Pages

Sunday, March 28, 2010

Year 2. Iss. 58 | A Prophet | Cell 211 | After Hours | Save the City| Holcroft Covenant



SALLE A  
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
 فيلمان عن السجون: العربي يفكّر بحاله والأسباني بحال الجماعة


Un Prophet ****
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: جاك أوديار
أدوار أولى: طاهر رحيم، نيلز أرستروب، عادل بن
شريف، رضا طالب، جان- فيليب ريشي، هشام
يعقوبي٠
دراما سجون  [عرب] | فرنسا/ ايطاليا (2009)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نبي المخرج جاك أوديار في «نبي» ينجز ست سنوات حبس ويخرج من السجن في النهاية ليواجه الحياة "الحرّة" من جديد. إنه يوم بارد. ينظر الى يساره فيجد مجموعة من السيارات بإنتظاره. بعض من فيها يلوّح له محيياً. أمامه على مسافة جلست إمرأة هي أرملة صديقه وشريكه في عمليات إجرامية رياض وتحمل طفلها. يفضّل مالك (طاهر رحيم) التوجّه إليها. يسيران ويسألها متى موعد الأتوبيس. تقول في نصف ساعة. يسألها إذا كانت تريد أن تمشي فتقول نعم. وراءهما ثلاث سيّارات تتبعهما في لقطة واحدة (هما في المقدّمة والسيارات في مؤخرة المشهد). وفي وقت واحد، هو إما أمام حياة هانئة مع عائلة صغيرة جاهزة، وإما استمرار لحياة مهدورة تقوم على العنف والجريمة ترمز اليها تلك السيارات التي كانت بإنتظاره والتي تتعقّبه
ليس من الهيّن معرفة ما يخبأ المستقبل لمالك لكن الحياة في السجن علّمته أموراً لم يكن يعلمها وهو الذي دخل السجن لجريمة لا يصرّح الفيلم بماهيّتها. دخله بريئاً الى حد بعيد، لكنه سرعان ما أخذ يتعامل مع شروطه مضطراً في البداية ثم متعاوناً ومظهراً كل استعداد يتطلّبه الأمر لكي يبقى حيّاً، ثم لكي يطوّع السجن بأسره ليخدم نشاطاته٠
هذا خامس  فيلم روائي طويل للمخرج أوديار في ستة عشر سنة بدءاً من العام 1994 عندما أخرج «أنظر كيف يسقط الرجال» ثم «بطل صنع نفسه» سنة 1996 وكلا العنوانين يصلحان لوصف مالك خصوصاً لناحية أنه شاب حاول أن يعيش في ظرف جديد عليه وأدرك سريعاً بأن هناك قوانين تسيطر على السجن لا علاقة لها بالحياة خارجه. شلل وجماعات ثم أفراد يحاول كل واحد منهم أن يبزّ الآخر وينتصر عليه في لعبة قاسية حتى ضمن المجموعة ذاتها. مالك، الذي لا يجيد شيئاً سوى المرور من بين الفجوات في الحياة يدرك أن عليه يفكر بنفسه أوّلاً وبمصلحته ثانياً وأن يستثمر هذه معرفته المرور بين الفجوات الإجتماعية  ليبقي حيّاً وأن يستجيب لطلب عرّاب المكان، السجين الكورسيكي لوشياني (نيلز أرستروب) الذي يريد تشغيله قاتلاً (داخل السجن اولاً ثم خارجه) اذا ما أراد البقاء حيّاً. مرّة واحدة حاول الخروج عن تعليماته: طلب منه لوشياني قتل عربي أسمه رياب (كان هذا راوده عن نفسه لكن مالك صدّّه) فحاول مالك الإستعانة بالحرس لكي يعرض مشكلته ويعفي نفسه من تلك الجريمة، فقط ليكتشف أن يد لوشياني واصلة الى من يريد الإستعانة بهم٠
يد لوشياني، المسجون لتهم قد تحمل جانباً سياسياً كونه يمثّل زعامة كورسيكية (وكورسيكا تحلم بالإستقلال عن فرنسا) واصلة الى خارج السجن أيضاً وهو يُتيح لمالك، بعدما أدرك أنه يستطيع الثقة به، الخروج لتنفيذ مهام لحسابه. فجأة بات مالك قادراً على مواصلة طريق الجريمة في المكان الذي كان من المفترض به أن يكون إصلاحية وعقاباً وإعادة نظر في الحياة٠
 

الفيلم بلا ريب يستدعي طرح ما إذا كان السجن هو ذلك فعلاً. يعرض لجانب طرق الإصلاح المسدودة لكيف تمضي الحياة بين الأسوار. المسلمون الملتحون مجموعة، والكورسيكيون مجموعة أخرى. العنصرية. الوشاية. المصلحة الفردية العليا والخطر الذي يتربّص بكل من هو على شاكلة مالك. في هذا الإطار لا يختلف الفيلم كثيراً عن دراما سجون عديدة في أفلام سابقة. افلام السجون الأميركية حفلت بالملامح ذاتها، لكن أياً منها لم يسبق المخرج لتقديم هذا النسيج الواقعي المنتقل من يوم الى يوم بتفاصيل مضنية من دون أن يخسر هدفه، مبلوراً بطلاً هو دراسة لحالة إجتماعية وفردية قائمة. في باب التمييز أيضاً أسلوب العمل حيث الوداع للكاميرا الثابتة التي عادة ما تشكّل في أفلام السجون ركيزة النظرة المتأمّلة للوضوع. أوديار يمنح المشاهد القدرة على التأمل في الوقت الذي يُعايش فيه. زواج ليس سهلاً (وشخصياً لا أحبّذه) لكن أوديار يحققه بنجاح. مشاهده تسبح في "بانات" (استعراضات أفقية) و"تيلتات" (عمودية)  ويستخدم اللقطات القريبة والقريبة المتوسّطة على نحو يخدم علاقة الممثلين بالأماكن الداخلية  (وعلاقة الممثلين والأماكن عموماً بالمشاهد). هذا ليس جديداً تماماً، لكنه متجدد المنوال تحت دراية أوديار الذي انتهج منذ البداية سينما تشويقية هذا أكثرها اقتراباً من الملامح الإجتماعية والمخرج يرسمها حسّاً كما وحياً على نحو داكن حيث الألوان والإضاءة طبيعية وتتدرج بلا تنويعات كثيرة من أسود وأزرق وكحلي ورمادي٠
السيناريو ليس من كتابة المخرج في الأساس بل وضعه  عبد الرؤوف دفري ونيكولا بيفويي وأتصوّر أن المخرج عالج السيناريو بدوره كون الفيلم لا يحمل تقنية التنفيذ من رؤية خارجة عن نطاق المخرج. بكلمات أخرى، لو لم يفصح الفيلم عن أسمي كاتبيه، لجاز الإعتقاد أن أوديار هو الذي ألّف الفيلم كتابة كما إخراجاً. لكن غياب حدود الفصل بين الأصل والإعادة جيّد من حيث أن المعايشة في فيلم تبلغ مدّته 155 دقيقة، تنم عن إدراك على مستويين: معرفة بعالم السجون وعالم العربي فيها، ومعرفة بكيفية توحيد أسلوب طرح يتناول وضعاً إجتماعياً داكناً ينتمي الى عالم قاس لا زلنا لا نراه بالعين المجرّدة، ووضعاً فردياً ضمن ذلك العالم٠
»نبي» بذلك ينتمي الى سلسلة من الأفلام التي تطرح وضع الجيل المولود في فرنسا من العرب في المجتمع الفرنسي. سلسلة أكاد أقول أن ماثيو كازوڤيتز استنبطها أوّلاً (لكني لم أشاهد كل ما خرج من السينما الفرنسية لكي أجزم) سنة 1996 حينما أخرج «الكره» مع سعيد تاجماوي  وعبد الحمد غيلي في دورين رئيسيين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Cell 211  *** 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: دانيال مونزون
أدوار أولى: كارلوس باردم، لويز توزار، مارتا إتورا، ألبرتو
أمّان، أنطونيو رينيس٠
دراما | سجون | أسبانيا/ فرنسا [2009]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 
الزنزانة 211  هو فيلم سجون آخر يتعاطى والوضع الإجتماعي في حضيضه على اعتبار أن السجن هو المكان الذي تتجمّع فيه قمامة المجتمع البشري حيث يُتاح لهم خلق مجتمع جديد يمارسون فيه لعبة السيطرة الذكورية التي كانوا يمارسونها خارجه وأدت بهم الى السجن. لكن ليس بعد السجن سجن آخر ومن فيه يدركون أن ظهورهم مسنودة الى الجدران وبالتالي لا يأبهون لما قد يحدث لهم. مرّة أخرى، وكما في الفيلم السابق، الإصلاحية هي نهاية مطاف أكثر منها فرصة لبداية جديدة، والسجن عقاب غير رادع بل محفّز للمزيد.
الفكرة التي ينطلق منها هذا الفيلم جيّدة بحد ذاتها: رجل أمن جديد أسمه خوان أوليفر (ألبرتو أمّان) يأتي السجن في زيارة قبل يوم واحد من بداية استلامه عمله. هذا يفسّر لماذا لا لم يكن يرتدي البزّة الرسمية حين سقط مغشياً عليه فأودع في زنزانة مفتوحة في الوقت الذي وقع فيه شغب ما اضطر الحرس لمغادرة "العنابر" وتركه لشأنه. حين استيقظ وجد نفسه وسط المساجين الغاضبين فلعب اللعبة وادعى إنه سجين جديد منضمّاً، من حيث لا يُريد، اليهم.
خوان يكسب ثقة مالا (لويس توسار) الذي يتزعّم كل السجناء لكنه لا يكسب ثقة بعض أعوانه الذين يتجسسون عليه لمعرفة إذا ما كان جاسوساً مزروعا عن عمد بينهم. لكن خوان يلعب لعبته جيّداً وحين يقرر مدير السجن التضحية به يجد نفسه يقطع كل خيوطه بماضيه خصوصاً حين ينقل التلفزيون كيف تعرّض مدير الحرس لزوجته الحامل بالضرب (ولاحقاً ماتت) فيتم استدراج الحارس الى المكان حيث يقوم خوان بقتله بنفسه. جريمة لا تزال ترفعه في عيني مالا حتى من بعد كشفه مع نهاية تفيد موقفاً أخلاقياً ليس غريباً عن أفلام السجون: المجتمع هو المدان وليس من في داخل السجن. هذا الموقف بالٍ بحد ذاته من كثرة الإستخدام، لكنه لا يزال يصلح لأن الجريمة ما زالت تترعرع فيه وبسببه في معظم الأحيان.
كما يستخدم »نبي« وجود مجموعة كورسيكية، يستخدم »الزنزانة 211» مجموعة من الباسك: أربعة سجناء من المقاطعة التي تحارب في سبيل استقلالها عن فرنسا. لكن الفيلم السابق لا يتعامل مع هذا العنصر الذي كان من الممكن تطويره لو أراد المخرج ذلك (الفيلم لا يخسر نتيجة أنه لم يفعل). أما هذا الفيلم فيستخدم الأربعة لزيادة الوضع المتأزم بعدما قسّم الشخصيات الى: رجال قانون جيّدين. رجال قانون سيئين. مجرمين أفضل من مجرمين وبطلنا ومجموعة الباسك من تلك التي لا حول او قوّة لها٠
الفيلم يحمل أقل مما حمله »نبي» من إبداعات وعناصر قوّة، بصرية وفكرية. لكنه جيّد بحدوده ومنفّذ بإدراك ووعي لخصائص النوع الذي ينتمي اليه.
لا يفوت الفيلم التحدّث عن الإعلام وعمليات الإرهاب في مدريد والقوّة البوليسية التي تواجه الثائرين والوضع المزري الذي يعيشه هؤلاء لكنهم يستقوون عليه.
في النهاية، يقف خوان ليكتب خطاب المطالبات التي يراها محقّة متّهما، وبصورة نمطية، العالم الخارجي بتجاهل ما يدور. طلقة في الظلام لكنها مناسبة وتقريباً لا غنى عنها.
في إشارة نهائية، فإن الهاتف النقال والتلفزيون، كوسيلتين تكنولوجيّتين، يؤديان دورين مهمّين في كلا هذين الفيلمين. أكثر من طريقة تواصل مع العالم الخارجي. طريقة لتسهيل مهام كانت في أفلام الثلاثينات صعبة بعدم وجود تلك الوسائل. مثلاً في هذا الفيلم، يُشاهد خوان ما يحدث لزوجته عن طريق التلفزيون وينقل أخباراً الى مدير السجن عن طريق جهاز إتصال أما في أفلام الثلاثينات فكان على المساجين انتظار الخطابات والحمام الزاجل٠

استعادات | SALLE B
كل فيلم قديم لم تره بعد هو جديد


*** AFTER HOURS
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: مارتن سكورسيزي
أدوار أولى:  غريفيث دان، روزانا آركيت، فيرنا بلوم، تيري
غار، جون هيرد.
كوميديا سوداء [نيويورك] | الولايات المتحدة [1985]
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

بعد الكوميديا السوداء التي لعب روبرت دي نيرو بطولتها تحت عنوان «ملك الكوميديا»، أنجز سكورسيزي كوميديا سوداء أخرى بطولتها هذه المرة معقودة لمدينة نيويورك. سكورسيزي الذي يعيش ويعمل هناك طالما عكس مشاعره حول تلك المدينة على أفلامه («شوارع منحطة»، «سائق التاكس» الخ...) لكنه لم يتوغل في سرد مخاوفه وتجسيد تلك المشاعر كما يفعل في هذا الفيلم.
يبدأ الفيلم بتعريفنا ببول (غريفيث دان) وعمله في قسم الكومبيوتر في إحدى المؤسسات، ثم ينزل معه إلى الشارع بعد انتهاء الدوام حيث يجلس في مقهى وتلفت نظره امرأة جميلة اسمها مارسي (روزانا آركيت) وهذه تطلب منه الاتصال بها ليلاً. هنا تبدأ مغامرة بول الغريبة، ذلك أنه منذ أن قرر الاتصال بها إلى صبيحة اليوم التالي، وهو إنسان يعايش مواقف صعبة ومغامرة حية تحت ستار ظلام وسط المدينة حيث تقطن مارسي. من سائق التاكسي الذي يقود سيارته بسرعة كبيرة، إلى فقدانه كل ماله، إلى التعرف على صديقة مارسي المعقدة، إلى دخول حانة والتعرف هناك على فتاة ثانية معقدة، إلى مطاردته في الشوارع متهماً بأنه لص المنازل، إلى دخوله بيت فنانة نحت، تضعه في قالب من الجفصين إخفاء له من مطارديه كما تنفيذاً لفكرة فنية مجنونة. في النهاية يتم للصين الحقيقيين سرقة التمثال الذي هو بول وينطلقان ليقع التمثال من السيارة بينما كانت مارة من أمام المؤسسة التي يعمل بول فيها. ينكسر الجفص ويقف بول أمام الباب مستعداً للدخول كما ولو كان قد وصل إلى الموعد المحدد.
الفيلم يعبر عن مشاعر سكورسيزي الكامنة تجاه المدينة كما تجاه المرأة. إنه ـ الفيلم ـ أشبه بتحذير ضد الخروج ليلاً أو ضد النزول إلى الشارع الذي قد يحوي بين عماراته الموت في شتى الأوجه (السيارة، العتمة، أناس الليل). إنها «بارانويا» متحكمة في شخص المخرج أو على الأقل أريد لها أن تتحكم في شخص بطله. على شتى الأحوال هي نظرة غير محببة لعالم يراه المخرج مختلفاً تماماً عن عالم النهار. مشهد البداية حيث يقوم بول بتدريب فتاة على استخدام الكومبيوتر يحوي ما يبعث الأمان إذا ما قيس لاحقاً بالعالم الخارجي. وحين ترميه السيارة عند باب المؤسسة في النهاية مختتمة المغامرة غير المتوقعة التي خاضها، يبدو الأمر وكأنما هو عودة بول إلى الأمان المفقود ليس فقط تبعاً للأحداث، بل ربطاً بين هذا المشهد الأخير وبين المشهد الأول.
المشهد الأول كذلك يوضح أمراً يتردد لاحقاً وهو موقف المخرج/ بطله من المرأة. الفتاة التي تتدرب على الكومبيوتر لا تبدو ذكية. لاحقاً كل النماذج النسائية التي تمر أمامنا سلبية: مارسي وصديقتها والمرأة التي تعرف عليها في الحانة والفنانة، كلهن غير جديرات بالمعرفة ومرتبطات بالخوف من العالم الليلي الذي يعرضه لنا سكورسيزي.
إنه ليس الفيلم الذي يتمنى المرء مشاهدته كل مرة. لكن سكورسيزي في نهاية الأمر ليس المخرج الذي ترتبط أفلامه بأهواء متفرجيه. رغم ذلك نجد أنها تبقى في أذهان هؤلاء طويلاً حتى ولو اليلم مرة واحدة فقط. كما في باقي أفلامه ينفذ سكورسيزي الفيلم من ضمن أسلوب يعطيه ميزة البقاء في البال. التصوير، الموسيقى (موزارت وباخ) تصميم المناظر، التوليف وحركة الكاميرا التي تكاد لا تشعر بوجودها كلها في لبنة متكاملة وبمنظور مخرج يؤمن بقيمة فنه ولو أن بعض موضوعه يتحدث كذلك عن اندثار قيمته

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Save the City  **1/2
Ocalic Miasto |  أنقذ المدينة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حربي | بولندا (1976)٠
Jan Lomnicki  إخراج: يان لومنيكي
أدوار أولى: تيريزا بودزيش- كريزانوڤسكا، يان
كريجانوڤسكي، ياشك ميسكيوڤتز٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في السبعينات كانت السينما في أوروبا الشرقية لا زالت تنتج أفلاماً  حول دور الشيوعيين في دحر النازية ومحاربتهم. هذا الفيلم  هو واحد منها وواحد جيّد. حكايته تدور حول التعاون بين المقاومة السرية في كراكوف (بولندا) وبين مخابرات الجيش السوڤييتي إيان الهجوم الأخير الذي شنّه الجيش الروسي لتحرير بولندا. ثلاثة من الروس يهبطون في الأرض البولندية لتدبير عملية من عمليات المقاومة، لاحقاً ما يكتشف أمر اللاسلكي الذي يستخدمونه، ويتم قتل أحدهم٠ لكن ذلك لا يوقف المقاومين من إنجاح المهمّة٠
إنه فيلم جيّد كصنعة. تقنيّته جيّدة وعيوبه محصورة في خانات قليلة. وجاد للغاية وهذا كله يمنح الفيلم معالجة هندسية  أكثر منها فنيّة. بمعنى آخر فيلم يخلو من رؤية خاصّة من المخرج ومقتصد جدا في منح الشخصيات أرواحاً طبيعية. مشاهد المعارك تأتي بدورها عادية قياساِ بأفلام أخرى من الفترة٠
المخرج: يان لومنيكي مات سنة 2002 عن 73 سنة أخرج خلالها ما يقارب من 33 فيلماً بين روائي ووثائقي وهي بدأت 1954  وانتهت بفيلم كوميدي بعنوان  «جرذ«. أخرج أفلاماً حربية أخرى بعضها تعامل مع الهولوكوست. أذكر له
Operation Arsenal   عملية مستودع الأسلحة
سنة 1978 وأعلم أنه أخرج فيلماً آخر عن الضحايا اليهود هو "فقط وراء تلك الغابة" سنة 1991

The Holcroft  Covenant **
ميثاق هولكروفت
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تشويق | نازية (1985)٠
John Frankenheimer   إخراج: جون فرانكنهايمر
أدوار أولى: مايكل كاين، أنطوني أندروز، فكتوريا
 تاننت، ماريو أدورف، ميشيل لونسدال، ليلي بالمر٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يحاول جون فرانكنهايمر تحقيق فيلم له قدم في السياسة وقدم في التشويق. كان من قبل حقق أفلاماً من هذه النوعية. المرء لا ينسى أنه يتحدّث عن المخرج الذي أنجز سنة 1977 "الأحد الأسود" حول إرهابيين عرب يشتركون مع متعاطفين منبوذين من مجتمعاتهم الغربية للقتل والتخريب بإسم مباديء لا وجود لها، حسب الفيلم، الا في أفكارهم. «ميثاق هولكروفت»  جيّد المعالجة. قائم على تشويق مجد يؤمّن النبض المطلوب لكنه مباشر في خطابه وغير عميق بما يكفي لرفع قيمة الفيلم٠
مأخذو عن عن رواية من 500 صفحة كتبها روبرت لاندلوم من بين اولئك الذين وجدوا في الحرب العالمية الثانية ومخلّفاتها عالماً لمؤلّفاته ولو أن معظمها دار بعد سنوات الحرب وليس خلالها كما الحال في هذا الفيلم.  لكن لاندلوم خرج من كنف تلك الحكايات بضع مرّات وإن دائماً ما عكس رؤية سياسية محدودة. آخر أفلام سام بكنباه «عطلة أوسترمان» حول السُلطة التي تريد قتل أبنائها. سيناريو »ميثاق هولكروفت«، كما كتبه جورج أكسلرود، ينجح في اختصار الرواية وتشعّباتها، بحثاً عن خط واحد سهل التتابع، وما نجح به المخرج كان الإبقاء على ذلك الخط وبلورته في وحدة عمل متراصّة ومشوّقة٠
تنطلق الأحداث من نيويورك  لكنها تنتقل الى أوروبا (بريطانيا وسويسرا). نويل هولكروفت مهندس أميركي ناجح من أصل ألماني. في ظهيرة أحد الأيام يتلقى اتصالاً هاتفياً ينتقل علي أثره الى سويسرا حيث يقابل رئيس أحد المصارف وينجو من محاولة اغتياله في الوقت ذاته. يخبره رئيس المصرف أن والده الذي كان جنرالاً نازياً خلال الحرب، كان قد وقّع مع ضابطين وثيقة  مهمة مفادها ايداع بضعة ملايين من الدولارات (تحوّلت مع مرور الوقت وارتفاع الفوائد الى نحو 4 بلايين دولار) لكي يتمكنوا في المستقبل من تمويل خطّة لمنع العالم من مد نازي جديد وتعويض ضحايا النازية٠
لكي يتصرّف نوويل بموجب هذا الميثاق عليه أن يبحث عن ولدي الضابطين ليعينهما مستشارين له كما تنص الوثيقة. إيجادهما ليس صعباً، لكن الكشف عن اليد الخفية التي تسعى للإقتناص من هذا السعي مخلّفة دزينة من الجثث ليس هيّنا بدوره. في النهاية يدرك نوويل أن صاحب تلك اليد ليس سوى يوهان (أنطوني أندروز)، إبن أحد الضابطين وهو معلّق اقتصادي في صحيفة "غارديان" البريطانية. يوهان نازي متحمّس وشرير ويريد قتل نوويل وجماعته التي تؤيده والإنفراد بالثروة الهائلة لاستخدامها بما يحقق غاياته وهي خلق اضطرابات اقتصادية وحروب ومجاعات حول العالم يمهد لإنبثاق حزب نازي جديد لعله يقوده بنفسه٠
   مررت هنا عن عمليات خطف وترويع وقتل كثيرة أولاً لأن المطلوب ليس كشف الأحداث، بل إيجاز القصّة، وثانياً لأن الفيلم بحد ذاته يعاني من تشابك ما يدور علماً بأن الكثير منه متوقّع وليس جديداً.  ومع أن فرانكنهايمر يعالجه تنفيذياً على نحو صحيح في تصميمه وايقاعه، الا أنه يقف محتاراً بين التشويق والسخرية٠ 
مايكل كاين يلعب شخصيته التي أدّاها من قبل  في بضعة أفلام بوليسية من قبل بينها ، على سبيل المثال
 إنه جيّد في منحاه لكنه ليس جديداً . دوره هنا متمحور على تقديم إنسان ذي طاقة على التحمّل. بريء لدرجة السذاجة، في مطلع الأمر على الأقل، ثم مشترك في المهام النبيلة التي يجدها مطلوبة منه. سهل عليه ذلك طالما أن نقد النازية هو هذا الغرض النبيل٠
معلومات | جيمس كان انبرى لتمثيل البطولة وكان اختيار فرانكنهايمر الأول، لكن جرى إبداله حين  وقع خلاف بينه وبين بعض منتجي الفيلم٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠





Monday, March 22, 2010

Issue 57 (Year 2)| The Naked City, Secrets in Their Eyes, Brooklyn's Finest, Bounty Hunter, Repo Men, My Name is Khan

فيلم الأسبوع


The Secret in Their Eyes  (El Sereto de Sus Ojos) *****
السر في عيونهم 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: خوان جوزيه كامبانيللا
أدوار رئيسية: ريكاردو دارين، سوليداد فيلاميل، بابلو
راغو، خافييه غودينو، غويلرمو فرانكيللا، جوزي لويس
غيويا٠
دراما بوليسية | الأرجنتين | 2009
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يبدأ فيلم خوان خوزيه كامبانيلا بشاشة سوداء ونقرات على البيانو قبل أن يفتح على شارة تحمل إسم الرصيف 8 في محطة قطار. الصورة هنا غير واضحة الى أن تستدير الكاميرا الى اليسار لتحتل عينا إمرأة الكادر في كلوز أب. العينان ترصدان شيئاً. ظهور الشيء يبدأ بقطع حاد على حقيبة على الأرض تمتد يد فترفعها. إنها يد رجل نراه من الخلف وهو سائر في إتجاه القطار . لقطة له من الأمام من دون أن نتبيّن وجهه، تطالعنا الناس المتحرّكة فوق الرصيف نفسه مصوّرة مثل شظايا او كأشباح في البال وتلك المرأة تقف في نهاية اللقطة لا تتحرّك٠ ثم لقطة كلوز أب أخرى لها، هذه المرّة من كاميرا أعلى منها تقف جانباً لتلتقط قمّة رأسها وجزءاً من وجهها. في الخلفية حركة القطار ليست بيّنة الا لمن يتمعّن. حينها فقط تتحرّك المرأة لتلحق بالقطار. تضع يدها على زجاج النافذة التي جلس ذلك الرجل بجانبها. يضع يده لتلك اللحظة التي تسبق إسراع القطار. اللقطة التالية، والمكان لا يزال يبدو كما لو كان جزءاً من عالم شبحي كامن في البال وليس في الواقع، من مؤخرة القطار لها تركض وحيدة٠
مقدّمة فيلم "السر في عيونهم" فيلماً بحد ذاته. لو أن مخرجاً أراد تصوير لحظة وداع ملؤها الصمت تبتعد عن الآهات والعبارات والقبلات، وتتويجها بملامح فنيّة في التصميم العام وفي التصوير لكانت هذه المقدّمة نموذجاً٠
العبارة التالية تقول: "ركض الى آخر القطار وراقب شكلها، الذي كان ضخماً، تقلّص في نظره، لكنه كبر أكثر من أي وقت مضى في قلبه"٠
العبارة مكتوبة بخط اليد على دفتر بشريط وها هي اليد ذاتها تشطب المكتوب قبل أن نتعرّف على الكاتب: ذات الرجل الذي شاهدناه في خيال الكاتب ما يفسّر المنحى الفني التعبيري لتلك الصور غير الواضحة التي شملت كل شيء باستثناء وجه المرأة وبدنه حين التقط الحقيبة وسار بعيداً٠
ثم هاهو يبدأ من جديد بعدما مزّق تلك الصفحة. يكتب: في الحادي والعشرين من حزيران (يونيو) 1974 ويأتي المخرج بمشهد صباحي مشرق لفتاة ورجل مع صوت الكاتب معلّقاً حول آخر ما يتذكّره في ذلك اليوم: الإفطار وعصير البرتقال. لقطة تعود إليه وهو يمزّق ما كتبه من جديد: أيكون الموضوع الذي يشغله عصيّاً عليه لا يستطيع إيجاد منفذ إليه؟ ربما لأن المشهد التالي هو فعل اغتصاب لتلك المرأة ذاتها. من هي؟ من هو المغتصب؟ يقطع المخرج مرّة أخرى على بطله وهو يشطب من جديد٠
كامبانيلا يسرد في فيلمه الثامن هذا قصّتين في عهدين. القصّة الأولى عاطفية والقصّة الثانية جنائية. العهد الأول الزمن الحالي (الزمن الذي ينطلق منه الفيلم). الزمن الثاني هو منتصف السبعينات. الحركة المتبادلة بين القصّتين والعهدين مُحاكة مثل نسيج يتطلّب مهارة في كل تفصيلة منه. ذات المهارة التي توصم هذا الفيلم ولقطاته. من تلك المشاهد الأولى حتى تلك الأخيرة، هناك حياكة ألوان وتصميم لقطات ونطق حوارات وتوزيع إضاءة وبالطبع نظرات. في الفصل الثاني من المشاهد، بعد المقدّمة، نرى فيها المحقق القضائي بنجامين (ريكاردو دارين)  ينظر بإعجاب الى رئيسته السابقة في القسم الذي كان يعمل فيه إرين (سوليداد فيلاميل) . يتحاشى المخرج هنا توزيع لقطات قريبة للوجه او العينين، لكنه بالتأكيد يطلب من ممثله أن يبدي تلك النظرة المعبّرة التي تلي قيامها بإنزال الآلة الطابعة التي كان يستخدمها في عمله الى أن اعتزله قبل نحو عشرين سنة٠


الفيلم لا يشرح نفسه بسهولة ولا ينقاد مخرجه وهو عليه أن يتحدّث عن حب ضمّه بطل الفيلم طويلاً داخله دون أن يبديه، الى أي من الكليشيهات التي تعصف بالأفلام المماثلة. طوال الوقت سيمسك باللحظة الراهنة ومن وراء ظهرك (او عينيك إذا أردت) سيربطها بلحظات سابقة. تبدو المحاولة في البداية كما لو كانت مجرّد فلاش باك، لكنها هي أكثر من ذلك: راقب المشهد الذي يتضمّن إنزال الطابعة من رف على الخزنة لوضعها على المكتب. هذا المشهد يبدأ حين يفتح بنجامين باب غرفة مكتب رئيسته وقد جاء في زيارة غير معلنة. خلالها يقول لها أنه يحاول أن يكتب رواية حول قضيّة موراليس و، كما شاهدنا، يمزّق ما يكتبه. تتبرّع برأي:
٠ "إبدأ بكتابة ما تتذكّره أكثر. القضية لها أكثر من عشرين سنة. أي جزء يزورك أكثر من سواه؟". لا يجيب بنجامين على هذا السؤال بل يتسلل بكل لطف  (مسبوقة بصوت شخصية جديدة)  مشهد حسب اقتراحها. المشهد الذي يعبّر عن الجزء الماضي الأكثر زيارة له لليوم وهو ليس جزءاً من القضيّة التي تؤرقه (قضيه موراليس التي لا نعرف عنها شيئاً بعد) هو كيف التقى بها لأول مرّة حين دخل موظّف أعلى ليقدّم إرين الى بنجامين وزميله في العمل (غويلرمو فرانشيللا) مرتكباً أخطاءاً غبية في التقديم تبدأ بنطق إسمها وتنتهي بالقول إنها خريجة هارفارد بينما هي خريجة معهد كورنيل (هذا يبقى أفضل من حال بنجامين الذي لم يتخرّج الا من المعهد العالي). ينتهي المشهد عند هذا الحد. يفيق على صوتها يقول له: "هاي... الا زلت هنا؟" يبتسم ويطرق رأسه. لقد استمع الى اقتراحها وتذكّر ما يخطر على باله أكثر من سواه: هي!٠
ينتقل الفيلم بعد ذلك الى فلاش باك آخر طويل يبدأ حين تصل القضية الى مسامح المحقق بنجامين أول مرّة. إنه في المكتب. السكرتير يعلمه بأن قضية اغتصاب وقتل وصلت المكتب. يحاول بنجامين إزاحتها لمكتب آخر لكن الإدارة تؤكد أنه دور هذا المكتب دون بقية المكاتب. قطع الى أول كاميرا محمولة في هذا الفيلم تبدأ مع وصول بنجامين وتدخل معه مسرح الجريمة٠
يصل بنجامين وهو لا يزال يتذمّر بأن القضية ليست قضيّته، لكنه يتوقّف والجملة لم تنته بعد حالما يرى الضحية: إمرأة عارية ملطّخة بالدماء المتجفف نصفها الأعلى على الأرض وساقيها فوق السرير. يأخذ المحقق نفساً عميقاً من هول الوقع وتؤيد الكاميرا ما شعر به بلقطة أخرى قريبة متوسّطة للجثّة. ثم بلقطة تفصيلية قبل أن تعود إليه حين يقوم محقق من البوليس أسمه بواز (جوزي لويس غيويا) بتقديمها: ليليانا كولوتو (كارلا كويڤيدو) . السن 23. مدرّسة. تزوّجت حديثاً من ريكاردو موراليس (بابلو راجو) يغيب صوت المحقق الآخر وتنتقل الكاميرا الى جدران المنزل حيث الصور المعلّقة (لها ولزوجها) تبدو أكثر نطقاً من الجثّة ذاتها. تنقل من الماضي القريب تعابير سعادة٠
بعد ذلك ننتقل الى مكان عمل الزوج ريكاردو الذي يستقبل النبأ بألم واضح. ما يُثير الإهتمام هنا اختيار اللقطة: الكاميرا أمامية منخفضة. ريكاردو أمامها. وراءه يقف بنجامين. الى يسار الأول (يمين اللقطة)  غلاية كهربائية. بعد قليل نسمع صفيرها كما لو أن الماء يغلي. لكن هذا الصوت ليس من تلك الغلاية بل من غلاية بنجامين إذ ننتقل اليه وهو قد انتهى من طبع ما شاهدناه٠
A إنه من التفاصيل الذكيّة كيف أن حرف
a  من الطابعة التي استعادها لا يطبع الشكل الصغير للحرف على نحو
بذلك العبارة التي تقول "موراليس يستطيع أن يتأمّل في مستقبله" مكتوبة على هذا النحو
MorAles could stArt to comtemplAte his own Future
وأنا لا أقصد أن أظهر دقّتي بل دقّة الفيلم لأن الحياكة التي تحدّثت عنها مصنوعة من كل تلك التفاصيل. وها هو المحقق وقد عاد بذاكرته الى الوراء من جديد يشكو من الطابعة . في النقلة الجديدة سيستمد الفيلم بعداً جديداً: لقد بات مقرراً أن عاملي بناء اعترفا بارتكاب الجريمة. بنجامين يذهب لمقابلتهما في زنزانتهما. هناك يكتشف أنهما ضُربا لأجل الحصول على الإعتراف. إذ أن الأحداث في منتصف السبعينات، فإن بداية الإيحاء بـ "ظلم" الحكم الفاشي للأرجنتين في تلك الفترة يطل من تلك النافذة ويثير غضب بنجامين الذي يهرع عائداً ويلتقي بمحقق آخر من مكتب آخر في سلك القضاء (هو الذي أسند المهمّة إليه) ويهجم عليه يريد ضربه لولا الموجودين الذين فرّقوا بينهما٠
العودة الى الوضع السياسي يعود بعد قليل حين يدخل بنجامين حانة يتردد إليها زميله ساندوڤال (فرانشيللا) المدمن على الشرب (حتى وقت الدوام كما سنرى فيما بعد). هذه العودة ترد على شكل مقطع من حوار من رجل لآخر (لا نعرفهما) يقول: "احذر مما تقوله. سوف يعرّضك لمتاعب"٠
العلاقة بين بنجامين وساندوڤال تنبع من صداقة مخلوطة بزمالة المكتب وهي ستبرز الى الصدارة لاحقاً حين يقدم مجرمون على قتله في منزل بنجامين. ساندوڤال المتزوّج لا تطيقه زوجته وهو سكير فيلجأ الى شقّة بنجامين والقتلة اقتحموا شقّته ليجدوا ساندوڤال عوضاً عنه فأردوه. لكن هذا لن يقع قريباً، الى جانب تأكيد لون علاقة المحقق بزميله هناك سلسلة من الأحداث عليها أن تتابع. نحن هنا الآن في صميم قضيّة جنائية غامضة محورها مَن قتل ليليانا لكنها مفتوحة على مناظر سلوكية نفسية وعاطفية متعددة٠
جزء كبير من الفيلم ينطلق حين يعمد المحقق الى ذاكرته مجدداً إذ يزور الزوج في منزله ويطلب منه ألبومات صور حيث يلفت اهتمامه صورة جماعية لعدد من المدعوّين للزواج بينهم شاب الى يمين الصورة ينظر الى ليليانا نظرة خاصّة تستوقف بنجامين.  البحث عن هذا الشخص يفضي الى لا شيء لفترة طويلة كان الزوج خلالها، وفي لقطة مثيرة لشجون، يجلس في صباح كل يوم في تلك المحطّة لعل القاتل يصل الى القطار ليتعرّف عليه٠
لكن المحقق وساندوڤال يجدان القاتل في مشهد في منتصف الفيلم هو مشهد المطاردة الوحيد فيه ويبدأ بلقطة جويّة عالية تهبط منها الكاميرا أفقيا الى الاستاد الرياضي. ما يحدث لست دقائق لاحقة يحتاج الى تحليل حول كيفية تعامل المخرج مع المشاهد: التقطيع على الورق. التصوير. المونتاج. إنها ست دقائق حابسة للأنفاس وشديدة الإثارة لكنها ليست مجانية. في الحقيقة ليست هناك دقيقة وحيدة من الفيلم تشبه أي من الأفلام البوليسية الأميركية. حتى هذه الدقائق الست. معالجتها الفنية مختلفة كذلك الغاية منها. هذا على الرغم من أن المخرج حقق للتلفزيون الأميركي سبعة عشر حلقة من المسلسل القضائي- البوليسي "قانون
Law and Order ونظام"٠
الفيلم في منوال إخراجه لغزي على أرض متاخمة لهيتشكوك من ناحية، وتذكّر بأفضل ما كان التلفزيون البريطاني ينجزه في هذا المنوال في السبعينات حيث التركيز على المحقق ليس كبطل بل كحالة إنسانية. هذا ليس للقول أن الفيلم ينتمي الى المعالجة التلفزيونية وإن ذكّر بها. وحتى خلفية المخرج المذكورة في إطار التلفزيون الأميركي لا أثر لغوياً لها الا من حيث أن هذا الفيلم هو أيضاً جنائي وعن القضاء (إنما من دون مشاهد محاكمة)٠


إذاً سيُلقى القبض على المجرم وسيُطلق، تبعاً للنظام آنذاك، سراحه وبل سيعيّن مساعداً للمحقق الآخر الذي  تهجّم بنجامين عليه وسيدخل المجرم (يؤديه خافيير غودينو) مع المحقق والقاضية رئيسة مكتبة المصعد الكهربائي ويسحب مسدّسه الكبير أمامها متفحّصاً لكن الدلالة هي تهديد كامل. هو يفعل ذلك لأن أحد أهم المشاهد الفاصلة بين إلقاء القبض عليه وبين خروجه السريع من السجن هو التحقيق معه، وكيف استخدمت القاضية أسلوب التهجّم على ذكوريّته بالتعليق والتهكّم ما آثاره وأدّى الى تأكيد التهمة اليه. لكن حتى لا يدخل الفيلم نفق الأحداث المألوفة يجعل المجرم يختفي ويوفّر لنا عدّة تفسيرات كلها تمهّد لنهاية مفاجئة: المجرم لا يزال حيّاً لكنه أقرب الى الموت. لقد خطفه زوج القتيلة وسجنه بنفسه٠
الفيلم يبدأ بتلك الذكريات العاطفية وينتهي بها. القصّة البوليسية لا تستطيع أن تطغى على تلك العاطفة التي تعاود الإطلال على بنجامين بذات القوّة كما فعلت قبل أكثر من عشرين سنة. يشعر بنجامين بخسارته لأعوام كثيرة إذ آثر أن يحب بصمت لكنه لن يستطيع أن يصمت أكثر من ذلك. على المرأة التي يحبها أن تعلم أنه يحبّها، وهي ستخبره بأنها كانت دائما تبادله ذلك الشعور٠ 
هذا الفيلم هو عالم من الحياة يؤلّفه المخرج  (لم أقرأ الرواية فإني لا أستطيع التبرّع بحشر كلمة "والمؤلّف") بعناية فائقة للتفاصيل كما للبحث فيما يربط الإنسان بالآخر وموقع الذاكرة والقلب من الحدث مؤلماً كان او مبهجاً  وهو مؤلم بجوارحه حتى ولو كان ناتجاً عن حكاية حب لم تكتمل في حينها٠
كل تلك التفاصيل التي أوردتها هي جزء من الصورة الكليّة. صورة الفيلم عن الحياة وصورة أخرى للحياة ذاتها وهي تدخل ثنايا الفيلم على نحو آسر٠

CAST & CREDITS
DIRECTOR:  Juan Jose Campanella
....................................................
CAST: ٍRicardo darin, Soledad Villamil,  Pablo
Rago, Javier Godino, Guillermo  Francella, Jose
Luis Gioia, Carla Quevedo
....................................................
SCREENPLAY:   Juan Jose Campanella, Eduardo Sacheri
CINEMATOGRAPHY: Felix Monti [Color- 35 mm].
EDITOR:  Juan Jose Campanella [127 min.]
MUSIC:  Federico Jusid, Emilio Kauderer
PROD. DESIGNER: Marcelo Pont Verges
....................................................
PRODUCERS:   Juan Jose Campanella, Gerardo Herrero,
Mariela Besuievski.
PROD. COMPANY:  100 Bares, Canal + Espana,
Haddock Films [Argentina- 2009].




THE BIG BOOK OF CINEMA
كل فيلم قديم لم تره بعد هو جديد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Naked City   ***1/2
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Jules Dassin المخرج

وُلد جول داسين (داسان كما ينطقونه فرنسيا) بإسم جوليوس داسين في الثامن عشر من كانون الأول/ ديسمبر سنة 1911 في بلدة ميدلتاون، ولاية كونكتيكات، الولايات المتحدة. أصوله روسية ووالده هاجر وائلته قبيل مولده. سنة 1936 ظهر جول ممثلاً في المسرح اليديشي ثم أخذ يكتب النصوص التمثيلية للإذاعة  ثم أخذ يخرج الأفلام القصيرة بعدما انتقل الى هوليوود سنة 1940
 ثم أنجز أول أفلامه الروائية الطويلة بعد فترة قصيرة من العمل كمساعد مخرج، لحساب مترو 
Nazi Agent  غولدوين ماير بعنوان:  عميل نازي 
وذلك سنة 1942. بعد سبعة أفلام امتدت الى العام 1946 أنجز المخرج أول أعماله البارعة وذات المنحى الواقعي ذي الهم الإجتماعي:  عن سيناريو لرتشارد بروكس (لاحقاً مخرج أفلام جيّدة بدوره)
Brute Force وبطولة  بيرت لانكاستر وإيفون دي كارلو وهوم كرونين، أخرج:  قوّة وحشية
كدراما سجون ذات حس مختلف عن أفلام السجون الأخرى. العامل الإنساني مرتفع على الأكشن وإن كانت لا تخلو من الثاني أيضاً. فيلمه التالي كان «المدينة العارية»  (أدناه) ثم «درب اللصوص» الذي حمل بدوره ذات السمات Thieves' Highway
لكن وشاية من المخرج إدوارد ديمتريك خلال التحقيقات الفدرالية للنشاطات التي سُميّت بالمعادة لأميركا، أفاد فيها أن داسين هو عضو في الحزب الشيوعي دفعت الثاني للهرب نجاة حيث حط في لندن ثم في فرنسا ثم في اليونان (متزوّجاً من الممثلة والوزيرة لاحقاً ميلينا مركوري)٠ أفلامه الأوروبية  لم تكن رديئة، لكنها لم تكن قادرة على التأقلم او الإبداع من ضمن المنظومة التي أصابت السينما الأوروبية في الستينات والتي نتج عنها سينمات أنطونيوني وفيلليني ورتشاردسون وغودار وتاركوفسكي والأخرين المرموقين. لكن هذا لا يمنع من أن بعض أعماله الأوروبية كانت مرموقة رحّب بها نقّاد ذلك الحين وعلى الأخص
Night and the City, Rififi, Never On Sunday, Phaedra, Topkapi
توفّي في الواحد والثلاثين من هذا الشهر، سنة 2008 عن 96 سنة وكان آخر فيلم له سنة 1980
Circle of Two كنديا بعنوان

الفيلم

إخراج: جول داسين
تمثيل:  باري فتزجيرالد، هوارد دَف، دوروثي هارت، دون
تايلور، فرانك كونروي، تد دي كورسيا
بوليسي | الولايات المتحدة 1948
....................................................................


المدينة العارية فيلم بوليسي قريب من الفيلم نوار، أنجزه المخرج سنة 1948 واستوحى له من ميله للسينما ذات المعالجة التوثيقية للحياة ذات المضامين الإجتماعية الناقدة.  قبل أتراب كثيرين من بعد حاولوا دمج القصّة بالواقع والواقعية، بما في بعض فرسان الواقعية الإيطالية، كان داسين قد نجح في الجمع بين الناحيتين بسبب من تلك الكاميرا الملاحظة والمعايشة للبيئة التي تصوّر فيها وهذا بادٍ في هذا الفيلم كما في بعض أفلامه السابقة وهو الذي أقدم على الإخراج من العام  1942 وصاعداً٠
المدينة العارية فيلم مميّز من أفلامه لهذا السبب أوّلاً، ولأنه يبقي حرارة الحبكة البوليسية قائمة على نحو واقعي خال من الفانتازيات التي كانت، ولا تزال سائدة. نحو مزيد من التسجيل هناك صوت سارد للقصّة (حكواتي وفي الواقع هو صوت منتج الفيلم مارك هلنجر) الذي لا يعلّق على ما يدور، ولا يمهّد لما يدور، فهذا يبقى من شغل الصورة، بل يوسّع قليلاً في إطار ما يدور متناولاً، خلفيات وجوانب وملاحظات نجدها تثري العمل وتضيف عليه. يعرّفنا المخرج على المدينة العارية والمقصود بها نيويورك. ثم يتابع التفاصيل الصغيرة التي تقع أمام عدسة الكاميرا قبل أن ننتقل الى القصّة ذاتها. مع التسجيل وتلك الومضات الواقعية يؤسس الفيلم للأسلوب المختار من قِبل المخرج. الآن وقت أن ندلف الى الأحداث، وهذي تبدأ

باري فتيزجيرالد

أميركا، في ذلك الحين كانت مرّت بسنوات بالغة الأهمية إجتماعياً. خرجت من سنوات اليأس التي عصفت بالإقتصاد الوطني وحطّ عليها واقع جديد قسّم الناس لطبقات. الناقد توم هدلستون، في تناوله الفيلم، يقف طويلاً عند تلك الفترة ويجد أن  السينما تباطأت في التقاط نبض الحياة في ذلك الحين (على عكس الأدب مثلاً) وذلك لأسباب من بينها الرقابة الصارمة على السينما وغيرها من الفنون، ولأن السينما اعتبرت ومورست كترفيه  بعيداً عن مشاكل الحياة، وثالثاً، والتفسير لا يزال للناقد، لأن هوليوود عالجت الحياة بضوء مختلف لا يمت الى الحقيقة الا بصلة واهنة في العديد من الحالات٠
لي أن أضيف أن السينما البوليسية، تلك التي ينتمي اليها "المدينة العارية" كانت بدأت تتغيّر من مجرد حكايات حول الصراع الدائر بين البوليس والعصابة الى قصص تستمد حداثتها (آنذاك) من معطيات مختلفة عند كل من البوليس والعصابة خالقة الشخصية الثالثة التي تقف في منتصف الطريق إذا ما دعت القصّة الى ذلك٠
الفيلم البوليسي كان مهمّاً كأداة في النظر الى الحياة وجوانبها، ولو من زاوية البطل المنفرد، هذا على الرغم من أن "المدينة العارية" ليس عن طرف ثالث في النزاع ولا هو متلوٌ من زاوية بطل منفرد. على العكس، يسرد حكايته من زاوية الباحث والمحقق، ومنتجه هلنجر كان صحافياً وحين خطط للفيلم، يقولون، كان يريد أن يجعل من مدينة نيويورك بطلة الأحداث وليس من أطراف القصّة بالضرورة. مع هذه المعلومة في البال، لابد أن نلحظ أن المنتج وجد في المخرج داسين السينمائي الذي يستطيع أن يحقق له هذا المنوال من العمل بسبب حرص الثاني على أفلام تعايش الواقع على أي حال. داسين كان من عائلة يهودية جاءت من روسيا في أواخر القرن التاسع عشر وهو وُلد فوق التربة الأميركية، لكنه كان يسارياً حين نما ونظر حوله فوجد أن الحياة من حوله لها أشكال لا تتطرّق إليها هوليوود الا بعد انتزاع العمق الإجتماعي منها. لا عجب أنه، من هذا الفيلم وصاعداً، بدأ يعاني من حصار المكارثية ليجد نفسه لاحقاً يهرب من البلاد (كما جوزف لوزاي وتشارلي تشابلن وآخرين) حتى لا ينتهي الى السجن٠ باقي أعماله في اوروبا كانت لافتة لكن شوكته الإجتماعية لم تكن بذات الحدّة. لم يكن لديه ما ينتقده لأن نظم الحياة كانت مختلفة الى حد بعيد

مشاهدات
في هذا المضمار سنلاحظ أن السيناريو الذي صوّره داسين هنا يتحدّث عن رجل البوليس الذي يشكو من أن راتبه محدود متسائلاً عن ثراء البعض الذي لا يمكن تصديقه. ذلك عوض رجل البوليس المتسلّح بالمباديء الأميركية الصارمة والمحافظة (طريقة جون واين في أفلام الوسترن) والذي لا يشغله وضع اجتماعي ومادّي بل اندفاع في سبيل تأدية الواجب. هذا التوجّه يسير جنباً الى جنب ، كالظل على الحائط، مع الكاميرا الراصدة للمكان واقعياً، فالواقعية هي أيضاً أداة تُترجم على نحو يساري لا محالة. لديك صلاح أبو سيف ضد حسام الدين مصطفى مثلاً. جول داسين ضد جون فورد او وولت ديزني. عالم واقعي يذكّر الناس بمتاعبها، ضد عالم من النهايات السعيدة التي تخبر الناس أن كل شيء سيكون علي ما يرام (هذا مع أن جون فورد، وهو أستاذ سينمائي بلا ريب أنجز 
Grapes of Fear |   عناقيد الغضب
سنة  1940 وفيه نظرة اجتماعية واقعية صارمة على حال المتضررين في السنوات الإقتصادية التي عصفت بالأميركيين خلال مطلع الثلاثينات٠
شاهدت الفيلم على شاشة كبيرة مرّة واحدة، و (ربما) خمس مرّات على محطّات تلفزيونية في لندن ولوس أنجيليس ثم مرّة حديثة على اسطوانة مدمّجة تحتوي على مقابلات مع معاصرين وأحدهم يؤكد أن المخرج والمنتج عملا بجهد لاستبدال النظرة البطولية التي كان حفظها الممثلون الذين لعبوا أدوار رجال القانون من أفلام سابقة. الفيلم كان يتطلّب رجالاً يعانون من أزمات الحياة المادية والعاطفية وروتينها ومن وقع الجريمة والتحدي الذي تمثّله بالنسبة إليهم. بتعريف زمن ولّى. هؤلاء هم من الطبقة العاملة في مواجهة عالم تقدّم عنهم وتركهم عند حافّته مع واجب مقدّس في الدفاع عن ذلك العالم عاليه وواطيه٠

DIRECTOR: Jules Dassin
CAST:  Barry Fitzgerald, Howard Duff, Dorothy
Hart, Don Taylor, Frank Conroy, Ted de Corsia
SCREENPLAY:  Albert Maltz, Malvin Wald
CINEMATOGRAPHY:  William Daniels (B/W)
EDITOR: Paul Weatherwax (96 m)
MUSIC: Miklos Rozsa, Frank Skinner
PRODUCERS:  Mark Hellinger
PROD. COMAPANY: Universal [United States- 1948]




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠





Thursday, March 18, 2010

Year 2. Issue 56 | Green Zone


GREEN ZONE ****
 مات دايمون وجاسون إيزاكس

الحرب العراقية  في سينما صافية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: بول غرينغراس
أدوار أولى: مات دايمون، براندون غليسون، كريغ
كينير، جاسون ايزاكس٠
ثريلر/ أكشن  [الحرب العراقية] الولايات المتحدة- 2010
N. 34
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يخرج المرء  من «منطقة خضراء» للمخرج بول غرينغراس (الصورة) بفحوى مفادها أن السياسة الأميركية خاضت حرباً بمختلف الأسلحة التي تمتلكها بما فيها الدهاء والكذب والحسابات الخاصّة والأجندات بالإضافة الى الجنود الذين كان عليهم دخول الحرب بمسلّمات وبعضهم عاش لاكتشاف مسلّمات أخرى
ليس أي من هذا جديد. الناس شرقاً وغرباً يعرفون كيف جيّش البيت الأبيض آنذاك كل الأسباب الممكنة لمنح احتلال العراق شرعية متعددة الجوانب ترضي او توهم كل الأطراف، وفي مقدّمة تلك الأسباب أن الرئيس السابق صدّام حسين لديه ترسانة من الأسلحة الفتّاكة التي تستطيع أن تضرب واشنطن، ثم أنه على علاقة بالقاعدة٠
في هذا المنحى لا يأتي فيلم بول غرينغراس بجديد الا من حيث أن أيا من الأفلام الأميركية الروائية تطرّقت إلى هذا الجانب من الحرب العراقية.  سيناريو برايان هيلغلاند ("كتب "ميستيك ريفر" و"رجل محترق" و"خطف بلهام  1 2 3") عن كتاب رجيف شاندراسكاران
Imperial Life in the Emerald City: Inside Iraq's Green Zone
يتحدّث عن الضابط ميلر (مات دايمون) المناط بعمليات البحث عن الأسلحة المدمّرة التي ردّد البيت الأبيض بناءاً على استخبارات ملغومة أراد ان يسمعها ويصدّقها أنها موجودة في العراق وأن صدّام حسين أخفاها. يبدأ الفيلم بثالث عملية بحث تُسند الى ميلر: يتقدّم وفريقه من مبنى اعتلاه قنّاص وينجح في اقتحامه ليكتشفوا أن المكان مهجور منذ زمن بعيد. في مؤتمر صحافي للقيادة يُثير هذه النقطة مع مسؤوليه ذاكراً عملية سابقة حيث "قال لنا المصدر أن الأسلحة المدمّرة موجودة هناك لكن المكان كان مصنعاً للمراحيض"٠ على ذلك يرد أحد رؤسائه عليه بالقول: "لا عليك من هويّة المصدر. أفعل ما يُطلب منك". في طريقه لتنفيذ المهمّة الرابعة يتوقّف عند مرأي رجل عراقي فقد ساقه في الحرب مع إيران  أسمه فريد ويُكنّى بفريدي (خالد عبد الله) الذي يرشده الى بيت التقى فيه أحد كبار مساعدي صدّام حسين، وأسمه الراوي (عقال نور) مع عدد من مساعديه. يقتحم الضابط وجنوده المكان وتقع معركة قصيرة لكن الراوي يفر. وأحد مساعديه (سيد حمزة) لديه دفتر عناوين يصبح مصدر صراع بين الضابط وبين  كلارك (كرغ كينير) مسؤول العمليات في البنتاغون وبي مارتن (برندَن غليسون)  أحد كبار رجال السي آي أيه  في العراق. كلارك يطلب من أحد الضبّاط العسكريين (جاسون إيزاكس)  استخراج مكان اختفاء الراوي ممن تم إلقاء القبض عليهم وهناك مشاهد لبعض العنف الممارس عليهم، وأخرى، فيما بعد،  للضرب المبرح الذي تعرّضوا إليه. لكن هذا الفريق يريد الراوي ميّتاً لأنه كان حذّر الحكومة الأميركية من أنها سوف لن تجد اسلحة دمار شامل لأنها غير موجودة، بينما عميل السي آي أيه وميلر يريدان سلامة الراوي لكي يشهد بذلك. هذا على خلفية شخصية مستوحاة من الواقع لعراقي عاش في الغرب طويلاً ولفّق بدوره تهمة أسلحة الدمار الشامل ليعود مدعوماً من قِبل البيت الأبيض ولو الى حين٠
المعركة الأخيرة، بين ميلر  وبيغز (جاسون أيزاكس) وما يحدث خلالها من دخول وخروج أطراف مختلفة وعلى صعيد تصميمها العام والمطاردة الطويلة التي تقع فيها، بالغة الأهمية كتابة وإخراجاً وبعداً وفيها تتصارع فيها كل الأطراف مع وجود هدف مختلف لكل طرف مثير للإهتمام بحد ذاته٠
دايمون وآمي رايان 

كيفية دخول وخروج كل عنصر (ممثلاً، موقع شخصية، خط درامي) في كل لقطة بارع كلغة سينمائية وهذا ليس حكراً على الفصل الأخير من المشاهد المصوّر ليلاً والدائر في حي سكني ضيق الطرق (تم التصوير في المغرب) على أهمية مستوى تنفيذ ذلك الفصل، بل في كل الفيلم. من اللقطة الأولى وحتى الأخيرة هناك تلك الطاقة الحيوية التي مارسها المخرج  غرينغراس في أفلامه السابقة وأكثر منها. الكاميرا محمولة بطبيعة منهجه لكن ليس اعتباطاً. المقصود بها أن تؤدي دور الحاضر في رحى الحرب عوض تأسيس الفيلم كما لو كان نظرة بعيدة عنها او تصميماً أعيد إنشاءه للغاية. طبعاً، هو مكان يُعاد إنشاءه في كل الأحوال (إذ لم يتم تصوير الفيلم في بغداد ذاتها) لكن سياسة التصوير منتمية الى سياسة المخرج الفنية التي تؤسس لكاميرا تنتمي الى داخل الموقع والمكان ولا تطل عليه من الخارج٠
في السياق العام للكيفية المختارة لسرد الفيلم، يلتقي «منطقة خضراء» وما حققته كاثلين بغيلو في «خزنة الألم». كلاهما بنفس الوتيرة التي تخلقها تلك الكاميرا المحمولة: نفس مدير التصوير باري أكرويد. كاميرتان مختلفتا الإستخدام. في فيلم بيغيلو هي هناك لالتقاط الحدث بنفس تسجيلي، ريبورتاجي، بينما تعامله هنا روائياً خالصاً. لكن كليهما يختار الحكاية التي لا تخرج بالفيلم عن مسار الجندي الأميركي ومتاعبه في رحي المعركة. المكان يصبح عالمه كلّه. علاقته مع الغرباء المحيطين به هي حدوده٠
فيلم بول غرينغراس هو أكثر انضباطاً وإثارة من فيلم بيغيلو كونه يقع في رحى يومين متتابعين ضمن عقدة محددة: يكتشف ميلر أن مهامه مقصود بها أن تكون فاشلة ويبحث ويستنتج ويصل الى نهاية ومفاد. في الفيلم الآخر، "خزنة الألم" الوظيفة التي يمارسها بطل الفيلم هناك (جيريمي رَنر) هي ثابتة لا تحوّلات منها بل مناسبة لإظهار أحداث متوالية تنطلق منها وتعود اليها.  الى ذلك، هناك في فيلم "منطقة خضراء" في إطار جغرافي محدود داخل المدينة وكونه يستخلص من عناصر العمل التقنية قدراً أعلى من التشويق٠
كذلك فإن همّ  «خزنة الألم» تقديم نموذجاً غير مُسيّس للوضع في العراق، ولو أن السياسة في محيطه، بينما يعمد «منطقة خضراء» الى الحديث في السياسة وبل يتّخذ منها موقفاً نقدياً واضحاً ضد أكاذيب السياسة التي عمدت إليها السياسة الأميركية بغية تبرير احتلالها للعراق. هذا في الوقت الذي لا يطلب منك اعتبار الفيلم أكثر من قصّة تُروى٠
العراقيون هنا متعددون ومختلفون. ليس من بينهم أشراراً بل أصحاب وجهات نظر. وهناك خطبة للعراقي الذي ينبري لمساعدة الضابط ميلر تحمل معاني مهمّة  وكلمات كاشفة  وذلك حين يرفض مبلغاً من المال لقاء مساعدته ويؤكد للضابط إنما يقوم بما يقوم به لمساعدة وطنه "لم لا تصدّق أن هذه حقيقة؟"٠
  للفيلم طروحاته حول الديمقراطية المستغَلّة والإنتقائية والخدعة الكبيرة حول أسلحة الدمار الشامل وكيف كانت غطاءاً  للتدخل، وعن دور الإعلام ومشاركته فعل التغطية (تجسّد دورها شخصية هامشية تؤديها آمي رايان) وعن دور السي آي أيه (الذي يحيّده الفيلم عن الخطأ ويمثّله هنا برندان غليسون) وهذه الطروحات من تلك التي سيتمحور حولها النقد العربي الذي يحب (عند البعض) تفضيل الحديث في المضامين على الفيلم كعمل سينمائي. وهي طروحات تعكس قدراً كبيراً من قناعات العاملين في هذا الفيلم (مواقف الممثل وكاتب السيناريو والمخرج معروفة في هذا الصدد) لكنها ليست مصاغة هنا لكي تتحول الى منبر او منشور. كل ما ينجزه المخرج غرينغراس هنا هو استخدام القواعد اللغوية للسينما لسرد حكاية وعوض أن تكون حكاية فارغة يضمّنها ما تحتاجه من دلالات وأفكار ما يزيد الفيلم قيمة٠
CAST & CREDITS
..................................................................
DIRECTOR: Paul Greengrass
..................................................................
CAST:  Matt Damon, Amy Ryan, Greg Ryan,
Khalid Abdalla, Jason Isaacs.
ممثلون عرب
خالد عبدالله (فريد)،  عقال نور (الراوي)، سعيد فرج (سعيد الذي
يتم تعذيبه)، رعد راوي (الزبيدي)، انتشال التميمي، فيصل عتوجي، أيمن
حمداوي، بوبكر هلال، دريس روخ، مؤيد علي، محمد كافي٠
..................................................................
SCREENPLAY: Brian Helgeland
Rajiv Chandrasekaran  عن رواية لـ
 "Imperial Life in the Emerald City: Inside Iraq's Green Zone"
CINEMATOGRAPHER: Barry Ackroyd [Color - 35 mm]
EDITOR: Christopher Rouse (118 m). 
MUSIC: John Powell 
PROD. DESIGNER: Dominic Watkins.
..................................................................
PRODUCER: Tim Bevan, Eric Fellner, Lloyd Levin.
PROD. COMPANY: Studio Canal, Relatively Media,
Working Title Films, Antena 3 Films.
DISTRIBUTOR: Universal [US- 2010]




Saturday, March 13, 2010

Year 2. Issue 55 | Nine | The Crazies | Macbeth by Kurosawa, Wells and Polanski


ثلاثة مخرجين تعاملوا مع مسرحية وليام شكسبير "ماكبث": أكيرا كوروساوا، أورسن وَلز
ورومان بولانسكي. النتيجة في هذا العدد (العمود اليمين)٠

Thorn of Blood | Akira Kurosawa


أفلام اليوم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Crazies **
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المخبولون
إخراج: برت آيزنر
أدوار أولى: تيموثي أوليفانت، رادا ميتشل، جو أندرسون
 رعب [الإمارات العربية المتحدة- 2010]٠
 رقم الفيلم من بداية العام: 32
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مخبولون بلا سبب٠

 مع أن نسخة 1973 من فيلم "المخبولون" لم تكن واحدة من أفضل أفلام ذلك العام، ولا عملاً توقّف عنده الكُثر من المشاهدين، بمن فيهم هواة سينما الرعب، الا أن حقيقة أن الفيلم كان من أعمال المخرج جورج أ. روميرو الذي طالما أراد استخدام فيلم الرعب كمناسبة للحديث عن الحكومة والمجتمع وإنهيار النظم المدنية الغربية، بفعل الفساد السياسي والعسكري، ميّزه عن سواه من أفلام تلك الفترة٠
في ذلك الفيلم، عمد المخرج المعروف بسلسلة "الأحياء- الموتى" التي تدور حول زومبيز يعيشون على أكل لحوم البشر بعد إنهيار العالم الذي نعرفه، الى استخدام خط قصصي بسيط: شاحنة عسكرية محمّلة بالكيماويات تنقلب قرب بلدة في الغرب الأميركي لينتشر من حمولتها وباء يحوّل البشر الى قتلة من دون سبب ظاهر. روميرو لم يهتم بالسبب لأنه كان يرغب في إدانة العسكر والنظام كذلك صوّر المصابين من دون ماكياج خاص. التحوّلات التي تصيب المرضى نفسية وداخلية ولا تظهر على الجلد كقروح او تشويهات. ربما هذا كان من بين الأسباب التي لم يشهد الفيلم رواجاً بالإضافة الى أنه جاء أقل إنجازاً على الصعيد الفني أيضاً٠


بعد تسع وثلاثين سنة، يقوم المخرج برَك آيزنر ("صحراء" مع بينيلوبي كروز) بإعادة صنع ذلك الفيلم لسبب مجهول. او ربما من دون سبب على الإطلاق بإستثناء أن  هوليوود أرادت تحقيق فيلم رعب كلاسيكي آملة في الوصول الى جمهور هذا النوع من الأفلام بعمل يحمل إسم المخرج السابق والذي له أتباع كُثر بين هواة سينما الرعب  ولو كمصدر اقتباس٠ آيزنر، من ناحيته، لا يحمل ثقلاً جماهيرياً وفي  أفضل حالاته، مخرج يتبع شروط الصياغة الصحيحة للفيلم الذي يحققه لكنه لا يصنعها كاملة وفيلمه الجديد هذا يدل علي ذلك بوضوح٠
في نسخة آيزنر التي تكلّفت  نحو 12 مليون دولار ويقوم ببطولتها كل من تيموثي أوليفانت ورادا ميتشل، نتابع شريف بلدة صغيرة في ولاية إيوا وزوجته الحامل التي تعمل طبيبة في المستشفي الوحيد في تلك البلدة. ظواهر عارضة تبدأ بالوقوع يجمع بينها رغبة أشخاص بقتل آخرين من دون مبرر على الإطلاق. في البداية، يتقدّم رجل يحمل بندقية خلال لعبة رياضية ويلحظه الشريف (أوليفانت) فينزل الى الميدان ويطلب منه رمي سلاحه. لا يمتثل الرجل ويستعد لإطلاق النار. الشريف يسبقه الى ذلك ويرديه قتيلاً ويعتقد أن المسألة انتهت عند هذا الحد: سكير أشهر سلاحاً وهدد سلامة آخرين وكان لابد من قتله ولو أنه يشعر بالندم لاضطراره الى ذلك. لكن الحالة تتردد مع آخرين في صور شتّى بينهم واحد حرق منزله بهدف قتل زوجته وولده. ما يتبدّى للشريف ولنا قبله بقليل، هو أن هناك ڤيروساً يحوّل الناس الى مخبولين  يجولون في البلدة بهدف القتل. وسبب الڤيروس طائرة عسكرية كانت تحمل تجارب كيماوية سقطت في المياه المجاورة التي يشرب منها أهل البلدة. البعض لم يصب (من دون تبرير لذلك) ومن بينهم الشريف وزوجته  والغالبية تلوّثت بينهم نائب الشريف (جو أندرسُن) الذي، في التوقيت المناسب، سيضحّي بحياته لأجل نجاة رئيسه وزوجته٠
الفيلم ينتقل الى مرحلة جديدة أكثر تشويقاً مع حلول العسكر الذين سيفحصون الناس لمعرفة من هو الملوّث ومن هو الصالح لأن يعيش لما بعد الفيلم. الإيقاع يرتفع قليلاً، لكن على مستوى المضمون، فإن الوجود العسكري لا يمكن دحضه بلوم الفيلم المحدود عن مسؤوليّته في الكارثة. بمعنى آخر، في حين أن فيلم روميرو يتّهم التجارب العسكرية ومن ورائها السياسة الأميركية بالكوارث التي ستحيق بالأميركيين، هذا الفيلم يصوّر أن الجرثومة مصدرها العسكر ويحاول لاحقاً التعليق بصمت على بطشهم وتدميرهم المدن الصغيرة المصابة، لكن ما الذي يتوقّع من الجيش الأميركي فعله إذا ما حصلت مثل هذه الكارثة. يدعها تنتشر؟
في مرحلة لاحقة من الفيلم تتمحور القصّة حول أبطاله الثلاثة، لكن في حين أن الشريف وزوجته لا زالا متمتّعين بالصحة الكافية، الا أن مساعد الشريف أخذ يعاني من شهوة القتل التي هي دليل إصابته. ما يحدث في هذا الإطار يفشل في أن يكون مهمّاً. على عكس "الطريق" او "كتاب إيلاي"  او "غزاة ناهشو الجسد"، فإن العمل لا يجسّد مستقبلاً مثيراً للقلق. يبقى ضمن معطيات الفيلم الذي له حل شبه سعيد في النهاية. فيلم بلا سبب حول مخبولين بلا سبب أيضاً٠    
هذا الفيلم من تمويل مؤسسة "إيماج نايشن" التي أنشأتها الهيئة العامة للثقافة والتراث في أبو ظبي وهو باكورة المعروض من إنتاجها (الثاني بعنوان "إنتقام الفرو" !) وسؤالي هو لماذا؟ لماذا على هيئة ذات موقع محترم ونوايا ثقافية عليا الموافقة على تمويل فيلم رعب من الدرجة الثانية؟ او حتى من الدرجة الأولى لو حدث؟ هل بهدف مادي؟ الفيلم انزلق الى المراكز الورائية سريعاً. هل بهدف اثبات وجود؟ لكن إثبات الوجود له أفلامه وعملياته؟ أم لمجرد أن الصورة الحقيقية لمعنى العالمية غائبة؟
DIRECTOR: Breck Eisner .
SCREENPLAY:  Scott Kosar, Ray Wright
SOURCE: "The Crazies" BY: George A. Romero (1973)
CAST:
Timohy Olyphant, Radha Mitchell, Joe Anderson,
Danielle Panabaker, Chritstie Lynn Smith.
CINEMATOGRAPHY: Maxime Alexandre (Color- 35 mm)
EDITING:  Billy Fox (101 min).
MUSIC:  Mark Isham
PROD. DESIGNER:   Andrew Menzies
PRODUCERS:  Michael Aguilar, Rob Cowan, Dean Georgarisl.
PRODUCTION COMPANY:   Imagenation [UAE- 2010].



Nine ***
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تسعة
  إخراج: روب  مارشال
الأدوار الأولى: دانيال داي- لويس، ماريون كوتيار، بينيلوبي كروز، جودي
دنش، كايت هدسون، نيكول كيدمَن، فرجي، صوفيا لورِن، ريكي تونيازي٠
الولايات المتحدة‮   - ‬2009 ‮[‬ ألوان‮- ‬118‮ ‬د‮]
 رقم الفيلم من بداية العام: 33
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


‬تسعة ‬هو فيلم عن مسرحية عن كتاب عن فيلم عن قصّة حياة‮. ‬فهو مأخوذ عن مسرحية وكتاب وضعهما سنة‮  ‬1982 ‮ ‬الكاتب المسرحي‮ ‬ارثر كوبت  الذي‮ ‬رشّح ثلاث مرات لجائزة توني‮ ‬المتخصصة وكانت مسرحيّته هذه من بينها. قبل هذه المسرحية وضع كوبِت واحدة بعنوان 
Indians قبل هذه المسرحية وضع كوبِت  واحدة  بعنوان
وذلك سنة 1969 التي استوحاها المخرج روبرت ألتمَن مادة لفيلمه حول معاملة البيض للهنود وهو
سنة 1976  Buffalo Bill and the Indians

مسرحية كوبِت بدورها مستوحاة من فيلم فديريكو فيللني‮ »‬ثمانية ونصف‮« ‬الذي‮ ‬أخرجه ذاك سنة‮  ‬1963‮ ‬وفيه بثّ‮ ‬الشاشة أفكاره وتأملاته في‮ ‬كيانه الذاتي‮. ‬الى حد هو فيلم سيرة،‮ ‬والى حد أيضاً‮ ‬يبتعد عن السيرة‮  ‬بسبب من معالجة‮  ‬تستطيع أن تقرأ منها ما تريد‮. ‬فيلليني‮ ‬نفسه قرر أن‮ ‬يناقض نفسه فصرّح عقب إنجازه أنه فيلم عن حياته،‮ ‬وصرّح أيضاً‮ ‬أنه لا‮ ‬يعتربه فيلماً‮ ‬أتوغرافياً‮. ‬وهو سمّاه كذلك نسبة الى تحقيقه سبعة أفلام روائية طويلة من قبل وثلاثة أفلام هي‮ ‬فصول من ثلاثيات او ثنائيات‮٠  ‬وهو قال حين انجازه الفيلم‮ : "‬ثمانية ونصف مقصود بهزن‮ ‬يكون محاولة للوصول الى صلح مع الحياة‮. ‬محاولة من دون نتيجة كاملة‮. ‬أعتقد أنها توحي‮ ‬بحل‮: ‬أن تتصادق ونفسك كليّاً‮ ‬من دون تردد ومن دون تواضع كاذب ومن دون مخاوف ومن دون امال"‮٠‬
مسرحية كوبِت انذاك،‮ ‬لعب بطولتها الراحل راوول جوليا طوال‮ ‬729‮ ‬عرضاً‮ ‬على خشبات برودواي،‮ ‬وفي‮ ‬العام‮ ‬2003‮ ‬قُدّمت من جديد‮ (‬اعتقد بنجاح أقل‮) ‬من بطولة أنطونيو بانديراس‮٠ ‬هذه هي‮ ‬خلفية الفيلم الثالث للمخرج روب مارشال بعد‮ »‬شيكاغو‮« ‬و»مفكرات الغيشا‮« ‬وكلاهما‮ ‬يعكسان جهد المخرج لتقديم أعماله ضمن شروط فنيّة وتجارية متلاقية‮. ‬هنا،‮ ‬وضمن الجهد ذاته،‮ ‬ينجز فيلماً‮ ‬فيه عثرات لكنه لا‮ ‬يخلو من الحسنات‮. ‬وفي‮ ‬حين أن فيلمه الأول‮ »‬شيكاغو‮« (‬2002‮)  ‬نال ستة أوسكارات‮ (‬بينها أفضل فيلم‮)  ‬و306‮ ‬مليون دولار من الإيرادات العالمية،‮ ‬لم‮ ‬يجد هذا الفيلم الصدى ذاته لا على صعيد الجوائز ولا على صعيد التجارة‮٠‬
إنه عن سبعة نساء‮ (‬كوتيار،‮ ‬كروز،‮ ‬دنش،‮ ‬هدسون،‮ ‬كيدمَن،‮  ‬لورِن وفرجي‮) ‬وأدوارهن في‮ ‬الدراما التي‮ ‬يعيشها المخرج الإيطالي‮ ‬غويدو كونتيني‮ (‬داي‮- ‬لويس‮). ‬مثل أبطال مخرجين‮  ‬بينهم‮ ‬يوسف شاهين وبوب فوسي‮ ‬وفديريكو فيلليني‮ ‬نفسه،‮ ‬تشكل المرأة أزمة تمتد من عاطفية الى وجودية،‮ ‬وهذا ما حاول روب مارشال التعبير عنه في‮ ‬شخصية بطله وأنجز هذا التعبير بنجاح‮. ‬دانيال داي‮- ‬لويس‮ ‬يمثّل الشخصية التي‮ ‬لعبها مارشيللو ماستروياني‮ (‬بإسم‮ ‬غويدو أنسلمي‮): ‬مخرج على أهبّة تصوير فيلمه الجديد‮ »‬ايطاليا‮« ‬بعد عشرة أيام وليس لديه سيناريو جاهز‮. ‬جزء أساسي‮ ‬من المشكلة كامن في‮ ‬أنه‮ ‬يعيش أزمة علاقات‮  ‬عاطفية مع زوجته‮ (‬كوتيار‮)‬،‮ ‬وعشيقته المتزوّجة‮ (‬كروز‮). ‬يريد الإثنين معاً‮ ‬وهو بعد مؤتمر صحافي‮ ‬عُقد له‭ ‬‮(‬إذ لا‮ ‬يحب المؤتمرات الصحافية لكن منتجه أصر‮)  ‬يتسلل الى فندق على الساحل ليستأجر فيه‮ ‬غرفة بعيداً‮ ‬عن الأعين‮ ‬يختلي‮ ‬بنفسه لكي‮ ‬يكتب السيناريو‮. ‬يتّصل بزوجته من هناك وأول ما تسأله إذا كان وحيداً‮ ‬كونها تعرف مغامراته‮. ‬تبرق عينا الممثلة الحزينة ماريون كوتيار حين‮ ‬يطلب منها زوجها القدوم اليه،‮ ‬لكن البرق‮ ‬يخبو بعد لحظة عندما‮ ‬يقول لها أنه لا‮ ‬يعرف في‮ ‬أي‮ ‬فندق حط‮ ("‬كيف أدلّك إذا لم أكن أعرف أين أنا؟‮"). ‬عشيقته تصل الى المحطّة وهو في‮ ‬استقبالها لكن عوض العودة بها الى الفندق‮ ‬يتّجه بها الى شقة صغيرة استأجرها‮. ‬من هنا تتبلور الأحداث صوب حالة لا تحتوي‮ ‬على الكثير مما‮ ‬يستحق السرد،‮ ‬لكن حال معظم الميوزيكالز هو ذاته‮: ‬القصّة ليست سوى مناسبة لدخول وخروج النمر الإستعراضية الراقصة وهنا‮ ‬يوجد منها واحدة لكل شخصية ما عدا دانيال داي‮- ‬لويس وماريون كوتيّار فلكل منهما نمرتان‮٠‬
باقي‮ ‬النساء في‮ ‬حياة هذا المخرج الذي‮ ‬يتقدّم به الوقت وبات عليه البدء بالتصوير وهو لا‮ ‬يزال‮ ‬غير جاهز لسن مرتبطات به بعلاقة حب بالضرورة‮: ‬الممثلة الباحثة عن مصلحتها في‮ ‬العلاقة لذلك تمضي‮ ‬عن‮ ‬غويدو في‮ ‬وقت حاجته إليها‮ (‬كيدمَن‮) ‬وهناك المغنيّة التي‮ ‬كانت لها علاقة معه حين كان صبيّاً‮ (‬فرجي‮) ‬حين كانت لا زالت عاهرة‮ ‬يخلو الفتيان الصغار إليها‮ ‬غالباً‮ ‬للفرجة،‮ ‬وهناك الصحافية‮ (‬هدسون‮)  ‬التي‮ ‬تطلبه إليها وهو‮ ‬يُريدها بدوره لكن ظروفه تمنعه من تمضية الليلة معها بينما زوجته‮ (‬التي‮ ‬كانت وصلت الى الفندق في‮ ‬الليلة ذاتها التي‮ ‬وصلت فيه العشيقة وكلاهما‮ ‬يطلبانه‮) ‬تعاني‮ ‬من شعورها بالألم لتصرّفات زوجها‮. ‬لكن الأهم بين الباقيات‮ (‬بعد الزوجة والعشيقة‮) ‬هي‮ ‬والدته‮ (‬صوفيا لورِن‮) ‬والمرأة التي‮ ‬عملت معه طويلاً‮ ‬كمصممة أزياء‮ (‬جودي‮ ‬دنش‮): ‬الأولى هي‮ ‬أم والثانية بمثابة شقيقة كبيرة‮٠‬
ليس كلّهن‮ ‬يصلحن للغناء او الرقص او كليهما معاً‮ ‬خصوصاً‮ ‬جودي‮ ‬دنش التي،‮ ‬بدورها،‮ ‬أفضلهن إداءاً‮ ‬الى جانب ماريون كوتيّار‮. ‬
الجميع‮ ‬يغنّي‮ ‬ويرقص لكن بتفاوت شديد في‮ ‬الإمكانيات‮ (‬الجسدية او الصوتية‮) ‬ودانيال داي‮-‬لويس‮ ‬يطل من نافذة جديدة حاملاً‮ ‬معه موهبة أخرى من مواهبه‮ ‬غير المحسوبة من قبل‮. ‬في‮ ‬المقارنة بين إدائه هذه الشخصية هنا وأداء مارشيللو ماستروياني‮ ‬في‮ ‬فيلم فيلليني‮ ‬قبل‮ ‬46‮ ‬سنة هناك فوارق كبيرة ولو أنها ليست متعددة‮. ‬مارشيللو‮ ‬يماشي‮ ‬رغبة فيلليني‮ ‬في‮ ‬الإستعراض الإدائي‮. ‬لفتاته،‮ ‬سلوكيّاته،‮ ‬المزخرف‮ ‬يواجهه داي‮-‬لويس هنا بإداء أكثر واقعية في‮ ‬النبرتين البدنية والصوتية وفي‮ ‬حركات اليدين‮ (‬المحسوبة إذ‮ ‬يمثل نحو نصف مشاهده ويديه في‮ ‬جيبيه‮) ‬وتلك النظارات فوق عينيه‮٠ ‬هذا ممثل لا‮ ‬يتوخّى أن‮ ‬يتوهّج حتى إذا ما سنحت المناسبة،‮ ‬بل‮ ‬يكفيه أن‮ ‬يشخّص الدور كما‮ ‬يترجمها الى نفسه‮٠‬
‮ ‬مشكلتي‮ ‬مع الفيلم هي‮ ‬تصميم المشاهد الإستعراضية‮. ‬لسبب‮ ‬غير ضروري‮ ‬هي‮ ‬داكنة كما لو أن الاستديو التي‮ ‬تقع فيها معظم تلك المشاهد ليس فيه إضاءة كافية‮. ‬أفهم أن المخرج ومدير تصويره ديون بيبي‮  ‬يريدان خلق أجواء فنية‮ ‬يعتقدانها مناسبة إذا ما تم توزيع الأضواء بحيث تبقى أطراف المشهد‮ ‬غارقة في‮ ‬العتمة،‮ ‬لكن
هذا ليس ضرورياً‮ ‬او ـفي‮ ‬أفضل الأحوال‮- ‬ليس مُمارساً‮ ‬على نحو ناجح‮٠‬‭
DIRECTOR: Rob Marshall.
SCREENPLAY:  Michael Tolkin, Anthony Minghella, based on the musical with 
SOURCE: Musical and a book  BY:  Arthur L. Kopit.
CAST:
Daniel Day-Lewis, Marion Cotillard, Penelope Cruz, Judi Dench,  Fergie, Kate Hudson, Nicole Kidman, Sophia Loren, Ricky Tognazzi, Giuseppe Cederna
CINEMATOGRAPHY:   Dion Beebe (Color/Black & White- Widescreen),
EDITING:  Claire Simpson, Wyatt Smith (118 min).
MUSIC:  Yeston; music supervisor, Matt Sullivan
PROD. DESIGNER:  John Myhre; senior art directors, Phil Harvey, Tomas Voth.
PRODUCERS: Marc Platt, Harvey Weinstein, John DeLuca, Rob Marshal.
PRODUCTION COMPANY:  Weinstein Co. release presented with Relativity Media of a Weinstein Brothers/Marc Platt/Lucamar production [USA- 2009]


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Sunday, March 7, 2010

Year 2. Issue: 54 | The Long Goodbye


                                This  Week                             


Alice in Wonderland  | Tim Burton
***جيد
Brooklyn's Finest  |  Antoine Fuqua
****ممتاز
Case 39 | Christian Alvert
***
Chloe |  Atom Etoyan 

 لم يُشاهد بعد: 00000
The Ghost Writer | Roman Polanski
***
Iron Cross | Joshua Newton

00000
Rainbow Tribe, The | Christopher Watson

00000
 

                                Next Week                                     ل

 
Ape, The | Jesper Ganslandt
***
Green Zone  | Paul Greengrass

 00000
Our Family Wedding | Rick Famuyiwa

00000
Remember Me | Allen Culter
**وسط
She's Out of My League | Jim Field Smith
*ضعيف/ رديء


استعادات الناقد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التحري فيليب مارلو بين الروائي رايموند تشاندلر والمخرج روبرت ألتمَن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Long Goodbye  ****

٠" لقد فهمت قصدك تماما، مستر بوتر. لا تحب الإتجاه الذي يمشي فيه العالم ما
يجعلك تستخدم السُلطة التي لديك لكي  تنعزل  في زاوية خاصة تعيش فيها  قريباً
قدر الإمكان من الطريقة التي تتذكر أن الناس عاشوا عليهـا قبـل خمسين سنة من
قبل عصر الصناعات الشعبية. لديك مئة مليون دولار وكل ما جلبته لك ألم في العنق"٠
فيليب مارلو في "الوداع الطويل"٠
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هناك علاقة بين شخصية فيليب مارلو في فيلم "الوداع الطويل" الذي أخرجه روبرت ألتمَن سنة 1973 وبين فيلمه اللاحق "بوباي" (1980)  وهي أن كليهما ساخر من الشخصية التي يضعها أمام الكاميرا، وكل من شخصية فيليب مارلو، ذلك التحرّي الخاص المحمّل بالتعليق على المجتمع الذي يعيش فيه والريبة في صدق الآخرين، سواء أكانوا من رجل البوليس او من الأشرار، و"بوباي" تلك الشخصية الكرتونية التي تسعى لكسب عاطفة الفتاة الوحيدة التي تحبّه والذي ما عليه الا أن يبتلع علبة سبانخ ليصبح سوبر مان يواجه الأشرار الذي ينشدون الأذى له او لها او للوطن٠
ألتمَن هو بحد ذاته فنان ساخر. قلّما تغيب السخرية عن أي أفلامه وتشهدها أعمال أخرى له مثل  "ماش" عن المؤسسة العسكرية "ماكاب ومسز ميلر"  عن بدايات النشأة الرأسمالية لأميركا،  "اللاعب" من المؤسسة السينمائية الهوليوودية و"جاهز للبس" عن مؤسسة الأزباد، و"بافالو بِل والهنود" عن الصورة الكلاسيكية للبطل في الغرب الأميركي  ومثل كل ساخر هو إنسان حزين في العمق وفي الظاهر.  قد تضحك في بعض المواقف، بل في الكثير من مواقف "اللاعب" و"بوباي" و"العرس" و"ثلاث نساء" و"اختصارات"، لكنه ضحك غير كوميدي، بل ناتج عن قدرة المخرج في إيضاح صورة سلبية ثابتة في صلب العالم الذي نعيشه لم نكن نعلم أنها بذلك السوء فننزع الى ضحكة مفاجئة مثل الراحة المفاجئة التي يشعر بها من يقلع ضرساً، من دون أن يغيب القلق عنه٠
الشيء الآخر الذي يسخر منه المخرج، كونه مخرجاً مؤلّفاً ويتبع الخط العريض من المخرجين المستقلّين (ولو أخرج أيضاً لاستديوهات نحو ثلث أفلامه)، هو سينما النوع. لذلك أول ما يعمد اليه في "الوداع الطويل" هو تحطيم الحدود الراسخة لسينما النوع وبما أنه يتعامل مع الفيلم البوليسي، فإن النوع المقصود به هو النوع البوليسي، كما كسر نوع الوسترن حين قدّم "ماكاب ومسز ميلر"  ( 1971) ومن سينما الخيال العلمي حين  أخرج "خماسي" (1979)٠
كناقد مجبول بسينما التحري الخاص (كفكرة، مبدأ عمل، مصير، وكنوع هوليوودي يضم أفلاماً من الفيلم نوار ومن خارجه) لم تعجبني سخريته من أحد أفضل كتاب القصّة البوليسية وأحبّهم الى قلبي. لليوم أدخل مكتبات باحثاً عن رواية بوليسية جديدة، لكني انتهي الى شراء واحد من الروايات التي كتبها تشاندلر او كورنل وولدريتش داشل هاميت او روس مكدونالد او برت هوليداي او جيمس م. كاين او سواهم من فترة لم أعشها (الثلاثينات والأربعينات وجزء من الخمسينات) كانت عصراً ذهبياً لكتاب البالب فيكشن والبوليسي الخاص٠ ولم أكن وحيداً في عدم الإعجاب ذاك. معظم الذين انتقدوا الفيلم سلباً آنذاك (بينهم، على سبيل المثال وليس الحصر جاي كوكس، ناقد مجلة "تايم" حينها) لم يعجبهم كسر التقليد وكسر الشخصية وروح العمل الأدبي للمؤلّف أيضاً٠
لكن للفنان الحق في رؤيته ورؤية ألتمَن لا تلتقي ورؤية العديدين الذين يسمحون لكافة وجهات النظر بالتواجد والحكم على طينة العمل بحد ذاته. وما يزعجه في كل أفلامه وما كسره في كل مرّة وقف فيها وراء الكاميرا هي صورة البطل. وفيليب مارلو كان بطلاً. صحيح إنه لم يكن "بوباي" ولا "سوبر هيرو" لكنه كان بطلاً في نطاقه. في عالمه وبين جمهوره. المشكلة مع هذا الفيلم، ومع تطبيق رؤية المخرج على شخصيّته هي أن المخرج تحامل على فيليب مارلو: تحر فقير يكابد عالماً فاسداً. من حيث المبدأ كلاهما، ألتمَن ومارلو في خندق واحد، لكن المخرج سوف لن يسمح لنفسه بتنازلات

القصّة التي وضعها تشاندلر متشابكة: تبدأ بمارلو يساعد رجلاً لا يعرفه الهرب ليكتشف لاحقاً أن الرجل خلف وراءه زوجة مقتولة. البوليس يتّهم مارلو بالتعاون مع الهارب وأسمه لينوكس. لاحقاً ما يتم اكتشاف جثّة لينكوس. كل هذا من دون أن ندري أن لهذا الخط علاقة بخط ثان يبدأ بالتبلور حين يستلم تشاندلر قضية اختفاء كاتب تنتظر دار النشر مخطوطته. يجد الكاتب الذي يحاول أن ينتحر عدّة مرّات والمتزوج من إمرأة تحاول لاحقاً أن تقيم علاقة مع تشاندلر. الكاتب والمرأة ولينوكس وشخصيات أخري متّصلة مع بعضها البعض وهذا ما يجعل تشاندلر يدور في دوّامة من الفساد الإجتماعي تقع خلالها عدّة جرائم قتل  ويواجه فيها روايات مختلقة عدّة لا يصدّق منها شيئاً لكنه في النهاية ليس متأكداً أنه وصل الى نهاية الخيط٠
لا أحد في أفلام ألتمَن يقود حياته كما يريد ولا أحد في أفلامه يُسيطر على مقدّراته وشؤونه. وفيليب مارلو، كما كتبه تشاندلر، يسيطر على مقدّراته وهذا ما لا ينفع في رؤية ألتمَن للمصائر البشرية. هزّة أرضية واحدة تغيّر الحياة لأبطال "اختصارات". عثرة صغيرة تقلب حياة ماكاب وتحول دون وصوله الى طموحاته فينتهي ميّتاً تحت الثلج في "ماكاب ومسز ميلر"، وهو لن يسمح لمارلو أن يتعامل ومحيطه مقرراً ما يُريد وما لا يُريد، بل سيرسم شخصية أخرى، بالإسم ذاته، يمثّلها إليوت غولد (كان ظهر في فيلم ألتمَن "ماش") وسيطلب منه أن يتحرّك على الشاشة بعكس المواصفات التي وضعها تشاندلر في بطله٠
تشاندلر كتب: "في تلك الشوارع المنحطة هناك رجل عليه ليس منحطّاً. ليس ملطّخاً وليس جباناً"٠ بالنسبة لألتمَن هذا هراء. وهو يأخذ من القصّة مضامينا وخطوطاً لكنه يعالجها ألتمانياً بالكامل. فجأة هي عن شخصية محبطة من دون أمل لها في الإنتصار. اللقطة الأخيرة من الفيلم تُظهر مارلو/ غولد وهو يمشي بلا نهاية كما لو أن كل ما مرّ به لم يبدأ بعد٠
كبداية، نقل ألتمَن الأحداث الى عالم يعرفه. عالم السبعينات وزوّد هذا العالم بشخصيات يعرفها (ولو أنها لا تختلف عن الشخصيات التي عرفها وكتب عنها رايموند تشاندلر). التحري مارلو يعيش في شقّة من تلك الشقق المتقاربة التي في لوس أنجيليس حيث الشمس والفتيات المتحررات والموسيقا الراقصة. هنا لا يستطيع ألتمَن الهرب من بعض مكوّنات الشخصية: مارلو الأول لا يستطيع ان يلتقي والفتيات المتحررات ولا الموسيقا الراقصة. كذلك الحال هنا. ما يشغل بال مارلو في الفيلم هو اختفاء قطّته التي رفضت أن تأكل من طعام أعدّه لها. حين عاد بطعامها المفضل لم يجدها. لكن هذه ليست القضيّة الوحيدة. في مطلع الفيلم يزور شخصاً سيطلب منه تسلّم قضيّة. سنسمع صوت المعلّق الذي هو مارلو يحدّثنا عن نفسه وعما يقوم به. هذا أمر آخر لم يستغن عنه ألتمِن: التعليق صاحب أكثر من فيلم استنبط عن روايات تشاندلر  مثل "النوم الكبير" لهوارد هوكس (1946) وصولاً الى  "وداعاً يا حبي" (1975). لكن لا بأس. هذه عناصر صغيرة لا تغيّر خطّة المخرج ألتمَن او رؤيته٠
لينوكس (جيم بوتون) يطلب من مارلو (غولد) أن يدبّر له الهرب الى ما وراء الحدود المكسيكية. يفعل مارلو ذلك لكن حين عودته يجد البوليس بإنتظاره ويُقاد الى القسم حيث يتم التحقيق معه لثلاثة أيام بتهمة مساعدة لينوكس على الهرب بعد قيام لينوكس بقتل زوجته (كما في الرواية الأصلية)، ثم يُفرج عنه حين يتم اكتشاف جثّة لينوكس في بلدة تيجوانا المكسيكية٠
بعد ذلك تتقدّم منه سيّدة أسمها إيلين طالبة منه البحث عن زوجها الكاتب المعاقر للخمر بشراهة. لقد غاب سابقاً عن المنزل لكنه الآن مفقوداً ومارلو يقبل القضية ويبدأ بالبحث عنه. خلال ذلك تتكشّف علاقة ايلين وزوجها روجر بلينوكس . مارلو يجد الزوج  (سترلينغ هايدن بلحية تشبه تلك التي كان يعتمرها ارنست همنغواي) ويقبل دعوته الى دارته ويشهد مشاجرات بينه وبين زوجته قبل أن يكتشف التحري ثغرة لربط الشخصيات بعضها ببعض ومعرفة  سبب الجريمتين السابقتين لينوكس وزوجته٠ 

من دون أن يخون ألتمَن شروط لعبته، يقدّم لنا مارلو بعينين مثقلتين كما لو أن النعاس يغالبهما على الدوام. لكن في الحقيقة هذا "المارلو" سمكة خارج مياهها. محاط، كما ذكرت، بفتيات يحببن استعراض أجسادهن وشفاه تجيد حياكة مفاتيح الإغراء ولو أن محاولتهن لاصطياد مارلو تبوء بالفشل. يعد إحداهن بزيارة قريبة، لكنه لا يزور الا بحثاً عن قطّته المختفية. هو أيضاً شخصية تعيش في مدينة في منتصف عصر جديد. حريّة جنسية واقبال على الماريوانا ورياضة اليوغا بينما هو لا يزال، روحاً على الأقل، في عصر آخر. ألتمَن، رغم ذلك، ليس نوستالجياً على الإطلاق. هذا بطله الذي ربما كان نوستالجياً والنوستالجية عند المخرج نقيصة وهو يريد إظهار نواقص بطله لا حسناته فقط. وإذا كانت المدينة الحديثة التي تقع فيها الأحداث غريبة فبطله أغرب من فيها٠
ألتمًن ليس محتاراً او تائهاً وسط النقلات والحذف والتغييرات. إنه متمكّن، كعادته، من معالجته. لا تفوته استخدام العناصر الشخصية بين الرجل وزوجته ليربطها بالعالم الذي تعيش فيه. فالكاتب روجر يقول لمارلو أنه يعاني من فقدان القدرة على الكتابة ويربطها بفقدان القدرة على ممارسة الحب. في كلا الحالتين، لدى الكاتب، عجز يجعله غارق في الشرب لكي ينسى. بالنسبة الى ألتمَن هذا عجز مزدوج للحياة الإجتماعية للمدينة التي فقدت الإبداع وفقدت الحب معاً٠
 على عكس أفلام كثيرة من الفترة (في مقدّمتها أفلام سام بكنباه) لم ير المخرج ألتمَن أن الحل هو الهرب جنوباً الى المكسيك.  ها هو لينوكس يهرب الى هناك فيُقتل. على العكس، هناك مصائر مفروضة على الشخصيات بفعل ارتكاباتها الأخطاء ولا يمكن لها أن تهرب منها. مصائر محفوظة تكشف ضعف تلك الشخصيات في السيطرة عليها. البوليس لا يكتشف شيئاً وحتى مارلو يكتشف ما حدث ولا يستطيع الحيلولة حتى دون انتحار الكاتب. إنها الشخصيات التي تصطدم بنهاياتها بعدما اختارت أن تمشي في الطريق المسدود
على الرغم من كل شيء فإن القصّة هنا ليست محبوكة على صعيدي السرد والعناصر الدرامية. هذا لا بأس به عند ألتمَن الذي لم يكترث في حياته للحبكة بل للموضوع. على ذلك، فهي توصم العمل ببعض البرود خصوصاً لدى أمثالي الذين يحبّون الفيلم البوليسي ساخن بمواقفه وألغازه. لكنه ألتمَن، أحد كبار فناني العصر، وأنت لا تستطيع الا وأن تتنازل عما تحب لكي تستقبل ما يحبّه هو٠

ملاحظة
   
الممثلة التي لعبت دور إيلين (زوجة الكاتب) هي الممثلة الدنماركية نينا فان بالانت التي ظهرت في دزينة أفلام او نحوها قبل أن تغيب سريعاً . وهي كانت على علاقة مع الكاتب الفاشل كليفورد إرفينغ الذي شاهدنا قصّته في فيلم "الخديعة" (2007) الذي كان أوعز لدار نشر نيويوركية أن رجل الأعمال الراحل هوارد هيوز  كان طلب منه أن يكتب مذكّراته. دار النشر دفعت للكاتب أكثر من مليون دولار صرفها وعشيقته. عوض أن تنأى بنفسها عنه حين تم اكتشاف أمره حاولت أن تتسّتر عليه فانتهى أمرها مذنبة. هذه الشخصية لعبتها الممثلة جولي دلبي في الفيلم الذي أخرجه لاسي هولستروم٠

الأفلام الورادة في هذا المقال وتقييمها 


The Long Goodbye | Robert Altman (1973) ***
Popeye  | Altman (1980) ***1/2
McCabe & Mrs. Miller | Altman (1971) ****
Mash | Altman (1970) **
The Player | Altman (1992) ***1/2
Ready To Wear | Altman (1994) ***
Buffalo Bill & the Indians | Altman (1976) ***
The Wedding | Altman (1978) ***
Short Cuts | Altman (1993) ***
The Big Sleep | Howard Hawks (1946) ****
Farewell, My Lovely | Dick Richards (1975) ****
The Hoax | Lasse Hallstrom (2007) ***


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