Year 2. N.: 60 | أزمنة عصرية: تحفة تشارلي تشابلن وآخر كوميدياته



Modern Times | القصّة وراء فيلم تشارلي تشابلن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحد أفضل الأفلام الكوميدية في التاريخ هو أيضاً أحد
أفضل الأفلام التي تحدّثت عن الوضع الإجتماعي الأميركي٠
لكن "أزمنة عصرية" لم يكن فيلماً سهل التحقيق: يكفي أنه
كان صامتاً بعدما نطقت كل الأفلام٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حين أنجز الممثل والمخرج تشارلي تشابلن "أزمنة عصرية" سنة 1936 كان مرّ علي نطق السينما ثماني سنوات.  قبله كان أخرج  فيلمين آخرين غير ناطقين هما "السيرك" في العام 1928 و"أضواء المدينة" في العام 1931. "أزمنة عصرية" كان أيضاً آخر فيلم صامت ينجزه، بعده أخرج ومثل فيلمه الشهير "الدكتاتور العظيم" (1940) وجاء ناطقاً بالكامل، كذلك حال أفلامه الأربعة الأخرى بعد ذلك: "مسيو ڤردو"-1947، "أضواء الشهرة"-52، "ملك نيويورك"- 57 و"كونتيسة من هونغ كونغ"- 67
لابد من ملاحظة أن هذا الفيلم (السبعون من إخراجه منذ العام 1914) كان آخر ظهور لشخصيته الشهيرة، شخصية شارلو المتسكع. في فيلمه التالي لعب دورين: دور هتلر ودور حلاق يهودي، كلاهما لا علاقة له بشخصيته الشهيرة ولو أن هتلر كان "الدكتاتور العظيم"  معجب بشخصية تشابلن وقصّ شنبه على طريقة الممثل/ المخرج٠
أن يقول المرء أن "أزمنة عصرية" تعليق تشابلن على زمنه، فإن هذا أمر بدهي. ما يجب أن يُقدّر بذات الإهتمام هو أن الفيلم أحد أفضل خمسة لتشابلن في تاريخه. الأفلام الأربعة المؤكدة، بما فيها هذا الفيلم، هي حسب إجماع معظم النقاد هي
City Lights  (1931)  أضواء المدينة
The Gold Rush (1925)  اندفاع الذهب
The Great Dictator (1940) الدكتاتور العظيم
أما  الفيلم الخامس فعليه اختلاف بين غالبية النقاد إذ تنقسم الآراء بين ثلاثة أفلام هي
Monsieur Vedoux (1947)  مسيو ڤردو
Limelight (1952)  أضواء الشهرة
The Kid (1921) و"الفتى"٠ 

الأحداث
شارلو هنا عامل في مصنع . في ساعة الإستراحة يتم اختياره لإجراء تجربة تتيح لصاحب المصنع توفير ساعات الإستراحة عن طريق إجبار الموظّفين على تناول الطعام بواسطة آلة. خلال التجربة تفقد الآلة نظامها المحدد فتزداد سرعتها بحيث تتابع عمليات حشر الطعام في فم شارلو قبل أن تتعطّل تماماً. صاحب المصنع غير راض عن النتيجة لكن شارلو يخرج من التجربة وقد أصيب بعارض نفسي. مهمّته قبل الحادثة كانت إحكام المسامير الملولبة التي تمر أمامه. إذا تأخر عنها وفلتت إحداها يصير من الصعب عليه اللحاق بها لأن هناك بعده صف آخر من العمّال بمهام مشابهة. بعد التجربة يفقد شارلو اتزانه حين يتأخر عن اللحاق بتلك المسامير فينفعل ثم يستدير بالمفتاحين اللذي يحمل كل منهما بيد ويبدأ بقرص ولوي أنوف بعض زملائه ثم يلحق إمرأة ترتدي أزراراً تشبه المسامير التي كان يعمل عليها. يمسك بآلة لرش الزيت ويبدأ برش الزيت على زملائه (في المقدّمة الممثل الذي كان صاحبه في أعماله القصيرة السابقة شستر كونكلين


يتم إرسال شارلو الى المستشفى و(ضمنياً) إعفائه للأبد من العمل. حين خروجه  يجد نفسه بلا عمل. بينما كان يمر في شارع تمر به شاحنة صغيرة ترفع العلم الأحمر المستخدم للتحذير من حمولتها. العلم يقع أرضاً. يلتقطه شارلو ويلوّح به ليلفت انتباه السائق غير مدرك أن هناك مظاهرة عمّالية وراءه وسرعان ما تلتحق به كما لو كان هو قائدها.  في السجن يختلط عليه الأمر ويتناول كوكايين معتقداً أنه ملح وبشجاعة غير محسوبة وناتجة عن غيابه عن الإدراك يبطل عملية هروب من السجن فيطلق سراحه٠
يلتقي بفتاة شابّة وشريدة (بوليت غودار) هاربة من البوليس لسرقتها رغيف خبز. يحاول الدفاع عنها بالإدعاء بأنه هو السارق لكن حيلته لا تفلح. يلتقي بها ثانية  بعد هروبها من سيارة البوليس وينجح في إيجاد عمل كحارس ليلي. في ليلته الأولى يدخلها الى المتجر الكبير الذي يشتغل فيه ويتركها تلهو بالملابس الفاخرة التي فيه ثم يرقص وإياها مستخدماً الزلاجات فوق البلاط الناعم. حين يكتشف وجود لصوص يريدون السطو علي المكان يطعمهم ويعرّض نفسه للطرد مرّة أخرى ولإلقاء القبض عليه. بعد حين يعاود البوليس إلقاء القبض عليه هذه المرّة متهماً بإصابة رجل بوليس. الفتاة التي تعرّف عليها تشتغل الآن في مطعم مزدحم وتساعده في الحصول على العمل. هناك في المطعم تقع آخر فصول الفيلم وتحتوي على مفارقات وعلى المرّة الوحيدة التي نسمع فيها صوت تشابلن إذ يغني إنقاذاً لعمله بعدما تسبب في الكثير من المتاعب. لكن النهاية حتمية واللقطة الأخيرة لهما سائران في طريق خارج المدينة ولو الى جهة غير معلومة٠

نقد
فيلم "أزمنة عصرية" هو جهد تشابلن الأفضل للحديث عن الوضع الإقتصادي والإجتماعي الأميركي في فترة صعبة وجد فيها المجتمع وقد انقسم مرّة واحدة الى من يملك ومن لا يملك. بعد بداية تشبّه الناس بالغنم عبر مقاربة بصرية للقتطين، نجد شارلو البسيط والمعدم غير ملائم للعمل في مصنع كبير (ولا في مطعم كبير بعد ذلك) لكن السبب الذي يجعله غير ملائم لذلك يكمن في الشروط الصعبة والحاح الرأسمالية لتسجيل أرباح إضافية عن طريق تجربة تلك الآلة التي تثبت فشلها. كل الفيلم يحتوي على صور من الفقر والبطالة وسوء المعاملة وعيش الفقراء. ومع أنه لا يسعى لصور مقابلة لشخصيات ثرية، الا على نحو عابر، الا أن المشاهد يدرك المغزى المقصود أكثر من مرّة خصوصاً خلال الفصل الذي نراه وفتاته يرقصان في ذلك المتجر ناشدين تحقيق حلم لا يمكن لأمثالهما تحقيقه مطلقاً في ظل النظام الإقتصادي القائم٠
الفيلم مقسّم الى فصول بطبيعته: الأول في المصنع. الثاني بين الشارع والسجن. الثالث في المتجر. الرابع في المطعم٠ كل واحد من هذه الفصول كان يصلح، في زمن تشابلن الأول، أن يكون فيلماً منفصلاً، وسياسته لا تبتعد عن ذلك إنما مع اعتماد خط قصصي يحتوي على الشخصيتين المذكورتين. هذا هو خط التوحيد القصصي لأربع حكايات تلتقي طبيعياً تحت سقف الفيلم، لكن كان يمكن أن تكون منفصلة في أفلام قصيرة٠
إذا كان الهجوم على الرأسمالية المبطن في الفصل الأول، فإن حمل العلم الأحمر والتلويح به مع وجود مظاهرة عمّالية حاشدة ورافضة تسير وراءه من بين أبلغ ما قام به تشابلن في أي من أفلامه. في ذلك المشهد كشف اعتناقه الشيوعية ولو خارج النطاق الحزبي وهو لاحقاً ما اتهم بذلك فهرب من الولايات المتحدة حتى لا يجد نفسه في أحد سجونها٠
في الفصل الذي تدور أحداثه في المتجر نجد براعة أخرى فذّة لتشابلن: تشابلن مغمّض العينين بعصبة يرقص منتعلاً حذاءاً بعجلات. برقصه الباليه ومن دون أن يرى نراه عدّة مرّات يقترب من حافة الطابق الذي يرقص فيه وهي حافة غير مسيّجة. لو أنه مضى في تزحلقه شبر واحد لسقط. الحركة البهلوانية كانت سلطان السينما الكوميدية الصامتة، ومعها لم يكن هناك حاجة للشرح والكثير منها كان ينضوي على مخاطر حقيقية (باستر كيتون في  "ضيافتنا" وهارولد لويد في "السلامة آخراً" وكلاهما سنة 1923)٠
مجرّد مشاهدة هذه المخاطر كانت ينبوع الضحك وتأليفها وتصميمها ثم تنفيذها كان جزءاً مهمّاً جدّاً من أيام ما كانت كل الأفلام قصيرة. ومع أن الأفلام كانت صامتة، الا أن هذه المشاهد كانت تفجّر القاعات بضحك ممتزج بالقلق والخشية. وهذا ما سحبه تشابلن معه الى هذا الفيلم من تراث السينما الصامتة القصيرة٠


الفصل الرابع يقوم على سلسلة من المواقف التي هي أيضاً نتاج شبيهات لها في الأفلام القصيرة، لكنها مجتمعة هنا في مناسبة واحدة هي إخفاق شارلو في عمله كنادل في مطعم وكيف يتسبب هذا الإخفاق في العديد من مواقف "سوء التصرف" من قِبله حينا ومن قِبل آخرين عديدين. أولاً يجد من الصعوبة استخدام الباب الصحيح لدخول المطبخ او الباب الصحيح للخروج منه ما يترتّب على ذلك مفارقات بينه وبين الخدم الآخرين. ثم هناك ذلك الزبون الذي يحاول تشابلن الوصول اليه دوماً وسط زحام الراقصين. ثم، وهذا من عدّة مواقف أخرى، المشهد الذي يضع في كمّه كلمات الأغنية التي سيغنيها لكن حين ينفض يده تطير الورقة فيصبح غير قادر علي إتمام الأغنية ولا ينقذه سوى قيامه بالغناء بكلمات (فرنسية) مبهمة لا معنى لها٠
بصرف النظر عن رسالته، هو فيلم رائع أفكاراً وتنفيذاً وضع فيه تشابلن رؤيته الإنسانية في قالبها الكوميدي الصرف متحدّياً بذلك صناعة كاملة كانت قد تركت الصورة الصامتة وراءها٠

خلفيات
في العام 1931، مباشرة بعد إتمام فيلمه "أضواء المدينة" انطلق تشارلي وأخيه سيدني في رحلة حول العالم دامت نحو عامين. جزء من هذه الرحلة تمّت في أوروبا حيث شهِد تشارلي ارتفاع المد الفاشي في ايطاليا وألمانيا (وربما لاحظه في دول أخرى لاحقاً ما حاربت كل من ايطاليا وألمانيا فالحركات الفاشية كانت منتشرة بأحجام مختلفة آنذاك، كما هي اليوم). زار أيضاً دولا لاتينية وشاهد الفقر المنتشر بين شعوبها، خصوصاً مواطني البلاد الأصليين.  التجربة جعلته يشعر، كما قال في واحدة من مقابلاته آنذاك، برغبته في عدم العمل. ليس من قبل أن يُبلور موضوعاً له علاقة بما له علاقة بالوضع الذي عايشه٠
فكرة "أزمنة عصرية" واتته، كما قرأت إنه قال لصحيفة "ذ نيويورك تايمز" حين مرّ بعمال مصنع لحظة خروج العمّال  ما جعله يفكّر في الزمن المُعاش حينها. زمن اعتبره جدير بالنقد كون الإنسان فيه أصبح مضغوطاً بمتطلّبات الإنتاج واسع النطاق٠
كتابة السيناريو لم تكن عملية سهلة، ليس لأن القصّة كانت صعبة (وربما كانت صعبة لا أدري) بل لأن تشابلن في ذلك الفيلم كان يسحب من تاريخه العريق شخصية تلازمت وتلاءمت تماماً مع وضعية السينما قبل النطق. السؤال: كيف يستطيع أن يجد التبرير الصحيح لعدم النطق؟


في الأساس، فإن شريكيه في شركة يونايتد آرتستس، الممثلين ماري بيكفورد ودوغلاس فيربانكس لم يفكّرا مطلقاً في احتمال أن ينجز تشابلن فيلماً صامتاً.  ولنا أن نتصوّر المناقشات التي لابد دارت بين الشركاء الذين كانوا من بين مؤسسي تلك الشركة (التي ما عدنا نقرأ أسمها منذ ان ابتاعتها مترو غولدوين ماير الآيلة للبيع مرّة تلو المرّة كل سنوات قليلة) في محاولة فيربانكس وبيكفورد إقناعه بصنع فيلم يشبه باقي الأفلام المنتجة منذ نحو عشر سنوات، وممانعته في ذلك معتبراً أن النطق قد دمّر أقدم فن في التاريخ وهو فن التمثيل الإيمائي. عملياً فإن نطق السينما سحب البساط من تحت أي عذر للفيلم أن لا ينطق ومنح السينما في المقابل نوعاً متطوّراً من التعامل مع الواقع والخيال المفترض هو تعامل أكثر تكاملاً مع الحياة الطبيعية حيث يتكلّم الناس وتصدر الأشياء أصواتاً. لاحقاً الألوان ما شكّلت النقلة المهمّة الأخرى في هذا الإتجاه والمساعي لتجسيد بعد ثالث للسينما (من ذلك الحين وبعده) هي بمثابة استكمال دائرة في كل حلقة منها تزداد ابتعاداً عن عناصر تكوينها وعن إمكانية ممارسة السينما كفعل فني وتعبيري كاملين٠
في محاولة تشابلن تطوير شخصيته كان عليه أن يستمد من تطوير سبق له وأن قام به مع مطلع العشرينات. شارلو في العقد الأول من القرن العشرين كان لاهياً وعابثاً وعدائياً ولو كانت له أسبابه. في العقد الثاني كشف عن ناحية إنسانية أعلى قيمة. وخطّة تشابلن لـ "أزمنة عصرية" هي تطوير تشارلو أكثر. لم يعد بالإمكان جعله منفصلاً عن المحيط الإجتماعي الذي يدور من حوله، عن البطالة، عن الفقر، عن انتشار المخدّرات الخ.. ٠


على ذلك، هناك من المراجع ما يذكر أن تشابلن حاول فعلاً "إنطاق" شخصياته وكتب سيناريو هذا الفيلم وفيه حوارات كاملة. هنا وقع في معضلة أخرى: إنه لا يستطيع أن يكتب حوارات. لم يعمد إليها في السابق لأنه استخدام التعبير الصامت وفن الإيماء. وما نٌشر من حوارات كتبها بالفعل لا يرتقي الى المتوقّع من فنان٠
 حين أيقن أنه لا فائدة من القيام بإنطاق شخصيته وشخصيات غيره، عاد الى ما كان عزم عليه منذ البداية، وهو أن خير وسيلة ممكنة لعودته السينمائية هي عودته كما كان إنما مع تنقية شخصية شارلو من بعض ما علق بها من قبل فإذا بها الآن جزءاً من المجتمع الذي تدور فيه عوض أن كان بالعادة استثناءاً وتمييزاً
في الوقت ذاته عمل تشابلن على إتقان ما ينفّذه. لقد ذهبت الأيام التي كانت فيها مشاهده يمكن لها أن تمر سريعاً ومن دون تعليق على هفواتها. الجمهور كان  ينظر للفيلم بعينين مختلفين وتشابلن لم يعد قادراً على أن يخفي حركاته برداءة المستوى التقني الذي بلغه الشريط الخام والتفنن الإنتاجي والتقني الضارب في كل أوجه العمل
نتيجة ذلك، أن مستوى إخراجه أيضاً تحسّن وتلك المشاهد الكوميدية باتت أصعب تركيباً وأكثر مهارة في الوقت ذاته. والمخرج أخذ يستخدم أدوات التعبير لغوياً بشكل لافت. في ذلك المشهد الذي يحمل فيه العلم تتراجع الكاميرا أمامه لتظهر البوليس قادم بالهراوات ليضرب المتظاهرين. في لقطة واحدة لديك شخصية ظالم ومظلوم
وكما كان هذا الفيلم آخر ظهور لشخصية شارلو الشهيرة، كان هذا الفيلم آخر نكتة كبيرة في جعبة تشابلن. الأفلام التي بعده كانت أكثر تفكيراً وأحياناً أكثر عطفاً ورومانسية لكن أقل إضحاكاً أيضاً


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

1 comments:

Anonymous said...

I just downloaded MODERN TIMES,to my five year old son, on his gadget in order to enjoy it, he still thinks that B&W is funny way to see a movie!
Thanks Mohammed,
Abdullah & Omar Alaiban- Kuwait