Silence | Live By Night | All About Eve | مولانا | Julieta



   Focus on Film                                          

بين "صمت" شينودا و«صمت» سكورسيزي
هل كانت نسخة شينودا أكثر مصداقية؟

محمد رُضـا

|*| في الشهر الأخير من العام الماضي، كان الموقف حيال فيلم «صمت» للمخرج مارتن سكورسيزي، وكما كتبناه هنا عنه، ما زال بدوره صامتاً. لم يكن قد باشر العرض وما جيء به من معلومات لم يكن لها علاقة بكيف تكوّن الفيلم أمام أعين المشاهدين، بل كيف توصّـل المخرج، وبعد معاناة أكثر من عشرين سنة بحثاً عن التمويل وسبل الإنتاج، إلى تحقيق حلم تحويل رواية شيساكو إندو إلى فيلم.



أما الآن فإن الفيلم ماثل في ساعتين و40 دقيقة أمام نقاد مجمعين (تقريباً) على تقديره والإحتفاء به، وجمهور مؤلّـف من المداومين على أفلام سكورسيزي ويدركون الأبعاد الدينية التي عاش عليها وتأثر بها وبثها في أفلام كثيرة له.
هنا لابد من ملاحظة أن الفيلم مبهر جمالياً. كل ما له علاقة بالبصريات، من تصميم مناظر وتصميم ملابس وتكوين الفترة الزمنية والموقع المكاني وكل ما يأتي في عداد تكوين الصورة رائع. ما هو في داخل هذا التكوين هو الإشكال الكبير لأنه من ناحية هو إنعكاس لموضوع كبير لحكاية وقعت ولفترة زمنية تعاملت فيها حضارتان دينيتان مع بعضهما البعض، ومن ناحية أخرى هو إخفاق في نطاق معالجة كل ذلك على نحو يرتفع لمستوى الموضوع الواسع.
ما بين رواية شوساكو إندو، المنشورة سنة 1966، وبين هذا الفيلم المقتبس عنها، هناك فيلم ياباني رائع أخرجه ماساهيرو شينودا سنة 1971 بمعاينته يمكن التوقف عند حقيقة أن كلا الفيلمين، فيلم شينودا وفيلم سكورسيزي، اتفقا في جوانب كثيرة واختلفا في القليل منها.

عنف ياباني
رواية إندو، كما يمكن مطالعتها مترجمة، تدور حول وصول راهبين برتغاليين إلى اليابان في القرن الثامن عشر بحثاً عن راهب كاثوليكي أسمه الأب فيرييرا سبقهما إلى هناك واختفى وإخباره منذ خمس سنوات. الراهبان رودريغيز وغارابي يصلان في وقت متأزم. السلطات اليابانية في ذلك الحين منعت المسيحية في البلاد وعلى الراهبان أن يقوما بذلك البحث من دون إثارة ما يدل على وجودهما. لكن هذا شبه مستحيل وحال وصولهما إلى قرية كان زارها الأب فيرييرا وترك فيها فلاحين فقراء معدمين اتبعوا المسيحية بسببه تعرف السلطات بهما وتستنطق القرويين ثم تلقي القبض على رودريغيز بينما يمضي غارابي مستمراً في بحثه في مناطق أخرى. ولاحقاً ما يُـلقى القبض على غارابي ويُـعاد إلى حيث ما زال رودريغيز يعاين احتمالات الموت والحياة على أيدي ساجنيه.
وفي الواقع، يعاين رودريغيز أكثر من ذلك. هو شاهد عيان على عنف السلطات اليابانية بحق المدنيين من قطع رؤوس إلى حرق أبدان إلى سلق في الماء الساخن وتعليق المحكوم عليهم من أقدامهم وتركهم ينزفون ببطء إلى إغراق مؤمنين في البحر. وغارابي هو أحد من يتم إغراقهم. 


لكن المعاينة التي تساوي كل ذلك أهمية والتي ترد في كلا الفيلمين هي تلك التي يعايشها الأب رودريغيز بينه وبين نفسه. إنه يمارس ما هو مؤمن به، لكن السؤال هو إلى أي حد هو مؤمن بما يمارسه؟ 
هذا السؤال مطروح في الفيلمين جيداً فالصمت هو ما يثير دهشة الراهب بعدما وجد أن دعواته الحارة تمضي من دون استجابة ما يجعله يرتاب ويعبر عن إرتيابه ثم يرتد إلى رسالته ويذود عنها وكل هذا قبل أن يقنعه اليابانيون إتباع ديانة شينتو عوض المسيحية كونهم بحاجة لدحض صورته أمام تابعيه. إختيار صعب لكن رودريغيز يقبل به لكي ينجو من الموت.
في العملين هناك مواقع عدّة تعكس تلك الظروف القاسية للعيش بالنسبة للجميع من دون تغييب واقع من الفقر المرير بين سكان المنطقة التي تقع الأحداث فيها. 
فيما يختلف الفيلمان فيه أن النسخة اليابانية سنة 1971 تعاملت، على نحو موسّـع، مع عنصر وقوع رودريغيز في حب إمرأة يابانية، في حين يأتي هذا الأمر عارضاً في فيلم سكورسيزي ما يزيد هنا من ثقل أزمة الإيمان لديه من دون عناصر خارجية أخرى.

مسألة لغوية
يختلفان أيضاً في تصوير شدّة التعذيب. عند سكورسيزي أكثر إفصاحاً عن ضراوته. ليس أن ماساهيرو شينودا يميل إلى تقليل وقع العنف أو نقده لمواطنيه، بل هي طريقة تعامل مع مفهوم العمل وتعزيز الرسائل التي يحملها. لكن «صمت» شينودا له فضيلة لا يمكن للفيلم الحديث أن يجاريه فيها: إنه من صنع ياباني مئة في المئة بينما فيلم سكورسيزي أشبه إلى زيارة لتاريخ ومكان يابانيين. صحيح أنه لديه المبررات الوجدانية للقيام بهذه الزيارة إلا أن علينا، أزاء فيلمه، أن نتابع يابانيين فقراء معدمين يعيشون في قرى معزولة حتى عن حضارة القرن الثامن عشر لكنهم يتكلمون الإنكليزية بالقدر الكافي للتعبير. 
لا حل سهلاً لذلك. الطريقة الوحيدة لتفادي الأمر هو جعل اليابانيين يتكلمون لغتهم والبرتغاليين يتكلمان لغتهما وبذلك يضيع التواصل بين الجميع ولا يتحرك الفيلم من مكانه مطلقاً. إلى ذلك، فإن رودريغيز وغارابي ومن قبلهما فيرييرا شخصيات برتغالية لم تتحدّث الإنكليزية أساساً ما يجعل المسألة أكثر تعقيداً واعتماد الإنكليزية كلغة مشتركة بين البرتغاليين وبين اليابانيين الإختيار الوحيد المتاح.
ما هو معقد أيضاً، في فيلم سكورسيزي، أن الشخصيات البرتغالية ليس لديها، في الكتابة ما يساعدها في التمثيل. نعم هناك الكثير من الحوار المتبادل وما يكفي من التعليق المعبر عن الذات وأكثر من ذلك من الوجدانيات، لكن شخصيتي رودريغيز، كما يؤديها أندرو غارفيلد وغارابي كما يمثلها أدام درايفر، تتحركان أكثر مما تكشفان. الشخصيات اليابانية حولهما ليس لديها مشكلة في أن تعكس ما تريده بإقناع. لكن حين نتابع رودريغيز وغارابي (الذي ينفصل عن الفيلم لنحو ساعة وربع قبل أن يعود قليلاً) فإن وجودهما ما يزال يبدو غريباً لحد التأثير على مصداقية الوضع في الكثير من المشاهد. 
ما يدور خلال ثلاث ساعات إلا قليلاً يمر بنبرة فاترة واحدة. مشاهد التعذيب تصدم قليلاً لكن ما قبلها وما بعدها يعود إلى حالة من إنعدام الطاقة الكافية لسبر الموضوع بإهتمام يتجاوز نجاح المخرج في تأليف بصرياته.
ما أن ينطلق الفيلم حتى نجد أنفسنا أمام عمل مشاد بصرياً ليكون أخاذاً. تصاميم إنتاجية وديكوراتية لجانب تصوير بكاميرا فيلم (وليس دجيتال) من رودريغو برييتو (ثالث تعاون مع سكورسيزي) رائعة ومشاهد من عل فوق الشخصيات كما لو أن هناك عيناً ما تراقب من فوق. هذا النجاح لا يواكبه قوّة دفع ذاتية تحرك المادة التي تقع في تكرار تجنّـبته نسخة شينودا.


____________________________________________________________
©
كل الحقوق محفوظة للمؤلف بحكم قانون الملكية البريطانية
All rights are reserved by Mohammed Rouda
____________________________________________________________

Cannes Films 3: Paterson ***1/2 | Elle ****



  Cannes Films-3                                           
Paterson
إخراج: جيم جارموش
Jim Jarmusch
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقد: محمد رُضـا

 كل شيء هو باترسون في فيلم عنوانه «باترسون»
★★★
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أسمه باترسون، يعيش في بلدة أسمها باترسون ويقود حافلة (باص) عليها من الأمام إسم باترسون في فيلم عنوانه «باترسون». علاوة على ذلك، باترسون الشخص يحب أشعاراً كتبها وليام كارلوس وليامز ونشرها في فصول ما بين 1946 و1958) في كتاب عنوانه «باترسون»!
إنه فيلم جيم جارموش الجديد الذي بوشر بعرضه في عواصم أوروبية وأميركية منذ أيام لكنه لن يعرض في البلاد العربية لغياب الموزع الذي يكترث ما إذا كانت كل هذه الأسماء لها دلالات واحدة طالما أن الفيلم لا يحتوي على مطاردة سيارات ولا ينطوي أيضاً على مركبة فضائية إسمها باترسون.
ليس أنه أفضل أفلام المخرج الذي صنع سابقاً أعمالاً خلبت هواة الفن السابع ونقاده مثل «قطار لغزي» (1989) و«رجل ميت» (1995) و«كلب شبح: طريقة الساموراي» (1999)
حتى فيلمه السابق، مباشرة قبل هذا الفيلم، وهو «العشاق فقط بقوا أحياءاً» (2016) نال على كآبته مكانة طيبة بين هواة أعمال هذا المخرج الذي أخرج تدرج سريعاً من مهندس صوت إلى مؤلف موسيقي ومصور إلى مخرج من العام 1980.

روتين حياة
الذين يعرفون سينما جارموش عادة لا يخفون إعجابهم. محطة هذه الأفلام الأولى كانت «كان» و«برلين» غالباً وأعماله دائماً ما عرضت في صالات مليئة بالمشاهدين التواقين لفهم وقبول ما سيعرضه المخرج عليهم هذه المرة، مدركين أنه في كل مرّة يحافظ على نبرة صوت خفيفة وإيقاع يكاد لا يتغير وحكايات تبدأ وتنتهي فجأة كما لو أنها ابتسرت من الحياة ذاتها.
في «باترسون» هناك المزيد من هذا الهدوء وربما إلى درجة تسمح للمرء بالتساؤل عن الحكمة وراءه. هل له سبب؟ هل البقاء، كتابة وتمثيلا وإخراجاً، تحت مستوى الإثارة ولو الشكلية أمر يفضي دائماً إلى الحسنات أو أن الحسنات هي في سرد فيلم يتحدّى النمط ويختلف عن السائد؟
باترسون الشخص هو (الممثل) أدام درايفر. باترسون البلدة هي (حقيقية) تقع في ولاية أوهايو. و«باترسون» الحافلة تحمل رقم 23 وتسير على خط واحد ينطلق من الكاراج صباحاً إلى بعض أنحاء المدينة. أما باترسون الفيلم فهو إنتاج من شركة «أمازون ستديوز» مع مشاركة فرنسية وأخرى ألمانية.
بطلنا يستيقظ صباحاً. يقبّـل زوجته (غولشفته فرحاني). يتناول الإفطار. يمشي إلى كاراج الحافلات القريب. يعتلي مقعد القيادة ثم يكتب شعراً بينما ينتظر لحظة الإنطلاق. في فترة الظهر يتناول غذاءه المعلّـب في حديقة ويكتب (أو يقرأ علينا) المزيد من الأشعار. بعد إنتهاء الدوام يعود إلى البيت سيراً على قدميه. يحيي زوجته. يتناول العشاء. يخرج ومعه الكلب. حين يصل إلى حانة تقع على مفترق طريق، يربط الكلب جانباً ويدخل ليشرب البيرة. كل يوم على هذا الحال ولنحو ساعة ونصف.
ذات مرّة تتعطل الحافلة التي يقودها. ينزل الركاب منها صامتين وهادئين. لا أحد منهم، مزعوجاً وبل لا أحد منهم يتأفأف. هم المخرج ليس هم، لكن المشهد يبدو كما لو أنه يدور على سطح كوكب غير أرضي انتزع من سكانه أي مشاعر.
هناك حوار ينتهي دائماً بالقبول بين الزوجين. هي لا تعمل لكنها ترتب البيت باللونين الأبيض والأسود وهو راض. ربما يسألها لكنه لا يعارض. تؤم الرسم. يؤم الشعر وكل شيء يمشي على هذه الوتيرة.
الوتيرة المرتفعة تقع فقط في الحانة التي يؤمها باترسون إذ تشهد قصّـة حب بين رجل وإمرأة هي تريد إنهاء العلاقة وهو يستميت في استمرارها. في أحد المشاهد يسحب العاشق مسدساً للتهديد. لا شيء يحدث بعد ذلك فهو لا ينوي استخدامه. كل شيء يعود إلى سباته.

جزيرة الأرواح
رغم ذلك  هناك قدر من الألغاز المدفونة في هذا الفيلم تجعله أكثر مما يتبدّى.
الزوجة تزين البيت بمربّـعات بيضاء وسوداء. تضع ستارة بيضاء عليها دوائر سوداء وترتدي فستاناً أسود على دوائر بيضاء. «الفوطة» التي تستخدمها وزوجها على مائدة العشاء بيضاء بدوائر سوداء.
كل من يلتقي باترسون بهم يعيشون خارج منازلهم. لا مكاتب في الفيلم. هناك حانة لكنها تحوي أشخاصاً مختلفين يدخلون ويخرجون وبينهم باترسون نفسه. رئيسه في العمل يمشي إليه قبل الإقلاع. لا نرى باترسون يطرق باب مكتب ما في عمله. الشوارع. الناس. الحدائق كلها خارجية. المشاهد المحصورة الوحيدة هي التي تقع في ذلك البيت. الزوجة لا تعمل في الخارج. لابد أنها تخرج لتشتري حاجيات البيت لكننا لا نراها تفعل ذلك. هي مرتاحة في منزلها وتعيش فيه كما لو أنه كل العالم. 
هل هي بدورها حقيقة؟


يكاد ما سبق أن يؤكد ذلك، لولا وجود مشهد واحد لها خارج البيت. إنها بصحبة زوجها يحضران فيلم «جزيرة الأرواح الضائعة» Island of Lost Souls، فيلم عن عالم تحوّل إلى مجنون يشوّه البشر ويخلق منهم وحوشاً قام بتحقيقه سنة 1932 مخرج غير معروف البتة أسمه  إريك س. كنتون. على ذلك تعود إلى تاريخ ذلك المخرج تجده مليئاً بنحو 150 فيلم. تسأل نفسك: لماذا هذا الفيلم بالتحديد الذي اختاره جيم جارموش في ذلك المشهد؟ ربما الجواب في أنه حكاية فانتازية أخرى من أعمال المؤلف هـ. ج. وَلز (عنوانها «جزيرة دكتور مورنو»). هل الزوجة جزء من التاريخ على نحو ما؟ ما الذي يبعدها وزوجها عن فيلم حديث بإستثناء أن الفيلم الحديث قد يعني أنهما (أو على الأقل هي وحدها) حقيقية حاضرة؟
وهناك المزيد: باترسون يكتب الشعر. فتاة صغيرة تكتب الشعر. في نهاية الفيلم يلتقي باترسون برجل ياباني يكتب الشعر. هناك مشهد لرجلين توأمين وآخر لسيدتين توأمين. فتاتان ترتديان فستانين بلون واحد. ويكفي أن كلمة باترسون لها ثلاث صفات: إسم البطل وإسم الحافلة وإسم البلدة. 
ليس من بين كل هذا ما هو صدفة. لكن ما هو هذا المضمون الذي يمكن لنا استنتاجه من هذا الوضع؟ 

أبيض وأسود
هل الأبيض والأسود في منزله دليل تناقض أم دليل إنسجام؟ هل المشاهد التي تقدّم لنا شخصيات مزدوجة من باب التأكيد على شيء معين؟ هل للإيحاء بأن الحقيقة هي الخيال والخيال هو الحقيقة في الوقت ذاته؟ هل باترسون- الشخص حقيقي بدوره؟ وحين يقرأ شعراً لسواه هل هو نتيجة هذا الشعر وتجسيده؟ وهناك الملح (أبيض) والفلفل (أسود) على الطاولة جنباً إلى جنب، إشارة أخرى إلى حياة غير ملوّنة.
في فيلمه السابق، «العشاق فقط بقوا أحياءاً» نلتقي برجل أسمه آدام (توم هدلستون) وإمرأة أسمها إيف، حواء، (تيلدا سوينتون) يعيشان في منزل مليء بالتاريخ. هما نفسيهما تاريخ كونها من مصاصي الدماء. عاشا مئات السنين وما زالا لكن الحياة ليست مبهجة بل هي مقلب لهما. فخ محكم لا يستطيعان الفكاك منه لا بالموت و…لا بالحياة. ولا الفيلم من النوع المرعب ولا حتى المشوّق. إنه كما لو أن المخرج يرصد استمرار الحياة وهي جافة من كل أسباب بهجتها أو حتى كآبتها.
هذا يتكرر هنا بمعطيات أخرى. إنه فيلم حول أسبوع واحد من حياة بطله لكن كل ما يحدث ليس حدثاً وحتى ما يقع في الحانة غير مرتبط عضوياً بما يعيشه باترسون في حياته لا الزوجية ولا المهنية. ذلك المشهد حيث تتعطل الحافلة ويهبط منها الجميع بلا تردد أو غضب (إمرأة متقدّمة في السن تسأل باترسون عن موعد الحافلة البديلة وترضى بجواب مختصر). ما يحدث هو شيء من نتوءات الرتابة.  مثل شاشة ترصد دقات القلب فيبدو ساكناً بإستثناء شارات بسيطة.


لكن المفاد في النهاية، ومع كل هذه الظواهر، هي واحدة: الحياة هي بمثل هذه الرتابة لولا الشعر والفن.  صحيح أن الفيلم ينتقل من البيت إلى خارجه نهاراً وليلاً ما يخلق تنويعاً لم يعهده «العشاق فقط بقوا أحياءاً» إلا أن المعني المتسرب من بين أصابع يدي المخرج هو أن العالم، أينما كان، هو فخ لمن يعيش فيه إلا إذا خرج من منواله بكيانه الداخلي. وهذا الكيان هو الفن (لدى الزوجة إذ تؤم الرسم) والشعر لدى الزوج الذي لا يتركه وحيداً. 

شعر وشاعرية
باترسون نفسه يحب شعر وليام كارلوس وليامز وشعر فرانك أو هارا وهما من زمن سابق. لكن الأهم هو أن النهاية تحمل أملاً في استمرارية منعشة إذا ما استطاع باترسون أن يواصل روتينه اليومي طالما أن هذه الحياة (التي تبدو كفخ نعيشه ولا نستطيع مغادرته) مصحوبة بما يرفع من حبور الوجود: الطبيعة الغناء في مشهد النهاية حيث يلتقي باترسون  بذلك السائح الصيني (ماساتوشي ناغاسي الذي كان ظهر في فيلم  جارموش السابق «قطار لغزي» حين كان لا يزال شاباً) الذي بدوره يكتب ويحب الشعر. يحمل الياباني ما يبدو هواءاً نقياً يبثه بأناقة وحبور. يتلقف باترسون  هذا الهواء في الحديقة ويبدو منتعشاً متجدداً للمرّة الأولى. هناك إبتسامة ووداعة في هذه الألفة. زيارة الياباني تبدو بدورها مثل حلم عبر حياة باترسون. 
حب جارموش للسينما اليابانية مشهود. ليس فقط أنه حقق فيلم ساموراي بطله الأفرو-أميركي فورست ويتيكر يجيد الساموراي بل هي هناك، كما لاحظ الناقد جوناثان رومني منفرداً، طيفاً من  أفلام كوري-إيدا هيروكازو التي صوّرها في بلدات يابانية صغيرة (وأضيف «لا أحد يعلم» و«جزر جميلة» كمثالين).


بذلك فإن الشعر، في هذا الفيلم، والشاعرية، في رسمه وصياغته، هما الحياة الأرقى ويمكن النظر إلى الفيلم على أنه جزء مترجم من أشعار كتاب وليامز المعنون «باترسون»، الذي دار حول شخصيات بنبرات هادئة ويوميات غير مثيرة في مدينة أسمها باترسون في الوقت الذي هو فيه معالجة شعرية تدخل وتخرج من الحياة والواقع في زيارات لرتابتها وخيالاتها.


