خمسة أفلام لخمسة نجوم ضد النجومية

لم يحدث لممثل أن أعرب عن أنه ضد النجومية لأنه في الحقيقة معها. لكن بعض الممثلين رفضوا قبول الأوسكار على أساس أنه يحوّل المواهب إلى ما يشبه سباق الجياد. التالي خمسة ممثلين مشهورين لعبوا أدواراً حاولوا فيها التعبير عن أنهم فنانون وليسوا مجرد نجوم شهرة:



مارلون براندو: Apocalypse Now رأس حليق ووزن زائد في دور قائد عسكري شرير. روبرت دينيرو: Raging Bull أدى دور ملاكم يكره نفسه وقام بزيادة وزنه لدرجة عدم اللياقة البدنية. بول نيومان: Cool Hand Luke عرض نفسه للكثير من الجهد في سبيل تمثيل دور سجين محكوم بالمؤبد بيرت رينولدز: Boogie Nights بعد جولاته كبطل دائم تحوّل رينولدز إلى ممثل مساند لأول مرة عبر هذا الفيلم سلفستر ستالون: Cop Land بحث طويلاً عن دور مختلف عن أدوار روكي ورامبو ووجده في هذا الفيلم.


Monday, July 12, 2010

Hitchcock: Psycho | Harishchandrachi Factory (India) | Protektor (Czech Republic) | Iron Cross (UK).

Year 2 | Issuee 69
ABOVE THE LAW  (1988) ***فوق القانون

ليس الفيلم الفني الذي يحبّذه معظم القراء؟ صحيح. لكنه فيلم جيّد التنفيذ يحمل خصالاً حميدة في نوعه البوليسي. مثل سواه من أفلام كلينت ايستوود البوليسية، هو أكثر من أكشن في الوقت الذي لا يود فيه التعليق كثيراً على أبعاده الإجتماعية او السياسية. أول دور لستيفن سيغال لاعباً شخصية عميل للسي آي أيه في فييتنام يُجيد فن أيكيدو، من فنون القتال اليدوية، عاد الى بلاده وأصبح شرطياً وفي المواجهة زميله الفاسد هنري سيلفا وذات تلك القوانين الإدارية التي تريد الحد من حريّته في الإقتناص من المجرم. كل الأشرار، وقد صوّر الفيلم في شيكاغو مع ممثلين من قعر المدينة، لافتون. كذلك الممثلين في الأدوار الأولى ومن بينهم نجمة "البلاكإكسبلويتاشن"  في السبعنيات بام غرير (الصورة).  بعد أفلام أكشن غير لافتة، هذا الفيلم أفضل أعمال أندرو ديفيز لجانب فيلمه اللاحق مع سيغال "تحت الحصار"٠



أفلام حديثة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
HARISHCHANDRACHI FACTORY **
مصنع هاريشاندراشي
إخراج: باريش موكاشي
أدوار أولى: ناندو مادهاف، فيبهاواري دشباند، ٠
الهند - 2009
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كوميديا [سيرة/ سينما] يفوّت هذا الفيلم فرصة نادرة للحديث جدّياً عن مؤسس السينما الهندية، هذه التي يعمل فيها اليوم ثلاثة ملايين شخص٠


عاش  ما بين 1870  و 1944 وعُرف بأنه أب السينما    Dhundiraj Govind  Phalke
Raja Harishchandra الهندية، فهو أخرج أول فيلم روائي طويل فيها وعنوانه
وكان ذلك سنة 1913 بعدما كان شاهد فيلماً صامتاً عن السيد المسيح جعله يوقن بأنه يريد صنع أفلام بدوره. هذا جيّد وفكرة قيام مخرج ما بتحقيق فيلم يكون بمثابة سيرة ذاتية عن أول مخرج في بلده، او عن سينمائي ذي قيمة تاريخية وفنية عالية أمر رائع. يا ليتنا نحقق فيلماً عن حياة بعض من لدينا في هذا المضمار٠
الفيلم يقدّم لنا دونديراج (ناندو مادهاف)  الذي كان يُعرف أيضاً بإسم داداصاحب، وهو يعمل في الحيل المسرحية. يمر بمنديله على ورد أصفر فينقلب أحمر، يستخرج بيضة من يده التي كانت خالية وهكذا. إنه متزوّج من إمرأة طيّبة (فيبهاواري دشباند) وله منها ولدين والثالث على الطريق. حين يدخل وإبنه الصغير الى خيمة تعرض فيها جالية بريطانية (والأحداث تقع في العقد الأول من القرن العشرين حين كانت الهند لا زالت تحت الإحتلال البريطاني) تسحره الفكرة ويبدأ بالبحث عن إمكانيات صنعها. بعد إنجاز فيلم قصير او إثنين يجمع المال وينطلق صوب لندن ليشتغل مساعدداً لمخرج بريطاني أسمه سيسيل هبوورث وهو شخصية حقيقية حققت 111 فيلماً ما بين 1989 و 1926 ثم ليعود الى الهند ويخرج فيلماً قصيراً مستعيناً بكاميرا اشتراها في رحلته الى لندن. بعد بضعة أفلام قصيرة أنجز فيلمه الأول ذاك، "راجا هاريشناندرا" الذي اختاره ليحكي عن إله هندوسي عملاً بالفيلم الغربي الذي كان شاهده من قبل عن حياة السيد المسيح٠
الفيلم لا يتخطّى فترة نجاحات المخرج الأولى  وهو ايضاً لا يتجاوز الساعة والـ 96 دقيقة وهذا عائد الى أنه لا يبتكر أغاني واستعراضات راقصة كعادة الغالبية من الأفلام الهندية الى اليوم. لكن المشكلة البديلة التي ابتكرها المخرج  هاريشاندراشي هو أنه عالج الشخصية التي يقدّمها لنا معالجة كوميدية.  وهو إختيار غير صائب لأنه حتى ولو كان المخرج فولكي، الذي يتم تقديم سيرة حياته هنا، مهرّجاً وليس مخرجاً، لما كانت حياته ذاتها تهريجاً. بهذه المعالجة يفوّت المخرج الحالي فرصة نادرة لتقديم عمل يمكن قبوله ككشف عن الشخصية وأفكارها وأحلامها والفترة التي عاشت بها. طبعاً كل ذلك موجود بالضرورة هنا، لكن اهتمام المخرج منصب على تحويلها جميعاً الى خدمات للمعالجة الكوميدية التي يختارها٠
في أي فترة من بعد البداية يبدأ الشعور بأن لا شيء واقعي في هذه المعالجة وأن القصّة ذاتها قد تكون خيالية عن شخص خيالي. شيء واحد أراه واقعياً هو الشبه بين الممثل  ناندو مادهاف والمخرج الذي يؤديه وذلك بالعودة الى الأرشيف٠


CREDITS | Film N. 96

DIRECTOR:  Paresh Mokashi
CAST: Nandu Madhav, Nibhawari Deshpande, Ambarish
Deshpande, Mhit Gokhale, Dilp Joglekar.
PRODUCERS: Smiti Kanodia, Paresh Mokashi, Ronnie
Screwvala.
WRITER: Paresh Mokashi.
CINEMATOGRAPHER:  Amalendu Choudary (Color, 35 mm)..
EDITOR:  Amit Pawar (96 min).
MUSIC: Anand Modak

PRODUCTION NOTES:  Mayasabha Prods/ Paprika Media/
UTV Motion Pictures. [India- 2009]



PROTEKTER (Protector)**1/2
  الحامي
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: مارك نايبرت
أدوار أولى: مارك دانيال، يانا بلوكوفا
جمهورية التشيك - 2009
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دراما [ نازية/ يهود] | هانا كانت ممثلة وزوجها كان مجرّد موظّف في الإذاعة. بسبب النازية هوى نجمها وصعد نجمه٠


يقول  إميل (مارك دانيال) لزوجته هانا (يانا بلوكوفا): "أنا لا أفعل ما أفعله لأجلي"، وهي لا تحير ردّاً على هذه العبارة، فجزء منها صحيح. اما الجزء الثاني فيحتمل الشك على الأقل. إميل هو الموظّف في الإذاعة التشيكوسلوفاكية حين احتلال الجيش النازي البلاد وهو حل محل المذيع الأول فيها لتمرد ذاك على رؤسائه وقراره بمعارضة الإحتلال النازي. أما إميل، فهو ليس محارباً بل شخصاً يقبل أن يستغل الفرص والفرص الآن متاحة٠٠
فيلم مارك  (الثاني له بعد كوميديا بعنوان "تشامبيونز" سنة  2004) يذهب الى حيث ذهبت بضعة أفلام أوروبية شرقية قبله أشهرها الفيلم المجري "مافيستو" [استفان شابو - 1981]، في تقديمها قصّة المتعاون مع السُلطات النازية الذي يفعل ذلك تحت تبريرات مختلفة يعتقد أنها تمنحه شفاعة وعذراً كافياً لكي يكتشف في النهاية أنه لا يختلف عن أي متعاون آخر رضي بالتنازل في سبيل مصلحة محض  شخصية.  "بروتكتور" يختلف عن "مافيستو" في أن بطله ليس فنّاناً يريد فصل نفسه عن السياسة مؤمناً بسيادة الفن ونقائه، بل مجرّد موظّف تُتاح له الفرصة تسلّق السلّم فيقوم بذلك ما يجعل موضوع حمايته لزوجته أمراً ثانوياً. هي كانت ممثلة مشهورة وناجحة الى حين دخلت القوّات الألمانية تشيكوسلوفاكيا فوجدت نفسها معزولة بسبب كونها يهودية. لذلك بعض ما يقوم به من أجلها فعلاً، لكن البعض الآخر فلأن النجاح جميل٠ 
 تنطلق الأحداث في العام 1942 لتقديم إميل وهو يركب دراجة هوائية وينطلق بها. لا نعرف شيئاً عن خلفية ذلك او ما سيؤول هذا المشهد إليه، لكن المخرج يوفّره كما لو كان إميل في سباق حياة او موت. هناك شعور تعكسه اللقطات المأخوذة للوجه حيناً ولدوران العجلات حيناً آخر بخطر ما. لكن المخرج يكتفي بهذا القدر ويعود الى خمس سنوات خلت حيث يقدّم لنا الزوجين إميل المسيحي وهانا اليهودية. هو مذيع نشرات اعلانية وهي ممثلة مشهورة تحبّه وتخلص له. إميل يشعر بالغيرة من ممثل  يشاركها تصوير فيلمها الجديد أسمه فانتي (ييري أورنست) لكن الزوجة تطمئنه لإخلاصها. فانتي، وقد اشتعلت جبهات الحرب سنة 1938 هو ممثل يهودي ويدرك كنه الخطر الذي سيواجه اليهود، لذلك سيغادر البلد قبل فوات الأوان وهو ينصح هانا بالهرب أيضاً، وبل يعطيها جواز سفر مزوّر لكي تهرب به. هانا لا توافق وتتخلّص من جواز السفر. في الإذاعة هناك موقف يستدعي تحويل المذيع الأول فيها الى التحقيق بسبب موقفه المعادي للنازية وقد دخلت الجيوش الألمانية تشيكوسلوفاكيا فعلاً. الإدارة تطلب من إميل أن يحل محل زميله، وهي تطلب ذلك  بالغمز من حقيقة زواج إميل من يهودية، وهذا لا يحتاج لأكثر من ذلك ليعلم أن مصيره وزوجته معلّقان لا بموافقته على المنصب بل الرضوخ لما سيُطلب منه تنفيذه من تغطية فاعليات ومناسبات نازية والثناء على القيادة والحزب. وهو يفعل ذلك وفي باله طبعاً حماية زوجته، لكن أيضاً من باب رغبته في التسلّق المهني. وهو يجد أن المكافأة ذات أوجه متعددة يبدأ بالتجاوب مع نداءات الزوجة المقبلة لمديره ولا ينتهي بشهرته التي أصبحت تجذب إليه نساءا أخريات٠
في المقابل، تجد الزوجة نفسها معزولة بسبب هذا الوضع. إميل يطلب منها عدم مغادرة البيت حرصاً عليها، لكنها تؤم صالة السينما القريبة التي يديرها شاب متيّم بها أسمه بيتر (توماس ماشاشك)  حيث تستطيع  مشاهدة أفلامها والعيش في ثنايا حلم يتبدد. وفي تطوّر نراها تدمن المورفين  تؤمّن لها كذلك الإدمان على المخدّرات التي كان بيتر يؤمّنها لها، لكن أمراً واحداً حرصت عليه، حتى من بعد علمها بأن إميل لم يعد مخلصاً لها، هو تجنّب إقامة علاقة جنسية مع مدير الصالة على الرغم من تكراره السؤال ما إذا كانت توافق على ذلك أم لا٠
 لكن وضعها النفسي يزداد سوءاً وزوجها يقفل عليها الباب ولو أن فائدة ذلك محصورة، وها هو بيتر يدخل الشقّة في غيابه ليعرض حبّه من جديد، إنما من دون استجابة. فعلى الرغم من كل شيء تدرك هانا أن زوجها يحبّها وهو كان توعّد بأن يحميها (العنوان). الحالة الماثلة، بالتالي هي إنسانية شفّافة ومقنعة يضيف إليها المخرج حادثة في الخلفية هي اغتيال الحاكم النازي  هايدريتش (الذي في الواقع لقّب بسفّاح براغ) وهنا تدخل مشاهد قيادة العجلة من جديد في إيحاءات متعددة كما لو أن إميل لو ضلع في العملية. كل ما في الأمر أنه كان بات ليلته مع صحافية وفي صباح اليوم التالي سرق الدراجة التي وجدها أمام منزلها لكي يلحق بموعده مع رئيسه، ليسمع هناك بأن الجنرال هايدريتش قد اغتيل وأن من قام بالإغتيال هرب على دراجة لها مواصفات الدراجة التي استقلّها. هنا، ولبعض الوقت يستخدم المخرج هذا الخط لقدر من التشويق، لكنه خط غير ضروري وحسناً يفعل إذ يعود الى منوال بحثه العاطفي حول ما تؤول إليه العلاقة بين الزوجين وكيف ينتهي الفيلم بها٠
فيلم جيد بجمع كل عناصره الفنيّة متضامنة،  لكنه في الوقت ذاته لا يتبدّى كعمل حتمي او مميّز  بل يحافظ على تواضعه فنياً ويغزل على نسيج تلك العلاقة المذكورة أكثر بقليل مما يجب ما ينتج عنه تكرار بعض المواقف. قضيّته محسوسة ولو أنها أيضاً لا تخلو من ثغرات غير مقنعة وحلولاً ضعيفة يتضمّنها السيناريو لبعض مآزقه. التصميم الإنتاجي للعمل جيّدة. كل ما هو مطلوب للعودة الى تلك الفترة مترجم باقتصاد جيّد على الشاشة، بالإضافة الى اختيار ممثلين جيّدين ومتلائمين للبطولة٠


CREDITS | Film N. 97

DIRECTOR:  Marek Najbrt
CAST:  Jana Poldkova, Marek Daniel, Klara Meliskova,
Tomas Mechacek, Richard Stranke.
PRODUCERS: Milan Kuchynka, Pavel Strand
WRITER: Marek Najbrt, Robert Geisler, Benjamin Tucek.
CINEMATOGRAPHER:  Miloslav Homan (Color, 35 mm)..
EDITOR:  Pavel Hrdilicka (98 min).
MUSIC: Petr Marek
PROD. DESIGNER: Ondrej Nekvasil

PRODUCTION NOTES:  Negativ/ Czech Television/ 
UPP/ Soundsquare [Czech Republic- 2009].



IRON CROSS.  *
صليب حديدي
إخراج: جوشوا نيوتن
أدوار أولى: روي شايدر، سكوت كوهن، كاليتا راينفورد
بريطانيا - 2009
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دراما [ نازية/ يهود] يخرج نيوتن هذا الفيلم على هذا النحو: الأول غريمه يزور يقض لا اليوم قصّة مضجعه إبنه الذي النازي وفي أب يلتقي، وما سبق ليس خطأ مطبعياً٠


لهذا الفيلم  قصّة خلفية: تم تصويره في مطلع العام 2008 من كتابة وإخراج ومونتاج جوشوا نيوتن ومات أحد بطليه (الممثل روي شايدر) في العاشر من شباط/ فبراير ثم دخل الفيلم عمليات مطوّلة لتنفيذه وحين انتهى لم يجد من يشتريه ليوزّعه. في الخامس عشر من كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي تم عرضه (على نفقة مموّليه) في صالتين أميركيّتين واحدة في لوس أنجيليس والثانية في نيويورك لأجل إدخاله مسابقة الأوسكار. وبناءاً على رسالة منشورة لمخرجه دفع نحو 400 ألف دولار ثمن إعلانات، معظمها في مجلة "فاراياتي" لترويج الفيلم لكي يفاجأ بأن أحد نقّاد المجلة هاجم الفيلم فاحتج عليه عند رئيس التحرير الذي سحب المقالة ثم شاهد الفيلم وأعاد نشر المقالة لأنه لم يجد أن كاتبها (روبرت كولر) تجنّى على الفيلم او مخرجه كما أدّعى هذا. الآن، العرض التجاري الوحيد الذي أمام هذا الفيلم هو ذلك الذي سيقام في شهر أيلول/ سبتمبر في لندن. بعده سيدخل التاريخ من أضيق أبوابه: الفيلم الذي لم يُشاهده أحد٠
 لكن "صليب حديدي" (الذي لا علاقة له بتحفة منسية من تحف سام بكنباه عنوانه "صليب من حديد" علماً بأن هذا "الصليب" كان أيام النازيّة يعني وسام بطولة على شكل صليب) ليس ضحيّة تجاهل او تحامل، بل ضحيّة نفسه. فيلم لا يقول الأشياء مقلوبة، والا تمّت قراءته بالمقلوب، بل يقولها مبعثرة منتقلاً من خاطرة الى أخرى من دون أي نظام او منهج وبتكلّف شديد بحيث لا شيء طبيعي في هذا الفيلم على الإطلاق. خذ البداية مثلاً: جوزف (شايدر) هو شرطي سابق في  نيويورك على متن طائرة. لا نراه بل نرى وجهة نظره إذ هو ينظر الى جناح الطائرة وجناح الطائرة يذكّره بقصّته حين كان صغيراً سيق مع عائلته ويهود آخرين الى الغابة. ينتقل المخرج بين جناح الطائرة الموحي بالذاكرة وما حدث في ذلك اليوم. تحط الطائرة ويستقل جوزف القطار وهو لا يزال يراجع ذاكرته التي هي عبارة عن مشاهد إضافية تبيّن لنا كيف هرب  في الغابة وفي أعقابه جندي ألماني ووصل الى مجموعة من المقاومين المسلّحين. لكن حتى هذه الذاكرة مجزأة. في مكان آخر من الفيلم  سنعرف ما حل بالجندي الذي طارده ما يعني أن الذاكرة التي نراها لجوزف ليست في تتابع جدولي صحيح تماماً كالفيلم بأسره٠
كلّما شاهد جوزف شيئاً تذكّر شيئاً من الماضي: الشاحنة التي تفرّغ أثاثاً أمام البيت الذي وصل إليه تذكّره بالشاحنة النازية. عربة طفل تذكّره بمدفع على عربة. غصن شجرة يذكّره بمشنوق وهذه هي المشاهد التي تشترك في رمز ما (باستثناء جناح الطائرة والغابة) لكن المخرج وقد أفلس من تلك الرموز أمضى باقي الفيلم من دون رابط وانفلت يعرض ما يريد في أي وقت يريد حتى وإن عني ذلك أن لا يتقدّم الفيلم لا في حاضره ولا في ماضيه٠
تتساءل وجوزف محمّل بالذكريات: كيف تسنّى له أن يعيش كل هذه السنوات. ماذا يفعل حين يركب سيّارة؟ او، كونه شرطياً من نيويورك، حين كان يحمل مسدّساً او حين يشاهد مباراة كأس العالم على التلفزيون. لكن جوزف مثل الفيلم ليس ضحيّة مرض نفسي. الفيلم لا يقول ذلك، بل ضحية كتابة رديئة ومخرج رديء ومونتير أردأ. الثلاثة معاً يشكّلون خامة فيلم يبحث عن مبرر لقيام جوزف بتنفيذ جريمة قتل. كل ما نشاهده من ماضيه يحاول أن يشكّل تبريراً، ولا ينجح لأنه قبل ذلك شكّل عبئاً على الفيلم ومشاهده٠
بعد أقل من ساعة على وصوله الى شقّة إبنه (سكوت كووَن) يكتشف أن جار إبنه العجوز الذي يعيش فوقه هو الضابط النازي الذي نفّذ حكم الإعدام بعائلته  (يقوم به هلمُت بيرغر نجم السبعينات الألماني الذي لعب بطولة "لودفيغ"  للوكينو فيسكونتي سنة  1972). يا لها من صدفة لا تحدث الا في فيلم رديء. وما أن يحل الليل حتى كان أقنع إبنه بأن يخطفا الجار وينقلانه في شاحنة يسرقانها الى غابة بولندية حيث يزعم تنفيذ حكم الإعدام به. الإبن يعارض لكنه يشترك. لا تفهم لذلك سبباً. وفي المشهد الأخير حين لا يطاوع قلب الأب تنفيذ حكم الإعدام بالنازي، يأخذ إبنه المسدس من يد أبيه وينفّذه وهو الذي عارض ذلك حتى ما قبل اللقطة الأخيرة٠
هذا فيلم فاشي يدعو الى الإنتقام. رسالة صهيونية تقوم على مبدأ "خذ واحداً من عيناي" وتطلب من الجيل اليهودي الحاضر ان لا ينسى أن يقتل من يعتقد (ولا شيء أكثر من الإعتقاد لأن هذا ما ذهب اليه جوزف) أنه كان نازياً. دم اليهودي، بكلمات أخرى، عزيز. دم الآخرين كاتش أب٠
في مطلع الفيلم يتذكّر جوزف فيلماً وحيداً. بين كل أفلام الدنيا يتذكّر فيلم مايكل وينر
والمشهد الذي يقتل فيه بطله (تشارلز برونسون) شابّا تعرّض له بغية سرقته. ذلك الفيلم Death Wish
دخل التاريخ كفيلم فاشي يدعو للإنتقام الشخصي والقتل. وهو فيلم رديء أيضاً ولو أنه ليس أكثر رداءة من هذا الفيلم٠

CREDITS | Film N. 98

DIRECTOR:  Joshua Newton
CAST: Roy Scheider, Scott Cohen, Zander Newton,
Calita Rainford, Helmut Berger.
PRODUCERS:  Kevin Farr, Joshua Newton
WRITER: Joshua Newton.
CINEMATOGRAPHER:  Adrian Cranage, James
Simon  (Color, 35 mm)..
EDITOR:  Joshua Newton  (90 min).
MUSIC: Roger Bellon, Josua Field, Dave Holden.
PROD. DESIGNER: Daniel M. Berger

PRODUCTION NOTES:  Calibra Pictures/ Iron Cross
Prods. [UK- 2009].


2010- 1960
خمسون سنة سينما

 Psycho   ****
سايكو
إخراج:  ألفرد هيتشكوك
أدوار أولى: جانيت لي، أنطوني بيركنز٠
الولايات المتحدة -1960
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رعب | هديّة سيد الرعب هيتشكوك الى مشاهديه قبل خمسين سنة كانت هذا الفيلم المفاجيء. سينما الرعب كلّها تغيّرت تبعاً لهذا الفيلم٠


 اللقطة الأولى من الفيلم مفتوحة كالسماء . الأخيرة مغلقة كقعر الأرض. نحن في مدينة فينكس في بداية هذا الفيلم. الكاميرا تسبح في فضاء المدينة. تجتاز مباني ثم »تغط« على مجموعة منها. تبدو كمن تبحث عن بيت تختاره لتعرض حكايته ثم وتتّجه الى نافذة في واحد من البيوت. تدخل من النافذة تاركة النهار وراءها ودالفة الى الظلمة٠
 حال دخول الكاميرا الى الغرفة، هناك رجل وفتاة. العلاقة بينهماعاطفية وصادقة  بين شخصين ماريون  وسام (جانيت لي وجون غافِن). كل منهما لديه مجموعة مشاكل تحول دون زواجه من الآخر وعليه حلّها. يتحادثان بينما تنصرف هي لارتداء باقي ملابسها والإلتحاق بعملها. ماريون هي  المرأة التي سنخرج معها من الغرفة ونتابعها الى المكتب الذي تعمل فيه. سنجد رجلين. رئيس المكتب (فرانك ألبرتسون)  الذي يعاملها كأثاث وأحد زبائنه الذي يتحامل عليها في وغز جنسي يجعلها تنكمش. عدا ذلك تحاول أن لا تعره أي إهتمام. في لحظة تقرر سرقة أربعين ألف دولار  كلّفها مديرها بجلبها من المصرف وذلك لمساعدة عشيقها التخلّص من ديونه التي تحول دون زواجهما. تذهب الى البيت . تغيّر ملابسها. تخرج مع حقيبة المال الى سيّارتها وتنطلق٠
بطلة الفيلم، الى الآن، تعاشر رجلاً من دون زواج (في الستينات كان ذلك لا يزال نقيصة)  وسارقة. لكن هيتشكوك لا يريد منا أن ندينها. مهما كانت ماريون فهي المرأة التي تقود الفيلم، وهي أقدمت على فعل السرقة لأن الأمور لن تتحسّن من دون هذا الفعل. وهو وضعها بين كمّاشتي رجلين في المكتب لمساعدتنا على قبول، ولو جزئي، لما ستقوم به.  ماريون تريد الهرب من المدينة. يراها رئيسها في سيّارتها. تعرف إنه رآها لكنها تكمل طريقها الى خارج المدينة. تسوق الى أن يغالبها النعاس. تتوقّف وتنام وراء المقود. حين يوقظها رجل بوليس لا تريده أن يكتشف السرقة. لقد ورّطك "هيتش". جعلك تؤيدها وتتعاطف معها.  حين يلقاها مرّة أخرى وهي تتصرّف على نحو يدعو للإرتياب أنت أيضاً لا تريده أن يشك بها او أن يوقفها. الى ذلك، هناك التشويق الناتج عما إذا كان الشرطي سيطلب منها أن يفتّش سيارتها. ما تخشاه هو ما نخشاه٠
 يتركها الشرطي تمضي لأنه لا يعرف شيئاً ولا لديه سبباً يدفعه لإيقافها رغم ما بدا من إضطرابها٠
اللقاء الثاني بين هذا البوليس يتم حين تدخل كاراج سيارات مستعملة. لقد قررت استبدال سيّارتها بسيارة جديدة وستدفع 700 دولار فوق ذلك. التاجر سعيد بهذه المبادلة فسيّارتها أفضل من تلك التي ستأخذها. ورجل البوليس يصل في وسط الصفقة ويقف هناك يلحظ ويرقب. لا يزال العين الخارجية. الشخص لا معلومات كافية لديه لكي يتصرّف على نحو معيّن. حين تمضي بسيارتها الجديدة تحت أنظار رجل البوليس الذي وضع هيتشكوك على عينيه نظّارة سوداء لحمايته من فضولنا، تشعر  أنت بالراحة. كيف ولّف هيتشكوك مشاعرنا بينما كان يشتغل على الصورة التي بين يديه هو الفعل العبقري الذي لا يقدر عليه سوى سينمائي من طينته٠
يهبط الليل وماريون تصل الى فندق منزو. هنا يخبرنا الفيلم أنها وجدت ضالّة غريبة ترتاح عندها. كان ذات مرّة فندقاً عاجقاً ونشطاً لأنه كان يقع عند طرف الطريق العام، لكن حين شقّوا الطريق السريع البعيد، لم يعد هناك من يؤمّه. أصبح حالة من الماضي٠ أصبح مهجوراً يديره وينظّفه ويخدمه شخص واحد هو نورمان (أنطوني بيركنز). وعلى تل غير بعيد بيت مشاد. بيت نورمان ووالدته. الظلام يجعل ذلك البيت مثل بؤرة كبيرة فيها عيون تتربّص. تشعر ماريون بالقشعريرة حين تنظر الى ذلك البيت والقشعريرة تنتقل الى المشاهد٠
توقف ماريون السيارة في باحة الفندق وقد وصلت ليلاً. متعبة من السفر. نحن الآن نعرف أنها، مرحلياً على الأقل، في أمان. لا تزال من دون مطاردين ولا يغيب عن بالك يا صديقي القاريء أن المطاردين حتى هذا الحين هو كل ما نعتقد أنه الخطر. من أين سيأتي اي خطر آخر؟ إنها بطلة الفيلم والسرقة تمّت في مدينة صار بينهما مسافة والمشكلة الوحيدة التي نستطيع أن نتوقّعها بعد نحو 12  دقيقة من بدء الفيلم هي إذا ما كان القانون سيصل إليها ومتى٠
هذا جزء من شغل هيتشكوك على مشاهديه. إنه يعلم كيف يتّجهون بأفكارهم لأنه فتح لهم طريقاً وسمح لهم بدخوله من دون أن يكون لديهم أي خيار آخر. لكنه سيفاجئهم بأن الفيلم ماض في وجهة أخرى لم يروها. كل قليل. هذا الفيلم لم يكن رعباً صافياً ولا فيلم بوليسي صاف بل مزيج من الإثنين وهم هيتشكوك لم يكن٠


تتبادل إذاً ماريون  الحديث مع الموظّف النحيف الذي يبدو كما لو أنه بالغ اللطف والكياسة نورمان الذي يخبرها أن الفندق كانت له أيام أفضل قبل أن يتم فتح الطريق السريع. ذلك لا يشغلها ولم عليه أن يشغلها؟ كذلك لا يشغلنا ولم عليه أن يشغلنا؟ نحن، كما ذكرت، همّنا فيما إذا كانت السُلطات ستصل إليها ومتى؟
يلحظ البعض هنا أن هذه  المقابلة، وهي الوحيدة بين ماريون ونورمان، تحدد فجأة شيئاً غير مريح يجعل المتابع يشعر بأن هناك شيئاً ما خطأ في الوضع من دون أن يدري ما هو بالتحديد. الحديث بينهما ينتقل من الفندق الى الذات النفسية ونورمان مهيؤ ليقول أننا جميعاً واقعون في الفخ٠
ما لا يلمح إليه نورمان يبقى في حدود تبادل الحديث العام. ليس هناك شيئاً محددّاً على الرغم من أن هناك رؤوس حيوانات محنّطة كان تم أصطيادها مزروعة في أرجاء غرفة الإستقبال. وهو يكاد ينهي حديثه (او لعلّه ينهيه) بسؤالها: "كلنا نجن قليلاً من حين لآخر؟ الم تفعلين؟"٠
"We all go a little mad sometimes. Haven't you?"
هنا قد  يفكّر المُشاهِد أن نورمان هو صوت العقل. فقط العاقل هو الذي يستنتج أننا جميعاً لدينا حالات من الجنون مهما كان خافتاً او تحت السيطرة. لذلك لن نفكّر فيما قاله آنذاك، بل وقد ينتهي الفيلم وتبدأ المشاهدة الثانية او سواها قبل أن ننتبه.  والُمشاهِد معذور إذا لم ينتبه لأهمية الجملة حين قيلت، إذ أن نورمان لم يتبدِ بعد كمجنون. لو تبدّى لكانت عبارته تلك مجرد إنذار، لكنها الآن أقرب الى تخمين من عنده على أن هناك ماضياً تخفيه ماريون وتهرب منه (وهو بالفعل صائب)  وكلمة نصوحة يُقصد بها أن تعود خطأها الذي لا يعرف ماهيّته٠
ماريون نفسها أخذت العبارة على هذا النحو أيضاً.   تقول له "أحياناً مرّة واحدة قد تكون كافية- شكراً"٠
"Sometimes just one time can be enough- Thank you"
هناك إبتسامة حين تذهب الى غرفتها مصحوبة بحركة غير عادية لما سبق من تصرّفاتها.  وهناك بالطبع
تدخل ماريون غرفتها وتخفي المال في حقيبتها وتقرر أن تأخذ حمّاماً. لقد قررت في تلك اللحظة وبناءاً على الدردشة بينها وبين موظّف الفندق أن تعود أدراجها وتعيد المبلغ المسروق. أحياناً نشعر بأن قرارنا الجديد بفعل شيء كالخروج من حالة سابقة (مثل القنوط) الى حالة جديدة (كالغبطة) بحاجة الي أن يُعمّد بالماء٠ أن يُبارك بالغسيل. بعد أن تخفي ماريون المال في سيّارتها لأنها ستقودها يوم غد عائدة الى فينكس، تدخل الحمّام٠

طبعاً هي منهكة ودخولها الحمّام-قصصياً- أمر منطقي، لكن المنطقي بنفس الدرجة أن تستسلم للنوم وتأخذ حمّامها غداً. كونها لم تفعل ذلك يؤكد أن نيّتها كانت الحياة من جديد وتقويم الخطأ الذي ارتكبته. غداً ستركب سيّارتها وستنطلق عائدة وسندخل معها مغامرة جديدة فلربما أوقفها البوليس وحاولت جهدها إقناعه بأنها عائدة بالمال. او ربما يصل الرجل الذي تحبّه ويحاول تغيير رأيها لكنها تصر ... سيناريوهات كثيرة قد تقع لكن ماريون عائدة. القرار وحده يجعلها تبتسم وهي تدخل الدوش٠
ما يحدث هنا لم يكن بحسبان أحد٠
أم نورمان ستدخل عليها وهي تأخذ حمّامها تحت الرذاذ وتنهال عليها طعناً بالسكّين. سيهرع نورمان حال خروج أمّه ويصرخ بها »لماذا فعلت ذلك؟« وسيقوم للتو بمحاولة محو آثار الجريمة حماية لوالدته٠ أليست هذه من طبائع الإبن الطيّع؟ وماذا تكون هذه الأم الا مجنونة؟
لكن لنعد الى الوراء قليلاً٠
الى شيء مهم آخر ينضح به المشهد المهم جداً الذي يستمر نحو ثلاث دقائق وهو مشهد لقاء ماريون بنورمان. هناك خمسة أحرف من إسم ماريون موجودة في إسم نورمان بالإنكليزية لكن لن أبحر في ذلك. هذا ليس صدفة بل يلعب كورقة نفسية أخرى. إنه كما لو أن انفصام الشخصية الذي سندرك أن نورمان يعيشه يجعله أيضاً جزءاً من شخصية ضحيّته. ماريون تبدو المرأة المجرّبة. إنها إمرأة كاملة. لها عمل. آتية من المدينة. لها عشيق. الجنس عندها مسألة محلولة. نورمان أقل سنّاً منها وأقل خبرة أيضاً. يعيش منفرداً مع أمّه وما نفهمه أنه يضحّي بنفسه من أجلها. ما نفهمه أيضاً أن لا علاقات جنسية لديه. ماريون هي المرأة التي تفوقه. بالتالي بعض مشاعرنا الطيّبة تنقاد إليه. نورمان بالتالي عاجز عن أن يحب. أن يغتصب. طريقته الوحيدة هو أن ينفصل عن نفسه ويرتدي شخصية أمّه. إمرأة تقتل إمرأة هو فعل لا جنس فيه في مثل الوضع الماثل أمامنا. نورمان العاجز سيطلب من أمّه أن تقتل ماريون. بما أن أمه ميّتة، كما سنرى لاحقاً (بعد أن نصدّق خلال المشاهدة لحين أن أمّه هي حيّة وهي ارتكبت الجريمة) فأنه هو من يلعب دور الإبن المحب لوالدته: "ماما؟ ماذا فعلت؟" ويهرع لإنقاذ الموقف. لحمل الجثّة من أرض الحمّام الى السيارة. لتنظيف الغرفة من الأدلّة ثم لجمع حاجيات ماريون ووضعها في السيارة ثم قيادة السيّارة الى بحيرة موحلة ودفنها بسرّها. إنه إبن طيّع لأم شريرة٠
قبيل دخول ماريون الحمّام هناك عين من ثقب خفي. عيب يا نورمان. تفكّر. لكن مع جمال جانيت لي، وهو جمال يخرج من نطاق الصورة البيضاء/ السوداء حين تتعرّى (الكاميرا على كتفيها) لدخول الحمام  كيف تلومه؟ شاب وحيد في هذا المكان النائي لا يزال يعيش مع والدته... لكن التفصيلة هي أيضاً من باب حشد الإيهام بأن ما سيقع لن يقع. مزيد من القول أن نورمان هو »نورمال«٠


مشهد الحمّام من أكثر المشاهد جدلاً في التاريخ بالنسبة لأي فيلم. بنفس المستوى من الجدل الذي حصده أي مشهد من »المواطن كاين« وأي مشهد من أي فيلم  سيرغي أيزنشتاين "البارجة بوتمكين".  يستمر 45 ثانية ويستخدم فيه المخرج 74 لقطة ويبدأ بماريون تدخل »الشاور« وتغمض عينيها متلذذة بهذا الدفق من غسيل النفس التي تقدم عليه. ما أحلى الحياة من دون خطيئة... إذا كان ذلك ممكناً. لكنه قرار متأخر. هناك شبح وراء الستارة والشبح يحمل سكّينا والسكين واليد تبدوان في اللقطة حين تفتح ماريون عينيها خائفة وتصرخ واليد تهوى على ماريون بطعنات متكررة. وحشية. لا تردد فيها ولا توقّف. لقطات لليد ولقطات للجسد ولقطات للبانيو الذي تقف فيه ماريون ثم لقطة للماء الممزوج بالدم وهو ينسل الى البالوعة٠
كل هذا ولا توجد لقطة واحدة للسكين وهي تلمس اللحم. ولا لقطة واحدة خادعة او تتسبّب في أن تشك في أنها تدخل اللحم. العنف من دون دموية العنف. لم يكن الأستاذ بحاجة الى أن يستبدل الإيحاء بالمباشرة لأن ذلك سيحوّل المُشاهد من مستوى الى آخر وسيهدم الفكرة الماثلة من أن كل شيء يجري هو أكثر من تفعيلة لإحداث رعب في القلوب والأوصال
قبل أن نفيق من هول المفاجأة كنا انتقلنا في نحو ثلث ساعة من كاميرا تبحث عن قصّة وراء نافذة بيت الى قصّة تختلف تماماً عن توقّعاتنا. من بيت في حي مزدحم في مدينة فينكس، أريزونا الى غرفة في فندق لا يؤمّه أحد. من بطلة الفيلم الى ضحيّته. من سارقة فتائبة الى قتيلة٠

بهذه الجريمة نقف عند فصل جديد لا ندري كيف نتصرّف بعده. حين يقود السيارة الى حيث البركة الراكدة ويدفعها لكي تغرق (بسرّها) يتراجع خطوتين ويبدأ بمشاهدة السيارة وهي تغوص غارقة.  يضع يديه على فمه بينما يعلك شيئاً. يشعر بالإثارة. لكن ملامح وجهه تتبدّل. السيارة لا تغرق بالكامل. ينظر حوله إذا ما كان هناك من يشاهده. السؤال الذي في باله: ماذا أفعل إذا لم تغرق السيارة؟ ثوان كافية لأن ينتقل السؤال إلينا. ثم ....  السيارة تكمل الغرق. يبتسم. تغرق٠ ألفرد هيتشكوك يعمد الى
Fade Out
أول ما نراه بعد ذلك هو لايلا (فيرا مايلز) وهي تدخل المحل الذي يعمل فيه عشيق شقيقتها  سام (جون غافين) تسأل عن شقيقتها معتقدة أن سام يعلم شيئاً عن إختفائها. صاحب العمل كان اتصل بها وسألها عنها وهي -بعد غياب ثلاثة أيام- تقلق وتأتي هنا لكي تقول لسام أنها لا تكترث لعلاقته مع أختها لكنها قلقة لتصرفها الغريب وللجريمة التي ارتكبتها.  سام بالطبع لا يعرف شيئاً. هنا نلحظ وجهاً عند باب المحل لرجل يدخل ويقدّم نفسه. إنه التحري الخاص ملتون الذي عيّنه المكتب للبحث عن السكرتيرة وكان يتبع تحرّكات لايلا لعلها تعرف أين هي٠ الآن سينطلق منفرداً بعدما تأكد أنها ولا سام يعرفان شيئاً٠
يصل ملتون (مارتن بالسَم) الى الفندق في نطاق جولته على الفنادق وسريعاً ما يكتشف أن نورمان يخفي شيئاً. ولا أستطيع أن أؤكد كفاية أهمية الحوار الذي دار بينهما وأهمية ملاحظة التفاصيل الصغيرة التي حشرها المخرج بنجاح في دقيقتين من العرض قائم على تحر يعرف ما يقوم به وموظّف فندق مفتوح ككتاب وكل ما يستطيع فعله هو الكذب لكي يغطّي الجريمة.  لكن بإختصار: التحري يتّصل بسام ولايلا ويخبرهما أنه اكتشف أن ماريون قضت ليلة في هذا الفندق  (ويعطيهما مكانه) وأنه سيستجوب والدة نورمان وهو واثق أن الشاب يخفي شيئاً وسيتصل بهما لمزيد من المعلومات بعد ساعة٠
تمر ساعات ولا يتصل ملتون فيقرر الإثنان التحرّك. السبب أن ملتون لم يتّصل هو أنه انبرى لدخول البيت المهجور لسؤال المرأة التي يرى ظلّها، كما رأت ظلّها ماريون، عند حافّة النافذة. المرأة المفترض به أن تكون أم نورمان٠
لقطة لملتون وهو يدفع الباب الخارجي للباب ويدخل. لقطة للسلم العريض المؤدي الى الطابق الأول. لقطة لساقي ملتون من الخلف وهما تصعدان السلّم. لقطة له من الأمام وهو يصعد. مع كل خطوة ترجع الكاميرا خطوة. قطع الى باب جانبي يُفتح. لقطة علوية لخروج نفس الشخص القاتل الذي كان هاجم ماريون ولقطة قريبة لملتون وهو يُصاب بطعنه . ثم تلحق الكاميرا به وهو يفقد توازنه ويتراجع متعثّراً حتى يسقط على ظهره على الأرض عند أسفل السلّم. القاتل يقفز فوقه كالنمر ويطعنه أكثر من مرّة٠
باقي الفيلم حكاية بوليسية لا تقل إثارة حتى الدقائق الخمس الأخيرة (خطأ الفيلم الوحيد هو شرح لطبيب نفسي لما سبق لا يأتي بجديد) الى أن نكتشف معالم الأحداث جميعاً بفضل وصول ليلا وسام وتحريّاتهما التي تعرّضهما للخطر أيضاً. ولن أدخل في هذا النطاق  لكن الأساس هو أننا سنكتشف أن نورما  يتخفّى بزي والدته التي كانت ماتت قبل سنوات لأنه مصاب بالشيزوفرانيا٠ والمشاهد لا يعرف هذا الا إذا ما كان شاهد الفيلم قبل الآن (او قرأ للأسف هذا الكشف) بسبب توالي المفاجآت وترتيب هيتشكوك للأحداث عن طريق زرع الطريق بين البداية والنهاية بمفاجآته ومفارقاته وطريقته في تنفيذ كل لقطة بعناية فائقة٠
كان هيتشكوك لديه شهر واحد لإنجاز هذا الفيلم (أمضى منها أسبوعاً كاملاً لتنفيذ مشهد القتل في الحمّام وحده) لذا من السلامة الإعتقاد بأن المخرج كان يعتمد على المونتاج لاحقاً لتنفيذ كل ما في باله من دون الإعتقاد أن ما في باله كان معروفاً من قبل دخول التصوير. هيتشكوك من القلائل جدّاً في السينما الذي كان يعرف شكل الفيلم وبل شكل كل لقطة يريدها قبل البدء بالتصوير سواء رسمها على الورق او بقيت في باله. فنان بمخيلة تمنحه القدرة على مشاهدة الفيلم من دون أن يكون بدأ بتصويره٠
في طيّات العمل ذلك التأكيد على أن الحياة فخ. ليس فقط من ناحية أن ماريون وقعت في فخ عندما قادت نفسها إلى ذلك الفندق. بل أيضاً، وبنفس الأهمية الفخاخ التالية: نورمان واقع في فخ الشيزوفرانيا الذي تجعله يلجأ الى تقمّص والدته للتخلّص من كل إمرأة تثير عجزه (وماريون فعلت). تتحدّاه من دون أن تحاول.  وهذا يجرّنا الى الفخ الآخر: الأم. هي سُلطة فوق الجميع.  جزء من شباك عنكبوت العائلة فيها تدير وتتدخل وتؤدي. ثم تسحب من هذا ما تريد. القدر. الحياة أو أي رمز تريد تبنيه٠
ضع كل ما سبق في الثلاجة وانظر الى الفيلم من جديد كشغل سينما. تكتشف أنه مصنوع كسينما صافية. إنه ليس أقل من سينما المؤلّف ذاتها (وغودار وتروفو وشابرول أعترفوا بذلك). الى ذلك، لاحظ حركة الكاميرا ليس فقط في مطلع الفيلم بل حتى اللحظة الأخيرة. كيف تنتقل من شخص لآخر. كيف تصبح عين المشاهد حيناً وجزءاً من لُحمة المشهد وكيانه حيناً ودائما رشيقة وذكية وفي المكان المناسب في الزاوية الصحيحة وبالحجم الذي لا يمكن تكبيره او تصغيره٠
حين أكره ما أراه من حركات كاميرا في أفلام اليوم، أفعل ذلك لأني  واثق من أن المخرج إذا لم يكن يعرف ستر جهله بأي شيء. وما نراه هذه الأيام في بعض الأفلام هو "أي شيء" فعلاً٠


CREDITS | Film N. 99

DIRECTOR:  Alfred Hitchcock
CAST: Janet Leigh, Anthony Perkins, John Gavin,
Vera Miles, Martin Balsam, John McIntire, Simon
Oakland..
PRODUCER:  Alfred Hitchock.
SCREENPLAY: Joseph Stefano
NOVEL: Robert Bloch
CINEMATOGRAPHER:  John L. Russell  (B/W, 35 mm)..
EDITOR: George Toasini  (109 min).
MUSIC: Bernard Hermann.

PRODUCTION NOTES:  Universal Pictures. [USA- 1960].



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

No comments: