فيلم ريدر كافيه

الوضع الغريب لتوني إردمان


شاهدت «توني إردمان» مرّتين، الأولى في مهرجان "كان" والثانية عندما كان لابد لي من مراجعة رأي سلبي كوّنته في المرّة الأولى بعدما وجدت أن حماسة النقاد الغربيين للفيلم فائقة وبدرجة غير اعتيادية. المشاهدة الثانية أكدت استنتاجات الأولى: هو فيلم ثرثرة حوارية طويل مؤطرة بكادرات شغل تلفزيوني ومعالج بقدر كبير من الإسترسال حول نقطة لا تنتهي.


لكن هل يعقل أن يكون ناقد واحد، أو بضعة نقاد، على حق والمعظم الكاسح على خطأ؟ الجواب أن المسألة ليست من هو صاحب الرأي الصحيح مقابل من هو صاحب الرأي الخطأ، وبالتاكيد ليست المسألة نسبية. هناك الكثير من الأفلام التي تنال إعجاب ناقد ما ليجد نفسه وحيداً فوق جزيرته بينما يرى النقاد الآخرون أن الفيلم لا يستحق أي إعجاب يذكر، والعكس صحيح كما في حالة «توني إردمان».


نعم، هو نظرة (شبه) كوميدية سوداء عن أوروبا اليوم (متمثلة بألمانيا تبعاً لهوية بطليه الأب وإبنته) وعن إختلاف الأجيال لكن من بعد نصف ساعة من تداول هذه النقطة الباقي هو إسترسال مع قليل مما يمكن البناء عليه. حتى مع التقدير لهذا المضمون ولما سعت المخرجة مارن أدَ لإنجازه على صعيد تقديم مواقف تحمل تناقضاً بين الجيلين والمفهومين، إلا أن الفيلم ليس المضمون إلا بمقدار. الأهم هو كيفية معالجة هذا المضمون وإذا ما تم صنع فيلم جيد عنه أم لا.


معظم ما هو منشور من مقالات إعجاب لهذا الفيلم قائم على الإعجاب بالفكرة وبالمضمون مع إعتراف البعض بأن الفيلم (قرابة ثلاث ساعات) أطول قليلاً مما يجب. كما لو أن هذه النقطة بالتحديد أطول قليلاً») ليست ذا أهمية عندما تبحث في المدّة التي استغرقتها المخرجة للوصول من أ إلى ب.


Wednesday, April 3, 2013

الفيلم الأسباني الصامت: "سنووايت": سينما ترفض أن تنطق


Year 6 | Issue 791

سينما 2013 | محمد رُضــا                                                             
"سنو وايت" صامتة في سينما ترفض أن تنطق 

  

جمهور المهرجانات والصالات المتخصصة في دبي وبيروت ربما تعرّف مؤخراً على أغرب فيلم تم إقتباسه عن الرواية الكلاسيكية «سنو وايت» كما وضعها الألمانيين ولهلم وجاكوب غريم قبل مئتي سنة (1812)، فهي كانت محط إهتمام السينما من العام 1913 (فيلم أميركي قصير) ثم فيلمان متوسطي الطول سنة 1916 ثم توالت الأفلام متتابعة إلى أن برز من بينها «سنو وايت والأقزام السبعة» الذي أنتجته شركة وولت ديزني كرسوم متحركة سنة 1937. وفي العام الماضي أقدمت هوليوود على تحقيق فيلمين مستوحيين عن الرواية ذاتها «مرآة مرآة» للمخرج تارسام سينغ داندوار وبطولة جوليا روبرتس في دور الملكة المستبدّة التي تريد قتل الأميرة سنو وايت (ليلي كولينز). الثاني كان «سنو وايت والصياد» لروبرت ساندرز والدور الأول مُـنح لتشارليز ثيرون بينما لعبت كرستين ستيوارت دور الأميرة.
الفيلم الغريب هو أسباني للمخرج بابلو برغر وسبب غرابته هو أنه الوجهة المختلفة تماماً عن الحكايات الترفيهية التي سادت معظم الإنتاجات السابقة. إنه التضاد الخلاّق حين يكون قصد الفنان إنجاز إقتباس يمهره بتوقيعه وليس بتوقيع الجمهور الباحث عن التسلية. 
وما سبق  ليس الإختلاف الوحيد، بل هو  يختلف أساساً في أنه استوحى القصّـة في مكان طبيعي جدّاً زماناً ومكاناً ولم يعمد إلى أي من المؤثرات البصرية. ونقل القصّـة إلى الجنوب الأسباني تبعاً لإعجاب المخرج بالمكان وثقافته.
وعلى نحو مواز في أهميّته حرص المخرج على تحقيق فيلم صامت علاوة أيضاً على أنه بالأبيض والأسود. بذلك هو ثاني فيلم صامت تم إنتاجه في العامين الماضي والحالي بعد «الفنان» لميشيل هازانافيزيوس الذي نال أوسكار أفضل فيلم في مطلع هذه السنة.
«سنو وايت» ليس تقليداً. برغر قبل سنوات حضر مهرجان سان سابستيان الأسباني وشاهد فيلم أريك فون ستروهايم «جشع» الذي كان صامتاً بالضرورة كونه أنتج سنة 1924، أي قبل ثلاث سنوات على نطق السينما. لكن منذ ذلك الحين وبرغر واقع في غرام السينما الصامتة. 

هوية مستقلة
وعلى نحو طبيعي، يختلف فيلم برغر عن ذاك الذي حققه هازانافيزيوس «الفنان». واحد من الإختلافات أن فيلم المخرج الفرنسي كان يصرخ لافتاً الأنظار إلى صمته. عامداً إلى دعاية غير مسبوقة لفيلم صامت وبالتالي منجزاً نجاحاً كبيراً. أما «سنو وايت» الأسباني فنحا بعيداً مستوحياً وضعه من رغبته في أن يكون شبيهاً كاملاً بالأفلام الصامتة بعيداً عن فعل إقحام العمل في حديث عن تلك السينما. 
نقل المخرج حكاية فيلمه إلى عالم مصارعة الثيران في الأندلس. نجم الألعاب أنطونيو (دانيال جيمينيز كاشو) يفوز بإعجاب متابعيه في ذلك الميدان لكنه يخسر حياته حين يعاجله الثور الهائج. يتم نقله إلى المستشفى حيث تعمل الممرضة إنكارنا (ماريبال فردو) وهو في حالة خطرة. في الوقت ذاته تدخل زوجته (إينما سيسيتا) المستشفى لكي تضع طفلهما. تموت بعد الوضع ويقرر أنطونيو عدم الإعتراف بطفلته وذلك حزناً على رحيل زوجته. هذه فرصة سانحة لإنكارنا لكي تتزوّج منه، وهو الذي أصبح مشلولاً مدى الحياة، لكي تسيطر على أمواله وثروته الكبيرة بما فيها قصراً كبيراً خارج المدينة. حين تصبح إبنته كارمنسيتا (صوفيا أوريا) كبيرة يتم نقلها لكي تعيش في ذلك القصر فتعاملها الزوجة الجديدة بقسوة في الوقت الذي أدرك فيها والدها مدى خطأه. إدراك متأخر فهو يموت وهي تتعرّض لمحاولة قتلها قبل أن ينقذها سبعة أقزام فتنضم إليهم إلى أن تصبح نجمة الرياضة ذاتها أيضاً. هذه ليست كل الحكاية فهناك تفاصيل كثيرة ونهاية رائعة تليق بعمل درامي ورومانسي جيّد تزيّنه موسيقا من ألحان ألفونسو دي فيلالونغا. كذلك جيّد ذلك القدر المناسب من التصاميم الفنية سواء في الملابس او في الديكور او في باقي التفاصيل الزمنية والمكانية. 
في الوقت الذي يحقق فيه المخرج عملاً أميناً أكثر من سواه للرواية الأصلية، ينطلق ليمنح عمله هذا هوية مستقلة في الوقت ذاته. يبتعد المخرج عن الإبهار بصنعته طالباً الإمعان في تجربته كما هي وكما كانت قبل نطق السينما. 
حب السينما الصامتة ليس وقفاً على هذين المخرجين وفيلميهما. هناك العديد من الأفلام التي إختار أصحابها لها الصمت ظهرت في السنوات العشرين الأخيرة. سنة 1990 تم تحقيق فيلم بعنوان «حكايات الممشى» وفي العام 1999 قام المخرج الفنلندي آكي كوريسماكي بتحقيق فيلم «جوها» مديناً للسينما الصامتة ومختاراً أصوات الحياة إنما من دون حوارات. وكذلك فعل المخرج الهندي كمال حسن قبله عندما قدّم سنة 1988 فيلماً بعنوان «بوشباك». والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين شهد أفلاماً كثيرة من بينها (وأوّلها فعلاً) «ظل مصاص الدماء» الذي احتفظ بالجو الصامت والمخيف في حكايته التي تعيد سرد واحد من كلاسيكيات سينما الرعب الصامتة «نوسفيراتو» (1922). 
ليس من الهيّـن مطلقاً تحقيق فيلم صامت، إذ على صانعيه أن يجدوا المبرر والموضوع المناسب والمعرفة الكاملة بخصائص وجوهر السينما الصامتة وكيف تختلف عن الناطقة، ثم -وبعد كل ذلك- عليهم إيجاد التمويل الذي عليه أن يقتنع أن هناك جمهوراً كافياً لإنجاح فيلم من هذا النوع.
الأسباني بابلو برغر كان محظوظاً أن وجد هذا التمويل وفيلمه يفتتح هذا الأسبوع في الولايات المتحدة، لكن ماذا عن فيلمه المقبل؟ هل سيستطيع إعادة الكرّة؟


All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013


No comments: