فيلم ريدر كافيه

الوضع الغريب لتوني إردمان


شاهدت «توني إردمان» مرّتين، الأولى في مهرجان "كان" والثانية عندما كان لابد لي من مراجعة رأي سلبي كوّنته في المرّة الأولى بعدما وجدت أن حماسة النقاد الغربيين للفيلم فائقة وبدرجة غير اعتيادية. المشاهدة الثانية أكدت استنتاجات الأولى: هو فيلم ثرثرة حوارية طويل مؤطرة بكادرات شغل تلفزيوني ومعالج بقدر كبير من الإسترسال حول نقطة لا تنتهي.


لكن هل يعقل أن يكون ناقد واحد، أو بضعة نقاد، على حق والمعظم الكاسح على خطأ؟ الجواب أن المسألة ليست من هو صاحب الرأي الصحيح مقابل من هو صاحب الرأي الخطأ، وبالتاكيد ليست المسألة نسبية. هناك الكثير من الأفلام التي تنال إعجاب ناقد ما ليجد نفسه وحيداً فوق جزيرته بينما يرى النقاد الآخرون أن الفيلم لا يستحق أي إعجاب يذكر، والعكس صحيح كما في حالة «توني إردمان».


نعم، هو نظرة (شبه) كوميدية سوداء عن أوروبا اليوم (متمثلة بألمانيا تبعاً لهوية بطليه الأب وإبنته) وعن إختلاف الأجيال لكن من بعد نصف ساعة من تداول هذه النقطة الباقي هو إسترسال مع قليل مما يمكن البناء عليه. حتى مع التقدير لهذا المضمون ولما سعت المخرجة مارن أدَ لإنجازه على صعيد تقديم مواقف تحمل تناقضاً بين الجيلين والمفهومين، إلا أن الفيلم ليس المضمون إلا بمقدار. الأهم هو كيفية معالجة هذا المضمون وإذا ما تم صنع فيلم جيد عنه أم لا.


معظم ما هو منشور من مقالات إعجاب لهذا الفيلم قائم على الإعجاب بالفكرة وبالمضمون مع إعتراف البعض بأن الفيلم (قرابة ثلاث ساعات) أطول قليلاً مما يجب. كما لو أن هذه النقطة بالتحديد أطول قليلاً») ليست ذا أهمية عندما تبحث في المدّة التي استغرقتها المخرجة للوصول من أ إلى ب.


Friday, February 7, 2014

The Grand Budapest Hotel | '71 : نقد أفلام مهرجان برلين


Year 7 | Issue 183
أفلام مهرجان برلين - 1
 The Grand Budapest Hotel     
فندق بودابست الكبير
    *****
الولايات المتحدة | إخراج: وس أندرسن (المسابقة)

الذي صنع أفلاماً من نوعية «راشمور» و«الحياة المائية لستيف زيسو» و«دارجيلينغ ليمتد» ثم «مملكة سطوع القمر» Moonshine Kingdom وميّـزها بأسلوبه الدقيق، لا يستطيع أن يخرج عن هذا المنهج مطلقاً خوفاً من فقدان هويّـته. كل ما يستطيع فعله هو محاولة تطويره. هذا هو حال مخرج هذه الأفلام وس أندرسون في عمله الجديد «فندق بودابست الكبير» الذي افتتح الدورة الرابعة والستين من مهرجان برلين.
كالعادة هو فيلم أسلوبي منفّـذ بصرياً لاستغلال حب المخرج للتصميم المختلف: هناك المشاهد التي يلتقي فيها لون الخلفية مع لون ملابس الممثلين ولون السقف ولون الأرض، وهناك العناوين التي تظهر على الشاشة مشاركة في تأليف المشهد والبدع الصغيرة الأخرى المألوفة في أفلام أندرسون. 
أكثر من ذلك، يختار هنا الإنتقال من مقاس فيلمي إلى آخر حسب الفترة الزمنية: الستينات مصوّرة بنظام الشاشة العريض. الثلاثينات بمقياس 35 مم الأصغر من مقاس 35 مم المعمول به حالياً. 
العالم الذي يتعامل معه هذا المخرج ليس في الواقع، حتى عندما يذهب إلى الهند في «ذا دارجيلينغ ليمتد» (2007) أو إلى هذه المقاطعة غير المسمّـاة من أوروبا التي تقع فيها الأحداث ما بين الحربين العالميين وما بعد (تنطلق من اليوم ثم تزور أواخر الستينات ثم تمضي في الأمس أكثر لمشارف سنة 1932). الفندق الذي في العنوان مميّـز بقدر الفندقين اللذين شاهدناهما في فيلم «سايكو» لألفرد هيتشكوك (1960) و«اللمعان» لستانلي كوبريك (1980) لكن في استخدام مختلف، فهو ليس فيلم رعب، كحال هذين العملين البديعين، بل فيلم ذكرى وذاكرة. حنين إلى أمس يراه المخرج، وربما معه الحق في ذلك، جميلاً وشبه منزّه عن زلات البشر. إنه عن السلوكيات الإجتماعية التي تبدلت وانحدرت من تصرفاتها الدمثة وسلوكياتها المرهفة إلى ما نحن عليه اليوم. ولا تستطيع أن تخطيء المخرج في هذا الموقف فما نعيشه يتجاوب مع ما نراه على الشاشة ويؤيده. 
في ذلك الفندق نتعرّف على مالكه مصطفى (ف. موراي إبراهام) وعلى «الكونسييرج» غوستاف الذي لجانب انضباطه في العمل لا يمانع في إقامة علاقات عاطفية مع بعض نزيلاته حين تتاح الفرصة (والفرصة متاحة الآن مع نزيلة إرستقراطية عجوز تؤديها تيلدا سوينتون). إبنها (أدريان برودي) سرعان ما يتهم غوستاف بقتل والدته في تطوّر لحبكة لا تتوقف عن فتح نوافذ كل منها يطل على حبكة أصغر. قصّـة داخل قصّـة والفيلم يتمدد لكن من دون أن يفقد معناه أو متنه الأهم.
لكن في الوقت الذي يستمتع فيه البعض بكل هذا التركيب، يمكن للبعض الآخر، ولن يكون بعيداً عن الصواب، النظر إلى أسلوب أندرسون على أنه مفبرك ومتكلّـف. كلاهما يحمل قدراً مقبولاً من الحقيقة بلا ريب.


