فيلم ريدر كافيه

الوضع الغريب لتوني إردمان


شاهدت «توني إردمان» مرّتين، الأولى في مهرجان "كان" والثانية عندما كان لابد لي من مراجعة رأي سلبي كوّنته في المرّة الأولى بعدما وجدت أن حماسة النقاد الغربيين للفيلم فائقة وبدرجة غير اعتيادية. المشاهدة الثانية أكدت استنتاجات الأولى: هو فيلم ثرثرة حوارية طويل مؤطرة بكادرات شغل تلفزيوني ومعالج بقدر كبير من الإسترسال حول نقطة لا تنتهي.


لكن هل يعقل أن يكون ناقد واحد، أو بضعة نقاد، على حق والمعظم الكاسح على خطأ؟ الجواب أن المسألة ليست من هو صاحب الرأي الصحيح مقابل من هو صاحب الرأي الخطأ، وبالتاكيد ليست المسألة نسبية. هناك الكثير من الأفلام التي تنال إعجاب ناقد ما ليجد نفسه وحيداً فوق جزيرته بينما يرى النقاد الآخرون أن الفيلم لا يستحق أي إعجاب يذكر، والعكس صحيح كما في حالة «توني إردمان».


نعم، هو نظرة (شبه) كوميدية سوداء عن أوروبا اليوم (متمثلة بألمانيا تبعاً لهوية بطليه الأب وإبنته) وعن إختلاف الأجيال لكن من بعد نصف ساعة من تداول هذه النقطة الباقي هو إسترسال مع قليل مما يمكن البناء عليه. حتى مع التقدير لهذا المضمون ولما سعت المخرجة مارن أدَ لإنجازه على صعيد تقديم مواقف تحمل تناقضاً بين الجيلين والمفهومين، إلا أن الفيلم ليس المضمون إلا بمقدار. الأهم هو كيفية معالجة هذا المضمون وإذا ما تم صنع فيلم جيد عنه أم لا.


معظم ما هو منشور من مقالات إعجاب لهذا الفيلم قائم على الإعجاب بالفكرة وبالمضمون مع إعتراف البعض بأن الفيلم (قرابة ثلاث ساعات) أطول قليلاً مما يجب. كما لو أن هذه النقطة بالتحديد أطول قليلاً») ليست ذا أهمية عندما تبحث في المدّة التي استغرقتها المخرجة للوصول من أ إلى ب.


Sunday, February 28, 2016

لأندريه تيشينيه: أمّـة تاهت على طريق هزيمتها Les Égrés

"التائهون"  |  Les Égrés 
★★★★

إخراج:  أندريه تيشينيه 
فرنسا (2003) 
دراما إجتماعية (الإحتلال الألماني)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ميسر المسكي


صيف عام 1943 . الدفاعات الفرنسية والتي من المُفترَض أنها مُحكَمَة، تنهار سريعاً أمام المُناورات المُباغتة والعصرية لطوابير المدرعات الألمانية. الحكومة الفرنسية تَفرّ من باريس جنوباً نحو مدينة بوردو. الفرنسيون في حالة من الذهول والصدمة.  حالة من الضياع الكامل دفعت بعشرات الآلاف إلى تكويم ما يستطيعوا نقله فوق عرباتهم وسياراتهم و الإتجاه جنوباً وبعيداً عن تقدم الجيوش الألمانية. الكثيرون لم يكن لديهم وجهة مُحددة. هذيان فزع جمعي، غريزي يُحرك الناس دون هدف ودون بوصلة.
على طرقات النزوح الهائم تلك، يبدأ أندريه تيشينه فيلمه البديع "الضالّون" أو "التائهون". في الحقيقة تيشينه كان قد بدأ قبل ذلك بقليل بسلسلة من المشاهد الوثائقية المُكَبّرة وبالأسود والأبيض والتي يبدو جليّاً أنه أختارها بعناية لترمز لحال الأمة لحظتها ولحال شخصياته: مبان تنهار تحت القصف، جنود يفرّون بلا هوادة من خطر لا نراه على الشاشة، جندي يسقط عن جواده ويسارع للفرار من الخيالة الذين يأتون خلفه والذين يدوسون بحوافر خيولهم الجامحة الفرس الذي سقط.... هي إذاً فوضى كاملة وهزيمة مُذلّة و ضياع لا حدود له يُغلف الأمة بشكل عام كما أفرادها. أولئك الأفراد نراهم في طابور طويل من السيارات واعربات التي تجرها الخيل عالقون على طريق ريفي ضيّق. هم حُطام أمة تاهت في هزيمتها. 


الكاميرا من زاوية مرتفعة تأخذ اللقطة العامة قبل أن تتحرك نحو تفاصيل فردية تُلخص اليأس و الإحباط على وجوه النازحين..... فجأة هدير طائرة في السماء. من خلف الأشجار العالية تظهر دون إنذار لتنقضّ على طابور النازحين وتبعثرهم على جانبي الطريق....بعد ذلك ندخل في حكاية شخصية لـ أوديل (إيمانويا بيار أكثر من ممتازة) أرملة، قُتلَ زوجها في الأيام الأولى للحرب، وولديها من جهة وإيفان من جهة ثانية (غاسبار أوليل) شاب في السابعة عشرة يبدو قادراً على مساعدة الأُسرة النازحة على إيجاد حلول لضياعهم لكنه يحمل شيئاً غامضاً في حاضره كما ماضيه. أمراً مشؤوماً يثير قلق أوديل لكنها توافق على مرافقته لإنه العون الذي قد يتيح لها ولولديها النجاة. هذا التناقض في علاقة الشخصيات هوسِمة فيلم تيشينه التي تمتد على الحدث كما على الصورة. ففي إطار خلاب من الريف الفرنسي يعثر إيفان على بيت كبير هجره قاطنيه ليقيم فيه مع الأرملة وولديها. بيئة ساحرة، هادئة تجعل من المُستحيل أن يصدق المرء أن قسوة الحرب والموت يقعان على مسافة غاية في القرب. ربما عند المنعطف الأول في الغابة!
هذا التناقض أيضاً يُظلل علاقة الأرملة أوديل بالشاب، لكنه لا يمنع أن تندفع إليه في لحظة إنكسار مُطلق ليمارسان الحب في هذيان يبدو أن فيه من اللوعة أكثر مما فيه من اللهفة. ففي حالة الضياع تلك لا تبدو الشخصيات قادرة على الحفاظ على توازن المنطق و لا حتى القيَمْ. هنا جوهر فيلم تيشينيه. قد يحمل الفيلم فكرة جانبية عن إستحالة الحب في زمن الحرب. وقد يرى البعض أن "الضالون" هو عن بشاعة الحرب وإبادتها لكل ما هو جميل ونبيل. لكن،برأيي، تيشينه يروي هنا إنهيار قيم المجتمع الفرنسي وليس فقط الدولة والجيش الذين هربا تاركين الناس لتواجه ذاتها قبل أن تواجه الألمان والهزيمة.
في وقت مُبكر من الفيلم، يضع تيشينه مشهداً بالغ الدلالة عن سقوط القيم الأخلاقية للبورجوازية الفرنسية، فقبل أن تُغير الطائرة الألمانية على طابور النازحين، نرى ألأرملة وولديها في سيارة تقودها هي. فجأة يندفع جندي فرنسي جريح ويتوسل للأرملة أن تقلّه في سيارتها. تجيبه بحدةّ أن لا مكان لديها في السيارة، لكنه يُشير إلى أن المقعد الخلفي ليس فيه إلا طفلتها الصغيرة فتقول له: "لا. أبداً ليس مع الأطفال." وتتركه على قارعة الطريق. يلتفت إليها إبنها ويسألها عن سبب قسوتها فتقول له أن كل واحد عليه الآن أن ينقذ جلده بنفسه.
منظومة العلاقات الاجتماعية والقيمية والتي طالما تمسكت وتغنت بها المجتمعات البورجوازية (وخصوصاً الفرنسية) وجدت نفسها أمام الحقيقة. أمام الهزيمة. أمام الضياع.إنهارت القيم وبروتوكولاتها "الإنسانية" الحضارية. وكأن تيشينه يقول أن الإنهيار السريع للدولة كان في بعضاً سبباً ونتيجةً (في آن) لقيم وجدت نفسها على طرقات النزوح فأختارت أن تعود لقسوة الإنسان حين يبحث عن خلاصه الفردي. لا ينسى تيشينه أن يلقي بطريقة غير مُنفرة تفاصيل للتمسك بالقيم  الشكلية للبورجوازية، ففي كل مرّة تجهّز أوديل طعام الغذاء أو العشاء نراها تمدّ المنضدة بكامل "العدّة": الفوط، السكين إلى اليمين، الشوكة إلى اليسار، كؤوس الماء أمام الصحون...... هذه التفاصيل الشكلية هي آخر ما بقي (لمن بقي) من منظومة القيم التي إنهارت مع إنهيار المجتمع. فرنسا إلى اليوم لا زالت تناقش تفاصيل ذلك الإنهيار ونتائجه، من حكومة "فيشي" وتعاملها مع الاحتلال إلى ترحيل آلاف اليهود والغجر إلى معسكرات الإعتقال. حتى على المستوى الفردي لا زالت أسماء كبيرة تخضع سيرتها الذاتية إلى تساؤل أو تلميع إثر تعاونها مع الاحتلال النازي (مُصممة الأزياء الشهيرة كوكو شانيل مثلاً).
أجمل ما فيلم تيشينه هو قدرته على ضبط توازن فيلمه وأداء ممثليه. فالرواية الأدبية التي أستند إليها الفيلم (الصبي ذو العيون الرمادية) فيها من العناصر مما قد يستدرج مُخرج غير متمكن إلى دراما فاقعة أو ميلودراما سقيمة عن بشاعة الحرب. لكن تيشينه الذي كتب السيناريو بالأشتراك مع جيل توران، تَصَرّفَ بقدر غير قليل بالأحداث و بالنهاية وبظروف وخلفيات الشخصيات. أما ما سيلفتك دون ريب و بكثير من الإعجاب هو ذلك الأداء الشديد التوازن والإنضباط الذي تقدمه إيمانويل بيار. أداء يُحافظ على المشاعر تحت السطح لكن دون أن يخفيها. أداء مهم لشخصية تحاول أن تتماسك أمام تلاشي عالمها دخان الحرب ورائحة الموت. أمرأة خسرت كل شيء وهي لا تريد أن تخسر ذاتها من أجلها ومن أجل ولديها.
في مشهد النهاية التراجيدية إيمانويل بيار تُحلّق في دقائق لا تُنسى.

أندريه تيشينه (72 عاماً) أتى عالم الإخراج من صفحات النقد السينمائي، فهو من الموجة الثانية (بعد تروفو، غودار، شابرول....) التي غادرت صفحات "دفاتر السينما" لتحطّ خلف الكاميرا. في سيرته المهنية أفلام هامة مثل: "باروكو" ، "الأخوات برونتي" ، "الموعد"، "أعشاب برية"، "موسمي المُفضّل".......



No comments: