Saturday, February 21, 2009

ISSUE 8 | Angelopolos' The Weeping Meadows | Francis Ford Coppola's The Conversation | Jan Troell's Everlasting Moments| + Young Cassidy & Alamo



قبل العرض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم الأسبوع
The Weeping Meadow
هل سيبقى المخرج اليوناني ليو أنجيلوبولوس ممنوعاً من المشاهدة العربية دون قرار الا لأن أفلامه ليست تجارية؟ الغالب نعم٠ لكن لدينا خيار الكتابة عنها على الأقل وفي هذا العدد رأيت إختيار فيلمه ما قبل الأخير »المرج المنتحب« لهذه الغاية بإنتظار فرصة مشاهدة فيلمه الجديد »غبار الزمن«٠
.......................................................................................................
أفلام جديدة
Milk
هناك من سيتّهمني بأني لم أحب هذا الفيلم بسبب موقفي »الأخلاقي« من الأفلام التي تبرمج نفسها كمروّجة للحب الشاذ٠ لكن -على حقيقته- ليس السبب الذي لأجله لم أطق فيلم غس ڤان سانت الجديد٠
Everlasting Moments
المخرج السويدي يان ترووَل واحد من اولئك المخرجين الذين نشأوا على أثر ذيوع شهرة مواطنه إنغمار برغمن من دون تحقيق ذات النجاح الغربي. في فيلمه الأخير »لحظات أبدية« يطرح نسيجاً من حياة ذات ملامح آسرة- كعادته٠
.......................................................................................................
استعادات
A Very Long Engagement
الفيلم الفرنسي »فترة خطوبة طويلة جداً« لمخرجه لجان- بيير جونيه (ثاني فيلم له من بطولة أودري توتو) حقق نجاحاً كبيراً حين عُرض عالمياً، لكن - وكما يرى الصديق الناقد إدغار نجّار- هناك ما هو أكثر أهمية من نجاح كبير وهو اللغة الفنية العالية التي وظّفها المخرج فيه٠
.......................................................................................................
عشرون سنة ذهبية
في هذه الزاوية الأسبوعية الجديدة سأختار أفلاماً مميّزة ومهمّة تنتمي الى العقدين الفريدين الرائعين من السينما العربية والعالمية وهما الستينات والسبعينات٠ في هذه الحلقة الأولى سأتوقّف ملياً عند فيلم فرنسيس فورد كوبولا »المحادثة« (بالإضافة الى فيلمين آخرين). لماذا »المحادثة«؟ ربما لأن الكاميرات الخفية والتنصّت على خصوصيات الإنسان في الغرب وصل اليوم الى ذروته... او ربما لأني أنتهيت من مشاهدته (للمرّة السادسة مثلاً) للتو واكتشفت كم أنا مسحور به٠


فيلم الأسبوع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Triology: The Weeping Meadow To Livadhi Pou Dhakrisi | الثلاثية: المرج المنتحب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Theo Angelopoulos: إخراج: ثيو أنجيلوبولوس
اليونان‮/ ‬فرنسا 2004
دراما تاريخية‮ [‬الحرب الأهلية‮/ ‬صعود الفاشية‮/ ‬الحرب الثانية‮] [ ‬ألوان‮- ٥٣ ‬مم‮- ٠٣١ ‬د‮].‬
نقد: محمد رُضا
.........................................................................................................................................

‮١. ‬سمات
كل أفلام ثيو انجيلوبولوس تتطلب صبرا طويلا اذ‮ ‬يفتح المخرج صفحات أفلامه بروية مقصودة وأحيانا بأبطأ مما‮ ‬ينبغي‮. ‬لكن‮ »‬المرج المنتحب‮« ‬أكثرها بطأً‮ ‬ورويّة‮. ‬ما‮ ‬يكوّن البطء ليس حركة الكاميرا ولا المونتاج ولا حتى التصميم المسبق للمشاهد ثم تنفيذها حسبها‮. ‬ما‮ ‬يكوّن البطء هو المعالجة المذكورة بنواحيها الثلاثة عندما لا تجد في‮ ‬الصورة المنقولة ما‮ ‬يُثير‮. ‬عندما لا‮ ‬يكون هناك في‮ ‬المادة المنقولة،‮ ‬في‮ ‬الموضوع الماثل،‮ ‬ما‮ ‬يشغل البال او العين،‮ ‬ما‮ ‬يحيل المتابعة الى عملية انتظار. ليس أن المشهد الرائع الممتثل على الشاشة فارغاً، لكن مضمونه يأتينا هذه المرّة بارداً٠‬
‮»‬المرج المنتحب‮« ‬بذا هو أقل أفلام انجيلوبولوس إثارة لأن لا شيء مثيرا‮ ‬يقع ولأن الموضوع الماثل قد‮ ‬يكون مهما ضمن معالجة أخرى،‮ ‬لكنه خال من تلك الومضات التي‮ ‬تجيز له ملء ثلاث ساعات من العرض على هذا النحو الرتيب‮. ‬حكاية المهاجرين اللذين تحابا وتزوّجا ثم نزحا من القرية التي‮ ‬غمرتها المياه وتعرضت لملاحقة الفاشية ثم انشطرت بسببها وبسبب الحرب الأهلية في‮ ‬الخمسينات معالجة من دون تفاعلاتها وبقليل او نذر من الأبعاد التي‮ ‬كان‮ ‬يمكن تجسيدها‮. ‬الكاميرا قد تأخذ وقتها لكي‮ ‬تتقدم صوب مشهد مشاة معلقة من كراعها على أغصن شجرة كبيرة،‮ ‬لكن التجسيد المقصود لا‮ ‬يوازي‮ ‬تكوين المشهد دلالة او عمقا‮. ‬انه كما لو أن المخرج صرف وقتا طويلا على التصميم وأقل على محاولة معرفة ما اذا كانت المشاهد المُصمّمة مرتبطة بما هو مقصود منها بالفعل‮.‬

‮٢. ‬سيناريو
يبدأ الفيلم بواحد من المشاهد الكبيرة المحببة لدى المخرج‮: ‬جموعا قادمة من الهضاب‮ ‬يتقدمها رجل وزوجته وولده ومعهما فتاة صغيرة التقطها الزوجان‮ ‬يتيمة‮. ‬السنة هي‮ ٩١٩١ ‬والمهاجرون هم‮ ‬يونانيون نازحون من روسيا‮ ‬يبغون العودة الى بلادهم ويصلون الى نهر ثيسالونيكي‮ ‬ويقفون عند الطرف الشمالي‮ ‬منه تحت ستار تعليق مقروء‮ (‬بصوت المخرج نفسه‮) ‬يوضح حالتهم ومن هم ثم‮ ‬يخصص العائلة المذكورة بالعناية‮. ‬حين وصول النازحين الى ضفة النهر‮ ‬ينطلق سبيروس‮ (‬فاسيليس كولوفوس‮) ‬بالكلام ناظرا مباشرة الى الكاميرا حيث من المتفرض ايضا ان‮ ‬يكون هناك مستقبل ما على الضفة الأخرى‮ ‬يوجه سبيروس كلامه اليه‮. ‬يقفز الفيلم‮ ‬سنوات الى الأمام حيث أسس النازحون قرية نشطة ومزدهرة‮ (‬بنيت خصيصا في‮ ‬منطقة كركيني‮) ‬تسرح فوقها الكاميرا‮ (‬بإداراة اندرياس سينانوس‮) ‬مصوّرة أناس وحيوانات وبيوتا تتنفس المكان الطبيعي‮ ‬بدعة‮. ‬انها نقطة عالية من الفيلم ليس بسبب الكاميرا المنصبّة من بعيد ومن فوق‮ ‬على القرية،‮ ‬بل عالية ايضا لأنها تشمل حركة كاملة محاكة بتفاصيل ثرية‮. ‬حين‮ ‬يعود المخرج الى شخصياته نجده اختص بالشخصيتين اللتين ستسودان الفيلم بأسره‮: ‬إيليني‮ (‬أيديني‮) ‬الفتاة اليتيمة وإبن سبيروس‮ (‬الذي‮ ‬يبقى بلا إسم ويؤديه نيكوس‮ ‬بورسانديس‮) ‬وكلاهما‮ ‬يحبان بعضهما البعض‮ ‬غصبا عن الأب سبيروس الذي‮ ‬كان‮ ‬يطلب الزواج من الفتاة‮ (‬بعد وفاة زوجته خارج أحداث الفيلم المباشرة‮) . لكن الفتاة والإبن يهربان من القرية التي‬تنطلق في‮ ‬البحث عنهما‮ (‬خلال البحث فإن الجميع‮ ‬ينادي‮ ‬إيلينا ولا‮ ‬ينادي‮ ‬إسم الإبن‮). ‬ينضم العاشقان الى‮ ‬فرقة موسيقية‮ ‬يقودها نيكوس‮ (‬أرمنيس‮) ‬حيث‮ ‬يبرهن الإبن عن عزف من شأنه‮ »‬جعل الأشجار ترقص‮« ‬كما‮ ‬يصف نيكوس لعب الإبن على الأكورديون‮.‬
في‮ ‬مشهد‮ ‬يقترن مباشرة بالمسرح الإغريقي‮ ‬ومنفذ بذات الحس التراجيدي‮- ‬المسرحي‮ ‬يقتحم سبيروس مسرحا مهجورا تحوّل الى مكان سكني‮ ‬للجوّالين والمهاجرين مناديا‮ ‬ايلينا راجيا منها أن ترد عليه‮. ‬يعلم أنها تسمعه‮. ‬يقف على المسرح منفردا‮ (‬والكاميرا من ورائه‮) ‬ويتلو ما‮ ‬يوازي‮ ‬صفحة حوار من السيناريو‮. ‬بعد ذلك‮ ‬يوزع المخرج‮ ‬الإداءات الرئيسية بين بعض أفراد الفرقة والعاشقين وبذلك‮ ‬يأخذ من بطولة ايلينا وزوجها مقحما الُمشاهد في‮ ‬لا مركزية الحدث وشخصيات الفيلم الى أمد بعيد هو أقسى ما‮ ‬يرد على الشاشة من فصول الفيلم كونه كان قابلاً للإختزال لو شاء‮ ‬أنجيلوبولوس ذلك‮. ‬الفترات الزمنية تتعاقب والفرقة الموسيقية تنقسم على نفسها بسبب ميل بعضهم لسياسة اليمين الفاشي‮ ‬وبقاء الآخرين عرضة لملاحقة السلطة وسجنهم لها‮. ‬حياة الزوجين،‮ ‬وقد رزقا الآن بتوأمين،‮ ‬تصبح أكثر صعوبة في‮ ‬تلك الفترة فيعودان الى القرية التي‮ ‬نزحا منها حيث‮ ‬يطالعنا مشهد الشاة المعلقة‮. ‬في‮ ‬الليلة ذاتها‮ ‬يفيض النهر ويغمر القرية ويضطر الزوجان وطفليهما للنجاة على ظهر مركب صغير‮. ‬مرة أخرى‮ ‬يستعرض المخرج تصاميمه المناظرية الواسعة لمشهد طويل من المراكب وقد حملت أعلاما تتوجه بعيدا تاركة الزوجين على الضفة الأخرى‮. ‬هذا الفصل‮ ‬يليه فصل من التطوّرات السياسية حتى آخر الفيلم‮. ‬الزوج‮ ‬يقرر تحقيق حلمه القديم والهجرة الى أميركا‮. ‬والزوجة بعدما تخسره وتمر السنوات وينشأ طفليها‮ ‬يتوجهان لجبهة قتال في‮ ‬الحرب الأهلية اليونانية في‮ ‬أواخر الأربعينات‮. ‬أحدهما تعود السلطة بجثته‮. ‬الثاني‮ ‬تجده أمه ميّتا في‮ ‬بيت العائلة القديم الذي‮ ‬لا زال‮ - ‬جزئيا‮- ‬مطمورا بمياه النهر‮ (‬في‮ ‬الواقع بحيرة كركيني‮). ‬الأم هي‮ ‬الوحيدة التي‮ ‬تبقى ناحبة الذكريات والسنون ووحدتها بغياب الزوج في‮ ‬اميركا دون أثر‮.‬


‮٣. ‬تصميم‮ ‬
يكتنز الفيلم تاريخ اليونان والمنطقة البلقانية وأوروبا اكتنازاً مبهراً. يتحدّث عن مراحل من مطلع القرن لحين نشوب الحرب العالمية الثانية ويتعرّض لعقدة أوديب من ناحية وللفاشية على بساط واسع من ناحية أخرى. إنها بانوراما نشطة وثرية من بانورامات المخرج الكبير٠
لكن الأمر يتعثر حين الإنتقال من المشهد العام الى الخاص. تعلم أن المخرج‮ ‬يدافع عن أسلوب عمل حتى من دون أن‮ ‬يملك،‮ ‬لمعظم الوقت،‮ ‬ما‮ ‬يملأ فراغات المشاهد التي‮ ‬ينفذها،‮ ‬حينما تلحظ أن تصميم المشهد التمثيلي‮ ‬يقوم على الحركة المسرحية الكلاسيكية بكل ثقلها وتتابعها الرتيب‮. ‬في‮ ‬المشاهد التي‮ ‬نرى في‮ ‬ممثلا‮ ‬يقود باقي‮ ‬الممثلين،‮ ‬متكلما او متحركا،‮ ‬تجد باقي‮ ‬الممثلين‮ ‬يتابعونه جميعا بحركة واحدة مجتمعة‮. ‬الحركة الناتجة عن متابعة الشخص الماثل كيفما تحرك‮. ‬تلك المشاهد التي‮ ‬تعكس حركة جماعية ما،‮ ‬هي‮ ‬تلك التي‮ ‬لا حوارات فيها والتي‮ ‬صممها المخرج كمشاهد كبيرة‮. ‬والحوار نفسه هو أقرب الى المونولوغ‮ ‬منه الى الديالوغ‮. ‬وبشكل‮ ‬غالب ايضا‮ ‬يثق أنجيلوبولوس بأن مناظره ذات الرمز واصلة‮. ‬ذلك المشهد المتكرر لشراشف بيضاء منشورة‮ ‬يلوح بها الهواء جميلة كتكوين لكنها خالية كمضمون‮. ‬جميلة للتعبير عن شيء،‮ ‬لكن لا‮ ‬يبدو أن هناك شيئا تعبّر عنه‮.‬
والحال هذه،‮ ‬لا عجب أن التمثيل،‮ ‬باستثناء إداء‮ ‬ألكسندرا أيديني‮ (‬في‮ ‬بعض مشاهدها الأخيرة‮) ‬ويورغوس أرمينيس‮ (‬في‮ ‬معظم مشاهده‮) ‬خال من الحياة بدوره‮. ‬انه من المؤسف كيف أن الطفلين الصغيرين‮ ‬يكادان‮ ‬ينفذان حرفيا تعاليم بدنية من نوع‮ »‬تتقدم خطوة واحدة وتقف هنا‮« ‬وشأنهما لا‮ ‬يختلف كثيرا عن شأن الكبار‮.‬
المشاهد التي‮ ‬تنجح أكثر من سواها تلك العامة الكبيرة التي‮ ‬تصوّر حالة شاملة كمشهد القرية الأول،‮ ‬ثم مشهدها وقد فاضت المياه من حولها‮. ‬هنا‮ ‬ينفذ انجيلوبولوس الى أعماله السابقة‮. ‬يجد المشاهد الرابط الإبداعي‮ ‬بين تلك الأعمال وبين هذه المشاهد المميزة‮. ‬في‮ ‬سياق الأساليب القائمة على كاميرا التأمل‮ (‬من أندريه تاركوفسكي‮ ‬وما دون‮) ‬يقف انجيلوبولوس عادة في‮ ‬موقع متقدم‮. ‬لكن هذا الفيلم لن‮ ‬يساعده بأي‮ ‬حال‮. ‬يذكر بقيمته لمن شاهد أعماله السابقة،‮
‬ويطرح سؤالا حول ما اذا كان‮ ‬يستحق كل هذه الهالة لمن لم‮ ‬يشاهد أفلامه من قبل‮.‬

٤. جمال الحزن
لكن يجب أن لا يُفهم من كل هذا أن دور الصورة، بحسانها، لم يكن الا جواد يمتطيه المخرج صوب لا شيء كبيراً. إنه في الوقت الذي يعيب هذا الناقد كل ما ورد من ملاحظات، لا يزال مشدوداً الى فيلم يسبح في الحزن كما حال أبطاله. الحزن الجميل الذي لا يعرف سبباً واحداً لكي ينتشر كالسحابات الرمادية فوق الرؤوس، بل أكثر من سبب. أهمّها ما مرّت به اليونان من تاريخ ينسج المخرج أفلامه على نسقه. أحياناً بجدارة عالية (كما الحال في »الممثلون الجوّالون« إذ يغطي التاريخ اليوناني ما بين 1939 وحتى 1952) و»الأبدية ويوم« الذي يتداول الحقبة الأوروبية الحالية) وأحياناً بهذا القدر من التميّز الذي يكتفي به الفيلم هنا٠ مثل أفلام أنيجيلوبولوس جميعاً، هذا ليس تاريخ ألكسندر الكبير ويونان الإلياذة او بلاد الشمس والبحر. إنها يونان وأوروبا وعالم متلبد السماء غير باعث على الأمل وهو ليس مفبركاً في هذا الشأن أيضاً٠

Dir: Theo Angelopoulos

Cast: Alexandra Aidini (Eleni), Nikos Poursanidis (Son), Yorgos Armenis, Vasilis Kolovos, Eva Kotamanidou, Toula Stathopoulou Zissis, Mihalis Yannatos,
Thalia Argyriou.
Scr:Angelopoulos, Tonino Guerra, Petros Markaris, Giorgio Silvagni.
Dir. of Phot.: Andreas Sinanos (C).
Editor: Yorgos Triantafyllou (178m).
Music: Eleni Karaindrou.
Producers: Angelopoulos, Fivi Ekanomopoulos.
Prod Comp: Theo Anelopoulos/ Greek Film Centre/ Attica Art/ Hellenic Broadcasting Corp/ BAC Films/ Inetermedia Arte [Greece/ France- 2004].






