خمسة أفلام لخمسة نجوم ضد النجومية

لم يحدث لممثل أن أعرب عن أنه ضد النجومية لأنه في الحقيقة معها. لكن بعض الممثلين رفضوا قبول الأوسكار على أساس أنه يحوّل المواهب إلى ما يشبه سباق الجياد. التالي خمسة ممثلين مشهورين لعبوا أدواراً حاولوا فيها التعبير عن أنهم فنانون وليسوا مجرد نجوم شهرة:



مارلون براندو: Apocalypse Now رأس حليق ووزن زائد في دور قائد عسكري شرير. روبرت دينيرو: Raging Bull أدى دور ملاكم يكره نفسه وقام بزيادة وزنه لدرجة عدم اللياقة البدنية. بول نيومان: Cool Hand Luke عرض نفسه للكثير من الجهد في سبيل تمثيل دور سجين محكوم بالمؤبد بيرت رينولدز: Boogie Nights بعد جولاته كبطل دائم تحوّل رينولدز إلى ممثل مساند لأول مرة عبر هذا الفيلم سلفستر ستالون: Cop Land بحث طويلاً عن دور مختلف عن أدوار روكي ورامبو ووجده في هذا الفيلم.


Sunday, January 12, 2014

Ain't Them Bodies Saints | The Great Beauty | طيور أيلول | طالع نازل | أرق | أفلام الثمانينات الجزائرية


Ain't Them Bodies Saints    
هذه الأبدان ليست ملائكية
    *****
إخراج:  ديفيد لاوري   David Lowery
بوليسي/ تشويق [وسترن حديث] الولايات المتحدة (2013)
أدوار أولى: روني مارا، كايسي أفلك، بن فوستر، كيث كارادين.

لم تتح لي فرصة مشاهدة هذا الفيلم الا بعد إنقضاء العام 2013 وإلا لكان وجد طريقه بكل جدارة بين العشرة الأول للعام. 
هذه واحدة. مسألة ثانية أريد أن أنتهي منها قبل الإنتقال إلى نقد الفيلم هو أن الفيلم البوليسي هو من بين تلك الأنواع التي عادة لا يكترث النقاد العرب لها. طبعاً إلا إذا كان المخرج من شهرة مارتن سكورسيزي أو كوينتين تارنتينو. إما إذا كان المخرج مجهولاً أو محدوداً فإن النقد العربي لا يريد أن يعرف. وهذا ينطبق على الجديد من الأفلام وقديمها.

«هذه الأبدان ليست ملائكية» عمل رائع تكاد ثري الصورة وإيحاءاتها. هو أيضاً فيلم بوليسي ويحتوي على خط رومانسي. من ناحية تستطيع أن تعتبره فيلم نوار حديث، ولأن أحداثه تقع في بلدة تكساسية في الزمن الحاضر وتتعاطى أجواء الغرب الأميركي فهو، في شأن منه فيلم «وسترن حديث».
قبل كل شيء هو فيلم شعر. الصورة تشبه تلك التي وفّـرها ترنس مالك في «بادلاندز» (1973) و«أيام الجنة» (1978) من حيث أجوائها العامة. في التفاصيل يتجاوز ««هذه الأبدان ليست ملائكية» المقارنة الدقيقة عبر حرصه على تقديم شخصيات مفهومة الدوافع (في مقابل أسلوب مالك على تقديم الحدث مغلّـفاً بالصورة وأبعادها ووسيلته في ترتيبها بالتوالي مع الموقف الدرامي). المخرج ديڤيد لاوري ليس لديه أي شهرة مسبقة، ومن قبل حقق فيلمين لم يرهما أحد (هذا ليس فشلاً بل نتيجة الظروف والحدود الإنتاجية) والآن في فيلمه الروائي الثالث هذا يترك بصمته على نحو لم يفعله من قبل. يقدّم عملاً مبهراً في كل نواحيه ويكاد أن يكون تحفة إذا لم يكن كذلك فعلاً.
يبدأ الفيلم ببطليه بوب (كايسي أفلك) وزوجته روث (روني مارا) في حقل ما. تمشي غاضبة لأنها سمعته يقول بأنه سيغادر المكان وحده. يسترضيها. لم يقل ذلك. تخبره بأنها حامل. يفرح بعينيه. بكلماته الهادئة. تستدير ويحتضان. هما الآن ليلاً في شاحنته القديمة. ينظر إلى شاب يعبر على الرصيف المجاور. يسحب مسدساً ويتبعه. يسحب الشاب مسدّسه. 
في المرّة التالية التي نشاهد بوب وروث معاً تبعد بضع لقطات نمضيها مع شخصية ثالثة ستدخل حياتهما هي شخصية رجل الشرطة باتريك (بن فوستر). لقطات متناثرة له ولبعض أفراد الشرطة. مذياع السيارة يخبرهم بأنهم مطلوبون لحادث. يهرعون. بوب وروث والشاب الذي لمحناه لماماً هم الحادث. لقد تمّـت محاصرتهم في بيت قديم فوق رابية. الشاب ميت (مصاب) وبوب وروث يتبادلان إطلاق النار مع رجال البوليس. تطلق النار فتصيب باتريك في كتفه. ترتجف. يأخذ زوجها المسدس من يدها. يمسح بصماتها عنه ويتحمّـل المسؤولية. يرميان السلاح ويستسلمان. بوب في السجن. بعد أربع سنوات روث تعيش مع إبنتها الصغيرة في بيت مريح وفّـره لها من دون مقابل أو رغبة خاصّة رجل مسن أسمه سكيريت (كيث كارادين). بوب يهرب من السجن. باتريك المتعافى يهتم بحالة تلك المرأة ويشعر صوبها بعاطفة تستقبلها روث أولاً بلا إهتمام. بوب يلجأ إلى صديق أسود (نك باركر) الذي يأويه. 
الوضع ليس بالبساطة السابقة وهو سيتطوّر إلى ما هو أعقد. من دون ذكر تفاصيل تقضي على التفاصيل، هذا ليس فيلماً عن رجل هرب من السجن ليجد زوجته في حب رجل آخر، ولا هو عن رجل هرب من السجن لزوجة تنتظره بأحر من الجمر أيضاً. هناك ثلاث شخصيات شريرة (أحدها الممثل رامي عقاد) يديرها فجأة سكيريت ورجل بوليس لا يكل بحثاً عن بوب من زاوية أنه يؤدي عمله أساساً. بوب وسط كمّـاشة.
مثل ترنس مالك، ديڤيد لاوري من صنع تكساس. يعرف طبيعتها وبيئتها وأجوائها وينقلها إلى الشاشة إنما من دون إستعراض يوجّـه المشاهد بعيداً عن حركة الشخصيات. لو أعتنى هذا المخرج قليلاً بدوافع بعض الشخصيات (العلاقة غير المادية أو الجنسية الغامضة بين سكيريت وبوب وروث مثلاً) لكان لديه فيلم رابح على كل الجبهات. لكن حتى مع تغييب هذه الدوافع القليلة فإن الفيلم متين الصنعة يشبه في متانته تلك المرّات التي خرج فيها روبرت ألتمن  من الأماكن المغلقة إلى تلك المفتوحة (كما فعل مثلاً في «ماكاب ومسز ميلر»)
مشكلة أخرى ملتصقة بتغييب بعض الدوافع (وكلا المشكلتين كامنتان في السيناريو) هي أن بوب يبدو أضعف بقليل من أن يقوم بفعل عنيف (كالسرقة) أو إطلاق النار. صحيح أن هذا يتكشّـف لاحقاً، لكن الربط بين جوهر إنساني ما في داخله وبين تصرّفاته كان يستحق إهتماماً أعلى.
ما يقوّي الفيلم هو اللعب على التضاد: هناك رقّـة شديدة بين روث وزوجها بوب لا تتعارض وحقيقة جنوحهما للسرقة (يفسر المشهد الذي نرى فيه بوب يتبع الشاب الآخر نفسه لاحقاً، لقد اقترفا سرقة والغنيمة تصبح عنصراً في وقت لاحق)
لجانب التذكير بألتمن وماليك، هناك شيء من سينما جيمس فولي (تحديداً فيلم «من مسافة قريبة» At Close Range سنة 1986 مع شون بن وكريستوفر وولكن). لا يدّعي لاوري أنه يقتحم أرضاً جديدة تماماً، لكن سحر الفيلم كامن في التفاصيل والدقة في التصوير والإخلاص لمنحى الإيقاع وتوليف جماعي لكل العناصر المؤلّـفة للفيلم.
وفي حين أنني لا زلت لا أفهم نصف ما يتفوّه به كايسي أفلك لأنه يمضغ الكلمات ويمضغها بصوت منخفض لا تستطيع سماعه، لكنه أفضل هنا من أي وقت سابق. التمثيل بأسره من كل العاملين في هذا الفيلم متجانس والصورة الماثلة. الجميع تحت إدارة واحدة تطلب منهم تمثيلاً تحت الرادار. لكن لا يمحي المخرج شخصياتهم وأساليبهم. بن فوستر يستخدم عينيه. كايسي محرّكه العاطفي الداخلي. مارا تجسيدها المقنع للشخصية. كارادين يدرك أن شخصيته غامضة فيتماثل مع ما تعنيه تلك الكلمة وهذا ليس بالشيء الهيّـن.

المرء يتعلّـم من هذا الفيلم. يتعلّم غزل نسيج الدراما التي تحتوي البيئة كشرط. التصوير من برادفورد يونغ الذي يعد بأننا سنمسع عنه كثيراً في المستقبل. لكن ما ينفذ أيضاً إلى القلب هو الموسيقا. دانيال هارت، وهو جديد أيضاً، يستخدم الغيتار والكمان من نوع «الكانتري أند وسترن» في مقاطع موقوتة لا تفرض نفسها، ثم يستخدم لجانب آلات العزف آلة رائعة أسمها التصفيق والضرب على الساقين كما ألعاب الصغار. لا أعرف إذا ما كنت سأستطيع التفسير: هناك لعبة تعرفها البنات خصوصاً عبارة عن ضرب أيدي اللاعبات بعضها ببعض ثم لطم أعلى الساق بالتناوب قبل ضرب الأيدي من جديد. في الفيلم عوض ضرب الأيدي التصفيق بإيقاعات مختلفة وبالتناوب مع الضرب المدروس على جانبي الساق ما يصنع لحناً رائعاً. هارت يستخدمه مع الآلات القليلة التي لا يحتاج لسواها، لكنه في واحد من المشاهد على الأقل يستخدم ذلك بمفرده. 
بكلمة عمل رائع كيفما نظرت إليه.

La Granda Bellezza    
الجمال العظيم
    *****
إخراج:  باولو سورنتينو   Paolo Sorrentino
كوميديا إيطاليا (2013)
أدوار أولى: توني سرڤيللو، كارلو ڤردوني، سابرينا فيرللي.

نجمة من النجوم الأربعة  لهذا الفيلم تذهب إلى قرار المخرج سورنتينو تصوير فيلمه الجديد «الجمال العظيم» بكاميرا 35 ملم، عوض اللجوء إلى الحل السهل الذي يتراكض وراءه الجميع هذه الأيام وهو استخدام كاميرا الدجيتال. في حديث للمخرج مارتن سكورسيزي حول فيلمه الأخير «ذئب وول ستريت»، قال أنه عاين مشاهد صوّرت بالدجيتال وبالفيلم التقليدي وإختار بعد ذلك تصوير معظم العمل بكاميرا سينمائية ولو لم تكن أن الميزانية كانت وُضعت على أساس أن التصوير سيتم بالنظام الرقمي، لصوّر العمل كلّـه بالكاميرا الفيلمية.
في «الجمال العظيم» جمال صورة عظيم أيضاً. صورة نقية بألوان واضحة. لقطات ثرية التأليف تقنياً وبصرياً مع حركات كاميرا بإدارة لوكا بيغازي (55 سنة، 84 فيلماً) تعيدنا إلى أفضل ما عهدناه من السينما الأوروبية (والإيطالية تحديداً) في هذا المجال. هذا الفيلم، بكلمة الأول بين ما يمكن اعتباره أفضل ما حققته السينما الإيطالية في العام الماضي ويعرض حالياً في الصالات الأوروبية والأميركية.
يقود بطولته توني سرفيللو، وهذا الممثل حكاية أخرى تحتاج إلى وقت، لكن ملخّـصها أنه بعد سنوات عديدة من العمل بات نجماً أوروبياً مهمّ الشأن وهو في الخمسينات. هنا يؤدي دور كاتب روائي  ناجح أسمه جب غامبارديللا عاش كما كان متوقعاً منه. حفلات ورقص وعلاقات وحياة زاخرة بما يدخل في وقتنا الحالي ضمن خانة تحقيق النجاح. كما يقول معلّـقاً في مطلع الفيلم، لم يأت الكاتب من نابولي إلى روما لينضم إلى ركب المجتمع، بل «لأصبح ملك المجتمع»، ولم يهتم لحضور الحفلات بل رغب في إمتلاكها. في اندفاعه جنوح صوب التدمير يعرفه تماماً. فهو حين ورد في سن شابة إلى روما التي سرعان ما اعتنقها من دون أن يذوب فيها، كتب رواية ناجحة كبيرة واحدة فتحت له الأبواب التي أرادها. هذا كان قبل أربعين سنة (يقدّم الفيلم بطله على أنه في منتصف الستينات من العمر) لكنه من يومها لم يكتب، أو لم يكتب ما يوازيها ما جعل الوسط الأدبي والنشري يعتبره أخفق في إنجاز ما وعد به. بالنسبة إليه لم يكترث لتحقيق وعود الآخرين بل وعوده هو والتأليف لم يكن من بينها. مارس الصحافة وحقق فيها ما جلب له الحضور والتأثير الذي أراده لنفسه.
لكن جب الآن، وهو يحتفل بعيد ميلاده الخامس والستين، يطرح على نفسه (وعلينا بسبب قيامه بالتعليق المباشر) أسئلة وجدانية عما ضاع منه وعما تحقق، ليجد أن ما ضاع هو أكبر حجماً ونصيباً. هنا يشعر المشاهد بأن هذه الأسئلة المحقّـة لا يمكن أن تكون من نصيب الشخصية وحدها وأنها تأتي متأخرة عن موعدها بنحو خمس وعشرين سنة (على أساس أن أزمة منتصف العمر تكمن في الأربعين)، لكن هذا الخاطر يضمل حتى ولو كان صائباً حيال نجاح الفيلم في التعليق على روما من خلال شخصية جب، كما كان فدريكو فيلليني علّـق عليها في «الحياة اللذيذة» العام 1960.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2008- 2014
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

No comments: