Mohammed Rouda's FILM READER
العدد 242 | السنة 8

------------------------------------------------------------------------------------------

                                       Hacksaw Ridge                                                                                 "هاكسو ريدج"               
 ★★★★★
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج:   مل غيبسون    Mel Gibson
حرب  | ألوان  (131 د) 
دور أول: أندرو غارفيلد | مساندة: سام وورثنغتون، ڤينس ڤون، لوك براسي، هوغو ويفينغ، تريزا بالمر
المنتج: تيري بندكت، بول كوري، بروس دايڤي، وليام جونسون| سيناريو: أندرو نايت، روبرت شنخان | تصوير: سيمون دوغان | موسيقا: روبرت غرغسون- وليامز | توليف: جون غيلبرت. 
استراليا/ الولايات المتحدة (2016)  |  إنتاج:  Cross Creek Pictures.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  الحرب كما عاشها من لم يحمل السلاح


•   «هاكسو ريدج» هو فيلم العودة للممثل والمخرج مل غيسبون إلى الإخراج. فقبل عشر سنوات بالتحديد قام بإخراج عمله الرائع «أبوكاليبتو» ثم مرّ عليه عقد من الزمان عانى فيه من مشاكل تسبب بها وتناولتها الصحافة بكل ما فيها من تناقضات واستنتاجات.
ألقي القبض عليه مخموراً، فشتم السود وأكمل على اليهود فهبت هوليوود تدين كلامه وقامت مراكز القوى فيها بقرار شطبه من قوائم من تتعامل معهم. لم ينفع إعتذاره كثيراً، لكن غيبسون صبر وأخذ يقضم العراقيل واحداً تلو الآخر إلى أن عاد إلى الحضور سينمائياً وعاود احتلال مكانته في وسط النشاطات السينمائية.
عودته إلى نشاطه، أو عودة النشاط إليه، بدأ قبل خمس سنوات فعلياً عندما تجرأت جودي فوستر على قرار الحظر غير المعلن وأسندت إلى هذا الفنان الموهوب بطولة فيلمها The Beaver. لم يتح غيبسون للإعلام أن ينال منه. قدّم تمثيلاً جيداً دفع النقاد للإشادة به. في العام 2012 عمد إلى فيلم أكشن جيد التنفيذ بعنوان «أقبض على الأميركي» (Get the Gringo) شهد رواجاً في بعض العواصم ونجاحاً كبيراً على الأسطوانات. 
عامان بعد ذلك التقطناه أحد ممثلي فيلم «المستـّهلكون 3» (The Expendables 3)، السلسلة التي يقوم على بطولتها سلفستر ستالون. في الحقيقة تمثيل غيبسون كان الأفضل بين كل من جمعهم ستالون من وجوه معروفة بمن فيها هو نفسه.
«هاكسو ريدج» (Hacksaw Ridge) هو فيلمه الخامس مخرجاً بعد «رجل بلا وجه» (1993)  و«قلب شجاع» (1995) و«عشاء المسيح» (2004) و«أبوكاليبو» (2006).  فيلم حربي بكل مواصفات هذه الكلمة.  لثلث ساعة يبدأ المخرج بتوفير خلفية لذلك الشاب دزموند دوس (أندرو غارفيلد) الذي كاد أن يتسبب في أذى بالغ لأخيه عندما كانا صغيرين، ثم، وفي مشهد فلاشباك لاحق وقد أصبح شاباً، يدافع عن أمه بعدما تعرض لها والده بالضرب. يشهر عليه مسدساً ويهدده. يتعلم دزموند من الحادثتين أن ينبذ العنف، لكن الحرب العالمية الثانية تنشب والقتال بين أميركا واليابان على أشدّه بعد إعتداء اليابان على بيرل هاربور. يتطوع دزموند في وحدة الإسعاف ويرفض حمل السلاح وبل لمس البندقية لأجل التدريب. يتم تقديمه إلى المحكمة بعد تهديده بالعقاب كونه يرفض الأوامر. رسالة من جهة عسكرية عليا تجيز له الإنضمام إلى الجيش الذي سينتقل لتحرير جزيرة أكيناوا. هناك يخوض الجيش الأميركي حرباً ضروساً فيها مشاهد تذكّـر بـ «سفر الرؤيا الآن» لفرنسيس فورد كوبولا دون أن تصل إلى عمقه السياسي، وتتجاوز ما جاء به ستيفن سبيلبرغ في «إنقاذ المجند رايان». 
خلال القتال الدامي الذي خسر فيه الجيش الأميركي موقعاً يقع على سلسلة مرتفعات تشبه المنشار (عنوان الفيلم) يبقى دزموند وحيداً على قمة ذلك الجبل باحثاً بين من سقطوا عن جرحى يسعفهم وينقلهم بحبل يتدلى من رأس الجبل إلى قعره المنبسط حيث ما زال للجيش الأميركي وجوداً. يفعل ذلك بضع عشرة مرّة بنتائج مذهلة. وأكثر ما هو مذهل فيها أن القصّـة حقيقية.
المشاهد غريبة ولو وردت من الخيال لكان ذلك أسهل تصديقاً من ورودها في الواقع. لكن دزموند فعل ذلك مرات ومرات. يرسل إلى الجنود الأميركيين في أسفل الجبل العالي الجرحى بحبل، ثم ينطلق بحثاً عن جرحى آخرين بعد معركة هائلة خسرها الأميركيون أمام جحافل يابانية لا نهاية لها.
يُـبقي غيبسون الفيلم متماسكاً ويغذيه برؤيته شبه العبثية لعنف الإنسان من دون أن يدين هذه الجهة أو تلك أو يمجد الحرب أو ينبذها. أندرو غارفيلد يبرهن مجدداً عن حسن تقمصه لما يُسند إليه. هذا فيلمه الأول منذ 99Homes قبل عامين  وكان برع فيه رغم الإختلاف الشاسع بين الدورين. هذا ليس تميّـزاً له وحده، لكنه تأكيد على أنه استلهم في غضون تسع سنوات منذ أن مثل فيلمه الأول (Lions for Lambs) الأدوار التي تستحق أن تُـمثّـل. 


------------------------------------------------------------------------------------------

                                                  Elle                                                                                 هي               
        ★★★★★              
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج:   بول فرهوڤن    Paul Verhoeven
دراما  | ألوان  (130 د) 
دور أول: إزابَـل أوبير | مساندة: لوران لافيت، آن كونزيني، شارل برلينغ، فرجينيا إفيرا.
المنتج: سعيد بن سعيد، ميشل ميرك | كتابة: فيليب جيان | المصدر: رواية لديفيد بيرك | تصوير: ستيفاني فونتين | موسيقا: آن دَدْلي | توليف: جون تربيرغ. 
فرنسا (2016)  |  إنتاج:  SBS Prods.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 حكاية إمرأة تعرف كيف لا تنتقم


•  من بين ما تتميز به أفلام المخرج الهولندي بول فرهوفن الأناقة الشكلية خصصاً تلك التي حققها، في مسيرته الطويلة، في أوروبا قبل ثم بعد مرحلته الهوليوودية. العناية بالتصماميم العامّـة وبالألوان والتصوير الخالي من الشوائب تمنح أعماله، وآخرها هذا الفيلم، ما يشابه الثياب التي ترتديها بطلة الفيلم إيزابيل أوبيرت أناقة ونظافة.
ميشيل (إزابَـل أوبير) تدير مؤسسة لصنع ألعاب الفيديو الإلكترونية وتعيش وحيدة في بيت كبير في ضواحي باريس. يبدأ الفيلم بمشهد صراخ ثم لقطة لقطّـة تتابع ما يدور ثم وميض مما يقع: حادث إغتصاب يقوم به ملثم وضحيته ميشيل. هذه تلملم نفسها سريعاً بعد ذلك وتنطلق لمتابعة يوميات حياتها. لا تولول ولا تنهار ولا تتصل بالبوليس، بل تقرر مواصلة حياتها كما هي علماً بأنها ترتاب في أن أحد موظفيها قد يكون الفاعل.  في الوقت نفسه هي محور وقائع عائلية مختلفة محاطة بظروف من صنع الذات البشرية والقرارات غير الصائبة. فهي مرتبطة بعلاقة تريد إنهاءها مع روبير (كرستيان بركل)، زوج صديقتها آنا (آن كونزيني). وإبنها الشاب (جوناس بلوكيه) تزوّج من فتاة حبلى تلد طفلاً أسود البشرة (من علاقة سابقة مع صديقه الأفريقي عمر). أما والدتها  (جوديث ماغري) تختار شاباً جديداً لكي تعيش حياتها الجنسية كما ما زالت تشتهي. وصديقها السابق ريشار (شارل برلينغ) يحاول أن يستعيد مجداً مضى ككاتب. 
في غمار كل ذلك وأحداثه (المكتظة) تبقى حادثة الإغتصاب ماثلة أمامها ثم تتعرض لها مجدداً بعدما اكتشفت أن جارها باتريك (لوران لافيت)، الذي بدأت تهواه، هو الفاعل. وقبل نهاية الفيلم (الذي يمتد رافضاً الإيجاز) يقدم باتريك على محاولة جديدة كونه لا يستطيع المعاشرة الجنسية إلا إذا اغتصب.
بقدر ما الفيلم مبني على حبكة لغزية، بقدر ما هو دراما ترفيهية ساخرة فيها ما يكفي من عناصر جذب الإعجاب لكل ما يدور فيها، بما في ذلك تناول المخرج المخفف لموضوع الإغتصاب وردات الفعل عليه. يستند لحسنات أكيدة في الكتابة والتصوير والتوليف كما في أداء أوبير لدورها بدراية وتلقائية مثيرة للتقدير. على ذلك، يبقى الفيلم نطناطاً من دون عمق. مثرثر بلا توقف من دون فسحات تأمل مطلوبة.
هذا هو فيلم بول فرهوفن الأبرز له في عشر سنوات، والأول له في إطار سينما وأحداث فرنسية كاملة كما أول تعاون بينه وبين المنتج الناجح سعيد بن سعيد. إيزابيل أوبير  هي ذاتها من فيلم لآخر هذه الأيام لكنها مجتهدة هنا في دور صعب في شتّى مراحله.  غاية فرهوفن تبدو مزدوجة: من ناحية يريد تقديم فيلم جاد وفني حول موضوع بطلته كجزء من حياة غير مستقرة، ومن ناحية أخرى لا يريد أن يدير ظهره للجمهور السائد. وهو يحقق هاتين الغايتين على نحو مرض.


------------------------------------------------------------------------------------------

                                             La La Land                                                                                 لا لا لاند             
          ★★★★★              
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج/ سيناريو:   داميان شازيل   Damien Chazelle
ميوزيكال/ عاطفي  | ألوان  (126 د) 
دور أول: إيما ستون، رايان غوزلينغ | مساندة: ج. ك. سيمونز، كالي هرنانديز، فِن ويتروك. 
المنتج: فرد برجر، غاري غيلبرت، مارك بلات، جوردان هوروفيتز| تصوير: لينوس ساندغرن | موسيقا: جوستين هورفيتز  | توليف: توم كروس. 
الولايات المتحدة (2016)  |  إنتاج:  Black Label Media.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عودة ناجحة للميوزيكالز من مخرج Whiplash


• هو فيلم موسيقي- رومانسي كبير ورائع وبالسينما سكوب. والشاشة العريضة هي أكثر من مجرد حجم عرض ملائم، هي تذكرة من صانعي الفيلم للعودة به إلى أيام ما كانت السينما الإستعراضية ذات المشاهد الراقصة والأغاني العاطفية الصادحة منوالاً شبه دائم حتى الستينات. ومع أن مثل هذه الأفلام تكررت وتبلورت بعد تلك الفترة أيضاً إلا أن عصرها الذهبي كان قد انقضى. كذلك فإن النتاج اللاحق، خلال السنوات الثلاثين الماضية، لم ينشد التماثل مع أفلام ما قبل الستينات لا من حيث مواضيعها الفرحة ولا من حيث أساليب تنفيذها البصرية. أفلام مثل «كل ذلك الجاز» لبوب فوسي (1979) و«بوباي» لروبرت ألتمن (1980) و«آني» لجون هيوستون (1982)  ثم «شيكاغو» لروب مارشال (2002) كانت جميعاً جيدة، إنما حاملة هموماً مختلفة ورسالات إجتماعية- سياسية محددة، على عكس أفلام الميوزيكالز السابقة التي لم تعد مشاهديها (وكانوا بمئات الملايين) بأكثر من ترفيه عاطفي مناسب للعائلات والمراهقين على حد سواء.
«لا لا لاند» لا يخجل من أن ينتمي إلى تلك الأفلام الأولى، لكنه يفعل ذلك بفن غامر. بإدارة متقنة للأحداث وبقدر رائع من تزاوج الخيال الضروري لتلك الأفلام مع ما هو قابل للتصديق. المخرج داميان شازيل يعرف تماماً ما يريد ويحققه تماماً كما يريد. مباشرة بعد نجاحه اللائق بفيلم Whiplash («طرف السوط») في العام الماضي، والذي دار أيضاً عن الموسيقا كأرضية، ها هو يقدم عملاً أفضل من سابقه. خال من الدكانة التي لصقت بالفيلم السابق ويتعامل مع حكاية عاطفية تعيد بث تلك العواطف الصحيحة إلى المشاهدين الذين نسوا كيف كانت السينما تقدّمها.
يبدأ «لا لا لاند» بـ "نُـمرة" راقصة جيدة تقع فوق طريق رئيسية في لوس أنجليس.  الكاميرا تهبط من لقطة للسماء الزرقاء إلى أوتوستراد مزدحم توقفت فيه السيارات عن التقدم كما لو كانت مصطفة في مرآب مفتوح للسيارات. الكاميرا تتحرك بين هذه السيارات وكل منها يصدح بموسيقا مختلفة. فجأة تهبط إمرأة من إحدى تلك السيارات وتبدأ بالرقص، وما هي الا لحظات حتى يتحوّل الشارع بأسره إلى مرقص في وضح النهار. الركاب والسائقون نزلوا من سياراتهم واشتركوا في ذلك الإستعراض الكبير لنحو خمس دقائق حسنة التصميم وجيدة المونتاج قبل أن يعود كل إلى سيارته.
مثل هذه المشاهد منتشرة في عموم الفيلم. هناك عين جيدة للمخرج يلتقط فيها الأفكار التي ينفذها. وحكاية شاب إسمه سيباستيان (رايان غوزلينغ) مغرم بموسيقا الجاز. يعزف البيانو بمهارة ويبحث عن عمل ثابت. الفتاة هي ميا (إيما ستون) ممثلة مبتدأة تبحث بدورها عن عمل ثابت. لقاؤهما في البداية ليس لقاءاً عاطفياً من تلك التي تؤسس لقصة حب، بل هما لقاءان عاصفان على نحو غير ودّي، ثم تعارف بعد أشهر والوقوع كل في حب الآخر.
ما يشد كل منهما صوب الآخر حلمه بالنجاح. هو يريد افتتاح ناد للجاز يعزف فيه وهي تريد أن تحقق رغبتها في التمثيل. لكنهما يواجهان ظروفاً صعبة تفرض على الأول التنازل وعلى الثانية الإنسحاب لحين. في النهاية سيحقق كل منهما أمله ورغبته لكن ذلك سيكون على حساب قصّـة حبه وديمومة البقاء إلى جانب الآخر.
عند المخرج شازيل تلك الرؤية المتينة لما يتطلبه فيلم جيد من هذا النوع والقدرة على ضبط الأحداث بحيث لا تسقط في الميلودراما أو في عاطفة رخيصة الشأن. قبل النهاية يبتدع مشهد حلم في اليقظة: العازف شاهد حبيبته، وقد تزوّجت، جالسة بين الجمهور تتابعه. يبدأ العزف ثم، من دون خيط فاصل، يتوجه صوبها ويرقص معها ثم ينطلقان إلى باريس ويعودان إلى أميركا. يعيشان حياة جميلة تنتهي بالزواج. تعتقد أنها تطلّـقت بالفعل، فهذه المشاهد تبدو كما لو كانت استطراداً لأمنية تحققت لكن فجأة ما يعود الفيلم إلى الواقع فإذا به لا يزال يعزف وهي لا زالت جالسة في مكانها.
علاوة على ذلك، يضم كل من غوزلينغ وستون إلى مواهبهما موهبتي الرقص والغناء. وعزف غوزلينغ على البيانو لا يمكن أن يكون تمثيلاً. هي أصابعه الفعلية تتلاعب بالمفاتيح في معزوفات تتلوّن بحسب الظرف التي تمر بها شخصيته. هذا لا يمنع من القول أن حركة قدميه خلال نمر الرقص قد لا تكون خفيفة كحركة قدمي فرد أستير، لكنه صاغ لنفسه برهاناً على أن موهبته تنجز تقدّماً من فيلم لآخر. 

------------------------------------------------------------------------------------------

                                                  Sully                                                                                 صولي           
         ★★★★★              
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج:   كلينت ايستوود    Clint Eastwood
دراما  | ألوان  (96 د) 
دور أول: توم هانكس | مساندة: آرون إكهارت، ڤاليري ماهافي، لورا ليني، مايك أومالي.
المنتج: كلينت إيستوود، فرانك مارشال| سيناريو: تود كومارنيكي | تصوير: توم ستيرن | موسيقا: كرستيان جاكوب، تييرني سوتون باند | توليف: بلو موراي. 
الولايات المتحدة (2016)  |  إنتاج:  Malpaso/ FilmNation/ Warner Bros.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 الطائرة التي حطت على سطح النهر


•    المسافة من مطار لا غوارديا في نيويورك إلى حيث سقطت الطائرة المدنية التابعة للخطوط الجوية المعروفة بـ US Airways لا تزيد عن بضع كيلومترات. الطائرة أقلعت من المطار نهار الخامس عشر من يناير (كانون الثاني) سنة 2009 وبعد دقائق أصيب محركاها بعطل نتيجة اصطدام الطائرة بسرب من الطيور فحطت فوق مياه نهر الهدسون.
من المقدرة بمكان رفيع أن يمكن استغلال هذه الدقائق اليسيرة لصنع فيلم جيد لا يبحر كثيراً في أي إتجاه آخر سوى سرد حكاية ما حدث من وجهة نظر الكابتن تشسلي صولنبيرغر المعروف بـ «صولي». لقد واجه قراراً صعباً حالما احترق المحركان. كان لديه ثلاثة إختيارات: الأول العودة إلى مطار لا غوارديا والثاني التوجه إلى مطار آخر والثالث أن يحط فوق سطح الماء. 
صولي (يقوم به توم هانكس بدرايته الدرامية النافذة) يختار الحل الأخير على خطورته. ذلك لأن ارتفاع الطائرة عن سطح الأرض كان لا يزال غير كاف للعودة إلى مطار المطار الذي انطلق منه ولا للتوجه إلى أي مطار آخر. الحل الوحيد هو الهبوط على سطح الماء في ذلك الشهر البارد معتمداً على حسه ومداركه ومواجهاً فيما بعد تحقيق مجلس «أمن المواصلات الوطني». تلك المواجهة التي على المجلس أن يثبت خطأ صولي وعلى صولي أن يثبت صواب قراره.
تحت يدي كلينت ايستوود الخبيرة، نتابع حكاية ندرك كل تفاصيلها الممكنة. لقد أنقذ صولي حياة كل فرد على الطائرة (155 شخص بمن فيهم طاقمها) وهو متمتع بخبرة ثلاثين سنة من الطيران ومئات الرحلات. متزوّج (من لورا ليني) ويعيشان مع إبنتيهما في سعادة. منطقي وطبيعي وواثق من نفسه إلى حين تؤدي التحقيقات إلى أن يبدأ بطرح السؤال حول ما إذا فعل الشيء الصحيح على نفسه. 
على ذلك يدرك أنه فعل الشيء الصحيح. ويعلم ما لا يعلمه المحققون في الحادثة وهو أن استنتاجاتهم مبنية على إفتراضات خاطئة وكحصيلة لتجارب غير مكتملة لا يدخل فيها العنصر البشري. 
كل ما نشاهده من سجال بين الملاح والمحققين يدفع بنا إلى تبين أن القرارات في عالم اليوم تنفذ تبعاً للمصالح والرغبة في التهرب من مسؤولية عدم الإلتزام بالقوانين حتى وإن لم تكن صالحة للتطبيق في كل وضع أو حال. رغم ذلك ايستوود أبعد من أن يصوّر اللجنة ككيان شرير. يترك للمشاهد حرية اختياره الموقف الذي يريد.
رغم إدراكنا لكل هذه التفاصيل، ومعرفتنا بالحادثة (أو سهولة الرجوع إليها على المواقع) إلا أن ايستوود يمارس قبضته التشويقية بإحكام. لا يضغط حتى لا ينفجر الفيلم في وجهه لكنه لا يكف عن الإمساك بقوة على جوانب القضية المثارة منتقلاً ما بين ما هو شخصي وما ينتمي إلى الحدث نفسه. ومع أنه يكرر بعض المشاهد عدة مرات (سواء من خلال فلاشباك أو من خلال وقوع الحدث نفسه) إلا أن المشاهد لا تراه يعبأ بذلك بل يستقبل ذلك التكرار كجزء فعال من التوليفة الكاملة للعمل. 

____________________________________________________________
©
كل الحقوق محفوظة للمؤلف بحكم قانون الملكية البريطانية
All rights are reserved by Mohammed Rouda
____________________________________________________________

أفلام فنيسيا 2016 | نظرة عامّـة



------------------------------------------------------------------------------------------
العدد 241 | السنة 8
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 أفلام ڤنيسيا (1)

نظرة عامّـة على فيلم ترنس مالك الجديد 
 Voyage of Time
وعشرة أفلام أخرى مرتقبة في عروض
مهرجان ڤنيسيا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 منذ السبعينات، عندما كان المخرج ترنس مالك لا يزال طري العود في السينما، حلم بفيلم أكبر من قدراته على التنفيذ، بل أكبر من قدرات السينما آنذاك على تحمّـل رؤيته الفريدة. أراد فيلماً عن الخلق منذ النشأة الأولى وصولاً إلى رموش المرأة المعاصرة. 
نعم هو تطرّق للموضوع قبل بضع سنوات عندما أخرج «شجرة الحياة» وخص جزءاً منه لتقديم ما يجول في فكره حول هذا الجانب الفلسفي والتأملي البعيد، لكن مع فيلمه الجديد «رحلة من الزمن» ينجز أخيراً عملاً هو بكلّـه عن الخلق والحياة والمحيط وحياة الكواكب وحياة الأرض. عن السماء وما بعدها وعن الأرض وما تحتها. صرف عليه سنوات طويلة وأموال كثيرة وحتى الأمس القريب كان لا يزال يضبط إيقاعه ليعرضه في الدورة الثالثة والسبعين من مهرجان «فنيسيا» الدولي الذي ينطلق اليوم (الأربعاء).

الفيلم الأغرب
نسختان متوفرتان من هذا الفيلم الذي ربما سيطلب من تحفة ستانلي كوبريك «2001: أوديسا الفضاء» أن يغادر كرسيه المتقدم ليحل مكانه. النسخة الأولى ستعرضها صالات آيماكس التي لم تكن متوفرة أيام حقق كوبريك فيلمه ذاك سنة 1968. هذه ستكون الطريقة الوحيدة للتشبع من فيلم متعدد الطبقات فلسفيا وبصرياً. النسخة الثانية هي تلك التي سيعرضها مهرجان فنيسيا وتعرضها صالات السينما غير المخصصة. نسخة 35 مم منفوخة لـ 70 مم وستفي بالحاجة مؤقتاً. 
يصل ترنس مالك إلى فنيسيا لحضور فيلمه، كما وعد، أو لا يصل متهرباً لأنه لا يحب الصحافة والإعلام والصور، أمر لا جواب عليه الآن، لكن في كل الحالات سيجد الفيلم نفسه محاطاً بالإهتمام، ليس لأن كل النقاد وكل الجمهور معجب بأعماله على حد سواء، بل لأن فيلمه هو الأغرب كما صرّح مدير المهرجان الفني ألبرتو باربيرا وإسم مالك يسبق أعماله تماماً كما حال مخرجين آخرين مشتركين في هذه الدورة ومن بينهم الروسي أندريه كونتشالوفسكي والألماني فيم فندرز.
لا يعني ذلك طبعاً أن الأميركي مالك سيسرق كل الإهتمام. في هذه الدورة الجديدة هناك العديد من الأعمال المنتظرة تبعاً لسوابق الجمهور مع مخرجيها. إلى جانب مالك وكونتشالوفسكي وفندرز هناك عدد مهم آخر في المسابقة الرئيسية ذاتها بينهم الصربي أمير كوستارتزا والفرنسي فرنسوا أوزون والكندي دنيس فيلنيوف والتشيلي بابلو لاران. هذا إلى جانب جيل أحدث قليلاً من بينهم الأميركي توم فورد والهولندي مارتن كولهوفن والإيطالي جيسبي بيكيوني.
في الحصيلة 20 فيلماً في المسابقة جاءت من الولايات المتحدة والمكسيك وفرنسا وألمانيا وهولاندا  وتشيلي علاوة على ما هو مشترك ما بين دولتين (أرجنتينا وأسبانيا) أو أكثر (بلجيكا، ألمانيا، بريطانيا، السويد).
بعض المخرجين الذين تمرسوا في تحقيق أفلام تصعد درجات المهرجانات الكبرى أو تتلقف جوائزها يلتقون هنا مخرجون جدد وبناة سينما الغد. المواضيع المعروضة داخل المسابقة وخارجها، تتعدد بطبيعة الحال، لكن إذا ما نظرنا إلى النماذج التالية لبعض أهم ما في جعبة المهرجان الإيطالي هذا العام، سنجد أن هناك هروباً واضحاً من مشاكل اليوم إما إلى الأمس أو إلى حالات مستقبلية. فبعض هذه الأفلام تعالج ما مضى، ولو كانت حروباً شائكة وشخصيات عاشت حياة متقلبة، وبعضها الآخر يتحدث عن مخلوقات من الفضاء جاءت تبحث أو تستقر. 
ومع أن العناوين لا تعني الكثير إلى أن يمكن مشاهدة الأفلام ذاتها، فتعلو بحسناتها أو تنخفض بسلبياتها، إلا أن هذا لا يمنع وجود عشرة أفلام أخرى غير فيلم مالك المستأثر بالإهتمام الأول، لابد لنا من تدوينها كونها تحمل وعوداً مهمّـة.  

Nocturnal Animals
حيوانات ليلية

هذا الفيلم الأميركي هو لأحد المواهب المنتمية لسينما السنوات العشر الأخيرة هو توم فورد. سبق له وأن قد٬ قبل سبعة أعوام فيلمه الأول «رجل أعزب» مع كولين فيرث في البطولة. هنا ينقل رواية أوستن رايت التي وُصفت بالمشوّقة ويضع في البطولة مايكل شانون وجايك جيلنهال وإيسلا فيشر ويطلب منهم التحرك في رحى حكاية حول إمرأة تعتقد أن زوجها السابق يخطط لقتلها.

Frantz
فرانتز
المخرج الفرنسي فرنسوا أوزون محبوب في فرنسا أكثر مما هو محبوب في خارجها. إلى حد كبير هذا طبيعي لكن أعماله السابقة نقلت جانبين متواجهين من الحسنات والسيئات. هي مثيرة الحكايات والأفكار، داعية للتأمل والتفكير، لكنها كثيراً ما تتوجه صوب مفادات غير مترابطة وتبدو كما لو أنها مسيّـرة بالضرورة وليس كنتاج درامي.  فيلمه الجديد، بالأبيض والأسود، وحسب ما يتوارد، ينتمي إلى أفضل أعماله ويدور في زمن الحرب العالمية الأولى عندما تكتشف بطله (بولا بير) أن صديقها الراحل "فرانتز"، لم يكن مخلصاً لها وحدها.

Hacksaw Ridge
«هاسكو ريدج»

ليس هناك من مخرج وممثل وجد نفسه يمر بظروف مناوئة في السنوات العشرين الأخيرة كما حال مل غيبسون، مخرج هذا الفيلم. أثار ما أثار عندما تفوّه بتعابير عنصرية، وحاولت هوليوود تجاهله. عانى من نتائج هذه المحاولة فغاب إلا من ظهور محدود ومتباعد، لكنه كان دوما ما يهدف للعودة إلى الإخراج وهو الذي حقق أفلاماً فوق المتوسط دوماً آخرها «أبوكاليبتو» سنة 2006. الفيلم الجديد يقع في نطاق الحرب العالمية الثانية ويتناول حياة الضابط دزموند دوس (يقوم به أندرو غارفيلد) الذي كان أول جندي أميركي ينال ميدالية الشرف. 

The Untamed
غير المروّض
بعد «مدنايت سباشل» لجف نيكولز الذي عرضه برلين، و«شيطان النيون» لنيكولاس وندينغ رفن الذي عرضه «كان»، يطل دور مهرجان فنيسيا لعرض فيلم بشخصيات غريبة في عمل قد يستعير قليلاً من هذين العملين ولو صدفة. «غير المروّض» هو خيالي علمي (كما حال فيلم نيكولز) ورعب (كما فيلم رفن) مع لمسات فنية (كما في الفيلمين معاً): حكاية وسمها المخرج المكسيكي أمات إسكالانتي حول أزمة تنطلق عاطفياً وتنتهي كوارثياً عندما يتدخل شخص بين زوجين ليكتشفا أنه ليس شخصاً عادياً، بل ربما كان من مخلوقات الفضاء.

Arrival
وصول
في الإطار الخيالي العلمي ذاته، وفي ثنايا الحكايات التي تتعاطى ومخلوقات فضائية تهبط الأرض يأتي «وصول» حاملاً الخامـة الفنية الخاصّـة بمخرجه الكندي دنيس فيلينييف الذي انطلق من دون تمهيد منجزاً في العام 2010 فيلم «حرائق» حول جحيم الحرب الأهلية ونتاجاتها الدرامية في بلد عربي تركه بلا إسم. لو راقبنا مسيرته لوجدنا يغير أنواع أعماله لكنه يحافظ على جديتها وبحثها في ذوات شخصياتها. بعد «سيكاريو» في العام الماضي، يعود في «وصول» منتقلاً إلى رحاب حكاية حول عائلة من الفضاء وصلت الأرض وقررت أن تسكن في أحد بلداتها. جيرمي رَنر وفورست ويتيكر وآمي أدامز في البطولة.

The Age of Shadows
عصر الظلال
المخرج الياباني كيم جي-وون حاول دخول السوق العالمية بأفلام لافتة بينها «ستوكر» الأميركي، و«سنوبيرسر» الكوري الذي دار حول نهاية العالم أو ما بعد. الآن يعود إلى التاريخ ويقدم حكاية تقع في رحى إحتلال اليابان لكوريا في العشرينات حيث يتم تجنيد كوري كجاسوس لاختراق المقاومة، لكن الجاسوس (يقوم به سونغ كانغ-هو وهو من أشهر وجوه السينما في بلاده) يقرر أن يتجسس على اليابانيين لحساب الكوريين أيضاً. في أسوأ الإحتمالات، سيكون هذا الفيلم فيلم إثارة وتشويق وتسلية باتت المهرجانات تقصدها للتنويع.

Brimstone
بريمستون
سينما الوسترن التي قيل أنها أسلمت الروح للأبد كانت عادت بقوّة منذ بضع سنوات وعزز وجودها في العام الماضي فيلم كونتين تارانتينو «الثمانية الكارهون» كما فيلم «فأس عظمي» لمخرج جديد هو س. كريغ زولر. كلا الفيلمان من بطولة كيرت راسل، لكن هذا ليس كل ما في الجعبة. «بريمستون» هو فيلم وسترن جديد آخر يقدم عليه الهولندي مارتن كولهوفن ومعه غاي بيرس وداكوتا فانينغ. 

The Magnificent Seven
السبعة الرائعون
ليس من أفلام المسابقة، بل الفيلم الذي يختتم الدورة الجديدة من المهرجان الإيطالي، لكنه، لجانب «بريمستون» دلالة على أن أفلام الغرب الأميركي قد تغيب لكي تعود بقوّة. إنه نسخة جديدة من فيلم جون ستيرجز بالعنوان ذاته سنة 1960، لكن بما أن «السبعة الرائعون» السابق كان بدوره استلهاماً مكشوفاً من فيلم «الساموراي السبعة» لأكيرا كوروساوا فإنه من غير المعروف كيف سيختلف هذا الفيلم الجديد عنهما. الثقة بمخرجه الموهوب أنطون فوكوا غالباً في مكانها.

The Beautiful Life of Aranjuez
الحياة الجميلة لأرانجويز
في العام الماضي قام الألماني فيم فندرز بإنجاز «كل شيء على ما يرام» كاشفاً على أن ليس كل شيء على ما يرام في عالمه. حكاية باهتة التأثير حول الروائي الذي دهس طفلاً فتبدلت حياته وحياة والدة الطفل. لم يُـستقبل الفيلم جيداً وكان النقاد على حق. لكن التأثير الذي وقع خص الفيلم وليس المخرج، وها هو يعود في هذا الفيلم الذي وصف بأنه يحمل سمات التجريب ويدور حول رجل (رضا كاتب) وإمرأة (صوفي سيمين) يتحاوران في عقل كاتب روائي.

Jackie
جاكي

مهرجان تورنتو فاز بفيلم أوليفر ستون «سنودون»، لكن فنيسيا فاز بفيلم بابلو لاران الجديد «جاكي». دراما من بطولة نتالي بورتمن عن حياة جاكلين كندي، زوجة الرئيس جون ف. كندي وذلك بعد حادثة إغتياله. يقوم بيتر سكارسغارد بدور روبرت كندي وهناك دور محدود لجون كندي يتولاه كاسبر فيلبسن لأن معظم الأحداث تقع بعد الحادثة وليس قبلها. 


Jason Bourne | Dirty Harry (1971) | A Bigger Splash | Star Trek Beyond | خان: ضربة شمس



------------------------------------------------------------------------------------------
العدد 240 | السنة 8
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 فيلم الأسبوع

 Jason Bourne
جاسون بورن 

★★★★★ 
                                                                                                                                          
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جزء خامس من شخصية ابتكرها الكاتب الراحل روبرت لدلام



•   في هذا الجزء الخامس من السلسلة الشهيرة يستعيد جاسون بورن (مات دامون) الكثير من ذاكرته ويعلم إن أسمه الحقيقي هو رتشارد وب وأن والده مات مقتولاً، لكن لا شيء أكثر من ذلك يصب في ناحية الفيلم الدرامية. في الحقيقة خلط القليل من الدراما بالكثير من مشاهد الحركة يخلق نسيجاً بعيداً عن صرح الفيلم المكترث لأي تفاعل درامي في داخله. والناقد يستطيع أن يضيف أن التفاعل المنجز بين الجمهور هو أيضاً بعيد، وإلى حد ملحوظ، عن الدراما الشخصية. علاقة معظمنا بما يدور هي علاقة من تم وضع خريطة متشابكة أمامه من دون أن يدري إلى أين هو ذاهب.
مرّة ثالثة بول غرينغراس هو المخرج الذي تؤول إليه عملية إبقاء العين يقظة لا على مغامرات جاسون بورن فقط، بل على السلسلة ذاتها. في الواقع، إحتمال أن يبقى هذا الجاسوس السابق حيّـاً بعد كل المحاولات السابقة لقتله، قليلة جداً والمخرج وكاتبه (المونتير كريستوفر راوز) عليهما تجاوز محدودية هذا الإحتمال والتحرك في نطاق الممكن داخله. لذلك لا يمكن لكل مساعي قتل جاسون بورن أن تنجح حتى ولو تمّـت الإستعانة، هنا، بقاتل محترف لم يسبق له أن فشل في قنص أو قتل من تطلب منه المخابرات المركزية الأميركية اغتياله. ولن تنجح لاحقاً كل المساعي للحيلولة دون وصول جاسون بورن إلى غريمه الأول، مدير سي آي أيه ديووي (تومي لي جونز) وحشره بلا مهرب ممكن وقتله.


جاسون يعتمد في كل هذا على ذخيرة لا تنفذ من الأفكار. مدفوع دائماً بغزيرة البقاء حياً وذهنه وقاد إلى درجة أنه يتغلب على كل صعوبة ممكنة. في مطلع الفيلم هو ملاكم في ألعاب غير قانونية في بلدة ما على الحدود اليونانية- الرومانية. بعد سبع سنوات من آخر احتكاك له مع الوكالة لا زال هناك من يبحث عنه لقتله. وعندما تدرك صديقته نيكي بيرسون (جوليا ستايلز) أن الوكالة إكتشفت مكان وجوده تنقذه وتموت هي عندما يقنصها القاتل المأجور أسّـيت (ڤنسنت كاسل) الذي لاحقاً يلعق جراح فشله قتل جاسون بالقول "إما أن أقتله أو أن يقتلني". عبارة يدرك المشاهد أن الأرجح جداً، وطالما أن هناك حلقات أخرى مبنية على نجاح هذا الفيلم، أن يقتل جاسون غريمه هذا قبل نهاية الفيلم.


فصلان حشد لهما المخرج غرينغراس كل مهارته وحنكته: فصل المطاردة التي تقع في أثينا، أيام المظاهرات المعادية للحكومة على خلفية الأزمة الإقتصادية قبل أعوام قليلة، وفصل المطاردة التي تقع في مدينة لاس فيغاس حيث لجأ مدير الإستخبارات الأميركية مع معاونيه ليديروا معركتهم مع جاسون من هناك. جاسون يتسلل بجواز سفر مزيّـف عائداً من أوروبا ومقرراً وضع  مجابهة المدير الذي ما عاد لديه أي عمل يزاوله سوى الإهتمام بموضوع جاسون ورغبته التخلص منه.
في جانب معين، يدور الفيلم حول السُـلطة حين تتجاوز مهامها وتتحوّل إلى أداة قتل وآلة تأكل أبناءها. السُـلطة التي تجيز تجيير كل الطاقات للتحوّل إلى وكر للخطط الإجرامية. كل المطاردات التي نشاهدها في الفيلم (وهي ليست جديدة) تحتوي على قتل وإصابة أبرياء يمضي عنهم الفيلم كما تمضي عنهم المؤسسة الإستخباراتية غير معنية. في جانب آخر، ومهم أيضاً، هناك الشخصية التي يؤديها ريز أحمد بإسم آرون كالور. هذا إبتكر مجتمعاً إلكترونياً شبيهاً بالفايسبوك لكنه يرفض الإذعان لرغبة مدير الوكالة بتجيير معلوماته لحساب الوكالة (أمر يجعلك تتساءل لمَ لم يفعل مؤسس فايسبوك مارك زوكربيرغ الشيء نفسه). كلا الحالتين تلتقيان في صلب موضوع واحد وهو تجيير كل القوى الإلكترونية الحديثة للتنصت والتتبع وتنفيذ المؤامرات، ولو أن الفيلم لا يريد أن يعمد إلى توسيع الرقعة كثيراً في هذا المجال.
في كل هذا، يعتمد المخرج على نحو مذهل في إصراره على الحركة السريعة والتشويق الناتج عن عدم الغوص في التفاصيل بل الإكتفاء بما هو مهم منها للإنتقال من لقطة لأخرى. الكاميرا المحمولة (لباري أكرويد) والمونتاج الفعّـال لكريستوفر راوز يملكان الناصية الأكبر من العمل كما في أفلام غرينغراس الأخرى. أما مات دامون فهو ينجو من استنفاذ نفسه بأعجوبة. ها هي شخصيته ما زالت على ما هي: قادرة على امتصاص كل المعاناة (نفسية وجسدية) بثبات ومن دون شكوى والمضي من مغامرة إلى أخرى داخل كل فيلم ثم من كل فيلم لآخر من دون هوان. في حين أن هذا هو من ضرورات السلسلة، فإن وجهه (كجزء من أدائه) يكتسب هنا ملامح أكثر قسوة من كل المرّات السابقة. إنه صراع على البقاء حياً وإن كان السؤال حول السبب في ذلك يداهمنا في نهاية المطاف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
•  الأفلام السابقة:
2002: The Bourne Identity | Doug Luhman ***
2004: The Bourne Supremacy | Paul Greengrass ****
2007: The Bourne Ultimatum " Paul Greengrass ***
2012: The Bourne Legacy | Tony Gilroy ***


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
•  بطاقة:
إخراج:  بول غرينغراس      Paul Greengrass
أكشن [سلسلة | CIA]  | ألوان  (123 د) 
الولايات المتحدة (2016) |  عروض: دولية
إنتاج:  Universal Pictures

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

The BFG | The Nice Guys | The Shallows نقد أفلام| Independence Day: Resurgence | Cell



------------------------------------------------------------------------------------------
العدد 239 | السنة 8
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Screen  1
[أفلام عرض أول]

★★★★★  
• إخراج:  ستيڤن سبيلبرغ   Steven Spielberg
• فانتازيا  | الولايات المتحدة (2016)  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 عملاق كبير ودود يوفر أمانة النص وبعض الحسنات

• لم يعد خافياً أن «العملاق الكبير الودود» (The Big Friendly Giant وإختصاراً كما عنوان الفيلم رسمياً The BFG) سقط في عروضه التجارية منذ إفتتاحه في الأسبوع الماضي. وبينما ينتظر صانعو الفيلم نتائج عروضه العالمية، فإن تلك الأميركية انتهت إلى 26 مليون دولار وحل الفيلم رابعاً وراء الفيلم الكرتوني «إيجاد دوري» (المتمرس في المركز الأول منذ ثلاثة أسابيع) و«أسطورة طارزن» الفانتازي و«التطهير: سنة الإنتخابات» المرعب . أمر غير معتاد لفيلم من إخراج ستيفن سبيلبرغ!


كل مخرج له كبوته ولو كان سبيلبرغ، وهذا كان شهد أكثر من كبوة في الواقع. أولها فيلم «1941» سنة 1979 لكن ذلك الفيلم تكلّـف 35 مليون دولار بينما تكلف الفيلم الحالي 150 مليوناً بالإضافة إلى نحو 80 مليون دولار للدعاية وشؤون الإعلام والترويج.
إيرادات «توايلايت زون» (1987) و««دائماً» (1989) و«أميستاد» (1997) كانت بدورها معتدلة للغاية، لكن كلفة الواحد من هذه الأفلام لم تتجاوز الأربعين مليون دولار. فما هو المختلف اليوم عما كانت عليه الحال في تلك الآونة؟

باعث الأحلام
«العملاق الكبير الودود» فانتازيا مأخوذة عن رواية لرولد دال المنشورة سنة 1982. وهي ليست المرّة الأولى التي يتم تحقيق هذه الرواية فيلماً للشاشة، بل سبق وأن أقدم البريطاني برايان كوزغروف على تحقيق مسلسل تلفزيوني مأخوذ مباشرة وبأمانة (كحال هذا الفيلم) من تلك الرواية. كما أن عدداً من روايات دال الأخرى تم تحويلها إلى أفلام سينمائية مثل «الساحرات» (1990) و«ماتيلدا» (1996) وخصوصاً روايته الأشهر والأنجح إقبالاً «ويلي وونكا ومصنع الشوكولا» التي أنجزها سنة 1971 الأميركي مل ستيوارت وعاد إليها سنة 2005 تيم بيرتون في نسخة أفضل). كذلك صنع وز أندرسون عملاً جديراً بالإعجاب سنة 2009 مأخوذ عن رواية دال «فانتاستيك مستر فوكس».
الحكاية تدور حول العملاق الطيب الذي يختطف فتاة صغيرة أسمها صوفي (أهدى دال هذه الرواية إلى إبنته أوليفيا وسمّـى بطلتها الصغيرة، صوفي على إسم حفيدته) إلى حيث يعيش في بعض الجبال العالية. إنه عملاق ودود ولا يأكل البشر على عكس عادة شعب من العمالقة (أكبر حجم منه) وصداقة متينة تنمو بينهما قبل أن تسهل له الفتاة الوصول إلى ملكة بريطانيا التي تتعرّف عليه في قصرها قبل أن تأمر فتنطلق طائراتها للقبض على تلك الوحوش.
طريقة التواصل منذ البداية هي الحلم، فالعملاق يوعز بالأحلام عبر آلة نحاسية (كالترومبيت) وعندما يكتشف أن الفتاة اليتيمة (روبي بارنهل) شاهدته يخطفها ليبقي أمره سراً. أما تواصله مع الملكة فيتم ببث الحلم أيضاً قبل أن تقوم صوفي بمهمة التعريف.
كل ما نراه في فيلم سبيلبرغ هو ما قرأناه في هذه الرواية فالإقتباس أمين إلى حد كبير وقامت به مليسا ماثييسون التي كانت كتبت «إي. تي: الخارج عن الأرض» سنة 1982 (السنة التي ظهرت رواية دال هذه). لم تكتب للسينما كثيراً بعد ذلك لكن علاقتها بفيلم «إي تي» كان من بين الأسباب التي دفعت العديد من النقاد لإجراء مقارنة بين الفيلمين على أساس أنهما يتداولان موضوعاً شبيهاً: مخلوق غريب قد يثير الخوف لكنه في الواقع صديق للصغار. لكن الواقع أن الفيلمان يتباعدان فيما عدا هذا الخط النحيف بينهما. 
وهذا التباعد قد يكون سبباً خفياً في إنحسار الجمهور الكبير الذي أحاط، سابقاً، أفلام سبيلبرغ بإقبال حاشد. لأن الإحتمال الكبير هو أنه لو قام سبيلبرغ اليوم بتحقيق جزء ثان من «إي تي» عوض The BFG لكان استعاد ذلك الجمهور الكبير على الفور. المشكلة بين العملين هي أن الحماس والحوافز الإثارية التي شهدها الفيلم السابق، مفقودة إلى حد بعيد من هذا الفيلم الجديد. 

الحس المفقود
أيامها كانت المؤثرات البصرية ما زالت أكثر تواضعاً وأقل هيمنة على روح الشخصيات وبل روح المخرج الذي يتعامل معها. العناية الكبرى كانت لا تزال من نصيب الشخصيات البشرية من ناحية وابتداع مواقف يفعّـل فيها المخرج دور الكاميرا كعين المشاهد القريبة مما يدور. في هذا الفيلم، العكس هو السائد. كل مشهد في ساعتي الفيلم، هو تذكير بما وصلت إليه الخدع والمؤثرات (تم تصوير شخصية العملاق التي قام بها مارك رايلانس بأسلوب "موشن كبتشر" القائم على تصوير الممثل فعلياً ثم إدخال النتيجة الكومبيوتر وإعادة صنعه بالشكل المرغوب). إلى ذلك، فإن الحوار الكثيف ووقوع معظم الأحداث في مكان واحد أجهز على تلك الروح الأولى التي مارسها سبيلبرغ في أفلامه السابقة (أو معظمها على الأقل).


في كل هذه الفترة السابقة للقاء العملاق الودود بالملكة البريطانية لا يقع الكثير من التنويع ولا توجد أحداث حقيقية بإستثناء مداهمة العمالقة الأشرار لمكان العملاق بحثاً عن الفتاة لالتهامها (لماذا لا يلتهمونه هو كونه أصغرهم حجماً؟). أما الإنتقال إلى قصر الملكة وما يقع فيه من أحداث فإنه نقطة منحدرة أخرى حتى على صعيد أعمال سبيلبرغ عموماً. المشاهد مطوّلة والنبرة كوميدية القصد والمعالجة لكنها لا تُـضحك حتى عندما يستنجد المخرج بمشهد تعرض الملكة وكل من حولها إلى غازات معوية نتيجة مشروب دعاها العملاق لشربه.
أين سبيلبرغ السابق الذي كان يعرف ما يختار ويحرص على حس المغامرة وما تتطلبه من تنوّع المفارقات وتعدد الأحداث وقبل ذلك وبعده كيفية إثارة المشاهدين لعالمه المعروض؟ «العملاق الودود» هو فانتازيا تماماً كحال «جوراسيك بارك» و«لقاءات قريبة من النوع الثالث» و«إي تي» و«إنديانا جونز» وسواها، لكن من دون الإثارة التي عرفتها كل تلك الأعمال السابقة.
الجانب الآخر من أعمال سبيلبرغ هي تلك الواقعية أو الجادة.
وهو حقق فيها أيضاً نجاحات كبيرة، كما حال «لائحة شيندلر» (1993) و«إنقاذ المجند رايان» (1998) و«ذ ترمينال» (2004) و«ميونخ» (2005). العامل المشترك الموجود بين أفلامه الخيالية (حتى هذا الفيلم) وبين أفلامه الواقعية هو شغفه العاطفي بمصائر أبطاله خصوصاً الصغار. هذا موجود في هذا الفيلم إنما يكاد لا يظهر لكل الأسباب الآنفة الذكر، لكنه كان بارزاً ومحورياً في «إمبراطورية الشمس» (1987) و«إي تي» (1982) وفي مشهد الفتاة الصغيرة الهاربة من الإعتقال النازي في «لائحة شيندلر» (1993) ضمن أماكن أخرى.
جزء من فشل «العملاق الكبير الودود» يكمن في موقف جماهيري حتى من قبل معرفته بتفاصيل العمل والإطلاع عليه. هذه الأسباب السلبية المذكورة هنا كانت ستؤدي لإنحسار الإقبال بعد أسبوع أو أسبوعين (كما حدث مع «لينكولن» قبل ثلاثة أعوام مثلاً)، لكن الجمهور  الذي لم لا بها مسبقاً اتخذ موقفاً من الفيلم لن تتبلور أسبابه الخاصة ولا تداعياته إلا لاحقاً.
ربما سرعة انتقال الرأي السلبي بين الناس عبر «التويتر» و«الفايسبوك» سبباً مهماً، لكن يبقى أن الكهرباء لم تمس الغالبية وأن الناس لم تتدافع لتكتشف بنفسها وأن إسم سبيلبرغ لم يكن ضمانة هذه المرّة كما في غالبية المرّات السابقة.




المنعطف لرفقي عساف | فيلموغرافيا كن لوتش | 10 أفلام من 1967



------------------------------------------------------------------------------------------
العدد 238 | السنة 8
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Screen  1
[أفلام عرض أول]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

• إخراج:  رفقي عساف 
• فانتازيا  | الأردن، الإمارات، مصر (2016)  
★★★★★  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 الفيلم الطويل الأول لمخرجه حكاية حول واقع محكي عنه بصمت بليغ   


• «المنعطف» هو الفيلم الروائي الأول لرفقي عساف. مفاجأة رائعة كتبها المخرج نفسه وتستطيع أن تربطها بمسارات وذكريات خاصّـة به (في النهاية إهداء لأبيه الذي نرى بطله يتذكره في أكثر من مشهد) كما بملامح من الحياة العامّـة في رحى الحاضر القلق الذي تعيشه دول عربية. مثل الفيلم الجيد الآخر «آخر أيام المدينة» لتامر سعيد، فإن الشكوى الذاتية لبطله هي ذاتها لشركاء آخرين من أوطان أخرى. تجتمع تحت مظلة الهم الواحد والطموحات التي لا تتحقق.
يؤدي أشرف برهوم دور رجل منطو أسمه راضي يعيش في عربة فولسفاكن زرقاء مركونة  في خربة في مكان مقفر بين التلال. في الليل يقرأ على مصباح بطارية ثم ينام بلا غطاء. لكن المخرج شاء أن يبدأ فيلمه بلقطات لبحر وتلال بعيدة وشمس غاربة. تسجيل مبكر (وفي محله) لنبرة الفيلم التي ستكسوه من بدايته إلى نهايته. 
كذلك هناك لقطات ذكريات لصبي وأبيه (المشار إليها أعلاه) ثم تقاطع مع مشهد إمرأة تركب سيارة أجرة لإيصالها من عمّـان إلى دمشق حيث تعيش في مخيم اليرموك. تطلب من السائق تخفيف السرعة لكن هناك موّالاً في بال السائق والراكب الذي بجانبه. يحل الليل وتميل السيارة خارجة عن الطريق العام. ها هي تتوقف عند الخربة التي يعيش بينها راضي. يسمع صراخ المرأة. يرتبك لكنه يضيء أنوار السيارة ساطعة فيهرب الرجلين بعدما حاولا سرقتها والإعتداء عليها.
اللحظات التالية مهمّـة بالنسبة للتحول الذي يطرأ على حياة راضي. الفتاة، وأسمها ليلى (تقوم بها فاتنة ليلا بجدارة) تخبط على زجاج الڤان مستجدية بأن يفتح لها من في الداخل الباب خوفاً من عودة الشريرين. راضي لا يريد فتح الباب لأنه خائف بدوره من أي طارئ يغير نظام حياته الفردي. يفتح الباب غصباً كونه  بنى حياته على العزلة وعدم الإختلاط مع الآخرين. 
يوافق على إعادتها، في صبيحة اليوم التالي، إلى مدينة إربد (نفهم أنها انطلقت منها)  وهي سريعاً ما تثق به (والفيلم يبرر هذه الثقة جيداً). على الطريق يتوقفان لراكب ثالث  أسمه سامي (مازن معضم)، مخرج تلفزيوني غير معروف تعطلت سيارته المتوجه إلى المدينة ذاتها. ورحلة الطريق تستمر من هنا بكل ما يخالجها من أوضاع ثلاث شخصيات كلها تعاني من ماض بدأ قبلها وسقطت ضحيته: راضي الفلسطيني الذي لا يزال يحن إلى أبيه وليلى الفلسطينية أيضاً التي تعيش في مخيم اليرموك  في دمشق  وسامي الذي غادر لبنان خلال حرب 2006 وعوض تحقيق أفلام كما يريد تحوّل إلى مخرج تلفزيوني غير معروف. 
الثلاثة جيّـدون ضمن المتاح من عمق شخصيات. برهوم الباني حضوره على الصمت والممثلة فاطمة التي تلتقط بنظراتها التفاصيل غير المحكية التقاطاً جيداً. هناك أكثر من الماضي الشخصي في هذا الفيلم كما يكشف مشهد دخول شرطي على الخط وما يصمت الجميع عن الحديث عنه من إيحاءات الواقع. 
بحشرية يفرض الشرطي الذي التقطه راضي عن الطريق اضطراراً الصفة السلطوية. يبتسم وهو يسأل راضي وراكبيه التعريف كل عن نفسه. ويتوقف عند أسئلة استطلاعية تعوّد عليها في سلكه. يسأل عن العلاقة (غير القائمة) بين ليلى وسامي، ثم يحاول استكشاف تاريخ سامي الشخصي ("أين تعيش"، "في الضاحية"، "آه… حزب الله.. شيعي") وعندما يعلم أن ليلى تعرضت لمحاولة سرقة يصر على أن تفتح محضرا أول وصول المجموعة إلى مركز الشرطة (يختاره المخرج مبنى مخفياً وسط أشحار كما لو كان مكاناً سرياً).
يوفر المخرج مشاهد "فوروورد" استباقية ناجحة توقيتاً يستخدمها إستشرافاً لما سيقع في النهاية ولو أن الأحداث المؤدية إليها لا تحتاجها كتفعيل كون الفيلم غير مبني على التشويق. أسلوب المخرج هادئ والتصوير جيد لا يشوب لحظاته إلا موسيقى خالية من البحث قافزة منذ بدايتها إلى النتائج ومتكررة بالمنوال ذاته أكثر من مرّة.

• إنتاج رولا ناصر ومحمد حفظي | سيناريو رفقي عسّـاف. تصوير بيوتر جاكسا | توليف: دعاء فاضل | موسيقا: سعاد ساهر بشناق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