فيلم ريدر كافيه

الوضع الغريب لتوني إردمان


شاهدت «توني إردمان» مرّتين، الأولى في مهرجان "كان" والثانية عندما كان لابد لي من مراجعة رأي سلبي كوّنته في المرّة الأولى بعدما وجدت أن حماسة النقاد الغربيين للفيلم فائقة وبدرجة غير اعتيادية. المشاهدة الثانية أكدت استنتاجات الأولى: هو فيلم ثرثرة حوارية طويل مؤطرة بكادرات شغل تلفزيوني ومعالج بقدر كبير من الإسترسال حول نقطة لا تنتهي.


لكن هل يعقل أن يكون ناقد واحد، أو بضعة نقاد، على حق والمعظم الكاسح على خطأ؟ الجواب أن المسألة ليست من هو صاحب الرأي الصحيح مقابل من هو صاحب الرأي الخطأ، وبالتاكيد ليست المسألة نسبية. هناك الكثير من الأفلام التي تنال إعجاب ناقد ما ليجد نفسه وحيداً فوق جزيرته بينما يرى النقاد الآخرون أن الفيلم لا يستحق أي إعجاب يذكر، والعكس صحيح كما في حالة «توني إردمان».


نعم، هو نظرة (شبه) كوميدية سوداء عن أوروبا اليوم (متمثلة بألمانيا تبعاً لهوية بطليه الأب وإبنته) وعن إختلاف الأجيال لكن من بعد نصف ساعة من تداول هذه النقطة الباقي هو إسترسال مع قليل مما يمكن البناء عليه. حتى مع التقدير لهذا المضمون ولما سعت المخرجة مارن أدَ لإنجازه على صعيد تقديم مواقف تحمل تناقضاً بين الجيلين والمفهومين، إلا أن الفيلم ليس المضمون إلا بمقدار. الأهم هو كيفية معالجة هذا المضمون وإذا ما تم صنع فيلم جيد عنه أم لا.


معظم ما هو منشور من مقالات إعجاب لهذا الفيلم قائم على الإعجاب بالفكرة وبالمضمون مع إعتراف البعض بأن الفيلم (قرابة ثلاث ساعات) أطول قليلاً مما يجب. كما لو أن هذه النقطة بالتحديد أطول قليلاً») ليست ذا أهمية عندما تبحث في المدّة التي استغرقتها المخرجة للوصول من أ إلى ب.


Saturday, June 18, 2016

المنعطف لرفقي عساف | فيلموغرافيا كن لوتش | 10 أفلام من 1967



------------------------------------------------------------------------------------------
العدد 238 | السنة 8
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Screen  1
[أفلام عرض أول]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إخراج رفقي عساف 
فانتازيا  | الأردن، الإمارات، مصر (2016)  
★★★  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 الفيلم الطويل الأول لمخرجه حكاية حول واقع محكي عنه بصمت بليغ   


«المنعطف» هو الفيلم الروائي الأول لرفقي عساف. مفاجأة رائعة كتبها المخرج نفسه وتستطيع أن تربطها بمسارات وذكريات خاصّـة به (في النهاية إهداء لأبيه الذي نرى بطله يتذكره في أكثر من مشهد) كما بملامح من الحياة العامّـة في رحى الحاضر القلق الذي تعيشه دول عربية. مثل الفيلم الجيد الآخر «آخر أيام المدينة» لتامر سعيد، فإن الشكوى الذاتية لبطله هي ذاتها لشركاء آخرين من أوطان أخرى. تجتمع تحت مظلة الهم الواحد والطموحات التي لا تتحقق.
يؤدي أشرف برهوم دور رجل منطو أسمه راضي يعيش في عربة فولسفاكن زرقاء مركونة  في خربة في مكان مقفر بين التلال. في الليل يقرأ على مصباح بطارية ثم ينام بلا غطاء. لكن المخرج شاء أن يبدأ فيلمه بلقطات لبحر وتلال بعيدة وشمس غاربة. تسجيل مبكر (وفي محله) لنبرة الفيلم التي ستكسوه من بدايته إلى نهايته. 
كذلك هناك لقطات ذكريات لصبي وأبيه (المشار إليها أعلاه) ثم تقاطع مع مشهد إمرأة تركب سيارة أجرة لإيصالها من عمّـان إلى دمشق حيث تعيش في مخيم اليرموك. تطلب من السائق تخفيف السرعة لكن هناك موّالاً في بال السائق والراكب الذي بجانبه. يحل الليل وتميل السيارة خارجة عن الطريق العام. ها هي تتوقف عند الخربة التي يعيش بينها راضي. يسمع صراخ المرأة. يرتبك لكنه يضيء أنوار السيارة ساطعة فيهرب الرجلين بعدما حاولا سرقتها والإعتداء عليها.
اللحظات التالية مهمّـة بالنسبة للتحول الذي يطرأ على حياة راضي. الفتاة، وأسمها ليلى (تقوم بها فاتنة ليلا بجدارة) تخبط على زجاج الڤان مستجدية بأن يفتح لها من في الداخل الباب خوفاً من عودة الشريرين. راضي لا يريد فتح الباب لأنه خائف بدوره من أي طارئ يغير نظام حياته الفردي. يفتح الباب غصباً كونه  بنى حياته على العزلة وعدم الإختلاط مع الآخرين. 
يوافق على إعادتها، في صبيحة اليوم التالي، إلى مدينة إربد (نفهم أنها انطلقت منها)  وهي سريعاً ما تثق به (والفيلم يبرر هذه الثقة جيداً). على الطريق يتوقفان لراكب ثالث  أسمه سامي (مازن معضم)، مخرج تلفزيوني غير معروف تعطلت سيارته المتوجه إلى المدينة ذاتها. ورحلة الطريق تستمر من هنا بكل ما يخالجها من أوضاع ثلاث شخصيات كلها تعاني من ماض بدأ قبلها وسقطت ضحيته: راضي الفلسطيني الذي لا يزال يحن إلى أبيه وليلى الفلسطينية أيضاً التي تعيش في مخيم اليرموك  في دمشق  وسامي الذي غادر لبنان خلال حرب 2006 وعوض تحقيق أفلام كما يريد تحوّل إلى مخرج تلفزيوني غير معروف. 
الثلاثة جيّـدون ضمن المتاح من عمق شخصيات. برهوم الباني حضوره على الصمت والممثلة فاطمة التي تلتقط بنظراتها التفاصيل غير المحكية التقاطاً جيداً. هناك أكثر من الماضي الشخصي في هذا الفيلم كما يكشف مشهد دخول شرطي على الخط وما يصمت الجميع عن الحديث عنه من إيحاءات الواقع. 
بحشرية يفرض الشرطي الذي التقطه راضي عن الطريق اضطراراً الصفة السلطوية. يبتسم وهو يسأل راضي وراكبيه التعريف كل عن نفسه. ويتوقف عند أسئلة استطلاعية تعوّد عليها في سلكه. يسأل عن العلاقة (غير القائمة) بين ليلى وسامي، ثم يحاول استكشاف تاريخ سامي الشخصي ("أين تعيش"، "في الضاحية"، "آه… حزب الله.. شيعي") وعندما يعلم أن ليلى تعرضت لمحاولة سرقة يصر على أن تفتح محضرا أول وصول المجموعة إلى مركز الشرطة (يختاره المخرج مبنى مخفياً وسط أشحار كما لو كان مكاناً سرياً).
يوفر المخرج مشاهد "فوروورد" استباقية ناجحة توقيتاً يستخدمها إستشرافاً لما سيقع في النهاية ولو أن الأحداث المؤدية إليها لا تحتاجها كتفعيل كون الفيلم غير مبني على التشويق. أسلوب المخرج هادئ والتصوير جيد لا يشوب لحظاته إلا موسيقى خالية من البحث قافزة منذ بدايتها إلى النتائج ومتكررة بالمنوال ذاته أكثر من مرّة.

إنتاج رولا ناصر ومحمد حفظي | سيناريو رفقي عسّـاف. تصوير بيوتر جاكسا | توليف: دعاء فاضل | موسيقا: سعاد ساهر بشناق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


No comments: