خمسة أفلام لخمسة نجوم ضد النجومية

لم يحدث لممثل أن أعرب عن أنه ضد النجومية لأنه في الحقيقة معها. لكن بعض الممثلين رفضوا قبول الأوسكار على أساس أنه يحوّل المواهب إلى ما يشبه سباق الجياد. التالي خمسة ممثلين مشهورين لعبوا أدواراً حاولوا فيها التعبير عن أنهم فنانون وليسوا مجرد نجوم شهرة:



مارلون براندو: Apocalypse Now رأس حليق ووزن زائد في دور قائد عسكري شرير. روبرت دينيرو: Raging Bull أدى دور ملاكم يكره نفسه وقام بزيادة وزنه لدرجة عدم اللياقة البدنية. بول نيومان: Cool Hand Luke عرض نفسه للكثير من الجهد في سبيل تمثيل دور سجين محكوم بالمؤبد بيرت رينولدز: Boogie Nights بعد جولاته كبطل دائم تحوّل رينولدز إلى ممثل مساند لأول مرة عبر هذا الفيلم سلفستر ستالون: Cop Land بحث طويلاً عن دور مختلف عن أدوار روكي ورامبو ووجده في هذا الفيلم.


Thursday, November 5, 2015

Junun | Black Mass | Steve Jobs | معالي الوزير | Fat City



_________________________________________________________________
  أفلام جديدة 
محمد رُضــا

Junun
جنون
★★★✩✩
إخراج: بول توماس أندرسون   Paul Thomas Anderson
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المخرج المعروف يترك الفيلم الروائي لينجز فيلماً موسيقياً جميلاً


|*|  هناك مشهد من فيلم بول توماس أندرسون التسجيلي «جُـنون» يتوقف فيه لاعب الغيتار الأميركي جوني غرينوود عن العزف ويلاحق حمامة تصدر أصوات الهديل المعتادة وقد وقفت  على مقربة. إنها ليست مشتركة لا في الجوقة العازفة ولا كان مقصوداً لها أن تحط فوق الرؤوس وتهدل. والمخرج أندرسون كان يستطيع أن يوقف التصوير إلى ما بعد طرد الحمامة من المكان حتى لا يؤثر صوت هديلها على التسجيل الصوتي. لكن تلقائية ما حدث هنا هي ذات تلقائية ما يحدث طوال هذا الفيلم التسجيلي- الموسيقي الذي تم تصويره بالكامل في قلعة مهرانجاره في مدينة جودفاهور في مقاطعة راجستان. 
المكان يأوي، لجانب الحمام الذي يعيش في أركانه عازفين هنود والمغني غرينوود،  الذي وضع موسيقا بعض أعمال أندرسون السابقة كما سواه، ومغني إسرائيلي أسمه شاي بن زور وفرقة هندية (أسمها «راجاستان إكسبرس») موزّعة على كل الآلات التقليدية من بينهم غفران علي وصابر بامامي واختشام خان أجمري والمغنية أصفهانا خان. 
تطل  القلعة القديمة على مدينة جودفاهور وهناك لقطة ملحوظة تخرج فيها الكاميرا من المكان عبر إطاراته الحجرية المفتوحة لتلقي نظرة على المدينة من فوق. لكن معظم التصوير داخلي ويبدأ بالنقر والعزف وينتهي بهما بعد نحو ساعة من لا شيء سوى الموسيقا والغناء (بالهندية والعبرية عندما ينبري بن زور في «صولو»).


جهد بعيد عن أعمال أندرسون المعتادة وهو يترك نفسه وكاميرته يرتاحان من دون ضوابط تذكر. لا بأس إذا أفلت «الفوكاس» هنا أو تحرّكت الكاميرا ببانوراما يدوية عوض القطع أو ثابتة على تروللي. هناك معايشة للأجواء من دون فرض الذات الفنية مطلقاً. لكن هذا الإبتعاد له أيضاً سلبياته. في النهاية لابد أن يتساءل المرء عن السبب وراء فيلم يستمع ويصوّر ولا يفعل أي شيء آخر. على عكس فيلم أحمد المعنوني «نشوات» (Trances) الذي عبّر به المخرج، سنة 1981، عن قوّة الموسيقا في صهر الثقافة الشعبية، لا يحمل الفيلم أي رغبات تتجاوز الإستماع والإستمتاع بالموسيقا التي تستمر من مطلع الفيلم لآخر. الموسيقا هنا ليست بوليوودية مطلقاً وهي المفتاح الجيد الوحيد الذي يبقى المشاهد مع الفيلم طوال الوقت ملاحظاً دقة العزف وبساطة الفنانين والعمل بأسره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Black Mass
قداس أسود
★★★✩✩
إخراج: سكوت كوبر   Scott Cooper
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دراما واقعية عن ملك آخر من ملوك الجريمة يؤديه جوني دَب بإمتياز

|*|  جيمس بلغار هو مجرم حقيقي شهدت مدينة بوسطن، في السبعينات، نشاطاته كرئيس عصابة تمارس كل ما يمكن أن تمارسه من تجارة الممنوعات والتهريب. جوني دب هو، بدوره، ممثل حقيقي أيضاً. ليس فعلاً طارئاً ولو أن إختيارات من الأفلام في السنوات الأخيرة لم تسع لإظهار كفاءته.
يروي «قداس أسود» حكاية مسحوبة من الواقع حول شخصية رئيس عصابة أسمه وايتي بولغر (جوني دَب) لعب على حبال الجريمة والبوليس بلا هوادة مورّطاً كل من حوله حتى وإن كان بعضهم (مثل أخيه بل ويؤديه بندكيت كمبرباتش) يحاول أن ينأى بنفسه عنه. بِـل هو النقيض ولو أن الفيلم لا يملك الوقت لمنحه حضوراً كافياً ولا يكترث، عن صواب، لإظهار تعارض مواقفهما حيال القانون بعد أن أشار إلى ذلك بلقطات ومشاهد قصيرة.  المتورط الأكبر هو تحري الأف بي آي جون (جويل إدغرتون) الذي اعتقد أنه إذا ما استمال وايتي ليصبح مخبراً يرشده إلى كيفية التخلص من عصابات بوسطن الأخرى. بذلك يبرز جون أمام رؤسائه من جهة، ويتيح لوايتي ممارسة ما يريد ممارسته من ناحية أخرى. لكن جون يسقط في الفخ ويصبح، وأحد زملائه (ديفيد هاربور)، متعاونان مع وايتي أكثر مما يجب. بكلمات أخرى، يطغى عنصر المال الذي أخذ وايتي يغدقه على جون وبدأت رائحة التسويات تستوي على نار تحقيقات الأف بي آي. أو كما يصرخ أحد المحققين في وجه جون: "كيف حدث أنه لا توجد جريمة في بوسطن إلا وكان وايتي وراءها من دون أن يلقى القبض عليه حتى الآن؟".  


ما آل إليه كل شخصية من هذه الشخصيات مذكور في عناوين نهاية الفيلم، لكن الكثير من الشخصيات الأخرى تُـقتل إما على يدي رجال وايتي أو على يديه نفسه. وأكثر عمليات القتل عنفاً هي تلك التي يرتكبها بنفسه والتي تشمل الخنق وإطلاق النار ما عدا الضرب الدموي المبرح. وايتي متمتعاً بتلك التغطية التي وصلته مثل هدية من السماء، بات قادراً على أن ينفّـذ جرائمه كما يشاء. الأف بي آي تحتاج إليه، هذا إلى أن تدرك ما قادتها إليه خطّـة تحريها جون وفساده ما أدّى إلى سجنه لاحقاً.  
في أحيان كثيرة تستطيع أن تطالع أسلوب مارتن سكورسيزي في «أصحاب جيدون» Goodfellas وتشاهد كيف يبني المخرج سكوت على بعض أسس فرنسيس فورد كوبولا في «العراب»، وكيف يعالج موضوع العلاقة بين السلطة وبين الجريمة على غرار ما فعل المخرج سيدني لوميت في أكثر من فيلم سربيكو»، «أمير المدينة» من بينها).  
جوني دَب يكشف عن جانب أسود من الأداء لم ينفّـذه منذ أن لعب تحت إدارة تيم بيرتون «سويني تود» (2007) الذي أدّى فيه شخصية حقيقية أخرى هي شخصية الحلاق البريطاني في أواخر القرن التاسع عشر الذي كان يقتل زبائنه ويرميهم إلى غرفة تحت الأرض لفرمهم وبيع لحومهم. قابل للتصديق ومتحكم في تشخيصه لدرجة تمنحه إحتمالات الترشيح للأوسكار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Steve Jobs
ستيف جوبس
★★✩✩✩
إخراج: داني بويل   Danny Boyle
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقد سيناريو 
دراما واقعية عن ملك آخر من ملوك الجريمة يؤديه جوني دَب بإمتياز

|*|  «ستيف جوبس» هو فيلم بيوغرافي آخر من هوليوود وحول شخصية لا يُـستهان بها: مؤسس وصاحب «آبل ماكنتوتش» والملياردير الذي أنجز عبر ذلك الإنجاز وسواه نجاحاً يتساءل المرء إذا ما كان جوبس، الفعلي، أدرك حجمه كاملاً منذ البداية أو أن ذلك تراءى له تدريجاً.
مايكل فاسبندر يؤدي دوره في هذا الفيلم محاطاً بممثلين قديرين آخرين مثل كيت وينسلت (في دور المسؤولة عن التسويق) وجف دانيالز (دور رئيس آبل) وآخرين. لكن ما يلفت النظر هنا، لجانب أن التمثيل المؤدّى جيّـد بتساو بين الجميع، هو الكتابة. ذلك أن السيناريست آرون سوركين يمارس هنا ما هو بارع فيه عادة: الحوار، لكن الحوار ليس كل شيء في السيناريو ومهارة كتابته (أو عدمها لا ترفع أو تهبط بقيمة السيناريو إلا بمقدار. في الأساس تم رفض الفيلم لرداءة السيناريو. ديفيد فينشر لم يعجبه السيناريو كذلك لم يعجب كرستيان بايل الذي كان من المفترض به أن يقوم ببطولة الفيلم.
يتابع الفيلم حياة ستيف جوبس في البيت والعمل. هو، حسب السيناريو، شخصية معقدة ومركّبة ولديه مشاكل. في الحقيقة يكوّم الكاتب هذه المشاكل لكي يدفع بالفيلم إلى مآزق شخصية واجتماعية. جوبس لديه مشاكل مع زوجته (وينسلت) ومع مدير أعمله (دانيالز) ثم مع باقي المحيطين على التوالي. طريقة سوركين هي استخدام الحوار لرصد هذه المشاكل. ما نراه ليس، تبعاً لذلك وفي كثير من الحالات، إلا تصويراً لما سيرد من حوار. بناء السيناريو شيء آخر إذ اعتمد الكاتب فيه على الفصول التقليدية (من 1 إلى 3) لكن النتيجة مبعثرة كون المشاهد المستخدمة في كل فصل هي متكررة. خصوصاً تلك المشاهد التي تنص على المشي والحديث خلال ذلك، كما لو أن البوح المفترض لن يتم إلا بالحديث والشخصيات تمشي. لكن الواقع هو أن خيال الكاتب محدود. 


مع أن المخرج داني بويل مارس مهارة في تفادي كل نتائج هذا المنوال من الأخطاء بإدارة ممثلين جيّـدة وبتنفيذه الملم والمعالج بحرارة الطرح من ناحية أخرى، إلا أن شخصية جوبس ليست من تلك التي يمكن للمشاهد الوقوف لجانبها (وإيرادات الفيلم تكشف عن أن القليلين أعجبوا بها). هذا يدفع بالمشاهد للتساؤل حول السبب في أنه سيمضي الوقت ليتابع شخصية سلبية، خصوصاً أن السبيل الوحيد للمحافظة على شيء من صلاحية شخصية جوبس لتولي البطولة هو تلميع صورته قبل نهاية الفيلم. 
بعض خصائل جوبس، تبعاً لهذا السيناريو، هي أنه بالغ الثقة بالنفس لدرجة مقلقة، كان يعتبر نفسه آلهة ويردد إنه القيصر سيزار وطريقته في الطلب هو الأمر به. إلى ذلك كان لا يشعر بالعاطفة حيال أحد وكان يعزي ذلك إلى إعتبارات من بينها أن المحيطين به يرغبون في النيل منه.
عند هذا الحد، فإن الحقيقة لا تهم. أقصد إنه إذا ما كان ستيف جوبس فعلياً كذلك أو أن السيناريست سوركين مضى في وجهة إفتعالية لتقديم شخصية يريد مناوءتها للضرورة الدرامية سيان. فالمشكلة هي أن هذا الحشد من السلبيات يأتي ليطرح شخصية لا يمكن أن تُـحب في حين أن مصدر السيناريو ليس في تقديم شخصية إيجابية أو سلبية بحد ذاتها بل في تلبيسها المبررات أو البواعث النفسية أو الإجتماعية ولو بمقدار.
سوركين هو كاتب «الشبكة الإجتماعية» (The Social Network العام 2010) الذي أخرجه فينشر وكان بدوره مليئاً بالحوار. نجاح المهمّـة في تكوين ذلك الفيلم يعود إلى المخرج الذي وظّـف جيداً شخصية مبتدع نظام فايسبوك مارك زوكربيرغ ليستخلص من مآزقه ذاتها ما يدينه بها عوض الإكتفاء بالمادة وحدها. فينشر رصد بعض المواقف وعالجها بالكم المناسب من السخرية بحيث أن الفيلم لم يكتف بذكر سلبيات الشخصية (ما يدعو إلى التفكير في أن السلبي هو ما يحب سوركين كتابته) بل ربطها بحالة إجتماعية مفادها الصراع على الشهرة والمال والنفوذ.
وفي حين من حق كاتب السيناريو أن يكتب مشاهد لم تقع في الحقيقة لكن هذا الحق ينتفي من الضرورة إذا ما كان، كما الحال هنا، مغاير تماماً عن الواقع. مراجعة حياة ستيف جوبس وكتابه عن نفسه يعارضان ما يذهب إليه سوركين بما في ذلك تقديم شخصيته بكل هذه الكتل من السلبيات.

No comments: