The Lion King | Straw Dogs (2011)| The Turino Horse| Le Havre | Pina Chicken With Plums | أفلام أوسكار 2012

Year 3 | Issue 102                                                                                                                                      

أفلام الأسبوع 


The Lion King **

إخراج: روجر ألرز، روب منكوف
أصوات:  جيمس إيرل جونز، ماثيو
برودريك، نيكيتا كالامي، جيم كمنغز
أنيماشن - 1994 [نسخة جديدة- بالأبعاد الثلاثة]٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 Review N. 267
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 لا أدري إذا ما كانت هناك سابقة لما سيلي أم لا، لكن فيلماً حط في المركز الأول في سلّم الإيرادات قبل ستة عشر سنة منجزاً نجاحاً كبيراً، يعود إلى الصالات ليتبوّأ، مرّة أخرى المركز نفسه.
الفيلم هو «الملك الأسد»، فيلم أنيماشن من ديزني ستديو وكان افتتح في الولايات المتحدة في الخامس عشر من حزيران/ يونيو سنة 1994 وعالمياً، بدءا بكوريا الجنوبية، في السابع من تموز/ يوليو. آنذاك حصد من أسواقه العالمية 783 مليون دولار، أي ما يوازي بليون و200 مليون دولار، إذا ما أخذنا في الحسبان التضخم المالي وسعر التذكرة الأعلى اليوم مما كان عليه في ذلك الحين٠
الفيلم نفسه طل في الأسبوع الماضي مزوّداً بسلاح الأبعاد الثلاثة وأنجز 30,151,614 دولار في أيامه الثلاث الأولى٠
نجاحه المتجدد سيكون مدعاة اهتمام هوليوود من حيث أنها قد تجلب بعض القديم المتميّز الذي سبق له وأن حقق نجاحاً كبيراً لتعيد طرحه فيما يشبه من يكتشف أن بذلة ما لا زالت تناسبه فينظّفها ويعيد لبسها و "ڤوالا"... لديه الآن بذلة جديدة٠
ما هو خاص بتجربة ديزني هذه هو أن الفيلم كان عُرض على جمهور من الأولاد والراشدين كحال كل الأفلام الكرتونية غالباً. في الأساس، فيلم ولاّدي للصغار، الصغار بحاجة للكبار كي يصطحبوهم إلى الصالة. التذكرة بتذكرتين والدولار بدولارين.... كيف لفيلم أنيماشن أن يفشل؟
لكن ما استند إليه الاستديو عملية حسابية بسيطة: الجمهور الذي كان صغيراً كَبُر وقد يرغب في مشاهدته من جديد، وأولئك الذين شاهدوه من فئة الثلاثين سنة وما فوق، ربما أرادوا مشاهدته من جديد أيضاً. إليهما سينضم جيل صغير دون السادسة عشر لم يلحق بتلك التجربة وسوف يود مشاهدته كما لو كان إنتاجاً جديداً.
في صلبه، «الملك الأسد» هو طموح شكسبيري على الشاشة الشكسبيرية. شيء من «هاملت» مدفون مباشرة تحت تربة هذا الفيلم من دون السعي للذكر. صانعوه استعاروا لكنهم لم يقدّموا الفيلم على أنه يحمل إقتباساً لـ «هاملت» متمثّلاً بحكاية الأسد الصغير، الأمير سيمبا ووالده الملك موفاسا وعمّه سكار.  العم قتل الأب والأمير يقرر العودة لكي ينتقم. هذا إلى جانب ايحاءات دينية مسيحية غير خافية بدءاً من مشهد في مقدّمة الفيلم حين يوحي الفيلم أن الطفل سيمبا هو منحة مميّزة من الله تعالى٠
إنه ليس فيلماً أخلاقياً وديزني ليست في صناعة السينما لكي تنتج أفلاماً من هذا النوع، لكنه فيلم يقدّم لمن يشاء بضعة مباديء ما يجعله منتمياً إلى تلك الأفلام الكرتونية ذات الأبعاد. أهم تلك المباديء حب العائلة واعتمادها الواجب على وحدتها في مواجهة بعض الأطراف الشريرة. أيضاً تعلّم سيمبا أن الحفاظ على مملكة والده من مسؤوليّته. يستطيع أن يهرب ويستطيع أن يلتهي مع أصدقائه من حيوانات الغابة الأقل من مركزه الإجتماعي لكنه لا يستطيع أن يستمر في ذلك غافلاً شؤون الحكم٠
لكن هذه المباديء الإجتماعية الكبيرة ليست ناصعة من دون شوائب. ما يرسم إيجابية طرح لفيلم ليس أبطاله وما يقومون به، بل أشراره أيضاً وما يمارسونه. كنه هؤلاء الأشرار. ألوانهم وثقافاتهم. في هذا الإطار  «ذ كينغ ليون» يحتاج إلى تقطير لسحب الشوائب منه. مصفاة عدس يُلتقط منها الحجارة الصغيرة التي يستخدمها لوصف سواه. هل نأخذ مثلاً بالصورة التي يرسمها الفيلم للأشرار كشخصيات ذات بشرة داكنة بقبول؟ وإذا كنا نستطيع أن نفعل متجاوزين، هل يستطيع إبن السابعة من العمر او نحوه تمييز ما هو خيالي عما هو واقعي او مستوحى من الواقع؟
خلو الفيلم من الحس المسؤول شيء، لكنه أيضاً، وبصرف النظر عن جيش النقاد الأميركيين الذين وجدوا الفيلم آنذاك رائعاً، هناك التقنية الممارسة. أيامها (منتصف التسعينات) كانت ديزني تخطو خطوات فاصلة عن تقنية الرسوم التي اعتمدتها سابقاً في الستينات وما بعد. تلك المدرسة الكلاسيكية العريقة التي نتج عنها أفضل أعمالها لليوم: «كتاب الأدغال»، «سنو وايت والأقزام السبعة»، «بامبي» وسواها.  «ذ ليون كينغ» هو آخر العنقود الفاصل بين مدرستين: يحمل ما يكفي للتذكير بتلك التقنية التي صنعت تلك الكلاسيكيات، ويحمل تقنيات جديدة تبلورت لاحقاً عن أخرى أكثر انتماءاً للجديد من القديم. لكن في صلبه، هو أيضاً فيلم قليل الجدوى. لا أقول قليل القيمة، لكن جدواه على صعيد الذخيرة الذهنية وعلى صعيد الترفيه ذاتيهما محدود. لا نحكم على الأولاد إذا ما أعجبوا بالفيلم، فشخصيات ساحرة كالأسد ومضحكة كالسعدان والظرافة تسعد هؤلاء كما تخيفهم شخصيات الضباع والصوت الفحيح للممثل البريطاني جيريمي آيرونز لاعب شخصية عم الأسد الصغير الذي قتل شقيقه٠
هذا يعيدنا إلى «هاملت» الذي احتوى، لجانب قيم كثيرة، على شخصية شاب وجد أن لديه اختياراً بين أن يقبل باستيلاء عمّه على الحكم والزواج من أمّه (سنوات ضوئية قبل سيغموند فرويد) أو أن يعيش حرّاً من الرغبة في السُلطة والإنتقام٠
هذا الفيلم يوجّه بطله إلى الإختيار نفسه وهوإذا يختار الحل الأول طبعاً يترك وراءه العيش بحريّة والإختلاط بقوم آخرين. أعتقد أن ما هو مقبول بالنسبة لهاملت شكسبير ليس بالضرورة مقبولاً في «الملك الأسد» والسبب هو أن الأول دراسة في ذلك الإختيار وفي المراجع النفسية عدى كونه عملاً أدبياً رائعاً. أما فيلم ديزني ففي أفضل حالاته ملهاة لا نستطيع أن نقول عنها أنها بريئة فعلاً، لكنها ترفيه تختلف حول الآراء حسب مفاهيمها ومرجعياتها٠


** Straw Dogs
كلاب من قش

إخراج: رود لوري عن سيناريو لسام بكنباه وديفيد ز. غودمان
أدوار أولى: جيمس مارسدن، كايت بوزوورث، ألكسندر
سكارسغارد، جيمس وودز٠
النوع: تشويق | الولايات المتحدة- 2011
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review N. 268
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ديفيد إنسان مسالم وكاتب سيناريو مجتهد وزوجته آمي ممثلة وكلاهما يصلان إلى بلدة في ولاية مسيسيبي ليمنحاها سمعة سيئة في فيلم يقول، خفياً، أن أهل الولايات الجنوبية لا زالوا كما عهدناهم في أفلام سابقة: عنيفون، غير متحضّرين وذوي سلوك غير اجتماعي او أخلاقي. سام بكنباه، المخرج المهم في تاريخ السينما الأميركية الحديث، أخرج هذه القصّة المأخوذة عن رواية غوردون وليامز «حصار مزرعة ترنشر» سنة 1971. لم يكن من بين أعماله الجيّدة. في الواقع، كان أقل جودة من كل أعماله. كان عنيفاً وذي نتوءات صدئة في معالجته، لكنه- على الأقل- انتمى لأسلوب بكنباه وطريقته في وصف البذور الشريرة في ذوات الناس وكيف أن ديفيد المسالم قد ينقلب وحشاً كاسراً تحت الضغط.
هناك، لعب دستين هوفمن دور ديفيد وشغلته كانت علم الحسابات. البريطانية التي قلّما نشاهدها الآن، ناهيك عن تذكّرها، سوزان جورج لعبت دور الزوجة. بريطانيون مرميين في الريف تثيرهم الزوجة، بقصد ومن دونه، فيشربون ويسكرون على ذكرها ثم- وبعد أحداث ترفع التوتّر عالياً- يحاصرون المنزل ثم يهاجمونه فيغتصبون الزوجة ويضربون الزوج الذي هنا تحديداً يقرر ديفيد أن الحال وصل إلى حد يدفعه لنكران أساليبه السلمية في الحياة فينقض على المهاجمين وينجح في قتلهم واحداً تلو الآخر: العنف له مبرراته وعليك أن تكون عنيفاً. هذه كانت رسالة سام بكنباه٠
وهذه الرسالة لا تتغيّر هنا. لكن ديفيد (مارسدن) أصبح كاتباً يضع سيناريو عن حصار ستالينغراد بينما يواجه حصاراً مماثلاً من قِبل أهل البلدة التي وصل إليها. يصلا إلى بلدة بلاكووتر لإصلاح منزل والدها. تشارلي (سكارسغارد) سيقوم بالإشراف على التصليحات وفريقه من الرجال سيقومون بالبصبصة على الزوجة خصوصاً حين ترتدي ذلك الضيّق او المكشوف وتخرج إليهم على نحو طبيعي كما لو كانت تستضيف بعض القطط الأليفة٠
طبعاً سيؤدي ذلك إلى غليان الأعصاب خصوصاً حين يتبدّى للجميع أن ديفيد ليس الرجل القوي في شخصيّته، وحين يقع الإغتصاب الذي يتوقّعه المشاهد حتى وإن لم يكن شاهد فيلم بكنباه السابق، فإن ذلك يقع بعدما ماتت المسألة أخلاقياً وأصبحت مفهومة الدوافع. في مكان ما من كل هذا، يحشر المخرج رسالة مفادها أن على أميركا أن تقف قويّة ضد ما يقوّض الحياة المدنية. هذا قد يكون رسالة موجّهة لليمين (حال الأشرار هنا)، او لليسار (حال الكاتب المهادن) لكن بصرف النظر عن التوجّه، فإن الفيلم هش بحيث تتمنّى لو أنك كنت تشاهد فيلم بكنباه مرّة ثانية كونه كان دائماً واضحاً في موقفه أعجبك ذلك الموقف أو لم يعجبك٠
رود لوري، الذي سبق له أن أخرج «المرشّحة» بطولة جوان ألن و»القلعة الأخيرة» مع روبرت ردفورد، دائماً ما سعى إلى شيء وأنجز ما هو دونه. وهنا لا يتغيّر شيء في هذا الوضع. المخرج يعرف أدواته التقنية لكنه لا يسمح لها أن تصيغ فيلماً أعلى قدرة. يدرك عصب الدراما التي بين يديه، لكنه لا يمنحها وقتاً لكي تتفاعل على نحو صحيح٠


أفلام المهرجانات

Chicken With Plums ** 








إخراج: مرجان ساترابي  وفنسنت بارونو
أدوار أولى: ماثيو أماريك، إدوار باير، ماريا دي ميدارو، غولشفته فرحاني٠
النوع:  دراما ساخرة [فرنسا/ ألمانيا/ بلجيكا- 2011]٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review N. 269
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 مشاهدتان متواليتان (الأولى انقطعت بعد 35 دقيقة بسبب موعد لم يكن من الممكن تأجيله) لم تغيّرا كثيراً في رد الفعل المستنتج من فيلم المخرجين ساترابي وبارونو.
بعضنا يتذكّر أنهما المسؤولان عن الفيلم الكرتوني «بيرسيبوليس» الذي وضعت فيه المخرجة مرجان ساترابي ذكرياتها في إيران وتجربتها ف الهجرة إلى أوروبا ورأيها الصريح فيما آلت إليه الحياة الإيرانية الإجتماعية والمدنية بفضل النظام والحكم الحاليين. ذلك الفيلم شاء أن يكشف حب المخرجة لإيران الأولى حين كانت الحريّة الفردية لا زالت ممكنة وحين كان الفرح بتغيير نظام الشاه لا يزال واعداً بنظام أفضل منه قبل أن ينقلب الحلم إلى كابوس.
الفيلم الجديد «دجاج مع خوخ مجفف» ليس كرتونياً الا بمقدار بضع لقطات هنا وهناك، بل دراما حيّة تتحدّث عن طهران العام 1958 من خلال سيرة عازف الموسيقا ناصر علي الذي نتابع هنا قصّة الأيام السبعة الأخيرة من حياته بمزيج من المواقف المضحكة والساخرة والدرامية الجادة.
وفي حين أن المرء يستطيع أن يفهم ضرورات التصوير في ستديو بابلسبيرغ في برلين، كون المخرجة من المغضوب عليهم في بلادها، الا أنه يتمنّى لو أن الفيلم امتلك الجرأة الكافية للإتيان بممثلين يتحدّثون اللغة الفارسية عوض التضحية بهذا القدر من الواقع (ذاك الذي مارسته المخرجة وزميلها في الفيلم السابق على أي حال) لأجل جلب ممثلين معروفين في أدوار صغيرة مثل الجزائري جمال دبّوس والإيطاليّتين شيارا ماستروياني وإيزابيلا روسيلليني، وإسناد البطولة إلى مجموعة فرنسية بالكامل تقريباً.
طبعاً الضرورات التجارية تبدو كل ما يحتاجه الإنتاج من دافع، علماً بأن فيلم بارونو وساترابي السابق تكلّم بالفارسية، معظم الوقت، وأنجز نجاحاً جماهيرياً كبيراً. هذا النطق بلغة تختلف عن شخصيات وموقع وبالتالي واقع الحدث، تذكّر بأفلام الوسترن التي كان النقاد الأجانب قبل سواهم يعارضونها لأنها كانت تصوّر الهنود الحمر كما لو كانوا خريجي أوكسفورد او هارفارد.
لجانب هذه النقطة فإن العمل الجديد للمخرجين يتواصل في قدر معتدل من النجاح. ناصر علي كسر آلة الكمان التي كان يعزف عليها وحين لا يجد بديلاً لها يرضيه يعزم على الإنتحار. بعد نحو ربع ساعة من الفيلم يتحوّل العمل إلى سرد لتلك الأيام السبعة التي ستفصل بين عزمه ذاك ونهايته المقبلة مع تعليق يصاحب الفيلم مصدره، حسب الفيلم، الملاك عزرائيل الذي يرصد خطوات الموسيقار وما يمر به من متاعب عاطفية ونفسية٠
في النواحي التنفيذية البحتة، فإن الفيلم يتعامل مع مجموعة من الفنيين والفانين الذي لا يمكن لهم القيام بخطوة غير مهنية وماهرة وادة. لكن على صعيد الإخراج نفسه، فإن العمل يحتاج الى ضوابط بين الفقرات أفضل من تلك المعتمدة. في أحيان كثيرة، يبدو الفيلم يعمد إلى خلط السخرية بالواقع لأن المناسبة فرضت ذلك. ماثيو أماريك جيّد في العموم، لكن مع تذكّر أن الدراما تعوزها المصداقية فإن صياغته للشخصية التي يؤدي هي صياغة تتبعه بالتالي ولا تتبع الواقع٠
ساترابي هي التي تبقى في مقدّمة هذا العمل بين المخرجين الشريكين. إنه عالمها وتاريخها وذكرياتها وهذا ما يمنح العمل ذلك القدر من التميّز. على ذلك، من المحتمل أن لا يحقق الفيلم الأثر ذاته، خصوصاً بين الذين كانوا يتوقّعون فيلماً آخر ذا موضوع سياسي معاصر ليجدوا أنفسه في فيلم قد يطرح في أفضل الأحوال أفكاراً ثم يسحبها.



ما شوهد من أفلام مرشّحة لأوسكار أفضل فيلم أجنبي


هلق لوين؟ **
إخراج: نادين لبكي
أدوار أولى: نادين لبكي، إيفون معلوف، على حيدر، مصطفى
السقا، جوليان فرحات، ليلى حكيم، كلود باز
لبنان/ فرنسا - 2011
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review N. 270
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نادين لبكي الآن، وبعد النجاح المستطرد لها، قوّة سينمائية لبنانية ضاربة. مخرجة موهوبة كانت برهنت على حسّها السينمائي في فيلمها الأول »كراميل» الذي كان، كهذا الفيلم، نسائي الهم والتركيبة والأحداث. لكن «هلق لوين؟» يختلف في كل شيء آخر. في حين أن «كراميل» كان عملاً يحمل نبرات فنية واضحة وهدوء في التحليل والمعالجة على حد سواء، يأتي هذا الفيلم كخضم من الأحداث الممتزجة، فهو يُضحك ويُسلّي ويتحدّث في الوقت ذاته عن موضوع جاد، وهذا ليس المشكلة. المشكلة هي أن هناك تمازجاً ينتج عملاً جيّداً، وآخر لا ينتج. فإذا أضفنا الموسيقا والغناء والحكاية الفانتازية التي تدور على خلفية واقعية، وجدنا أن الفيلم أكثر مما يحتمل. فكرة كبيرة تحوي في عناصرها كل ما يمكن أن ينتج عنه عملاً ترفيهياً جماهيرياً لكنه على حساب بلاغة فنية سبق للمخرجة أن حققتها من قبل
الفيلم الجديد الذي تم تقديمه في مهرجان "كان" يدور حول سكّان قرية  لبنانية نصفها مسلمون ونصفها مسيحيون، هناك وئام حذر بين الطرفين وحرب أهلية خارج حدود القرية . لكن هناك مناوشات. قطيع من الماعز دخل المسجد فهب بعض المسلمين ثائرين. تمثال لرأس المسيح هُشّم فهب بعض المسحيين. هذا إلى  أن  يخرج شاب مسيحي من القرية في غاية ويعود جثّة هامدة.  تحسّباً للفتنة، تقوم الأم الكثلى بإخفاء جثّة إبنها لكن سر الجثّة ينكشف وتقف القرية على حدود حرب طائفية. الحل؟ تقوم نساء القرية، اللواتي برهن من مطلع الفيلم، على أنهن رأس الحكمة وأنقى من الرجال تفكيراً بإقامة حفلة عشاء كبيرة يتم فيها صنع حلوى تحوي على حشيشة الكيف وفي الصباح تفاجيء النساء المسلمات أزواجهن بأنهن انقلبن مسيحيات والمسيحيات تفاجئن أزواجهن المسيحيين او أولادهم بأنهن اعتنقن الإسلام٠
ما سبق، إلى فصل الحفلة الليلية كان يمكن أن يكون وضعاً مثالياً لفيلم أكثر جدّية. لا مانع من سخرية او مناسبات كوميدية، بل لا مانع لو كان الفيلم كلّه معالج كوميدياً. كذلك ليست المشكلة أن الرجال في الفيلم أغبياء والنساء أذكياء لولا أن الفيلم ليس عن كوكب خلقهم الله فوقه هكذا. بالتالي لو عمدت المخرجة لمناطق رمادية  او حتى لو قدّمت سبباً فعلياً يبحث في تعنّت الرجل وسماحة المرأة (مثلاً) لكان الأمر أفضل وأكثر قبولاً
في وجه منه هو فيلم أمنيات طيّبة: الحرب بغيضة والحياة أقصر من أن نمضيها في حقد وضغائن. لكن مجرّد وجود هذه الأمنيات يجعل الفيلم أكبر بسنوات عن تلك الحرب الأهلية اللبنانية ومسبباتها وما نضحت به من نتائج٠ 

Burnt by the Sun 2 ***

إخراج: نيكيتا ميخالكوف
أدوار أولى: نادجدا ميخالكوف، نيكيتا ميخالكوف،  أوليغ
منشيكوف
روسيا - 2010

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review N. 271
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عندما سئل المخرج نيكيتا ميخالكوف لماذا انتظر ستة عشر عاماً قبل أن يحقق جزءاً ثانياً من فيلمه  «حرقتهم الشمس» أجاب بأنه كان يريد أن يُتيح للممثلين النمو إلى السن التي تسمح لهم بتمثيل شخصياتهم في مقابل جلب ممثلين جدد ليقدّموا حكاية الجزء الثاني التي تقع بعد ثلاثة عشر سنة على أحداث الفيلم الأول.  تبرير مقبول بالطبع لكن في المقابل يبدو الجزء الثاني كما لو خسر نصيبه من النجاح الذي أصاب الأول وكان من الممكن له أن ينسحب على الثاني فيما لو تم إنتاجه خلال السنوات الخمس اللاحقة
مهما يكن يُحلينا المخرج الروسي نيكيتا ميخالكوف (كونتشالوفسكي- كما أسمه الكامل) إلى أحداثتنبع من الجزء الأول. في «حرقتهم الشمس» الأول تعرّفنا على تلك الشخصيات التي تعيش ثلاثينات الفترة السوفييتية تحت حكم ستالين. على كوتوف (ميخالكوف) الذي كان يعمل تحت إمرة النظام واعداً نفسه بحياة راغدة  والذي كان يمضي أيام سعيدة مع زوجته  ماروسيا (إنغبورغا دابكونياتَ)  وإبنته ناديا (ناديا ميخالكوفا) ذات السنوات الست. شيء ما يقلقه في ذلك الأفق. لم لا فقريبه ديمتري، خادم النظام الأول  أوليغ منشيكوف) حاقد عليه كونه خطف منه المرأة التي كان يحبّها، وهو يخطط  للإنتقام من كوتوف وينجز ذلك مع نهاية الفيلم بإرسال الزوج إلى معتقل سياسي
في هذا الجزء ننتقل إلى العام 1943 (سبع سنوات بعد أحداث الفيلم الأول). كوتوف في وحول جبهة القتال ضد الألمان. كذلك في الجبهة ولو في مكان آخر إبنته التي أصبحت ممرضة. وفي مكان خلفي ديمتري الذي يحاول جهده منع لقاء الأب بإبنته. كونتشالوفسكي ينجح في خلق هذه العداوة واستغلالها في الوقت الذي يقدّم فيه عملاً حربياً (ولو في جزئه الأول هذا) مظهراً الصراع ضد العدو الآخر: النازية٠
الصراع الثاني يأتي متوقّعاً ويتيح للفيلم الذهاب إلى الحرب بكل ما فيها من وحشية وشراسة وعنف. لكن الأول هو الذي يحظى باهتمام المخرج الخاص، كونه يحوّل شخصية كوتوف إلى تعبير عن الإنسان السوفييتي الذي هو ضحية نظام جائر. نظام يبدأ الفيلم به وهو يوجّه أوامره إلى ديمتري بتعقّب كوتوف وإبنته والتخلّص منهما. والخلاص عند المخرج هو الدين الذي سيحيل عذابات بطله وإبنته إلى روحانيات جميلة. إنه في هذه المشاهد الأخيرة من الفيلم، حيث يكمن فصل الخلاصات والمفادات، يتبدّى ضعف سليقته الدرامية وتشتت اهتمامه وإضاعة الفرصة لإنجاز عمل يلتحم بالتاريخ بصرف النظر عن الرؤية الشخصية له٠

Le Havre  ***

إخراج: آكي كوريسماكي
أدوار أولى: أندريه ويلمز، كاتي أوتينن، جان- بيير
داروسان، بلوندل ميغويل
فنلندا/ فرنسا/ ألمانيا - 2011
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review N.272
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين كل الأفلام الأوروبية الحديثة التي تناولت في السنوات الأخيرة ظاهرة الهجرة غير الشرعية عبر
البحر، «لو هاڤر» هو أكثرها تشبّعاً بالحزن الإنساني الدفين على مصير أولئك الذين جرفتهم الظروف من أفريقيا إلى السواحل الفرنسية. هذا شأن كوريسمالي في أفلامه السابقة وبصرف النظر عن الموضوع الذي يعالجه. ما ينتقل من فيلم لآخر هو الحس بالوضع الإنساني والإجتماعي والحزن العميق على حالة  شخصياته الرئيسية في مدينة تتحرّك تحت وطأة نظم ضاغطة
   كوريسماكي اختصاصي حكايات عن ناس خاسرين. وهنا بعضهم ولو أن الأمر يختلف هنا عن أفلامه الأخيرة السابقة مثل «ضوء في الغسق» و«رجل بلا ماض». بطله مارسل ماركس  (أندريه ويلمز) لديه  عمل ثابت في بلدة لو هاڤر الفرنسية الكامنة فوق النورماندي. هو ماسح أحذية وهناك المشهد الذي يمهّد للكشف عن بواطن الأمور: يمسح حذاء شاب أسود فينتفض فرنسي كان يمعن النظر بهما ويغادر المكان. لكن عمل مارسل لا يعرف لون البشرة، بل لون الحذاء وسريعاً ما سيجد نفسه يستبدل الأولويات حينما يلتقي بالصبي إدريس الذي سبح هرباً من البوليس الفرنسي الذي كان ضبط شحنة من اللاجئين الأفريقيين لكنه أفلت منهم. العلاقة الإنسانية تنمو بينهما على الرغم من أن زوجة مارسل دخلت المستشفى لمرض شديد. في سياق الموضوع حياة رجل تجاوز الخمسين ويعيش حياة متواضعة ككل شخصيات كوريسماكي السابقة. ما يتغيّر ليس فقط تعامله مع طاريء جديد ومنحه مساحة زمنية يرتاح فيها من عناء الهرب، بل حياته الخاصّة وتبعاً للظروف التي تمر بها زوجته أيضاً. عند المخرج شخصية كاملة الأوضاع تمر بمصاعب حياتها مع وبدون إدريس. ما يمنحه إدريس لمارسيل فهماً لقضيّة اجتماعية تساوي قضاياه الأخرى
كالعادة لا يكترث المخرج لليافطات الكبيرة، بل أفلامه هي فن كبير على مواضيع صغيرة وشخصيات متواضعة. هو دائماً ما يبحث في عتمة المدينة عن شخصيات تعيش بيننا (وقد أكون أنا او تكون أنت بينها)  ولا يشعر بها أحد حين ينشد هؤلاء صداقة (كحال بطله في «أضواء في الغسق» مثلاً)٠
الرابط الإجتماعي هنا متساو: ماسح أحذية لا يمكن أن تكون حياته المادية أفضل بكثير من أفريقي شاب هرب من بلده قاصداً لندن ليصل إلى شواطيء فرنسا. لكن الرسالة الخفية نوعاً هنا هي أن فقط من يعيشون المستوى المحدود من الدخل ذاته، ومن الحياة المهمّشة نفسها، هم من سيشعر حيال أزمة الآخر. إلى ذلك، هناك القدر ذاته من السخرية. كوريسماكي قد يتطرّق لمواضيع جادّة بأسلوب عمل مرهف وداكن لكنه ليس معلّقاً يصدح بالخطب بل على العكس يحتفظ لنفسه بحق تمرير سخريته من هذه الأوضاع. في الوقت ذاته هو أحرص على أن يسخر أكثر مما يجب، حتى لا يعرّض عمله للهدر. وبصرياً، فإن الكثافة التي تحتويها الصورة وتوزيع عناصرها البشرية وخلفياتها الطبيعية او المكانية على حد سواء، تؤكد حسن تعامله مع مادته ومع مشاهده. كل شيء لديه موحّد على خط قصير مباشر ومبتسر. لا يوجد عنده مشهد يستمر لحظة من دون أن يضيف شيئاً. ولا يقصد الإضافة إن لم يكن لديه شيء. بذلك هو راسم بارع لحدود مشاهده أيضاً٠

Pina ***

إخراج: ڤيم ڤندرز
تسجيلي
ألمانيا-  2011
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review N.273
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بينما حظت سينما الخيال العلمي وأفلام الأنيماشن والفانتازيات المختلفة بنصيب الأسد من نظام الأبعاد الثلاثة، كان مفاجئاً، للعقل المثقّف عموماً، أن يعمد مخرج- مؤلف ما إلى ذات النظام ليبث فنّه. الألمانيان ڤيم ڤندرز وڤرنر هرتزوغ فعلاها. الأول عبر هذا الفيلم والثاني عبر فيلمه
Cave of Forgotten Dreams
وكلاهما تسجيليان
في «بينا» سيرة للحياة المهنية للراقصة ومدرّبة الباليه بينا بوش التي ماتت قبل سنوات. عشرون سنة على قيام ڤندرز بإبداء رغبته لها تحقيق فيلم عنها. بعد ذلك اشتغل على أفلامه واحتل موضوع التعاون صفّا خلفياً إلى أن عاد إلى الواجهة سنة 2007 بعد مشاهدته فيلما بالأبعاد الثلاثة. أتصل بها وأخبرها أنه بات يعرف كيف سيقدّم فيلماً عنها. بعد عامين ماتت وڤندرز بحث مع أعضاء فرقتها وقرر أن يصنع الفيلم على أي حال
بوش لم ترغب في فيلم من نوع سيرة الحياة وڤندرز تجاوب مع هذه الرغبة مفضّلاً بدوره التركيز على كيف مهنتها الفنية وكيفية قيامها بتصميم وتدريب الراقصات. في ذلك هناك استعانة بالتسجيلات المختلفة، لكن الكثير من اللقاءات والأكثر من ذلك من قيام الفرقة التي عملت تحت مظلّة بوش تقديم أعمالها لعل هذه الأعمال تقترح على المراقب ما كانت عليه المصممة فنّاً ورسالة٠
ڤندرز يوظّف الإستعراضات الراقصة أفضل توظيف. كاميرا محمولة تتحرّك دون اهتزاز مانحة الفيلم حريّة وليونة تتشابه وحريّة وليونة الفصول الراقصة ذاتها.  وبل يجد المخرج فرصة لبعض الأفكار شبه التجريبية.  لكن محور كل شيء يبقى بوش وفلسفتها الفنية ومنظورها للعالم من خلال فنّها. بوش كانت دائماً تسأل عما يحرّك الرقص في راقصاتها (على الأخص) وليس لماذا يرقصن. والمخرج يعمل على هذا المنوال فاتحاً منهجاً فنيّاً مثيراً للعين وشاغلاً للذهن ولو أنه في نهاية الأمر يبقى محدود التأثير كون الفيلم تأليف ذاتي حول فن أكثر ذاتية٠


 The Turino Horse
*****

إخراج: بيلا تار
تمثيل:  مات دايمون، إميلي بْلَنت، ترنس ستامب، مايكل
 كَلي، أنطوني ماكي
النوع: تشويق | الولايات المتحدة - 2011
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review # 224
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحد شروط تحقيق تُحفة سينمائية هي أن يقوم المخرج بإلغاء كل الروابط التي من الممكن لها أن تلزم فيلمه بإتباع التقاليد. وشرط ثان أن يفعل تحديداً ما يُريد بالطريقة التي يُريد وهذا بعد تمكّنه من رؤيته وأسلوبه. فيلم بيلا تار يملك، على الأقل، هذين الشرطين.
فيلم بيلا تار، أي فيلم لبيلا تار، يصفع الناظر بمشاهد من الصعب أن تُمحى من البال. في الحقيقة، فيلمه  الطويل جدّاً "تانغو الشيطان" كلّه يبقى في البال كما لو شوهد بالأمس بمشاهده الطويلة، معايشاته المتمددة التي لا يمكن معرفة متى ستنتهي صوب معايشة أخرى. بلقطاته التي تحرص على تأطير البيئة المنتقلة الى الشاشة. بذلك يبقيها تحت الضوء وفي المدّمة. الساحة الكبيرة التي تتحرك عليها الأشياء والشخصيات معا. إنه كما لو أن المخرج يخشى (او ربما يدرك) انه لو اقترب كثيراً من الشخصيات التي لديه اضطر المشاهد لإهمال ذلك المحيط. علي ذلك يسمح لنفسه بلقطات قريبة عند الضرورة خصوصاً في الحالات التي تعكس البؤس كاملاً٠
الفيلم الجديد يبدأ بذكر حادثة تردد أنها وقعت مع  نيتشه في تورينو سنة 1889 حينما شاهد حصاناً يتلقّى الضرب المبرح من صاحبه، فما كان منه الا أن هرع الى الحصان وحضن رأسه وأخذ يبكي. وحسب ما يرد في مقدّمة مطبوعة قبل المشهد الأول في الفيلم، سقط الفيلسوف مريضاً من بعد ذلك وحتى وفاته. لكن الفيلم لا يريد أن يبحث في تصرّف نيتشه او دوافعه او حتى ما حدث له من مرض، بل يسأل ".... لكن ما الذي حدث للحصان؟"
ما حدث للحصان كثير.... وقليل. بعد ذلك، يقول الفيلم، رفض الحصان أن يمتثل لرغبة صاحبه الا مرّة واحدة، عندما قرر صاحبه الهجرة وإبنته من البيت الذين يعيشان فيه بعيداً عن كل شيء الى مكان آخر لا يدريان أين.... لكن لحظة. هل هو الحصان ذاته الذي تسبب في موت نيتشه؟ بيلا تار لا يقول.
المشهد الأول: الكاميرا تصوّر حصاناً يجر عربة ثقيلة وفوقها رجل يحثّه بالسوط على المضي. المكان ريفي والكاميرا تتراجع الى الوراء وتمسح جانب الحصان والعربة ومن فوقها ببطء لتعود بعد ذلك الى الجزء الأمامي من الحصان كل ذلك بلقطة طويلة واحدة لا تريد أن تنتهي وتستمر طوال المشهد (نحو أربع دقائق). في نهاية تلك اللقطة من الممكن مشاهد الحصان وقد أخذت خطواته تقصر وعنقه يميل الى تحت دلالة تعبه. هذه اللقطة الأولى هي موازية للقطات بيلا تار (قدّمت سينماه في بحث على عدّة حلقات في العام الماضي في "ظلال وأشباح") في "رجل لندن" (2008) عندما تمسح الكاميرا ببطء شديد مقدّمة باخرة راسية في مرفأ. كذلك في "تانغو الشيطان" (1994) حيث الكاميرا تتحرّك بموازاة قطيع من البقر في شوارع قرية مهجورة.
هنا تتحرّك أكثر كونها منصبّة على ذلك الحصان. لكنها لن تتحرّك كثيراً بعد ذلك. ستقف في مكانها لتلتقط حياة الرتيبة أمامها. مع وصول الحصان الى مزرعة صحراوية جافّة في منطقة مهجورة، تهرع إبنة صاحب العربة الى أبيها وحصانه. أولاً تعتني بالحصان فتساعد أبيها في تفريغ الحمولة وتقود الحصان الى الإصطبل وتغلق الباب وتلحق بوالدها الى داخل البيت المؤلّف من حجرة كبيرة واحدة هي مكان للنوم ومكان للأكل وللطبخ (لا نرى الحمّام مطلقاً) وللجلوس والنظر من النافذة الى العراء في الخارج.
مع هذا المكان سنقضي الأيام الستّة المقبلة، لأن الحصان في اليوم التالي يرفض أن يخطو بعيداً عن اصطبله، وفي اليوم التالي يرفض أن يأكل وفي الرابع يرفض أن يشرب، في الخامس تعتقد أنه لابد مات. في السادس صباحاً سيجرّه صاحبيه بعدما حمّلا العربة بأمتعتهما الضرورية. يتحرك الجميع بعيداً عن البيت وبعيداً عن الكاميرا فوق الأرض الخالية الا من بئر كان جف ماءه فجأة. تبتعد العربة والكاميرا تراقبها. تصل العربة الى هضبة بعيدة فوقها شجرة يتيمة تمر بها وتغيب في الأفق. الكاميرا لا تزال في مكانها وحس المشاهد ويقظته منصبّان على الحركة التالية لها او للمخرج. فجأة تعود العربة كنقطة غابرة من الأفق التي غابت فيه. وبنفس المدّة الزمنية التي تطلّبها غيابها تعود الى مكانها الأول. الأب وإبنته ينقلان الأمتعة الى البيت (الكاميرا تحرّكت من مكانها السابق للقطات متوسّطة لكنها لا تزال خارجية) والحصان الى الإصطبل: لا مكان يستطيعان اللجوء إليه.

بطاطا مسلوقة
هناك غرابة في التكوين لا تفلت من الملاحظة، لكنها جزء من منهج عمل يقع ما بين بدايات الفيلم (المقدّمة ثم ما يقع في اليوم الأول) ونهاياته (هذا اليوم). وما يقع ليس كثير العدد، ولا متعدد الشؤون لكنه أثرى مما لو كان كذلك. خلال هذه الأيام التي يمضيها الرجل العجوز وإبنته الناضجة (لن تشاهد من أنوثتها ما يُذكر) تمر الأيام ذاتها. هنا لا فرق بين إثنين وثلاثاء وخميس وجمعة (لذلك يطلق عليها المخرج أرقاماً). كل شيء يبدأ باستيقاظ الأب وقد نام على سريره مستلقياً ببعض ثيابه نفسها على ظهره. يجلس وينح. إنها إشارة الى إبنته (الكلام شبه معدوم بينهما خصوصاً منه) لكي تساعده على ارتداء ما خلع من ثيابه وحذائه فيده اليمنى معطوبة. تذهب الى البئر  حاملة الدلو وقاطعة المسافة ذاتها وتستخرج الماء ثم تسلق قطعتين من البطاطا. هذا في اليومين الأوّلين، حين كان ذلك الأب (كلاهما بلا إسم) يأكل البطاطا بشراهة. الآن لنلاحظ شكل "مأدبة" الغذاء:
طاولة خشبية كبيرة يجلسان عليها متواجهين. كل منهما بصحنه وفي الصحن قطعة بطاطا مسلوقة. حين يبدآن الأكل يسرع الرجل بتقشير البطاطا التي لا زالت تغلي من السخونة (تستطيع أن ترى الدخان يتصاعد منها). لكنه لا يكترث. يقشّرها بأصابع يده مجتمعة ثم يضع فتاتها في فمه وهي ساخنة. يأكل سريعاً ثم ينهض بينما لا تزال إبنته تأكل متمهّلة.
هذا في اليومين الأوّلين. الإيقاع يصبح بطيئاً بعدما رفض الحصان العمل فتدخّل في حياة صاحبيه. البئر يجف بعد زيارة سريعة لمجموعة من الغجر (لعنة غجرية). الحياة تتحوّل من رمادية الى داكنة. ليس أن تلك الحياة كانت سعيدة قبل ذلك، لكننا نرى الآن موتها. في اليومين الأخيرين تبدو تلك الوجبة باردة والبطاطا ليست مسلوقة تماماً. الأب في اليوم الخامس يحث إبنته على أن تأكل. في اليوم السادس يتوقّف هو أيضاً عن الأكل.
كما يُلاحظ فإن البؤس الذي تطرّق إليه المجري بيلا تار في "تانغو الشيطان" وأعماله السابقة واللاحقة، مجسّد هنا من جديد لكن ما نراه ليس ساخراً بقدر ما هو مؤلم وهو أكثر ألماً مما في أفلامه السابقة. في الوقت ذاته الألم ليس نتيجة محاولة تحسيس المشاهد بمشاعر إنسانية. هذه الشخصيات تم كيّها من قبل الأقدار وظروف الحياة بحيث لم يعد لديها أي دواع لكي تتحدّث ناهيك عن أن تشعر. وكما في أفلام بيلا تار الأخرى، فإن التصوير بالأبيض والأسود جزء من العالم الذي يصوّره كون الألوان ستوحي ببعض الأمل وهو ضد الأمل الكاذب٠
طوال ساعتي الفيلم يحرض المخرج تار على إعادة  تصوير الحركة ذاتها (البطاطا، جلب الماء، الإستيقاظ، الخ...) لكن المشهد ليس هو ذاته دائماً. رغم ما يبدو رتيباً ومتكرراً فإن الفيلم فيه من الثراء في المعاني وفي الصورة ومن ثنايا الشكل القشيب، كالحياة، ما يجعله متخماً بالمضمون الذي يكبر لكنه لا يتكرر.
هذا ليس فيلماً لكل المشاهدين. أفلام المخرج عادة لا تجذب حتى النقاد المدللين فما البال بالجمهور الذي يريد أن يستشف شيئاً يتواصل وإياه حين يراه ماثلاً على الشاشة، لكن حين لا يكون في نيّة المخرج التعامل شعورياً مع شخصياته وإتاحة الفرصة أمامهم لتكوين ذلك الشعور، فإنه لن يكون مستعداً لمعاملة مماثلة مع مشاهديه. لذلك تحب أفلامه -إذا أردت- كما هي.
إنها قطع أقرب الى التحف تصويراً وشعراً وتأمّلاً، ما يمنعها أن تجتاز النطاق الضيق بالفعل وتصبح تحفاً هو فقدانها الأمل. لا الأمل الكاذب الواصل الى نهاية سعيدة حتى وإن لم تنتم، بل أمل ناتج عن حب الحياة ذاتها.... هذا لا يزال من مزايا المخرج الراحل أندريه تاركوفسكي وحده٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011

30 Minutes or Less | Final Destination 5 | The guard | In A Better World | The Help| Crazy, Stupid, Love

Year 3 | Issue 101                                                                                                                                       


30 Minutes or Less  **
ثلاثون دقيقة أو أقل


إخراج: روبين فلايشر
أدوار أولى: جيسي أيزنبيرغ، عزيز أنصاري، داني مكبرايد، نك سواردسون، فرد وود
كوميديا- أكشن | الولايات المتحدة (2011)٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review n. 261
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خلال حفلة راقصة يكشف رجل أسمه دواين (داني مكبرايد) على أن والده ربح الجائزة الأكبر في اللوتو. هذا يدفع صديقته للإقتراح التالي: لم لا يقتل أبيه ويستولي على الملايين التي ربحها؟ في هذه اللحظة يعتقد الشخص العاقل أن الرجل سيطردها كونها اقترحت قتل والده، لكنه يبدو أنه من النوع الذي يقبل النصائح ويتجاوب، هو وصديقه ترافيز (نك سواردسون)،  مع هذا الإقتراح. لتنفيذه عليهما الإستعانة بقاتل محترف (مايكل بينا) ولتمويله عليهما أن يملكا المال. هنا يدخل على الخط عامل البيتزا الذي سيتم ربطه إلى عبوّة وإرساله إلى المصرف لكي يسرق المال المطلوب لدفعه للقاتل المحترف لقاء قيامه بقتل الأب. خطّة بسيطة جدّاً لا تتطلّب سوى مشاهدين غير سائلين عن أي نوع من الذكاء٠

عامل تسليم البيتزا (الممثل جيسي أيزنبيرغ الذي ينزل درجات عن مستوى دوره في «الشبكة الإجتماعية» الذي رُشح للأوسكار بسببه) موصول بروموت كونترول قابل للتفجير بضغط الزر من بعيد الا إذا استجاب موظفو المصرف وسلّموه المال الذي في الأدراج.
طريقة تبدو أسهل في الفيلم من الواقع، لكن الفيلم مأخوذ من واقعة حقيقية لم تقع بالتأكيد على هذا النحو. ولو ثابر الفيلم عليها لحققت فيلماً أفضل من ذاك الذي ارتسم على الشاشة. المشكلة هي أن المخرج روبين فلايشر لم تكن له مطلق الحريّة في اختيار المعالجة المناسبة لموضوعه هذا. إنه، في الجوهر، لابد أنه موضوع جاد لكن المنتجين الواقفين خلف المخرج والموصولون بدورهم إلى ستديو يملك روموت كونترول من شأنه إذا ضغطوا عليه تفجير المشروع من أساسه،  أرادوه فيلماً هازلاً، وكان لهم ذلك بالطبع. وهذا ليس أمراً فريداً في السينما الأميركية اليوم لأنه من النادر أن تجد مخرجاً قادراً على فرض وصايته واختيار المعالجة والحس السينمائي المناسبين او المختلفين عن السائد. القصّة الواقعية انتهت بمقتل عامل البيتزا لكنه هنا له دور بطولي لابد من لوي ذراع الحكاية الأصلية لأجله




Final Destination 5  ***
الوجهة الأخيرة  5


إخراج:  ستيفن كوايل
أدوار أولى: نيكولاس دأغوستو، إيما بل، مايلز فيشر، إيلين رو٠
تشويق | الولايات المتحدة (2011)٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review n. 262
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كل جزء من أجزاء هذا المسلسل قدّم مجموعة من الشباب والشابات الذين يجدون أنفسهم في مواجهة الموت. لقد آن الأوان ومن آن أوانه لا مهرب له من الموت، الا إذا كان السيناريو ينص له على أن يعيش. هذا الفيلم لا يختلف في هذا المنحى، ولو كان يختلف في نوعية المفارقات. هذه المرّة، وعوض الطائرة التي لم يستقلها من كان من المفترض به أن يفعل، فإذا بها تهوي، هناك جسر يهوي بعدد كبير من الناس بإستثناء من كتب لهم السيناريو النجاة وفي مقدّمتهم سام (دأغوستو) لكن بما أنه وأصحابه كان مفترضاً لهم الموت. نجاتهم غير محسوبة ولا مستحبّة وباقي الفيلم هو سلسلة من اخفاقات ملك الموت في القضاء عليهم. المهمّة التي يحاول هذا الفيلم حملها، وينجح بذلك إلى حد لا بأس به، هو إعادة تقديم نفسه على نحو جديد. صحيح أن الحكاية تدور في ذات الإطار إلا أن الشخصيات جديدة والمنهج هو شحن مشاهد خوف وقلق وعنف أكثر من ذي قبل.  المخرج سبق له وأن عمل تحت إدارة جيمس كاميرون كمساعد في فيلميه «أتلانتيك» و«أفاتار»٠


The Guard ***
الحارس


إخراج:  جون مايكل ماكدوناف
أدوار أولى: برندان غليسون، دون شيدل، ليام كاننيغهام، مارك سترونغ٠
بوليسي | بريطانيا (2010)٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review n. 263
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الفيلم البريطاني شهد عروضه العالمية قبل بضعة أشهر من بدء عروضه البريطانية اليوم. وفي رحلاته حصد إعجاباً نقدياً أكثر مما يمنحه هذا الناقد له. ليس أنه فيلم رديء، لكنه رغم أن معالجته العامّة تختلف عن أفلام تماثله في الموضوع، إلا أنه يبقى بلا جديد على صعيد الحكاية وشخصياتها.  إنه حول شرطي أيرلندي (غليسون) يعيش حياته ببطء المتعب وحين تقع جريمة يفاجيء أن الأف بي آي الأميركية مهتمّة بالجريمة وبواعثها وقد أرسلت للغاية تحرياً أسود (شيدل) لمساعدة الشرطي المحلّي. إذا قبلنا هذا الموقف المقدّم ببساطة، لا بأس من تكملة المشوار والتقاط تلك المفارقات التي يبنيها المخرج على ردّ فعل كل طرف على الآخر. فالشرطي الأيرلندي لم يعتد العمل مع أميركي، او مع أسود والأسود لم يفهم البيئة. هذا مستهلك لآخر قطرة في هذا الفيلم مع المعركة الأخيرة بين الرجلين من ناحية والأشرار (بقيادة مارك سترونغ) من ناحية أخرى. على الرغم من إعتيادية المواقف، يقحم المخرج نفسه في إيقاع متمهّل جميل، وكان يمكن أن يكون ذا وقع أكثر لو أن القصّة كانت أعمق أو أفضل. التمثيل رائع من كلا الشخصيّتين٠



In A Better World  ***
في عالم أفضل


إخراج:  سوزان بيير
أدوار أولى:  وليام جونك جوول نيلسون، مرقص رايغارد، ميكايل برشبراند، تراين ديرهولم٠
دراما إجتماعية | دنمارك/ سويد (2010)٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review n. 264
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
درجت المخرجة بيير في أفلامها على التعاطي مع الموضوع المحلّي وتطيعمه بالتأثير الخارجي. مثلاً في «بعد الزواج»، الذي أنجزته سنة 2006 قامت بتقديم شخصية دنماركي يعيش ويعمل في مؤسسة خيرية في الهند، يعود بمثالياته الإنسانية ليشهد عرس المرأة التي أحب إلى أحد كبار الأثرياء. في «شقيقان» ذلك الذي تم إقتباسه إلى فيلم أميركي الإنتاج أخرجه جيم شريدان قبل عامين، أحد الشقيقين جندي دنماركي يختفي في افغانستان ثم يعود إلى بلاده ليجد أن زوجته واقعة في حب أخيه. هذه المرّة أحد أبطال الفيلم طبيب في أفريقيا، وحين يعود ليزور مطلّقته وإبنه تقع بضعة حوادث تضعه في مواجهة حالات من العنف يواجهها بتمسّكه بموقف سلمي يؤمن به. المشكلة التي يكتشفها هي أن إبنه الصبي قد اعتمد العنف مبدأ بدوره وأنه متورّط في حادثة جنائية.
فيلمها هذا أفضل من فيلميها المذكورين أعلاه. إنه يحمل وضعاً اجتماعياً معبّر عنه باهتمام حقيقي لما هو واقع اليوم من فجوات تحياها العائلة الواحدة، لكن مشكلة المخرجة هي أن نظرتها الى العالم الخارجي وتأثيره تبدو مقحمة ورسالتها غير جليّة. هذه المشاهد الأفريقية تبدو كما لو كانت السبب الذي من أجله بطل الفيلم لم يعد يفهم لوجوده معنى في بلده وداخل إسرته. لاحظ أن هذا الإغتراب في أفلامها الثلاثة ينتج عنه دائماً أوضاعاً كان الجميع بغنى عنها، وهذا يقول الكثير٠


The Help  **
المساعدة (الخادمة)٠


إخراج:  تايت تايلور
أدوار أولى:   ڤيولا ديڤيز، برايس دالاس هوارد، إيما ستون، سيسي سبايسك، جسيكا تشاستاين
كوميديا إجتماعية | الولايات المتحدة (2011)٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review n. 265
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في أحد المشاهد تقوم إيما تومسون، وهي تلعب دور الكاتبة التي وضعت الرواية، كاثرين ستوكيت، ولو بإسم آخر، تسأل الخادمة إبيلين (ديڤيز) عما إذا كانت حلمت يوماً ما في أن تكون أي شيء آخر غير كونها خادمة، كما كانت والدتها وكما كانت جدّتها من قبل. وبصرف النظر عن الجواب، والنظرة الحادّة التي توجهها إبيلين للكاميرا مباشرة (على أساس أنها مقابلة!) فإن المشاهِد لابد له وأن يشعر بأن الفجوة بين البيض والسود في أميركا الستينات كانت، بجانب منها، رغبة بعض البيض فهم الروح السوداء وإخفاقهم في رؤية جوهر تلك الروح المتمثّلة في الوضع الإنساني نفسه. البعض الآخر لم يكترث مطلقاً. لكن هل يمكن أن يكون هناك، في ذلك الحين او قبله او اليوم، من كان طموحه في الحياة أن يكون خادماً؟
فيلم «المساعدة» يمضي محاولاً إظهار الأمور قريباً مما كانت عليه. قريباً وليس فعلاً او تحديداً. ليس فقط أنه، مثل طارحة السؤال، لا يصل إلى جوهر الموضوع الإنساني بل يكتفي بصنع الدراما بقدر من افتعال الأحاسيس، بل يحاول أن يساوي بين تجربة الأفرو- أميركيين الصعبة تحت براثن العنصرية التي كانت تعصف بالجنوب الأميركي (تقع الأحداث في مدينة جاكسون في ولاية مسيسيبي في مطلع الستينات) وبين البيض الذين كانوا يعانون من مشاكل مساوية، مثل علاقاتهم الأسروية المتفاوتة ومشاكلهم العاطفية مع الجنس الأبيض الآخر. لكن هل يحق لأحد أن يفترض أن المعاناة هي واحدة او متساوية؟
نحن في بلدة ذات تقاليد عنصرية صارمة. هناك جريمة قتل لناشط حقوقي وفتاة أسمها سكيتر (إيما ستون) تعود إلى البلدة وقد تخرّجت من الجامعة وفي بالها البحث عن خادمة سوداء اختفت، والحديث مع خادمات أخريات حول حياتهن. هناك بذوراً ليبرالية في شخصية سكيتر وهذه البذور كافية لتجعلها محط تعجّب، ونقد، الشخصيات النسائية البيضاء الأخرى. والفيلم ينتقل من شخصية إلى أخرى، فهناك المرأة ذات الروح الجميلة التي تحاول أن تكون عادلة داخل مفهومها الخاص (جسيكا تشاستاين) والمرأة التي تعمل إبيلين عندها (برايس دالاس هوارد) التي يمكن وصفها بشريرة الفيلم كونها تعتز بلون بشرتها وترى أن الأبيض والأسود نقيضان يجب منعهما من الإختلاط٠
«المساعدة» ينتقل بين هذه الشخصيات لكنه لا يوفّرها للدراسة. السيناريو غير عميق ولا هو مؤهل لذلك، كما أن الرواية التي أثارت اللغط كون صاحبتها البيضاء كتبتها بشخصية سوداء، ليست في مستوى الأعمال الأدبية العديدة التي نضح بها التاريخ حول الموضوع العنصري نفسه. على العكس من كل ذلك، يبقى الفيلم على السطح وتبدو الحياة في الوقت ذاته خفيفة في معالجة تعتمد أن لا تجعلك ترى الحقيقة بل ما هو قريب منها، وقريب عن بعد في بعض الأحيان.
ما ينقذ الفيلم هو الأداء الجيد للممثلة (السوداء) ڤيولا ديڤيز. هي محور الفيلم والممثلة لا تكتفي بذلك، بل ونظراً لسوء ترجمة الممثلات الأخريات لشخصياتهن، الوحيدة التي تعرف كيف تُجيد٠


Crazy, Stupid, Love   *
مجنون، غبي، حب

إخراج:  غلن فيكارا، جون ركوا
أدوار أولى:   ستيف كارل، كيفن باكون، جوليان مور، رايان كوزلينغ
كوميديا | الولايات المتحدة (2011)٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review n. 266
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تطلّب هذا الفيلم مخرجان ليتساعدا على جعله من أسخف الأفلام الجديدة هذا العام. إنهما الدليل الساطع على أنه حين يكون لديك مخرجان رديئان فإن الرداءة تصبح مضاعفة. ستيف كارل، الكوميدي ذي اللمعة سابقاً، يؤدي شخصية رجل اكتشف في وقت متأخر أن زوجته (مور) تخونه مع رئيسها (باكون) بعد خمس وعشرين سنة من الزواج. على بعد مشاهد قليلة يجد أن إبنه ذي الثالثة عشر من العمر واقع في هيام المربّية  ذات السابعة عشر من العمر (هل هناك مربيّة لمن هم في مثل عمره؟) والمربية تحبّه. وتحت عبء كل ذلك، يتوجّه إلى الحانة ليضع همومه في كأس يشربه. هناك يلتقي بجاكوب (غوزلينغ) الذي يعده بأن يساعده، لكن جاكوب يعقّد الأمور وهو بحاجة لمن يساعده أيضاً. في النهاية الجميع يتعلّم شيئاً وبه يرتقون ويصبحون أشخاصاً أفضل مما كانوا عليه قبل الفيلم. 
التمثيل من الجميع (حتى من جوليان مور التي هي أفضل الممثلين وأكثرهم تجربة) وظيفي مثل باب يُفتح ويُغلق حسب الطلب. والإيقاع متمهّل. وإذا كان ذلك لا يكفي لردع القاريء عن مشاهدة هذه السقطة، ماذا لو أضفت أن لا شيء في هذه الكوميديا مضحك؟



 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011


نقد لكتاب إبراهيم العريس عن السينما اللبنانية

Year 3 / Issue 100                                                                                                                                                                                  

إبراهيم العريس في كتابه عن السينما اللبنانية
  لف ودوران يؤدّيان إلى نتائج محدودة في 400 صفحة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكتاب:  الصورة الملتبسة- السينما في لبنان: مبدعوها وأفلامها 
تأليف: إبراهيم العريس
 الناشر: دار النهضة العربية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدهشة، كلمة تتردد كثيراً في هذا الكتاب أسوة بكلمات أخرى مثل «بات يبدو» و«طبعاً لن نقول هنا» و«الحقيقة أن» وعشرات التعابير التي تتكرر ليس في الفصل الواحد، بل في الصفحة ذاتها أحياناً. لكن ما هو مدهش فعلاً كيف يستطيع ناقد ما وضع كتاب من 400 صفحة (بينها نحو 50 صفحة للصور) لا يتطلّب أكثر من 150  إلى 200 صفحة لسبر غور كل ما يتطرّق إليه٠
 إبراهيم العريس ناقد ثقافي معروف اعتاد الكتابة بغزارة وتطويل ليس لأنه لا ينجز الوصول إلى الفكرة سريعاً، بل لأنه يدور حولها أكثر من مرّة ثم يعود إليها مراراً بعد ذلك. هذا متوفّر في زاويته اليومية في جريدة «الحياة»  المسمّاة »ألف يوم وألف وجه« التي تنتقل بين أسماء وعناوين في الفن والثقافة عموماً، كما هو متوفّر في كتابه هذا ما ينتج عنه ذلك التطويل. فما يطرحه في المقدّمة يعاود طرحه في الفصل الأول، وما يطرحه في الفصل الأول ينتقل مجدداً إلى الفصل الثاني وهكذا. ودائماً بالتعابير الموحية بعدم ثقة الكاتب حين تُطلب وبثقته المعتدة بنفسها حين لا يكون لها داع. إلى ذلك، فإن هذا الإنتقال بنفس الحقائب المحمولة فوق الظهر من فصل إلى فصل يؤدي إلى تراكمات مبنية على أسئلة يطرحها. بعضها يجيب عليها سريعاً، والبعض الآخر يقصد حملها معه عوض التخلّص منها في حينه ما يفرض قراءة مبعثرة لطروحات هي في الأساس مهمّة٠

باديء ذي بدء، يعرّف الزميل نفسه على الغلاف الأخير من هذا الكتاب الضخم، بأنه باحث في التاريخ الثقافي وصحافي وناقد سينمائي وأنه درس الإخراج السينمائي في روما، ودرس السيناريو والنقد في لندن، وهذا جديد على مسامعنا كون هذا الناقد على يقين من أن الزميل لم يدرس السيناريو ولا النقد لا في لندن ولا في سواها. أما الإخراج فهو لا يستطيع أن يتأكد من أمره، لكنه يقبل ما قاله له العريس أكثر من مرّة بأنه اشتغل مع المخرج فاروق عجرمة في روما لأشهر طويلة. ربما حينها أخذ منهجاً ودرسه بالإيطالية الا إذا كانت المدرسة تؤمّن مترجماً يلقّن المادة بالفرنسية أيضاً٠
في المقدّمة يشكر بعض الزملاء بينهم محمد سويد وهوفيك حبشيان ونديم جرجورة ووليد شميط  الذين "كان لكتاباتهم، مجتمعة او متفرّقة، دور أساسي في صياغة هذا الكتاب في هذا الوقت القياسي الذي أنجز فيه".  علماً بأن الأخ وليد شميط كان أعلمني بعد أن قرأ الكتاب أن الكثير مما ورد في كتابه عن السينما اللبنانية  تم نقله هنا من دون الإشارة إلى المصدر. رغم ذلك، لا يتوانى العريس عن اتهام مبطّن لمحمد سويد، الذي وضع كتاباً آخر عن السينما اللبنانية، بالنهل من كتاب وليد شميط. ولا يفت القاريء أن العريس ينأى بنفسه عن ضرورة ذكر المصادر مجتمعة في نهاية الكتاب، رغم أنه يورد بعض النصوص (مقابلات وآراء) ويرجعها إلى بعض الكتّاب أمثال فريد جبر وفيكي حبيب، زميلته في صحيفة «الحياة»٠
لكن ماذا أخذ الباحث من كتب سواه وما لم يأخذه يصبح أمراً ثانوياً علماً بأن الصياغة لا يمكن الا أن تكون له.  تلك الصياغة التي تريد أن تضع الأمور في نصاب مفترض بناءاً على بعض المعطيات التي قد يجوز معها صحّة إفتراض ما لكن يجوز بالطبع عدمه. في كثير من شأنه يبحر الكتاب موضوعه مبنياً على  قدر لا يستهان به من الإفتراضات. يؤسس ثم لا يجد الدعم الموثق لكن ذلك لا يمنعه من الإستنتاج والمضي قُدماً٠
خلال ذلك قدر كبير من التناقض: في الصفحة 44 يقرر أن استخدام اللهجة البدوية «كوكب أميرة الصحراء«  كان صحيحاً بعدما سبق له أن ذكر أنه كان خطأ في صفحة سابقة٠
وقبلها بصفحة يقول «وهي حكاية لن نكررها هنا« لكنه يمضي فيكررها كاملة على أي حال. ويستخدم في طي أسلوبه تعبيرات لم أقرأها في مكان آخر مثل »ربما بالتحديد» فلا تدري إذا ما كانت المسألة تحتمل الشك او أنها محددة خالصة. وفي مطارح مختلفة يتساءل عما كانت عليه لغة فيلم "جورج نصر الروائي الثالث أشورية او سيريانية، لكنه ما أن يصل للحديث مرّة أخرى عنه في الصفحات 56 وما بعد، حتى يؤكد أنها "أشورية"٠
ويقرر أن المخرج سيف الدين شوكت لم يكن يتحدّث العربية، لكن هذا الناقد نشر له مقابلة في مجلة »بيروت المساء« في مطلع السبعينات جرت بالعربية٠
خلال ذلك أيضاً، هناك مغالطات تتضمّن تضخيماً للذات كما الحال في التعريف المذكور على الغلاف. هل قرأ وعاين وحلل ابراهيم العريس السيناريوهات في الخمسينات وهو من مواليد  النصف الثاني من الأربعينات؟ 
كان لابد من وضع كل هذه السلبيات في المقدّمة عمداً إلى تجاوزها، قدر المستطاع، كونها تؤثر على نصاعة النص وتقلل من أهمية  العمل ككل علماً بأن المسألة، في جانب كبير منها، مسألة منهج تفكير. ما يكتبه الزميل (عموماً وهنا تحديداً) يقوم على تداعيات تشتغل في مداراته انطلاقاً من قناعات محددة. هذه القناعات تُصيب وتخطيء ولو أن الكاتب لا يعتريه الشك في صحّة ما هو خطأ. وهي تمتزج بأسلوب عرض قائم على طرح نظريات وضحدها او البحث فيها لكن مع الرغبة في حمايتها كونها آراءاً حملها إلى القاريء بنفسه ما يعني، في معظم الأحوال، أنها صحيحة كونه هو حاملها.  فابراهيم العريس نوع من النقاد الذين كان منتشراً في الستينيات والسبعينات يؤمن بأن الفن للفن خطأ جسيم وأن العمل المهم في السينما هو ذلك الذي يمكن تحليله من خلال أبعاده السياسية وطروحاته الفكرية- وإن لم يكن له تلك الطروحات، فلا بأس من تحميله إياها٠
ما يختلف العريس به عن سواه الذين كانوا، او الذين لا يزالون يؤمنون بأن السينما هي سياسية وفكرية أوّلاً وقبل كل شيء، هو أنه أكثر دراية وسعة في التناول من معظم النقاد الآخرين- من ناحية  وأنه يعي المسألة الفنية ولو أنه قلّما يبحث فيها، وهو حين يفعل يطرحها على طريقة »لو أن الكاميرا اقتربت من عينا تلك الشخصية لطالعنا...» وهو طرح افتراضي آخر، ويبقى على السطح غير مبال (وهذا غريب بالنسبة لمن درس الإخراج والسيناريو والنقد) في تحليل الصورة  فنياً وتقنياً. لكن العريس ليس سطحياً حتى وإن لم يؤم، إلا نادراً، ألفبيّات الفيلم الواحد، بل يجد في عمله على السطح الكثير مما يقوله او يريد أن يقوله على نحو أو آخر٠

موضوع الكتاب شاسع وثري: نظرة شاملة وأكثر من وافية على السينما اللبنانية في مراحلها المختلفة وعن ذكاء ابتعد عن تقسيم فصوله تحت مسميّات مرحلية (الثلاثينات، الستينات الخ...) علماً بأنه يتّبع في عرضه تلك المراحل فعلاً. ويُصيب الزميل حين يذكّر كيف أن ذلك الكتاب الذي وضعه غي هنيبل ذات مرّة حول نشأة السينمات في العالم العربي، لم يذكر شيئاً عن والده المخرج الراحل علي العريس. ليست هفوة بل خطأ جسيم في كتاب يريد أن يؤرخ. الكاتبة لوسيان خوري التي تصدّت لتأريخ النشأة السينمائية في لبنان في ذلك الكتاب الصادر في الستينات، لم يكن لديها ريب أن الإيطاليين جوردانو بيدوتي وجوليو دي لوكا هما اللذان أسسا السينما اللبنانية لكن عبر فيلم لكل منهما (وليس فيلمان لبيدوتي)، قبل أن تنتقل مباشرة إلى الخمسينات من دون ذكر الإسهام الكبير لعلي العريس. هذا الخطأ قد يكون جهلاً، لكن هذا لا يقل بشاعة عن الإحتمال الآخر وهو أنه مقصود، كون رغبة بعض أبناء ذلك الجيل من مسيحيي لبنان الإنصهار كلّياً في الثقافة الأوروبية وإظهار لبنان على أنه تابع لتلك الثقافة وحيُّ بسببها ما يُحتمل معه أن شكّل رادعاً حال دون ذكر الحقيقة لأنها ستشوّه الأيديولوجيا المذكورة٠
لكن ابراهيم العريس يأخذ عدّة صفحات من الحديث حول هذا الموضوع في المقدّمة ثم صفحات أكثر للعودة إليه في الفصل الأول الذي يحيط بمرحلة الولادة. ويا ليت استطاع البحث أكثر في تلك الأفلام الثلاث الأولى، وهي »مغامرات إلياس مبروك» و«مغامرات أبو العبد» (1929 و1931 على التوالي) لجوردانو بيدوتي و»بين هياكل بعلبك» لجوليو دي لوكا (1934 وفي مصادر أخرى 1936) لاكتشف أن دي لوكا صوّر «بين هياكل بعلبك» ولم يخرجه بل أخرجه الكاتب اللبناني كريم بستاني. فحسب مراجع ايطالية، لم يحقق جوليو دي لوكا أفلاماً كمخرج بل اكتفى بكونه مدير تصوير (او مصوّر كما كان الحال في تلك الأزمنة). وفي أحد تلك المراجع ذكر على اشتراك واحد بإسم جوليو دي لوكّي (وليس دي لوكا)   بإخراج «بين هياكل بعلبك» ما يُثير سؤالاً حول صحّة أن نعتبر دي لوكّي او دي لوكّا (والمرجع يعتبرهما إثنان وليس واحداً) مخرج هذا الفيلم ونتوقّف عند ذلك. لكن إذا ما كان صحيحاً أن كريم بستاني أخرج الفيلم، منفرداً او مشاركة،  فإن هذا يجعل علي العريس ثاني مخرج لبناني وليس الأول، في حين بنى إبراهيم العريس بحثه في المرحلة الأولى كلّها على أن والده هو أول مخرج لبناني٠
يُحسب للكتاب أنه تحدّث عن فيلم مجهول عنوانه »جميلة تحت الأرز« (وليس "جميلة تحت ظلال الأرز») وهو فيلم يبدو أنه كان وحيد مخرجه شارل ديبيني (1939) على اعتباره فيلماً يود الباحث نسبه إلى السينما اللبنانية. الفيلم طُرح على أسطوانات منذ سنوات قليلة وكان حريّاً بالباحث أن يطلبه ليشاهده ويقدّمه لأن ما يذكره من أسباب تجعل الفيلم لبنانياً غير موثّق: هل صُوّر الفيلم فعلاً في لبنان؟ هل مجرّد قيام إنتاج أجنبي بتمويل فيلم يصوّر في بلد ما يجعل الفيلم منتمياً إلى ذلك البلد؟ إذا صحّ ذلك على هذا الفيلم فإنه سيجعل من  أي فيلم فرنسي من إنجاز شركات لوميير وباتيه وغومون التي تم تصويرها من الصين إلى مصر ومن روسيا القيصرية إلى جنوب أفريقيا أفلاماً غير فرنسية. الكاتب يعتبر أنه إذا ما اعتبرنا أفلام بيدوتي ودي لوكا لبنانيان فإنه من باب أولى اعتبار هذا الفيلم لبنانياً كونه يتعامل مع موضوع لبناني (حب تحت ظلال الطائفية عن رواية لهنري بوردو) وكونه صوّر في لبنان. لكن المسألة التي تقرر هوية الفيلم حتى في باقي حساباته هي هوية التمويل، بما في ذلك الأفلام التي حققها مصريون في لبنان والتي كانت لبنانية التمويل او لبنانية/ سورية التمويل٠
هذه الاسئلة هي أهم من كثير من تلك التي يطرحها الكتاب على نفسه. اذا ما تغاضينا عن اسئلة من
نوع "ولكن ما هو «بين هياكل بعلبك»" الذي لا داعي له لأن الجواب ليس اكتشافاً بل منقولاً عن مراجع أخرى، فإن بعض الاسئلة الواردة ليست في الحقيقة مطروحة كما يذكر الكاتب، وهي لا تستدعي الطرح في الصياغة الواردة بها، مثلاً في الصفحة 39 يقول: "إن السؤال الذي كثيراً ما حيّر نقّاد السينما- والحركة الفنية في لبنان في شكل عام- ومؤرخيها هو: إذا كان منطقياً للمسلم البيروتي رشيد علي شعبان، الواقف سنوات وسنوات بجرسه على أبواب الصالات داعياً الناس لمشاهدة الأفلام، أن يحلم ذات يوم بأن يمثل في فيلم حقيقي هو الآخر، ما الذي-حقاً- قاد البيروتي المسلم الآخر على العريس، الآتي من عائلة محافظة من سكان منطقة عائشة بكار التي كانت واحدة من أكثر مناطق بيروت انغلاقاً على التقاليد الرافضة- في ذلك الحين- لشتّى أنواع الفنون، إلى السينما؟"٠
إنه سؤال طويل (وهو لا ينتهي عند هذا الحد بل يمتد ليشمل اسئلة أخرى) لكن مشكلته هي عدم وجود داع له، لأنه لا تناقض مذكور في طيّه بين دخول رشيد علي شعبان السينما ودخول ابراهيم العريس إليها؟ كان يمكن- لو اعتمد الكاتب لغة خالية من التضخيم، أن يطرح السؤال مباشرة: "ما الذي دفع علي العريس، الآتي من منطقة محافظة (هي منطقتي أيضاً) لدخول السينما؟". هذا التضخيم ناتج عن الرغبة في البحث عن محاور حتى حين لا يوجد لها ضرورة. لا ننسى أن هذا السؤال كما طرحه العريس- الإبن لم يُطرح على هذا النحو مطلقاً من قبل. لم يشغل بال المثقّفين والفنانين ولا حيّر النقاد او المؤرخين كونه يخلو من القضية٠
يتحسّن وضع الكتابة في هذا الفيلم من الصفحة 141 وصاعداً من دون أن تزول تلك المنغصات القائمة على  ما سبق ذكره من سلبيات. ما يحسّن الوضع تخلّص الكاتب من هم البحث التاريخي والسياسي للحقبتين السابقتين ودخوله في حقبة قريبة لا تحتمل التأويلات الا بحدود.  وهو هم وضعه في مواجهة إصراره على فتح ملفّات بعضها فارغ قام بملئها بنفسه٠
الكتاب يتوقّف طويلاً عند مرحلة مهمّة هي الأفلام التي قام بإخراجها سينمائيون مصريون في لبنان تبعاً للظرف السياسي حينما طبّقت مصر قوانينها الإشتراكية، وهو صائب تماماً في هذه الوقفة ولديه ما يعرضه من معلومات، مستقاة او مؤلّفة، خصوصاً وأنها متزامنة تقريباً مع انطلاقة الفيلم اللبناني ، المسيحي (كما يؤكد الكاتب) وكل ما حمله ذلك من أسباب ونتائج٠
لكن في كل ما قرأت لم أجد أسباباً للعنوان »الصورة الملتبسة» خصوصاً وأن آخرين ذهبوا أحياناً إلى ما ذهب إليه ابراهيم العريس (هناك دراسة قصيرة لجورج الراسي تحتوي على معلومات أكثر). لعله عنوان لافت لكنه يفترض أن في تاريخ السينما غموضاً وأن إزالة هذا الغموض سيتم بين دفّتي الكتاب الكبير ذي الأربعمئة صفحة٠
   
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011


Captain America: The First Avenger

Year 3 / Issue 60                                                                                                                                                                                  
فلاشباك
 Battle of Algeria  ****

فيلم فريد بين أفلام الثورات أخرجه الإيطالي جيلو بنتوكورفيو سنة 1966 بطلب من أحد منتجيه وأحد ممثليه وهو الجزائري سعدي ياسف. رصد المخرج الوضع بكامله من خلال أسلوب ريبورتاجي حول قيام البوليس الفرنسي الخاص في الجزائر العاصمة بمحاصرة منزل آوى إليه عدد من المناضلين الجزائريين، ثم أخذ ينتقل سارداً مراحل ثورة الشعب الجزائري داخل العاصمة والعنف والعنف المضاد وصولاً إلى المشهد النهائي حيث زغاريد الجزائريات تملأ المدينة بأسرها إيذاناً بأن مقتل المحاصرين هو بداية النهاية للإستعمار الفرنسي.
على دي في دي (من جديد) وبنسخة بلو راي.

حالياً
ِElite Squad: The Enemy Within  **** 

المخرج البرازيلي جوزيه باديّا كان حقق «فرقة النخبة» قبل أعوام قليلة وفاز عبره بدب برلين الذهبي، لكن النقد الذي واجهه المخرج هو أن فيلمه ذي الأسلوب الريبورتاجي (أيضاً) جاء تعسّفياً ويمينياً من حيث تأييده البوليس في استخدامه القوّة المفرطة. هنا، يقدّم وضعاً يدافع فيه عن وجهته السابقة: إنه يدور حول الفساد داخل البوليس والتعاون الإجرامي بينه وبين عصابات المخدّرات. لم أشاهد الفيلم السابق، لكن هذا الفيلم متقن الصنعة، ضمن النوع والغاية، تصويراً ومونتاجاً وتمثيلاً.
عرضه مهرجان برلين في مطلع هذا العام خارج المسابقة وينطلق للعروض التجارية في لندن هذا الأسبوع.

قريباً 
30 Minutes or Less

الفكرة تبدو جديدة ومفادها قيام مجرمين من ذوي السوابق باختطاف عامل بيتزا (جيسي آيزنبيرغ) وتلغيمه ثم توجيهه لدخول المصارف بغية سرقتها مع روموت كونترول. المخرج هو روبن فلايشر وهو إبن مخرج أنجز بضعة أفلام جيّدة وأخرى كثيرة معتدلة هو رتشارد فلايشر. القصّة مأخوذة بتصرّف عن حادثة حقيقية.
ينطلق لعروضه العالمية في الأسبوع المقبل.






جديد | في  "كابتن أميركا" النازيون خططوا 
لضرب أميركا والمرفوض من الخدمة ينقذها

Captain America: The First Avenger ***


إخراج:  جو جونستون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تمثيل : كريس إيفانز، هايلي أتووَل، سيباستيان ستان، تومي لي
جونز، أوغو ويفرينغ، دومونيك كوبر،  ستانلي توشي، توبي جونز٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سيناريو: كريستوفر ماركوس، ستيفن ماكفيلي
تصوير:  شيلي جونسون (ألوان - 35 مم)٠
توليف: روبرت دالفا، جفري فورد (124 دقيقة)٠
موسيقا: ألان سلفستري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنتج:  أمير مدني، كَفَن فايج
Marvel Enterprises, Marvel Studios, Paramount إنتاج
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أكشن/ كوميكس [الولايات المتحدة- 2011]٠

Film Review n. 260


جو جونستون من المخرجين الذين تعاملوا مع الخيال الذي تطلبه هوليوود أكثر من مرّة وبنجاح كبير. كان إختيار ستديو وولت ديزني لثلاثة أفلام متعاقبة ثم فيلم رابع بعد حين هي »حبيبتي، لقد قلّصت الأطفال« (1989) و»الصاروخي« (1991) و«جوماني« (1995) ولاحقاً »هيدالغو« (2004). هو أيضاً مخرج الجزء الثالث من »جيروسيك بارك« لحساب ستيفن سبيلبرغ، الذي يتحدّث الآن عن أن الجزء الرابع بات في الطريق. لكن »هيدالغو« كان فيلم جونستون المختلف عن سواه. إذا ما كانت تلك الأعمال المذكورة رحلات ومغامرات في الخيال البعيد، فإن »هيدالغو« كان مغامرة على أرض واقعية: صحارى وتاريخ وجياد والجمهور لم يكترث كثيراً لها. بعد ذلك فيلم الرعب الكلاسيكي »الرجل الذئب« ومنه إلى  »كابتن أميركا: أول المنتقمين« بميزانية 140 مليون دولار مع كريس إيفانز وسامويل ل. جاكسون وستانلي توشي وتومي لي جونز وأوغو ويفينغ من بين آخرين٠
على صفحات الكوميكس، لم يستطع كابتن أميركا منافسة ذويه، مثل سبايدر مان وباتمان وسوبرمان في القدرة عبر العقود والتمتّع بنجاح متواصل. كان لابد من تغييبه لحين ثم العودة إليه ثم نبذه وهكذا مع ضمّه في سنوات عدّة إلى فريق »المنتقمون« الذي كان يقوم بالمهام نفسها على أي حال: أميركا في خطر بسبب مجرمين أكبر من قدرة الناس العاديين (بمن فيهم البوليس) على مواجهتهم، هنا يطل كابتن أميركا ورفاقه للتحقق من أن البلاد ستنجو من التهديدات التي تحيط بها٠
الأحداث تنطلق من اليوم، لكنها سريعاً ما تعود إلى العام 1942 حيث يخطط النازيون إلى السيطرة على العالم.... ليس بطريقة هتلر العسكرية، بل عبر التخطيط لقيام الخلية العاملة في الولايات المتحدة استخدام سلاح سرّي ضد القيادة العسكرية الأميركية لعل ذلك يؤثر على منحى الحرب. »كابتن أميركا« في نشأته على ورق المجلات، كما على الشاشة الآن (ومن دون الإلتفات إلى نسخة سينمائية فقيرة تم تحقيقها سنة 1990 عندما قام مناحيم غولان بإنتاجها من دون إذن من الشركة) هو عن بطل ذي مهام عسكرية. هذا يميّزه كثيراً عن أترابه من شخصيات السوبر هيرو. فلا واحد من هؤلاء لديه الخلفية ذاتها التي لكابتن أميركا (بإستثناء »أيرون مان« الذي، حسب روايات مارڤل، وريث شخصية صانع سلاح يظهر في هذا الفيلم يؤديه دومونيك كوبر). فهو في فصل ممتد لنحو ساعة، من ساعتي الفيلم، شخص ضعيف البنية يحاول الإنضمام إلى جهود العسكر بالتطوّع لكن طلبه يُرفض ولو أنه يُختار لاحقاً لصنع رجل صنديد منه. رجل بقدرات خارقة٠
هذا التقديم يشبه تقديم »باتمان« في النسخ الجديدة التي أمّ تحقيقها كريستوفر نولان من حيث إتاحة وقت للبحث في خلفية الشخصية قبل الطلب منها أن تُثير العجب. لكن من  اللحظة التي يتم فيها صنع البطل المغوار من »كابتن أميركا« يدخل الفيلم نفقاً مظلماً: إذا كان النازيّون مرفوضون بسبب ممارساتهم السياسية والأيديولوجية... كيف يختلف »كابتن أميركا« وهو يمارس عمله من الفلسفة ذاتها؟
جو جونستون جيّد في استخدام أدواته التقنية، لكنه ليس مخرجاً فذّاً بأي حال، ونتيجته هنا تبدو مشابهة مع نتائج أفلام من النوع ذاته: التقنيات تأكل الروح وتترك الدراما جثّة هامدة. الهم هو التأثير الميكانيكي والبصري على المشاهدين وليس العناية بالشخصيات وكيف وُلدت او بالحكاية لناحية تعميق أثر ما تطرحه٠


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2006- 2211٠

YEAR 3-ISSUE: 98 | Harry Potter and the Deathly Hallows | Shane

 FLASHBACK                                                                                     
 13Assassins 

المخرج الياباني تاكاسي مييكي قد لا يكون كلاسيكياً بالفطرة، لكنه مخرج معاصر يحب الأفلام القديمة وخصوصاً الساموراي. "ثلاثة عشر مقاتلاً"  يتحدّث عن هذا العدد من المحاربين الذين ينطلقون للذود عن زعيمهم في حرب تشغل نصف ساعة على نحو متتابع. فيلم ساموراي من المخرج الذي قدّم هذا العام فيلمه الجديد: هارا كيري- موت ساموراي

حالياً

Captain America: The First Avenger 

سوبرهيرو جديد آخر منسوخ من مجلات الكوميكس بطله (كريس إيفانز) رجل حاول الإنضمام الى القوات المسلّحة للذود عن أميركا لكن طلبه رُفض ما جعله يتحوّل إلى مؤسسة صنعت منه سوبرمان جديد يدافع في سبيل العدالة وضد من يشكل خطراً على البلاد...

قريباً
Cowboys and Aliens

عوض "كاوبويز أند إنديانز" "كاوبوي وأليانز« او مزج نوعين سينمائيين لهما تاريخ كبير في هوليوود هما نوعي الوسترن والخيال العلمي. في بلدة صغيرة سنة 1873 تحط مخلوقات فضائية تحاول السيطرة على الأرض، وعلى المواطنين نبذ قتالاتهم والتصدّي للخطر الأكبر. مرّ الفيلم بظروف عمل صعبة، لكنه في النهاية استسلم لمشيئة صانعيه.


New Releases   |                                                        عروض جديدة

Harry Potter and the Deadly Hallows **1/2
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هاري بوتر والمقدّسات المميتة - الجزء الثاني
إخراج: ديفيد ياتس
تمثيل: دانيال ردكليف، إيما وتسون، روبرت غرينت، ألان ركمن، رالف فاينس
الولايات المتحدة/ بريطانيا | النوع: فانتازيا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review n. 257 

الجزء الثاني من القصّة السابعة الذي هو الجزء الثامن من المسلسل الشهير أفضل من غالبية الأجزاء السابقة من سلسلة »هاري بوتر« لسبب مهم: الدراما فيه محدودة والغلبة للمعارك. إنه فيلم معارك من أوّله إلى آخره وهذا يعني أنه فيلم مؤثرات أكثر من معظم الأجزاء التي توالت من العام 2001 إلى اليوم. فيه مشاهد من القتال الفردي، وأخرى من القتال الجماعي. فيه دهاليز مخيفة وباحات مدمّرة، ومخلوقات متوحّشة وتنين يهرب من معتقله وأفعى تتحوّل إلى شذرات حين تموت،  وقذائف حارقة والكثير من القتل. موت فردي وموت جماعي. لقد وصل جميع المشاركين فيه، وفي مقدّمتهم هاري بوتر (ردكليف) وصديقاه (غرينت ووتسون) إلى الحلقة الأخيرة التي على كل الأخيار مواجهة كل الأشرار. ولأن الأخيار ليسوا متساوي القوّة او القدرة على استخدام السحر، فإن العبء الأكبر -مشهدياً على الأقل- ملقى على كتفي بوتر الذي يكتشف أنه جلب إلى مدرسة  السحر المعروفة الكامنة في قلعة هوغوورتس الدمار وإلى التلامذة والأساتذة فيها الموت عندما حاولوا حمايته والدفاع عنه. لكن اللورد فولدمورت (راف فاينس) ورجاله أقوى من أن يتم إيقاف زحفه. الأخيار سينشرون منظومة ضد القذائف النارية التي يرميها الأعداء (مظلّة بالونية تغطّي المدرسة) ويطلقون محاربين من صخور، لكن فولدمورت سيدمّر المنظومة وسيدخل القلعة ولابد لبوتر من مواجهته.
الساعة والنصف السابقة لذلك، هي تمهيد لذلك اللقاء بين المتحاربين الأساسيين وارتقاء له. خلال سيواصل هاري بوتر سعيه لكشف اللثام عن بعض ما كان تبقى من ألغاز بعد سبعة أفلام أرست السلسلة التي جمعت حتى الآن أكثر من بليوني دولار من الإيرادات. خلال الفترة لابد من ملاحظة كيف أن شخصية هاري المنقلبة هي محور كل شيء حتى وإن لم نصدّق أن الشرير الكبير الذي يمسك بيديه مصير عالم السحر لم يستطع حتى الآن (وخصوصاً في الفيلم رقم 7) التخلّص من شاب هارب من سطوته.  النقطة الثانية هي كيف أنه في الوقت ذاته الذي يمر فيها هاري بوتر، كما في السابق، بتطوّرات عاطفية ونفسية، يبقى صديقاه هارمويني (وتسون) ورون (غرينتس) مسطّحان مثل رغيف خبز عربي كبير. صحيح أنهما يمضيان الوقت هنا، كما في السابق، في الظهور متعجّبين ومندهشين، إلا أن هذا الظهور ليس تطويراً بل مجرد تكرار مواقف معهودة٠

بعض الدراما تحاول أن تلعب كعامل نفسي. إذ أن  بوتر موجود في دم فولدمورت،  كما أن بعض  بوتر يستطيع سماع عدوّه ومعرفة ما الذي سيقوم به تبعاً لحالة من الإمتزاج الذي يسمح لبوتر ببعض التمثيل. فنتيجة لذلك نراه يتعذّب كثيراً، وتدهمه بعض الآلام التي من الصعب التفريق بينها وبين تلبك المعدة. هذا قبل تلك المواجهة التي ستنتهي.... تعرفون لصالح من؟ لكن هذا القدر المحدود من مشاهد التأوّه والعذاب، لجانب قدر محدود آخر من مشاهد الخوف والقلق، هو كل ما سيرمز إلى الدراما. أما الباقي، ومن حسن حظ الفيلم، فإنه ليس أكثر من مواجهات وتصفية حسابات كان لابد منها بسبب وصول حكاية الكاتبة رولينغ إلى آخرها.
كذلك هي النهاية التي انتظر الوصول إليها ملايين البشر ممن شاهدوا السلسلة وأحبّوها. ولن تخيب الظن لكنها لن تأتي بسهولة. على ذلك، فإن العقد الطويل من الأفلام شهد تطوّراً كبيراً في بناء شخصية هاري بوتر. إذ نتذكّره صبياً بريئاً في الحادية عشر، يبتسم تلقائياً (ربما لأنه أدرك أنه سيصبح أغنى صبي في عمره بفضل تمثيله هذه الحلقات) نواجهه الآن وقد أصبح شخصية متأثرة وممزّقة. تعاني من متاعبها إذ وجدت نفسها تواجه عدوّاً كامناً في نفسه كما خارجه، حالما ازدادت رغبته لمعرفة من قتل والده ولأي سبب.
هناك أم هاري أيضاً، التي نراها بعينيها البنّيتين.... في الوقت الذي يذكّره فيه البعض بأنه يشبه والدته كثيراً .... بعينيه السوداوين!
في حصار المدرسة المبنية فوق قلعة ضخمة، بعض التذكير بسلسلة »سيد الخواتم«، وهو تذكير لا يعمل لصالح هذا الفيلم. شتّان بين قوّة المخيّلة عند رواية ج ر ر تولكين وتلك التي عند ج ك رولينغ، وشتّان أكبر بين قدرة المخرج بيتر جاكسون التنفيذية المبهرة، وتلك التي عند ديفيد ياتس مخرج هذا الفيلم. وحين يقترب »هاري بوتر« من النهاية، نجد الشخصية المعذّبة تقف عند حافة تطل على الوادي الكبير وفي يدها العصا التي تستطيع أن تمنحه القوّة الخالدة إذا ما احتفظ بها، لكنه يكسرها ويرميها. أليس هذا ما حدث لفريدو (ألايجا وود) في سلسلة »سيد الخواتم« أيضاً؟ كان عليه أن يقرر ما سيفعل بذلك الخاتم الذي قد يقوى عليه او يقع تحت تأثيره وفي النهاية قرر أن يستعيد إنسانيّته ويرمي سحر القوّة بعيداً٠
 المخرج ديفيد ياتس يبقي الفيلم متحرّكاً بإيقاع سريع وبأجواء داكنة لـ 99 بالمئة من الوقت (هناك مشهد أخير طبيعي الإضاءة) ويُحسب له أنه يسرد الخلاصة النهائية للمغامرات السابقة بيسر ويمسك عناصر التشويق بين يديه جيّداً. في فيلمه السابق (الجزء الأول من هذا الفيلم) عانى من العكس تماماً، لذلك هي مفاجأة طيّبة أن يتخلّص من تلك الوقفات الطويلة التي لا يقع فيها ما يذكر ويحشد في المقابل كل هذه المفارقات المتوالية في هذا الجزء٠

CLASSICS   |                                                                     كلاسيكيات

SHANE ****
الأبعاد النفسية والإجتماعية لـ "شاين"٠ 

إخراج: جورج ستيفنز
أدوار أولى: ألان لاد، ڤان هفلن، جين آرثر، براندون دي وايلد٠
أليشا كوك جونيور، بن جونسون، جاك بالانس، إميل ماير، جون
ديكرز
النوع: وسترن | الولايات المتحدة- 1953
Review n. 258
فان هفلن وألان لاد:شاين

هناك لحظة صامتة في فيلم »شاين« (1953) يتبادلها كل من شاين (ألان لاد) وجاك ولسون (جاك بالانس) في أول مشهد بينهما. شاين مترجّلاً، ينظر إلى بالانس الذي يمتطي فرسه وينظر بدوره إلى لاد. كلاهما سمع بالآخر لكن في حين أن شاين رجل غامض، آت من لا مكان (وسوف يمضي إلى لا مكان آخر) فإن شهرة جاك ولسون سبقته كقاتل محترف. حين يقرر جاك النزول عن فرسه لكي يعب من برميل ماء يرفض أن يعطي ظهره لشاين وينزل، بإنزلاق بطيء، وعيناه لا تفارقان شاين، كذلك حاله حين يشرب الماء، ثم حين يعود إلى حصانه. يمتطيه تدريجياً كما لو أنه ينتظر أن عليه أن يسحب مسدّسه في أي لحظة. الجو مشبع للقاء نظرات من تلك التي سبقت في صمتها أفلام سيرجيو ليوني الوسترن المعروفة.
هذه اللحظات لم تكن دائماً موجودة في أفلام ستيفنز الذي انتقل بين أنواع أفلام عديدة. دخل وخرج من الكوميدي إلى الدراما العاطفية إلى الوسترن إلى التاريخي. لم يكن أفضل مخرج في أي من هذه المجالات، لكن بصمته كانت واضحة. معالجاته لما يُناسب كل نوع كانت فنية من دون أن تكون غريبة او متباعدة عن السائد المتوقع٠

هناك مثابرة وحب للتفصيل في أفلام ستيفنز عموماً وفي »عملاق« و»مكان في الشمس« و»شاين« خصوصاً، وذلك على نحو ينصهر في السياق ولا يخرج عنه. والمشهد المذكور هو واحد من تلك التفاصيل. يأتي في منتصف الفيلم تقريباً ويؤسس لأحد أفضل بطل وأفضل عدو بطل في سينما الغرب الأميركي. »شاين« (قصّة غريب يتدخل لصالح عائلة من المزارعين ضد أطماع بارون أراضي) أفضل تركيباً من أفلامه الأخرى خصوصاً »مكان في الشمس« (قصّة شاب ينتقل إلى طبقة إجتماعية أعلى نابذاً حبّه الأول لفتاة من وسطه) الذي هو أبسط تكويناً. إنه كما لو أن ستيفنز كان لديه وقتاً أطول من المعتاد لتضحير لقطاته وكتابة سيناريو قائم أساساً على التفاصيل منذ مشهد الإفتتاح: شاين قادم من بعيد صوب مزرعة جو ستارِت (ڤان هفلن) ليس لغاية، بل لأنه عابر سبيل. وأول من يلتقي بهم هو الصبي جووي (براندون دي وايلد) الذي كان يحاول اصطياد غزال. ثم ماريان (جين ارثر) أم جووي، وزوجة جو الذي يطل بعد حين ويرحّب بالغريب شاين ويدعوه للبقاء٠
شاين سيبقى، أيضاً من دون غاية محددة. ربما البقاء في مكان واحد لأيام هو الإستثناء الذي ينشده من حين لآخر. لكن خلال تلك الأيام يتعرّف شاين على الأخوين رايكر (إميل ماير وجون ديكرز) اللذان يحاولان إجبار المزارعين الرحيل عن أراضيهم التي يعتبراها ملكاً لهما (عن غير حق). للغاية يستأجران خدمات جاك ولسون الذي يستدرج أحد المزارعين (أليشا كوك جونيور) إلى مبارزة غير متساوية ويقتله٠
جاك بالانس: مقاتل محترف                                                                                               

على شاين القرار بين أن يمضي وشأنه وبين أن يتدخل لإنقاذ العائلة التي استضافته وأحبّته وهو يقرر الإختيار الثاني حيث تقع المنازلة الأخيرة. لكن شاين لا يخرج مئة بالمئة منتصراً من المنازلة. يقتل جاك ويقتل الأخوين رايكر ويُصاب. وحين يقول له الصبي جووَي "لكنك مصاب" طالباً منه العودة إلى المزرعة، يمضي شاين مبتعداً إلى مصير لا نعلمه.
الصبي في الفيلم ضروري. هناك حلقة مبنية على الغريب والعائلة. الغريب الباحث عن العائلة. العائلة التي تمنح الثقة ثم تتساءل إذا ما أخطأت. العلاقة بين الزوجين، ثم بين الزوجين والغريب، ودائماً بين الصبي والغريب. هما في تناغم كجناحي يمامة، رغم ذلك هي قد تضعف حيال شاين وتعجب به إذا ما تداعت الأمور على هذا النحو. في مشهد تراقصه أمام ناظري زوجها ووميض من التساؤل. في مشهد آخر تطلب من إبنها أن لا يعجب بشاين كثيراً، يسألها: "لماذا؟" تجيب أن شاين من النوع الذي يغادر، كأنما تحدّث نفسها٠
الصبي في إعجاب كامل ذلك إلى أن يتعارك شاين ووالده جو. سبب العراك هو قرار جو الذهاب إلى الحانة التي في البلدة، تلك التي اتخذها الأخوين مقرّاً لهما، لمواجهتهما بعدما تسببا في خرب بعض المزارعين وحرق بيوت بعضهم. لكن شاين يعلم أن جو قد يكون شجاعاً لكنه ليس مقاتلاً ويخبره أنه سوف يذهب عنه. جو يرفض. جو وشاين يتقاتلان والغلبة، بين إثنين متساويين في القوة البدنية، لشاين، وهذا ما يُثير الصبي جووي فيقول له أنه يكرهه. لكن الأم، مرّة أخرى، صوت الحكمة إذ تقول لإبنها- وقد مانعت أن يخاطر زوجها بحياته من البداية- أن شاين اضطر لذلك٠

الحق بحاجة إلى مسدس
الحانة التي تقع فيها الأحداث هي بؤرة شر في مقابل الحياة الزراعية. لا نجد كثيراً من مشاهد الزرع او الفلاحة في الأرض. فقط أناس سعداء لكن قلقين. الناس في الحانة رجال فقط. الناس العاملين في الأرض رجال ونساء. الأشرار، بذلك التقسيم، هم ضد الأسرة. بالتالي ضد النمو الأميركي
إذا كان ذلك معتاداً في أفلام وسترن كثيرة (كل شر هو ضد أميركا بالنتيجة) فإن الإضافة التي يقدم عليها الفيلم هي أن القاتل المحترف جاك ولسون من الشمال الذي خرج منتصراً من الحرب الأهلية. "يانكي" كما كان الجنوبيين يطلقون عليه في احتقار. أحد هؤلاء الجنوبيين هو المزارع فرانك توري (كوك): إنسان يشعر بالظلم وإهدار الحق، ويحب الشرب لدرجة السكر لكنه في مقابل كل ذلك هو إنسان شجاع. ولديه مشهدين أمام جاك ولسون. الأول حين يدخل الحانة ليشرب ويرى رجال رايكر فيبدأ بملاسنتهم غير آبه بما قد يجرّه ذلك عليه من خطر.
المشهد الثاني هو حين يأتي إلى البلدة قاصداً دخول الحانة لشراء زجاجة شرب. يأتي مع مزارع آخر (أعتقد أن الممثل أسمه دوغلاس سبنسر). الأرض وحلة من مطر سبق. يحاول فرانك اختيار موطأ قدميه وسط وحل الشارع. ولسون يقف من مكانه عند الممر الأعلى من مستوى الأرض (مصطبة طويلة) ثم يسير بتمهّل لكي يصل إلى النقطة التي سيواجه بها فرانك. الآن، تتحرّك كاميرا لويال غريغز في "تراكينغ شوت" بعيدة لكي تتيح لنا معاينة الموقف بنظرة عامّة. الممثل أليشا كوك جونيور (رائع في أي شيء قام به) قصير القامة، وحقيقة أنه في مستوى منخفض أمام ولسون المعتلى الممشى العالي بنحو نصف متر يجعله يبدو أكثر قصراً. المخرج جورج ستيفنز يستغل هذا لكي يوحي- بالإضافة إلى الحوار المستخدم- بهيمنة جاك ولسون على اللعبة التي قرر أن القيام بها. يسأله: "إلى أين تعتقد نفسك ذاهب؟". يرد فرانك أنه يقصد الحانة، فيقول له جاك أنه غير مرحّب به. ترتفع حدّة فرانك قليلاً،  ويوجّه لجاك عبارة يتّهمه فيها بأنه "يانكي". جاك يرد دون أن يفقد أعصابه: برهن Prove it
ثم يسحب مسدّسه ويطلق النار على فرانك ويرديه.
إنه فعل لم يكن ضرورياً لمقاتل لأن فرانك لا يمكن أن يشكّل خطراً. لكن العصابة أرادته درساً للآخرين. هذا سيكون دافعاً لقيام شاين بمواجهة الأخوين رايكر وجاك ولسون في النهاية إنما بشروط أفضل كونه مقاتل لا يقل مهارة عن جاك، بل يفوقه.
بني ستيفنز هذا الفيلم على الخطوط والخيوط التي تجعل الفيلم مختلفاً. معظم أفلام الوسترن تنشيء إيقاعاً متسارعاً لأجل تأمين التشويق والإثارة. جورج ستيفنز يوفّر حكاية ليست بالضرورة جديدة، لكنه يؤسسها على نحو مختلف مليء بالرغبة في استحداث ثقل درامي يحقق غاية أبعد من مجرد تشويق المشاهد للمتابعة. هناك إيقاع جديد لكنه أكثر طبيعية في عمومه كما في تفاصيله. الحركة البطيئة. الموقف المتمهّل. النظرات المتبادلة. الحوار الباحث عن الحقيقة. الوعيد. التهديد. عناصر الألفة وحياة المحارب الوحيد الذي يدفع (في نهاية المطاف) ثمن توقّفه ذات مرّة في محطّة

هذا إطار بالغ الأهمية. كل يدفع ثمن الخروج عن خطّه. خط شاين كانت الحياة من دون ارتباطات. المرّة التي رضي فيها تغيير وجهة نظره والإرتباط، ولو مؤقتاً مع عائلة، انتهى مُصاباً بطلقة ما يجعل المرء يبني افتراضاً مفاده أن شاين كان سيبقى سليماً لو أنه لم يمكث في مكان واحد على غير عادته.

أليشا كوك إلى اليمين، قبل توجهه إلى حتفه

الكثير من النقد دار حول كيف بنى المخرج هذا الفيلم على أساس علاقة التأليه التي شعر بها الصبي حيال شاين. هذا الفارس- البطل. لكن وإن كانت هذه العلاقة موجودة (وإلى حد مزعج في بعض المشاهد نتيجة الإلحاح كلّما نادى جووى إسم شاين) الا أن الإطار مزدوج وأكبر شأناً. الفيلم هو عن علاقة عائلية شاملة، كما ذكرت، من ناحية وعن شاين القادم من طبقة مقاتلين سيمضي إلى غروب أكيد تماماً كحال الأخوين الإقطاعيين اللذين ينتميان (كما يشرح حوار أحد المشاهد) إلى عالم انتهى. الحق، ممثلاً بالعائلة التي يجب أن تبقى في أرضها، بحاجة لمن يدافع عنه وشاين هو المدافع. الحق غير مؤهل وحده للعراك. المقاتل يستطيع فهذا شأنه.
معاً يستطيعان تحريك أميركا إلى الأمام. هذه النقطة مركّز عليها بعنصر وجود جذع شجرة ضخمة يريد جو تقطيعها لأن تقع في وسط الأرض. وحده لن يستطيع ذلك بفأسه. هو وشاين (كل بفأسه) يستطيعان ومعاً ينجحان.

Film Connections

Pale Rider (1985) | Clint Eastwood ***
في فيلم كلينت ايستوود حول غريب يصل إلى مجتمع من الباحثين عن الذهب، يمكث بطل الفيلم في ضيافة عائلة مؤلّفة من رجل وإمرأته وإبنة الزوجة الشابّة. ثم هناك صخرة كبيرة تعوق رب البيت وبطل الفيلم (ايستوود) يساعده في كسرها.

The Shootist  (1976) | Don Siegel ***
   تحضير المكان درامياً وتنفيذياً في نهاية هذا الفيلم لا يختلف عن ذاك الذي في »شاين«: بطل »المقاتل« (الذي كان آخر فيلم مثّله جون واين
 يدخل بطل الفيلم القادم أيضاً من غبار الماضي والذي يُعتبر آخر المحاربين من طرازه الحانة التي ينتظره فيها الأعداء ويتم إطلاق نار ينجلي عن قتله ثلاثة أشخاص. في »شاين« يُباغت شرير شاين، بعدما استدار مبتعداً ،من طابق علوي فيطلق عليه الرصاصة التي تصيبه، وذلك بعدما يصرخ الصبي محذّراً شاين. في »المقاتل« يستدير بطل الفيلم لينصرف غير ملم بشرير آخر يطلق عليه، أيضاً، رصاصة من الخلف. هذه المرّة شاب (رون هوارد) معجب به أيضاً هو الذي يحذّره، لكن هنا يقوم الشاب بقتل الشرير٠




 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2006- 2211٠