Monday, June 19, 2017

Paterson | Fallen Stars



       فيلمان أميركيان مستقلان                                           
ميسر المسكي 

باترسون | Paterson              ★★★★
شُـهُـب   | Fallen Stars            ★★★


في نهاية ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، كان أمراً مألوفاً، بل ومتوقعاً، أن يأتي مخرج شاب (أو مُـخضرم) بفيلم من خارج السياق. ففي تلك السنوات المُضطربة والمُفـعَـمَـة بروح التغيير، كان تحطيم السياق هو أحد أسباب إنتفاضة الشباب، من الجامعة إلى الشارع. لكن حين أستعادَت المؤسسة السلطوية، بكل أشكالها وتجلياتها، عادَ السياق العام ليحكم مفاهيم التذوق والتعبير والإنتاج. وهوليوود بأستوديوهاتها الكبرى عادت لتتحَكَم بالدور الثقافي للفيلم الأميركي وشكله الفني. ومع الوقت أصبَحَ مجرّد أن يأتي مُـخرج ما بفيلم "مختلف" جيد هو مدعاة للتحية وأمراً مُـنعشاً للعين والعقل.
في "باترسون" و "شُـهُـبْ" يصنع جيم جارموش وبرايان جيت فيلمين من خارج السياق العام للمُـنـتَجْ الهوليوودي السائد. طبعاً جارموش وجيت يختلفان في القيمة كمُـخرجين تماماً كأختلاف القيمة بين فيلميهما. لكن اللافت أن العملين يتناولان بلغة  تأملية هادئة حالة شخصياتهما في رتابة أيامها وتكرار أحداثها فيما السؤال الكبير المُعَلّق فوق رؤوسها (ورؤوسنا) عن معنى الأشياء وقيمتها في الحياة.


باترسون

يأخذ جارموش الشعر المُعاصر مَدخلاً إلى سيرة شخصيته الرئيسة في الفيلم، باترسون (يؤديه آدم داريفر ببراعة). ففي مقابلة مع مجلة تايم يقول جارموش أنه زار مدينة باترسون (نفس أسم الشخصية الأساسية في الفيلم) قبل خمس وعشرين عاماً ولفته بحدة ذلك التنوع العرقي الصارخ والواقع المتدهور لمدينة كانت يوماً عاصمة صناعة النسيج في أميركا وواعدة بأن تكون يوتوبيا المدن الصناعية في القرن التاسع عشر. كَـتَـبَ يومها جارموش معالجة سينمائية من صفحة واحدة عن رجل يرمز للمدينة، مُـستنداً إلى شعر أحد أشهر شعراء باترسون، الدكتور وليم كارلوس وليامز. بقيت المعالجة عقوداً في الدرج إلى أنعَادَ إليها جارموش أخيراً الأن ليحولها إلى فيلم جميل، ساحر.
يبدأ الفيلم بقصيدة تتحدث عن نوع من أعواد الكبريت. هذا الشعر الذي يلتقط أشياء الحياة اليومية المُطلقة في عاديتها وعدم أستثنائيتها ويصنع منها فناً، هو ما كان يدعو إليه بعض سورياليّ بداية القرن العشرين والذين طالما أكدوا أن هناك "سحراً" في كل أشياء الحياة العادية حولنا وما علينا إلا أن نفتح أعيننا لنرى ذلك السحر. وجارموش حقاً يفتح عينيه (وعيوننا) على دهشة عادية الأشياء. تلتقط كاميرا جارموش (التصوير لفريدريك إلمز الذي سبق وتعامل مع جارموش في "قهوة وسجائر" وكذلك مع المُخرج المُتفرد الأخر ديفيد لينش في "مخمل أزرق") زوايا من مدينة باترسون حين تتابع تكرار ذهاب وعودة باترسون إلى عمله في محطة الباصات الرئيسية في المدينة. في تلك الزوايا يفوح عبق النوستالجيا المُرهقة بالواقع التعس لحال الأبنية وقفر الشوارع: "لم أحاول أن أضفي لمسة رومانسية على الإنحطاط." يقول جارموش. لكن مع ذلك أنت لا تستطيع أن تفلت من ذلك الإحساس بالأسى الذي يسكنك حين ترى تلك الأبنية التي شهدت عزّاً في الماضي واليوم هي تكافح لكي لا تسقط. ربما هذه واحدة من سحر الأشياء "العادية" حولنا


يعالج جارموش اسبوعاً من حياة باترسون، سائق الباص، بأكثر قدر ممكن من الوفاء لفكرة تجريد المعالجة من أي خيال رومانسي أو فانتازيا. هذا الوفاء قد يبلغ حَـدّ التقشف أحياناً. فالغوص في "عادية" حياة باترسون يقود جارموش إلى تكرار المشاهد. فالرجل يصحو حوالي السادسة والنصف كل صباح ليسمع من زوجته التي لا تزال تتشبث بأهداب النعاس (تؤديها بجودة الإيرانية غولشيفيت فرحاني) نتفاً من أحلام غريبة راودتها. ثم يتناول إفطاره ويقطع نفس الطريق نحو محطة الباص ليقود باص النقل الداخلي في ورديّة من ثمان ساعات. ربما التنوع الوحيد في يومياته هي نتف الحديث الذي يسمعه من أحاديث الركاب التي يتبادلونها في الدقائق القليلة التي يمضونها على الباص. مساء باترسون له روتينه كما صباحه. هناك البار والإستماع لقصص الرواد المتراوحة بين حب مرفوض ومال مُختَلَس.
مساحة الخيال والفانتازيا الوحيدة التي يتيحها جارموش، هي في طموحات وأحلام زوجة باترسون الراغبة يوماً أن تُصبح مُـغنية كاونتري شهيرة، ويوماً فنانة تشكيلية وهي في النهاية تنجح فقط في بيع كل الحلوى التي صنعتها في سوق المزارعين فتطير فرحاً لحفنة من الدولارات.
"باترسون" هو عن الشعر المُستتر في أيامنا. عن حياة قد لا يحدث فيها شيء، لكنها بحدّ ذاتها هي كل الأشياء. عن خيال يصنع عالمه من أشياء يومه المرمية في كل مكان بلا جدوى إلا لو شئنا أن نستلهم منها إبداعاً نبقيه لذاتنا ربما وليس بهدف الشهرة والمال. باترسون المدينة هنا وفي هذه الحال يبدو معنى أختيارها عميقاً في رمزيته ودلالته


شُـهُـب

في "شُـهُـبْ" لبريان جيت أيضاً تعيش الشخصيتين الرئيستين في رتابة وروتين أيامهما لكن مع فارق هام، فهنا الشخصيات إما فقَدَت قدرتها على التواصل الاجتماعي، أو هي فشلت في العثور على معنى للحياة الرتيبة التي تعيشها. من هنا تبدو الشخصيتان وكأن فيهما، ومن بعيد، ملامح للشخصيات الـ "ساغانيّة" (نسبة للكاتبة الفرنسية الراحلة فرانسوا ساغان) التي غالباً ما كانت الكاتبة تضعها في محنة وجودية تتجلى بمواجهتها لعقم بحثها عن معنى العلاقات الإنسانية وشروطها.
"كوبر" (يلعبه رايان أونان بهدوء وإتزان لافتين) شاب في منتصف الثلاثينات من عمره، يعمل بارمان في حَيّ تقطنه غالبية من الشرق أسيويين، في لوس أنجلس. لعشرة سنوات كوبر يعمل بارمان ولإنه توقف عن العَدّ من سنوات فهو يتفاجئ بقالب الحلوى الصغير الذي يحضره أحدّ الرواد المواظبين على البار إحتفالاً بالمناسبة الصغيرة هذه. المناسبة تضعه أمام سؤال كبير "ماذا أفعل بحياتي؟". السؤال يفزعه ويرميه على علاقات عابرة مع نساء لا يتذكرن أسمه صباح اليوم التالي ولا هو يعود يلتقيهنّ. الظروف تجعله ياتقي (ديزي كارز) شابة تبدو أقل من عادية لكنه يشعر بإنجذاب إليها. ما سيتبع هو حكاية شخصين تعذبهما دواخلهما بما فيها من خوف من الأتي والوحدة والتقدم في العمر وعبث الوجود فيستحيل التواصل بينهما.
برايان جيت أيضاً (كما جارموش في "باترسون") يحيل الرتابة إلى لغة تتكرر فيها أفعال الشخصيات يوم بعد آخر. كاميراه تقترب برهافة من وجوه شخصياته لتلتقط الدمعة المُحتبسة في العين كما الإضطراب الداخلي والقلق.
براين جيت يأخذ وقته في سرد الحكاية، كاميراه تتابع شخصياته بأناة وصبر تلتقط تفاصيل صغيرة بالـ "كلوس-أب" لتضيف على معنى الحالة وتعبيرها.


الشاب ريان أونان في الدور الرئيس يعرف كيف يُبقي أداؤه الهادئ تحت سقف مُحدد من الإنفعالات يتلائم مع حالة الإحباط والعَدَم التي تعيشها الشخصية. وحين تقترب الكاميرا من ملامحه يبدو مُدهشاً فيما تقوله عيناه
لا حَـدَثْ في "شُهُبْ" كما لا حَدَثْ في "باترسون". وأقصد هنا بالحَـدَثْ ذلك الإصرار الهوليوودي على حشو أو إفتعال الرواية لخلق التوتر وإستدراج المُتفرج للمتابعة. الحكايتان لدى جارموش وجيت هما حكاية عادية الأيام، تكرارها، والكمية الهائلة من الأفكار والهواجس التي تدور في رؤوسنا دون الحاجة لمؤثر خارجي بهدف جعل الحكاية أكثر "إثارة وتشويقاً".

من هنا ربما ومن باب المُقارنة العابرة بين أفلام السياق العام وتلك الغير مُـنتمية له. فقد حَـقَـقَ الممثل كريس إيفانز  فيلماً بعنوان "قبل أن نذهب" (إيفانز يُخرج، يُـمثلّ ويُنتج). هو أيضاً عن رجل وأمرأة يلتقيان لليلة واحدة في نيويورك ويبوحان لبعضهما بما يؤرقهما. الفيلم لطيف، سهل، مصنوع بأناقة لكن دون جرأة ولا خيال. فيلم يروي الحكاية ويثرثر دون أن يتأمل. لذلك يحشر إيفانز أحداثاً في ليلة واحدة لا تحدث عادةً مع المرء في عدّة أعوام. الهدف هو جعل الفيلم أكثر تشويقاً ...وإفتعالاً!
لكن لمن يبحث عن فيلم عواطف ناعم (لا يبقى منه ذكر فور إنتهائه) لسهرة مع صديقة، فـ "قبل أن نذهب" قد يحقق الغَرَض.


_______________________________________________________
©
كل الحقوق محفوظة للمؤلف بحكم قانون الملكية البريطانية
All rights are reserved by Mohammed Rouda
_______________________________________________________



Saturday, June 10, 2017

Year 8 • Issue: 254 | The Beguiled (The old & the New).



  فيلم الأسبوع                                           

THE BEGUILED 
إخراج: صوفيا كوبولا
Sofia Coppola 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضــا
مقارنة بين فيلمين من مصدر واحد: 
فيلم صوفيا كوبولا ضد فيلم دون سيغل
من هو المخدوع حقاً: رجل يقع ضحية أم نساء يقعن في الشبق؟

★★★★★

• The Beguiled: نسخة صوفيا كوبولا من 

• نسخة دون سيغل/ كلينت ايستوود سنة 1971

العمل السينمائي الوحيد الذي تم نقله إلى الشاشة الكبيرة للمؤلف توماس كولينان (1919-1995) هو  The Beguiled الذي قام دون سيغل بإخراجه سنة 1971 وتعمد إليه ثانية المخرجة صوفيا كوبولا في نسخة جديدة عرضها المهرجان الفرنسي في مسابقته قبل يومين.
العنوان الإنكليزي ليس سهلاً احتوائه بتفسير واحد: Beguiled هو المخدوع الواقع تحت فعل مراوغة أو خطّـة ناتجة عن إغواء. في فيلم سيغال أمكن تسمية الفيلم بـ «المخدوع» (أو «المنخدع») نسبة إلى الرجل الذي يسقط في أسر نساء،  وفي نسخة صوفيا كوبولا تنطبق الكلمة على الإناث الستة اللواتي تسلل الجندي الشمالي إلى مدرستهن الخاصة فوقعن تحت جاذبيته كونهن يعشن في حرمان ما وكونه الرجل الوحيد في ذلك المكان، بالتالي هن «منخدعات» أكثر من خادعات كما ورد في نسخة سيغل.
حاولت طوال مدة عرض الفيلم الجديد (94 دقيقة) تجاهل الفيلم الأصلي، لكن ذلك لم يكن ممكناً. الفيلم الجديد ينقل الحكاية كلها والتغييرات التي في عمل المخرجة ليست حاسمة أو جديدة بحيث تمكن المشاهد من إلغاء فيلم سيغل إذا ما كان شاهده.

براءة ورجولة
في الأصل، وكما ورد على الغلاف الأخير من نسخة «بينغوين» البريطانية للنشر عندما اشترت حقوق الرواية الأميركية الصادرة سنة 1966، تلعب القصّـة على نسيج من العوامل النفسية والعاطفية والمرح الداكن. هذا المزيج ما بين العمق والترفيه الذي تقترحه الرواية والذي عمد إليه المخرج دونالد سيغل جيداً هو ذاته المفقود في فيلم صوفيا كوبولا في أول فيلم لها تقوم بإعادة تصويره (أو كما يسمى بـ Remake)
الحكاية الواردة هي بالخطوط العريضة والمتوسطة ذاتها: جندي جريح (كولن فارل في الفيلم الجديد وكلينت ايستوود في النسخة الأولى) من الجيش الشمالي، خلال الحرب الأهلية الأميركية في مطلع ستينات القرن التاسع عشر، يسقط جريحاً بالقرب من مدرسة فتيات في الجنوب الأميركي وبمعزل عن باقي رفاقه. تكتشفه فتاة صغيرة فيتم نقله إلى داخل المدرسة التي لم تعتد على أن يدخلها رجل. تتم مداواته وعلاجه لكن في هذه الفترة التي يستغرقها العلاج يغوي الرجل فتاتين راشدتين الفتيات  واهماً كل منهما بإخلاصه ما يوقع بينهما وكذلك بين كل الإناث الأخريات. في النهاية هو ضحية فعلته إذ يتم تسميمه (بإقتراح من فتاة صغيرة) للتخلص منه.

• كرستِـن دنست وكولِـن فارل في نسخة كوبولا

نسختا هذا الفيلم تختلفان في التفاصيل. في فيلم  إبنة فرنسيس فورد كوبولا هناك مدرّسة واحدة (نيكول كيدمان) مسؤولة عن حفنة من الفتيات (ستة). في نسخة سيغل هناك مدرّستان وعدد أكبر من الطالبات. أيضاً، يخلو فيلم كوبولا من إمرأة سوداء تخدم في المدرسة وتقوم بمهام التنظيف والعناية بالمكان وهو الأمر الطبيعي (الوارد في الحكاية أصلاً)  لكن هذا لم يغب عن نسخة سيغل. وفي فيلم كوبولا يتم قطع ساق الرجل لكن ساق بطل نسخة 1971 يحتفظ بساقه.
ثم هناك ما هو أهم من فروقات بين العملين. 
دون سيغل، وقد عمل مع كلينت ايستوود خمس مرات كان «المخدوع» ثالثها، وفّـر فيلماً الرجل فيه هو المحور الظاهر وليس البعد العاطفي المستتر. إنه من يسقط فريسة الإناث اللواتي أدخلنه جريحاً وعملن على العناية به. صحيح أنه جلب على نفسه النهاية الوخيمة إذ غرر بهن وألب بعضهن على بعض، لكنه خُـدع بدوره مصدقاً ما تبدى من براءتهن وقبولهن به بينما كن قد خططن لقتله بشوربة فطر مسموم.
في نسخة صوفيا كوبولا تركيز على أن الفتيات هن المنخدعات اللواتي صدقن الرجل وألفن إليه وترددن في تسليمه إلى الجيش الجنوبي فبادرهن بعد ذلك بمحاولة فرض سيطرته عليهن.

بين ممثلين
بوجود عدد كبير من الشخصيات النسائية في نسخة دون سيغل، هناك قدر أوسع من تباين الشخصيات النسائية. مثلاً يجد الرجل نفسه، في كلا الفيلمين، في جنة من النساء وعليه أن يقتنص الفرصة. كذلك فإن إحدى أهم الشخصيات الثانوية هي الخادمة الأفرو- أميركية لكونها تعكس وضعاً واقعياً. غيابها في نسخة كوبولا يخلق تساؤلات، فالحرب الأهلية قامت على مبدأ تحرير «العبيد» ووجودها يجسد هذه الحقيقة كما أنها، في الفيلم السابق، واحدة من الإناث الجميلات التي سوف تخلق لإيستوود بديلاً عاطفياً محتملاً.
في أسلوب كوبولا  المتمحور حول أنثوية الوضع أكثر من ذكوريته، فقدت المخرجة كوبولا وجهة النظر المتوسطة الذي وفرها الروائي  معايناً الموضوع والتاريخ والمكان والإشكالات المترتبة جميعاً. في الوقت ذاته، يفشل الممثل البريطاني كولين فارل (المحتفظ بلكنته الأيرلندية مخففة) في تقديم تشخيص ثري وقوي وليس مجرد أداء تنفيذي. هو ربما جيد فيما أتيح له: تقديم دور الجندي الذي يحاول السيطرة على نساء المكان بالخديعة. لكن ايستوود نفّـذ مشروعاً أكثر أهمية كدراما: هو الرجل الذي يحاول السيطرة على نساء المكان بالخديعة، لكنه الأقدر على تجسيد الشخصية الرجولية (الماتشو) وهو ما كان مقصوداً  في الأساس لشحذ الدراما بالتناقضات الحادة وخدمة لإيستوود كنجم واثب. 
فاريل، حجماً، لا يقنع في هذا المجال والأهم أن المخرجة خلعت أنيابه فإذا به أضعف، بدناً وشخصاً، من أن يجسد تلك الذكورية. 
«المنخدعات»، حسب كوبولا، عليه أن يكون فيلماً نسائياً  لأنها إمرأة. وهذا أضعف مبرر يمكن اعتماده في هذه الحالة. لقطاتها بعيدة ومتوسطة والتمثيل كذلك من الجميع: بعيد عن اثارة الإهتمام أو متوسط. لا ألفة يمكن أن يشعر بها المرء حيال أي من الأوضاع أو الشخصيات ولا يستطيع الفيلم تجسيد أبعد مما يعرضه. وإذا كانت مشكلة فيلم سيغل أن الجمهور لم يعجب بدور ايستوود- الأيقونة لكونه أكثر دكانة من المتوقع له، فإن الجمهور هنا لن يكترث لأن تكون العصمة بيد النساء لأن الشخصيات الواردة منها ضعيفة حتى وإن بدت، في نموذجين هما دور نيكول كيدمان ودور كرستين دنست، غير ذلك.

• كلينت ايستوود يتعرض لحلاقة خطرة في نسخة سيغل

فيلم كوبولا يفتقد عمق الدلالات. في جل أفلامها تعتبر كوبولا أن حكايتها تستطيع أن تسرد نفسها بنفسها. لا تحتاج لأن تكترث للتفاصيل التي تؤلف- بصرياً- الكيان التفاعلي بين المشاهد وبين الفيلم.
هذا يتضح منذ مشهد البداية: الفتاة الصغيرة في المدرسة كانت تجوب الغابة بحثاً عن الفطر فتجد الجندي جريحاً على الأرض. هذه البداية تحمل تمهيداً مقبولاً لكنه غير مركّـز.
في فيلم سيغل يبدأ بالجندي الجريح وهو يسقط أرضاً ثم يتدحرج من مرتفع إلى آخر قبل أن يستقر شبه غائب عن الوعي. هذه البداية تحمل الخلفية والتشويق والتركيز على الرجل في محنته أمام الحرب ولاحقاً أمام عواطفه والمرأة عموماً.
بمقارنة تمثيل جيرالدين بايج واليزابث هارتمان وجون آن هاريس بذلك المتوفر في فيلم كوبولا، تتبدّى أسباب لتفضيل التمثيل في الفيلم الأول عنه في الفيلم الجديد. إنه إختيار المخرجة، غير الصائب، في إبقاء الحدة الناتجة عن هذا الوضع في أدنى قدرة لها على التجسيد.


_______________________________________________________
©
كل الحقوق محفوظة للمؤلف بحكم قانون الملكية البريطانية
All rights are reserved by Mohammed Rouda
_______________________________________________________


Monday, May 22, 2017


ـ ــــ     فيلم ريدر | السنة 8 | العدد 253 ـــــــــــ
ثلاثة مخرجين يطرحون قضايا إجتماعية شائكة
تونسي وإيراني وروسي ينتقدون عدالة غائبة 

كان - محمد رُضـا

"ما يهمك أمن تونس؟. تونس الخضرا؟ غادي الإرهابيين يقتلونك إنت وأهلك… فين تصير البلاد من دون أمن؟"
هذا بعض ما يقوله المحقق للفتاة (مستخدماً باللهجة التونسية المحددة صيغة المذكر كما العادة هناك) التي تشتكي من أن رجلين قاما باغتصابها قبل ساعات. هو يحاول إثارة شعورها الوطني وهي تسأل عن العدل والقانون.
يريدها أن تتراجع عن دعواها وتتجاهل ما حدث لها وتوقع على ذلك لكي تُـريح وترتاح. لكن فيلم كوثر بن هنية «على كف عفريت» (أو «الجميلة والكلاب» كما عنوانه الفرنسي) الذي مثل تونس في قسم «نظرة ما» كما كان «إشتباك» لمحمد ديب مثل مصر في المسابقة ذاتها في العام الماضي، لا يرتاح. 
اقتبست المخرجة حكاية عملها الثالث (والأفضل بعد «شلاط تونس» و«زينب تكره الثلج») من واقعة حقيقية تعرضت لها فتاة في الحادية والعشرين من عمرها عندما كانت تسير ليلاً مع صديق لها على شاطئ البحر عندما استوقفهما ثلاثة رجال شرطة. إثنان منهما تناوبا على إغتصابها في سيارة البوليس والثالث منع صديقها من الحركة.

                                                                                                        على كف عفريت •

الطرف الآخر من الحكاية
هذا لا نراه في الفيلم الذي رقّـمته المخرجة فصولاً من 1 إلى 9. ففي الفصل الأول، نشاهد مريم (تقوم بها مريم الفرجاني) وهو في حفلة بعدما تسللت إليها من المدرسة الخاصّـة. ترتدي فستاناً أزرق مفتوح الصدر وترقص ثم تتحدث مع شاب أسمه يوسف (غانم زريللي). عند حديثهما غير المسموع ينتهي هذا الفصل وننتقل إلى الفصل الثاني: يسيران في أحد الشوارع (والأحداث كلها تدور في رحى ليلة واحدة وتنتهي عند الفجر) وهي مهزوزة من وقع ما حدث لها وخائفة. يقنعها يوسف بأن تلجأ للشرطة وتتقدم ببلاغ، لكن عليهما أولاً الحصول على شهادة طبية تثبت فعل الإغتصاب. المستشفى الذي يدخلانه يرفض منح الشهادة من دون طلب من الشرطة.
التداول طويل نوعاً في هذا الفصل والذي يريه حول متى وكيف ستذهب مريم إلى الشرطة وإثنان من أفرادها اعتيدا عليها. في البداية تذهب ويوسف (الذي تدعي الآن أنه خطيبها) إلى أحد الأقسام والضابط هناك ينبؤنا بما سيكون حال سواه: إنه شخص مهين يسخر من الفتاة وشكواها ويتشاجر مع يوسف ولا يجدان بدا من التوجه إلى مبنى آخر للشرطة حيث ستكمن معظم مشاهد الفيلم التالية.
توفر المخرجة هنا عدة نماذج: هناك الشرطي «البلايبوي» والضابطة الحامل التي تهتم بالشكليات فقط والشرطي الخمسيناتي الذي يحاول المساعدة محشوراً بين أترابه من رجال البوليس الذين يضنون على الضحية حقها ويحاولون ابتزازها وتوجيه التهم لها كما لو أن هي التي جنت على نفسها. 
عندما تجد حقيبة يدها وهاتفها في إحدي سيارات البوليس وتتعرّف على الشرطيين اللذين اغتصباها تصبح المسألة أكثر تراجيدية كون هذا سيورطها أكثر وأكثر في محاولة البوليس الدفاع عن رجاله بتخويفها من مغبة الإصرار على حقها في تقديم الشكوى.
يهم المخرجة كوثر بن هنية أن تعكس في الفيلم نظرات القسوة الموجهة إلى الضحية لما حدث لها. على عكس فيلم جوناثان كابلان «المتهمة» (1988) عندما واجهت جودي فوستر حالة مماثلة، تعمد المخرجة للوقوف تماماً لجانب مريم (في حين أن فيلم كابلان طرح أسئلة حول ما إذا كانت جنت على نفسها بسبب انفلاتها). على ذلك، هناك ما يتسرب، ربما ليس بقصد الفيلم، من موقف مماثل: فستان مريم الكاشف والقصير (قبل أن تجد ما تغطي نفسها به) وهروبها من المدرسة لتحضر الحفل مسألتان لا يمكن مبرر اخلاقي لهما. إنه كالقول أنها جلبت على نفسها ذلك. لكن «على كف عفريت» لا يترك بطلته محصورة في هذه الزاوية بل يتعاطف معها كما يوسف الذي لا حول له ولا قوّة.
والمشهد الأخير في الفيلم يعكس هذا التأييد إذ ستغادر الفتاة مركز الشرطة بعدما تدخل الشرطي الخمسيني ضد زميليه المحققين وساندها. الكاميرا في لقطة بعيدة متوسطة عليها وهي تخرج من المركز وكلها تصميم على فضح المجتمع. 
ليس فيلماً بلا مشاكل. تغييب مشهد الإغتصاب كان فعلاً جيداً لأنه جعل الحقيقة تتكشف ببطء، لكن تقسيم الفيلم إلى فصول يغطي على غياب التسلسل الدرامي الطبيعي واستبداله بالقفز من فصل لآخر من دون رابط حدثي سليم. 
لكن المشكلة تكمن على الطرف الآخر. تقديم الحكاية بالإصرار على المكان (تونس) يحصر الحادثة في إطار ضيق كما لو أن حوادث مشابهة لا تقع في كل مكان حول العالم. بذلك فإن الضعف كامن في قوّة المضمون والفيلم ذاته وهو إشعار المشاهد الأجنبي بـ "تونسية" الحدث ما يجعله ينسى أحداثاً (وأفلاماً غربية عديدة) دارت حول الموضوع نفسه.

تفرقة طائفية
قبل «على كف عفريت» بساعات، وفي مسابقة «نظرة ما»، تم عرض فيلم إيراني للمخرج  محمد رسولوف عنوانه «رجل كبرياء» (أو «ليرد» كما عنوان آخر له) وهو يحمل الهوية الإيرانية لكن هناك ما يوحي بأن لمسات ما بعد الإنتاج جميعاً خضعت لمعالجات تقنية فرنسية.

 • Man of Integrity                                                                                                  

محمد رسولوف حذر من أن ينتقد مباشرة ويكتفي بالإيحاء. ربما لأنه أمضى في السجن الإيراني عقوبة لأربع سنوات (تفصل بين فيلمه هذا وفيلم السابق «المخطوطات لا يمكن حرقها) ولا يود العودة إلى السجن مرّة ثانية. على ذلك فإن هذا الإيحاء متواصل التواجد وكاف ليوصم المجتمع الإيراني بالتفكك والإنهيار تحت وقع المتطلبات الإنسانية غير المحقة والعدالة التي يقف القانون غير قادر على فرضه.
بطل الفيلم رضا (رضا أخلاغيراد) مزارع سمك. يملك بيتاً خارج طهران ويعيش مع زوجه (صدابة بيزائي). ربّـى في برك واسعة أسماكه ليعيش على تجارتها بينما تعمل زوجته مدرسة في البلدة القريبة. يبدأ رضا بالعثور على سمك ميّـت بين أسماكه. في أحد المشاهد المبكرة في الفيلم ذي الساعتين تقريباً) يستيقظ صباحاً على صياح زوجته المريع. يركض خارجاً ليجدها تقرع على طنجرة نحاسية لطرد عشرات العقبان السود التي كانت أخذت تقتات على الأسماك. يشارك القرع ثم يلتفت إلى بركته ليجد أن كل أسماكه (بالمئات) تطفو ميتة.
السبب هو قطع الماء عن مجري النهر الذي يملأ منه رضا بركه. ينطلق إلى أعلى المجرد ليجد أن جاره عباس قد أنشأ سداً ومنع الماء. حال يبدأ بفتح الماء من جديد يُـلقى القبض عليه. 
هناك تغييب مماثل لما حدث لرضا في السجن (كتغييب كوثر هنية لما حدث لبطلته في مطلع تلك الليلة) لكن الأمور تتضح فيما بعد. كان عبّـاس رفع قضية على رضا يدعي فيها أنه كسر يده وتزوّد بشهادة طبية مزوّرة. في الوقت ذاته لم يعد رضا قادراً على تلبية إحتياجاته المادية. لقد فقد سمكه وباع سيارة زوجته ولديه قرض من البنك لا يستطيع ردّه. 
هنا يركّـز المخرج على تداعي المجتمع في صورته الكبيرة: الطبيب فاسد، البوليس لا يكترث، جاره قوي يدمن الحشيش ويتاجر بها. والجميع يقبل الرشوة بلا تردد. 
خلال هذا المضمون هناك مشدين لافتين يزج بهما المخرج مخاطراً بأن يُـزج به في السجن من جديد. أولهما توسل أم لفتاة صغيرة ستطرد من المدرسة لأنها ليست شيعية والثاني لمشهد موت إمرأة جاء الإسعاف لأخذها وسط حشد قليل من الكثالى. لكن المراسم وطريقة الندب غير شيعية، فهل المقصود هي التفرقة الطائفية التي يُـعامل بها غير الشيعة؟ هل الفتاة الصغيرة وأمها ومشهد ما قبل الدفن من السُـنة؟ لا يحدد المخرج (ولا يستطيع التحديد) تماماً، لكنه يزوّد المشهد الثاني بعبارة تفي بأنه ممنوع على الشخص المتوفي الدفن في مقابر الشيعة ما يؤكد بعض ما يذهب إليه الفيلم.
إنه فيلم جريء بطله الإنسان الرافض لعبث مستديم في الأخلاق والمبادئ. رجل يلحظ ما يدور معه وما يدور حوله ويواجه زوجته بأنها «قضية كفاح»، كما يقول. هذا قبل أن ينتصر الشر الكامن في شخص عباس والمعنيين الآخرين ويتم حرق المنزل الذي رفض رضا بيعه.

عدالة غائبة
ضمن  هذا التيار المتجدد على شاشة المهرجان الحالي، ينضم فيلم «بلا حب» (Loveless) للمخرج الروسي أندريه زفيغنتسف. الأول له منذ أن حقق، قبل ثلاث سنوات، «لفياثان»، والذي هو أول ما عرض من أفلام المسابقة مباشرة بعد فيلم الإفتتاح الباهت «أشباح إسماعيل».

• Loveless                                                                                                                  

يبدأ الفيلم، بعد مشاهد للطبيعة المحيطة بالحكاية التي سنتابعها، بالصبي أليكسي (ماتفي نوفيكوف) الذي يخرج مع اترابه من المدرسة وقت الإنصراف وينطلق مشياً للعودة إلى البيت. طريقه تمر بغابة وبحيرة قبل أن تنتهي عند المبنى حيث يعيش ووالديه. الأب (أليكسي روزين) موظف في مؤسسة والزوجة (ماريانا سبيفاك) تملك صالون تجميل. وهما على بعد يسير من فض الزيجة والطلاق رسمياً بعد أشهر من الإنفصال، لكن هذا لا يمنع قيام خناقة عاصفة بينهما يسمعها الصبي باكياً ثم يهب هارباً من البيت.
كل من الأب والأم يعيش الآن مع حبيب جديد: هو مع ماشا (مارينا فاسيليفا) الحبلى منه، وهي مع رجل ثري أسمه أنطون (أندريس كايش). وبعد هذا التقديم الذكي للشخصيات ومكامن المشاكل التي ستعصف بهما قريباً، تكتشف الأم اختفاء إبنهما ويهب الأب ليكون حاضراً في هذه المعضلة. لكن على عكس أفلام كثيرة سابقة (غالبها أميركي) لا يوظف الفيلم مشاهده لكي يؤدي هذا الحدث بالزوجين إلى مصالحة مدركين خطأهما تحت وقع المأساة، بل سيستمر في تصوير النزاع القائم بينهما وينتقل، لاحقاً، إلى فصل كامل يضطر فيه كل منهما للعيش مع شريك حياته الجديد بعد سنوات من إختفاء إبنهما من دون أن يعثرا عليه.
زفيغنتسف لا يخفي، عادة، نظرته المدينة للمرأة. هي هناك في فيلمه الأول «العودة» (2003) وفي أفلامه بعد ذلك: «المنفى» (2007) و«إلينا» (2011 ولو على نطاق محدود) و«ليفياثان» (2013). هنا يصوّر المخرج الزوجة لاهية ويوصم تصرفاتها بالأنانية ويطلق، حتى من خلال كلماتها، ما يجعلنا ندرك أنها ليست على صواب في معظم ما تذهب إليه.
يستطيع المرء منا أن يلحظ أن المخرج في نهاية المطاف إنما يتحدث، مرّة أخرى، عن زواج متصدّع ينهار أمامنا. هناك بفعل خيانة ما، في فيلم ثان بفعل ضعف قرار وهنا في صورة إمرأة أنانية لا تقبل أن تستمع إلى المنطق.
لكن هذا ما يبنى لزفيغنتسف العالم الذي يزداد منه. بعد إدانة الوضع القائم في زيجات أفلامه يومي إلى إشراك القانون في التقاعس منتقداً عدم رغبته توفير الوقت والدعم الكامل للبحث عن الطفل الذي ربما يكون سقط في الماء أو تم خطفه. هذا البحث في العلاقات الزوجية وغير العاطفية  قريب من بحث برغمن وأنطونيوني وسواهما، لكن أسلوب زفيغنتسف قائم على رقة في النواحي البصرية ترفع من جماليات الفيلم بمقدار كبير. 
ما يجمع بين هذا الفيلم وسابقيه هو الإشارة إلى عدالة غائبة، بدرجات، في هياكل إجتماعية متباعدة. لكن في حين أنه من المتاح تونسياً وروسياً هذا القدر من حرية التعبير، فإن الأمر أصعب منالاً بالنسبة لفيلم إيراني. لكن رسولوف فعل ذلك بنبرة أعلى من زميله أصغر فرهادي مع أن الفيلم يتبع هذا النسق من الطروحات الإجتماعية.