أفلام جديدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Milk
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Gus Van Sant إخراج غس فان سانت
بيوغرافي | الولايات المتحدة
نقد: محمد رُضا
.......................................................................................................
ميلك هو هارڤي ميلك، أول رجل مُثلي تم إنتخابه رسمياً في وظيفة حكومية أميركية هو عمل ناجح من نواحي فنية عدّة، لكنها جميعاً غير شافية. الفيلم لا يشكّل خطوة للأمام او للوراء بالنسبة للمخرج (المستقل حيناً والعامل لهوليوود حيناً) غس ڤان سانت، بل ينتمي الى مجموعة أفلامه الترويجية للروح الليبرالية. هنا في مفهوم حق المرء أن يكون لواطياً والدفاع عن حياته وتحويله الى شخصية رائدة وبطولية طالما أنها تخدم رسالة الفيلم٠
لكن باحتواء هذه المسألة، فإن الدوافع الذاتية التي في صلب موضوع الفيلم إذ تفرض على المخرج دفع الشخصية الى الأمام بغية »بيعها« الى الجمهور العريض ، تفشل في التوجّه فعلياً الى كل الناس عبر تخصيص الحديث عن رجل لا ذنوب او أخطاء او نواقص لديه٠ بعض من يعرفون هارڤي ميلك وحياته يقولون أنه دفع بخمسة من عشّاقه الى الإنتحار. إذا كان هذا صحيحاً، لم لا نرى هذا الجانب مطروحاً كذلك على الشاشة؟
يبدأ الفيلم بهارڤي ميلك (شون بن) وهو يسرد تاريخ السنوات الثماني الأخيرة من عمره وذلك قبل يوم واحد من عيد ميلاده الأربعين. ننتقل الى مترو نيويورك حيث يتعرّف على سكوت (جيمس فرانكو) ويتصاحبان. بعد عامين هما في سان فرانسيسكو حيث يفتتحان دكاناً لبيع الكاميرات في شارع كاسترو (مشهور بقاطنيه) ويتحرّك الفيلم سريعاً فإذا بهارڤي يكوّن وجوداً ملموساً في الشارع مدافعاً عن حقوق الشاذّين ما يرشّحه ليصبح نشطاً على نحو غير رسمي ثم رسمي عاملاً على الدفاع عن حقوق أترابه. ومتحدّثاً بإسم الجماعة في الخطب والمنتديات ومهاجماً بوليس المدينة الذي يحاول إحباط المساعي السياسية للشاذّين بعدما أصبح انتشارهم، في الشارع فالحي فالمنطقة ثم المدينة لاحقاً وأميركا كلها كما لو أنهم المقصودون في فيلم
The Invasion of Body Snatchers دون سيغال الرعبي
مدهماً٠
يستعين المخرج في هذه المرحلة من الفيلم، كما في المراحل التالية، الكثير من المواد الأرشيفية لرجال البوليس وهم يضربون الرجال المخنّثين او يجرّونهم الى شاحنات الإعتقال. لا ريب هنا في موقفه فهو يتحدّث عن الشاذّين كحديث مارتن لوثر كينغ عن حقوق الأفرو- أميركيين. لكن في حين أن العنصرية التي مورست ضد السود في الولايات المتحدة، كانت قضية إنسانية لها كل مقوّمات النضال السياسي والإجتماعي فإن سانت جاهز لتجاوز هذه النقطة هنا على أساس أن المفهوم ذاته مطبّق هنا ومسلّم به٠
لكن شخصية هارڤي ميلك لا تصيب الهدف تماماً مرّة أخرى لا يعني حماس شون بن ولا جرأته (لا أحد من الممثلين يتمتّع بجرأته كونه مستقيماً يلعب دوراً شاذّاً بكل متطلّباته السطحية: قبل، ضم، لمس لكن من دون مشاهد جنسية فعلية) الا وسيلة لمشاركة المخرج رغبته في بلورة شخصية مقدامة ذات شأن في حركة الدفاع عن الشواذ. لكن الشخصية تبدو طوال الوقت واثقة من خطواتها ونتائج تلك الخطوات وبلا عمق يُذكر. لا يطلب المرء شخصية تتألّم لواقعها، لكن واحدة تستطيع أن تعكس القدر الحقيقي من المشاكل النفسية وليس فقط الناتجة عن الكر والفر بينه وبين البوليس او المحافظين المعادين٠
في السابق، كانت أفلام غس فان سانت المُثلية تلتزم بالرغبة في أن تكون موحية والى حد كبير شعرية ورمزية. صحيح إنها كانت تؤدي ذات الرسالة التي يؤديها الآن »ميلك« الا أنها كانت تنتمي الى أسلوب أكثر صدقاً في توليف الفن على الموضوع. هنا ينتقل المخرج الى العرض المباشر مثل واحد انتقل من العمل السري الى العمل العلني فافتتح دكّاناً زيّنه بالصور والألوان وجلس ينتظر الزبائن وعينه على الأوسكار في الوقت ذاته٠
DIRECTOR: Gus Van Sant.
CAST: Sean Penn, James Franco, Emile Hirsch, Josh
Brolin, Diego Luna, Alison Pill.
SCREENPLAY: Dustin Lance Black.
CINEMATOGRAPHER: Francine Maisler (Colour).
MUSIC: Danny Elfman.
EDITOR: Elliot Graham (128 min)
PRODUCER: Bruce Cohen, Dan Jinks.
PROD. COMPANY: Focus Features [USA- 2008].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Everlasting Moments Maria Larssons Eviga Ogonblick | لحظات ماريا لارسون الأبدية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



Jan Troell إخراج: يان ترووَل
دراما إجتماعية | نروج/ فنلندا/ ألمانيا- 2008
نقد: محمد رُضا
......................................................................................................
على الرغم أن يان ترووَل لم ينقطع عن الإخراج بل ثابر عليه منذ مطلع الستينات والى اليوم، الا أن شهرته ليست في مستوى موهبته وطموحاته٠ عرفه هذا الناقد من أيام بيروت حين تم عرض فيلمين متتابعين له الأول »المهاجرون«، (1971) والثاني »عروس زاندي« (1974) ثم مرّت سنوات عدّة قبل أن يلتقط له فيلماً ثالثا هو حياة المؤلّف النروجي نوت هامسون في »هامسون« (مع ماكس ڤون سيدو في سنة 1996) والآن هذا الفيلم٠
لحظات ماريا لارسون الأبدية، او »لحظات أبدية« كما العنوان الإنكليزي، قصّة ذات مراحل تاريخية تنتقل من العام 1907 الى ما بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. شخصياته حقيقية لكن جرى التعامل معها سينمائياً ومحورها هو ماريا لارسون (ماريا هايسكانن) المتزوّجة من سيغفريد لارسون (ميخائيل برشراند) ولهما -في مطلع الفيلم- أربعة أولاد٠ حياتهما فقيرة ومن البداية يرسم المخرج خطوطاً رمزية موحية بالوضع الطبقي المحيط: الفقير والثري. الحدود والإمكانيات الضيقّة للأول والحياة المرفّهة للثاني. حين تتصاعد النبرة اليسارية في الشارع يزيد المخرج من نسبة التعاطي في هذه المسألة مصوّراً جزءاً من الصراع بين العمّال (الزوج سيغفريد بينهم) وبين أصحاب العمل. لكن دائماً المحور الحدثي هو الحياة العاطفية والإجتماعية الخاصّة بالبطلة والقصّة هي قصّتها الخاصّة٠ فماريا تعلم أن زوجها يخونها، وتتحمّل من حين لآخر ضربه وتعنيفه وشربه وسوء أخلاقه، لكنها زوجة من طراز تلك الفترة حيث لم تكن الطرق مفتوحة أمام انتفاضة المرأة على الوضع، وإن كانت فلم تكن لكل النساء٠ هنا، في الوقت الذي نتابع فيه إيمان هذه المرأة بأهمية الحفاظ على زواجها (لأسباب إقتصادية) وبالتالي اضطرارها لإحباط الإنتفاضة على الوضع، نتابع في شكل مواز -والى حين فقط- فشل الزوج في الإنتصار على وضعيته العملية كيد عاملة في نظام رأسمالي. بالضرورة، كلا الزوجين منتم الى الآخر عن طريق تلك اللُحمة الإقتصادية والإجتماعية والأحداث تبرهن أن نمو كل منهما (وانتصار الزوج على نواقصه في النهاية) تم بسبب إصرار المرأة، وليس الرجل، على تطوير تلك الذات٠
ذات يوم تخرج ماريا من مخلّفات الأيام كاميرا فوتوغرافية يدوية وتتجه الى دكان كاميرات لبيعها وصاحب المحل (جسبر كرستنسن) يقنعها بأن تتعلّم التصوير وتمارسه. وإذ تفعل يصبح التصوير أكثر من هواية تمارسها لفنّها، بل عملاً يؤمّن لها دخلاً هي بحاجة اليه لجانب دخلها كمنظّفة بيوت وخيّاطة في بيتها. . خلال فترة سنوات طويلة تتعامل الأم مع شؤون البيت والزوج والأولاد بما في ذلك تدخّلها حين يحاول شقيق المرأة الثرية التي كانت ماريا تنظّف لها البيت مداعبة إبنتها الشابة. المرء يعيش تلك الحالات مع بطلة الفيلم ويؤيّدها بطلاقة وبنفس التلقائية التي تمثّل فيها ماريا هايسكانن الدور٠ لكن المخرج إذ يقدّم الزوج على ذلك النحو السلبي، ينشد دوماً ربط الصورة بالواقع وعدم محاولة كسب أصوات المشاهدين ضدها على نحو مجّاني هو شائع هذه الأيام٠
الى ذلك، يبهرنا العمل بقدرة مخرجه على تصوير نضال إمرأة في سبيل الحفاظ على عائلتها والحفاظ على هوايتها وفرحها بها وهي تلتقط الصور٠ هناك ذلك المشهد الذي تأخذ فيه صوراً لاجتماع ثلاثة ملوك سويدين التقوا لبحث كيفية البقاء حيادياً وسط الحرب التي تدور في الجوار. بينما هي تلتقط الصورة بكاميرتها القديمة (تبدو قديمة آنذاك أيضاً) يلتقط لها صاحب المحل بكاميرا سينما بدائية صورتها من دون أن تدري. وحين ترى صورتها مرتسمة على الشاشة تُذهل وتصدّق أنت ذهولها٠
علاقتها بصاحب المحل فيها الكثير مما يمكن بحثه. في إختصار هي لم تبرح علاقة حب من طرفها واعجاب من طرفه. لم تنتقل الى علاقة (على عكس ما اعتقد الزوج ذات مرّة) لكنها حوت كل العناصر التي كان يمكن لها أن تقع مع غير ماريا وفي غير هذا الفيلم٠
المعالجة الدرامية ليست وحدها المختلفة عن أفلام اليوم الأخرى، بل كذلك المعالجة الفنية٠ يان ترووَل هو أيضاً مدير تصوير (وهو مدير تصوير فيلمه هذا وعدد من أفلامه السابقة) لذلك تجد انسجاماً وسهولة قلّماً تجدهما في أي فيلم آخر من حيث علاقة المخرج بالكاميرا. ما هو مختلف أيضاَ في هذا المجال هو التصوير الطبيعي (في معظمه) الذي ينقلنا الى واحدة من سمات سينما الأمس القريب . لقطاته، قريبة، بعيدة، داخلية، خارجية، هي رسم في الزمن والتفاصيل والحركات٠ مع ممثلين بالغي الطبيعة في تفاصيل حركاتهم، تتلوّن الدراما بلون تلك الفترة من دون انفصام. ليس أن الفيلم مضطر لأن يغرق في التفاصيل بل هو تفاصيله المختلفة. هو الثياب والديكور ولون الطبيعة وشكل الباب وحجم المكان والوقت من النهار او الليل٠ هو أيضاً تلك اللقطات للأعين والشواهد ولما يجول في البال ويعبّر عنه الممثل صمتاً او حواراً. الفيلم يبدأ بتعليق من إحدى بنات المصوّرة (كولين أورڤول) تسرد ذكرياتها عن تلك الفترة، لكنه لا يتحوّل الى كم من التعليق الصوتي وبالتالي لا خوف من السقوط في مسألة: لماذا التعليق إذا ما كنا نرى ما يقوله لنا٠
الفيلم عن تلك المرأة في الصدارة وعن الحياة الإجتماعية والسياسية خلفها وباقي الشخصيات حولها٠ ولن تجد بين القصّة الفردية والقصّة الإجتماعية/ السياسية منفذاً تتسرّب منه العناصر الفنية تائهة او مهملة٠ عمل رائع يأتي من الأمس في زيارة لسينما اليوم لمن لا يزال يستطيع أن يتعلّم شيئاً او شيئين من هذا الفن٠
الإنتصار الكبير لهذا الفيلم هو أنه في الوقت الذي نشاهد فيه قصّة فرد في الصدارة وهي تمارس حياة كل يوم ومشاعر كل ساعة بمفهوم من الثبات والقناعة وقبول الواقع الصعب من خلال انفراجاته الصغيرة، نوالي أيضاً، وبفضل براعة الكتابة والإخراج، استقبال بانوراما للحياة الكبيرة الحاوية٠ من دون مشاهد حربية، نعيش تلك الحرب ومن دون افتعال الزمن نصبح جيراناً لماريا٠

DIRECTOR: Jan Troell
CAST: Maria Heiskanen, Mikael Persbrandt, Jesper Christensen,
Emil Jensen Ghita Nørby
SCREENPLAY: Niklas Rådström
CINEMATOGRAPHER:Jan Troell, Mischa Gavrjusjov [Colour].
MUSIC: Matti Bye
EDITOR: Niels Pagh Andersen (131 min).
PRODUCERS: Tero Kaukomaa, Christer Nilson, Thomas Stenderup,
PROD. COMPANY: Final Cut Prods./ Blind Spot
Pictures [Norway/ Finland/ Germany].



إستعادة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
A Very Long Engagement Un long dimanche de fiançailles | فترة خطوبة طويلة جداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Jean- Pierre Jeunet | إخراج: جان-بيير جونيه
دراما عاطفية | فرنسا- 2004
نقد: إدغار نجّار
......................................................................................................

للمرة الثانية‮ ‬يبرهن لنا جان بيير جونيه بأن السينما الأوروبية‮ (‬هنا الفرنسية‮) ‬ليست مقتصرة على‮ »‬العقلانية‮« ‬و»الفنية‮« ‬فقط‮. ‬فالفكرة السائدة بأن‮ ‬غالبية الأفلام التي‮ ‬تنتجها أوروبا هي‮ »‬حرفية‮« ‬،‮ »‬داخلية‮«‬،‮ »‬بطيئة‮« ‬و»صعبة‮« ‬وبالتالي‮ »‬مضجرة‮« ‬كذّبها هذا المخرج الفرنسي‮ ‬بفيلمه الرائع‮ »‬المصير العجيب لأميلي‮ ‬بولان‮« (‬2001‮ ‬المعروف أيضاً‮ ‬بـ‮ »‬إميلي‮«) ‬الذي‮ ‬حصد نجاحاً‮ ‬فنياً‮ ‬وجماهيراً‮ ‬وحصد عدة جوائز عالمية‮ ‬وفيلمه الأخير‮ »‬يوم أحد طويل لخطوبة‮«‬،‮ ‬المعروف تحت عنوان‮ »‬خطوبة طويلة جداً‮« (‬2004‮) ‬والذي‮ ‬لم‮ ‬يكن‮ »‬مصيره‮« ‬أقل رونقاً‮ ‬من سابقه‮.‬
ما‮ ‬يميّز‮ »‬إميلي‮« ‬عن‮ »‬خطوبة طويلة جداً‮« ‬هو أن الأول أنجز على الطريقة الأوروبية بميزانية ضئيلة إذ‮ ‬كان‮ »‬حرفياَ‮« ‬أكثر مما كان‮ »‬صناعياً‮ ‬متقدّماً‮« ‬بينما الثاني‮ ‬استعان بأموال أميركية واستفاد من الإمكانات الضخمة المرصودة له ليعطي‮ ‬فيلما عالمياَ‮ ‬يضاهي‮ ‬أفضل الأفلام الهوليوودية مع التشديد أن أن جونيه عرف كيف‮ ‬يبقى‭ ‬أوروبيا في‮ ‬الجوهر‮. ‬وذلك‮ ‬يتجلى في‮ ‬العمق والهم الجمالي‮ ‬والدقة التفصيلية في‮ ‬رسم الإنسان‮ ‬غير‮ »‬الأحادي‮« ‬النابض بالحياة والهواجس‮.‬
السينما في‮ ‬السنوات الأخيرة تقدّمت تقنياَ‮ ‬بشكل‮ ‬يلفت الإنتباه ويثير أحيانا الدهشة بفضل تطوّر المؤثرات الخاصة المكلفة‮ (‬صوتاً‮ ‬وصورة‮) ‬مما جعلنا نتحمّل الكثير من الأفلام المرتكزة فقط على‮ »‬الإحتفال‮« ‬بهذه التقنيات والفارغة من أي‮ ‬بعد إنساني‮ ‬او حس فني‮ ‬جمالي‮ ‬حيث وضعت الآلة او‮ »‬الصناعة‮« ‬قبل الإنسان والفن‮. ‬هكذا سينما لم تعرف كيف او لم تكن قادرة على أن تخضع الإمكانات والتقنيات لصالح او لخدمة المضمون فأتت لتبهر العين والأذن ليس إلا‮. ‬لم تتعدى كونها عرض عضلات او عرس مجاني‮ ‬وكأن هناك طلاق ما بين الفن ودوره وماهيته من جهة والتقنيات الموجودة فقط ليُنهل منها وتزوّد هكذا فن بلغة تعبيرية أفضل‮. ‬في‮ ‬الحقيقة هذه الحالة هي‮ ‬مشكلة صناعيين وليست أزمة فن أو فنانين‮. ‬فالسينمائيون المبدعون‮ ‬يعرفون تماما كيف تستعمل الوسائل التقنية الجديدة التي‮ ‬يعتبرونها موجودة فقط لدعم سردهم الدرامي‮ ‬للأحداث وليس للإستمتاع بها واستعراضها معزولة عن صلب المضمون والبناء والروائية‮. ‬
وما‮ ‬يلفت الإنتباه إنه بالرغم من أن‮ »‬خطوبة طويلة جداَ‮« ‬يُصنّف تحت خانة أفلام الحرب الا أنه‮ ‬يختلف عن‮ ‬غيره من مئات أشرطة الحرب التي‮ ‬ شاهدناها مع الإقرار بأن هذا النوع قدّم الكثير من الأفلام الجيدة والمهمة كان من آخرها‮ »‬الخط الأحمر الرفيع‮« لترنس مالك و»إنقاذ الجندي‮ ‬رايان‮« ‮ ‬لستيفن سبيلبرغ‮. ‬مشاهد المعارك في‮ »‬خطوبة‮...« ‬بألوانها الرمادية القاتمة وكادراتها المتقنة من خلال كاميرا متحركة مع تركيبها وتوليفها بشكل عصبي‮ ‬هي‮ ‬نابضة بواقعية قلّما شاهدناها‮. ‬حتى على صعيد الصوت،‮ ‬نسمع رصاص وشظايا جونيه تنهش الثياب والأجساد والبنادق والخوذات المعدنية ما‮ ‬يؤكد بأن هذا المخرج الفرنسي‮ ‬متميّز عن الكثير من زملائه من حيث أنه لا‮ ‬يتسلّى او‮ ‬يلعب بالمؤثرات الخاصة،‮ ‬بل‮ ‬يسخّرها ويستغلها ليعبّر عن همجية ووحشية الحرب‮.‬
عند جونيه العدو ليس الألماني‮ ‬كما هو شائع في‮ ‬السينما الهوليوودية بل العدو الحقيقي‮ ‬هو الحرب وعنفه ولا إنسانيته مثلما‮ ‬يصورها هذا المخرج حتى عند مواطنيه وخاصة المسؤولين الكبار منهم‮. ‬والألماني‮ ‬كما‮ ‬يظهر عنده خاصة في‮ ‬بداية الفيلم‮ ‬يثير الشفقة أكثر من البغض‮. ‬فهو إما جثة هامدة مشوّهة‮ ‬يٌسرق منها الحذاء او شاب خائف لا‮ ‬يتمكن من إطلاق النار على عدوّه الفرنسي‮ ‬فيُقتل في‮ ‬المقابل‮.‬
من جهة ثانية،‮ ‬نلاحظ أن أبطال أفلام الحرب‮ ‬دائما من الرجال‮. ‬المرأة،‮ ‬في‮ ‬حال وجودها او ظهورها،‮ ‬هي‮ ‬دوما إما صورة في‮ ‬محفظة الرجل او موجودة في‮ ‬ذاكرته ومخيّلته هو فقط‮. ‬فيلم جونيه بطلته إمرأة،‮ ‬يدور ويتمحور حول إمرأة تلعب الدور الأساسي‮ ‬فيه‮. ‬فهي‮ ‬تحرّك الأحداث،‮ ‬تسترجع الذكرى لتصبّها في‮ ‬حاضرها ومستقبلها‮.‬
وهنا‮ ‬يجدر الذكر بأن جونيه‮ ‬يمكن تصنيفه كجورج كيوكور وإنغمار برغمن من حيث إنه هو أيضا‮ »‬مخرج النساء‮«. ‬وما‮ ‬يٌسجّل له إنه تمكن في‮ »‬إميلي‮« ‬من خلق شخصية سينمائية‮ ‬قلمّا تمكن هذا الفن من إيجادها على‮ ‬غرار الأدب الروائي‮ ‬والمسرح‮. ‬ونراه في‮ »‬خطوبة‮ ...« ‬يعيد الكرة ويجعل من بطلته ماتيلد‮ (‬أودريه توتو‮) ‬شخصية لا‮ ‬يمكن نسيانها او تجاهلها فهي‮ ‬شاخصة وعائشة وراصخة أمام المشاهد أثناء العرض وبعده‮.‬
بالإضافة الى أن هناك التشابه الكبير ما بين شخصية إميلي‮ ‬وشخصية ماتيلد‮. ‬فما‮ ‬يجمعهما هو ذلك التأرجح ما بين الواقعية والفانتازيا‮. ‬وما لا‮ ‬يفرقهما هو ذلك العزم والإصرار على تغيير حياتهما وحياة الأخرين‮ (‬الأولى عبر الحلم والثانية عبر الذكرى وتخيّلها‮) ‬ويجب ملاحظة أن‮ »‬خطوبة طويلة جداً‮« ‬يعرض أحداثاً‮ ‬جرت ما بين العام‮ ‬1910‮ ‬و1920‮ ‬اي‮ ‬في‮ ‬حين كان الروائي‮ ‬الفرنسي‮ ‬الكبير مارسيل بروست ناشطاً‮ ‬على طريقته في‮ ‬البحث عن الزمن الضائع ولقائه والبطلة ماتيلد لا تستعرض وتستعيد ماضيها وذكرياتها فحسب،‮ ‬بل تعيشها وتستذكرها وتعيد بنائها في‮ ‬حاضرها‮.‬
تدور أحداث الفيلم حول فتاة في‮ ‬تمام العشرين من عمرها وُلدت في‮ ‬أول‮ ‬يوم من القرن العشرين تبحث عن خطيبها المفقود منذ سنة‮ ‬1917‮. ‬إنه مانيك‮ (‬غاسبار أولييل‮) ‬الذي‮ ‬حٌكم عليه بالإعدام مع أربعة مجنّدين آخرين لأنهم حاولوا التهرب من الخدمة كل بإطلاق النار على‮ ‬يده اليمنى‮ (‬تشويه ذاتي‮) ‬لكي‮ ‬لا‮ ‬يشترك في‮ ‬القتال‮. ‬فهل نُفّذ الإعدام بالخطيب او هل نجا من الحكم ولا‮ ‬يزال حيا؟ ونرى الفتاة تتحرى عن حبيبها وتسعى لمقابلة زملاء له ربما عرفوا شيئا عن مصيره وذلك في‮ ‬قالب تشويقي‮ ‬متين‮ ‬يتخطى كون الفيلم شريط حب او حرب‮. ‬فالأنواع الدرامية عند جونيه تختلط او تذوب ما بين التراجيدي‮ ‬والرومانسي‮ ‬والبوليسي‮ ‬والتاريخي‮ ‬مع لمسات لا تخلو من الكوميديا في‮ ‬أسلوب خلاب ومؤثر‮ ‬يتمايل ما بين الواقعية الفجة والخيال الشاعري‮ ‬المرهف‮. ‬فالروائية عنذ هذا المبدع هي‮ »‬قطعة حياة‮« ‬لا‮ ‬يحدها او‮ ‬يحصرها نوع‮.‬
وبما أن‮ »‬خطوبة‮....« ‬يعرض أحداثاً‮ ‬جرت أبان الحرب العالمية الأولى‮ ‬يتطرّق جونيه الى الوقائع ويمحورها ضمن الركائز القديمة للنظام الإجتماعي‮ ‬وهي‮ ‬الدين والحب والطب والقانون‮.‬

◊‮ ‬الدين‮ ‬◊
اللقطة الأولى من الفيلم هي‮ ‬لتمثال السيد المسيح على الصليب‮. ‬التمثال فقد جزءاً‮ ‬من منتصفه‮ ‬والصليب فقد أحد أطرافه‮. ‬في‮ ‬سياق الشريط نعلم أن كنيسة كانت قائمة ما بين الجبهة الفرنسية والجبهة الألمانية اي‮ ‬في‮ ‬الأرض المحايدة الفاصلة بين الجيشين والتي‮ ‬لا‮ ‬يملكها أحد‮ (‬منطقة حرام‮). ‬هذه الصورة الأولى وخلفيتها السماء الممطرة الملبّدة بالغيوم‮ ‬تضعنا في‮ ‬إطار المدلول على إنتهاك حرمة الدين وشرائعه‮. ‬من ثم‮ »‬تنزل‮« ‬كاميرا جونيه ببطء الى الأرض الموحلة او بالأحرى الى الخندق،‮ ‬خندق البشرية التي‮ ‬عزلت نفسها عن تعاليم‮ »‬المحبّة‮« ‬ووصية‮ »‬لا تقتل‮« ‬وذلك بعد أن تمر على جندي‮ ‬يولع سيغارته من القنديل المعلّق فوق الأسياج الشائكة ويعبيء رئتيه بسم الدخان وكأنه‮ ‬غير مبالي‮ ‬وهازيء من قوانين الأرض والسماء‮.‬
وتظهر الكنائس في‮ ‬الفيلم إما من خارجها او من على سطحها او من خلال بابها‮. ‬كاميرا جونيه لا تدخلها ولا تصوّرها من جوفها‮. ‬وعندما تتصل ماتيلد هاتفياً‮ ‬بالكاهن نرى هذا الأخير‮ ‬يخرج من الكنيسة الى الممر ليأخذ المكالمة قاطعاً‮ ‬تمارين الكورس على الأناشيد الدينية وكأن عمل الكاهن مقتصر على تلاوة الصلوات والغناء وليس على مساعدة رعاياه ومواطنيه روحياً‮ ‬وحياتيا مثلما‮ ‬يتضح في‮ »‬ردّّه‮« ‬على ماتيلد‮. ‬كما أننا نلاحظ أن هذه الأخيرة تردد دائماً‮ ‬كلمة‮ »‬المرحومين والديّ‮« ‬ feu mes paretns عوض أن تقول مثلاً‮ »‬رحمهما الله‮« ‬que Dieu ait leurs âmes ‮. ‬
ولا نراها تصلّي‮ ‬مرة واحدة او تتضرّع الى الله لتطلب منه أن‮ ‬يساعدها في‮ ‬إيجاد خطيبها حياً‮ ‬يُرزق‮. ‬عوض ذلك تلعب دوماً‮ ‬لعبة حظ صبيانية بقولها مثلاً‮ »‬إذا وصلت الى مفترق الطريق قبل السيارة فهذا‮ ‬يعني‮ ‬أن مانيك لا‮ ‬يزال حياً‮« ‬و»إذا أتى الكلب الى‮ ‬غرفتي‮ ‬قبل موعد العشاء إذاً‮ ‬خطيبي‮ ‬قد نجا‮« ‬الخ‮...‬
هذه الملاحظات تدعم قولنا سابقاً‮ ‬أن جونيه بقي‮ ‬فرنسيا في‮ ‬الصميم،‮ ‬فأدب القرن العشرين الأوروبي‮ ‬ومنذ الحرب العالمية الأولى ومن ثم الثانية‮ ‬يدور بمعظمه حول‮ »‬سكوت الله‮« ‬او‮ »‬صمته‮«. ‬أي‮ ‬كيف‮ ‬يسمح سبحانه وتعالى وهو الخالق القادر بالحروب وبالمصائب التي‮ ‬تحل على البشر؟ بالطبع الجواب كان متفاوتاً‮ ‬بين الكتّاب والمفكرين الملحدين من جهة‮ (‬موقفهم او جوابهم أصلاً‮ ‬لا‮ ‬يحتاح الى تفسيرات وتعقيدات‮) ‬وبين الأدباء المؤمنين في‮ ‬جهة مقابلة والقائلين أن مشيئة الله وتدخلاته في‮ ‬حياة الناس تتجلى بأشكال متعددة وحكمة لا‮ ‬يحدها العقل البشري‮. ‬والله عند جونيه‮ ‬يتجلى بالرحمة والشفقة والرأفة والعطف والحنان اي‮ ‬بالحب الذي‮ ‬أنعم به عز وجل على عباده‮. ‬ففي‮ ‬أول لقاء للخطيبين عندما كانا طفلين مانيك‮ ‬يسأل ماتيلد العرجاء‮ »‬هل تشعرين بالوجع عندما تمشين؟‮«. ‬هذا السؤال ذاته‮ ‬يعود الشاب الفاقد الذاكرة في‮ ‬نهاية الفيلم الى طرحه من جديد في‮ ‬أول كلمة‮ ‬يتوجه بها الى هذه‮ »‬الغريبة‮« ‬التي‮ ‬أتت لزيارته‮. ‬فالحنان والعطف والشعور بآلام الآخر هو ما‮ ‬يحرك الخطيبين‮ ‬والمجتمعات التي‮ ‬هي‮ ‬علمانية أكثر‮ ‬مما هي‮ »‬روحانية‮« ‬او‮ »‬دينية‮«.‬


◊‮ ‬الحب‮ ‬◊
المجتمع الغربي‮ ‬المعاصر المادي‮ ‬والحر جنسيا فقد رونق الحب الذي‮ ‬لم‮ ‬يعد واقعياً‮ ‬بمفهومه او حتى أمراً‮ ‬يمكن تصديقه إذ أنه‮ ‬يرى في‮ ‬مجمله أن الحب،‮ ‬ضمن عدة أمور أخرى،‮ ‬هو أيضا قد مات الا في‮ ‬الخرافة وربما في‮ ‬الشعر‮. ‬وحتى في‮ ‬حال وجوده فهو لاهث وأمده قصير لا‮ ‬يعرف او‮ ‬يتعرف على الوفاء والإخلاص‮ (‬ومن هنا نرى أن العنوان‮ »‬خطوبة طويلة جداً‮« ‬له معانيه المبطّنة‮). ‬لذا‮ ‬يتضح أن مفاهيم الحب قد انقلبت وتغيّرت وفقدت من وقعها ومصداقيتها السابقة‮. ‬فقصص الحب أضحت تصنّف الآن بأنها رومانسية او ميلودرامية أي‮ ‬غير واقعية فعلا‮. ‬لكن جونيه‮ ‬يضع الحب تحت راية المأمول و»المحلوم‮« ‬اي‮ ‬في‮ ‬خانة الشعر مما‮ ‬يضفي‮ ‬على حالة الحب التي‮ ‬تحملها ماتيلد لمانيك طابعاً‮ ‬مصداقياً‮ ‬يتفاعل معه المشاهد ويعتبره مقبولاً‮ ‬منطقياً‮ ‬حتى في‮ ‬زمن لم‮ ‬يعد‮ ‬يؤمن بوجود الحب‮. ‬وماتيلد لا نراها تبكي‮ ‬كغيرها من المتيّمات في‮ ‬السينما والأدب،‮ ‬بل المرة الوحيدة التي‮ ‬تذرف الدمع بها ليست عندما‮ ‬يزفون لها الخبر الكاذب بأن مانيك قد قضى ومات بل عندما تتأكد بأن مانيك لا‮ ‬يزال حياً‮ ‬يرزق‮. ‬فالأمل والإصرار على تصديق الحلم هو ما‮ ‬يحركها،‮ ‬وبهذه الطريقة تبعث حبيبها حياً‮ ‬حتى وإن كان بالفعل قد توفّى‮.‬
وبما أنه قيل الكثير عن بعض‮ »‬الثغرات‮« ‬في‮ ‬السيناريو مثل فارق السن بين ماتيلد ومانيك،‮ ‬فهي‮ ‬تصغره،‮ ‬كما‮ ‬يتكرر في‮ ‬الفيلم،‮ ‬بسنة واحدة وقد وُلدت في‮ ‬أول‮ ‬يوم من أول شهر من العام‮ ‬1900‮ (‬تفصيل درامي‮ ‬روائي‮). ‬لكن‮ ‬يرد لاحقاً‮ ‬في‮ ‬الفيلم بأنه عندما جُنّد سنة‮ ‬1917‮ ‬كان‮ ‬ينقصه خمسة أشهر ليصبح في‮ ‬العشرين مما‮ ‬يجعله أكبر سناً‮ ‬من ماتيلد بثلاث سنوات وليس بسنة واحدة‮ (‬في‮ ‬الحوار‮ »‬الصائب‮« ‬لغيوم لوران عندما تقف ماتيلد على قبر مانيك المزعوم تقول له‮: »‬عندما كنت حياً‮ ‬كنت أكبر مني‮ ‬بسنة واحدة اما اليوم للأسف فأنا أكبر منك بكثير‮«). ‬لكنني‮ ‬أعتقد أن هذا الخطأ المفترض والجلي‮ ‬والواضح هو مقصود أي‮ ‬بأن كل هذا ربما هو إختلاق مخيلة مراهقة تريد أن تضفي‮ ‬بعض اللمسات الحلمية على علاقة ربما هي‮ ‬أيضا كانت وهمية او‮ ‬غير دقيقة‮. ‬مثلما هي‮ ‬المصابة بالشلل في‮ ‬ساقها تتمكن من الركض مسافة طويلة لتلحق بالسيارة قبل أن تصل الى مفترق الطريق لأنه بهذا‮ ‬يثبت أن خطيبها لا‮ ‬يزال على قيد الحياة‮.‬
كما إنه من الممكن أن تكون ماتيلد مثل تلك الأم التي‮ ‬فقدت إبنها في‮ ‬الحرب و»تستبدله‮« ‬بمانيك الفاقد لذاكرته‮. ‬فتلك السيدة تعرف تماماً‮ ‬بأن هذا الشاب ليس إبنها لكنها تقول للسلطات إنه هو وتعامله على هذا الأساس حتى آخر‮ ‬يوم من حياتها‮.‬
ربما أيضاً‮ ‬أن القدرس‮ (‬طائر الألباتروس‮) ‬في‮ »‬خطوبة‮...« ‬الذي‮ ‬يُعاوَد ذكره مراراً‮ ‬كإسم للطائرة الحربية الألمانية وكأحد طيور البحر الضخمة العنيدة والمثابرة التي‮ ‬حكى عنها الشاعر العملاق شارل بودلير كـ‮ »‬رفيق سفر بليد‮ ‬يتبع السفن المنزلقة فوق الهاويات المرة‮« ‬كما‮ ‬يتلو سيلستين بو‮ (‬ألبير دودونثل‮) ‬الذي‮ ‬يتغاضى ربما عمداً‮ (‬أيضاَ‮) ‬عن ذكر آخر القصيدة التي‮ ‬يرد فيها بأن الشاعر هو شبيه هذا الطير الذي‮ ‬يتحدى العواصف والمخاطر والذي‮ ‬يعرج‮ (‬مثل ماتيدا‮) ‬لأن أجنحته العملاقة تمنعه من المشي‮ (‬أسلوب الكسوف او طريقة الحجب اي‮ ‬التعمد في‮ ‬عدم تقديم كل التفاصيل في‮ ‬الفن الروائي‮ ‬الحديث‮ ‬يدفع القاريء او المشاهد الى المساهمة الأكثر فاعلية في‮ ‬عملية الخلق إذ‮ ‬يجعل من المتلقي‮ ‬شريكا للمؤلف في‮ ‬تكوين الأحداث والأجواء وتصوّر الشخصيات‮).‬
من جهة أخرى‮ ‬يتطرق جونيه الى عدة أنواع من الحب‮. ‬فبالإضافة الى حب ماتيلد ومانيك اللذان‮ ‬يحفران دائما‮ »‬ثلاث مرات حرف‮ ‬M‮ ‬على الشجر والأجراس وغيرها للتأكيد على حبهما المتبادل وكأنهما‮ ‬يريدان تثبيته وترسيخه وتسجيله في‮ ‬ذاكرة الأشياء،‮ ‬هناك أيضاً‮ ‬مثلث‮ (‬موضة معاصرة‮) ‬إيلودي‮ ‬غورد‮ (‬النجمة الأميركية جودي‮ ‬فوستر‮) ‬وزوجها‮ (‬جان بير داروسين‮) ‬وصديقه باستوش‮ (‬جيروم كيرشر‮) ‬كذلك العلاقة المميزة التي‮ ‬تربط بين الكورسيكي‮ ‬أنجل باسينبانو‮ (‬دومونيك بتنفلد‮) ‬بالمومس تينا لومباردي‮ (‬ماريون كونيار‮). ‬هذه الأخيرة‮ ‬يحركها الإنتقام من الذين تسببوا بموت عشيقها‮. ‬حبها شغف‮ ‬يتداخل‮ ‬فيه القتل والعنف بينما حب ماتيلد هو مغاير كليا لا‮ ‬يعرف العنف‮ (‬المرة الوحيدة التي‮ ‬تلجأ الى العنف عندما تصفع سيلسيتين بو الذي‮ ‬لم تكن له أي‮ ‬علاقة سلبية بما جرى لحبيبها لكنه حاول بكلامه قتل الأمل فيها لا أكثر ولا أقل‮). ‬حبها لا‮ ‬يعرف او‮ ‬يتعرّف على الموت‮ (‬النهاية‮) ‬لأنه الحياة‭ ‬‮(‬البداية والإستمرار‮). ‬كما أن حب مانيك لا‮ ‬يختلف فهو بدوره‮ ‬يرفض الموت والقتل‮. ‬يقول‮: »‬سأعود الى‭ ‬قريتي‮ ‬وحبيبتي‮ ‬بعد تنفيذ الإعدام فيّ‮«. ‬وهو‮ ‬يتطلع الى اليد التي‮ ‬تسبب في‮ ‬عطبها رافضاَ‮ ‬استعمالها للقتل خصوصاً‮ ‬وأن هذه اليد عرفت الحب من قبل إذ كان وضعها على صدر خطيبته بعد أن طارحها الغرام أول مرة‮: »‬إنني‮ ‬أسمع قلب ماتيلد‮ ‬ينبض في‮ ‬راحة‮ ‬يدي‮«. ‬حتى بعد أن فقد أصبعين من أصابع‮ ‬يده المجروحة التي‮ ‬لا تزال مهددة بالغرغرينا والبتر‮.‬

◊‮ ‬الطب‮ ‬◊‮ ‬
ماتيلد مصابة بالشلل في‮ ‬أحد ساقيها لكن لا الطب الشعبي‮ (‬لصقات خردل وشعوذات و»كأس من النبيذ‮ ‬يومياً‮ ‬يبعد الطبيب نهائياَ‮«)‬‭ ‬ولا العلمي‮ (‬علاج الأعضاء بالتدليك او الأدوية‮) ‬يساعدها‮. ‬هنا أيضا الإنسان معزول ووحيد مع آلامه وإذا كان الدين‮ ‬يهتم بخلاص الروح فالطب المهتم برفاهة الجسد والعقل كان عاجزاً‮ ‬أكثر من أيامنا هذه عن تخفيف الآلام او تقديم العلاج لجرحى الحرب او للمصابين بالعاهات الناتجة عن الأمراض الجسدية او النفسية‮ (‬فقدان الذاكرة او الجنون عند مانيك‮). ‬فالمضادات كالبنسلين‮ (‬1928‮) ‬وغيرها لم تكن متوفرة بعد كما أن الطب النفسي‮ ‬لم‮ ‬يكن متطوّراً‮ ‬مثل اليوم او مطبّقاً‮ ‬على الرغم من أن فرويد كان قد بدأ نشاطاته ونشر أكثرية مؤلفاته‮. ‬
وبما أننا نذكر فرويد فيجب أيضا أن نذكر الجنس حيث أن ماتيلد لا تظهر عارية على الشاشة عندما تطارح مانيك الحب‮. ‬لكن جونيه‮ ‬يظهر بطلته عارية أمام الممرض المدّلك الذي‮ ‬تحلم الشابة بأنه‮ ‬يشتهيها وتتصوّره في‮ ‬خلوتها‮. ‬هذه التعرية أمام الطب ما هي‮ ‬الا الإعتراف بأهمية الرغبة الجنسية ودورها في‮ ‬حياة البشر وهو علمياً‮ ‬أمر طبيعي‮ ‬أي‮ ‬غير مبتذل او لا أخلاقي‮ ‬خاصة إنه‮ ‬يبقى ضمن المتخيّل وأن ماتيلد القروية الطيّبة‮ ‬ينتابها الشعور بالذنب والخجل والندم لأنها تشعر بهكذا رغبة نحو رجل ليس خطيبها‮. ‬هي‮ ‬تريد بإصرار أن تبقى وفية لخطيبها سواء أكان في‮ ‬الذكرى او المخيّلة او حتى في‮ ‬الباطن‮.‬
والتكلم عن الطب او العلم وانعكاساته على الحياة الإجتماعية لا‮ ‬يكون مكتملاً‮ ‬إذا لم نتطرق الى الأخلاقية التي‮ ‬تحركه‮. ‬ففي‮ »‬خطوبة‮...« ‬يظهر الطبيب وكأنه الوحيد من بين جميع‮ »‬المسؤولين‮« (‬أي‮ ‬الذين‮ ‬يلعبون دوراً‮ ‬في‮ ‬حياة الناس‮) ‬الذي‮ ‬يتعاطف مع الآخرين ويعاملهم بإنسانية‮. ‬فهو‮ ‬يعرف أن بينوا نوتردام‮ (‬كلوفيس لورنياك‮) ‬ومانيك هما من‮ »‬المتهربين‮« ‬من الخدمة وبالتالي‮ »‬محكومين‮« ‬وذلك بفضل‮ ‬يديهما المجروحتين لكنه‮ ‬يعالجهما دون أن‮ ‬يفضح أمرهما‮. ‬همّه أن‮ ‬ينقذ مرضاه وأن‮ ‬يخفف من آلامهم ضمن الإمكانات المتوفرة لديه‮. ‬في‮ ‬حين أن الشرائع المعمول بها والتي‮ ‬تطبّق على المجتمع خاصة أبان الحروب تدفع بالمواطنين نحو العذاب والموت‮. ‬كما إنه‮ ‬يمكن إعتبار عدم تسليم الطبيب مريضيه المحكومين الى السلطات بأنه‮ »‬تفهم‮« ‬لخصوصيات البشر وظروفهم‮. ‬فالناس لا تتصرف جميعها بنفس الطريقة إذ لها‮ »‬نفسيات‮« ‬مختلفة وأسباب تحرك هذا الفرد بإتجاه مغاير عن سواه‮.‬

◊‮ ‬القانون‮ ‬◊‮ ‬
منذ الدقائق الأولى من الفيلم،‮ ‬أي‮ ‬عند تعرّفنا الى الرجال الخمسة الذين حُكم عليهم بالإعدام،‮ ‬نرى كيف أن هؤلاء سُلخوا قسراً‮ ‬عن بيوتهم وحياتهم الخاصة ليجنّدوا ويُبعث بهم الى الجبهة للقتال‮. ‬أصبحوا أرقاماً‮- ‬كما‮ ‬يعدد صوت راوية الفيلم‮- ‬بفعل قانون جرّدهم من هوياتهم ليصيروا لا مجرّد جنود فحسب،‮ ‬بل حاملي‮ ‬بنادق‮ ‬ينصاعون عنوة لأوامر عسكرية تعسّفية تطبّق بصرامة‮. ‬ومن أجمل لقطات او مشاهد الفيلم هو عندما‮ ‬يأتي‮ ‬العسكر لأخذ المزارع نوتردام الى الجندية دون سابق إنذار فيقوى الريح فجأة بإتجاه عربته والى جانبه زوجته وطفله فيحني‮ ‬السنابل المتموّجة المزروعة على جانبي‮ ‬الطريق وكأنما هبّت عاصفة مباغتة أتت لتقصف وتطيح أبضاً‮ ‬برؤوس الناس العاديين وتقتلعهم من حياتهم الهادئة‮.‬
وكما‮ ‬يقول الفرنسيون‮ »‬القانون هو القانون‮« ‬أي‮ ‬إنه‮ ‬يجب تنفيذه والإنصياع له مهما كان جائراً‮ (‬فبدون‮ »‬نظام‮« ‬يتفتت المجتمع‮). ‬هذا بالطبع أمر مقبول خاصة في‮ ‬الأيام‮ ‬غير الطبيعية‮ (‬الحرب‮) ‬عندما‮ ‬يكون‮ »‬القانون فوق الجميع‮« ‬ويطبّق على الجميع‮. ‬لكن جونيه‮ ‬يرينا أن أول من‮ ‬يضرب بهذا القانون عرض الحائط ويستخف به هم القيّمون عليه‮. ‬فالضباط الكبار في‮ »‬خطوبة طويلة جداً‮« ‬لا‮ ‬ينفّذون أوامر رؤسائهم ويتجاهلونها‮. ‬وعندما‮ ‬يأتي‮ ‬العفو من الرئيس بوانكاريه عن الخمسة محكومين تُمزَّق الورقة او‮ ‬يوضع خطاب الأوامر في‮ ‬الماء لمحو الكلمات المكتوبة‮. ‬هذا الإستهتار بالقانون وبحياة الناس‮ ‬يشدد عليه جونيه بتصويره الضابط الذي‮ ‬يقتله نوتردام‮. ‬فهذا الضابط‮ ‬يركل جثث جنوده ويحثهم على القيام والقتال‮. ‬إنهم جُنِّدوا لكي‮ ‬يقاتلوا ليس الا إذ ليس بالمسموح الموت او العيش الا بأوامره وحسب نزواته‮. ‬أي‮ ‬أن القانون هنا هو ليس لحماية البشر والدفاع عن حقوقهم وحرياتهم‮. ‬أنه قانون وُضع للموت وليس للحياة الحرة الكريمة‮. ‬قانون‮ ‬يفصّل أين وكيف ومتى‮ ‬يموت المرء وليس بأي‮ ‬طريقة‮ ‬يعيش‮. ‬قانون‮ ‬غير عادل‮ ‬يركّز على الواجبات ولا‮ ‬يعتبر او‮ ‬يحترم حقوق الإنسان‮. ‬وهو بعيد كل البعد عن قواعد ومفاهيم‮ »‬الجمهورية‮« ‬الا وهي‮ »‬الحرية،‮ ‬المساواة،‮ ‬الأخوّة‮«.‬
وماتيلد لا تلجأ،‮ ‬حتى بعد الحرب والأحكام العرفية،‮ ‬الى القانون او لمؤسسات الدولة في‮ ‬بحثها عن مصير خطيبها‮. ‬إذ نراها تستعين ليس بالبوليس مثلاً،‮ ‬بل بالتحري‮ ‬الخاص جيرمين بيير‮ (‬تيكي‮ ‬هولفادو‮) ‬وبمحاميها بياري‮ ‬ماري‮ ‬روفيير‮ (‬أندريه دوسولييه‮) ‬الذي‮ ‬تتلاعب عليه وعن طريقه تتمكن من‮ »‬سرقة‮« ‬بعض المستندات المصنّفة سرية لدى الجيش والدولة‮.‬
‮»‬خطوبة طويلة جداً‮« ‬هو فيلم ممتع ومتين‮. ‬ذكي‮ ‬وغني‮ ‬في‮ ‬تفاصيله التي‮ ‬يمكن قراءتها على عدة مستويات بالإضافة الى كونه مشوّقاً‮ ‬وصادقاً‭ ‬في‮ ‬إنسانيّته‮. ‬فهو عمل ممتاز متقن سردياً‮ ‬وتقنيا وجمالياً‮ ‬مبني‮ ‬كأحجوجة سلسلة عناصرها محلكة بحس درامي‮ ‬شعري‮ ‬ناتج عن وجهات نظر متعددة لشخصيات نابضة بالحياة‮. ‬متأصلة في‮ ‬ماضيها وحاضرها ساعدتها إدارة ممثلين عميقة،‮ ‬رقيقة ونافذة‮ (‬أودري‮ ‬توتو كعادتها رائعة ومرهفة في‮ ‬دور ماتيلد وكذلك‮ ‬غاسبار أولييل وغيرهما‮). ‬ومشاهد الفلاشباك الكثيرة ليست مقتصرة على البطلة فقط،‮ ‬بل تعيشها عدة شخصيات وتنساب وتتداخل بشكل فاعل كقطع صغيرة ملوّنة لتشكل اللوحة النهائية‮ (‬فسيفساء‮) ‬للحقيقة المطعّمة بالخيال‮.‬


عشرون سنة ذهبية
(1980-1960)
محمد رُضا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Conversation | المحادثة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


إخراج: فرنسيس فورد كوبولا
تشويق، دراما - 1974
الأهمية: مُطلقة
ذات مرّة، ما بين مشاهدتي لفيلمي جيمس بوند »ثندربول« و»أنت تعيش مرّتين فقط« أذاع راديو بي بي سي
تقريراً عن آخر البدع التجسسية. كونها الستينات والحرب الباردة ومغامرات جيمس بوند فإن التقرير كان في وقته وتحدّث، عن مصادر علمية، عن بعض الإبتكارات للتنصت سمعاً وبصراً على الغير. أذكر إبتكاراً قال أن العلماء توصّلوا إليه وهو جهاز هاتف يعمل ككل جهاز مماثل حين تتصل برقم ما، لكن الهاتف الذي تتصل به سوف لن يرن، وعلى ذلك لن يرفع أحد السمّاعة. ما سيحدث هو أن المتصِل سيستطيع الإستماع الى ما يتم تداوله من حديث في مكان المتّصَل به٠
في فيلم فرنسيس فورد كوبولا، وفي مشهد لمعرض أجهزة التجسس، يروّج بائع لهاتف مماثل في فيلم يعتمد على تصوير حياة محترف تجسس وتنصّت لصالح من يدفع وهو يستخدم أدوات متعددة تتيح له تسجيل الحوار الدائر صوت وصورة من دون أن يعلم أحد. في عالم كعالمنا اليوم لا يزال الموضوع الذي كتبه وحققه الرائع كوبولا مطروحاً بامتياز ولا يزال الفيلم شابّاً بالمقارنة يتحدّث عن حالات الإنسان اليوم كما الأمس٠
جين هاكمان هو ذلك الواحد. وهذا أفضل دور لعبه في حياته رغم أن يستسلم قليلاً للخروج من الشخصية صوب شخصيّته المعهودة من حين لآخر. مطلوب منه أن يسترق السمع على رجل وإمرأة في الحب يتمشيّان في ساحة من ساحات مدينة سان فرانسيسكو وذلك لقاء 20 ألف دولار. محترف مثله لن يرض تقديم نتيجة تقنياً رديئة وهو مهتم بعمله على هذا الوجه٠ هذا الى أن يبدأ عالمه الداخلي (ذلك الذي بين رأسه وصدره) بالإهتزاز ويكتشف أنه هو نفسه غير آمن من تنصّت الآخرين عليه، ويدرك أن عمله إنما يؤذي أناساً عاديين يستحقون الحياة
المشهد الأول من الفيلم الكاميرا تهبط ببطء شديد على ساحة المدينة. الماثل أمامنا حركة عادية لأناس يمشون وآخرون يجلسون ويلعبون وكلب عابر وكل شيء طبيعي. لكن هناك شيء ما خطأ في الصورة. وهناك صوت تقني يتدخل في حوار قائم (بين الرجل والمرأة: فردريك فورست وسيندي وليامز)٠
المشهد الأخير نحن محصورين مع هاري (هاكمان) في شقّته. يبحث في أرجائها عن جهاز تنصّت. يبدأ بهاتفه وبالثريا المتدلّية من سقف الشقّة، ثم ينتهي وقد خلع ألواح الخشب في أرضية الشقّة ونقّب في الجدران. وها هو بعدما فشل في إيجاد ما يبحث عنه يلجأ الى آلة الساكسفون يعزف عليها لحنه الحزين لحياته الحزينة٠
جين هاكمان لا يخرج من جلدة الشخصية الا مرّتين او ثلاثة ينتقل بها الى حركاته الصغيرة في أي فيلم. لا بأس. الجهد الذي يبذله هنا لتشخيص الدور ثابت وتلك المشاهد التي تتبدّى له الحقائق ويجد فيها نفسه وقد تحوّل الى ريشة تتلاعب بها رياح خفية تبقى في البال٠ رجل لا يستطيع أن يحب. لا يثق بأحد ولا يقدر على أن يعيش كما البشر. حين يحاول أن يهتم يكاد يغرق. حين يقفل الباب على نفسه فإن أحداً لا يستطيع سماع صوت استغاثته. حتي هو٠
لجانب تمثيل هاكمان الجيد، ومعه جون غازال وروبرت دوڤال اللذان ظهراً أيضاً في »العرّاب«، فإن من حسنات الفيلم المتعددة الصوت والمونتاج الصوتي٠ حين تشاهده »استرق« السمع اليهما. فيلم عن هذا الموضوع لا يمكن أن يتم من دون إتقان عملية التوليف الصوتي والمؤثرات الصوتية على أفضل وجه ممكن. لكن الفيلم بحد ذاته فريد وممتع وتشويقي هاديء والمخرج يسيطر على أدواته كما لا يفعل سوى كبار المخرجين٠
.....................................................................................................
Young Cassidy

إخراج: جاك كاردِف
سيرة حياة، دراما - 1965

الأهمية: إذا كنت مهتماً بجون فورد و/أو سير حياة الشاعر الأيرلندي٠


كان من المفترض أن يخرج الفيلم جون فورد هذا الفيلم عن حياة الشاعر الأيرلندي جون كاسيدي ، أولاً لأنه جون فورد وثانياً لأنه سبق له وأن تحدّث عن أيرلندا (أصله) في أفلامه الأميركية كما في بعض الأفلام التي عاد من أجلها الى وطن أسرته ليصوّرها هناك ٠ لكن بعد أسبوعين من بدء التصوير او نحوهما، مرض المخرج فتم تسليم العملية الى جاك كارديف الذي أكمل الفيلم. معظم ما صوّره جون فورد موجود في الدقائق الخمسة عشر الأولى، وهي تقريباً أفضل مما في الفيلم لناحية معالجتها للزمان والمكان٠ بعد ذلك، هي طريق غير متوازنة بالنسبة لكارديف مدير التصوير البريطاني الذي أنجز نحو خمسة عشر فيلماً كمخرج لكن ليس من بينها ذلك الفيلم الكلاسيكي العريق (بينما في تصويره أكثر من مثل لمدير تصوير فذ)٠
رود تايلور وضع نفسه محل المسرحي شون كايسي (1880- 1964) في هذا الإقتباس المباشر عن سيرة وضعها شون بنفسه والفيلم ينتخب خطّين متلازمين إذ يتحدّث عن نضال الكاتب السياسي لأجل استقلال أيرلندا من ناحية ووقوعه في حب موظفة المكتبة (ماغي سميث) من ناحية أخرى وصولاً الى كيف توصّل الى أن يصبح كاتباً مسرحياً مرموقاً بعد بداية أثار فيها العديد من الإنتقاد والهجوم سواء بسبب مواضيعها او بسبب حواراتها التي اعتبرت بذيئة٠
رود تايلور لعب الدور جيّداً والتفاصيل الحياتية في مطلع القرن الماضي مرصودة جيّداً . المرء يتمنّى لو أن ذات الرعاية تسللت الى معالجة الفيلم الدرامية حيث تأتي المسألة السياسية كما لو كانت دخيلة رغم أنها أساسية وذلك بسبب أنها لا تتبدّى عاملاً أساسياً في تكوين شخصية الكاتب النفسية والسياسية على نحو صحيح. عوامل أخرى في هذا الفيلم جعلته مع الأيام منسياً من بينها نقد الكتّاب الذين عاصروا الكاتب الذي مات قبل أن يرى الفيلم٠
.....................................................................................................
The Alamo

إخراج: جون واين
وسترن/ واقعة تاريخية - 1960
الأهمية: 1 : أول فيلم من إخراج الممثل جون واين. 2: لسنوات شكّل حجر أساس لقراءة التاريخ الأميركي من وجهة نظر يمينية٠

حين شاهدت هذا الفيلم للمرّة الأولى بعد خمسة عشر سنة على إنتاجه (وبالسينما سكوت الحقيقي) وكان ذلك في باريس، وجدت نفسي منجذباً إليه بسبب حسن إخراج واين لمشاهد المعارك وبسبب الأحداث التي لم أكن -آنذاك- أعلم عنها الكثير: قلعة ألامو في تكساس كانت ملاذ الأميركيين المعادين للقوات المكسيكية المحتلة لتكساس قبل أن تتحر بالفعل وتصبح ولاية وُلد فيها -من بين من وُلد- جورج و. بوش٠ اليوم أعرف أكثر عن الفيلم ذاته بعدما التقطّه على ديسك٠ ما بين المرّتين الأولى والثانية شاهدت المزيد من أفلام اليميني المحافظ جون واين الذي كان »ألامو« أول أفلامه مخرجاً ليتبعه بفيلم ثان وأخير هو »القبّعات الخضر« او
The Green Berets
ألامو ليس فيلماً يمينياً غبياً. كان واين، الذي عمل تحت إدارة جون فورد طويلاً، ينتظر الفرصة لكي يقدّم فيلماً من إخراجه. و»ألامو« كان تلك الفرصة: بضع عشرات من الأميركيين البيض (ورجل أسود واحد لعبه ممثل مات سنة 2000 عن 98 سنة ونحو خمسين فيلماً أسمه جستر هيرستون) يقاومون جيشاً من نحو سبعة آلاف جندي مكسيكي مصمم على إحتلال القلعة ودحر المقاومين٠ جون واين ورتشارد ويدمارك ولورنس هارڤي و(إبن جون) باتريك واين كلهم لعبوا شخصيات حقيقية في التاريخ مقررين البقاء في القلعة والدفاع عنها حتى الموت رغم أن فرصة البقاء على قيد الحياة عُرضت عليهم. حين يبدأ الجيش المكسيكي بضرب القلعة بمن فيها يتصّدى التكساسيون في بطولات نادرة ويردّون الجيش المكسيكي أكثر من مرّة قبل أن يبدأ الإنهيار ويموت الجميع واحداً تلو الآخر٠
تأثير جون فورد واضح من خلال معالجتي واين الدرامية وإخراج مشاهد المعارك لكن الفيلم يؤخذ كمثال على القراءة الأميركية اليمينية المحافظة للتاريخ والوطنية٠ هناك مشهد لرتشارد ويدمارك المصاب والذي يمنح الحريّة لعبده الأسود. يعتقه حرّاً. لكن العبد الشهم يرفض أن يتخلّى عن صاحبه ويموتان معاً تحت وابل رصاص المكسيكيين٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠



No comments: