خمسة أفلام لخمسة نجوم ضد النجومية

لم يحدث لممثل أن أعرب عن أنه ضد النجومية لأنه في الحقيقة معها. لكن بعض الممثلين رفضوا قبول الأوسكار على أساس أنه يحوّل المواهب إلى ما يشبه سباق الجياد. التالي خمسة ممثلين مشهورين لعبوا أدواراً حاولوا فيها التعبير عن أنهم فنانون وليسوا مجرد نجوم شهرة:



مارلون براندو: Apocalypse Now رأس حليق ووزن زائد في دور قائد عسكري شرير. روبرت دينيرو: Raging Bull أدى دور ملاكم يكره نفسه وقام بزيادة وزنه لدرجة عدم اللياقة البدنية. بول نيومان: Cool Hand Luke عرض نفسه للكثير من الجهد في سبيل تمثيل دور سجين محكوم بالمؤبد بيرت رينولدز: Boogie Nights بعد جولاته كبطل دائم تحوّل رينولدز إلى ممثل مساند لأول مرة عبر هذا الفيلم سلفستر ستالون: Cop Land بحث طويلاً عن دور مختلف عن أدوار روكي ورامبو ووجده في هذا الفيلم.


Friday, May 29, 2015

حول فيلم «الزين اللي فيك» والضجّـة المصاحبة | نقد فيلم «إبن شاوول»


أي فيلم لا يسأل يوافق
«إبن شاوول» الحقيقة المطحونة بين شريطي الصوت والصورة



 إبن شاوول |   Son of Saul       
إخراج: لازلو نَميش | Laszlo Nemes
تمثيل:  غيزا روريغ، ليفينتي مولنار، أورس رشن، تود شارمونت.
المجر | المسابقة   ★★✩✩✩
Reference n. FR 037 


حملت إلينا الأنباء أن المخرج لازلو نيميش كان مساعداً للمخرج المجري بيلا تار. في الحقيقة عمل معه مساعداً على فيلم روائي طويل واحد هو «رجل من لندن» The Man From London الذي حققه تار سنة 2007. كان ذلك فيلم تار قبل الأخير «حصان تورينو» The Turin Horse سنة 2011. كلا الفيلمان ومعظم ما أنجبه تار من أفلام هو التناقض الأقصى مع أسلوب نيميش. وحقيقة أنه اشتغل تحت إدارة تار لفيلم واحد لا تجعله طبعاً تلميذاً له. لذلك ما قيل ليس أنه لا يشكل عنصر مقارنة، بل هو غير صحيح أساساً.

«إبن شاوول» الذي أنجز الجائزة الثانية في مهرجان "كان" المنتهي قبل أيام قليلة له دعامتان برتفع بهما: الأولى أنه عن الهولوكوست والثانية أنه منفّـذ بكاميرا مصنوعة من لقطة واحدة في المفهوم. طبعاً هي مؤلّـفة من عدّة لقطات وعدّة مشاهد لكن الفيلم بلا فصول والكاميرا هي ذاتها من حيث تشكيل الصورة وحملها من مشهد لآخر بحيث تبدو كما لو كانت لقطة واحدة (على طريقة ألكسندر زوخوروف في «سفينة روسية» Russia Ark العام 2002). 
من حيث أنه عن الهولوكوست، ينضم الفيلم إلى مئات الأفلام حول الموضوع. يختلف في أنه يلقي نظرة من داخل الأفران على ما يجري. نيميش، في الواقع، انتقد فيلم هولوكوست آخر هو «قائمة شيندلر» Schindler's List الذي حققه ستيفن سبيلبرغ سنة 1993. قال لصحيفة «ذ نيويورك تايمز» أن مثل ذلك الفيلم تدور عن الضحايا على نحو تقليدي لجمهور يرتاح على هذا النحو. وأن معظم الأفلام التي تناولت الهولوكوست لم تتحدّث عن الموت بل عن النجاة من الموت. هذه الملاحظة ذاتها كان سددها المخرج سيدني بولاك في حديثه ذات مرّة.
وهو تلقّـى تهنئة من الداعي الأول للصلاة الدائمة على ضحايا الهولوكوست كلود لانزمان مخرج «شوواه» (1985) وقال أنه شاهد هذا الفيلم عدة مرات.
إذاً هو عن الهولوكوست، فهمنا. 
ومن دون أن نرفض أن الهولوكوست وقع (وسآتي على ذلك بعد قليل) فإن في نقد نيميش لسواه منعطف يتوجه النقد في نهايته إلى الفيلم. فإذا كانت معظم الأفلام الأخرى عن الهولوكوست تتحدث عن الناجين وتعمد إلى تقديم شخصيات «يسهل التعاطف معها أو ضدّها» كما يقول، فإنها تتاجر بالمذبحة. تريد تشييعها لسببين، قل لثلاثة: هناك جمهور لا زال مندفعاً لمشاهدة أفلام عن الهولوكوست (جلّـه يهود ومتعاطفون) وهناك جهة يصب فيها هذا الجهد هي الفكرة الصهيونية التي لا مانع لديها من التجارة بالدم اليهودي المراق خلال النازية خدمة لأغراضها «الإستهلاكية للهولوكوست» كما يقول المؤلف اليهودي نورمان فينكلستاين في كتابه «صناعة الهولوكوست: إنعكاسات على التجارب بالمعاناة اليهودية» (نشر سنة 2000)، فإن «إبن شاوول» يصب في الغاية ذاتها مهما اختلف
وهناك (السبب الثالث) كل ذلك الرهط من النقاد الغربيين الراغبين في الإشادة بفيلم جيّـد عن الموضوع مستغلين مواطن جودته لمنحه هالة أكبر مما هو عليه. بعض العرب صار من هذا الطابور إظهاراً للتعاطف والقدر من الليبرالية علماً بأن الأوضاع السياسية العربية أخذت تفرز من مع الفلسطينيين ومن مع الإسرائيليين تمهيداً لعهد جديد من تسامحنا نحن حيال ما أقترفته الصهيونية  من جرائم بمنأى عن إعتذار (ولو إعتذار) من قبل هؤلاء حيال كل ما قاموا به وما زالوا يقومون به من قتل وتعنيف واحتلال أملاك واقتحام أقصى الخ…

مقتل فرد واحد بلا وجه حق من أي دين أو عنصر أو هوية جريمة. مقتل يهودي واحد في أفران الحرق أو حتى برصاصة سعرها نصف دولار جريمة. لكن هناك من أحصى (ومن صدّق) أن عدد الضحايا هو ستة ملايين. لا خمسة ملايين و999 ألف و999 فرد، بل تماماً وتحديداً ستة ملايين. الرقم كبير وتم ترويجه وقبوله على هذا النحو على الرغم من أن لا أبحاث ولا إحصاءات ولا براهين تؤيده.
نعم وقع الهولوكوست، وخسارة إنسان واحد ظلماً هو فعل آثم مدان لكن التجارة بالموتى كذلك فعل آثم ومدان. «إبن شاوول» يبني بعض حقائقه على هذا القول. أي فيلم لا يسأل يوافق. إذاً في عرف هذا الفيلم «المختلف» أن هناك هذا العدد الضخم من الضحايا لكن في سياقه يقفز عن البحث ويحدد الوقائع. نسمع عبر شريط صوت ضاج مؤلّـف من وقع أقدام وأصوات حرائق وصراخ بشري ونحيب وأبواب تغلق وأخرى توصد مآل عشرات ألوف البشر. نرى من بعيد، وبشكل غير واضح، أفراناً وغرفاً وعلى نحو أقرب حشود من اليهود المقبوض عليهم قبل إرسالهم إلى النهاية الحتمية أو، كما سمّاها النازيون «الحل الأخير».
يجبرك الفيلم على أن تسأل أين يذهب كل هؤلاء الألوف إذا ما كانت الأفران حجرات صغيرة. كيف يمكن القضاء على مليون (ناهيك عن ستة ملايين) إذا كانت غرف الحرق لا تتسع إلا لبضع عشرات في وقت واحد. بالتالي، كم سيأخذ النازيون من الوقت (من السنين في الواقع) قبل أن يجهزوا على ستة ملايين بشر بهذه الطريقة. لم لم يعمدوا إلى تجميعهم في أماكن معينة ورشّـهم بالقاذفات  (لكن هذا سيأخذ أيضاً سنوات)… ماذا لو لم يكن العدد ستة ملايين؟ 
إذ يتجه التفكير الحر إلى هذا الإستنتاج، رغم أن الفيلم لا يقصده، يتبرع الفيلم بتقديم تناقض آخر: في أحد المشاهد نجد بطل الفيلم (غيزا روريغ) اللاهث طوال الفيلم لتنفيذ ما يطلب منه أو لتنفيذ ما يطلبه من نفسه (سنرى) يشترك مع يهود آخرين في نقل رماد الموتى من حيث أفرغت الشاحنات حمولتها إلى مياه إحدى البحيرات. ألم يكن من الممكن للشاحنات أن تفرغ حمولتها في البحيرة مباشرة؟
هذا ليس سؤالاً جانبياً بل في صميم بنية الفيلم. كان يمكن للشاحنات أن تفعل ذلك لكن هذا لن يكون لصالح الفيلم لأن التقسيم الوحيد الذي يتبعه هو عرض مراحل القتل النازي لليهود في الخلفية: النقل بالقطار. إدخالهم معسكرات الموت. قتلهم بالغاز، حرقهم. ثم دفن رمادهم. القصّـة هي حول شاوول الذي هو واحد من مئات اليهود المقبوض عليهم والموضوعون للخدمة في «الأوشفيتز». هم يقودون اليهود الآخرين إلى حتفهم. هم الذين ينظفون أرض المكان من الآثار. من يدفن الرفات الخ… شاوول ذات يوم يرى صبياً شاباً ما زال يتنفس. لم يمت بالغاز. يخفيه في حجرة وينطلق للبحث عن راباي يصلّـي عليه. سيمضي الفيلم من بعد ربع ساعته الأولى وحتى الدقائق قبل النهاية وهو يبحث وحين يجد يكتشف أن اليهودي الذي انقذه من الموت لكي يصلي ادعى انتمائه إلى القداسة. 
الآن لتنفيذ هذا الفيلم «عن كثب» كما قال المخرج الغى المسافات التي تقوم بها الكاميرا فيما لو قصّـت الحكاية تقليدياً. الكاميرا (والفيلم صُـوّر بكاميرا فيلم 35 مم وليس دجيتال كحال معظم الأفلام المشتركة في المسابقة) هي ذاتها، كما سبق القول، في كل مناسبة. محمولة تلحق شاوول كيفما اتجه وتصرّف. المحيط البشري عبارة عن أصوات وصور غير واضحة. فقط عندما يقترب منه أحد يصبح مثله واضحاً. لكنه هو من تلاحقه الكاميرا من مكان إلى آخر. وهو اعتاد (وكان علينا أن نعتاد) أن يسوقه أحد من عنقه أو بالقبض على أعلى سترته وسحبه. مثل كلمة واحدة تستخدمها في مقالتك حتى يصبح تكرارها آفة، يعمد المخرج إلى ذلك التصرف طوال الوقت. ليس أنه بعيد عن التصديق، لكن مثل الذي يحلف بعزيز عليه بين كل عبارة وأخرى يزيدها ويصبح المفعول الناتج أقل قدرة على التأثير.
مثل تلك الكاميرا اللاهثة أمام ووراء وإلى جانب شخصيتها الوحيدة هناك شريط الصوت المؤلّـف من مزج كل الأصوات الممكنة. في نحو منتصف الفيلم تقريباً نسمع صوت إمرأة تصرخ ووراءها مباشرة صوت طفل يبكي. إذا لم يكن هذا استعطافاً ما يكون؟
الآتي أسوأ، لأنه إذا ما كان المطلوب من كل ذلك الضجيج الصوتي والتعنيف البصري ولهاث الكاميرا وسياسة العمل بأسره إشراك المشاهد «عن قرب» في جحيم المحرقة، فهو نجح بلا ريب. لابد أن المشاهد في نهاية المطاف يدرك أنه في حضرة فيلم يريد منه أن يضع أذنه على الأرض ويفتح عيناه على آخرهما ولا يفوّت شيئاً من العذاب الكبير الذي تعرّض إليه اليهود. على أن هذا النجاح من النوع المراوغ: يقود المخرج المستعدون للذهاب معه في هذه الرحلة من أعناقهم كما يُـقاد شاوول. لا شيء للتأمل. للتفكير وكل شيء للتأكيد أن هذا الماثل هو التاريخ. هذا أسوأ ما يمكن أن يحدث للتاريخ وللفن معاً وقع الحدث على هذه الصورة (ربما) أو لم يقع (على الأرجح).
الفن هو أن يصل السارد (عبر الوسيط الذي يختاره، سينما، مسرح، رسم، موسيقا الخ…) إلى ما يريد قوله باحترام ملكية الآخرين وحريّـة تفكيرهم. ما أن يعمد إلى فرض حقيقته هو حتى يخسر الفن. بالتالي، ذلك التنفيذ الذي سطّر فيه النقاد، شرقا وغرباً، آيات من الثناء ليس سوى التكنيك المنفذ جيّـداً لكنه البعيد تماماً عن أن يكون فناً. ناقدة «ذ نيويورك تايمز» مانولا دارغيس تصف ذلك الفعل بقولها «ثقافياً مكروه»، وأنا معها.

نشجع التعليقات على أي موضوع يُـنشر هنا، ونأخذ جدياً أي سؤال يراود
القاريء. إذا ما كانت هناك صعوبة في استخدام هذا اللينك، يمكن إرسال
التعليق أو السؤال على: m.rouda@gmx.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من غير المسموح إعـادة نشر أي مادة في «فيلم ريدر» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية.
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2008- 2014
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


2 comments:

Anonymous said...

الأستاذ محمد رُضــا
لك التحية والسلام

فوجئت، وأقولها بصراحة شديدة، بهذه المقالة النقدية حول فيلم «إبن شاوول» الذي لم أراه طبعاً لكني أثق بك وبكلماتك وانت على قدر واف من الشرح والتوفيق في عرض القضية التي تتكلم عنها. لكن المدهش عندي هو أنك لا تخشى لومة لائم في زمن بات ينحني للعدو بصورة مشينة. أنا فلسطيني الأصل أعيش في المنفى (في سان فرانسيسكو) وما يؤلمني ليس فقط ضياع فلسطين- الوطن، بل ضياع اهتمام الشعبين العربي والاسلامي بفلسطين. لم يعد من الممكن قراءة حتى مقال سينما أو ثقافة عن هذا الموضوع من دون أن يحمل المهادنة والإستجابة للتغيير الحاصل في ادمغة الناس. يريدون ضياع الحقيقة وبعضهم يحمل الفلسطينيين جميعاً مأساة ما يحدث لهم من ضرر وعنف من الجميع على حد سواء، بينما الناس (ما إلها الا الله)٠ وسط هذا تأتي أنت بكلمات تنم عن سعة المعرفة وعن صدق المشاعر وتضع الحروف على النقاط في مقالتك٠

لهذا اشكرك جزيل الشكر ولو ان هذا ما عهدناه بقلمك

صبحي الزعتري- سان فرانسيسكو

Mohammed Rouda said...

الأستاذ صبحي
شكراً لما ذكرت. لم يعد لي أي إلمام منطقي بما يحدث معنا ولنا سوى أنها فترة حمقاء وسوداء نمر بها. قد لا تكون الأولى فالعرب مرّوا بها كثيراً من قبل، لكنها قد تكون الأسوأ. الحركات الدينية المتطرّفة لا تذكر شيئاً عن فلسطين أو عن القدس وهذا غريب وخطير. لا تذكر شيئاً عن العروبة وهذا أخطر. لكن ملايين العرب ما عادوا يكترثون ولو أني مؤمن بأن الغالبية (ملايين أكثر بكثير) تكترث وتدرك أن فلسطين هي الحل الفعلي والأبدي وتحريرها (أو على الأقل إرساء سلام متعادل وصادق على أساس الدولتين) هو نهاية لعصر الظلمات٠
بالنسبة للكتابات النقدية العربية المؤيدة للفيلم لكل ناقد رؤيته وهو قد يصيب وقد يخيب وقد يحكم على الفيلم من منظور البرهنة على أنه ينتمي إلى عصر التسامح والأخاء. هذا رائع لو لم يكن التسامح مطلوباً منا نحن فقط، وليس من الطرف الآخر٠

شكراً لرسالتك٠