خمسة أفلام لخمسة نجوم ضد النجومية

لم يحدث لممثل أن أعرب عن أنه ضد النجومية لأنه في الحقيقة معها. لكن بعض الممثلين رفضوا قبول الأوسكار على أساس أنه يحوّل المواهب إلى ما يشبه سباق الجياد. التالي خمسة ممثلين مشهورين لعبوا أدواراً حاولوا فيها التعبير عن أنهم فنانون وليسوا مجرد نجوم شهرة:



مارلون براندو: Apocalypse Now رأس حليق ووزن زائد في دور قائد عسكري شرير. روبرت دينيرو: Raging Bull أدى دور ملاكم يكره نفسه وقام بزيادة وزنه لدرجة عدم اللياقة البدنية. بول نيومان: Cool Hand Luke عرض نفسه للكثير من الجهد في سبيل تمثيل دور سجين محكوم بالمؤبد بيرت رينولدز: Boogie Nights بعد جولاته كبطل دائم تحوّل رينولدز إلى ممثل مساند لأول مرة عبر هذا الفيلم سلفستر ستالون: Cop Land بحث طويلاً عن دور مختلف عن أدوار روكي ورامبو ووجده في هذا الفيلم.


Wednesday, December 31, 2008

Issue 1 | The Day the Earth Stood Still (2008)| The Day the Earth Stood Still (1951)| Australia| Robert Mulligan | The Stalking Moon


فيلم ريدر.... لماذا توقّفت ولماذا عادت؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Action
هناك حياة واحدة يعيشها المرء على الأرض. الحياة الأخرى ستختلف تماماً والله وحده الذي يعرف كيف تختلف وكيف نختلف نحن أيضاً٠ لكن طالما المرء على قيد هذه الحياة فوق هذه الأرض فإن أقل ما يستطيع أن يفعله هو التقاط حلم وتمضية حياته في الحياة فيه٠ يهم كثيراً أن يتحقق حلمه وبل عليه أن يسعى لتحقيقه. هذا يبقى أفضل بكثير من التخلّي عن الحلم بدوافع مفتعلة وانهزامية او عدم الحلم أصلاً٠
فيلم ريدر هي حلم »إلكتروني« إذا شئت وجزء من الحلم الأكبر بالعمل لنشر الثقافة السينمائية. وهو ليس حلمي وحدي بل حلم الكثير من السينمائيين نقاداً ومخرجين وممثلين وسواهم- إنما مع اختلاف الوسائل واختلاف المناهج٠
بالنسبة اليّ فإن الفراغ الناتج عن عدم وجود نافذة نقدية بانورامية الهدف والعمل بأي وسيط، إلكتروني او سواه، ازداد حين توقّفت »فيلم ريدر« الأولى. وهي توقّفت بسبب الوقت. الآن تعود ليس لأن الوقت صار متاحاً، بل لأنها ستنتظم أسبوعياً بمواد كثيرة متعددة بحيث يستطيع القاريء إذا شاء العودة الى المجلة على أكثر من يوم إذا ما أراد٠
وهي تعود بثلاثة عواميد لكي تستطيع ضمان هذا التنوّع. اختلافها عن »ظلال وأشباح« أن تلك سينمائية شاملة وهذه نقدية محضة ولو أنها تشمل كل الأنواع من كل مكان وزمان كما هو منهجي في عملي. السينما بلا حدود٠
Cut


أفلام معروضة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Day The Earth Stood Still (2008) **1/2
إخراج: سكوت دريكسون٠
ممثلون رئيسيون: كيانو ريڤز، جنيفر كونلي، كاثي بايتس
نقد: محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


السينما التي تنبّأت بموت الحياة على الأرض غالباً ما اتخذت لهذا التنبؤ أسباباً محقّة متوزّعة بين السبب العلمي (نيزك سيرتطم بالأرض ما يستدعي تفتيته) والسبب السياسي (أهل الفضاء يريدون تدمير الأرض غيرة وحسداً او استيلاءاً على أرواحه)٠ في السبب الثاني، ومنذ الأربعينات وخصوصاً في الخمسينات، تعالت نسبة الأفلام التي صوّرت أهل الأرض ضحايا لمؤامرة من خارج الكوكب التي رمزت، في الكثير من الأحيان، الى الخطر الشيوعي الذي كانت الولايات المتحدة أخذت تشعر به وتحاربه بدءاً بمحاكمات مكارثي وما بعد٠
فيلم روبرت وايز »اليوم الذي سكنت فيه الأرض« عن سيناريو إدموند نورث سنة 1951 كان مختلفاً (كما سيمر معنا في عرض الفيلم) من حيث أن رسالته لم تخف تعاطفها مع الغزو الفضائي محمّلة المسؤولية الى أهل الأرض. ففي الفيلم المذكور، تضطر فدرالية الكواكب المحيطة إرسال إنذار سلمي الى أهل الأرض بوقف الحروب فيما بين أممهم إذا ما أرادوا البقاء على سطح هذا الكوكب٠ للتدليل على جدّية الخطر تتجمّد الحركة على سطح الأرض بمجرد الرغبة في ذلك٠
كانت جرأة، آنذاك، الخروج عن المألوف (الأرضيون الأميركيون أخياراً- الغازون من الكواكب الأخرى أشراراً) ، صوب رسالة معكوسة. اليوم، لا يمكن أن يكون تقديم هذه الرسالة في فيلم جديد الا ضرورة تحتّمها الأوضاع الحالية٠ ذلك أن العدو الحقيقي ليس الخطر الشيوعي الذي برز في معظم الأفلام المشابهة حينها، بل الخطر الكامل في عنف البشر ضدّهم ضد بعض٠
الفيلم الجديد، من إخراج سكوت دريكسون، جيّد الصنعة وجيّد الإخراج لكنه لا يترك التأثير الكبير في رسالته من ناحية ولا يحمي نفسه -في نهاية الأمر- من الإنسياق وراء الرغبة في استعراض المؤثرات المصنوعة على الكومبيوتر بغاية الإبهار٠
في الجانب الأول، فإن الأحداث المساقة هي ذاتها في الخطوط العريضة: مركب فضائي كبير يحط وسط نيويورك ومنه ينزل مخلوق له ملامح بني البشر ووراءه روبوت عملاق٠ رسالة المخلوق الأول وأسمه كلاتو، ويقوم ببطولته كيانو ريڤز، هي دعوة البشر الى السلام. لكن استقبال أهل الأرض (ممثّلين بالحكومة الأميركية) تقليدية من حيث قفزها الى المواجهة المسلّحة عوض التواصل السلمي ما يُثير كل من كلاتو والروبوت غورت منفصلين. الأول يُقاد الى مستشفى ومن هناك الى موقع عسكري والثاني الى الموقع العسكري لاحقاً. كلاتو يسيطر على الوضع ويهرب من معتقلة ويتواصل مع العالمة هيلين (جنيفر كونلي) التي كانت أكثر المتّصلين به استعداداً لسماعه. هناك جزء من الفيلم يشكّل الفاصل بين التمهيد والنهاية ويحتوي على سمة المطاردات فالسلطات الأميركية مجيّرة لإعدامه رافضة الحوار معه وهيلين (التي يصاحبها إلولد الذي تبنّته بعد موت والده في حرب العراق) تحاول إقناع السلطات بأن تستمع الى رسالة تحذير المخلوق وتحاول إقناع المخلوق بعدم البدء بعقابه لأهل الأرض ومنح الناس فرصة أخرى٠
من ناحيته، يتعرض الروبوت لإطلاق نار مكثّف من راجمات صواريخ وطيران ومدافع دبابات وحتى من رصاص مسدّس وكلها بالطبع لا تخترق أي جزء فيه. على أي حال، ينجح العسكر في احتجازه لفترة لدراسته لكن هذا قبل أن يتحوّل الى صراصير معدنية تنطلق وتتضاعف وتهاجم ضواحي نيويورك وتبدأ بالفتك بالناس٠

عند هذا المشهد تلتقي اللحظة بتلك التي وردت في »المومياء« الأول حين هاجم الجراد مصر كما في التوراة عوض أن يبحث صانعي هذا الفيلم عن وسيلة جديدة لإظهار قوّة وبأس ذلك الروبوت. الفيلم السابق اكتفى بجعله آلة منيعة تستجيب فقط لأوامر المخلوق الفضائي، لكن هذا الفيلم أراد استثمار التقنيات الحديثة في الوقت الذي كان من المفترض به أن يواصل الفيلم ابتعاده عن المألوف والإتيان بنهاية أكثر تميّزاً تحفظ للفيلم رسالته٠
هذا وحقيقة أن الشخصيات مرسومة بخطوط مستخدمة فعلاً في أفلام عدّة وأن إداء كيانو ريڤز معزول بمنأى عن أي انعكاسات نفسية او عاطفية يجعل الفيلم أقل نجاحاً، على الصعيد الفني العام، مما كان يجب أن يكون. إنه أمر يدعو للأسف لأن الفيلم في كيانه يختلف عن تلك التي تحدّثت عن مخلوقات الفضاء كوحوش او مخلوقات شريرة. رغم ذلك، يسمح الفيلم لنفسه أن يترك التميّز جانباً الى حد محاولاً التركيز على تلك المؤثرات من دون أن يعمد الى تقوية إحدى الرسالتين الإنسانية او السياسية في الوقت ذاته. لكن شغل المخرج هنا أفضل من شغله على فيلمه السابق
The Exorcism of Emily Rose
الا من حيث قدرته على التعامل مع الممثلين بعمق ودراية. لكن ما يحدث على صعيد الرسالة هو بثّها أولاً ثم تركها تمر كإعلانات متباعدة. نعم واضح أن الفيلم يحذّر أهل الأرض من العنف وواضح أن أهل الأرض لا يعرفون سوى العنف وسيلة لفرض الرأي، وواضح أن الضحية ليس البشر فقط بل الكوكب الملوّث أيضاً. لكن المشهد الذي يكتشف فيه كلاتو أن أهل الأرض لهم وجه آخر (حين يرى عطف المرأة على الصبي) ليس مقنعاً ليكون بادرة تغيير رأيه وإيقاف تنفيذ العقاب٠ عوضاً عنه، كان يمكن لكلاتو أن يكون أكثر إطلاعاً من البداية وأن يتمسّك بمبدأه السلمي مهما كان التطبيق صعباً لكي يؤكد نجاح السلام إذا ما مُنح الفرصة٠
هناك مشاهد تبقى ذاتها كما في الفيلم السابق (علاقة كلاتو بالصبي والحوار بينهما في أحد المشاهد) لكن ذلك يتعثر في تسجيل نقاط عالية لصالح الفيلم لأن الصبي يبدو عنيداً من دون داع منذ البداية (في المقابل فإن الصبي في الفيلم السابق هو المتآلف والمتعاطف مع كلاتو ما منح الفيلم عطف المشاهدين أيضاً)٠
بينما المشهد الذي يتم بين كيانو ريڤز والعالم جون كليز أفضل. لا أذكر إذا ما كان هو ذاته المشهد في الفيلم الأصلي، لكنه ينطق بالحكمة الوحيدة في الفيلم: إنها قد تكون عادة بشرية متأصّلة أن يصل الإنسان الى الحضيض قبل أن يرتفع مجدّداً. هذه الرسالة جعلتني أفكر بأمر مماثل: الألم قد ينجح في صنع إنسان أفضل أكثر مما تستطيع السعادة أن تفعل٠

CREDITS
Director: Scott Derrickson
Cast: Keanu Reeves, Jennifer Connelly,
John Cleese, Jaden Smith, Jon Hamm,
Brandon T. Jackson and Kathy Bates
Screenwriter: David Scarpa .
Cinematographer: David Tattersall (Color)
Editor: Wayne Wahrman (103 m).
Music:Tyler Bates.
Production Designer: David Brisbin
Producers: Paul Harris Boardman, Gregory Goodman and Erwin Stoff
Genre: Science Fiction
Distributor: 20th Century Fox [USA- 2008].



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Australia (2008) **
إخراج: باز لورمَن
ممثلون رئيسيون: نيكول كيدمان، هيو جاكمان٠
نقد: زياد عبد الله (الإمارات اليوم)٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أن تقع على فيلم عنوانه «أستراليا»، فهذا يعني أنك أمام فيلم ملحمي، له أن يكون تأريخاً جمالياً لهذا البلد الحديث، أو القارة، بكل ما شهدته من صراعات وهجرات، وعلى هدي هكذا اعتقاد، ستأخذ الحكاية التي تطفو على سطح الشاشة بملامح من عنوانه الذي يحتكر قارة على مدى 162 ساعة٠

كل ما تقدم أفكار مسبقة سرعان ما تكتشف عدم صوابها لدى المشاهدة، فالفيلم الذي يعرض حالياً في دور العرض المحلية، يتخذ من الميلودراما الرومانسية، التي أكل الزمن عليها الزمن وشرب، معبراً لتحقيق الأوهام التي بدأنا بها، وعينه ربما على فيلم مثل «ذهب مع الريح»، وليذهب كل ما نشاهده مع الريح من دون أن يعود أبداً، ولتعجز 150 مليون دولار، هي ميزانية الفيلم، عن إحداث أية مشاعر مناقضة لذلك، إضافة إلى طول فترة تصوير الفيلم الذي له أن يكون ثلاثة أفلام في فيلم٠

المغامرة والحب والحرب لها أن تشكل محاور الفيلم الرئيسة، مضافاً إليها السحر والخوارق مع سكان أستراليا الأصليين، ومعها أيضاً «الويسترن»، ولنكون في النهاية أمام قدوم سارة أشلي (نيكول كيدمان) من لندن إلى أستراليا للحاق بزوجها المتواري عنها، بحجة إدارته مزرعة نائية لهما كما تقول، ولعل ما حمله أول ثلث ساعة من الفيلم يختلف تماماً عما سيتبعه، فبعد أن يكون الراوي طفلاً صغيراً نشاهده يروي حكايته، وتعاليم جده والسحر الذي يعلمه له، وصولاً إلى لحظة هربه بعد أن يكون شاهداً على مقتل رجل أبيض، تمضي الأحداث نفسها التي رواها الطفل من جهة سردية أخرى في تتبع لرحلة سارة وكيف تصل إلى أستراليا، والمزرعة التي يعيش فيها الطفل، وتعرفها إلى دروفر (هيو جاكمان)، ولنكتشف أن الرجل الأبيض الذي يقتل هو زوجها، وعليه تصير مطالبة بإدارة المزرعة، وتحديداً بعد اكتشاف شرور القائم عليها، والذي سيكون قاتل زوجها٠

كل شيء على ما يرام، وما نشاهده محمّل بكل ما يشد انتباهنا ويمتعنا من خلال السرد الرشيق، والتنويع عليه، وصولاً إلى حادثة غرق أم الصبي عند هربهما من الشرطة، الذي يعيش هرباً دائما كون الشرطة ستبقض عليه، لا لشيء إلا لكونه من السكان الأصليين ومصير كل طفل أصلي، هو في إرساله إلى البعثات التبشيرية، وفصله تماماً عن محيطه٠

بعد ذلك، تبدأ رحلة سارة، ومعها دروفر، في النجاح بنقل قطيع الأبقار إلى الميناء مع تفاصيل صراعهما مع الطبيعة، ومن ثم الأشرار، وبالتأكيد نجاحهما في النهاية كون كل الوصفات الجاهزة للأحداث كانت حاضرة بقوة، ومعها نشوب الحب بين دروفر وسارة، وفي النهاية تأتي الحرب واليابانيون الذين يقصفون بلا رحمة، والنهاية السعيدة التي ينتصر فيها الأخيار على الأشرار، والتئام الشمل بعد هجران دروفر لسارة وأخذ الصبي الذي تتعلق به سارة إلى البعثات التبشيرية٠

فيلم «أستراليا» الذي أخرجه باز لوهرمان أراد أن يقدم كل شيء، فضيّع كل شيء، وبكلمات أخرى أراد أن يكون وفياً للمغامرة والحرب والويسترن، فاستقدم كل أعراف هذه الأنماط ولم يقدم أي جديد ولعل روحه الدرامية أقرب إلى الدراما التلفزيونية٠


CREDITS
Director: Baz Luhrmann
Cast: Nichol Kidman, Hugh Jackman, Shea Adams, Ray
barrett, Bryan Brown, Tony Barry.
Screenwriter: Baz Luhrmann, Stuart Beattie, Ronald
Harwood.
Cinematographer: Mandy Walker (Color)
Editor: Wayne Wahrman (165 m).
Music: David Hirschfelder.
Production Designer: Cartherine Martin
Producers: G. Mac Brown, Cartherine Knapman, Baz
Luhrmann.
Genre: Melodrama
Distributor: 20th Century Fox [USA- 2008].




أستعادات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Day The Earth Stood Still (1951) ****
إخراج: روبرت وايز
ممثلون رئيسيون: مايكل رني، باتريشا نيل، هيو مارلو
نقد: محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


فيلم روبرت وايز عن سيناريو إدموند هـ نورتون مكتوب ومنفّذ بذكاء٠
Intelligent ذكي بمعنى
Smart وليس ذكي بمعنى
كتابته تؤسس لفيلم مختلف تماماً عن أترابه في الخمسينات ومختلف الى اليوم عن أترابه، من أفلام الخيال العلمي الحالية، وعلى وجه الخصوص عن النسخة الجديدة التي تم تحقيقها عن السيناريو القديم ٠
لابد أن روّاد الخمسينات فوجئوا بذلك الفيلم الذي يتجاوز ما كان منتشراً من اعتبار الشيوعية هي الخطر الأول كما غزلت معظم أفلام النوع آنذاك معتاشة على ما كانت واشنطن تبثّه من أفكار ومخاوف بين الناس٠ في أحد مشاهده ينتقد التفكير الجاهز لدى الغالبية نافياً أن يكون الخطر الخارجي خطراً شيوعياً. فعلى طاولة عشاء تقول إمرأة تعتقد أنها تعرف كل شيء (تماماً كبعض نقّادنا) »أراهن على أن المخلوقات مُرسلون من »اولئك« الناس... تعرف من أقصد"٠ لكن هذا الرأي لا يجد من يؤيده فعلياً في ذلك الموقف وإن لم يغيّر ذلك رأي السيّدة٠
لكن الفيلم يثق بالناس العاديين كما بالمثقّفين. وهذا أيضاً أمر آخر يختلف به عن تلك الأفلام التي ساد الصراع البشري فيها بين العلماء والعسكر فانتصرت للعسكر على أساس أن الحل النموذجي (إبادة الغزاة الفضائيين) يكمن فيها. فحين يتعذّر على سياسيي العالم المتناحرين الإجتماع لسماع الرسالة التي يحملها كلاتو من على بعد ملايين الأميال، يسارع العلماء للغاية ذاتها مقدّرين المسؤولية٠
هنا، رسالة كلاتو واضحة: إذا لم يتوقّف أهل الأرض عن استخدام العنف كوسيلة تفاهم بات على أهل الفضاء القضاء على الحياة٠ وللبرهنة على قدرات أهل الفضاء يتم قطع الكهرباء عن كل الكرة الأرضية نصف ساعة (من الثانية عشر الى الساعة عشر والنصف ظهراً) ويلتقط وايز مشاهد عدّة لكي تعكس ذلك بعضها يبدو مسكوناً بالخطر والوعيد. أمر احتاج الفيلم الجديد ساعتين لعرضه من دون أن ينجح في ذلك٠ الحقيقة أن النسخة القديمة تبرز نقاطها ورسالاتها من دون جهد ومن يشاهدها اليوم جنباً الى جنب النسخة المستحدثة يدرك لماذا كانت سينما الأمس تستطيع بلوغ ما تتوخّاه من أهداف أكثر مما تفعل معظم أفلام اليوم الأميركية: أنظر الى تلك المشاهد المبنية بتؤدة ودراية. الى كيف تتبلور القصّة من دون تسريع او تأخير وكيف أن ذلك يؤدي الى دخول المشاهد الى قضيّة الفيلم دخولاً طبيعياً يناسب إيقاع حياته٠ هذا في مقابل تكوين غابة من اللقطات المتسارعة الممزوجة بموسيقى لا تسمع منها سوى ضجيجها. كل عناصر الفيلم الحالي تعمل على أساس أن تكون مؤثرات بصرية او صوتية، لكن الأفلام الجيّدة السابقة كانت تقدر أن تبنى كياناً متعدد المصادر والغايات بنحو أسلوبي لا رخص فيه٠
أيضاً يغيب عن الفيلم الجديد واحد من أهم عناصر الفيلم السابق: المساحة الإنسانية بين البشر. علاقة كلاتو كما يؤديه كيانو ريڤز بمن حوله (وأقربهم الطبيبة وإبنها) علاقة باردة. علاقة كلاتو، كما أدّاه مايكل رني، الذي هو -للمناسبة- أفضل تمثيلاً من ريڤز، زاخرة بالملاحظة الواقعية. إذ عليه أن يبدو شكلاً آدمياً لم لا يكون تصرّفه أدمي بالتالي؟
لكن المساحة الإنسانية ليست بين علاقة كلاتو بالمرأة وإبنها. في بعضه، يتبلور الفيلم عن متابعة لحياة عائلية فيها الحذر والحب والأنانية. كلاتو هذا هو »غريب في بيتنا« يواجه معضلات المرء مع مبهمات الأمور بنفس الدرجة من المشاعر٠ صديق المرأة يغار منه ولاحقاً يكشف عن أنانيّته وغيرته على مصلحته وليس مصلحة المجتمع أيا كان بما في ذلك مصلحة المرأة التي يقول لها »أحبّك«٠
نقاد الغرب وجدوا أن كلاتو رمز للمسيح الذي سيعود ليطلب من أهل الأرض التصالح والسلام عوض القتال والفتنة. وأسباب هذا التفسير واضحة: يصل كلاتو الأرض حاملاً رسالة من بعيد٠ قبيل النهاية يتم إطلاق النار عليه، لكن الروبوت الذي معه يحمله الى داخل المركبة ويعيد الحياة اليه. يعود كلاتو الى الناس بآخر تحذير لهم قبل أن يُغادر بعيداً٠
رغم أن هذه القراءة صحيحة بدورها، الا أنها تؤدي الى تقزيم فيلم نجاحه كان في شموليّته وتعدد نماذجه البشرية٠ رسالته تلتقي مع أي دين في فطرته لكنها تؤمن بأن الإنسان العادي أكثر إدراكاً وحكمة من السياسي الذي يتطلّع دائماً الى مصالحه الخاصّة حتى حين يعلن الحرب لأسباب بعيدة٠
إذاً، بميزانية لا تتعدّى المليون و 200 ألف دولار وبتصوير أبيض وأسود من ليو توڤر (ليس عظيماً لكنه مناسب) ومونتاج هاديء في الظاهر عميق الأثر من وليام رينولدز، وكتابة ذكية من إدموند نورتون، أنجز وايز عملاً سيعيش أكثر من النسخة الجديدة الأكبر في كل شيء ما عدا الجودة الفعلية٠


CREDITS
Director: Robert Wise
Cast: Michael Rennie, Patricia Neal, Hugh Marlow,
Sam Jaffe, Billy Gray.
Screenwriter: Edmund H. North.
Story: Harry Bates.
Cinematographer: Leo Tover (B/W)
Editor: William Reynolds (92 m).
Music: Bernard Hermann
Producers: Julian blaustein
Genre: Science Fiction
Distributor: 20th Century Fox [USA- 1951].



مخرج وأفلامه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Robert Mulligan | روبرت موليغن

كنت قدّمت، في مجلة »ظلال وأشباح«، تحية خاصّة للمخرج الراحل روبرت موليغن الذي ترك حين غادر هذه الحياة عشرين فيلماً وصيتاً طيّباً كمخرج جيّد منخفض الصوت٠
هنا قراءة لسينماه مع نموذج منفصل لأحد أفلامه


قبل أن يكون روبرت موليغَن ضحية انقطاع الكهرباء عنه أكثر من مرّة خلال مسيرته السينمائية لدرجة أن العديد من ستديوهات هوليوود لم تكترث لمنحه الفرصة التي منحتها لغيره من ذات مستواه (لنقل سيدني لوميت او جون فرانكنهايمر) هو ضحية نقاد السينما في بعض الغرب وفي كل بلاد العرب. هناك غطاء حجب ولا يزال روبرت موليغَن عن أنظار النقاد العرب. معظمهم لأنهم لم يصلوا إليه او شاهدوا فيلماً واحداً له لا أكثر٠ ليس أني أقدّم الأعذار لهم، لكن المسألة مهمّة ساعدت في إبقاء هذا المخرج بعيد عن متناول المثقّفين العرب٠

روبرت موليغَن لم يتخصص في لون واحد: في أفلامه تجد الدراما الإجتماعية مثل »لكي تقتل الطائر المقلّد« والعاطفية مثل »الحب مع الغريب المناسب« والوسترن (»القمر المقتفي«) والرعب (»الآخر«) والدراميات الخفيفة (»صيف 42«) الخ... لكن على الرغم من هذا التباين وعدم العمل على نحو معيّن من الأفلام، هناك وحدة المبدع التي هي أول ما تجده عند السينمائيين الجيدين. هناك خط متّصل يربط كل هذه الأفلام وغيرها يعبّر عن وحدة مفهومه ونظرته الى الحياة في ذات الوقت٠
موليغَن ينص في أفلامه على أن العالم المحيط بأبطاله ليس عالماً عادياً. هناك ما يستوجب الخوف من ذلك المحيط. عالم غير طبيعي يخشاه العديد من أبطاله والخوف منه يتسلل الى المشاهد من دون أن يكون الفيلم فيلم رعب٠
Summer of 42 خذ مثلاً
في كيان الفيلم الشبابي الذي يمضي مثل كوميديا المواقف العاطفية من نوع البدء بالخطوة الخطأ في سبيل العلاقة لنكتشف لاحقاً، ومع بطله، أنها البداية الصحيحة، ذلك الحس بعالم غير مألوف. عالم في صلبه حزين ووحيد. كلا الصفتين موجودتان في تمثيل جنيفر أونيل صحيح. لكنهما موجودتان في بلد يعيش الحرب حيث أمثال المرأة الشابّة التي تركها زوجها وأمثال بعض الأولاد المراهقين الذين لا يعرفون ما الذي يحدث والذي ذهب آباء بعضهم للحرب، أيضاً٠
في فيلم موليغَن الأول
Fear Strikes Out (1975)
تطرح المسألة ذاتها على بطل الفيلم أنطوني بركنز: شاب كان مقبلاً على حياة رياضية واعدة عندما بدأت ضغوط الأب من ناحية واحباطات الحياة من ناحية أخرى بالتأثير عليه. بعد قليل يجد نفسه محاصراً بالأزمات وردّة فعله هو التوحّد بعيداً عن عالم لا يستطيع أن يألف له او يثق به٠
لا يتوقّف موليغَن عند متابعة حال أبطاله حين يتوحّدون. لا يغيب عن بال من شاهد »صيف 42« أن المشاهد الأولى مشاهد وحدة وهي ليست وحدة عاطفية فقط، بل وحدة اجتماعية. موليغَن يرصد حالات أبطاله لكنه لا ينسى أن يخلق الصورة الإجتماعية من حوله التي هي أكثر دكانة ومدعاة لعدم الثقة مما كان المشاهد يعتقد حين أمّ الفيلم٠

موليغن من ذات الجيل التلفزيوني الذي أنتج جون فرانكنهايمر وسام بكنباه وسيدني بولاك وسيدني لوميت والعديد سواهم. لكن في سنوات مهنته السينمائية التي امتدت من الستينات الى النصف الثاني من الثمانينات، برهن على أنه واحد من أفضلهم- وهذا سهل إثباته وبصدده، وواحد من أكثرهم هدوءاً وتفضيلاً للأضواء غير الساطعة. لا أدري إذا كان ذلك معروفاً عنه ولذلك لم تستوعبه هوليوود كاملاً وحثيثاً او أنه هو الذي لم يسع لكي يطرح نفسه بإلحاح أترابه وبالتالي لم يعالج أفلاماً بمواضيع كبيرة وبميزانيات عالية حتى بالقياس لميزانيات الستينات كما فعل الباقون٠
لكن هذا الإبتعاد عن الخط الرائج والصوت المرتفع الذي عمد إليه آخرون ربما يفسّر تحبيذ موليغَن للأبطال الذين -مثله- يعالجون إحباطات الحياة بالعزوف قدر الإمكان عنها٠
مهما كان الأمر هنا موليغَن حمّل أفلامه شخصية خاصّة من إبداعه. وهذه الشخصية لا تترعرع في نطاق الحس بالعالم المحيط فقط، بل تتضح في نطاق اللغة الإبداعية ذاتها. في الصورة التي تحوي كل شيء أمام أعيننا وفي الترجمة الفنية لما يريد المخرج الوصول إليه على مستوى الرسالة الذهنية٠
لذلك تبدو محاولات أبطاله، وفي أفلامه كلّها أبطاله يقررون ما يريدون فعله في مواجهة الأزمة، للإبتعاد عن الترافيك البشري الذي يؤلّف العالم من حولهم، محاولات مقنعة وناجحة من دون أن تكون إنهزامية. إنه كمن لو كانت تؤمن بأن العالم المحيط لن يوّلد سوى لاأسى بالتالي من الأفضل الإنسحاب منه- وإذ يفعلون، فإن آخر ما في البال أنهم خسروا معركتهم مع الحياة. أبطاله ينسحبون من المعركة تجنّباً لها منذ البداية وحسناً يفعلون٠
كلهم يفعلون باستثناء شخصية المحامي في
To Kill a Mockingbird (1962)
إذ يفرض فهمه لحقيقة المحيط العنصري الذي يعيش فيه وللدور القانوني الذي عليه أن لا يتخلّى عنه كمحام الدفاع عن ذلك الشاب الأسود المتّهم باغتصاب وقتل فتاة بيضاء٠
In the Heat of the Night حين أخرج نورمان جويسون
سنة 1968 تعرّض لموضوع البلدة العنصرية والأسود المتهم والبريء واستعداد كثيرين للتضحية بالإنسانية لقاء الحفاظ على مواقفهم المضطهدة للسود. لكن رغم نقده الا أن فيلم جويسون يبقى تظاهري قياساً بفيلم موليغَن العقلاني والواقعي. هذا في الوقت الذي طاله فيه تهمة بعض النقاد إليه بأنه عاطفي بمعنى
Sentimental
Emotional وليس بمعنى
لكن المقارنة ترغب في استنتاج أن هدوء موليغَن وتواضعه ربما سحبا منه سلاح التأكيد على هويّته وشخصيّته الفنية. نوع من عدم ارتداء التي شيرت لإبراز عضلاته بل ترك ذلك لخيال النقاد في وقت معظم النقاد بلا خيال٠
في كل الأحوال، ملامسة المخرج للواقع في »مقتل طائر مقلّد« (هناك طائر أسمه موكينغبيرد ويستطيع تقليد زقزقات عصافير وطيور أخرى ومن هنا أسمه) انسحب على العلاقة بين المشاهد ومجموعة الأولاد التي تعيش ما يحدث وعلاقة ما يحدث بالمحامي. إنها نوع من البراءة على مفترق الطريق. هي أما ستتعلّم من المحامي حب الحقيقة وأهمية العدالة او أنها ستلوذ بأجواء القرية المتشبّعة عنصرية وضيق أفق٠
هناك طفولة ضائعة ومضطهدة في خلفية بطل »الخوف يضرب« (أنطوني بركنز) وأخرى مماثلة في خلفية Baby the Rain Must Fall بطل
(كما يؤديه ستيف ماكوين)
ثم هناك خوف كبير يلازم الولد في فيلم الوسترن
The Stalking Moon (1968)
وحين يصل الأمر الى سن المراهقة فإن الأمور ليست أفضل: الفيلم مليء بالمواجهات بين مجموعة الأولاد وبين عالم الراشدين كما سيمر معنا في قراءة بعض النماذج بتفصيل٠



نموذج
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


The Stalking Moon ***1/2
إخراج: روبرت موليغَن
تمثيل: غريغوري بَك، إيڤا ماري سانت، روبرت فورستر٠
1968
....................................................
الفترة التي أخرج فيها روبرت موليغَن هذا الفيلم مهمّة جدّاً بالنسبة لسينما الغرب الأميركي. آنذاك، معظمها ترك المنهج التقليدي السابق في الأربعينات والخمسينات. تحرر من تبعيات الإلتزام بالزمن والمكان والمواقف الأخلاقية، وكثير منها وضع في الصدارة أبطالا متعددي الألوان (طيّبون وأشرار في الوقت ذاته، رماديون، الخ...) وبعضها بحث في الميثالوجيّات من أوجه مختلفة او قدّم حكاية الأبيض والهندي كمحاكمة للعلاقة بين القوّة الطاغية وتلك الواقعة تحت البراثن ولو بعز وكبرياء٠
فيلم موليغَن »القمر المقتفي« ينتمي الى الفئة الأخيرة، لكن ذلك ليس جاهزاً للتصدير في الوهلة الأولى. سيناريو ألڤن سارجنت (عن رواية بنفس العنوان لتيودور أولسن) يمرر الرسالة تدريجياً والمخرج غير مستعجل لطرح الحالة، بل الحقيقة إنه يبقيها وراء الأحداث مخاطراً ببقائها مغطّاة وغير واصلة للجمهور٠
نحن في ولاية نيو مكسيكو سنة 1881 (كانت مقاطعة آنذاك) حيث تتألّف الشخصيات أمامنا سريعاً: إمرأة بيضاء وإبنها من زوجها الهندي كانا هربا من المخيّم حيث كانا يعيشان. في الحقيقة، وللدقّة، هي التي هربت أما إبنها الذي يبلغ من العمر نحو إثني عشر سنة (نولاند كلاي الذي لم يظهر قبل هذا الفيلم او بعده في أي فيلم آخر) ويعيش بالشيفرة الإجتماعية والسلوكية كهندي أحمر يجد نفسه مجبوراً على الهرب مع أمّه، لكنه يفضّل العودة الى أبيه لو استطاع٠ تلتقي سارا (إيڤا ماري سانت) بالكشّاف سام (غريغوري بك) الذي يعهد إليه الجيش بمساعدة سارا وإبنها الوصول الى مكان آمن٠ لكن الزوج يقتفي أثر المجموعة الى بيت اعتقدت أنه بعيد بما فيه الكفاية٠ هناك تقع أحداث نصف الساعة الأخيرة حيث على سام رد خطر الهندي ثم مجابهته وقتله٠
هناك خط عنصري يمر كسلك طويل يتّضح في مرّات قليلة لكن ليس مطلقاً على نحو بيّن بالصور. في الظاهر ما يقوم به سام طبيعي وهروب المرأة البيضاء من كنف زوج كانت تزوّجته من دون رغبة بعدما خُطفت صغيرة أمر طبيعي آخر. ميل الصبي للبقاء في كنف والده لا غُبار عليه (ولو أن المسألة المهمّة هنا هو الوضع الصعب الذي يمر به الصبي بين عالمين واحد يميل إليه وواحد سيؤول إليه). لكن ما يرسب في البال أن الهندي بدوره له الحق في زوجته وإبنه وأن موقف سام في نهاية مطافه هو موقف تعاضد مع المرأة البيضاء كونه أبيض بدوره. وضع سيق إليه وصاحبه بعد ذلك حب كان يفضّل لو لم يقع فيه٠
موليغَن بعيد جداً عن الخطابية واختيار بَك الذي سبق وأن لعب دور المحامي في قضيّة عنصرية هو الأمر الوحيد الذي يغذّي الخط المذكور ويمنح المرء تأكيداً على أنه خط مقصود بقدر ما هو خط أريد به أن يبقى في الخلفية. فكما أنت لست بحاجة، في نهاية الأمر، لنشرة تشرح لك كم دوافع جون واين عنصرية في حكاية
The Searchers
الذي أخرجه جون فورد حول رجل يبحث عن إبنة شقيقه الذي كانت خُطفت صغيرة من قِبل الأباتشي أيضاً، لست هنا بحاجة الى ذلك الخطاب او النشرة٠ من ناحية أخرى، اهتمام المخرج هو برصد العالم المتشابك حيث لكل واحد حق معيّن في موقفه وحيث الرجل الخارج من عزلته -حتى حين يعيش بين آخرين او يصاحبهم- ليجد أن ثمن الخروج من العزلة هو الوقوع في الحب وثمن الوقوع في الحب هو إصابة جسدية بفعل المعركة بينه وبين رجل لا يعرفه ولم يخطط مطلقاً ليكون عدوّاً له٠
هناك -في هذا الإطار- مشهد نرى فيه سام وهو يحاول ترك العائلة الصغيرة لمصيرها بشراء تذاكر لها لكي تنتقل بالقطار الى موقع بعيد. بعض النكهة الكوميدية الناتجة عن ملاحظة أن التذاكر التي على سارا وإبنها استخدامها للوصول حيث يقصدان تشبه شلالاً من الورق لكثرتها. لكن »المود« يتبدّل صوب الجديّة بذات الإنسياب حين يلتفت سام، وقد أصبح فوق صهوة فرسه مبتعداً وحده عن المحطّة. ينظر الى الخلف فيرى سارا وإبنها مزروعان على رصيف المحطّة في بيئة بالغة الغرابة حولهما. هنا يعود ويعرض عليهما مصاحبته الى مزرعته حيث يكون ذلك أشبه باستقبال العدو الى داخل داره إذ لا يعي الزوج الهندي طريقه لتقفي خطوات الثلاثة الى حيث يمضون٠
الفيلم مليء بمخاطر الإنحدار صوب السهولة والمزايدة عاطفياً كشأن العديد من أفلام المخرج الأخرى. لكن، وكالعديد أيضاً، يثق بقدرته على منح الفيلم معالجة تبقى أفضل من أن تسقط في المحظور. خذ المشهد نفسه حين يعود سام إليهما ليعرض عليهما المضي معه: لا ريب أن الفعلة أمر فاصل فعليها أن تحمل التبرير الداخلي لسام والدرامي للوضع بأسره وطريقة تنفيذ المشهد هي التي ستظهر ما إذا كانت هذه الفعلة الفاصلة -روائياً- مبررة أم لا. مقبولة وقابلة للتصديق أو لا٠ أنظر الى تصويرها (تصوير جيّد من تشارلز لانغ) والى إلقاء الممثل بَك لحواره القصير الذي لا يحمل كلمات قويّة تساعد الموقف٠
بنفس الأهمية يختار المخرج إبقاء ذلك الهندي بلا ظهور فعلي حتى جزء أخير من نصف الساعة الأخيرة. لقد اختار تأخير المعركة المنتظرة قدر المستطاع ثم إذ بدأها عالجها كمعركة مصير وحياة وموت وعلى قدر من التكافؤ (ينتصر كل طرف لفترة وجيزة قبل أن ينتصر الطرف الآخر ولفترة وجيزة أيضاً) وصولاً الى النهاية٠ لكن إذ يؤخر ظهوره يحوّله الى ذلك الخوف الآتي من الغيب. في هذا النطاق يبرز المفهوم المتمثّل بخطورة هذا العالم الذي نعيش فيه (ذلك الذي مهدّت القراءة الحالية به)٠
هذا العالم الخارجي هو كابوسي. طوال الوقت تعيشه ولكن تعيشه حين يتحوّل الى حقيقة في حياة بطلي الفيلم وذلك حين يظهر الهندي في بيت سام بعدما قتل صديقه واقتحم عرينه٠ وبهذا المنوال يضمن المخرج نجاح لقطاته المفاجئة مهما بدت أحياناً معتادة في أفلام أخرى او متوقّعة٠
شاهدت الفيلم ثلاث مرّات الى الآن. أوّلها. سنة خروج الفيلم، لم تكن النظرة حيالة ناضجة إذ نظرت اليه بالقياس بما كنت أعتقد أن على أفلام الوسترن التمسّك به: الكثير من مشاهد العراك، وليس بحصر هذه المشاهد في مشاهد أخيرة. لكن المشاهدة الثانية (في صالة سينما قبل خمس سنوات ثم على شاشة دي ڤي دي كبيرة قبل سنة) قلبا الكثير من تلك الإعتبارات وإن لم تقض على ناحية واحدة وجدتها لا زالت مزعجة: المنوال الذي يؤدي به بَك دوره. بَك دائماً ما كان مشروعاً لا يكتمل الا في تشخيص أدوار معيّنة دون غيرها، وهو هنا يوفّر المزيد من تخفيض سقف التوقّعات. نظرياً يلتقي ورغبة المخرج. فعلياً لا يشترك في رسم الخطر الكامن في الخلف كما كان سيفعل ستيف مكوين او تشارلتون هستون او لي مارڤن لو أل الدور لأي منهم٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009


4 comments:

Anonymous said...

Test 1,2,3

مشربية said...

الله الله الله :)
اولا بجد شكل المجله جميل جدا و عمري ما هازهق من قراءة عمود فلسفة الفيلم لانة له تاثير كبير جدا عليا
و هافضل مستني كل حاجة حضرتك بتكتبها و بكرة انشاء الله هاجيب لينكات الافلام
الف الف مليون شكر علي العدد المليئ بهذة المعلومات المهمة :)
و يارب بالتوفيق ديما لك يا استاذ محمد :)

Anonymous said...

العود أحمد . والمستوي كالعادة رائع الي الامام دائما، تحياتي . والحديث عن ايزنشتاين ،اسأل هل كان صلاح ابوسيف يتبع نفس اسلوب التعبير بالصورةفي فيلم شباب امرأة، حينما كان شكري سرحان يسير منقادا خلف كاريوكا فنشاهد بدون قطع مونتاج سيدة تجر خروفا ، هل يعتبر هذا التعبير بالصورة من نفس مدرسة العبقري الروسي ؟؟ الامثلة كثيرة من افلام ابوسيف فهل مخطيء...تحياتي واخيرا ارجو ان تتدفق علينا بالمزيد. د. فخري الشاذلي

Anonymous said...

thank you for the remarkable effort that you all put in the Film reader magazine.
the article about Hala El Abdala's film is as sensitive and transparent as the film itself. a film that managed to put me in a deep state of sadness for a long time , as you mentioned in your conclusion.
Ibrahim El Batout