Elle
إخراج: بول ڤرهوڤن
Paul Verhauven
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقد: محمد رُضـا

حكاية إمرأة تعرف كيف لا تنتقم
★★★



•  من بين ما تتميز به أفلام المخرج الهولندي بول فرهوفن الأناقة الشكلية خصصاً تلك التي حققها، في مسيرته الطويلة، في أوروبا قبل ثم بعد مرحلته الهوليوودية. العناية بالتصماميم العامّـة وبالألوان والتصوير الخالي من الشوائب تمنح أعماله،وآخرها هذا الفيلم، ما يشابه الثياب التي ترتديها بطلة الفيلم إيزابيل أوبيرت أناقة ونظافة.
ميشيل (إزابَـل أوبير) تدير مؤسسة لصنع ألعاب الفيديو الإلكترونية وتعيش وحيدة في بيت كبير في ضواحي باريس. يبدأ الفيلم بمشهد صراخ ثم لقطة لقطّـة تتابع ما يدور ثم وميض مما يقع: حادث إغتصاب يقوم به ملثم وضحيته ميشيل. هذه تلملم نفسها سريعاً بعد ذلك وتنطلق لمتابعة يوميات حياتها. لا تولول ولا تنهار ولا تتصل بالبوليس، بل تقرر مواصلة حياتها كما هي علماً بأنها ترتاب في أن أحد موظفيها قد يكون الفاعل.  في الوقت نفسه هي محور وقائع عائلية مختلفة محاطةبظروف من صنع الذات البشرية والقرارات غير الصائبةفهي مرتبطة بعلاقة تريد إنهاءها مع روبير (كرستيان بركل)، زوج صديقتها آنا (آن كونزيني). وإبنها الشاب (جوناس بلوكيه) تزوّج من فتاة حبلى تلد طفلاً أسود البشرة (من علاقة سابقة مع صديقه الأفريقي عمر). أما والدتها  (جوديث ماغري) تختار شاباً جديداً لكي تعيش حياتها الجنسية كما ما زالت تشتهي. وصديقها السابق ريشار (شارل برلينغ) يحاول أن يستعيد مجداً مضى ككاتب. 
في غمار كل ذلك وأحداثه (المكتظة) تبقى حادثة الإغتصاب ماثلة أمامها ثم تتعرض لها مجدداً بعدما اكتشفت أن جارها باتريك (لوران لافيت)، الذي بدأت تهواه، هو الفاعل. وقبل نهاية الفيلم (الذي يمتد رافضاً الإيجاز) يقدم باتريك على محاولة جديدة كونه لا يستطيع المعاشرة الجنسية إلا إذا اغتصب.
بقدر ما الفيلم مبني على حبكة لغزية، بقدر ما هو دراما ترفيهية ساخرة فيها ما يكفي من عناصر جذب الإعجاب لكل ما يدور فيها، بما في ذلك تناول المخرج المخفف لموضوع الإغتصاب وردات الفعل عليه. يستند لحسنات أكيدة في الكتابة والتصوير والتوليف كما في أداء أوبير لدورها بدراية وتلقائية مثيرة للتقدير. على ذلك، يبقى الفيلم نطناطاً من دون عمق. مثرثر بلا توقف من دون فسحات تأمل مطلوبة.
هذا هو فيلم بول فرهوفن الأبرز له في عشر سنوات، والأول له في إطار سينما وأحداث فرنسية كاملة كما أول تعاون بينه وبين المنتج الناجح سعيد بن سعيد. إيزابيل أوبير  هي ذاتها من فيلم لآخر هذه الأيام لكنها مجتهدة هنا في دور صعب في شتّى مراحله.  غاية فرهوفن تبدو مزدوجة: من ناحية يريد تقديم فيلم جاد وفني حول موضوع بطلته كجزء من حياة غير مستقرة، ومن ناحية أخرى لا يريد أن يدير ظهره للجمهور السائد. وهو يحقق هاتين الغايتين على نحو مرض.


____________________________________________________________
©
كل الحقوق محفوظة للمؤلف بحكم قانون الملكية البريطانية
All rights are reserved by Mohammed Rouda
____________________________________________________________




  فيلم الأسبوع                                          
THE GRAND HOTEL
إخراج: إدموند غولدينغ
Edmund Goulding
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقد: ميسر المسكي

 الفيلم الذي فاز بأوسكار سنة 1933 استكمل الولادة الجديدة للفيلم الناطق
★★★
"غراند أوتيل" لـ إدموند غولدينغ
 إنتاج أميركي ـ أستوديو م.جي.م
أدوار رئيسة: جون باريمور ـ غريتا غاربو ـ جون كروافورد ـ ليونيل باريمور
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السينما صامتة.... السينما تتكلم!
ما بين الخَرَسْ والثرثرة لحظة مفصلية حاسمة، غيرت شكل الفيلم إلى الأبد.
السينما، السعيدة بكلماتها الأولى، بكل تأتأتها ولعثمتها، كانت تفرض على كل شيء أن يتغير. من أستوديو التصوير وأجهزته، إلى صالات العرض. الصوت له حضوره والكل عليه أن يصغي. الناس أحبت ثرثرة الممثلين، والناس فلوس في شباك التذاكر. إذاً الصوت حاضر ليبقى ويسود. أولئك اللذين نظروا بإزدراء إلى القادم التقني الجديد سيدفعون الثمن غالياً. هم ببساطة سيخرجون من لعبة السينما إلى غير رجعة. الشهير دوغلاس فيربانكس، الذي طالما صنع مجداً أيام السينما الصامتة، سيلاحظ وهو يراقب تصوير فيلماً ناطقاً، في إستوديو مجاور أن "الأيام الرومانسية للسينما قد إنتهت". فيربانكس لن تطول أيامه في هوليوود بعدها.
ممثلات كُنّ على قدر غير قليل من الشهرة، إضطررنَ لحزم حقائبهن والعودة من حيث أتين. هُنّ كُنّ من بولونيا أو ألمانيا أو السويد. والصوت فَضَحَ لهجتهنّ الغريبة. الجمهور الذي أعتادهن، و أحبهن، خُرساً، لن يقبلهن بعد اليوم إلا بإدوار الشخصيلت الأجنبية، وهذه قليلة. الصوت وضعهنّ على الباب مودعين مجداً وأيام عزّ لن تكون لهنّ بعد اليوم. قليلات من نجينَ من إرهاب الصوت. غريتا غاربو واحدة منهنَ (نجمة فيلمنا في الآتي من المقال).
حتى الممثلين والممثلات الأميركيين كان عليهم الخضوع لتجارب الصوت. بعضهم أكتشف فجأة، مُرتاعاً،أن لا صوت له. بمعنى أن صوته لا يصلح للسينما. عليه أن يجد مكاناً آخر وعملاًآخر غير هذا الذي تمرّغ في أضوائه لسنوات بدا وكأنها إلى آخر العمر.

وإذا كان الفيلم لاهياً بعذوبة نطق الكلمات الأولى، الآخرين كان عليهم الآن أن يلتزموا الصمت. الأستوديوهات التي كانت تضجّ بتعليمات المخرجين للممثلين، أثناء تصويرمَشاهد الفيلم الصامت، أصبح عليها أن تكون هادئة وصامتة الآن، فلا صوت يعلو على صوت الممثلين. هؤلاء الممثلون الذين أربكتهم صيحة الأمر الجديد "سكوت!" وجدوا أنفسهم وحيدين بلا تعليمات المخرج المتواصلة. بعد الـ "أكشن" المُعتادة،  وجدوا أنفسهم، فجأة، متروكين لموهبتهم وإدراكهم للدور.
بروجكتورات التصوير كانت صاخبة فَـوَجَـبَ إخراسها، ولو على حساب أن يتحول الأستوديو إلى شيئاً من فرن. فتقنية جعل البروجكتورات الضخمة صامتة رفعت من حرارتها إلى حدّ غيرمقبول أحياناً. كاميرا التصوير كان لها ضوضائها أيضاً، وأمام عدم وجود تقنية بعد، حينها، لجعلها خرساء، رأوا أن "يدفنوها" في غرف خشبية مُـبـطّنة من الداخل. المصور ومساعده كانا يغرقان في عرقهما بعد تصوير مشهد ولو قصير.

طبيعي أن الصوت فَرَضَ تغييراً أيضاً في أجهزة صالات العرض. الفرقة أو عازف البيانو الذي كان يرافق الفيلم لم يعد له داع. فالفيلم الجديد ذي الشريط الصوتي المُرافق أصبحت موسيقاه (وحواره بعد تحديث متواصل لعملية المؤامة سينكرونايزشن بين الصورة والصوت) منه وفيه. هذه الحقيقة والضرورة التقنية الجديدة جعلت مهندسي الصوت الآتين من شركات الهاتف وأستوديوهات تسجيل الأسطوانات، أسياداً جُدد لهوليوود، ولو إلى حين. هؤلاء أصبح لهم الأمر في تقرير ماذا ومن يصلح ومن يجب أن يرحل. هؤلاء أصبحوا يقررون بشكل ما طريقة الحركة في المشهد لإرتباط حركة الممثلين بضرورة بقائهم قريباً من ميكروفونات إلتقاط الصوت التي طالما خبأها مهندسوا الصوت الجُدد في مزهرية هنا أو تحت الطاولة هناك.

الصوت أذلّ نجوماً وأخرجهم من عالم صناعة الحلم، ووضع حفنة من الآخرين تحت إختبار مستمر لإثبات قدرتهم على الإستمرار. ولتحسين أدائهم الصوتي جاؤوا بمدربي الصوت والإلقاء من المسرح الشكسبيري والكلاسيكي. والنتيجة ستبدو في تلك المبالغات الأدائية واللفظية في السنوات الأولى للفيلم الناطق.

خلفية الفيلم التاريخية 

برلين 1929. حفنة سنوات، لا تزيد عن عشر، مَرّت على نهاية الحرب الكبرى التي أطاحت، من ضمن الكثير الذي أطاحت به، بالنظام الأمبرطوري في ألمانيا. جمهورية  "فايمار"، التي ورثت البلد بعد الهزيمة، ضائعة، مُشتتة. الشارع ساحة للصراع بين الميلشيات المدنية لليسار الشيوعي الداعي والحالم بتكرار الثورة البولشفية في روسيا قبل أثنا عشر عاماً فقط، وبين اليمين النازي الصاعد بدغدغة النوازع القومية الجرمانية والمدعوم من الصناعيين والمصرفيين المرعوبين من بلاشفة ألمان يسودون في برلين. 
التضخم المالي لا شيء يردعه.  هذيان الإنفلات الإقتصادي وضع الإقتصاد في بؤس غير مسبوق بحيث أصبح الدولار الواحد يساوي أربعة ملايين مارك ألماني. المجتمع في حالة إحبط شديد ويأس ضَاعَفَ من حالات الإنتحار.
لكن رغم كل هذا (البعض يقول بل بسببه) برلين شهدت أكثر سنواتها حرية وتمرد. في صالونات وحاناتها ومسارحها وكبارياتها، شَهَدَ الإبداع الثقافي والفني والفكري بعض أغزر سنواته إنتاجاً و...حريّةً!

فندق كبير بشخصيات كثيرة

في هذا المناخ اليائس والمضطرب والعابق بالشيء ونقيضه كتبت النمساوية فيكي باوم روايتها  "ناس في الفندق" عام 1929 والتي نقلتها سريعا "إلى نجاح واسع عَـبَـرَ بها المحيط إلى هوليوود التي حولتها إلى فيلم لا يقلّ شهرة في سيرة السينما:"غراند أوتيل" والذي حَـصَـدَ واحد من بواكير الأوسكارات عن أفضل فيلم لعام 1932.

في "غراند أوتيل" حيث: "ناس تأتي وناس تذهب، ولاشيء يحدث"، كما يُعلّق الدكتور أوترنشلاغ (لويس ستون)، لا تلبث الصورة أن تتكشف عن أمور كثيرة تحدث تحت السطح وتعكس حال القلق والفوضى التي تسود البلد والتي سبق وصفها قبل قليل.
فيليكس فون غايغرن (جون باريمور) بارون سابق من طبقة النبلاء التي تلاشت بعد الحرب، أضاع ثروته ومجده وتحول إلى مُـقامر ولصّ لمجوهرات الأثرياء من نُزلاء الفندق. فيليكس يتلطى وراء لقبه النبيل ليُضفي هالة على حضوره تُسهل عليه خديعة ضحاياه. البارون يصادق نزيل آخر يبدو خارج المكان: أوتو كرينغلين (ليونيل باريمور). مُـحاسب بسيط في شركة صناعية، يكتشف أنه يحتضر من مرض عُـضال، فيجمع كل مدخراته لينفقها في إقامة أخيرة في الفندق الباذخ والباهظ التكاليف. يتصادف هنا وجود الصناعي بريسلينغ (والاس بيري) الصناعي وربّ عمل أوتو. بريسلينغ يبدو في ضائقة مالية ويأمل بإتمام صفقة إندماج مع شركة بريطانية في مانتشستر. يستأجر بريسلينغ خدمات فتاة لتطبع المحاضر (جون كروافورد) التي لا تلبث أن تراوده عن نفسها مقابل أن يساعدها في تحقيق تقدم نحو حلمها أن تصبح ممثلة سينما.
أخيراً هناك راقصة البالية الروسية غروسينسكايا (غريتا غاربو) والتي تبدو سيرتها المهنية إلى أفول مما يجعلها دائمة التوتر وعلى حافة الإنهيار.

ما سيأتي بعد تقديم الشخصيات هذه هي جملة من العلاقات المتداخلة ترمي البعض في أحضان البعض (راقصة الباليه والبارون السابق) أو تجعلهم على طرفي مواجهة وإستفزاز متواصل (الصناعي والمحاسب السابق المُحتضر) لكن الكل يبدون تائهين يحاولون البحث عن الخلاص. هم يتخبطون (كما ألمانيا بعد الحرب) في سعيهم المحموم نحوإدراك توازن مادي (الصناعي) أو نفسي (راقصة الباليه) أو أخلاقي (البارون السابق) أو مهني (الفتاة الطابعة) هم يختزلون الأمة المأزومة بواقعها المتردي والمتشظي إلى مسارب لا يبدو أن أي منها يقود إلى أكثر من سراب.
"غراند أوتيل" كان جديداً في تقديم هذا المناخ حيث يتصادف وجود عدد من الشخصيات في مكان واحد فتتقاطع سبل وعلاقات بعضاًمنها وتبقى غافلة عن وجود البعض الآخر. في قاعات الأوتيل وغرفه وممراته تدور حكايات، وعود، آمال وخيبات. 
التصميم الفني للفيلم هوعنصر أساسي في ضبط مناخ العلاقات وتأطيرها. هو أيضاً واحد من (إن لم يكن الأهم) العوامل التي ساهمت في جعل الفيلم من الكلاسيكيات السينمائية. سيدريك غيبون المُصمم الفني الشهير (في جعبته إنجاز تصميم تمثال جائزة الأوسكار عام 1928 وثمان وثلاثون ترشيحاً لأوسكار أفضل مُـصمم فني فاز في أحد عشر منها) يصمم فراغات واسعة، باذخة  يسيطر عليها ستايل الـ"آرت ـ ديكو" الشديد الأناقة بخطوطه المستقيمة أو المنحنية المتكررة، والذي كان سائداٌ حين إنتاج الفيلم. (لمزيد عن الـ "آرت ـ ديكو" شاهد مبنى الـ "كرايسلر" البديع في نيويورك، ومبنى الـ "إمباير ستايت" في نفس المدينة). تصاميم غيبون السخية في مساحتها تسمح للكاميرا بالحركة بحرية صعوداً، هبوطاً، إنسحاباً أو دوراناً. كما أن الإضاءة تخلق ظلالاً تكوينية على الجدران الممتدة أو الأضيق فراغاً كغرف الفندق.

المخرج وممثليه
البريطاني إدموند غولدينغ، الآتي كما أغلب الفريق، من السينما الصامتة، أدار الجميع بسلاسة وتدفق بصري جعل متابعة الشخصيات وتداخل علاقاتها متعة لم تفقدها الخمس وثمانون عاماً، منذ تصوير الفيلم، أي من بريقها. غولدينغ لم يبخل بإدخال بعض اللقطات ذات الدلالة لكن دون قطع السياق. مثلاٌ عند نهاية الفيلم تُغادر أغلب الشخصيات الفندق فيما تبقى الكاميرا على الباب الرئيسي الدوّار الذي يبقى يدور دون توقف وكأنه تأكيد بصري على العبارة التي بدأ فيها الفيلم:"ناس تأتي،ناس تذهب، ولاشيء يحدث". كل تلك العلاقات وكل تلك الشخصيات هي مجرد تفصيل لا يستحق أن تقف عنده الحياة، حتى ولو كان الأمر يتضمن موت البعض أو إفلاس ودمار آخرين. الباب يدور بلا هوادة...وكذلك الحياة!
كذلك في مشهد قصير لثوان لكن لامع، نجد كيف يُهان كلب أحد الزبائن بعد موت صاحبه. فالحيوان الأليف، والذي كان للأمس فقط مُستلقياً على السرير الفاخر، في غرفة صاحبه، كأي نزيل آخر، هاهو عامل النظافة "يكنسهُ" بغلّ وقسوة حين لم يعد له صاحب.

ثلاث سنوات فقط كانت قد إنقضت على التكريس الرسمي لـ "الصور الناطقة". أقول الرسمي لإن محاولات إدخال الصوت على الشريط السينمائي كانت قد بدأت منذ السنوات الأولى للعشرينات، لكن الزخم الحقيقي بدأ حين تبنى الأخوة وورنر  الصوت (في خروج عن الحذر العام والإزدراء أحياناً من قبل الإستوديوهات الكبرى للتقنية الجديدة) ودفعوا به إلى محاولات جادة، تكرست عام 1929 بحضور الصوت لزوماً وضرورة في الفيلم السينمائي. لكن كما ذكرنا في البداية للصوت هيبته وسطوته وشروطه. وربما لم يشعر برهبة القادم الجديد أحد أكثر من غريتا غاربو.
غاربو كانت أسطورة في السينما الصامتة. جمال فريد لا يشبه إلا ذاته. إطلالة لا تشارف على الإيحاء الجنسي المُباشر، لكنها تحمل من الغموض ما يكفي ليثير عوالم خيال رجال عشرينات القرن الماضي. غاربو سويدية. لكنتها ثقيلة بالانكليزية. لكن لا يهمّ فالسينما صامتة، والصورة هي الأصل والأساس. أما مع الصوت فالحال تغير. منذ ثلاث سنوات وغاربو تحاول تحسين لهجتها وتعمل (كما كل الممثلين والممثلات أميركيين أم أجانب) على تعميق صوتها وترخيمه للتخلص من تسطيح النبرة وإغناء مساحة التعبير. هي تعرف أنه لم يعد سهلاٌ الحصول على أدوار شخصيات أميركية أصيلة. إذاً الإحتمال مفتوح لأدوار الشخصيات الأجنبية، وفي "غراند أوتيل" هناك دور راقصة الباليه الروسيه. لكن الأستوديو المُنتج قلق من لكنتها السويدية. المُخرج يُصرّ. غاربو تنال الدور. 
لا يمكن لك إلا أن تُلاحظ تلك العصبية والتوتر في أداء غاربو. صحيح أنها تلعب دور شخصية على حافة إنهيار مهنتها ونفسيتها، لكن إشارات اليدين الواسعة والكثيرة وتعابير الوجه المتقلصة بحدة، توحي بأداء لم يستطع التخلص من صمت الصورة وضرورة المُبالغة في الأداء الإيمائي.
على الجانب الأخر تبدو جوان كروافورد أكثر هدوئاً وتلاؤماً مع حضور الصوت مع صورتها. كروافورد لم تكن مغمورة. كانت نجمة حازت عقداً طويلاً مع م.جي.م. عام 1925 أيام عزّ السينما الصامتة. لكن أسطورتها لم تكن تجاوزت بعد غاربو. في "غراند أوتيل" مساحة لافتة وبراقة من أداء كروافورد.
الأخوة باريمور (جون وليونيل) والآتيان من قلب المسرح الكلاسيكي والشكسبيري، يلعبان دوران جيدان ذوتأثيرات مسرحية واضحة.
كل المَشَـاهد تم تصويرها في الأستوديو. الكاميرا لا تخرج إلى شوارع برلين. لكن على أي حال، سبع سنوات بعد إنجاز الفيلم، لن يبقى برلين ولا شوارع. ستكتسح الحرب العالمية الثانية المدينة وأهلها. برلين، ولسنوات، ستصبح خراباً مأسوياً أين منه حطام الشخصيات التي تخرج من الـ "غراند أوتيل" في المشهد الأخير.  


____________________________________________________________
©
كل الحقوق محفوظة للمؤلف بحكم قانون الملكية البريطانية
All rights are reserved by Mohammed Rouda
____________________________________________________________


  الجمهور يقبل عليها لأنه يحب ما يخيفه سينما الرعب تملأ شاشات السينما   محمد رُضـا It منذ مطلع هذا العام وحتى اليوم، تم ...