فيلم ريدر كافيه

الوضع الغريب لتوني إردمان


شاهدت «توني إردمان» مرّتين، الأولى في مهرجان "كان" والثانية عندما كان لابد لي من مراجعة رأي سلبي كوّنته في المرّة الأولى بعدما وجدت أن حماسة النقاد الغربيين للفيلم فائقة وبدرجة غير اعتيادية. المشاهدة الثانية أكدت استنتاجات الأولى: هو فيلم ثرثرة حوارية طويل مؤطرة بكادرات شغل تلفزيوني ومعالج بقدر كبير من الإسترسال حول نقطة لا تنتهي.


لكن هل يعقل أن يكون ناقد واحد، أو بضعة نقاد، على حق والمعظم الكاسح على خطأ؟ الجواب أن المسألة ليست من هو صاحب الرأي الصحيح مقابل من هو صاحب الرأي الخطأ، وبالتاكيد ليست المسألة نسبية. هناك الكثير من الأفلام التي تنال إعجاب ناقد ما ليجد نفسه وحيداً فوق جزيرته بينما يرى النقاد الآخرون أن الفيلم لا يستحق أي إعجاب يذكر، والعكس صحيح كما في حالة «توني إردمان».


نعم، هو نظرة (شبه) كوميدية سوداء عن أوروبا اليوم (متمثلة بألمانيا تبعاً لهوية بطليه الأب وإبنته) وعن إختلاف الأجيال لكن من بعد نصف ساعة من تداول هذه النقطة الباقي هو إسترسال مع قليل مما يمكن البناء عليه. حتى مع التقدير لهذا المضمون ولما سعت المخرجة مارن أدَ لإنجازه على صعيد تقديم مواقف تحمل تناقضاً بين الجيلين والمفهومين، إلا أن الفيلم ليس المضمون إلا بمقدار. الأهم هو كيفية معالجة هذا المضمون وإذا ما تم صنع فيلم جيد عنه أم لا.


معظم ما هو منشور من مقالات إعجاب لهذا الفيلم قائم على الإعجاب بالفكرة وبالمضمون مع إعتراف البعض بأن الفيلم (قرابة ثلاث ساعات) أطول قليلاً مما يجب. كما لو أن هذه النقطة بالتحديد أطول قليلاً») ليست ذا أهمية عندما تبحث في المدّة التي استغرقتها المخرجة للوصول من أ إلى ب.


Friday, August 9, 2013

الدنيا الأخرى و«السائق» الذي لا يشيخ


Year 5/ Issue: 166

شاشات محمد رُضــا
الدنيا الأخرى وفيلم «السائق» الذي لا يشيخ

في «كل فجر أموت» Each Dawn I Die (الصورة) يتم إرسال الصحافي جيمس كاغني إلى السجن لجريمة لم يرتكبها. فيلم وليام كيلي الممتاز (****) الذي حققه لحساب وورنر سنة 1939 يعلوه هذا العنوان النيّر الذي لا يخفق في التعبير عن حس بالطبقية. الأثرياء يموتون مرّة واحدة في الحياة. الفقراء يموتون كل يوم.

لكني وجدت، وأنا من محدودي الدخل ككل النقاد الذين أعرفهم بإستثناء إثنين أو ثلاثة غير عرب، طريقة لكي لا أموت كل فجر أو كل مساء…. أتسلل هرباً من هذه الدنيا إلى رحاب السينما. بعد الواجبات والكتابات ومشاهدات الأفلام المعروضة في الأسواق، وقبل أن أنام لخمس ساعات، أمنح لنفسي فيلماً أو فيلمين لم أرهما من قبل. لا يهم ما هو الفيلم اليوم، ولا فيلم الأمس أو قبله، بل المهم هو أنني أفتح باباً ينعشني بمجرد فتحه وأدخل عالماً أنا تقريباً وحدي من أهل الأرض. هناك ألتقي بالدنيا الأخرى التي ربما تعالج ما هو مؤلم لكنها في النهاية آمنة: لا أحد يموت فيها. وهذا هو مصدر جذب كاف. لا تقول لي أن الثقافة وطلبها هو ما يجب أن يحرّك المرء. الأفلام هي الثقافة بأسرها. إما أن تدخلها أو لا جدوى من دخول بعضها.

في السينما تشاهد مدينة مدمّـرة، لكن في حياتنا الحالية هي واقع. لا تستطيع أن تستيقظ منه. في السينما يتم إرسال بريء إلى السجن، لكنه يخرج منه متى شاء ويقبض أجره ويتحدّث مع ساجنيه ويضاحكهم. في الحياة هناك غواتانامو. في الأفلام تنطلق السيارات في مطاردات قاتلة. تنقلب واحدة منها عدّة مرّات. يموت من فيها. هاهي الكاميرا تظهر رجلاً ممداً تحت السيارة المقلوبة. Cut يصرخ المخرج. يتحرّك الرجل وينهض من مكانه وينفض غباره. وفي الحياة طبعاً، راحت عليه وعلى من كل معه.
----- *****------

قبل يومين فتحت شاشتي على «السائق» The Driver ****. فيلم لوولتر هيل من العام 1984. كنت شاهدته مرّتين من قبل. لم أكن واثقاً أنه سيعجبني مرّة ثالثة حين طالعتني صوره الأولى: الممثل رايان أونيل يجلس وراء مقود السيارة. هذا الممثل (الوسيم بمقاييس البعض) يناسبه دور ولا يناسبه دور آخر. ليس الممثل الذي يصلح لمعظم ما قد يصله من أدوار وهو حط في السينما عندما اختاره مخرج غير معروف (وربما لا يستحق أن يُـعرف) أسمه أليكس مارتش لبطولة فيلم عنوانه «الردّة الكبيرة» The Big Bounce ** سنة 1969 لجانب مجموعة لا بأس بها من الوجوه: فان هفلن وروبرت وَبر ولي غرانت ولي تايلور- يونغ. ثم إختاره البريطاني مايكل وينر لواحد من الأفلام القليلة التي لم أشاهدها له بعد «الألعاب» The Games  وهو فيلم رياضي وضع أونيل فيه لجانب خلطة من الوجوه بعضها جيّد والآخر عادي. في الفريق الأول هناك البريطاني ستانلي بايكر وفي الثاني الفرنسي شارل أزنافور! 

شهرة رايان أونيل تمّت سنة 1970 عندما وضع خدّه على خد ممثلة جديدة لم يمض عليها أيضاً سوى فيلمين أسمها آلي ماكغرو. الفيلم كان الدراما المنهكة «قصّة حب» Love Story ** التي أخرجها آرثر هِـل. البعض يقول أنه من إنتاج إتحاد شركات ورق المحارم الورقية لكن الحقيقة أن باراماونت هي من التزمت بفاتورته التي لم بالكاد تجاوزت مليوني دولار. هي تحبّه. هو يحبّـها. هي فقيرة. هو غني. هي تموت. هو يبكي. بعده مات هو في فيلم وسترن بعنوان «جوّالان متوحشان»  *** Wild Rovers [بلايك إدواردز -1971]: هنا هو أحد لصّين (الآخر جووَل ماكراي] قاما بعملية سطو وبعدها أصيب وعانى وماكراي حزن عليه حزناً شديداً.

حتى لا أطيل «السائق» كان الفيلم رقم 11 بالنسبة لأونيل. خلال ذلك تعلّم بعض الحنكة في الأداء من مخرجين جيّدين هما بيتر بوغدانوفيتش الذي استخدمه كوميدياً في «ما الجديد يا دكتور»؟  *** ? What's Up Doc  سنة 1972 (أمام باربرا سترايسند) و«قمر من ورق » Paper Moon *** سنة  1973 (أمام إبنته تاتوم أونيل) ثم في «نيكولوديون» Nickelodeon **** العام 1976 (مع بيرت رينولدز، تاتوم أونيل وبرايان كيث). قبل هذا الفيلم بعام فاجأ المجتمع السينمائي قيام المخرج ستانلي كوبريك بجلبه لبطولة واحد من أفضل أفلامه «باري ليندون» Barry Lyndon **** سنة 1975

لذلك حين منحه وولتر هِـل بطولة «السائق» كان الممثل نجماً جماهيرياً محبوباً ونقدياً في وضع أفضل من وضعه حين باشر التمثيل. هذا الفيلم بوليسي حول سائق خبير بالهرب. تستعين به العصابات لكي يقود سيارة الهروب. في العملية الأولى على الشاشة، تراه فتاة شابّة وجميلة (أيزابيل أدجياني) لكنها تدّعي أمام التحري السمج (بروس ديرن الجيّد) بأنه ليس من شاهدته حين ارتكاب السرقة. هذا التحري لديه فريق من إثنين يعملان تحت إمرته مات كلارك وفيليس أورلاندي وهو مصر على التعاون مع عصابة أخرى للإيقاع بالسائق رغم أن هذا سيكون خروجاً عن القانون. سوف لن أحكي الحكاية لعل القاريء يراه بنفسه ويشهد على أنه فيلم من أفضل أفلام السرقات في تاريخ السينما والشكر في ذلك لموهبة المخرج هِل الذي يستحق أن ينضم إلى قائمة أفضل مخرجي هوليوود- قرر نقادنا إكتشافه أم بقوا جاهلين لقدراته.

لابد لي أن أذكر شيئاً عن ثلاثة أمور هنا: ما يجعل هذا الفيلم بالغ التميّـز هو اللقطات الطويلة والمتأمـلة وغير المستعجلة. مع مشاهد مطاردات بارعة تقترب جودة من تلك التي أمّـها بيتر ياتس في «بوليت» Bullitt **** سنة 1968 [مع ستيف ماكوين وآلي ماكغرو في البطولة). هذا إختصار الأمر الأول. الأمر الثاني هو أن لا أحد في هذا الفيلم لديه إسماً لشخصيّته (لاحقاً ما استعار كونتين تارانتينو هذا المنهج في «كلاب المخزن» Reservoir Dogs ***  العام 1992):
رايان أونيل هو: السائق.
بروس ديرن هو: التحري.
إيزابل أدجياني هي: اللاعبة.
مات كلارك هو: التحري الأحمر.
فيليس أورلاندي هو: التحري الذهبي.
جوزف وَلـز (اللص ذي النظارات) : ذو النظارات.
رودي راموس (مساعده): أسنان.
وهذا ينطبق على جميع الممثلين وشخصياتهم. 

الأمر الثالث هو وجود ممثلين إثنين من وجوه الستينات والسبعينات اللذين لا أتعب من البحث عنهما والإعجاب بهما كلّما كان ذلك متاحاً: مات كلارك وفيليس أورلاندي

* البقية في العرض المقبل.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2008- 2013
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

No comments: