فيلم ريدر كافيه

الوضع الغريب لتوني إردمان


شاهدت «توني إردمان» مرّتين، الأولى في مهرجان "كان" والثانية عندما كان لابد لي من مراجعة رأي سلبي كوّنته في المرّة الأولى بعدما وجدت أن حماسة النقاد الغربيين للفيلم فائقة وبدرجة غير اعتيادية. المشاهدة الثانية أكدت استنتاجات الأولى: هو فيلم ثرثرة حوارية طويل مؤطرة بكادرات شغل تلفزيوني ومعالج بقدر كبير من الإسترسال حول نقطة لا تنتهي.


لكن هل يعقل أن يكون ناقد واحد، أو بضعة نقاد، على حق والمعظم الكاسح على خطأ؟ الجواب أن المسألة ليست من هو صاحب الرأي الصحيح مقابل من هو صاحب الرأي الخطأ، وبالتاكيد ليست المسألة نسبية. هناك الكثير من الأفلام التي تنال إعجاب ناقد ما ليجد نفسه وحيداً فوق جزيرته بينما يرى النقاد الآخرون أن الفيلم لا يستحق أي إعجاب يذكر، والعكس صحيح كما في حالة «توني إردمان».


نعم، هو نظرة (شبه) كوميدية سوداء عن أوروبا اليوم (متمثلة بألمانيا تبعاً لهوية بطليه الأب وإبنته) وعن إختلاف الأجيال لكن من بعد نصف ساعة من تداول هذه النقطة الباقي هو إسترسال مع قليل مما يمكن البناء عليه. حتى مع التقدير لهذا المضمون ولما سعت المخرجة مارن أدَ لإنجازه على صعيد تقديم مواقف تحمل تناقضاً بين الجيلين والمفهومين، إلا أن الفيلم ليس المضمون إلا بمقدار. الأهم هو كيفية معالجة هذا المضمون وإذا ما تم صنع فيلم جيد عنه أم لا.


معظم ما هو منشور من مقالات إعجاب لهذا الفيلم قائم على الإعجاب بالفكرة وبالمضمون مع إعتراف البعض بأن الفيلم (قرابة ثلاث ساعات) أطول قليلاً مما يجب. كما لو أن هذه النقطة بالتحديد أطول قليلاً») ليست ذا أهمية عندما تبحث في المدّة التي استغرقتها المخرجة للوصول من أ إلى ب.


Friday, January 20, 2012

Coriolanus

 Year 4/ Issue 109 | No of Films Reviewed until Now: 290 | This Year: 5

فيلم اليوم:

كوريولانوس                                      Coriolanus    
شكسبير  ضد حكم العسكر

بريطانيا (2011) ***
تصنيف: دراما [إقتباس أدبي] [ألوان/ دجيتال] 122 د
إخراج: رالف فاينس  أدوار أولى: جيرارد بتلر، رالف فاينس، لبنى ازبّال، أشرف برهوم، زوران سيكا، برايان كوكس| إقتباس عن رواية وليام شكسبير المعروفة وأحدى أقل أعماله انتقالاً إلى الشاشة.

"كوريولانوس"  من بين أقل مسرحيات وليام شكسبير انتقالاً الى الشاشة، لكنه كباقي أعمال الكاتب المُهيمن للحين على الأدب الغربي الكلاسيكي، فإن "كوريولانوس" في الوقت ذاته عملاً تراجيدياً يمضي بعيداً في تشريح النفس الواحدة وعواطفها المتشرذمة بين العقل والعاطفة وبين المنطق وغيابه وبين فعل القتال لمبدأ وفعل القتل كإنتقام. فيلم فاينس (الأول له كمخرج)  يحتوي على هذه العناصر بوضوح ويُثير، كما المسرحية، البحث في التاريخ. كل ما في الأمر من اختلاف، أن بحث شكسبير في هذا النطاق تعامل والزمن الغابر له، فهو كتب عن تراجيديا بطلها جايوس ماركوس كوريولانوس الذي عاش في القرن الخامس الميلادي (كتب شكسبير هذه المسرحية ما بين 1606 و 1608) في حين نقل المخرج هذه الأحداث الى عالم اليوم واجداً فيه الكثير من المبررات الكفيلة بجعل هذا التمازج عملاً واقعاً.
مثل محاولة المخرجة الأميركية جولي تايمور عندما أقدمت على اقتباس عمل آخر قليل الظهور على الشاشات هو «تيتوس» (1999) فألبسته ثياباً وهموماً تمزج ما بين التاريخ والعصر الراهن، يقوم المخرج فاينس بهذه النقلة بين الزمانين محافظاً على الكنه اللغوي والأدبي والأجوائي للمسرحية من ناحية وضامّاً إليها الطرح الزمني المعاصر لأجل أن تعمد الصورة إلى المزج والربط لتأكيد المفهوم من أن ذلك العمل وطروحاته إنما يعيش بيننا اليوم كما عاش في الفترة التي وضع فيها شكسبير عمله.
تقع الأحداث في روما حيث تهدد المجاعة المواطنين نتيجة استحواذ العسكر على المؤونات لصالح الجهد الغربي. تقوم المواطنة تامورا (جهد ملحوظ من المغربية لُبنى أزبال او الزبّال بالتعريب المصحح) بقيادة المحتجّين، لكن القائد العسكري كايوس كوريولانوس (رالف فاينس) لا يلقي بالاً حيال المطلب معتبراً أن العسكر هم أكثر من المدنيين حاجة للمؤونة. وفي موقفه، وعلى نحو واضح إزدراء للعامّة من الناس الذين يعتبرهم كوريولانوس، في خطبة له، غير جديرين بالرعاية أساساً. يصرف كوريولانوس الوقت والجهد لموقعة عسكرية ضد جيش عدو يقوده توليوس (جيرارد بَتلر) الذي يعتبره كوريولانوس خصماً أكيداً ومنذ سنوات. كوريولانوس متزوّج من ڤرجيليا (دور صغير نوعاً لجسيكا شَستين) لكنها تنأى بنفسها عن السياسة مكتفية بمراقبته من بعيد وتاركة مصيره لوالدته المتحكّمة ڤوليومينا (ڤانيسا ردغراف). لكن كوريولانوس يضطر للهرب من روما وإجراء مهادنة مع عدوّه توليوس سائلاً إياه توحيد الجهود للهجوم على روما. هذا لا يمنع من أن مصالحتهما سياسية محدودة الأثر والفترة، وأنهما سيتنازلان في نهاية الأمر كعدوّين.
مع والدته (ڤانيسا ردغراف)٠

هذا تشخيص لحكم العسكر استمدّه المخرج من الكاتب الأعجوبة شكسبير ومنحه ظروف العالم المعاصر (الحاضر والسابق بقليل) معلّقاً على فاشية الأنظمة وسلطويّتها وأفقها الضيق. فاينس يصنع فيلماً يريد طرح ذات المسائل السياسية والإجتماعية التي شكّلها شكسبير كأرضية صراع في مسرحيته تلك، وهو (فاينس) ينجح في الإتيان بالمسببات، فالفيلم لا يزال يتحدث عن جوانب لصراع دام وأحد هذه الجوانب اقتصادي بين من يملك ومن لا يملك، لكن الجانب الذي يطغى، وعن صواب، هو متى يعترض القائد الذي يحاول دخول السياسة طريقه بنفسه لأنه يشعر بأن ثأره لعدوّه يأتي في المرتبة الأولى فيفقد صوابه، ومن ثم حياته، في سبيل اندفاع جلّه عاطفي؟
فاينس نقل الأحداث كما وردت في المسرحية، لكنه بنقله لها زمنياً أمد الفيلم ببعد جديد. الماثل ليس تراجيديا شكسبيرية الملامح بقدر ما هو فيلم معارك وحروب يمضي بعيداً في عنف المواقع. ما يحفظ للفيلم عنفوانه هو أن المخرج لا يغفل متابعة شخصيته الرئيسية، كوريولانوس التي يقوم بتشخيصها بنفسه، ومحاولاته التي تنطلق أولاً من فصل نفسه عن السياسة، بعد انتصاره ضد عدوّه تالوس (جيرارد بتلر) ثم من قبوله بمنصب سياسي قبل أن يمضي في محاولة الإنتقام من عدوّه ذاك ثم تلبّد تلك الرغبة حين يجد لزاما الإنضمام إليه في حربه ضد المصالح السياسية قبل أن ينتهي وإياه في منازلة أخيرة.
مع زوجته جسيكا شستين
يخرج فاينس مشاهده بمطرقة هاوية على الأبصار والآذان والأدمغة. ليس لديه وقت للتفنن، لكن عمله في الوقت ذاته ليس رديئاً، وإن كان يبحث لنفسه عن ناصية أسلوبية بصرية أفضل لا يستطيع تأمينها. لكن هناك شخصيات قويّة في تشكيلها النفسي والفني وفي تصرّفاتها. كذلك فإن الإبقاء على النص الشكسبيري من دون تغيير (بنفس قاموس مفرداته وتعابيره غير المستخدمة اليوم) يمنح العمل تميّزاً آخر من ناحية، وباعثاً على قدر من الإنفصام في المرامي كما لو أن فاينس يريد أن ينجز التاريخ والحاضر في الوقت ذاته. الأداء بمفردات شكسبيرية يختلف كثيراً عن الأداء في أي عمل آخر. هنا على الممثل أن يكون مرتاحاً مع اللغة ذات المفردات الخاصّة ومن الأفضل له أن يكون خبيراً مسلّحاً بسنوات من التدريب المسرحي. في هذا النطاق، نجد أنه في الوقت الذي تمثّل فيه السيدة ردغراف دورها ببراعة واقعية فائقة، فإن جسيكا شستَين لا تقل عنها تلقائيّة على الرغم من الفارق الكبير سنّاً وتجربة بين الإثنين. جيرار بتلر المعروف بأدواره البعيدة عن هذا النوع من الأعمال، نجده ممتزج جيّداً فيه كما الحال مع رالف فاينس الذي يؤم عمليه (وراء وأمام الكاميرا) بقدرة مدوّية مع اختلاف أنه وراء الكاميرا كان يحتاج إلى أسلوب توغّل في الأحداث لا تتيحه اللكنة الهادرة للفيلم. لكنها قد تكون رؤيته للمسرحية التي يجب إحترامها في كل الأحوال.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2008- 2012

No comments: