Sunday, June 14, 2009

ISSUE 27| We Talk: UP | Francesco Rosi's "Three Brothers" | And حسن ومرقص

FLASHBACK


Gladiator (2000)

راسل كراو يشق طريقه بين صفّي الجنود في لقطة من »غلادياتور« . أحد الأفلام التاريخية التي حققها المخرج ريدلي سكوت٠
قلل المخرج من اعتماده على مؤثرات الكومبيوتر ومال الى ممارسة السينما التاريخية بأسلوبها البشري القديم. كلّف الفيلم نحو مئة مليون دولار وسجّل 456 مليوناً٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
SHORT FILM | فيلم قصير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكارثة | جاسم البطاشي الإمارات- 2007

هناك ما يريد المخرج جاسم البطاشي قوله في هذا الفيلم لكن عوض أن يبحث عن أسلوب سينمائي صحيح لقوله، يضع كل ثقته في النص المسرحي الذي نقل الفيلم عنه. نص للكاتبة سماء عيسى بعنوان »لا شيء يوقف الكارثة« لديه مقوّماته لا ريب لكن ليست لدى المخرج المعالجة الصحيحة للحفاظ على هذه الخصائص او لاستبدالها بأخرى مبتكرة
النتيجة فيلم إنشائي نموذجي تتولّى فيه الخطب العصماء من نوع "كونوا كندى الفجر..." و»أرواحاً هائمة لا مستقر لها" و"صامتون دائماً يريدكم الله" البطولة. ما يصاحب كل هذا شخصيات مصابة بالجذم تمشي وتزحف وروحها تتصاعد ببطء يؤثر على رغبة المشاهد في الإهتمام٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ANIMATION | أنيماشن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Up **1/2
Peter Docter: إخراج
أصوات: إد أزنر، كرستوفر بلامر، جوردان ناغاي، بوب بترسون٠

هل نظلم هذا الفيلم الكرتوني إذا قلنا أن نصفه بيكسار ونصفه وولت ديزني؟
لا أعتقد. ولا أتحدّث هنا عن شراكة مالية. ديزني ابتاعت شركة بيكسار من نحو سنة وانتهى الأمر. بيكسار تعمل لديزني، وكانت تعمل لها حين أطلقت قبل أشهر فيلمها التاسع »وول إ«. إنما الحديث عن الناحية الفنية والمفهوم الذي يحرّك هذه الناحية الذي ما عاد فنيّاً كما كان بل أصبح ... ماذا أقول؟ نصف فني (بيكسار) نصف تجاري (ديزني)٠
يستطيع كل من شاهد أفلاماً لشركة بيكسار ولمن شاهد أفلاماً لشركة ديزني أن يقارن بين ما شاهده وبين هذا الفيلم ليجد أن »فوق« او »أعلى« هو فيلم له قدمين. قدم في كل شركة وهو، إنصافاً، يجمع بينهما في تماثل جيّد، إنما على حساب قوّة بيكسار وتميّز أفلامها وليس على حساب تقليدية ديزني ونمطية أعمالها. بكلمات أخرى، »أعلى« او »فوق« او أي شيء آخر تريد أن تسمّيه يكاد يكون أكثر انتماءاً لديزني من انتمائه لبيكسار٠
قصّة رجل عجوز (يقوم بصوته الممثل العجوز أيضاً إدوارد أزنر) يتذكّر مع مطلع الفيلم قصّة حبّه المبكرة. لقد تعرّف صغيراً على فتاة جميلة تهوى المغامرة والإستكشاف وحين كبرا تجوّزا وعاشا في بيت قديم. لم يرزقا أولاداً لأنها مرضت باكراً. بعد سنوات من اعتلال الصحة والكثير من الحب المتبادل ماتت وبقي هو وحده٠
نعود الى الزمن الحالي: ها هي الحفريات تتم حول بيته وهو يرفض مغادرته الى أن يأتي أمر المحكمة بإيداعه مصحّة بعدما ضرب أحد العمّال. لكنه كان حضّر مفاجأة إذ ربط منزله الخشبي بآلاف البالونات وفي صباح اليوم التالي يطلق تلك البالونات فتحمله والبيت وتتوجّه به الى أميركا الجنوبية حيث كان دائماً ما وعد زوجته بأن يستكشفان القارة الغامضة. فجأة يكتشف أنه ليس وحيداً بل هناك صبي (من أصل آسيوي) حدث أنه كان على شرفة المنزل حين طار البيت وارتفع٠ في البداية لم يرحّب العجوز المتذمّر بوجود الصبي، لكنه لاحقاً ما قبل به على مضض. حين يحط البيت على الأرض من جديد.... هنا تبدأ متاعب الفيلم٠
المكان الذي حط فيه الفيلم لا يبدو جنوب أميركي بقدر ما يبدو الغراند كانيون ما بين أريزونا ويوتاه. الحركة التي تنتاب الفيلم منذ أن يحط العجوز والصبي على الأرض تدخل في روتين مخيف، كذلك فإن مسألة قطع مسافة كبيرة بين الجبال الصخرية من دون أن يتخلّيا عن الخيوط التي تربطهما بالبيت والبيت بالبالون يزيد المسألة رتابة وفوقها غرابة غير عملية٠
ما الذي كان يمنع، تساءلت وأنا أشاهد العجوز وهو يجهد لسحب البيت كما لو كان هذا مجرّد طائرة ورقية، من العودة اليه والطيران به؟
مع دخول قطيع الكلاب وتقسيمها الى واحد من ثلاث فئات خيّرة اوغبية او شريرة، يدخل الفيلم عرين أفلام وولت ديزني ويتوقّف عن أن يكون بيكسار٠

من دون افساد متعة المشاهدة أسارع للقول أن كل الفيلم يستحق المشاهدة، لكن فنيّاً فإن الدقائق الأربعين الأولى منه (ومدّته لا تزيد عن تسعين دقيقة) هي الأفضل. خصوصاً تلك الدقائق العشر التي يتذكّر فيها العجوز قصّة حبّه على أنغام بيانو ومن دون حوار كما لو كنا نشاهد فيلماً صامتاً من العشرينات (وهي شبيهة بتقديم أندرو ستانتون لفيلمه »وول إ« من حيث قيمة النوستالجيا في كل فيلم)٠ الفكرة تبقى في طيّات مناوأة العصرنة وتؤيد الرجل العجوز الرافض بيع بيته، وحين يرتفع البيت في الهواء فإن المرء لا يستطيع الا أن يبحلق عينيه في الشاشة منتظراً النتائج. حين يحط العجوز والصبي على الأرض ويمسكان بخيوط البالونات حتى لا يفلت البيت فإن الرمزية المستوحاة من البيت الطائر تغط في سبات. والأحداث تصبح على شاكلة أي فيلم من ديزني فيه حيوانات. ذلك أن بطلي الفيلم سيلقتيان بطائر اعتبر منقرضاً وبكلب ثم بمجموعة كبيرة من الكلاب يملكها مستكشف شرير (مرسوم بملامح الممثل القديم كيرك دوغلاس لكن الصوت هو لكريستوفر بلامر) يريد القاء القبض على ذلك الطائر. كل ما يحدث تبعاً لذلك يبقى مثيراً للأولاد ربما، لكنه مثل الطائر الذي انتفى ريشه باكراً، بلا تلك المضامين التي عادة ما تصاحب أفلام بيكسار من أوّلها الى آخرها، والتي بدأ الفيلم بها أساساً٠
لا أستطيع الا وأن أتذكّر وأُذكّر أن الفيلم الياباني
Hawl's Moving Castle
سبق (بخمسة أعوام) هذا الفيلم في حكاية البيت الطائر. ليس بالبالون، لكن في إطار رحلة بحث. فيلم رحلة وأجواء مفعمة بالفلسفة كحال انتاجات مخرجه هاياو ميازاكي. هذا على عكس "فوق" الذي يعلو بفكرة وضرورياتها لكنه يغط بفراغه من أي بعد مفيد او رسالة إنسانية٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفيلم العربي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


حسن ومرقص *
إخراج: رامي إمام [مصري -2009]٠
كوميديا اجتماعية - 110 د
........................................................................................
أعلم أن الفيلم عُرض في العالم العربي منذ أسابيع لكن »حسن ومرقص« من الأهمية بمكان بحيث يجب العودة اليه وعدم ترك رسالته تمضي من دون ذكر او تقييم٠

حتى الآن،‮ ‬وبإستثناء الفيلم الأول‭ ‬‮»‬عمارة‮ ‬يعقوبيان‮«، الى حد، ‬فإن جل ما أنتجته شركة‮ ‬ "غود نيوز سينما"‮ ‬هو أفكار كبيرة بإمكانيات وفيرة من دون أن‮ ‬يساندها أي‮ ‬دعم على صعيد فنون الكتابة، المعالجة والإخراج‮. استثنيت »عمارة يعقوبيان«، ‬ليس لأنه كان فيلماً‮ ‬رائعاً،‮ ‬لكنه كان‮ -‬على الأقل‮- ‬عملاً‮ ‬صادقاً‮ ملمّاً بما يرغب قوله ويحسن جمع الكثير بين دفّتيه رغم أن معالجته في نهاية الأمر كانت فضفاضة وتستعير الكثير من الميلودرامات التلفزيونية. باقي الإنتاجات، من »حليم« الى »ليلة البايبي دول« وصولاً لهذا الفيلم كانت أفلاماً ذات غايات تنتهي في التنفيذ الخطأ. تبقى على الشاشة عناوين لما لا يتم ترجمته صحيحاً بالصور٠
فيلم »حسن ومرقص‮« يخلو حتى من أي حسنات. الكثير من مرددي النقد في العالم العربي، خصوصاً في مصر، بحثوا عن حسنات من باب التوازن وآخرين لم يعتقدوا أن الأمر بحاجة الى البحث لأن الحسنات موجودة وظاهرة. في الحقيقة ليس من مهمّة الناقد أن يوازن أي شيء، ولا الفيلم فيه ما يوفّر هذا التوازن على نحو تلقائي٠

مسلمين ومسحييين
بولُس‮ (‬عادل إمام‮) ‬مسيحي‮ ‬ملتزم‮ ‬يخطب في‮ ‬الكنيسة ضد المتطرّفين المسيحيين لكن ما أن‮ ‬يغادر الكنيسة حتى‮ ‬يتعرّض لحادثة إغتيال. خرج من ذات الكنيسة وركب مع إبنه وسمعا دقّات تشبه دقّات الساعة. يوقفا السيارة وينطلقان هاربين وتنفجر السيارة محترقة‮. ‬
محمود‮ (‬عمر الشريف‮) ‬مسلم ملتزم‮ ‬يرفض تولّي‮ ‬إمارة مجموعة متطرّفة. وما يكاد ينتهي من مواجهة الجماعة حتى يتم حرق منزله. ‬الحل عند الوزير‮ (‬عزت أبو عوف‮) ‬الذي‮ ‬يطلب من الأوّل أن‮ ‬يتنكّر في‮ ‬شخصية مسلم ليتم نقله الى قرية المنيا المحافظة‮. ‬لا نرى كيف وتحت أي‮ ‬ظرف طلب من محمود التنكّر في‮ ‬شخصية مسيحي‮ ‬لأن الفيلم‮ ‬يلتزم أكثر بشخصية بولُس التي يؤديها عادل إمام٠ ‬لكن ما علينا أن نصدّقه من دون أن‮ ‬يوفّر السيناريو أدوات هذا الطلب أن هذا حدث بالفعل وبالتالي‮ ‬فإن المجال مفتوح لمفارقات تجبر بولس الذي‮ ‬صار أسمه حسن على الهجرة من المنيا الى حارة‮ ‬يقطنها مسيحيين في‮ ‬القاهرة حيث‮ ‬يلتقي‮ ‬هناك بمحمود الذي‮ ‬أصبح أسمه مرقص‮٠ ‬والمحنة التي‮ ‬جمعت بينهما‮ (‬والتي‮ ‬لا تعدو أكثر من صدفة‮) ‬تؤدي‮ ‬الى محنة أخرى حين‮ ‬يضطران الى اخلاء شقّتيهما بعدما أثارا لغطاً بين سكان الحي، ثم الى أخرى حين تكتشف كل عائلة حقيقة العائلة الأخرى بسبب قصّة حب بين ابن حسن/بولس وإبنة محمود‮/ ‬مرقص‮ (‬بالصدفة ايضاً‮). ‬في‮ ‬النهاية على العائلتين التعاضد تعبيراً‮ ‬عن رفضها للطائفية في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬تقع فيه معركة كبيرة هائمة بين المسيحيين والمسلمين‮
آنتهى الفيلم‮٠‬

كوميديا يُرِثى لها
هناك فنوناً مختلفة لكيفية التطرّق الى فيلم‮ ‬يحمل قضية كبيرة ومهمّة ضمن سينما الكوميديا‮. ‬لكن هذا الفيلم لا‮ ‬يعرف أياً‮ ‬منها‮. ‬لا‮ »‬قفشاته‮« ‬الكوميدية ناجحة ولا قضيّته الجادة نافذة ولا يترجم المخرج موضوعه الى نقد اجتماعي لكي‮ ‬يخرج الموضوع من بؤرة النوايا الساذجة لتعكس وضعاً‮ ‬وليس رغبة‮. ‬
من باب الكوميديا مثلاً،‮ ‬على ما أعتقد،‮ ‬أن سكرتير الوزير أبله‮. ‬ومن باب الكوميديا،‮ ‬كما‮ ‬يبدو،‮ ‬أن الفتاة المسيحية التي‮ ‬تحاول كسب عماد‮ (‬إبن بولس‮) ‬الى قلبها بشعة،‮ ‬ذات عين زجاجية وأسنان كبيرة‮. ‬لجانب الإهانة الإنسانية التي‮ ‬يوجهها الفيلم لمن قد‮ ‬يحمل مثل هذه الإمارات او ما‮ ‬يماثلها،‮ ‬فإن لا شيء لا في‮ ‬هذه المشاهد ولا في‮ ‬أي‮ ‬من سواها قادر على أن‮ ‬يحيي‮ ‬الفيلم الذي‮ ‬وُلد ميّتاً‮.
‬وأسلوب المخرج فقير لحد مؤسف‮. ‬يقوم في‮ ‬الأساس على تأطير كل ظهور للممثلين الأساسيين من باب الدعاية المعتادة وعلى كاميرا تتحرّك دائرياً‮ ‬بلا داع‮. ‬في‮ ‬الأساس ليس هناك داع لأي‮ ‬حركة تصوير‮. ‬بل مجرد تنفيذ رغبة تتراءى للمخرج فيقدم عليها مدير تصويره‮. ‬والكثير من المشاهد قائمة على مونتاج متواز‮ ‬يدعو،‮ ‬لطوله وافراطه في‮ ‬التقليد،‮ ‬الى الرثاء‮. ‬عادل إمام‮ ‬يبتهل بالدعاء في‮ ‬المسجد‮ (‬وهو المسيحي‮) ‬وعمر الشريف‮ ‬يبتهل بالدعاء في‮ ‬الكنيسة‮ (‬وهو مسلم‮). ‬يعنى إذا كنت لا تزال لم تفهم رسالة الفيلم بعد ساعة من عرض الفيلم‮ فإليك ملعقة فيها الرسالة. افتح فمك وابلع. الطعم حلو؟ لا بأس. نحن نحب السكّر زيادة٠

‬المشاهد مفبركة وحس الفبركة طاغ‮ ‬لأن المخرج‮ ‬ينقل الفبركة كما هي‮. ‬من بين ذلك المشهد الذي‮ ‬ينقذ فيه عادل إمام زوجة وإبنة عمر الشريف من حريق‮ (‬ثالث‮) ‬والذي‮ ‬يُظهر عادل إمام بطلاً منقذاً‮ (‬عمر الشريف كان قفل الباب على أهله‮). ‬وبالتالي‮ ‬بطلاً‮ ‬على النحو الذي‮ ‬يحبّه عادل إمام‮. ‬ ربما كون المخرج رامي‮ ‬هو إبن الممثل عادل إمام‮ يجعله، من باب التبعية العائلية، أكثر رعاية لأبيه واستجابة لمتطلّبات نجوميّته. ‬التمثيل‮ ‬يتهادى من جيد ومهدور‮ (‬عمر الشريف‮) ‬الى مقبول ضمن النمط‮ (‬حسن مصطفى‮) ‬الى سيء ضمن النمط وخارجه‮ (‬الباقون جميعاً)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
DOCUMENTARY| وثائقي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

BALLETS RUSSES****
Daniel Geller: إخراج
وثائقي | رقص [الولايات المتحدة- 2005]٠


‮»‬المؤلم هو أنك تبقى وحيداً‮ ‬مع هذا الحب‮. ‬لا تستطيع أن تفعل شيئاً‮ ‬حياله‮«.‬
يقول أحد أعضاء فرقة‮ »‬باليه روس‮« ‬متحدّثاً‮ ‬عن تجربته حيال رقص الباليه الذي مارسه طوال حياته ومعبّراً عن أي وله يمارسه الواحد منا حيال ما يشدّه أكثر من سواه الى هذا العالم بصرف النظر عن ماهيته ونوع إبداعه٠
يرد هذا في‮ ‬فيلم‮ جميل من إخراج ‬دانيال جيلر وداينا غولدفاين بعنوان "باليه روسيا« او
Ballet Russes
تم إنتاجه سنة 2005 وجال مهرجانات
تورنتو وسان فرانسيسكو ولندن حاظياً بمديح النقّاد وهو متوفّر منذ نحو عامين على أسطوانات. ‬اشتريه او استأجره او استعيره او أسرقه‮... ‬لا‮ ‬يهم‮. ‬المهم أن تراه‮. ‬عمقه،‮ ‬حنانه،‮ ‬رقّته،‮ ‬والمعلومات التي‮ ‬ترد فيها تجعله من أهم الأفلام الوثائقية التي‮ ‬شاهدناها في‮ ‬السنوات الأخيرة‮.‬

في‮ ‬العام 1909 ‬قام الفنان سيرج دياغيليف بتشكيل‮ »‬باليه روس‮« ‬التي‮ ‬استطاعت خلال أعوام قليلة السطوع على سطح الفن الإستعراضي‮ ‬المسرحي‮ ‬مصحوبة بديكورات من تصاميم بيكاسو وماتيس وبموسيقى من كتابة راڤل‮ ‬وستراڤينسكي‮. ‬الإستعراضات الراقصة كانت من تصاميم نيجينسكي،‮ ‬ماسين وبالانشين‮. ‬اما الراقصون والراقصات فكانوا من أبرز وأفضل فناني‮ ‬ميدانهم أمثال‮ ‬إيرينا بارانوڤا وإيڤون شوتيو وناتاليا كراسوڤسكا وتاتيانا ريابوشينسكا وتاتيانا ستبانوڤا وتمارا تشيناڤورا من بين آخرين‮. ‬في‮ ‬العام 1929 ‬مات دياغيليف وتولّى إدارة الفرقة من بعد كولونيل دي‮ ‬باسيل الذي‮ ‬عيّن وأقال ومارس
صلاحياته بإدارة صارمة بعض الراقصين اليوم‮ ‬يذكر إنها كانت ضرورية والبعض الآخر‮ ‬يؤكد إنها لم تكن‮.

‬معظم راقصو وراقصات الباليه لم‮ ‬يرقص‮ ‬في‮ ‬روسيا من قبل‮. ‬هؤلاء هاجروا او هربوا مع اندلاع الثورة الشيوعية الى فرنسا حيث تم إعادة تأسيس الفرقة‮ في باريس. »‬باليه روس‮« ‬كانت بمثابة‮ ‬البديل لفن الباليه الروسي‮ ‬الكلاسيكي‮ ‬ولفرقه التي‮ ‬لم تترك روسيا بعد الثورة او لم تكن‮ ‬قادرة على مغادرة البلاد‮. ‬

هكذا‮ ‬يبدأ‮ ‬الفيلم‮ ‬معلناً‮ ‬عن ولادة الفرقة بمشاهد وثائقية نادرة تؤسس لتاريخه وللفيلم‮. ‬وإذ‮ ‬ينتقل الفيلم الى سلسلة مقابلاته‮ ‬يسجّل،‮ ‬قبل فوات الأوان،‮ ‬شهادات راقصي‮ ‬الفرقة المخضرمين عن أنفسهم وعن أدوارهم وعن تلك الفترة الواقعة على بعد ثمانين سنة او أكثر‮. ‬تشاهد وتسمع شهادات بارانوڤا وشوتيو ومارك بلات‮ ‬و كراسوڤسكا وريابوشينسكا وفردريك فرانكلين وأليسيا ماركوڤا وراڤن ويلكنسون من بين آخرين عديدين وتكتشف أن من لا‮ ‬يزال حياً‮ ‬من أعضاء الفرقة‮ (‬او الفرقتين بعدما انقسمتا قبيل الحرب العالمية الثانية‮) ‬لا‮ ‬يزالون أحياءاً‮. ‬بعضهم‮ ‬يعيش في‮ ‬طي‮ ‬ذكرياته وبعضهم لا‮ ‬يزال‮ ‬يمارس هوايته المحببة فهو مدرّس في‮ ‬أريزونا او تكساس او لا‮ ‬يزال‮ ‬يعيش في‮ ‬بعض أنحاء أوروبا‮٠
‬ما‮ ‬يتذكّرونه ويتلونه مؤثّر ليس فقط لأنه جزء من تاريخ لم‮ ‬يعد‮ ‬يلتفت إليه أحد اليوم، بل لأنه نابع من إحساس ووجدان شخصياته التي‮ ‬ألّفته‮. ‬بعد النجاح الكبير للفرقة،‮ ‬تطل الحرب العالمية الثانية وتقع وأوروبا تحت الخطر والفرقة،‮ ‬وقد أنقسمت الى فرقتين واحدة بإسم‮ »‬باليه روسيا الأصلية‮« ‬والثانية بإسم ‮ »‬باليه روسيا لمونتي‮ ‬كارلو‮«) ‬يؤمّان عروضهما الأولى في‮ ‬الولايات المتحدة ما اضطرهما لجعلها المكان الذي‮ ‬يعودان إليه بعد كل رحلة سفر بسبب إحتلال المانيا لفرنسا‮. ‬ما‮ ‬يحدث بعد ذلك هو الكثير من التفاصيل حول نمو وازدهار ثم اضمحلال كل من هاتين الفرقتين‮ (»‬باليه روسيا الأصلية‮« ‬ابتلعها الفقر ثم الإفلاس حتى وفاة صاحبها دي‮ ‬باسيل،‮ ‬والثانية استمرّت لسنوات قليلة بعد ذلك لكنها أيضاً‮ ‬توقّفت عن النشاط في‮ ‬أواخر الستينات‮). ‬هناك مساحة كافية للمرور على بعض التواريخ المهمة خلال الحديث عن التاريخ الخاص للفرقتين من الإنهيار الإقتصادي‮ ‬الأميركي،‮ ‬الى الحرب العالمية الثانية الى الجنوب الأميركي‮ ‬العنصري‮. ‬

في‮ ‬سبر‮ ‬غور هذا التاريخ فإن ما‮ ‬يأسر النفس ليس صعود وهبوط فرقة او فرقتين،‮ ‬بل ذلك الإيمان الجيّاش براقصي‮ ‬الفرقتين صوب حب لم‮ ‬يمت مع الأيام‮. ‬حب لا الراقص خانه ولا هو خان الراقص‮. ‬إيمان رائع‮ ‬يتجلّى‮ ‬بشغف الحديث‮. ‬بالكلمات المختارة للتعبير عن الذات والنفس والذاكرة‮. ‬ثم بتلك المشاهد التي‮ ‬تدفع الدموع لتقف عند حواف العيون‮: ‬راقصون وراقصات وقد أصبحوا في‮ ‬خريف العمر‮ ‬يقومون ببعض الرقصات للكاميرا‮. ‬يبدون مثل العرائس بعد نفض الغبار من عليها‮. ‬خارج الموضة لكن عرائس‮. ‬الفيلم بأسره حالة شغف كلّية تنفذ بفاعلية حتى لمن لا‮ ‬يهمهم فن الباليه من قريب او من بعيد‮.‬

لابد من الإعتراف بأن هناك قدراً‮ ‬كبيراً‮ ‬من المعالجة التعاطفية تناقض ما‮ ‬يفضّله البعض من الفيلم‮ ‬غير الروائي‮ ‬وهو درجة أعلى من الحقائق المسجّلة او الموثّقة‮. ‬لكن ما‮ ‬يحققه الفيلم من خلال منهجه هذا لا‮ ‬يقل قيمة‮. ‬كما هو على الشاشة‮ ‬يبدو الفيلم حُلواً،‮ ‬رقيقاً‮ ‬وراغباً‮ ‬في‮ ‬منح كل حقّه‮. ‬هذا ليس عيباً‮ ‬او نقصاً‮ ‬باستثناء أن بعض الحدّة في‮ ‬مواقفه او في‮ ‬طروحاته العامّة،‮ ‬وهو‮ ‬يصل الى قدر من هذا مرة واحدة فقط عندما‮ ‬يتحدّث عن الحملة التي‮ ‬شنّها العنصريون الأميركيون ومنظمة كوكلس كلان المعادية للسود على‭ ‬‮»‬باليه روس‮« ‬حينما طافت الجنوب وبين راقصاتها راڤن ويلكنسون،‮ ‬وهي‮ ‬أوّل راقصة باليه سوداء محترفة‮. ‬الألم‮ ‬يصعد الى الحنجرة وهي‮ ‬تتحدّث اليوم عن تجربتها وكيف صعد رجال الكوكلس كلان المنصّة باحثين عنها،‮ ‬لكن أحداً‮ ‬من زميلاتها لم تفصح عن مكان اختبائها‮. ‬الغصّة تبقى وهي‮ ‬تضيف أنها اضطرت بعد ذلك للتوقف عن الرقص‮. ‬لكن الفيلم‮ ‬يبدو ابتلع قدراً‮ ‬من الوقائع حين أغفل ذكر موقف إدارة الفرقة من الراقصة وعمّا إذا تخلّت عنها بفعل الضغوط‮ (‬وهو الأمر الذي‮ ‬من المحتمل جدّاً‮ ‬أنه وقع‮).‬

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
FILM OF THE WEEK | فيلم الأسبوع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Tri Fratelli | Three Brothers **** | الأخوة الثلاث
Francesco Rosi إخراج: فرانشيسكو روي
دراما سياسية | إيطالي | 1981
..........................................................................................

في واحدة من المقابلات الكثيرة التي أجريت معه عقب انتهاء الفيلم، قال فرنشسكو روزي «لأكثر من عشر سنوات وإيطاليا لزجة بدم الإرهاب. لكن كم فيلماً أظهر إدراكه بهذه الحالة؟ كم فيلماً جعلنا نتنشق هواءنا المسموم؟. «ثم أضاف على الفور: «إنما الأكثر من ذلك أن «الأخوة الثلاث» ليس فيلماً أيديولوجياً. إنه يحكي قصص الحياة، وفي هذه البلاد اليوم لا أستطيع أن أتحدث عن الحياة، عن الموت، عن الحب من دون أن أضع في الاعتبار الواقع الذي غطسنا فيه، عن المشاكل التي نجرها وراءنا وعن الخوف من الفساد الذي غزانا»٠
في المبدأ، وفي عمق أعماق هذا الفيلم، هذا الخوف من الفساد هو ما يتحدث عنه الفيلم، هو الهم الذي يحيط بجوانب صورته مهما بدت تلك الصورة جميلة وبديعة ـ وهي كذلك بالفعل. الفيلم هو فيلم صراعات ومتناقضات. وفرنشسكو روزي ليس المخرج الذي حين يدخل موضوعاً ما فإنه يكتفي بجانب منه، بل هو يستعرض مختلف الجوانب وينشأ علاقة حميمة بينها فإذا بنا نتفرج على شريحة حياتية وواقعية واحدة، وكل ما فيها من صراعات تتآلف ضمن المبدأ المحرك لهذا العمل٠
في هذا الفيلم إيطاليا اليوم كلها في المحور . إنها قصة الحياة الحاضرة وتلك الماضية في مقابلها. كذلك قصة الزيف الذي في عصرنا والأصالة التي في ماضينا. عن الكرة والخوف وجرثومة الفساد السياسي والاجتماعي. عن الخوف من الموت تحللاً وانقراضاً بطيئاً، وعن التطلع إلى الحب والأصالة والعيش في الأمل الوردي الكبير. إنه عن المدينة العارية والقرية الجميلة ـ وكل منهما تمثل حقبة من التاريخ وأحد جانبي هذه الحياة. وأخيراً، عن الشر الذي حط في الأولى والخير المهمل والمهجور الذي ما زال كامناً في الثانية٠
ما هي مأساة المهاجر؟
يتساءل أحد الأخوة في مشهد من الفيلم ثم يجيب
«مأساته أنه لا يحس بالأرض التي تحت قدميه».
وبهذا الجواب يقدم الفيلم أحد عناوينه الكبيرة، ويستجيب إلى نداءات الحيرة التي كانت تتردد في قلوب أبطاله٠
روزي، مرة أخرى صنع لنا الفيلم الساحر والمثير جداً للخيال كما المتعمق جداً في الواقع. درامياً يحقن أبطاله بنوازع الألم والحزن على جرعات تتكاثف عند النهاية، كما يفتح أعينها، بطيئاً، على الواقع الذي تحيا فيه. وبما أننا نتعرف إلى أنفسنا سريعاً في هذا الفيلم، حيث كل منا هو واحد منهم، فإن الألم يصير ألمنا والحزن حزننا، والعين المفتوحة ببطء هي عيننا. وإذ نحن في الصورة نتيقن هوة المأساة التي نحن، وشخصيات الفيلم فيها. إنها ليست مأساة الهجرة فقط (وهجرة الأخوة الثلاث هي نزوح من القرية التي ولدوا فيها إلى المدينة وليست من بلد إلى آخر) بل مأساة العيش في ذلك الخوف المستمر من طاحونة الحياة والمجتمع التي تبدلنا وتخلق بعد ذلك منا إما أناساً مهشمين ومفسودين، أو أفراداً عنيدين ووحيدين، حجم جراحهم بحجم أحلامهم التي لم تتحقق والتي ـ مع ذلك ـ ترفض أن تزول٠
يحشو روزي فيلمه بالأحلام وبالخيالات والتوقعات والذكريات والكوابيس. كل رجال الفيلم (الأب والأخوة الثلاث) يتعرضون لمثل هذه الصور، وروزي يترجمها إلى مرئيات تعبر عن منطلقاتها، فهي حانية من الأب، مثالية من أحد أبنائه، عاطفية من الآخر وكابوسية حين تأتي من الثالث. وما نراه بين هذه الخيالات والأحلام هو واقعي بقدر ما الحياة الدائرة أمامنا واقعية. حتى الذكريات منسوجة في تلائم عاطفي وإيحائي مع ما يرمي الفيلم إلى طرحه من دلائل بخصوص الماضي والحاضر وعلامات الزمن فوقيهما. أما القصة الصغيرة التي تحدث أمامنا فلا يعمد روزي إلى التأثير على بساطتها، وأن لا يكف عن استخلاص المواقف منها في مقدرة هائلة على النفاذ إلى الحقائق وإلى الأنفس، وفي إدارة كلية تحيك ببساطة ووضوح كلي العلاقة ـ سينمائياً ـ ما بين القصة والأحلام٠


ببساطة هي حكاية ثلاثة أخوة. قاض وأستاذ مدرسة للأحداث وعامل يعودون من المدن التي يعيشون فيها ويعملون، إلى قريتهم الجنوبية بعد أن استلم كل منهم برقية تخبره بوفاة والدته.
القاضي يترك وراءه محكمة قادمة لقضية سياسية عالقة، والأستاذ تلاميذ مشاغبين، والعامل مشكلة زوجية. والهموم، بنفس الترتيب هي: الخوف من الاغتيال، الخوف من تهاوي المثاليات والتعفن، والخوف من الوحدة والضياع. وهذا الثالث (العامل نيكولا) يصطحب ابنته الصغيرة التي تفاجأ بالريف وبالبيت الكبير الأبيض. بالدجاج وصياح الديكة وأسقف البيت العالية وجدرانه السميكة، ومطبخه الواسع، وبنجوم الليل الظاهرة. هي لم تعرف أياً من هذا. لم تره بعينيها من قبل. وهي وجدها العجوز يؤلفان طرف الخيط بين الماضي البعيد والأمل القادم. وإذ ينتهي الفيلم بقرارها بالبقاء في القرية فإن روزي يرفع هذا الأمل عالياً، ويصل به إلى نفس ذلك العلو الشاهق من الإعجاب الذي يبثه نحو الأب الكبير. نحو هذا الماضي الذي يشارف على الانقراض وتلك الأصالة الغائبة. بدون رمزيات، هذا الرجل الكبير ماتت زوجته قبل ساعات وبعد عشرة أكثر من أربعين سنة. إنها أكثر من خسارة. هي ـ بغيابها ـ مأساة، وهو سيبقى وحيداً بقية حياته، وسيقضي الوقت مشبعاً بذكرياته معها٠

أما الأخوة الثلاث في لقائهم اليتيم منذ سنوات بعيدة (منذ أن هاجروا) فإنهم يتحادثون (في مشهد طويل مأخوذ في غرفة نوم كبيرة توزعت فيها ثلاثة أسرة عتيقة العهد) متسائلين عما حل بهم، كيف كان كل واحد منهم الآن. وسريعاً ما نتعرف أن وراء كل واحد من هؤلاء نوعاً من المشاكل التي تلتقي بالنوع الآخر عند الخط العريض من الحياة العصرية٠
في صبيحة اليوم التالي، يستيقظ روكو الأستاذ من حلم غريب شاهده: لقد رأى تلامذته يكنسون الأرض من المسدسات، والمخدرات، وأبر المورفين، ومن الدولارات والشعارات، وهو يقف مأخوذاً ووراءه سماء جميلة الألوان. عالم نظيف كالذي يتوق إليه ويصرف حياته من أجله.
يفيق من نومه وينظر إلى سريري أخويه فيجدهما شاغرين. يتقدم إلى النافذة المطلة على ساحة البيت. يرى أحد أخويه وقد جلس عند مقعد بجانب الحائط ووجهه بين يديه، والثاني قد وقف إلى آخر يبكي كطفل. وإذ ذاك تنفجر عيناه بالبكاء. بكاء الأم ـ المناسبة، وبكاء كل منهم على حياته وضياعه وذاته.
بهذا المشهد، الواقع في الفصل الأخير من الفيلم، يتوج روزي كل ما سبق. وينقل آخر نفسات الألم إلينا في شحنة عاطفية ذات أسس واقعية. إذ لا شيء مجاني، استعراضي، مزيف أو ميلودرامي٠

تقنياً، الفيلم متعة للعين. فيلم ذو لغة فنية راقية وخاصة، وفيه صنعة الفيلم ـ التي بدورها باتت أمراً نادراً ـ لا قطع يؤذي النفس، ولا لقطة تؤذي العين، ولا زاوية لم تكن ضرورية. والإيقاع لا يقل أو يضطرب. الفيلم يمر في نفس سلاسة جدول رقراق من الماء وفي نفس الوقت بعمق المحيط.
كعملي كلي، هو فيلم شخصيات وتحليل شخصيات. وهي ليست شخصيات برغمانية أحادية ومنغلقة، وليست فيللينية مجنونة ولا بولانسكية معقدة كصاحبها، بل مجرد شخصيات، وتناول روزي لها يذكرنا دوماً بأفضل ما في الأدب المكتوب، حيث راحة العبارات واعتناء برسم الأجواء وحيث القصة محبكة مهما صغرت تماماً كما في حال هذا السيناريو الذي جهزه روزي في عقله قبل أعوام من تحضيره مكتوباً٠
رفاييلو هو القاضي الذي يحاول أن يمارس القانون الذي يؤمن به، وهو بذلك يواجه الإرهابيين إلى أية جهة انتموا. الصراع الذي يديره (دون أية تضخيمات) هو بين هذا القانون الذي سنه الإنسان لأمن مجتمعه، وبين الإرهاب الذي اعتمده لفرض عقيدته. وهو بذلك يضع روحه على كفه، ومخاوفه في أن يغتال لا تتركه لحظة. منذ المشاهد الأولى التي تعرفنا عليه، نحس بحذره، ونراه يتزود بمسدسه. لاحقاً يتصل بزوجته ونعرف أن هذه المخاوف تستند إلى حقائق، فهو مهدد بالقتل، ويريد من زوجته أن تلتزم جانب الحذر. قمة هذه المخاوف تأتي في مشهد مفاجىء هو عبارة عن خاطرة مستقبلية (فلاش فوروورد): يوم عادي. حافلة. محطة غاصة. رجال ونساء يتسلقون الحافلة. في الحافلة يخرج رجال أسلحتهم ويغتالون أحد الركاب. هلع واضطراب. يفر القتلة. والناس تهرول مبتعدة. تتقدم الكاميرا لأول مرة من الرجل الذي اغتيل وقد وصل المحقق إلى جثته المنكبة على وجهها. يقلبه فإذا به رفاييلو٠
رافييلو يفيق من خواطره. إنه يبدو أكثر تقرباً وتفهماً لأخيه روكو المدرس في الإصلاحية من أخيه نيكولا العامل في أحد المصانع٠

روكو هو في الأربعينات. غير متزوج وكل همه هو إنشاء جيل صالح يغير المجتمع الفاسد وينشأ المدينة الفاضلة. بداية الفيلم هو مثقل بنوازع الفشل. يفتح الفيلم على لقطة لجزء من مبنى مهجور ذو نوافذ بدون عارضات أو أطر. مظلمة من الداخل وموحشة من الخارج. اللقطة الثانية هي لأرضية تلك العمارة. وسخة وجرذان تسرح بها. يصاحب هاتين اللقطتين دقات قلب ترتفع تدريجياً حتى تصير كضربات الطبل، وعزف منفرد ذو وتيرة واحدة تعلو كذلك حتى الامتلاء. ثم يتوقفان عند نهاية المشهد باستيقاظ روكو من كابوسه٠
هو ذاته روكو الذي نراه يحلم في الفصل الأخير من الفيلم بتلامذته يكنسون المجتمع الذي يعيشون فيه: أوساخ، مراحيض، دولارات، شعارات، أصنام، إبر، مخدرات، متاريس، بنادق... كلها تجتمع في لقطة واحدة عند رابية كتلك التي تلقى عندها الزبالة العامة. الكابوس في بداية الفيلم مشحون بالخوف والوحشة، والأخير مليء بالأمل. والعلاقة بينهما واحدة يمثلها هذا المصلح الباحث عن المدينة الفاضلة والمجتمع المثالي. وروزي لا يوافقه على مثاليته ولا يقبل بأن يحلم مثله، لذلك نرى أنه قد وضع في خلفية هذا الحلم لوحات مرسومة اعتنى بأن يظهرها مرسومة وغير حقيقية ليربط بين عدم واقعية روكو واستحالة قيام ما يتمناه بالأسلوب الذي يتبعه. ونحن نتعرف إلى سقوط أحلامه، وإلى الفاصل بينها وبين الواقع عندما نراه في بداية الفيلم، وبعد استيقاظه من كابوسه، يقابل شرطيين جاءا بطرحان بعض الأسئلة حول تلامذته. لقطة عالية بعيدة ـ دون حوار ـ للأستاذ يتحدث والشرطيين، ولقطة قريبة منخفضة لبعض التلامذة وقد تزاحموا وراء النافذة يراقبون ونفهم ؛ وهذه هي السينما: أن نفهم من اللقطات وحدها ـ أنهم موضع اتهام٠

أما نيكولا فهو العامل في أحد مصانع منطقة تورين الذي يدافع عن حركة عمالية ضد منطق أخيه رفاييلو الذي يتحدث عن إمكانية تحقيق العدل للعمال بالمفاوضات. في حياته الخاصة، تقض مضاجع نيكولا قضية انفصاله عن زوجته التي ما زال يحب ويحن للرجوع إليها. ونراه معها في مشاهد عاطفية تنطلق من خيالاته وحبه.
هذه الشخصيات الثلاثة، والشخصيات الأخرى المتورطة معها، هي ضحايا أساسية للمجتمع وللمدينة. وإذا انتبهنا، هناك في مشهد حلم نيكولا باجتماعه بزوجته، هناك في الخلفية (والمشهد ليلي يدور في غرفة المطبخ ذات النافذة العريضة) نرى ـ بدقة ـ رجلاً يتحرك في غرفته في الجهة الأخرى من البناية (الفاصل بعيد). المعنى الذي هدف إليه روزي هو أن يرينا صندقة الحياة في المدينة حيث الأفق الأبعد هو الجار في الجهة المقابلة، وهذا عنصر يستخدمه المخرج ـ انطلاقاً ـ للتدليل على الاختلاف الكبير بين المدينة والقرية.
أما الأب العتيق، فهو مثال للطراز الحي من الحياة، ذلك الذي عاش على الأرض الصلبة التي لم تحفرها الآلات، ولم تنبسط عليها البلاطات ومساحات الزفت الأسود. تلك التي لم تصبها
الحضارة٠

روزي يختار بيتاً واسعاً رحباً وذي جدران بيضاء مكاناً للحدث الأم. لماذا؟. لأنه على عكس ما أراد أن يوحيه في «المسيح توقف عند أيبولي» ـ وقد دار أيضاً في قرية جنوبية ـ أراد أن يجرد، هنا، القرية من الحيوية التي جاءت عليها القرية الأولى.
ذلك أن القرية في «المسيح توقف عند أيبولي» تقع في الثلاثينيات حيث كانت ما تزال تتمتع بنوع من المركزية. هنا هي مجردة تماماً كما تقترح الألوان. اليوم، في الثمانينات، هي ما هي عليه من عزلة واغتراب٠
لقد أحاطها روزي بجو من الحزن لا ينفصل عن ذلك الذي أحاطه بالأب وبذكرياته التي نرى منها اثنان يعودان به إلى سنوات الشباب. بالإضافة إلى خاطرة تمر به عندما يتوجه، عبر طرق القرية الترابية ليرسل البرقيات الثلاث إلى أبنائه. فجأة يقف ويتطلع خلفه. يتخيل أن زوجته ما زالت هنا، ها هي تطلب منه أن يمسك بذلك الأرنب الفالت، وإذ يفعل، تختفي هي. يتطلع حوله كأنما يتساءل ما إذا كان فعلاً قد شاهدها أو أنها قد خيلت له.
إذ ينتهي الفيلم بالكثير من الحزن الذي فيه، وبالقليل من الأمل الذي بثه، نتساءل نحن أيضاً ما إذا كنا شاهدنا فيلماً ـ خيالاً، أو درساً جديداً في الواقع. الأول حلو، والثاني شديدة المرارة ـ وروزي يصر على أن لا يفصل بين الاثنين


CAST & CREDITS

DIRECTOR: Francesco Rosi

CAST:
Philippe Noiret
Michele Placido
Vittorio Mezzogiorno
Andréa Ferréol
Maddalena Crippa
Rosaria Tafuri
Marta Zoffoli
Tino Schirinzi
Simonetta Stefanelli
Pietro Biondi
Charles Vanel .

SCREENPLAY: Tonino Guerra & Francesco Rosi
SOURCE: A. Platonov Story.
CINEMATOGRAPHER: Pasqualino De Santis (Color)
MUSIC: Piero Piccioni
EDITING: Ruggero Mastroianni

PRODUCERS: Antonio Macri, Giorgio Nocella, Renzo Rossellini.




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


3 comments:

mastorna said...

عذرا أستاذ محمد ولكن من كاتب المقال عن فيلم
up
؟

عموماً العدد رائع كالعادة :)
وفعلا لا ييوجد على الشبكة موقع مثيل ... ليس على حد علمي
تحياتي

MOHAMMED ROUDA /مُحمد رُضا said...

الأخ العزيز ماستورنا

كل الكتابات التي تظهر في هذه المجلة هي من كتابتي. لذلك لا أرى داعياً لوضع إسمي على كل مقال. شكراً للملاحظة

mastorna said...

شكرا على الرد أستاذي

سبب استغرابي هو أنك نشرت مراجعة مختلفة تماما باسمك في المدونة الأخرى (تحديداً في العدد ٤١٦) عن نفس الفلم ومنحته أربع نجوم وأبديت إعجابك به

هل غيرت رأيك أم أن إحدى المراجعتين ليست لك؟

تحياتي