خمسة أفلام لخمسة نجوم ضد النجومية

لم يحدث لممثل أن أعرب عن أنه ضد النجومية لأنه في الحقيقة معها. لكن بعض الممثلين رفضوا قبول الأوسكار على أساس أنه يحوّل المواهب إلى ما يشبه سباق الجياد. التالي خمسة ممثلين مشهورين لعبوا أدواراً حاولوا فيها التعبير عن أنهم فنانون وليسوا مجرد نجوم شهرة:



مارلون براندو: Apocalypse Now رأس حليق ووزن زائد في دور قائد عسكري شرير. روبرت دينيرو: Raging Bull أدى دور ملاكم يكره نفسه وقام بزيادة وزنه لدرجة عدم اللياقة البدنية. بول نيومان: Cool Hand Luke عرض نفسه للكثير من الجهد في سبيل تمثيل دور سجين محكوم بالمؤبد بيرت رينولدز: Boogie Nights بعد جولاته كبطل دائم تحوّل رينولدز إلى ممثل مساند لأول مرة عبر هذا الفيلم سلفستر ستالون: Cop Land بحث طويلاً عن دور مختلف عن أدوار روكي ورامبو ووجده في هذا الفيلم.


Friday, February 6, 2009

ISSUE 6| Curious Case of Benjamin Button | Valkyrie | Gran Torino




Action
كنت أتحدّث وصديق هاتفيا حين ذكر أنني بت أميل الى نوع من الكتابة التي هي أعلى من مستوى معظم القراء. وقال: "لذلك لا أراك تستلم رسائل لموقع »فيلم ريدر« وكل الرسائل التي تستلهمها هي لموقع »ظلال وأشباح«". ثم اقترح أن أعدّل من النبرة الإحترافية لكي أجشّع القراء على التواصل أكثر مع المادّة٠
وأنا أحيل الموضوع بأسره إليكم٠
هل تجدون النقد المنشور هنا أعلى مما ترغبون؟
قبل الإجابة (وأنا أتمنّى من القراء ردّ فعل على هذا الكلام) لابد من توضيح أنني لا أكتب على شكل معيّن هنا وأكتب بأشكال أخرى في أماكن أخرى الا من حيث اعتقادي أنني في هذه المجلة تحديداً بدأت أحس بمسؤوليتي تجاه الكلمة النقدية المحترفة. كنت باديء ذي بدء أتحاشى أي خطابة وأي نحو تعبيري قائم على الحواشي الإنشائية التي تنتهي بالناقد باحثاً في المضمون وحده. وأنا لا أقول أن هذا النوع من النقد السينمائي هو الأفضل او أن الجمهور يجب أن يقرأ هذا النوع وليس سواه. في النهاية هو إختيار الجمهور كما هو اختيار الناقد وفي رأيي المتواضع أن الذي يريد الاستزادة في المعرفة السينمائية لابد أن يقرأ حيثيات الفيلم من الداخل وكيف تم صنعه وتنفيذه وليس فقط الرأي٠
ما أسهل الرأي والإنجراف إليه وما أصعب رصف تبريراته وصياغة أسبابه. والأصعب من الإثنين -ربما- أن يُساء فهم الناقد فينظر اليه البعض بأنه متعال او مختلف لأكثر مما يستطيعون قبوله٠
وأنا بإنتظار رأيكم في هذا الصدد٠
Cut


فيلم العدد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
THE CURIOUS CASE OF BENJAMIN BUTTON
*****
قضية بنجامين باتون المثيرة للفضول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يُقال أنه قبل مئة وخمسين سنة قال الروائي والأديب مارك تواين: "الحياة ستكون أسعد لو أننا نولد في سن الثمانين ثم نقترب من الثامنة عشر٠"
ف. سكوت فيتزجيرالد، الذي لا يزال من أشهر الروائيين الكلاسيكيين الأميركيين إما التقط الفكرة او راودته خاطرة مشابهة فكتب »قضية بنجامين باتون المثيرة للفضول« حول رجل وُلد متميّزاً عن الجميع: لقد وُلد طفلاً صغير الحجم بملامح وجه ومكوّنات بدنية لإبن الثمانين. وبينما يكبر حجمه كما حال الأطفال جميعاً كانت ملامحه الهرمة تتغيّر ووجهه يزداد شباباً وعظامه تقوى. في وقت واحد وفي جسد واحد كان بنجامين باتون، حسب القصّة القصيرة التي نشرها فيتزجيرالد في مجلة »كولييرز« الأسبوعية سنة 1922، كان في رحلة متعارضة: يكبر ويصغر في ذات الوقت. عند لقطة معيّنة سيلتقي -ونفسه- في لحظة واحدة من الزمن هي -ربما عمره الحقيقي- لكنها لحظة عابرة بعدها سيمضي في رحلته المتعاكسة. سيبدأ في الضمور بينما عمره على الأرض في تقدّم٠
ربما ليست الحياة أسعد لو وُلدنا كباراً وعدنا الى الوراء كما اقترح تواين٠ ليس على الأقل بالنسبة لهذا الفيلم ذلك لأن بطله، على الرغم من أزمنة سعيدة في حياته متّصلة باكتشافاته المتناثرة على سنوات حياته، لم يعش الحياة بكاملها على هذا النحو. مشاكله لم تكن أقل من مشاكل أي منّا. أوجاعه العاطفية ليست أخف وطأة من أوجاعنا، والحزن الذي يلبسه إذ يعلم أنه يمضي الى نهاية من الذوبان لا يختلف عن الحزن الذي يشعر به بعضنا وهو يخلف وراءه سنوات الشباب ثم الرجولة ويبدأ تحسس بحر الهرم بقدمه رويداً رويداً، كما يفعل الخائف من السباحة٠

ديڤيد فينشر

براد بت

كايت بلانشيت

الفيلم هو مستويات من التحديات ودراما من الصعب إنجازها الا إذا كان المخرج موهوباً كموهبة ديڤيد فينشر، المخرج الذي قدّم لنا »زودياك« في مطلع العام الماضي وقبله عدداً من الأفلام المثيرة للإعجاب على اختلاف مضامينها وأنواعها٠
تصوّر أن لديك حكاية كالتي قدّمت تريد أن تنفّذها بكل ما تحتويه من فلسفة وأبعاد وما تقترحه من أفكار٠ ثراء أبعادها هو عائق. كذلك الإصطدام سريعاً بمسألة أي من الأساليب ولإختيارات الشكلية التي يمكن لهذه القصّة أن تعبّر عما تحتويه من أبعاد. كاتب سيناريو هذا الفيلم، إريك روث، كان وضع سيناريو »فورست غمب« الذي يحوي أبعاداً فلسفية وعاطفية معيّنة ولا أدري كيف كتبه لكن الفيلم، تحت براثن المخرج روبرت زميكيس، تحوّل الى كوميديا فيها مواقف إنسانية بلا شك، لكنه منصهر تحت رغبة مخرجه التشديد على خيالية الوضع واستنفاذ الواقع لأجله٠
هذا على العكس تماماً مما يحدث هنا. ديڤيد فينشر لديه قصّة خيالية كان يمكن له أن يعالجها على هذا النحو خالقاً ومضات عالية من الترويج لغرائبية القصّة او الموقف٠ لكنه لم يرغب في ذلك. لا ننسى أنه هو ذاته الذي استلم مهام تحقيق الجزء الثالث من سلسلة الرعب
Alien
فأنجز فيلماً الرعب فيه داخلي وليس عيني٠ وهو الذي قام بإخراج »زودياك« البوليسي فحرمه من مشاهد مطاردات ومواجهات، وركّز على فحوى الحياة الصعبة ليس على ضحايا القاتل المتسلسل، بل على رجال البوليس والشخصيات الأخرى التي تحاول فك لغز ذلك القاتل٠
هذا ما يفعله فينشر: يُعالج الموضوع الخيالي كما لو كان واقعياً تماماً. لمساته تلك تنتشر في فضاء كل مشهد. نعم القصّة غير قابلة للتصديق، لكن هذا لا يعني أنها لا يمكن أن تؤخذ جدّياً. الحالة هنا هي المهمّة، والمعالجة هي التي قد تصنع وترفع هذا الفيلم او تكسر ظهره

ُُتراجي هنسون

واحد من الإختلافات الأخرى التي كان يمكن أن تحدث لو أن الفيلم وقع في اليد الخطأ هو تغليب التكنولوجيا على العنصر الحياتي. هذا الإختلاف يتبع طبعاً اختيار المخرج لحل واقعي للقصّة، لكن كان يمكن أن يحدث أن تتغلّب التقنيات على العمل بأسره وتحوّله الى فيلم مختلف يتبع مفهوم عمل آخر بين
The Polar Express هانكس وزيميكيس هو
إذ إختار فينشر هذه المعالجة سمح من ناحية أخرى لنفسه باستيعاب سيناريو إريك روث المختلف الى حد بعيد عن القصّة القصيرة. المشروع، كما يقول فينشر نفسه، بقي في أدراجه عدّة سنوات وأكاد أجزم أن ذلك التكامل الذي تطالعنا به كل لقطة وكل مشهد هو خميرة التحضير النفسي والعاطفي للفيلم على عدّة سنوات٠
باديء ذي بدء، فإن »قضية بنجامين....« ينضوي تحت ما يثير حماس المخرج في أفلامه: شخصيات منفردة تجد نفسها في مواقف مستعصية. صحيح إن هذا مفهوم منتشر يمكن التقاطه في عشرات الأفلام، لكن اختلاف أفلام فينشر في هذا الصدد عائد الى إهتمامه بالمحيط الإجتماعي للمكان. وليس المقصود بالممكان المدينة التي تقع فيها الأحداث (ولو أن ذلك مهم) بل المكان من المدينة، او من الفضاء الشاسع حولنا كما
Alien 3 في
من هذا المنظور، فينشر مخرج يطبّق غرائبيات على واقعيات٠ قبل وصول »سبعة« سنة 1995 (اول تعاون بين المخرج والممثل براد بت) لم نكن شاهدنا تجربة مماثلة تماماً. القذارة على الجدران. العنف في لقطات الموتى، المتاعب المسكوت عنها عند الشخصيّتين (براد بت ومورغان فريمَن) حتى الفضاء المفتوح في نهاية الفيلم، كلّه محسوب بعيداً عن أساليب السينمائيين الهوليووديين القدامى ما يشكّل نوعه الخاص من الفيلم نوار٠ لكن المهم هنا هو أنه يوحي بعين تلتقط البيئة كاملة وبصورة واعية لإسقاطاتها الإجتماعية والأخلاقية وحتى السياسية ويضع فيها الحركة والشخصية الواقعيّتين من دون تشكيل أي تناقض، وهو تماماً ما فعله في هذا الفيلم٠
في الرواية الأصلية، فإن الأحداث تبدأ ببنجامين باتون وهو عجوز وتعود به الى الوراء. في الفيلم نبدأ بإختيار أصعب بكثير: بنجامين حين وُلد طفلاً بوجه عجوز وقصّة نموّه الغريبة في إتجاهين متناقضين٠
في الرواية الأصلية، تنتهي القصّة وبنجامين يؤم المدرسة الإبتدائية مع حفيده الصغير (كونهما الان طفلين). في الفيلم يتجاوز بنجامين سن الدراسة صغيراً عائداً الى الطفولة التامّة لحين إغلاق عينيه والعودة الى الموت الذي جاء منه محمولاً بين يدي المرأة التي أحب -وهو شاب كما وهو رجل- والتي أصبحت بمثابة أمّه الوحيدة. الشاهدة الوحيدة التي بقيت على قيد الحياة٠
في الفيلم يقص علينا المخرج الحكاية عبر مذكّرات تحتفظ بها دايزي (كايت بلانشيت) لبنجامين وقد أصبحت الآن في أواخر عمرها مستلقية على سرير في مستشفى على بعد ساعات من عاصفة هوجاء ستضرب المنطقة٠ إبنتها (جوليا أورموند) هي التي تقرأ المذكّرات وأمها هي التي تعلّق والمخرج ينتقل بين هذا المشهد وبين التعبير الصوري عن كل مرحلة من مراحل حياة بنجامين المثيرة لما هو أكثر من الفضول٠
إذ وجد المخرج المفتاح الذي من خلاله سيروي حكايته ينطلق من اللحظة التي وُلد فيها بنجامين في أسرة بيضاء صغيرة . إنه سيكون الطفل الأول لأبيه توماس باتون (جاسون فليمنغ) الذي يقف وراء باب الغرفة الموصدة على الطبيب والممرضات منتظراً ولادة زوجته. يهرع الى داخل الغرفة . الأم تموت خلال الوضع وهو ينظر الى طفله ويهلع٠ يأخذ من فراشه ويهرع به الى الشارع هارباً يريد تركه عند شاطيء النهر. رجل بوليس يشاهده ويطارده. في هربه يدخل منزلاً مخصصاً للكبار سنّاً. يضعه على الدرج داخل المنزل المؤلّف من طابقين ويختفي٠
الشخص الذي يجده هو كويني (ترايجي هنسون) إمرأة أفرو- أميركية تدير المكان ومثل والده تبهت لملامح بنجامين لكنها تتبنّاه على أي حال٠ إذ يكبر بنجامين مقعداً باديء الأمر ثم ماشياً على عكّازين ثم منطلقاً على النحو الطبيعي للبشر، فإن هناك أحداثاً كثيرة تقع معه وشخصيات عديدة تدخل وتخرج من حياته بمن فيها عودة والده إليه. الأب يعرف أن هذا الرجل (الذي يكبره سنّاً) هو إبنه ولاحقاً ما يدرك بنجامين (وقد أصبح الآن في ذروة الرجولة) أن توماس أبيه. القبطان الذي يقود سفينة الصيد الصغيرة عبر أنحاء العالم مانحاً بنجامين الفرصة لمشاهدة الدنيا والذي يقرر أن الحرب العالمية الثانية هي حربه فيشترك -بسفينته غير الحربية بها. الأم بالبتنّي كويني التي تكبر بينما بنجامين يصغر. ثم دايزي، الفتاة التي جذبته منذ أن كان هو كبيراً وهي فتاة صغيرة والتي يلقاها لاحقاً وقد أصبحت أصغر منه قليلاً، ثم في عمره ثم أكبر منه٠

إنه حس غريب ذلك الذي يحصده الفيلم من مجرّد الفكرة الماثلة في الفيلم. أب يلتقي بإبنه الذي يكبره سنّاً. المرأة التي يحبّها بنجامين وهي آيلة الى الشيخوخة بينما هو آيل الى الطفولة. وهناك قدر كبير من الأحداث القائمة بين بنجامين وبين دايزي وبينه وبين كل شخصية أخرى٠ واحد من أفضل المعالجات السينمائية في التاريخ، يكمن في أن السيناريو والفيلم لم يرغبا في جعل كل لقاء بين بنجامين وشخص آخر يتمحور دائماً حول وضعية الأول الخاصّة. بكلمات أخرى، بنجامين يبدو مقبولاً من كل الأطراف حتى من أبيه الذي كان نبذه صغيراً٠ القبطان يلحظ في جلسة أن بنجامين يزداد شباباً لكن هذه الملاحظة ترد في جلسة من خلال عبارة واحدة والموضوع بأسره يُثار بين دايزي وبنجامين على أساس أنه جزء من المعضلة العاطفية والإنسانية بينهما خصوصاً حين يقرر بنجامين ترك دايزي الحامل لأن بقاءه لن يكون سهلاً إذ، وكما يقول لدايزي، سيصبح عليها لاحقاً العناية بطفلين (يقصد طفلتهما التي ستصبح جوليا أورموند) وهو حين يصغر)٠ عدا ذلك، فإن المسألة تمضي كتكوين منصهر داخل القصّة لأن غاية المخرج عدم تشكيل نتوءات مظهرية تستجيب لنداء الرغبة السهلة في إثارة التعجّب والدهشة٠
في عمق الدلالات الخط الممتد بين الحياة والموت٠
في مشهد من الفيلم يعلّق بنجامين على هذا الموضوع بقوله: »ليس المهم متى نولد ومتى نموت بل كيف نمضي حياتنا«٠ على الشاشة الموت يأتي طبيعياً . في بيت رعاية العجائز والمسنين الذي تديره كويني هو أمر معتاد. كل شاغر سرير كان وصل الى أواخر سنوات حياته حين انضم الى هذه البيئة ويلاحظ بنجامين هنا كيف أن الصمت والهدوء يسودان الدار الكبيرة كلّما مات أحد. وهو يسترجع موت إمرأة علّمته العزف على البيانو. ثم يصل الدور الى كويني لكن من بعد أن يكون بنجامين وجد البديل العاطفي الممثل بدايزي٠ ولاحظ كيف أن هذا البديل العاطفي دخل الصورة في الوقت المناسب لكي يتحوّل الى أم ثانية ٠
لكن الموت يطال الأشياء أيضاً. يتمثّل في نهاية علاقات، كما هو الحال حين تنتهي العلاقة بين بنجامين والمرأة البريطانية اليزابث (تيلدا سوينتون) وحين تنتهي طموحات دايزي بالتحول الى راقصة باليه٠
ولا تنسى الإعصار الكبير المشابه لإعصار كاترينا وقد نقل المخرج الأحداث الى نيو أورليانز (قبل أن يضرب الإعصار المذكور المدينة وصوّر الفيلم فيها بعد ذلك)٠ مع علم المشاهد في باطنه ما أدّت اليه تلك العاصفة الهوجاء من دمار فإن الكامن في البال هو موت كبير يلحق بكل الأشياء والفيلم ينتهي بمنسوب الماء وهو يرتفع كما لو أن النهاية التي يتحدّث عنها الفيلم هي فيضانية تنتظرنا جميعاً يوم القيامة٠

بين بدايات الأشياء والعلاقات والأعمار ونهاياتها، هناك الكثير من الأفكار الفلسفية المطروحة خصوصاً حين يأتي الأمر للبحث عن الزمن المفقود داخل الزمن الوليد٠ بنجامين لن يستطيع أن يكون القائد المبادر بسبب نشأته غير الطبيعية٠ كل ما يستطيع أن يقوم به هو تقبّل مصيره بهدوء العارف (فكرة فلسفية أخرى) بذلك المصير باستثناء المرّة التي وقع فيها في حب دايزي فلحقها الى باريس ليعرض عليها العيش معاً. حينها كانت مرتاحة لما أنجزته وتتطلع الى المزيد وتعيش سعيدة بعلاقاتها المفتوحة وتجد أن بنجامين لم يعد مطلبها كما كان حين كانت أصغر سنّاً. لكن بنجامين يصر بطريقته الخالية من الإلحاح. عبر وجوده فقط خصوصاً بعد أن تتعرّض ديزي الى الحادثة٠

علىّ أن أقول هنا أن لا مشهد يأتينا كجزء من القصّة فقط. ليس هناك مشهد مرتّب لكي يكون وصلة بين مشهدين. حتى المفهوم المتجسّد في قيام الإبنة كارولين (أورموند) بقراءة المذكّرات لكي يدلف الفيلم بين مراحل تلك الحياة، لا يمر فقط كوصلة٠ هناك حياة وموت داخل تلك الغرفة إذ قد تلفظ أمّها الأنفاس في أي لحظة كما هناك ردّات الفعل على ما تسمعه الأم (بلانشت) من اعترافات بعضها للمرّة الأولى وما تعلّق عليه من إعترافات بدورها. كل شيء نابض في هذا الفيلم بخيوط تؤلف أفكاراً كثيرة مثل غرفة معبّقة بدخان السيغارة٠

التصوير
سوينتون وبِت
كلوديو ميراندا، الذي صوّر لفينشر »زودياك« هو الذي صوّر هذا الفيلم. وهو مدير تصوير ناشيء. هذا الفيلم هو ثالث فيلم روائي له. وأول ما نلحظه في عمله هو نتيجة اتفاق مسبق بينه وبين المخرج: عدم تناول العقود المختلفة للفيلم (سبعة او ثمانية) على أساس مراحل زمنية٠ بذلك فإن البديل، الذي نشاهده، هو تصوير الفيلم بنفس واحد. بأسلوب عرض لا يختلف مطلعه عن نهايته وبعدم التنويع بين تقنيات التصوير او بين سياسته تبعاً لتلك المراحل بل سيادة النتيجة البصرية الواحدة وهذا ما جعل الفيلم ينمو ضمن شرنقة متجانسة لأنه من السهل الإنتقال من صنف مظهري للحياة في العشرينات مثلاً الى صنف مظهري للحياة في السبعينات باستبدال وسيلة العرض. الفلاش باك ليس بالأبيض والأسود والزمن الحاضر ليس ملوّناً. البهجة لا تطل هنا وتختفي هناك. الفيلم كلّّه فيه دكانة اللون البنّي والظلالات المناسبة لروحه. هذا لا علاقة له بالعدسات ذاتها او بنوعية الكاميرات المستخدمة او حتى بالأفلام الخام وحساسية كل مجموعة منها، بل له علاقة بكيف تنصهر كل هذه التركيبة (الضرورية تبعاً لاختلاف الأماكن واختلاف المشاهد) في ذلك المظهر البصري الواحد٠
معالجة فينشر عادة ما تكون محسوبة. فيلمه (اي فيلم) يتحدّث إليك طارحاً أعمق ما يمكن الوصول اليه من حيثيات بهدوء من لا يكترث إذا ما استمعت الى حديثه او لا. بعض قليل تجد أنك مجبر -تجاه هذا الكم من الصور المثيرة والكم من المضامين المهمّة- أن تتابعه بكل قدرة أوتيتها على الإهتمام. البرودة التي قد يشعر بها المرء تسري في الفيلم ليست سوى نتيجة إختيارات المخرج المشهدية من وسائل التعبير. لا ممثليه يغالون في الحركة والتعبير والإستعراض (وبراد بت نموذج رائع لهذا المنهج) ولا الصورة تتقافز أمامك لتؤكد شيئاً ما. ذات النبرة المستخدمة في معظم أفلامه خصوصاً في
Alien 3 و Se7en

هناك فصل من الفيلم يقع في فندق شبه مهجور بين بنجامين واليزابث (سوينتون): كل ليلة بعد منتصف الليل يهبط بنجامين الى القاعة ليلتقي باليزابث جالسة وحيدة. معاً يتّجهان الى ركن من المطبخ في الفندق القديم ويتجالسان ليشربا الشاي٠ لاحقاً أصبحاً يتجهان أيضاً الى غرفة لممارسة الحب٠
اترك مسألة الحدث الكامن في ذلك الفصل٠ تابع التكوين السينماتوغرافي للمشاهد. من تجد؟ تجد ستانلي كوبريك٠ ليس نسخة منه بل نسخة فيه (إذا صحّ التعبير) بمعنى ملازمة ومصاحبة لتكوينات المشهد البسيط في التكوين الدرامي (حديث بين إثنين) والمستفيض في بساطة معقّدة قائمة على اختيار المسافة بين الأشياء والشخصيات وبين الكاميرا، كما على اللون الشاحب وكيفية الإضاءة وتلك النافذتين المغلقتين اللتين تطلان عليهما في جلساتهما المطبخية٠
حدثياً، يختار المخرج دائماً فصلاً من المشاهد - او مشهداً معيّناً- ليغمره بحوار طويل بين إثنين.مورغن فريمن وبراد بت يتحدّثان طويلاً في السيارة التي تقلّهما الى الفصل الأخير من »سبعة« ومارك روفالو وجايك جيلنهال في »زودياك«. وهنا لدينا هذا المشهد الذي يجلس فيه بنجامين الى يمين الصورة واليزابث الى يسارها عند طاولة ملصوقة بالجدار تحت النافذتين ليتحدّثاً. في واحد من تلك اللقاءات يعلم بنجامين أنها حاولت قطع المسافة بين الشاطئين الإنكليزي والفرنسي وتوقّفت قبل ثلاثة أميال من البلوغ. وأنها لن تعيد التجربة٠ لاحقاً، بعد سنوات من انقطاع العلاقة، يراها على شاشة التلفزيون وهي أنجزت التحدي٠ الآن هي أكبر سنّاً ما يصح منحها لقب أكبر إمرأة (سنّاً) قطعت بحر المانش سباحة٠ تقف هنا عند آخر مرامي أهمية ذلك الحوار السابق٠

المونتاج
ليس هناك (على الأقل بين الأفلام المرشّحة للأوسكار) ما هو أصعب مونتاجاً من هذا الفيلم. هناك مثيل له في عملية الإنتقال بين المراحل كما في فيلم »القاريء« [إخراج ستيفن دولدري وتوليف كلير سمسون] من حيث انتقال الأحداث بين فترات زمنية متعاقبة او على نحو متداخل، لكن الجهد المبذول (والقيّم) في فيلم دولدري يبدو فطرياً (او على الأقل ابتدائياً) بالمقارنة مع توليف فيلم »قضية بنجامين...« الذي قام به إثنان هما كيرك باكستر وأنغوس وول. المهمّة التي لابد أنها صعبة (وهما على أي حال يعترفان بذلك في بعض المقابلات الصحافية التي أجريت معهما) هي كيف يمكن تنفيذ مثل هذا الإنتقال كونه مركّباً بين عدّة عناصر وشخصيات ومفارقات كلها تدخل أتون زمن (او إذا شئنا) زمانين. زمن بنجامين الغريب وزمن الحياة الطبيعية لدى الآخرين٠
المونتاج هو أكثر بكثير من مجرّد قص ولصق الصور تبعاً للسيناريو لأجل تكوين الفيلم كما سنراه مع إلغاء تلك اللقطات التي لن يتم استخدامها٠ هناك سبب في قيام المخرج (أكاد أقول أي مخرج لكن المخرج الجيّد أساساً) في تصوير لقطة واحدة عدّة مرّات٠ وعند فينشر السعي الى التكامل في كل ركن من أركان تلك اللقطة هو واحد من أهم الأسباب (وهذا ما يجعله خليفة كوبريك أيضاً ولكن بأسلوبه الخاص)٠ هذا سيعني لا محالة، وأنا هنا أتوقّع من مسافتي كناقد) أن المخرج سيصوّر الكثير من اللقطات التي قد يبو العديد منها متشابه٠ الدور المونتاجي هو تحديد تلك الأفضل ليس فقط من زاوية صلاحيّتها التقنية والفنية العامّة، بل من حيث ارتباطها بجوهر الأسلوب الذي اختاره المخرج لعمله٠
هذا يأتي قريباً وبعيداً عن العلاقة بين فعل المونتاج هنا وبين تلك النقلات الزمنية خصوصاً وأن الزمن المؤلف من زمانين داخل الفيلم ليس الوحيد الذي يعالجه المُوَلِّفان، بل أيضاً الزمن الذي تم فيه التصوير على مراحل والزمن الفاصل بين تصوير اللقطة ودخولها الماكياج الغرافيكي لإتمام الملامح تبعاً للفترة من السن الذي على بنجامين/ براد بت المرور به٠
هنا أعتقد أن شغل المخرج مع باكستر ووول لابد بدأ طويلاً قبل مراحل التصوير المتقدّمة كما هو الحال في تلك المرّات التي تفرض فيها شروط السيناريو او المشروع الخاصّة الجلوس الى المونتير لإشراكه في الفيلم حتى من قبل التصوير٠
ديفيد فينشر كان قال ذات مرّة أنه لا يكترث من سيعاني في الفيلم لأجل أن يأتي الفيلم كما يجب أن يأتي٠
وأستطيع أن أتصوّر معاناة الجميع تحت هذا الشعار. لكنها المعاناة التي تنتج عنها في نهاية المطاف هذه التحفة والتي لابد تحمل السعادة لكل من يشترك في تلك المهام الفنية الأساسية من كتابة وتصوير وتمثيل ومونتاج وصوت وكومبيوتر غرافيكس وتصميم مناظر (وهذا جانب يطول الحديث فيه أيضاً) وخلاف كل هذا من ميادين عمل٠

CAST & CREDITS
Drama [USA- 2008].
Director: David Fincher
Cast: Brad Pitt, Cate Blanchett, Julia Ormond, Taraji Henson , Jason Fleming, Faune A. Chambers, Elias Koteas.
Screenplay: Eric Roth; based on a short story by F. Scott Fitzgerald.
Cinematography: Claudio Miranda (Color).
Editor: Kirk Baxter, Angus Wall [167 min].
Music: Alexandre Desplat
Producers: Kathleen Kennedy, Frank Marshall, Cean Chaffin
Prod. Company: Kennedy/ Marshall Company/ Paramount Pictures
Distributor: Paramount/ Warner
World Premiere: December 25, 2008 (USA, New Zealand).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أفلام معروضة حالياً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
VALKYRIE **
إخراج: برايان سينجر
تمثيل: توم كروز، توم ولكنسون، كينيث براناه
** : تقييم الناقد
.......................................................................................................

في مطلع هذا الفيلم الذي يتحدّث عن آخر محاولة لاغتيال هتلر (من بين نحو خمسة عشر محاولة فاشلة مثلها) نرى توم كروز في دور الكابتن شتوفنبيرغ في صحراء تونس خلال الحرب العالمية الثانية. يكتب مذكراته وفيها شكواه من سير الحرب وحكم هتلر. فجأة تقع غارة بريطانية تضرب الموقع فيخسر شتوفنبيرغ عيناً ويداً وأصابع من يده الأخرى. لكن هذا لا يمنع من ترقيته الى مسؤول عن فيلق الإحتياط حيث يتحوّل هوسه بالإطاحة بهتلر الى فعل حقيقي يشترك فيه مع عدد من القادة والمسؤولين . هؤلاء يبدأون في حياكة إنقلاب ينضوي على إغتيال هتلر بواسطة تفجير عبوّة في مكتب الإجتماعات. التفجير يتحقق لكن هتلر كان قطّاً بسبعة أرواح ونجا من الحادثة والإنقلاب انتهى باعتقال القائمين به وإعدامهم٠
بمن فيهم الجنرال شتوفنبيرغ٠
كلنا نعلم سلفاً أن هتلر لم يمت بمؤامرة إنقلاب او بحادثة اغتيال (وبل لسنوات طويلة بعد انتهاء الحرب سادت شائعات بأنه لم ينتحر كما تردد بل لا يزال حيّا) والمخرج برايان سينجر يحاول تجاوز المعلوم بشحن الموقف وتحويل الأنظار من المتوقّع الى الحدث نفسه. وهو ينجح الى حد كاف خصوصاً وأن الممثل الذي يضطلع بدور البطولة -أي توم كروز- يحمل الفيلم على كتفيه ويكاد يقع من حين لآخر تحت وطأته٠
كروز ليس مقنعاً في هذا التشخيص ليس لأنه ممثل غير موهوب وليس لأن شخصية شتوفنبيرغ كانت مختلفة عن تلك التي مثّلها كروز، بل لأن الفيلم لم يسمح بأي عمق يستطيع الممثل الغوص فيه لكي يأتي بتمثيل من نفس طينة عمقه. ما أن تتجاوز الزي العسكري حتى تجد أنك أمام الممثل وليس أمام الشخصية٠
كروز محاط بعدد من الممثلين البريطانيين من بينهم بيل نيفي وترنس ستامب وتوم ولكنسون وإيدي إيزارد كما لو أن السينما خلت من ممثلين ألمان يقومون بأدوار هؤلاء. المشكلة هي أن توزيع كل هذه الأدوار المساندة لبريطانيين جعل الفيلم يبدو كما لو أن هناك خطأ في التاريخ وأن هتلر ربما يكون بريطانياً والنازية حدثت هناك ٠
فيي العام 1967 وبميزانية لم تتجاوز الستة ملايين دولار، أنجز جون سترجز فيلماً حول المؤامرة ذاتها هو
The Eagle Has Landed
لكنه تشعّب فيها متمحوراً أيضاً حول خطّة لاغتيال تشرشل. روبرت ردفورد لعب شخصية الكولونيل ردل بقماشة سوداء على عينه وبيده مبتورة، لكن الفيلمين يختلفان اختلافاً كبيراً في نواحي كثيرة٠
برايان سينجر الذي سبق وأخرج »رجال إكس« ومن قبل »المشتبه بهم العاديون«، الذي لا يزال أفضل أعماله، نجح في تحريك هذا الفيلم في سرعة مقبولة وإيقاع حثيث لكن لا هذه السرعة ولا ذلك الإيقاع يفضي الى عمل فني. في الأساس هو فيلم تشويقي النوع. المفترض أن يتابع المشاهد الأحداث بكثير من الفضول والإهتمام وأن يقفز قلبه من مكانه مرّة بعد أخرى، لكن ذلك العمق بدوره مفقود. لا يوجد في فيلم سينجر الكثير من الاسئلة التي تتيح التوقعّات وتفتح المجال لفضول المشاهد. بل كل شيء مروي بأسلوب من شاهد أفلاماً سابقة تدور في رحى النازية مصنوعة في هوليوود ولندن الستينات وأراد تقليدها٠


Gran Torino ***
إخراج: كلينت ايستوود
تمثيل: كلينت ايستوود، كريستوفر كارلي، بي فانغ٠
*** : تقييم الناقد
.......................................................................................................

يتحدّث النقاد في كل مكان عن كلينت ايستوود كظل وحيد قادم من هوليوود القديمة ولا يزال أحد عمالقتها الى اليوم٠ يقولون أنه أحد القلائل الذين لا يزالون يعملون بشيفرات الإخراج وقواعده الكلاسيكية. لا. في الحقيقة إنه الوحيد٠ في السينما ممثلاً منذ 53 سنة ومخرجاً منذ 37 سنة وصاحب أربعة أوسكارات وهو لا يزال يقف وراء الكاميرا وأمامها ويطلق أفلاماً يحبّها الجمهور. نظرة الى قائمة الأفلام الأكثر رواجاً هذه الأيام في الولايات المتحدة تؤكد أنه لا يزال في لياقته كما لو كان شابّاً في الثلاثينات٠
هكذا نحسبها: فيلم توم كروز »فالكيري« (أعرف. العنوان يشبه إسم ماركة جبنة لكن الفيلم كله جبنة كما عرضنا في الأسبوع الماضي) كلّف 75 مليون دولار لكي يتم تحضير نسخته للعرض (أي من دون الدعاية ومصاريف أخرى تتراوح عادة ما بين 20 و 30 مليون دولار) وجلب من الأسواق العالمية حتى الآن 94 مليوناً. وكلنا نعلم أن عليه أن يسجل نحو 170 مليون دولار لكي يبدأ بتحقيق الأرباح (وسوف لن يحققها) هذا على الرغم من أن الممثل الواصل الى مرتبة النجومية توم كروز هو الممثل الأول فيه٠
خذ »غران تورينو« في المقابل: كلف 35 مليوناً فقط. تم صرف 15 مليون دولار فقط على دعاياته وجمع من السوق الأميركية وحدها حتى الآن 112 مليون دولار ولا زال في المركز الخامس هذا الأسبوع ولم يوزّع بعد عالمياً. من يكون النجم الحقيقي فعلاً؟

لكن لجانب هذه الحقائق المهمّة حول وضعية الممثل- المخرج ايستوود هو بالفعل فنّان جيّد ونشط. في فيلمه الجديد »غران تورينو« يعالج حكاية مجنّد سابق يعيش في منزل في حي كان هادئاً ربما قبل عشر سنوات والآخر أصبح حارة تحيط بها وتنزل فيها الأقليّات: مكسيكية وسود وآسيويين. وهناك عائلة أسيوية بالقرب منه. لا هو يحبّها ولا أم العائلة تطيقه٠ لكنهما متجاوران وعليه القبول بذلك- وهو يقبل ذلك على مضض وبزمجرة ضيق غير مفتعلة٠ لكن الأحداث سترينا كيف سينجح صبي وشقيقته من هذه العائلة الصينية بفتح ذلك الباب الصغير في قلبه للتغيير. كيف سينجحان في تغيير استعداده الجاهز لمعاداة العنصر الآخر انطلاقاً من عنصريّته غير الدفينة وسيتعلّم كيف يضحّي بنفسه لإنقاذ العائلة الصينية من أذى لا يمكن إيقافه الا إذا فعل٠

في مطلع الفيلم مشهد دفن زوجته. استمع الى الموسيقا الخافتة المعزوفة في الخلفية كما لو كانت ظلال شجرة وارفة. إنها تشبه موسيقا فيلم »غير المسامَح« التي وضعها أيضاً في المشهد الأول من ذلك الفيلم والذي يبدأ أيضاً بدفن زوجته٠ ومن هنا تستطيع أن تتابع عملاً يحوي قدراً من الحساسية الخشنة. بطل الفيلم (ايستوود) ليس غريباً عن مخرج الفيلم (ايستوود) في مواقفه حيال البيض والسود. إنه ليس إنساناً عنصرياً لكنه عالج المسألة العنصرية منذ أيام »ديرتي هاري« حيث كان الشرطي المعيّن معه إما آسيوي او مكسيكي او أسود او .... في حالة فيلم بعنوان
The Enforcer
إمرأة٠
كذلك في فيلم »الخارج على القانون جوزي وَلز« نراه ينشد سلاماً بين البيض والسود وبين حاضره وماضيه٠ المختلف هنا هو أن الفيلم الجديد هو تحديداً عن رجل عنصري يجد أنه مدفوع الآن لإعادة ترتيب حياته (التي ربما كانت قصيرة الأجل لسبب لن أكشفه الآن) وفتح النافذة واسعة أمام تغيير جديد. هذا فيلم من أفلام ايستوود الأخيرة عن القضايا والمفاهيم الإنسانية الكبيرة التي تتابعت منذ نحو عشر سنوات: سوء إستخدام السُلطة من قبل رئيس الجمهورية في »سُلطة مطلقة« (1997) الإدانة الجاهزة على متّهم لبريء لمجرد أنه أسود في »جريمة حقيقية« (1999) . الإعتداء على طفل جنسياً حتى إذا ما كبر لا زال يحمل في ذاته أثر ذلك الإعتداء في »ميستيك ريفر« (2003)، قتل إمرأة شابّة تحطّمت وتحطّمت آمالها وذلك رأفة بها في سؤال حول ما هو الصواب وما هو الخطأ في »مليون دولار بايبي« (2004) وكل مفهوم الحرب والدعاية الملفّقة في »رايات أبائنا« (2006) وصولاً الى وضع تلك المرأة التي عليها أن تحارب البوليس الفاسد مؤمنة أن إبنها المخطوف لا يزال حيّاً في فيلمه »التبديل«٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من الأرشيف
......................................................................................................
حوار
Stan: " I wonder how Long we will spend here"
Oliver: "Two months".
Stan: "That's month a piece".
ستان لوريل وأوليڤر هاردي في حوار يتبادلانه في زنزانة في مشهد من فيلمهما
Pardon Us [Dir: James Parrott- 1931]***
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Incredible Petrified World [ Jerry Warren-1957] *
العالم المتحجر غير القابل للتصديق
......................................................................................................

في الخمسينات طالعتنا أفلام مغامرات وخيال علمي وتشويق عديدة بمنوال من التمهيد القائم على تعريف البيئة التي سنشاهد في أحضانها الفيلم المقبل٠ مغامرات طارزان في تلك الآونة كانت مثالاً. إذ كان الفيلم ينأى عن القصّة في مقدّمة الفيلم وفي خلاله ليصوّر مشاهد هي بالصميم تسجيلية. في مثال طارزان نتابع حيوانات الغابة (حين كانت أفريقيا لا تزال تثير الخوف والغموض كما الفضول) وهي تتقاتل او تبحث عن طريدة او وهي تهرب من خطر ما. في هذا الفيلم الذي أنتجته شركة صغيرة أسمها
GBM
Teenage Zombies كواحد من فيلمين فقط من إنتاجها (الثاني
بعد عامين من تنفيذ هذا الفيلم) نتابع تمهيداً مماثلاً لحيوانات البحر وافتراص سمكة قرش لأخطبوط، مع تعليق صوتي حول العالم المائي وأسماكه تماماً كما لو كان الفيلم (المؤلف من 70 دقيقة فقط) وثائقياً. هذا قبل أن تنطلق القصّة لتصوّر لنا جون كارادين (أحد الممثلين النشطين في تلك الفترة وما قبلها ووالد كيث وديڤيد الحاليين) في دور عالم يوجّه فريقاً من العلماء لاستكشاف قاع البحر٠ فجأة يدخل الفريق كهفاً لا داعي لاستخدام الأكسجين فيه وتستطيع أن ترى ما فيه بوضوح، ربما بسبب فتحة في السقف (!). تجد عظاما آدمية ثم رجلاً عجوزاً نفهم منه أنه أمضى أربعة عشر سنة في هذا المنعزل (وربما يكون هو من أكل رفاقه). بعد قليل يحاول طرح واحدة من المرأتين في الفيلم (لا أدري إذا كانت فيليس كوتس او شيلا نونان) الغرام. ينتهي الفيلم بإنفجار بركاني يقضي على ذلك الشرير العجوز وحده وينتهي الفيلم مكتفياً بما سمحت به الميزانية على الغالب٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
How To Save a Marriage and Ruin Your Life [Fielder Cook- 1968] *
كيف تنقذ زواجاً وتهدم حياتك
.......................................................................................................

المخرج فيلدر كوك كان كاتباً تلفزيونياً معظم الوقت و»اعتدى« على السينما ثماني مرّات فقط من دون أن ينجز ذلك الفيلم الجيّد ولو مرّة واحدة٠ »كيف تنقذ زواجاً وتهدم حياتك« هو رابع أفلامه وأسند بطولته الى الممثل (والمغنّي أصلاً) دين مارتن الذي حشر هذا الفيلم بين فيلمين جاسوسيين خفيفين قام ببطولتهما مؤدّياً شخصية مات هلم هما
The Silencers [Phil Karlson- 1966] **
The Murderer's Row [Henry Levin- 1966] * و
كيف تنقذ زواجاً ....» جاء في فترة أهتمّت فيها الكوميديات الأميركية بموضوع سمّته »حرب الجنسين« الرجل والأنثى وهو يبدأ بمفارقة تقود الى أخرى وتتعاظم وتكبر مثل بالون منفوخ وكلّه من دون أن يتم تأسيس الشخصيات تأسيساً ينسجم مع الحالات الكوميدية المعروضة. هذا لأن الفيلم ليس لديه وقت، في عجلته، لكي يتوقّف معتقداً أنه كلما سارع الخطى كلّما ضمن السيطرة على إنتباه المشاهدين، لكن هذا لم يحدث الا لُماماً وحين حدث كان ذلك بسبب أداء من آن جاكسون وإيلاى والاك وليس بطلي الفيلم دين مارتن وستيلا ستيڤنز. القصّة هنا حول دين مارتن الذي يحاول إنقاذ زواج صديقه إيلاي والاك من عشيقته التي باتت الآن تطلب بمساواتها مع زوجة الثاني. لكن تبعاً لسلسلة من الأخطاء يعتقد دين أن العشيقة هي ستيلا ستيفنز وربما في قصّة أخرى كان يمكن اكتشاف الخطأ باكراً لكن ليس في هذا الفيلم. ليس من قبل أن يقعا في الحب ودين مارتن لا يزال يعتقد إنه خطف عشيقة صديقه٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Trouble in Mind [Alan Rudolph- 1986] ***1/2
متاعب في البال
......................................................................................................

ألان رودولف لم يكن رفيق درب للمخرج المستقل روبرت ألتمَن فقط، بل تلميذ له أيضاً. تلميذ من حيث رغبته في تقديم حكايات بعيدة عن هوليوود- وقريبة من ذاته ومستقلّة في كل الأحوال٠
متاعب في البال، مع كريس كريستوفرسون وكيث كارادين (إبن جون أعلاه) ولوري سينجر وجنيفيف باجولد، التي ظهرت في أكثر من فيلم للمخرج، هو أحد أعماله السارحة في الشخصيات مع موسيقا لمارك إيشام قبل أن يصبح مولّفاً موسيقياً شهيراً لأفلام رئيسية من بينها، على سبيل المثال، الفيلمين المعروفين
In the Valley of Elah [Paul Haggis- 2007] ***
Lions For Lambs [Robert Redford- 2007] **** و
أحداث »متاعب في البال« تدور في حي في مدينة (أسمها »مدينة المطر«) وخصوصاً في تلك الحانة التي تديرها واندا (باجولد) والتي يلجأ إليها هوك (كريستوفرسون) بعد خروجه من السجن. يلجأ إليها أيضا الشابين كوب (كارادين) وصديقته جورجيا (سينجر). إنها حانة تشبه - في مفهومها الدرامي فقط- مقهى الدراويش في قصص نجيب محفوظ حيث يحمل كل هؤلاء كل أحلامهم تلك التي تهاوت وتلك التي ستتهاوى٠
كالمدينة الخيالية، فإن الزمن هنا خيالي. أشباحه تشبه الأربعينات لكن أحداثه قريبة من مفهوم الثمانينات حين أنجز الفيلم. رادولف كان مؤسس أسلوب خاص به وتجده هنا واضحاً ومؤثراً. الأجواء خاصّة وسوريالية تتأسس في نصف الفيلم الأول ثم تتبدّى كاملة في نصفه الثاني. وهو أوعى من أن يترك الأجواء تبتلع الشخصيات، فيتدخل ويمدّها بشحنة عاطفية رقيقة تجعلها قابلة للتصديق. أما الموسيقى فتعيش معها. ساكسفون يرقص بتمهّل وحزن في سماء الحكاية مترجماً ما يعنيه العنوان: متاعب في البال٠
لا أدري ماذا حدث لألان رودولف وماذا يفعل اليوم. آخر فيلم له كان
The Secret Lives of Dentists
سنة 2002 الذي لم أشاهده (ربما لم يوزّع) . وهو أخرج فيلماً وثائقياً قبل عام عن الممثل نك نولتي هو
Nick Nolte: No Exit
لكنه لم يعرض عرضاً تجارياً هو الآخر٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠


3 comments:

Anonymous said...

Mr Reda
your writing is perfect

Anonymous said...

سيدى الفاضل
ننتظر كتابتك بشغف ونقرؤها بتعمق وروية
دمت ناقدا متميزا وكاتبا قديرا

مشربية said...

اخبارك حضرتك اية يا استاذ محمد :D
حضرتك و الصديق اللي كلمك في التليفون زي ما تكونوا عارفين افكاري :D
بدات من كام شهر اشتري مجله "جود نيوز" بس و انا بقراءها حاسس بحاجة غريبة مواضيعها غير تماما مواضيع حضرتك
اولا نقد حضرتك خلاني اعرف كيفية قراءة الافلام الاخرة و طبعا العمود اللي تقريبا شكل بداخلي حب للسينما اكثر من الاول "فلسفة الفيلم " فا حتي لو حضرتك بتكتب بصيغة محترفة جدا احنا بنفهمها و زي ما حضرتك قلت قبل كدة ان النقد او تحليل مشهد لا يكفي بالقراءة لازم يتشاف و للاسف انا عارف اني مقصر جدا في تواجد الافلام اللي حضرتك بتنقدها سامحني علي تاخيري في ارسال اللينكات
لكن طمان نفسك و استمر في الكتابة و احنا كلنا مستمتعين بكتاباتك جدا :D
و يارب من تقدم لتقدم لك يا استاذ محمد :D