أوكجا بعدما انقذته من مصير (شبيه نظرياً بمصير كينغ كونغ) لكن هناك مئات الخنازير المعدة للإعدام لإطعام آكليها. بونغ يعرف أنه لن يغيّـر العالم، وأن فيلمه مهما انتشر قد يؤثر في حزمة من البشر، لكن عليه توفير رسالته هذه لأن الرسالة وليس النتيجة هي ما يهم.



2000: Barking Dogs Never Bite         ---
2003: Memories of Murderer          ---
2006: The Host ★★★
2008: Tokyo ---
2009: Mother   ★★★
2013: Mother   ★★★


_______________________________________________________
©
كل الحقوق محفوظة للمؤلف بحكم قانون الملكية البريطانية
2008-2017
All rights are reserved by Mohammed Rouda
_______________________________________________________



Paterson | Fallen Stars



       فيلمان أميركيان مستقلان                                           
ميسر المسكي 

باترسون | Paterson              ★★★★
شُـهُـب   | Fallen Stars            ★★★


في نهاية ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، كان أمراً مألوفاً، بل ومتوقعاً، أن يأتي مخرج شاب (أو مُـخضرم) بفيلم من خارج السياق. ففي تلك السنوات المُضطربة والمُفـعَـمَـة بروح التغيير، كان تحطيم السياق هو أحد أسباب إنتفاضة الشباب، من الجامعة إلى الشارع. لكن حين أستعادَت المؤسسة السلطوية، بكل أشكالها وتجلياتها، عادَ السياق العام ليحكم مفاهيم التذوق والتعبير والإنتاج. وهوليوود بأستوديوهاتها الكبرى عادت لتتحَكَم بالدور الثقافي للفيلم الأميركي وشكله الفني. ومع الوقت أصبَحَ مجرّد أن يأتي مُـخرج ما بفيلم "مختلف" جيد هو مدعاة للتحية وأمراً مُـنعشاً للعين والعقل.
في "باترسون" و "شُـهُـبْ" يصنع جيم جارموش وبرايان جيت فيلمين من خارج السياق العام للمُـنـتَجْ الهوليوودي السائد. طبعاً جارموش وجيت يختلفان في القيمة كمُـخرجين تماماً كأختلاف القيمة بين فيلميهما. لكن اللافت أن العملين يتناولان بلغة  تأملية هادئة حالة شخصياتهما في رتابة أيامها وتكرار أحداثها فيما السؤال الكبير المُعَلّق فوق رؤوسها (ورؤوسنا) عن معنى الأشياء وقيمتها في الحياة.


باترسون

يأخذ جارموش الشعر المُعاصر مَدخلاً إلى سيرة شخصيته الرئيسة في الفيلم، باترسون (يؤديه آدم داريفر ببراعة). ففي مقابلة مع مجلة تايم يقول جارموش أنه زار مدينة باترسون (نفس أسم الشخصية الأساسية في الفيلم) قبل خمس وعشرين عاماً ولفته بحدة ذلك التنوع العرقي الصارخ والواقع المتدهور لمدينة كانت يوماً عاصمة صناعة النسيج في أميركا وواعدة بأن تكون يوتوبيا المدن الصناعية في القرن التاسع عشر. كَـتَـبَ يومها جارموش معالجة سينمائية من صفحة واحدة عن رجل يرمز للمدينة، مُـستنداً إلى شعر أحد أشهر شعراء باترسون، الدكتور وليم كارلوس وليامز. بقيت المعالجة عقوداً في الدرج إلى أنعَادَ إليها جارموش أخيراً الأن ليحولها إلى فيلم جميل، ساحر.
يبدأ الفيلم بقصيدة تتحدث عن نوع من أعواد الكبريت. هذا الشعر الذي يلتقط أشياء الحياة اليومية المُطلقة في عاديتها وعدم أستثنائيتها ويصنع منها فناً، هو ما كان يدعو إليه بعض سورياليّ بداية القرن العشرين والذين طالما أكدوا أن هناك "سحراً" في كل أشياء الحياة العادية حولنا وما علينا إلا أن نفتح أعيننا لنرى ذلك السحر. وجارموش حقاً يفتح عينيه (وعيوننا) على دهشة عادية الأشياء. تلتقط كاميرا جارموش (التصوير لفريدريك إلمز الذي سبق وتعامل مع جارموش في "قهوة وسجائر" وكذلك مع المُخرج المُتفرد الأخر ديفيد لينش في "مخمل أزرق") زوايا من مدينة باترسون حين تتابع تكرار ذهاب وعودة باترسون إلى عمله في محطة الباصات الرئيسية في المدينة. في تلك الزوايا يفوح عبق النوستالجيا المُرهقة بالواقع التعس لحال الأبنية وقفر الشوارع: "لم أحاول أن أضفي لمسة رومانسية على الإنحطاط." يقول جارموش. لكن مع ذلك أنت لا تستطيع أن تفلت من ذلك الإحساس بالأسى الذي يسكنك حين ترى تلك الأبنية التي شهدت عزّاً في الماضي واليوم هي تكافح لكي لا تسقط. ربما هذه واحدة من سحر الأشياء "العادية" حولنا


يعالج جارموش اسبوعاً من حياة باترسون، سائق الباص، بأكثر قدر ممكن من الوفاء لفكرة تجريد المعالجة من أي خيال رومانسي أو فانتازيا. هذا الوفاء قد يبلغ حَـدّ التقشف أحياناً. فالغوص في "عادية" حياة باترسون يقود جارموش إلى تكرار المشاهد. فالرجل يصحو حوالي السادسة والنصف كل صباح ليسمع من زوجته التي لا تزال تتشبث بأهداب النعاس (تؤديها بجودة الإيرانية غولشيفيت فرحاني) نتفاً من أحلام غريبة راودتها. ثم يتناول إفطاره ويقطع نفس الطريق نحو محطة الباص ليقود باص النقل الداخلي في ورديّة من ثمان ساعات. ربما التنوع الوحيد في يومياته هي نتف الحديث الذي يسمعه من أحاديث الركاب التي يتبادلونها في الدقائق القليلة التي يمضونها على الباص. مساء باترسون له روتينه كما صباحه. هناك البار والإستماع لقصص الرواد المتراوحة بين حب مرفوض ومال مُختَلَس.
مساحة الخيال والفانتازيا الوحيدة التي يتيحها جارموش، هي في طموحات وأحلام زوجة باترسون الراغبة يوماً أن تُصبح مُـغنية كاونتري شهيرة، ويوماً فنانة تشكيلية وهي في النهاية تنجح فقط في بيع كل الحلوى التي صنعتها في سوق المزارعين فتطير فرحاً لحفنة من الدولارات.
"باترسون" هو عن الشعر المُستتر في أيامنا. عن حياة قد لا يحدث فيها شيء، لكنها بحدّ ذاتها هي كل الأشياء. عن خيال يصنع عالمه من أشياء يومه المرمية في كل مكان بلا جدوى إلا لو شئنا أن نستلهم منها إبداعاً نبقيه لذاتنا ربما وليس بهدف الشهرة والمال. باترسون المدينة هنا وفي هذه الحال يبدو معنى أختيارها عميقاً في رمزيته ودلالته


شُـهُـب

في "شُـهُـبْ" لبريان جيت أيضاً تعيش الشخصيتين الرئيستين في رتابة وروتين أيامهما لكن مع فارق هام، فهنا الشخصيات إما فقَدَت قدرتها على التواصل الاجتماعي، أو هي فشلت في العثور على معنى للحياة الرتيبة التي تعيشها. من هنا تبدو الشخصيتان وكأن فيهما، ومن بعيد، ملامح للشخصيات الـ "ساغانيّة" (نسبة للكاتبة الفرنسية الراحلة فرانسوا ساغان) التي غالباً ما كانت الكاتبة تضعها في محنة وجودية تتجلى بمواجهتها لعقم بحثها عن معنى العلاقات الإنسانية وشروطها.
"كوبر" (يلعبه رايان أونان بهدوء وإتزان لافتين) شاب في منتصف الثلاثينات من عمره، يعمل بارمان في حَيّ تقطنه غالبية من الشرق أسيويين، في لوس أنجلس. لعشرة سنوات كوبر يعمل بارمان ولإنه توقف عن العَدّ من سنوات فهو يتفاجئ بقالب الحلوى الصغير الذي يحضره أحدّ الرواد المواظبين على البار إحتفالاً بالمناسبة الصغيرة هذه. المناسبة تضعه أمام سؤال كبير "ماذا أفعل بحياتي؟". السؤال يفزعه ويرميه على علاقات عابرة مع نساء لا يتذكرن أسمه صباح اليوم التالي ولا هو يعود يلتقيهنّ. الظروف تجعله ياتقي (ديزي كارز) شابة تبدو أقل من عادية لكنه يشعر بإنجذاب إليها. ما سيتبع هو حكاية شخصين تعذبهما دواخلهما بما فيها من خوف من الأتي والوحدة والتقدم في العمر وعبث الوجود فيستحيل التواصل بينهما.
برايان جيت أيضاً (كما جارموش في "باترسون") يحيل الرتابة إلى لغة تتكرر فيها أفعال الشخصيات يوم بعد آخر. كاميراه تقترب برهافة من وجوه شخصياته لتلتقط الدمعة المُحتبسة في العين كما الإضطراب الداخلي والقلق.
براين جيت يأخذ وقته في سرد الحكاية، كاميراه تتابع شخصياته بأناة وصبر تلتقط تفاصيل صغيرة بالـ "كلوس-أب" لتضيف على معنى الحالة وتعبيرها.


الشاب ريان أونان في الدور الرئيس يعرف كيف يُبقي أداؤه الهادئ تحت سقف مُحدد من الإنفعالات يتلائم مع حالة الإحباط والعَدَم التي تعيشها الشخصية. وحين تقترب الكاميرا من ملامحه يبدو مُدهشاً فيما تقوله عيناه
لا حَـدَثْ في "شُهُبْ" كما لا حَدَثْ في "باترسون". وأقصد هنا بالحَـدَثْ ذلك الإصرار الهوليوودي على حشو أو إفتعال الرواية لخلق التوتر وإستدراج المُتفرج للمتابعة. الحكايتان لدى جارموش وجيت هما حكاية عادية الأيام، تكرارها، والكمية الهائلة من الأفكار والهواجس التي تدور في رؤوسنا دون الحاجة لمؤثر خارجي بهدف جعل الحكاية أكثر "إثارة وتشويقاً".

من هنا ربما ومن باب المُقارنة العابرة بين أفلام السياق العام وتلك الغير مُـنتمية له. فقد حَـقَـقَ الممثل كريس إيفانز  فيلماً بعنوان "قبل أن نذهب" (إيفانز يُخرج، يُـمثلّ ويُنتج). هو أيضاً عن رجل وأمرأة يلتقيان لليلة واحدة في نيويورك ويبوحان لبعضهما بما يؤرقهما. الفيلم لطيف، سهل، مصنوع بأناقة لكن دون جرأة ولا خيال. فيلم يروي الحكاية ويثرثر دون أن يتأمل. لذلك يحشر إيفانز أحداثاً في ليلة واحدة لا تحدث عادةً مع المرء في عدّة أعوام. الهدف هو جعل الفيلم أكثر تشويقاً ...وإفتعالاً!
لكن لمن يبحث عن فيلم عواطف ناعم (لا يبقى منه ذكر فور إنتهائه) لسهرة مع صديقة، فـ "قبل أن نذهب" قد يحقق الغَرَض.


_______________________________________________________
©
كل الحقوق محفوظة للمؤلف بحكم قانون الملكية البريطانية
All rights are reserved by Mohammed Rouda
_______________________________________________________



  الجمهور يقبل عليها لأنه يحب ما يخيفه سينما الرعب تملأ شاشات السينما   محمد رُضـا It منذ مطلع هذا العام وحتى اليوم، تم ...