Issue 12 | And the Ship Sails On...| Frenzy| سواق الأتوبيس

FLASHBACK


أنطونيو (لامبرتو ماجيوراني) وإبنه برونو (إنزو ستايولا) يبحثا
ن عن
الدراجة التي يعتاشان منها بعدما سُرقت في فيلم ڤيتوريو دي سيكـا
Lardi di biciclette | The Bicycle Thief| سارق الدّراجة
(1948)٠


قبل العرض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صعوبة تنفيذ هذه المجلة أكبر من صعوبة تنفيذ المجلة الأخرى »ظلال وأشباح«، ليس لأن كتابة النقد أسهل او أصعب من كتابة المقالات والتحقيقات، بل لأن الطريقة المثالية لتصميم العدد هي التي تتمنّع على هذا الناقد الذي ينشد ما يستطيع من إتقان٠
الاسئلة التي أطرحها على نفسي كل يوم سبت هي: كيف أرتّب موادها؟ كيف يمكن أن لا أهضم موضوعاً ما حقّه لأنه سيرد في نصف او أسفل الصفحة؟ ماذا عن الزوايا الجانبية؟ ثم أساساً، ومع حبي لكل السينما في كل التاريخ، كيف سأبرر -تصميمياً وتحريرياً الى حد- حديثي عن فيلم قديم؟ وهل إذا ما بدأت بالأفلام الجديدة ثم انتقلت الى الأفلام القديمة أكون كمن يغبط حقّها؟ هل أخص الصفحة بأعداد خاصّة: هذا الأسبوع أفلام الوسترن، الأسبوع المقبل السينما اليابانية، الذي يليه أفلام المخرج شابرول الخ... اسئلة كثيرة ثم .... أحاول جهدي وأتكل على الله وأصدر العدد٠
مع قلّة الوارد من آراء القرّاء، لا إضاءات ونقاشات تدل على ما إذا كنت أصيب او أخيب٠ لكن هذا لا يمنعني كل أسبوع من محاولة التجديد متسلّحاً بحبّي لما أقوم به٠
على ذلك، وهذا الأسبوع وبعد إحدى عشر عدداً من المجلة (التي كانت صدرت في نحو ثلاثين عدد من قبل ثم توقّفت) وجدتها٠ وها هي أمام أعينكم٠
الصفحة الرئيسية من كل عدد ستتكوّن من زاوية »وحيداً في الصالة« ثم اختيار هذا الناقد لحفنة أفلام، من ذات أهميّة تاريخية او فنيّة لقراءتها على نحو شامل٠
يتبع ذلك دراسة عن مخرج وأفلامه٠

كل ما تبقّى سيتوزّع يمين ويسار الصفحة الرئيسية ولو أنه -كمواد- ليس أقل أهميّة عما يرد في العمود الوسط٠
أخبروني رأيكم٠


أفلام العدد

Frenzy ****
نوبة جنون | ألفرد هيتشكوك [بريطانيا/ أميركا - 1972] ٠
.........................................................................................................
سواق الأتوبيس | عاطف الطيّب [مصر- 1982] ****٠
.........................................................................................................
E LA NAVE VA *****
والسفينة تمضي |فديريكو فيلليني [إيطاليا- 1983]٠
.......................................................................................................
كل ما شاهده الناقد : تنغيز أبولادزه


Frenzy | نوبة جنون
عودة ألفرد هيتشكوك المظفّرة لفن الاستيلاء على النفس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لمن كان اعتبر أن أفضل هيتشكوك
قديمه، جاء »نوبة جنون« لكي يؤكد
أن المخرج لا زال في أفضل
حالاته. الفيلم
كان بمثابة الوقفة
الأخيرة ٠
........................................................................................................

هيتشكوك يستمع للخطاب: هل تستطيع أن تميّزه؟
حين أخرج ألفرد هيتشكوك »نوبة جنون« سنة 1972 كان بلغ من العمر 73 سنة. كان ثقيل الهمّة جسدياً، يعاني من الإدمان على الشرب (كما كُتب عنه لاحقاً) ومما يُصيب بعض المتقدّمين في السن عادة من بطء الحركة وضيق النَفَس٠ لكن كل هذا، لا يهم حيال النتيجة التي أنجزها: »نوبة جنون« آخر تحفة سينمائية من سيد التشويق ولو أنه ليس آخر فيلم٠
حتى العام 1969 كان هيتشكوك سريع الإنجاز. كل سنة او كل سنتين ينجز فيلماً جديداً يضيفه فوق أعماله الرائعة. في ذلك العام أنجز فيلماً قسم النقاد لفريقين ربما للمرّة الأولى على نحو كبير، بين معجب ورافض. هيتشكوك لم يكن سعيداً بالنتيجة كليّة ولم يكن سعيداً بموقف بعض النقاد٠ عملياً انسحب مثل وزير الشطرنج في لعبة تكتيكية٠ ترك الزمن يمضي ثم عاد بعد ثلاث سنوات بفيلم »نوبة جنون« الذي استقبل جيّداً من قِبل معظم النقاد حينها، ولو أن البعض تحفّظ عليه (لا تستطيع أن تستقطب 99,999 الا في الإنتخابات العربية ... أليس كذلك؟). بعده انسحب هيتشكوك مجدداً ثم عاد مرّة أخيرة سنة 1976 لإخراج فيلم »حبكة عائلية« ثم مات بعد أربع سنوات، في العام 1980 عن 80 سنة٠
فيلم »نوبة جنون« ليس عودة زمنية بمعنى الكلمة، فالغياب لم يكن لأكثر من ثلاث سنوات، لكنه عودة الى الناصية الصحيحة. الى الفيلم المبكّل تماماً مثل لعبة مكّعبة. وهو أيضاً عودة مهمّة من نوع آخر: كل أفلام هيتشكوك
منذ ثلاثين سنة قبل هذا الفيلم صُوّرت في الولايات المتحدة (أماكن طبيعية واستديوهات) لكن »نوبة جنون« كان Suspicion منذ أن صوّر سنة 1941 فيلمه »ريبة«
وكان، كمعظم أفلامه في تلك الفترة، من تمويل أميركي وذلك قبل أن ينتقل كلياً الى هوليوود في الفيلم
Saboteur التالي وهو »مخرّب«

العين الطائرة
عمد هيتشكوك الى بداية كان استخدمها أكثر من مرّة في السابق ولا زال السحر يكمن فيها٠
الكاميرا طائرة تحوم فوق لندن. تحتها نهر التايمز من بعيد وهاهو جسر »تاور بريدج« بإنتظارنا. لو كنت آتياً من جنوب لندن بالسيارة فإنه من أول المستقبلين، وها هو يستقبل الفيلم. تخاله ينظر اليها في المقابل٠
البداية نفسها نجدها في »سايكو« حيث تحط الكاميرا في غرفة فندق في حي من مدينة سان فرانسيسكو. لكن التشابه ليس في الطيران وحده بل في »الحط« أيضاً. هناك في »سايكو« ( 1960) تبدو الكاميرا، وللحظة وبتصميم من سيد التشويق، كما لو كانت تبحث عن المكان الذي ستحط فيه. على عكس استعارات في أفلام أخرى تبدو الكاميرا مثل طامّة كبرى تدرك من ستصيبه وهي على بعد ألوف الأميال وتصيبه من دون خطأ. عند هيتشكوك لحظة الإختيار مهمّة وهي تتكرر هنا. بينما يستعرض لنا لندن كما لو أنه وصل إليها للتو، هناك لحظة تبدو فيها الكاميرا كما لو سمعت ما شد انتباهها٠
تقترب وترقب ... وتحط٠
هناك خطيب وجمهور حاشد وكاميرات ونحن تحوّلنا الى حاضرين. كنا قبل لحظات عيناً والآن مراقبين٠ الخطيب يناشد مستمعيه السعي لتنظيف نهر التايمز من الآفات والأوساخ. ماذا سيحدث بعد ذلك؟ هل سيطلق أحد النار على الخطيب، او يصعد آخر المنصّة ويسخّفه او يؤيده؟ لا. سيصرخ رجل: أنظروا... ويتطلع الناس الى حيث أشار. نريد أن نرى بدورنا ويرينا هيتشكوك ما ترك الحشد خطيبهم من أجله: جثّة إمرأة عارية طافية على صفحة النهر العظيم٠
حين مراجعة المشهد في البال فإن الذي يستوقف المرء هو أن الإختيار كان متاحاً لدى المخرج أن يهبط بالكاميرا على الجثة فيحدث دهشة المشاهدين. لكن هذا لا ينفع. ليس صحيحاً لأن دور الكاميرا/ العين سيختلف في هذه الحالة. ستصبح مسؤولة عما شاهدته. كيف شاهدته وهي آتية من بعيدة؟ إنها ليست طيراً ولا الغاية عند هيتشكوك لطم المشاهِد بصورة هي نتيجة، بل عليه أن يحط بك أرضاً لكي تصبح أحد الناس ومن هنا فإن دور العين سيستمر في لعبة هيتشكوك المثلى وهي تحويل المشاهد الى مبصبص٠
لحظة. هناك المزيد٠
إذا راقبت جيّداً ستجد هيتشكوك بين المتحلّقين حول الخطيب. لحظة صغيرة ثم يختفي (ربما على قصر قامته) بين الحشد. هو كثيراً ما كان يظهر في لقطة لا علاقة لها بمجرى الأحداث بل كنوع من الدعابة: يقرأ صحيفة هناك، يركض وراء قطار، يمشي في الشارع. هنا اختار شيئاً لا أدري إذا كان ما استوحيته منه مقصوداً أم لا، لكن أنا من النوع الذي لا يؤمن بالصدف: كون هيتشكوك أحد المستمعين يفصل العين التي بدأ بها الفيلم والتي كانت هي عينه عن العين التي هي عينك. لندن التي استقبلت عودة هيتشكوك بالترحاب في ذلك المشهد التمهيدي واصلاً إليها من الجنوب وحاطّاً في أحد أقدم أحيائها، دورها انتهى عند هذا الحد. الآن هيتشكوك منظوراً، ولو للحظة، يأذن لنا أن نستقل بما يريدنا أن نراه. رسمياً الآن نحن مشاهدون او شهود او مبصبصون٠


بوب والجثة والبطاطا
هذا المشهد، او الثواني الأخيرة منه حين تلتقط أعيننا صورة الضحية، سيبقى في البال لأننا الآن أمام جريمة علينا أن نعرف من ارتكبها. إنها تفرض نفسها على القصّة التي تبدأ كما لو كانت منفصلة عن هذا التمهيد. ها نحن مع رتشارد (جون فينتش) الذي طٌرد من عمله في البار لأنه كان يشرب. يزور زوجته السابقة التي تدير مكتب تأجير شقق (باربرا لي هانت) وهذه تعطف عليه وتعطيه نقوداً تضعها في سترته من دون أن يدري. هذا آخر عمل خيري ستقوم به. فالقاتل (الذي كنّا شاهدنا إحدى ضحاياه في التمهيد) قتلها خنقاً (كعادته مع الباقيات). فجأة يجد رتشارد، سيء الحظ، نفسه مطلوباً من البوليس الذي يدّعي الآن أنه هو القاتل المتسلسل الذي روّع لندن٠
على عكس كثيرين يخاطر هيتشكوك عادة بالكشف عن القاتل الحقيقي. الآخرون يحاولون العمل على لغز: من القاتل؟ هو يكشف من هو القاتل ويريدك الآن، أي من لحظة الكشف، أن تتشوّق لمعرفة كيف سينجو المتهّم- البريء من حبل المشنقة بينما كل حالات الريبة تحيط به ورجال البوليس يسعون لإلقاء القبض عليه٠ إنها ليست مهمّة سهلة أن تكشف القاتل وتحوّل السؤال الكلاسيكي حول من القاتل الى هذا هو القاتل فما الذي تستطيع أن يفعله »البطل« لكي يقنع الآخرين بأنه ليس القاتل؟ يزيد من الضغط أنه لا يستطيع معرفة من القاتل في البداية. كل ما يعرفه أنه ليس القاتل لكن -باستثناء صديقته كما الحال هنا- فإن أحداً لا يصدّقه٠
القاتل هنا هو صديقه الأشقر بوب (باري فوستر). إنه تاجر خضار في السوق الشعبي. يعرف الجميع ويعرفه الجميع ويعرض على رتشارد المأوى ويطلب منه أن يتخفّى حتى لا ينكشف سرّه بذلك كاسباً ثقته. لكن بعد نحو نصف ساعة أخرى، يرتكب بوب جريمته الثانية في الفيلم (على اعتبار أن ما ارتكبه سابقاً كان قبل أن نطّلع بأنفسنا على ما يدور)٠
هذه المرّة سنتابع بشكل تفصيلي ماذا سيحدث: بوب سيصعد مع المرأة التي سيقتلها الى شقّته في تلك الأسواق. في الوقت الذي يناسبه سيخنقها مستخدماً، كالعادة، ربطة عنقه. ستمد يدها الى سترته وهي تفارق الحياة وتنزع عنها دبوساً صغيراً يعلّقه من باب تفاصيل الأناقة. سيكتشف ذلك فيما بعد. سيحاول العودة الى الجثّة التي أخفاها في كيس من أكياس البطاطا. يدخل الشاحنة الصغيرة ويجد الجثّة في الوقت الذي يصعد فيه السائق الشاحنة ويقودها. الآن بوب والجثّة والبطاطا سيتناوبون على حبس أنفاسنا. نعم نريده أن يقع متلبّساً لكننا لا نعرف إذا ما سيقع متلبّساً الآن وكيف٠ هاهو يحاول فتح قبضة المرأة القابضة بإحكام على الزر وها هي البطاطا تتساقط وراء الشاحنة المنطلقة٠
على الجانب الآخر من القانون، هناك التحري المخضرم اكسفورد (أليك مكغاون) الذي لديه شكوكه حول أن يكون رتشارد هو القاتل، لكن رتشارد لا يعرف ذلك بالطبع. من تعرف هي زوجة التحري (ڤيڤيان مرشنت) وهيتشكوك يخصّنا بمشهد مرح وساخر وبالغ الأهمية يقع حين يعود التحري الى منزله ويجلس الى مائدة الغذاء. الكاميرا في غرفة الطعام ونرى الرجل جالساً عند المائدة وزوجته في المطبخ (تجاوزا أوسط العمر)٠ أنه لا يعرف ما الذي طبخته زوجته لكنه لا يطيقه ومن دون أن تراه يتخلّص مما سكبته في صحنه. يسألها ما هو وتجيبه ما يزيده امتعاضاً صامتاً ويزيد المشهد سخرية. لكن في خلفية الحركة هناك الحوار الحاصل الذي لا يدور -الا قليلاً- عن الطبخ، فهو أساساً عن رتشارد والتهمة. التحري يكشف لزوجته عن شكّه في أن يكون رتشارد القاتل والزوجة لديها نظرية تؤيد هذه الريبة٠
ولن أنتقل الى كيف يشبك المخرج الخيوط لتؤدي الى النهاية متجاوزاً بسهولة مسألة أن يتم الكشف عن حقيقة القاتل وتبرأة المتّهم. في السينما الذكية والمعمولة برؤية وإلمام كبار من فيها لن تفسد التوقّعات أي من التشويق الناتج عن الصورة٠


المتورّط
فيلم هيتشكوك أكثر من مجرّد قصّة بوليسية منفّذة ببراعة المخرج المعتادة. إنها مليئة بالمحاور التي تستدعي الإنتباه٠ كونه عن الجريمة والعقاب ليس سوى جانب واحد. في الواجهة أيضاً الناحية الجنسية في سلوكيّات البشر، وتلك الرسوم الدقيقة للسلوك الإنساني وفوق كل ذلك تلك القدرة على ضبط العمل بإختيارات المخرج الصائبة من اللقطات٠ لا شيء تقريباً مصوّر لذاته. كل شيء، كالحياة نفسها، مرتبط بالشيء السابق وبالشيء اللاحق٠
هناك عقد بين هيتشكوك وبين مشاهديه المتيّمين: هؤلاء أقبلوا على أفلامه لسبب وحيد: رغبته في أن يُثاروا٠ واجب هيتشكوك أن يثيرهم٠ بالنسبة لهؤلاء، وأنا بينهم، الحكم هو إذا ما سينفّذ هيتشكوك تعهّده . هذا هو المهم في تلك العلاقة وهيتشكوك -الذي نفّذ تعهّده هذا جيّداً في معظم أفلامه- ينفّذه جيّداً هنا أيضاً٠
لعبة هيتشكوك هنا غامضة لذلك لا تهم التوقّعات. مثلاً، في السابق، اعتدنا أن نقبل من هيتشكوك مداراة العنف عبر الإيحاء به. يلتقط أطرافه مكتفياً بصور من بدايته وقليلاً منه في وسطه ويتركنا معلّقين مع النتيجة. حتى في »سايكو«، وقد تحدّثت عنه وفيه أكثر من مرّة، ومع أن الفرصة مواتية لمشهد عنيف هو مشهد مقتل جانيت لي في الحمّام، الا أن الكثير من المداراة والجهد بُذل لتصوير إمرأة تتعرّض لنحو سبعين طعنة من دون أن نرى، ولو للحظة واحدة، السكين يدخل اللحم او الدم ينزف من الجسد. رغم ذلك، المشهد مقنع وغير متوقّع (وبل مفاجيء) وأثره دائم ما عاش الإنسان٠
لكن في »نوبة جنون« واجه هيتشكوك حقيقة أن الفيلم إنما يدور عن الجريمة المرتكبة لدوافع جنسية. هذه الحقيقة المحددة بطاقة الدعوة الموجّهة إليه (من قِبله) لكي يقدّم وللمرّة الأولى مشهد الجريمة مفصّلاً وجسد المرأة عارياً من دون توريات (كما الحال في »سايكو« حيث الكاميرا أما تصوّر أعلى الصدر او أسفل الساقين غير متعرّضة للجزء الوسط). لكن المسألة ليست أنه رأي هذه الحقيقة فأقدم عليها فقط، بل كان يدرك أن الجمهور لم يتعوّد منه مشاهد مفصّلة وقويّة التأثير في هذا الشأن فأقدم عليها مدركا قيمة المفاجأة التي سيحدثها بينهم٠
لكن علاقة هيتشكوك، من ناحية ثانية، مع جمهوره لا تتوقّف عند إتقان مشهد واحد. نتذكّر كيف أن اللقطة التمهيدية ومتى انفصلنا عن السياحة مع هيتشكوك لنصبح شهود عيان. الآن، كل شيء بعد ذلك سيخضع، وكما هي عادة المخرج الكبير، لهذا المبدأ. مثل أفلامه الأخرى، كل ذي عينين ناظرتين الى الفيلم هو شريك في المسؤولية. كان شريكاً في بصبصبة جيمس ستيوارت المقعد على جيرانه في »نافذة خلفية« وشريكا في جريمة قتل جانيت لي في »سايكو« وشريكا في صراع بول نيومان ضد الشرير ورغبته في أن ينتصر البطل رغم بشاعة المعركة في »الستارة الممزّقة« الخ... الآن هو مبصبص على الجريمة المرتكبة بكل إصرار ومن دون استعجال٠
اذا كانت الجريمة الأولى في الفيلم (مقتل زوجة رتشارد السابقة) عنيفة وصادمة، فإن الجريمة الثانية مبهرة في الطريقة التي عالجها فيها هيتشكوك من دون أن تكون نقيضاً للأولى. فقط تأكيداً على أن المشاهد ليس حرّاً في الإنصراف من مسرح الجريمة إذا أراد، بل سينسحب منها ببطء مذهول٠
بوب يرتكب الجريمة. الكاميرا تنسحب الى الوراء. إنها عند باب الشقّة ثم تنزل الدرج. ببطء متراجعة. لا شخصيات في الصورة لأن القاتل والضحية لا زالا في الداخل. لكنك تعلم الآن بشاعة ما يحدث لأنك اطلعت عليه في الجريمة الأولى. لقد كنت موجوداً كمصبص. الآن أنت الكاميرا وأنت الذي تتراجع الى الخلف هابطاً سلالم الدرج ببطء. تصل الى الشارع حيث يطغي صوت الحياة لكنك لا زلت تتراجع مصدوماً٠
ثم حلل معي مشهد الشاحنة٠
المجرم (ويا له من تمثيل مقنع من باري فوستر) يحاول استخراج الزر من قبضة الضحية لأنه إذا ما وجده البوليس كشفه هو. ما نراقبه هو واحد يعتدي على الجثّة . يحاول فك قبضتها بسكينه. تريد أن تنظر بعيداً لأنك لم تعتد (وهذا الكلام قبل أفلام الرعب الحالية) أن ترى مثل هذه الوحشية. لكنك لا تستطيع. في أفضل الأحوال قد تستطيع الإعراب عن إبتسامة ناتجة عن سخرية المشهد من نفسه (وسخرية هيتشكوك من كل شيء) لكن المسألة الأساسية هنا هي أنك سوف لن تستطيع أن تنظر بعيداً. لقد سيطر عليك الساحر. تدرك أنك تشاهد لذّة ممنوعة لكنك لن تستطيع فعل شيء حيال ذلك فأنت شريك في الجريمة التي تقع٠

* سأعود الى هيتشكوك في مرّات كثيرة مقبلة (وأجمع ما أكتبه لكتاب حوله) لذلك فإن بعض
الطروحات هنا ستم تداولها لجانب أخرى جديدة٠

........................................................................................................
معلومات: عن رواية لآرثر لا بيرن (آخر أعماله المتحوّلة الى السينما) . كتب السيناريو أنطوني شافر (معروف بمسرحياته التي انتقلت الى الشاشة أيضاً) وقام بالتصوير جيل تايلور (نحو 80 فيلم من بينها نسخة رومان بولانسكي من »ماكبث« (1971)٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سوّاق الأتوبيس
نظرة عاطف الطيّب وصحبه للزمن الذي مضى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كل ذلك الحزن الذي يعتمر هذا
الفيلم آت من إدراك بطله أنه إذ
انتصر في حربه على العدو
الخارجي، الا أنه يخسر حرباً
أكبر مع عدو داخلي٠



ومن بعيد جاء مخرج شاب بفكرة شابة وقدّم عملاً شاباً٠
من بعيد، وبخلفية فيلم واحد من قبل، جاء الراحل عاطف الطيّب بعمل آسر، جديد، قوي في مضامينه وبسيط في معالجاته لها. فيلم معه لا يستطيع المرء إلا أن يهنىء نفسه بوجود سينمائيين في ضباب السينما العربية استطاعوا كتابة وتنفيذ أعمال تمس صميم الحياة الاجتماعية المعاصرة بحرية وبجودة وتقدم أبعاداً مفعمة بأسلوب جذاب وسرد مشحون وسلس في ذات الوقت٠
عام 1982 قدم مهرجان قرطاجة السينمائي الفيلم ومنحه جائزة (أفضل عمل لمخرج جديد). خلال أشهر كان «سواق الأتوبيس» قد انتشر بين كل من لديه جهاز فيديو ثم وصل إلى صالات السينما المصرية في نجاح متوقع٠
الفيلم يبدأ وينتهي بمشهد نشّال في أتوبيس يقوده الأسطى حسن (نور الشريف). في البداية نرى النشال وقد قفز من الأتوبيس وسط صراخ الناس وذعرهم ليولي هارباً بما اقتطعه من مال عزيز ونادر من صاحبته. حسن يوقف الأتوبيس للتو لكنه لا يتحرك من مكانه وراء النشال الذي هرب بعيداً. في النهاية يتكرر الحادث نفسه ويقفز النشال ذاته من الأتوبيس ليلوذ بالفرار لكن حسن هذه المرة يوقف الأتوبيس ليقفز
وراءه. يقبض عليه ويكيل له اللكمات حتى يدميه. وينتهي الفيلم عند هذا المشهد٠

ما بين المشهدين كل المسببات والدوافع التي حثت حسن على فعل أمر ما في المرة الثانية، إنه يكتشف أن والده (عماد حمدي في آخر دور له على الشاشة) المريض يعاني من أزمة مادية حادة، فقد أصدرت مصلحة الضرائب أمراً بإقفال الورشة لأنها لم تستلم العائدات المفروضة طوال سنين، ويكتشف أن زوج إحدى أخواته هو المسؤول عن ذلك بعدما بدد عائدات الورشة التي كانت إدارتها قد أنيطت به. يتدبر حسن نصف المبلغ المطلوب (عشرون ألف جنيه) ثم يدور على شقيقاته اللواتي تزوجن من رجال صنعتهم أموال الأب، حسن بذلك يخدش ألواح الزجاج ويزيل عن السطح أكذوبة التضامن العائلي والعادات الأسرية والاجتماعية الحميمة. أنه يجد شقيقاته يقفن إلى جانب أزواجهن الذين أما أن يشكوا عدم توفر المبلغ معهم (علماً بأنهم يملكونه) وأما أن يطلبون له ثمناً مثل الحصول على الورشة والبيت لهدمهما وإنشاء عمارة جديدة٠
حسن يطرق الأبواب ويسمع الأجوبة ونحن نكتشف معه ما حل بالعائلة العربية التقليدية تحت وطأة التغيرات الاقتصادية التي حدثت والتي تركت بصمات واضحة على معالم الحياة وطرق التواصل والتعامل بين الناس. هؤلاء الذين قدر لهم الاستفادة من الظروف الطارئة فاغتنوا فإذا بغناهم بخلع عنهم العادات والعلاقات الإنسانية الحميمة فينعزلون في سعيهم للمزيد ويمتنعون عن بذل الخير للآخرين٠

في المواجهة يقف حسن ورفاق السلاح في حرب أكتوبر الذين حاربوا دفاعاً عن الوطن وحققوا الجزء الأكبر من الانتصار طمعاً بمجتمع أفضل لكن العائدات التي أصابت الكثير من فئات المواطنين أغفلتهم كما أغفلت فئات أخرى. حسن ينقل المشكلة في النهاية إلى بيته وليتدبر مبلغ العشرة آلاف الأخرى عليه أن يبيع سيارة الأجرة التي كانت زوجته (ميرفت أمين) قد اشترتها له. زواجها منه تم عن حب ووقف في وجه معارضة الأم (زهرة العلا). الآن يأخذ الحب مداراً مختلفاً. الزوجة تصحو على أوجاع الفقر وتطلب لنفسها أشياء تدرك أنها كانت تستطيع الحصول عليها من نموذج ثري آخر ما زال يحيك من حولها، وهي تعارض بيع السيارة وتطالب بالطلاق٠
في النهاية يخسر حسن حروبه جميعاً. صحيح أن بعض رفاق الأمس الشاعرين بمحنته ساعدوه وصحيح أنه حصل على المال الذي يريد بعد أن باع السيارة، لكن الأب فارق الحياة وتمزق العائلة الواحدة بقي ماثلاً أمام عينيه يدين كل فرد فيها ويدين المجتمع والظروف الاقتصادية التي اقتاتت من فريق ونفعت فريقاً آخر٠ هنا نصل إلى المشاهد النهائية التي نرى فيها النشال مرة أخرى. هذه المرة يكاد يهرب بما سرقه لكن حسن سوف لن يتركه يهرب وسوف ينتقم من كل ما حدث له ومن كل ما يراه ماثلاً أمامه من إحباطات وأخطاء بالقبض عليه وضربه بعنف٠
السؤال الذي طرحه أكثر من ناقد هو «هل النشال البسيط هو نوذج للصوص الكبار وهل كان يستأهل العقاب فعلاً؟
الجواب بدهياً لا، لكن الفيلم يعتبر هذا المجرم الصغير نموذجاً. ربما رمز لمن هم أكبر منه، والمسألة مقبولة فيما لو اعتبرنا أن الإجرام واقع سواء أكان الفاعل صغيراً أو كبيراً، وأن هذا الإجرام هو المقصود بدعوة المخرج عاطف الطيب للإصلاح أو بثورة حسن على الظروف المجتمعة المؤدية إليه. وإذا ما تابعنا كل الأحداث التي تعرض إليها حسن فهمنا ـ وقبلنا ـ أن يضع حسن يده على الرمز لأن هذا الرمز هو الوحيد الذي يستطيع، واقعياً وفي محيط عمله، الوصول إليه٠

يدمج الطيب كل هذه الأبعاد بمشاهد لا تنسى: اجتماع رفاق الأمس عند منطقة الهرم في الليل مع أغنية وطنية عاطفية، اجتماع عائلي كبير في سطح بيت أحد الأزواج الذي يريد استغلال الفرصة لامتلاك الورشة، المشادة بين حسن وزوجته. المشهد الذي نرى فيه حسن (بتمثيل نور الشريف الحسّاس) يهبط سلّم البيت وقد أثقله الهم والذكريات. في كل هذه المشاهد وفي غيرها تلعب عناصر الفيلم الفنية الأخرى (في مقدمتها إدارة التصوير) أدواراً بارزة وتلتئم لتساعد على إبراز المضامين الاجتماعية والإنسانية الفنية التي في السيناريو. هذا السيناريو بدوره غني بالشخصيات التي تمثل نماذج موجودة على رض الواقع من تاجر المرافىء إلى رجل الأعمال المتدين إلى تاجر المخدرات إلى طبيعة كل شخصية في هذا الفيلم٠
فيلم عاطف الطيب »سوّاق الأتوبيس« من بين الأفلام التي تعاطت مشكلة الانفتاح وهو يبرز كأحد أكثرها واقعية ومعايشة لحياة الأسرة، علماً بأن الحادثة ذاتها قد تقع في أي مكان آخر حين النظر إليها كخطوط عامة، فالأزمنة تغيرت والناس تغيرت وتلك المبادىء الجميلة التي تعلمناها صغاراً والتي نورتنا إليها الأديان تبدو وكأنها تبخرت. تبعاً لذلك التغيير الشامل صار لكل منا حربه الخاسرة في سبيل مبدأ أو هدف طالما أن أدواته قديمة مستقاة من مبادىء الأمس٠

........................................................................................................
معلومات: الفيلم نموذج عن تآخي عدد من مبدعي السينما في مطلع الثمانينات ومؤازرتهم لبعضهم البعض. كتب القصّة محمد خان وبشير الديك وكتب السيناريو بشير الديك وصوّره سعيد الشيمي٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
E LA NAVE VA | والسفينة تبحر
كل فن أمر ممكن لأي طبقة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فديريكو فيلليني في أحد
أفلامه الرائعة: شخصيات
في سفينة فوق بحر متماوج ....
جميل وآسر ومفبرك٠



في نهاية مقالة كتبها فيلليني عن فيلمه الثامن عشر قال
صورت الفيلم في 14 أسبوعاً، مع 120 ممثلاً ومئات المجاميع، في ثمانية بلاتوهات من مدينة السينما حيث تم بناء 40 ديكوراً. استخدمت نحو 213 ألف قدم من النيجاتيف (...) الآن الفيلم انتهى. بعض أصدقائي الذين شاهدوا الفيلم قالوا لي أنه مخيف، ربما قالوا ذلك لإرضائي لأني أعتقد أن المؤلف يسعد حينما يسمع أن فيلمه قد أثار الخوف. لكن الأمر لا يبدو لي على هذا النحو. أعتقد حقيقة أنه فيلم ممتع مليء بالحياة. إنه فيلم يجعلني أريد أن أبدأ بتحقيق فيلم آخر على التو٠

ربما أهم ما في هذا التصريح الذاتي عبارتيه الأخيرتين: إنه فيلم ممتع مليء بالحياة وأنه فيلم يجعل فيلليني يريد أن يبدأ بتحقيق فيلم آخر على التو. ذلك أن أفضل أفلام فيلليني كانت دوماً تلك الحيّة على غرابة ما هو حي فيها، وأفضل شعور أفرزته تلك الأفلام هو ذلك الذي كان يدفع بنا دائماً إلى الرغبة في مشاهدة عمل آخر له في الأسبوع القادم. «والسفينة تمضي» يحقق هذه الرغبة. يجعلنا نريد أن نشاهد لفيلليني فيلم آخر له على التو. فيلم يبعث على حب السينما من جديد وكأنما نراها أول مرة، أو كأنما نود إعادة الكرة من نحب، كلما اعتقدنا أنه الحب الأخير نرى فيلماً مبدعاً كهذا فنبدأ الحب مع جديد٠
في واقعه فإن "السفينة تمضي" هو "والسينما تمضي". ففيلمه والسينما ـ كفن وكمتعة ذاتية وحسية وفكرية ـ خطّان متلازمان ينطلقان معاً منذ المشهد الأول وحتى المشهد الأخير. يفتح فلليني فيلمه بمشاهد صوّرها على شكل السينما الصامتة. نحن في عام 1914 . الفيلم الذي أمامنا في البداية لقطات مشوشة، متوترة الإضاءة لأن النسخة عليها أن تكون قديمة، حركات الناس أمامها بريئة، البعض مفتون بالكاميرا التي تصوره ويحاول أن يظهر في اللقطة، سرعة الفيلم ليست طبيعية تماماً وكأنا نشاهد فيلماً صور في تلك الأزمنة٠
هنا النقطة الأولى في رسم خط علاقة فيلليني المزدوجة مع فيلمه «والسفينة...» ومع السينما ذاتها. نحن لا نتمالك سوى أن نشعر منذ تلك اللحظات الأولى أن الرجل إنما يلقي أمامنا أنصع صورة سينمائية ممكنة، تلك عندما كانت السينما مجرد صور متحركة ما زالت قدراتها الكثيرة محشورة في صندوق الأعاجيب. تتلون الصورة وتبدأ الأحداث الفعلية. نحن على ظهر سفينة اسها (غلوريان) تبحر في المتوسط تجاه منطقة لا يعرف سرها سوى القبطان. على ظهرها فنانون، اقتصاديون، وسياسيون ودوق من عائلة حاكمة وحاشيته. كل هؤلاء أرستقراطيون يتولى مهمة تقديمهم إلينا صحافي (فردي جونز) متنقلاً بينهم أحياناً ومشاركاً عالمهم أحياناً أخرى. يقطع فيلليني مجالاً رحباً من تقديم تلك الشخصيات وأنفتها ومشاعرها بينها وبين بعض، ومن استلهام رسوم كوميدية هازئة وانقادية من تصرفاتهم من قبل أن يضعهم جميعاً أمام تجربة مختلفة. فقد اعتلى السفينة مهاجرون من الصرب هاربين من القوات النمسوية. في البداية كانت ردة الفعل بالغة التحفظ بطبيعة الحال، فالفريق الأول لا يشعر بأنه ينتمي إلى تلك الطبقة التي فرضت نفسها، لكن فيلليني يود أن يظهر بأن التقارب ممكن، وهو يختار الموسيقى وسيلة لذلك (الموسيقى التي لجأت إليها بطلة فيلمه السابق »ليالي كابيريا« جولييت ماسينا بحثاً عن الخلاص). إذ تعزف مجموعة من الصرب موسيقاها الشعبية، فيثير ذلك حماسة فناني الأوبرا المتواجدين في الطبقة العليا من الباخرة، ويبدأ على الفور نوع من التجانس الغريب بين الفريقين ينصهر في نزول الطبقة العليا إلى أرض السفينة والرقص مع الصرب مشاركين النشوة الواحدة٠


كأنما يقول فيلليني هنا بأن التقارب بين الناس يبدأ من البهجة ونشوة الفن. فيلليني الفنان يدرك أن فنه ليس حكماً طبقياً، ويرى بالتالي أن كل فن أمر ممكن لأي طبقة، ويجد حتى في غناء الأوبرا وصوت أفران السفينة وآلياتها إيقاعاً يخدم منحاه. الموسيقى التي يستخدمها هي وسيلة التواصل المنشود في عالم فيلليني القائم على الاستعراض والفن والدهشة. لكن ليس هذا، على محتوياته، ما يجعل «السفينة تمضي» أحد أفضل أعماله كلها، ربما حقيقة أن تلك المشاهد الراقصة أو الغنائية التي تأتي كل مرة لتمثل قمة المشاعر التي في بال أو ذات شخصياته (وهي ناجحة للغاية في هذا التمثيل) تصعد بالفيلم إلى أعلى من مستوى العديد من المشاهد الأخرى. هذا يعني أن فاصلاً فاتراً يمر بين المتفرج وبين الفيلم في تلك المشاهد المتفرقة عندما يكون من المفترض أن تمضي الرحلة على وتيرة سرد خافتة. إنما هذا بدوره أمر نسبي، فنحن لسنا أمام فيلم تشويقي لا يجب أن يفتر في إثارة المتفرج طوال الوقت، بل أمام عمل تأملي، مرح، انتقادي ساخر واستعراضي. عمل فني متكامل من مخرج لا يحتاج إلى أن يبرهن عن قدراته وعن إمكانياته بل تجاوز منذ زمن بعيد هذه الرغبات وصار، مثل أي فنان، لا يبحث سوى عن التعبير عن فنه والتمتع بمواهبه في تأليف الفيلم الذي يحققه، على هذا الصعيد فيلم فيلليني يعكس تاريخه كاملاً٠

ما نتابعه إلى جانب القصة (تحت إنذار سفينة حربية يهجر الصرب سفينة الركاب لكن أحدهم يلقي بقنبلة على السفينة العسكرية فترد تلك بتوجيه ضرباتها إلى سفينة فيلليني فتغرقها لكننا نعلم أن الجميع قد نجوا) هو تأكيد فيلليني على النواحي السينمائية الصانعة للفيلم. ففي الوقت الذي يستعرض فيه الأحداث والشخصيات، يستعرض أيضاً كيفية تصويره لها، يقطع على مشاهد للبحر الذي هو ليس بحراً بل غطاء أزرق متماوج مفروش أمام الكاميرا من صنع الاستديو، وإلى الشمس التي هي ليست سوى رسماً برتقالياً عند المغيب، وكما نعلم أن السفينة التي نراها تتماوج ما هي إلا هيكل فارغ. فيلليني لا يهمه أن نرى أن الفيلم ليس حقيقة. إننا ندرك أن لا شيء. حقيقياً في كل ما نراه، مع ذلك نقبله، يصيبنا مثل سهام مسحورة فنحس أن فيلليني يدلنا على أن مهمة الفنان أحياناً ليست صنع الحقيقة بل صنع الخيال الذي قد يشدنا الى الحقيقة٠
الفصل الختامي هو نهاية رحلتي السفينة والسينما. تأخذنا الكاميرا الأولى إلى ما حل ببعض ركابها، وتأخذنا كاميرا ثانية إلى رحلة نرى فيها فدريكو ومدير تصويره جيسيبي روتانو وكل الخدع التي احتلت بلاتوهات مدينة السينما. في نصف دقيقة وبحركة كاميرا واحدة يؤكد فيلليني بأن فيلمه هو عن السينما بمقدار ما هو عن الموضوع الذي عرضه. كاميرا الحقيقة تدور بين الفنيين وتتقدم نحو الكاميرا الخيالية التي جلس وراءها مدير التصوير ثم يدخل فيها. العين تلتصق بالعين والعدسة تلتصق بالعدسة ويمتزج الخيال بالواقع ويخلق فيلليني أروع لحظة سينمائية ممكنة٠

........................................................................................................
معلومات: كتب السيناريو تونينو غويرا الذي وضع للسينما نحو 100 سيناريو منفّذ آخرها »غبار الزمن« للمخرج اليوناني ثيو أنجيلوبولوس (2008). كان ».....والسفينة تبحر« آخر فيلم يصوّره الفنان جيسبي روتانو لفيلليني بعدما صوّر له سبعة أفلام أخرى قبله٠


كل ما شاهده الناقد من أفلام
Tengiz Abuladze

حياة: وٌلد في جورجيا في 31/1/1924
سنوات المهنة: 1953- 1990
أهمية: صاحب »توبة« الذي انتقد ستالين ونال جائزة لجنة التحكيم الكبرى في كان٠
The Film Encyclopaedia حتى المرجع الذي يعود إليه الكثيرين من أهل الوسط
لا يحتوي على معلومات حول تنغيز أبولادزه، المخرج الجيورجي الذي حقق فيلما حقق الفيلم الرابح جائزة
Repentance لجنة التحكيم الكبرى »توبة« ٠
درس المسرح أوّلاً ثم السينما وتخرّج سنة 1953 حيث انشغل بتحقيق أفلام وثائقية لأكثر من عشر سنوات. في العام 1968 أخرج أول فيلم روائي له وهو »إلتماس«. أفلام أبولادزه القليلة نسبياً (13 في المجموع) بقيت مجهولة في الغرب الى أن ارتفع إسم المخرج سنة 1984 حين أنجز »توبة« الذي كان أحد أوّل الأفلام الإنتقادية للفترة الستالينية التي يٌُسمح لها بالعرض التجاري في تلك الآونة مع الإنفتاح الحاصل في البلاد٠

Repentance (1984) ***
على مستوى عال من الجمال في بعض الأحيان مع ضعف في السياق الدرامي في أحيان موازية. الموضوع يدور حول محافظ بلدة صغيرة في جورجيا يتمتّع بكافة المواصفات التي تجعله صالحاً لدور دكتاتوري على مستوى المنطقة او الدولة٠ إنه صورة مصغّرة لستالين (الجيورجي المولد أيضاً) تكمن فيه بذور الرغبة في السٌلطة الفردية . يبدأ الفيلم من نهاية تلك الشخصية. لقد مات. وها هم أقاربه ومعارفه وآخرون يودّعونه في جنازة حافلة٠ لكن ڤارلام (كما يؤديه أڤتاندي مخارادزه جيداً) يظهر لذويه في اليوم التالي، ثم في أيام لاحقة أخرى٠ يتم تقديم »الجثّة« الى المحكمة ويبدأ الفيلم بالإستماع الى شهود الذين يعرفونه عن كثب ممن عانوا من حكمه حيث تتبدّى مساوئه في مشاهد استرجاعية عديدة٠ أبالادزه كان عليه الإستعانة بمشاهد سوريالية- فانتازية لتقديم مثل هذه الحبكة السوريالية بدورها. ما ينقص الفيلم هو القدرة على الربط الصحيح بين المشاهد القصصية كأحداث وبين تلك الواردة كخيالات جانحة. هذا النقص يجعل العمل يبدو أقل قدرة على تجسيد الرسالة المرغوبة على نحو مؤثر عوض الإكتفاء باستعراضها ضمن حالات ورؤى فنية لا تخلو من التكرار. أيضاً، عدم وجود تلك القدرة على سرد القصّة المنشودة بذات التأثير الكامن في تصوير مشاهده الفانتازية يجعل العمل بأسره غير متوازن. في حين ان المشاهد السوريالية فاقعة، بالونية ومثيرة، تأتي المشاهد التي عليها أن تتقدّم بالقصّة فعلياً رتيبة معظم الأحيان وغير منفّذة بذات القدر من العناية٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


2 comments:

فادي ناصر said...

الصفحة مليئة بالمعلومات القيمة. الوسط جيد لنقد الافلام ، و يبقى الجوانب - يمين و يسار- لعرض الاعمال الحديثة و ما الى هنالك.
أنا حقاً استمتع بالاطلاع على هذه الصفحة النادرة و المتجددة دائماً بأفلام حديثة و قديمة

مع تمنياتي لك بمزيد من العطاء

MOHAMMED ROUDA /مُحمد رُضا said...

شكراً يا أخ ناصر
الفكرة الأساسية من وراء هذه المدوّنة هي أن تطرح الأفلام من كل الجوانب والإتجاهات والأزمنة. الأفلام هي العالم الذي أفضله على العالم الذي نعيش فيه. إنها مرآة كبيرة يقف المبدعون أمامها ويعكسون ما يرغبون٠ شكراً لتحيّتك وآمل في أن تزور هذا الموقع دائماً وأن تكتب إذا ما لاحظت تقصيراً او رغبت في تعليق او سؤال٠
محمد رضا

Hour of the Wolf

Hour of the Wolf   ( 1968 ) ****   إمرأة تحكي عن زوجها الذي اختفى داخل ذاته  محمد رُضا « ساعة الذئب » هو من بين أهم ...