أفلام مهرجان برلين  - 2
  
 '71     
*****
بريطانيا | إخراج: يان ديمانج (المسابقة).

العنوان هو رقم العام الذي وقعت فيه الأحداث (1971) … أو لعلها لم تقع مطلقاً. فيلم يان دمانج، الذي انشغل في السنوات الأولى من مهنته بتحقيق مسلسلات تلفزيونية وأفلام قصيرة، ليس مبنياً على واقعة فعلية لكنه يستند إلى تاريخ واقعي إذ يدور خلال الحرب الأيرلندية الأهلية التي لا ريب شهدت حكايات تشابه الحكاية المسرودة هنا قسوة إذا لم تتجاوزها.
يؤسس السيناريو لشخصية بطله غاري (جاك أو كونيل) الشاب الملتحق بالخدمة العسكرية حديثاً الذي يتلقى فجر أحد الأيام الأمر بالتوجه إلى أيرلندا الملتهبة بالصراع بين البروتستانتيين المخلصين لبريطانيا والكاثوليكيين المناهضين لها. 
قبل ركوب السفينة التي ستنقل الحامية، يلاعب غاري إبنه الموجود في مدرسة داخلية والذي يخشى أن لا يعود والده من تلك الحرب. غاري يطمئن إبنه ثم ينطلق. بعد يوم على الأكثر يجد نفسه في أرض العدو. لقد حاصره الأيرلنديون عندما دخلت الحامية منطقة كاثوليكية هو ورفيق معه وانهالوا عليهما ضرباً. أحدهم أطلق النار على رفيقه لكن غاري هرب والقاتل في أعقابه. هناك مطاردة، تذكر بأسلوب المخرج بول غرينغراس في سلسلة «بورن» التشويقية،  لكنها ليست بقـوّة مونتاجه، وتقع بين عضو منظمّـة أيرلندا الجمهورية IRA وغاري الباحث عن النجاة. 
المطاردة  مفتاح الموضوع بأسره. كنه سرده. فالجندي غريب في تلك المنطقة من المدينة ولا يعرف بمن يثق به والمطاردون (إزداد عددهم طبعاً) يبحثون عنه. يلتقطه صبي صغير ويقرر مساعدته. لكن إنفجاراً يقع في المكان الذي لجآ إليه ويصاب غاري فينقله أيرلندي وإبنته خفية إلى شقّـتهما. الجنود البريطانيون يبحثون عنه من ناحية والمطاردون كذلك والعوامل والإتجاهات السياسية تتضارب بحيث تتشابك المصالح خصوصاً وإن الإدارة السياسية للحامية البريطانية لديها «أجندتها» الخاصّـة في هذا الوضع.
لمعظمه هو فيلم تشويقي مع نهاية غير مؤذية لأحد.  لكن التشويق ليس على حساب الموضوع وتشعّـباته. هذا فيلم عن معاناة فرد ويمكن قراءة معاناة الحرب الأهلية ووقعها على المواطنين. ربما ليس من المفضـّـل وصفه بأنه فيلم مضاد للحرب، إذ يأتي هذا عرضاً طبيعياً من دون جهد، لكنه بالتأكيد يصفها بالعبثية ولديه ما يقوله عن تصرّفات الجيش البريطاني منذ قيامه في مطلع الفيلم بالتراجع أمام ثورة أهل الحي تاركاً غاري لمصيره.
أسلوب العمل يعتمد على تصوير متحرك (كاميرا محمولة ومهزوزة لكنها مناسبة) ومونتاج متلاحق والمخرج يعامل الموضوع بأسره حسب الأسلوب التشويقي الملائم إنما بثقة الحريص على توظيف هذا الأسلوب لخدمة الجانب الإنساني من حياة مجنّـد يحاول البقاء حيّـاً والعودة إلى ولده في نهاية المطاف. خلال العرض ينجح المخرج في الإيحاء بأنه في الواقع وراء فيلم حربي. الإختلاف بينه وبين سواه أن الحرب هنا أهلية خمدت نيرانها قبل سنوات قليلة لتنشب في بلاد أخرى وبين مذاهب مختلفة. 



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2008- 2014
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

No comments: