Year 2. Issue: 65 | Prince of Persia | Honey | Halfaouine | Bonnie & Clyde | Battleship Potemkin

سجل الأفلام
ABOUT SCHMIDT   | Alexander Payne (2002) ****
حول شميت | ألكسندر باين ٠
بطولة: جاك نيكولسون (الصورة)٠


أفلام العدد

  74: Prince of Persia | Mike Newell (2010) ***  أمير بلاد الفرس | مايك نيووَل
75:  Honey | Semih Kaplanoglu (2010) ****  عسل | سميح قبلانوغلو
76: Halfaouine  (1990)  ***:    حلفاوين | فريد بوغدير
77: Bonnie and Clyde | Arthur Penn (1967) ****  بوني وكلايد | آرثر بن
78:  Battleship Potemkin| Sergei Eisenstein (1925)  ***  |  
البارجة بوتمكين | سيرغي أيزنستين


Film n.  74
..................
Prince of Persia: Sands of Time ***
أمير بلاد الفرس: رمال الزمن
إخراج:  مايك نيووَل
أدوار أولى:   جايك جيلنهول، جيما أرترتون، بن كينغسلي٠
 مغامرات  فانتازية - 2010 ]٠
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رحيق من حكايات ألف ليلة وليلة يتولاّها فيلم مايك نيووَل الجديد راغباً في سينما ترفيهية ذات قيمة. هل حقق هذا فعلاً؟


في زمن مضى، كانت الكثير من أفلام هوليوود تشبه هذا الفيلم: مغامرة في التاريخ بعيداً عن الواقع، مستوحاة من رحيق الشرق وحكايات ألف ليلة وليلة، يقودها بطل وسيم مغوار واقع في حب إميرة حسناء وعلى طرف النقيض من بعض رجال البلاط الذين يخططون للإستيلاء على الحكم٠
هذا الزمن يعود في هذا الفيلم الذي أنجزه مايك نيووَل من إنتاج جيري بروكنهايمر وبطولة لفيف من الممثلين ولو أن أسماء بعضهم لم تشهد لمعانها حتى الآن. فلجانب جايك جيلنهول ورموشه الطويلة، وأرترتون وبشرتها الناعمة، ثم بن كينغسلي وصلعته المضيئة، هناك ألفرد مولينا وستيف توسانت ورتشارد كويل. هناك أيضاً مئات من المجاميع البشرية، ولو أن هؤلاء من تنفيذ الكومبيوتر غرافيكس٠

تقع الحكاية في بلاد فارس القديمة والتمهيد عبارة عن حادثة تقع بينما كان الملك شارامان (رونالد بيكاب) يجول في الأسواق حينما اعترض الموكب صبي خفيف الحركة سريع الخطا ما ساعده على الهرب من حرس الملك والمرافقين قافزاً فوق أسطح المباني وموقعاً مطارديه في مقالب أعجبت الملك فقرر أن يتبنّاه مسنداً الى شقيقه  نظام (بن كينغسلي) أمر رعايته٠ هذا الأخير يوافق والإبتسامة عريضة على وجهه. تنتقل الأحداث بضع سنوات الى الأمام وهاهو داستان (كما يؤديه جايك جيلنهول) قد أضحى شاباً وسيما تربطه علاقة مقرّبة مع الملك وولديه (تاس (رتشارد كويل) وغارسيف (توبي بيبل) ولو أن غارسيف لا يثق كثيراً به. من ناحيته، فإن دارسان ربما ينعم بالرعاية الملكية لكنه لا يزال يلعب في الشوارع مختلطاً مع أناس من العموم٠
حينما يقرر القصر احتلال مملكة قريبة أسمها ألاموت ينبري داستان راغباً في أن يكون رأس الحربة التي ستدخل المدينة للبحث عن سلاح تخفيه الأميرة تامينا (جيما أرترتون). هنا ربما خطر للمشاهد أن يقارن بين هذا المنحى من الفيلم وبين غزو العراق بحثاً عن أسلحة الدمار الشامل التي لم يكن لها وجود. لكن هذه المقارنة ليست ذات شأن حتى ولو كانت مقصودة، لأن داستان سيجد السلاح الذي يبحث عنه والذي لا تستطيع الأميرة التخلّي عنه. وهو ليس سلاحاً بالمعنى التقليدي للكلمة، بل خنجر له زر في أعلاه، إذا ما ضغط حامله عليه استعاد الزمن الذي يريد٠
قبل أن يرى  القاريء في الفيلم بعداً في  مسألة الحدثية وما بعدها ووراءها، نذكّر أن المسألة بأسرها لا علاقة لها بأي نظريات ومفاهيم من هذا النحو. كذلك هو تذكير لمن سيعتقد أن فيلماً عن موضوع فارسي لابد له أن يكون إما مع الفرس (وبذلك مع إيران اليوم) او ضدهم (وبالتالي ضد ايرانيي اليوم)٠ لكن المسألة ليست كذلك. الفيلم يتبلور من نقطة لقاء داستان بالأميرة تامينا الى تسلية غير مضرّة لا تحمل لا الإهتمام بثقافة تلك البلاد ولا الرغبة في تشويهها. على العكس قليلاً، هناك من سيجد الفيلم في لعبته الترفيهية إنما يُثير، بنجاح، حب هوليوود الأولى لحكايات "الليالي العربية" وهو المصطلح الذي استخدم لوصف مغامرات علي بابا والسندباد وعلاء الدين والذي يصلح لوصف مغامرات هذا الفيلم علماً بأن كل ما كان يحتاجه الفيلم لكي يصبح عربياً، هو تغيير أسماء الأشخاص والمدن، أما الخلفية والتراث والملامح والعادات والطبيعة الصحراوية فهي واحدة في خطّها الرئيسي العريض. وحقيقة أن التصوير الخارجي تم في المغرب تؤكد أن الهويّات  الخاصّة بكل جانب، ليست ذا أهمية على هذا الصعيد بسبب غلبة ما هو مشترك من تراث الأدب والتقاليد وإن باعدت السياسة عبر التاريخ بين الثقافتين العربية والفارسية ولا تزال٠
أحدى المفارقات المهمّة في هذه الحبكة  المذكورة  هي أن داستان يجد نفسه متّهماً بقتل أبيه الملك فيهرب وتلتحق به الأميرة التي تشاركه الرغبة في الحفاظ على ذلك الخنجر  الثمين الذي  يصبح محط محاولات جهات مختلفة  للحصول عليه.  وحسب السيناريو  المناسب فإن هذه المحاولات تضمن المزيد من المغامرات ومشاهد الأكشن والحركة. ومن دون أن أكشف التفاصيل، سريعاً ما سندلف الى قلب مؤامرة يقودها أحد المقرّبين من الملك الراحل، وعصابة تخطف المسافرين  وجنود يحاولون القبض على الأمير والأميرة والكثير من مشاهد الرمي بالسهم  والقتال بالسيف وركوب الجياد السريعة. وحين لا يبدو كل ذلك مثيراً وكافياً يتدخّل الكومبيوتر غرافيكس ليخلق مشاهد عراك ومخاطر تقع في منازلات حاسمة  ليست، نوعياً، بعيدة عن تلك التي شاهدناها في سلسلة "المومياء" ولو أنها أقل عدداً هنا مما هي في أفلام كثيرة أخرى٠

الأصل في كل هو لعبة فيديو ظهرت قبل نحو عشر سنوات والمفارقة هنا أن الزمن السالف يستمد شكله الحالي من تكنولوجيا لم تكن متوفّرة حتى لسنوات قليلة.  وبينما كانت أفلام ستيوارت غرانجر وسابو وإيرول فلين  ودوغلاس فيربانكس المتعاملة مع مثل هذه المغامرات التاريخية الخفيفة قادمة مباشرة من التراث الشرقي، نراها الآن تستمد مصادرها من وسيط تكنولوجي حديث (نسبياً إذا أردت)  ولو أن هذا الوسيط استوحاه من ذات التراث الشرقي القديم٠
 لكن هذا المصدر ليس الوحيد إذا ما تمعّن المشاهد قليلاً. ففي داخل الحبكة التي تدور حول الملك وأولاده ومن منهم يعتبر نفسه الأولى بالخلافة بالإضافة الى المؤامرة الدائرة للتخلّص من الملك وإلقاء التهمة على داستان، سيجد المرء الكثير من وليام شكسبير، وهي ملاحظة أكّدها لي الممثل بن كينغسلي ولو أنه أضاف أنه في العديد من الأفلام التي مثّلها يكمن شكسبير بين السطور٠
على الشاشة، هناك ذلك الخيط الملحمي الشكسبيري بالفعل وهو يمنح الفيلم بعض كثافته، لكن حسناً فعل المخرج نيووَل بعدم التوغّل عميقاً لأن الفيلم ليس مصنوعاً لهذه الغاية أساساً. في المقابل، يبقي المخرج، الذي من بين أفلامه الناجحة "أربع أعراس وجنازة" و"دوني براسكو" و"الموناليزا تبتسم" ثم ذلك الجزء  من مغامرات هاري بوتر الذي خرج سنة  2005 تحت عنوان "هاري بوتر وشعلة النار"، العجلة دائرة بلا توقّف طوال الوقت. لا يهم، إذا ما تأخرت قبلة البطلين الى ما قبل النهاية، ولا يهم إذا ما كانت جيما أرترتون تبدو نسخة مزوّرة من كاثرين زيتا-جونز، المهم هو أن يبقي المخرج الإيقاع سريعاً والتنفيذ جيّداً مستعينا بذاكرته من الأفلام المماثلة التي قام ببطولتها في الأربعينات والخمسينات ايرول فلين ودوغلاس فاربانكس من بين آخرين٠
في هذا الجانب يحقق المخرج نجاحاً جيّداً ونحن علينا أن نأخذ الفيلم حسب وجهته وليس حسب ما نريده أن يكون. ووجهة "إمير بلاد فارس" هي إنجاز فيلم مغامراتي تشويقي يستعير من تراث ألف ليلة وليلة وهو يفعل ذلك  راضياً أن يكون، في الوقت ذاته، هشّاً في مراحل عدّة من أحداثه. إذا ما رغبنا التحديد، فإنه المقابل المضاد لما قام به المخرج ريدلي سكوت في "روبِن هود" إذ ودّع المخرج الحكايات الخفيفة والسهلة والكليشيهات المتداولة حول تلك الشخصية، في حين يلجأ "أمير بلاد فارس" اليها باستعداد مثالي٠
لكن هذا النجاح مقرون أيضاً بالممثل جايك جيلنهال. بدنياً مناسب وقادر على إنجاز نحو خمسين بالمئة من مشاهد القفز والحراك والقتال وما شابه. عاطفياً بارد حيال البطلة ربما لأنها جميلة فقط، بينما جيلنهال نوع من الممثلين الذي يستمد جزءاً من حماسه وقوّته ممن يمثّل أمامهم. نلحظ هذا في الفيلم حيث إداءه أمام أرترتون أقل إدماجاً من إدائه أمام بن كينغسلي والآخرين٠
هذه البرودة لا تخدم الفيلم لكنها قد تمر عابرة. من يلفت النظر ويمنح العمل شخصية خاصّة هو الممثل البريطاني ألفرد مولينا في دور العربي الشيخ عمّار: ينطلق الفيلم به وهو على الجانب الخارج عن القانون، لكنه سريعاً ما يعامله كشريك للبطل ومصدر لثراء الشخصيات بحيث عدم وجوده (او وجود ممثل آخر مكانه لا يملك مواصفات مولينا) كان سيؤثر سلباً على العمل بأسره٠
في كل ذلك، يُعامل المخرج شخصياته المنتمية الى غير ثقافة صانعي الفيلم بقدر مقبول من الود ولو أنه بطبيعة الحال لن يقوم باستبعاد عنصر الشخصيات الشريرة والا لما بقي لديه فيلم يسرده بل رسالة عاطفية. لكنه بكل تأكيد يبتعد عن تلك المشاهد التي تقصد الأذى كما كان ذلك منتشراً في الثمانينات أيام "جوهرة النيل و"بروتوكول" و"دلتا فورس"٠


CAST & CREDITS
DIRECTOR:  Mike Newell
CAST:  Jake Gyllenhaal, Gemma Arterton, Ben Kingsley, Alfred Molina, Steve Toussaint, Toby Kebbell, Richard Coyle.
SCREENPLAY: Boaz Yakin, Doug Miro, Carlo Bernard. CINEMATOGRAPHY: John Seal  (Color/ 35mm). EDITORS: Mick Audsley, Michael Kahn, Martin Walsh ( 116 min),  MUSIC: Harry Gregson-Williams. PROD. DESIGNER: Wolf Kroeger.
PRODUCER: Jerry Bruckheimer. PROD. COMPANY: Walt Disney/ Jerry Bruckheimer [USA- 2010).


Film n. 75
.................. 

BAL ****
Honey | عسل
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  إخراج: سميح  قبلانوغلو
أدوار رئيسية: إردل بشيكجوغلو، تولين أوزن، أليف أوكارر 
دراما  [إسلام/ بيئة جبلية]  | تركيا/ ألمانيا (2010) ٠
جائزة: الدب الذهبي مهرجان برلين السينمائي الدولي (2010)٠
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في اللحظة الأخيرة من الفيلم، وعلى صورة الصبي جالساً ليلاً عن جذع الشجرة، نسمع شهيقاً قبل أن يأتينا صوت الغابة وحياتها. يوسف الصبي بات منها٠


كل أفلام المخرج سميح قبلانوغلو الأربعة السابقة ("بعيداً عن الوطن"، "سقوط ملاك"، "بيضة"، "حلبيب" تتعامل وشخصيات رجالية تجد نفسها في أزمة مع العمر التي هي فيه. وثلاثة منها، اي بإستثناء "حليب" تتعامل مع أحد الوالدين (غالباً الأب.  فيلمه الجديد لا يختلف. إنه يتعامل والعمر والأب والأم في حياة صبي. هذه الأفلام الثلاثة تشكل منحى جديداً ضمن مسيرته من دون أن تختلف عن سابقاتها. المنحى يتضمّن معالجة أوسع نطاقاً مع الرغبة في العودة الى الطبيعة ومعرفة حقيقة الحياة- تلك البعيدة عن وسائل العصر صغيرة او كبيرة٠
هي في الوقت ذاته، أفلاماً عن الشعر. "كل الشعر هو صلاة"، يقول سامويل بيكيت، وهذا واضح في فيلم قبلانوغلو "عسل" الذي ينضح بصور رائعة. صامتة او ناطقة. ثابتة او متحرّكة. متأمّلة او تثير بحد ذاتها التأمل.  فيلم قبلانوغلو من الجمال بصرياً وفكرياً بحيث لا يمكن الا أن يكون نتيجة فنان ينحني في خشوع حيال ما ينقله  من صور: الإنسان والطبيعة والعلاقات الثرية بين الأول والثاني ثم بينه وبين كل الآخرين. في الوقت ذاته ينتمي "عسل" الى فيلمي الثلاثية من خلال المعاني الكاملة في عناوينها: "بيضة" و" حليب" و"عسل" وإذا ما كانت العناوين تسترعي الإهتمام لكلماتها، فإنها تستدعي إهتماماً أكبر حين البحث في رموزها. بيضة رمز للولادة والحياة،  وحليب هو الأم  في العائلة، أما عسل فهو الأب. على بساطة هذا التوزيع يكشف كل فيلم من الثلاثية عن دلالات أساسية في هذا الترميز ودائماً من دون إقحام المشاهد مباشرة الى أي من تلك الدلالات. في النهاية لا البيضة مأخوذة ميتافيزيقيا فقط، ولا حليب وارد كرمز فقط، ولا العسل فكرة هائمة على المخرج أن يبحث عن جذورها٠
شخصياته في هذه الأفلام تتعامل والبيضة والحليب والعسل كمكوّنات حقيقية. الأم في "عسل" تصر على أن يشرب إبنها الحليب، الذي نراه في كأس. الأب يعمل في حقل العسل. وفي مكان آخر هناك بيضة فعلية.  بالإضافة الى ذلك، هناك ذلك المشهد الذي يحدد لنا معاني تلك المصادر الأساسية. هذه المكوّنات الثلاثة هي أكثر من طعام. المشهد يقع حين تقرأ  فتاة في المدرسة في كتابها فتقول: "نأكل الطعام لكي نتمتع بالطاقة. من دون الطعام لن نكون قادرين على فعل الحركة"٠
ربما هذا بدهي، لكنه في عجالة الأيام صار غير محسوب على الأطلاق. نحن نأكل لكي نسد الجوع وهذا مختلف تماماً عن فهم العلاقة بين مكنونات الحياة. في هذا الشأن الطعام هو علاقتنا بالدجاجة والغنم والنحل. ولاحظ: قبلانوغلو اختار ثلاثة أطعمة رئيسية في بناء الإنسان لا تتطلّب قتل الحيوان لجنيها. هذا ليس فيلماً بل مدرسة٠


إنه حول صبي يعيش في قرية تكمن في جبال آسيوية معزولة. عالم قائم بحد ذاته، وحسب تعبير ناقد ألماني، "قريب جدّاً منا (أوروبا) وبعيد جدّاً منّا في وقت واحد" . والده يعمل في جمع العسل من الخلايا التي يزرعها في أعالى أشجار المنطقة. في مطلع الفيلم نراه وحصانه في قلب الغابة يختار شجرة. يرمي الحبل على أحد أذرعها ويبدأ بالتسلّق ليصل الى الخلية. في منتصف الطريق على تلك الشجرة الطويلة المنتصبة بلا نتوءات او انحرافات، ينكسر الغصن الذي علق الحبل به ويجد الأب نفسه بين السماء والأرض لا يستطيع الحركة لئلاً ينفصل الغصن عن الشجرة ويسقط الرجل من ذلك العلو الشاهق٠
البداية وحدها آسرة، لكن الفيلم بعد ذلك لا يقل في مطارح عدّة وقعاً عائداً بزمنه الى ما قبل الحادثة التي يشكّل منها الفيلم بدايته٠
نتابع في بطء مقصود قصّة صبي لا يجد في عالمه الصغير ما يكفي لتحفيزه  التواصل مع الآخرين. حين يتحدّث لأبيه فإنه يهمس، وهو لا يتحدّث مطلقاً الى والدته ليس كرها لها بل تجسيداً لحالة عزوف الصبي وعالمه المتوحّد الذي يعيش فيه.  على ذلك الأم موجودة في عالم الصبي أكثر مما يتبدّى لنا في الوهلة الأولى،  خصوصاً بعد اختفاء والده حين لم  يجد الأب أن خلايا النحل التي زرعها في قمم الأشجار  القريبة  تؤتي الكثير من العسل، فانطلق الى منطقة أبعد (تلك التي شاهدناه فيها خلال المقدّمة) في تلك الجبال الأناضولية الجميلة والرهيبة معاً.  والفيلم في هذا الإطار يتحوّل (أكاد أقول سرّاً) الى رصد اليومين الأخيرين من الفيلم حيث ليس في بعد يومين تبدأ الأم بالقلق على زوجها،  ويتابع الفيلم ما تمر به العائلة الصغيرة من دون أن يفقد الصبي مكانته المتوسّطة لكل شيء. اليوم الذي يقرر فيه الأستاذ منحه وسام تقدير لا يستحقّه تشجيعاً له على تجاوز عثرات نطقه وقراءته الناتجة عن شعوره الدائم بالعزلة الداخلية، هو اليوم الذي يعود فيه الى البيت ليسمع من الشرطي فشل البوليس في العثور على أبيه. يرمي بحقيبته أرضاً وينطلق الى الغابات الكثيفة يهديه الى الطريق صقر كان أبيه قد ربّاه. لكن اللقطة الأخيرة للصبي وهو جالس مستند الى جذع شجرة وقد هبط الليل وساد الصمت وانتشر الظلام الداكن لا توحي بأنه وجد والده. ما تقترحه وضع فريد آخر:  نسمع في تلك اللحظة الأخيرة من الصورة  شهيقاً قبل أن يأتينا صوت الغابة وحياتها. يوسف الصبي بات منها٠
نشاهد الأب يصلّي في مشهد، ونسمع قراءة سورة "الناس" في مشهد آخر، وفي مشهد ثالث تتداول النساء سيرة النبي محمد، صلّى الله عليه وسلّم، مستمعات الى أم الرحلات في التاريخ، تلك التي أختير لها ليلة الإسراء فجاب مراتب الجنّة. ومع أن هذا الحديث لا يلقي بظلال موازية لما يحدث مع الصبي في عالمه ذاك، الا أنه يرصف طبيعة القرية التركية المسلمة (في عُمقها السنّي ودلالاته)  ويقدّمها بوداعة وبلا تحامل. المخرج  سميح قبلانغلو ينجز فيلما يحمل سماتاً واقعية واجتماعية ومن ضمن تلك السمات علاقة روحية قويّة بالمصدر. المشاهد الممعن إذ يعيش صوراً من الطبيعة الآسرة لابد أن يلحظ أن هناك سبباً في إمعان المخرج التقاط مشاهد من الإبداع الإلهي سواء أكان ذلك عبر مشهد نهر دافق او شتاء منهمر او أشجار باسقة وجبال شاهقة. مثل سواه من المخرجين الممعنين بنحت الزمن (أستعير عبارة أندريه تاركوفسكي) هذا الفيلم يحمل تعابيراً بلا انفعالات. حوار مقتصد وأسلوب مرئي يركّز على الشعور بالوقت والحياة وهما يتوازيان في مسيرة واحدة٠


CAST & CREDITS:
DIRECTOR: Semih Kapalanoglu . CAST:  Erdal Besikcioglu, Tulin Ozen, Alev Ucarer , Ayse Altay.  SCREENPLAY:  Semih Kaplanoglu, Orcun Koksal, CINEMATOGRAPHER: Baris Ozbicer,  [Color- 35 mm] | EDITORS:  Ayhan Ergursel, Suzan Hande Guneri, Semih Kaplanoglu (103 min). PRODUCERS: Bettina Brokemper, Semih Kapalanoglu, Johannes Rexin . PROD. COMPANY:  Kaplan Film Prod./ Heimatfilm Prods.. [Turkey/ Germany- 2010].  ‮  ‬








Film n. 76
................ 

حلفاوين: او عصفور السطح **
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  إخراج: فريد بوغدير
أدوار رئيسية:    سليم بوغدير، مصطفي عدواني، ربيعة
بن عبدالله، محمد دريس، فاطمة بين سعيدان، جمال ساسي٠
دراما اجتماعية  | تونس - 1990
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبنى الفيلم وجهة نظر بطله دفاعاً عن الحرية ضد القيود الدينية والإجتماعية، لكن بطل الفيلم لا يزال قاصراً والشخصيات نمطية ما يجعل مهمّة الفيلم محط تساؤل٠


  السؤال الذي عاش في بالي طويلاً منذ أن شاهدت فيلم فريد بوغدير "حلفاوين" في سنة إنتاجه هو إذا ما كنت ظلمته حين اعتبرته تجييراً لموضوعه أكثر منه طرح يؤمن بقضيّته. إنه ليس سؤال هيّن، وحين كتبت عنه مرّة واحدة إثر مشاهدته، ذكرت كيف أن تلك المشاهد للنساء في الحمّام وذلك الطرح الجريء لموضوع الصبي الذي يريد أن يتخطّى الحاجز ويصبح رجلاً متعرّفاً على الجنس الآخر في حاجة ملحّة، لا تترك في الذات سوى الشعور بأن الرغبة هنا هي استعراضية وبالتالي استغلالية تأخذ جوانب يعتبرها الفيلم  عيوباً ويطرحها على هذا الأساس عوض أن يسعى لفهمها والتعامل معها ضمن نظرة متوازنة٠
المشاهدة الثانية، بعد كل هذه السنين، أثبتت ما ذهبت إليه من اعتقاد في المرّة السابقة وأضافت أسباباً سينمائية وفنية عامّة تجعل من ذلك الإعجاب الذي حظي به حين خرج للعروض الأولى آنذاك حصيلة عاطفية وشعور بالجرأة وضرورتها، أكثر من تحليل فعلي لتكوين الصورة ولقصور الكتابة خصوصاً لناحية الشخصية الرئيسية٠
عين المخرج بوغدير كما كلمات كاتب السيناريو نوري بوزيد على التابووات التي يريدان تهشيمها وإظهار أن عورات المرء ليست عورات الا بقدر ما يعتبرها المجتمع كذلك. وللتأكيد يفتح على حمّام تونسي ويترك للكاميرا التقاط أجساد النساء العاريات الا من ثياب تحتية قليلة او ملابس شفّافة تبرز أكثر مما تخفي. إنه الحمّام الذي لايزال بطل الفيلم نورا (سليم بوغدير) لا يزال يؤمه مع والدته رغم شكوى المسؤول عن الحمّام كون نورا في الثانية عشر من العمر- السن  الحرج على نورا وعلى النساء في الداخل على حد سواء. لكن والدته، من دون سبب ظاهر سوى حبّها لإبنها ذي الإسم الأنثي، تصر على ذلك. نورا يدخل وعيناه تبصبصان على أجساد النساء وأثدائهن وأردافهن ويخرج من الحمّام ليروي لأصدقائه ممن لا يستطيعون دخوله ما شاهده٠
المسألة هي أن نورا فتح عينيه على عالم يأسره ويدرك أنه عالم مرتبط بخطوته التالية التي لابد منها وهي الإنتقال من الصبا الى الرجولة. والفيلم ليس لديه الكثير ليقوله خارج هذا الموضوع. كل الأحداث التي تتوالى هي حول نورا والجنس وسبل الصبي للحصول عليه. والده متزمّت في هذا الشأن ويرى في مخالطة الصبي لنساء البيت (الأم والعمّة والخادمة اليتيمة) ما يدعو للحذر والمعارضة. ورد الفعل السريعة ضد هذا الأب وتعاليمه هو ما يراهن الفيلم عليه ويحصده من اولئك الذين فسّروا المسألة على أنها طرح لموضوع  التزمّت غير المسؤول حيال الإنتفاح الجنسي الذي هو حق للجميع. هذا الطرح في الواقع ليس موجوداً وإن كان فليس موجوداً كما يجب٠ يتكوّن الطرح الحقيقي من تأمين كل الدوافع والمبررات واستبعاد عنصر الموقف الكاريكاتوري، وهو ما لم يعمد المخرج اليه. على العكس، كل الشخصيات التي ترى الحياة من منظار نورا جيّدة بمن فيهم السكرجي صالح (محمد دريس) الذي يعبّر عن المثقّف السياسي المبعد. كل الشخصيات التي تعارضه هي كاريكاتورية جاهزة لكي يمضغها الفيلم في سخريته بما فيها الأب والشيخ. وحين الوصول الى الشيخ فإن الصورة جاهزة:  متأبط ذراع الجهل والسلفية ويرى في كل اختلاط أمراً مريباً  يدعو الى التدخل لدى الأب لكي يعلّم إبنه بعض الأصول والأب يستجيب٠
حتى لو اعتبرنا هذه النماذج هي هكذا، موجودة كما تم تقديمها هنا، وهي لابد كذلك، فإن الأمانة تقتضي بالتحري حيال ما تتشكّل منه الصورة: هل كل شيخ أبله؟ هل كل أب متشدد؟ هل كل مثقف سكير؟ ثم ما هي تلك النمطيات التي يسعى الفيلم الى الأخذ بها عنوة عن الرصد الواقعي والتحليل الحقيقي للبيئة؟


خطأ الفيلم هو أن استعد للوقوف وراء نورا طوال الوقت مهما كان الثمن. والثمن هو تصوير البيئة الإسلامية على ضوء غير صائب لأنه في مواجهة الأنماط التي اقتطعها المخرج وكاتبه من المجتمع كما لو كانت تعبيراً كليّاً عنه، هناك نماذج أخرى مختلفة. كذلك فإن المسألة في صميمها لا تبتعد كثيراً عن موقف الأب: صحيح. خطر انحراف صبي في ذلك السن عبر اختلاطه بالنساء (نورا لا يهمّه اللعب كثيراً مع اصدقائه ولا الجلوس مع الرجال) هو عال. طبعاً طريقة تقويم الأب لإبنه ربما لم تعد مقبولة، لكن حتى تصبح الصورة التي يعززها الفيلم مقبولة بدورها لابد من استشراف زواياها أكثر للحيلولة دون الجاهز والكاريكاتوري من التقديم٠
الى ذلك، ليس هناك بناء للشخصيات في هذا السيناريو. كل شخصية هي بما يبدأ الفيلم بها. تطوّرها منتم الى  كيف سيؤدي المشهد الى سواه وليس تبعاً لتحليل حتى على الصعيد الشخصي. المشكلة ناتجة عن أن الكاتب نوري بوزيد (الذي ربما كان يكتب حكاية عايش بعض جوانبها) يريد صبيّاً لا يزال يستطيع أن يدخل حمّامات النساء (الشبق الصوري للفيلم وركيزته الدعائية الأولى) لذلك فإن نورا هو إبن الثانية عشر من العمر. لكن في المقابل إين الثانية عشر من العمر ربما يبدأ بالحلم رومانسياً لكنه سوف لن يسارع الخطى لكي يصبح رجلاً لأن الوسائل الجنسية لذلك ليست متوفّرة لديه قبل عامين من ذلك التاريخ بما فيها المعلومات التي يختار هو تخزينها (مراقبة والديه او قراءة المجلات او الكتب او -اليوم- مشاهدة ما قد تصل إليه عيناه على الإنترنت). لذلك فإن الكتابة، لجانب أنها لا تستند الى منطلقات تبرر شخصيّتها الأولى وأفعالها، عليها أن تجد تناقض نفسها: سن مبكر يستطيع نورا معه دخول الحمّام، ورغبة أعلى من معطيات ذلك السن لكي تكون بمثابة سكة الحديد الذي سيسير الفيلم عليها طوال الوقت٠
لو أن المخرج صرف المزيد من الوقت للتغلّب على هذه القصور وقرّر الإبتعاد عن الموزاييك الخادم لجرأة مستغلّة للإثارة الإعلامية، ولمنح الشخصيات المناهضة حقّها في أن لا تكون استثناءات سهلة، لخرج بفيلم جدير بأن يطرح نفسه كقضية٠

إخراج: فريد بوغدير
أدوار أولى: سليم بوغدير، مصطفي عدواني، ربيعة بن عبد الله، محمد دريس، هيلين كاتزاراس، فاطمة بن سعيدان، جمال ساسي، فتحي هدّاوي٠ | سيناريو: نوري بو زيد، فريد بوغدير | مدير التصوير: جورج بارسكي (ألوان- 35 مم) | توليف: ماري كرستين روجيري، مفيدة تلاتلي (98 دقيقة) | مصمم المناظر: طيب جلولي | موسيقا: أنور ابراهيم | المنتجون:  أحمد بهاء الدين عطية، حسن دلدول، سيلفان بورزتين | إنتاج: تيلي سيني فيلم [تونس- 1990 ]٠ 

Film n. 77
................ 

BONNIE AND CLYDE ****
بوني وكلايد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  إخراج: آرثر بن
أدوار رئيسية: وورن بايتي، فاي داناواي، جين هاكمَن، مايكل ج. بولارد
بوليسي [عصابات |شخصيات حقيقية | الثلاثينات] | الولايات المتحدة- 1967
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 عبر هذا الفيلم نطالع الثلاثينات في سماتها الواقعية ونقرأ الستينات في حركتها الثقافية المتمردة. الفترة التي أنجبت تحفاً لا تُنسى وحملت تجديداً في الفيلم الأميركي كان الأول من أيام غريفيث٠


آرثر بن لم يأت الى هذا الفيلم في البداية٠
وورن بايتي، بطل الفيلم لم يكن منتظراً منه أن يلعب دور البطولة٠
فاي داناواي ، بطلة الفيلم لم تكن مطروحة في البداية٠
لكن مباشرة بعد إنتاجه سنة 1967 وعرضه صيف ذلك العام (أولاً في مهرجان مونتريال الكندي ثم في الصالات الأميركية وبعدها في كل مكان) تبيّن أن الفيلم ذاته لا يمكن أن يتم تحقيقه من دون أي من هؤلاء الثلاثة٠
كتب ديفيد نيومَن وروبرت بنتون (الثاني أصبح مخرجاً لاحقاً) السيناريو تأثّراً بموجة السينما الفرنسية الجديدة ولعلّهما تخيّلا عملاً يوازي فيلم جان- لوك غودار الأول "نفس مقطوع" (1960) وفيلم فرنسوا تروفو  الثاني "أقتل لاعب البيانو" أسلوباً وتجديداً٠ لكن  تروفو  فضّل تحقيق فيلمه (الأقل جودة مما قيل فيه  "فهرنهايت 451). استدار المشروع صوب زميله جان-لوك غودار والإشاعة (التي تتماشى وشخصية المخرج على أي حال) هي أنه بادر إلى طلب تعديلات: بوني وكلايد سيكونان مراهقين والأحداث ستنتقل الى اليابان. المشروع كاد يسقط على الأرض لولا أن تروفو ذكره أمام الممثل وورن بايتي الذي طلب السيناريو ليقرأه، وما أن فعل حتى ابتاعه راغباً في إنتاجه بنفسه٠
شقيقته شيرلي مكلين كانت أول من تم ترشيحها للفيلم لكنها خرجت منه حينما قرر وورن بايتي.  بعد ذلك تم التفكير بجين فوندا وآن مرغريت ولسلي كارول وسو ليون، والبديعة المنسية تيوزداي وَلد٠ لكن بايتي كان يريد نتالي وود للبطولة  وهذه كانت مثّلت أمامه فيلماً من إخراج إيليا كازان بعنوان "روعة على العشب"
سنة 1961 وخرجت بقناعة مفادها أن العمل مع بايتي صعب فرفضت٠
هنا تقدّمت ممثلة لم تكن معروفة. فاي داناواي كان لديها دورين صغيرين سابقاً. في العام 1966 لعبت في فيلم أوتو برمنجر "هاري سانداون" (بطولة جين فوندا ومايكل كاين) وفيلم "الحدث" لإيليوت سيلفرستاين (بطولة أنطوني كوين) اللذان ظهراً في العام التالي نفسه. كانت جرأة كبيرة من قِبل داناواي وجرأة كبيرة من قِبل وورن بايتي والمخرج آرثر بن٠

هذا كلّه لا يُصبغ الستينات الا من حيث أنه إذا ما كان هناك ينضح به التفكير في الإستعانة بمخرجين من صانعي السينما الفرنسية الجديدة (تروفو وغودار) من دلالة، فهو أن الرغبة كانت تمييز هذا الفيلم من جوهره وفي معالجته وأسلوبه. أمور برهن المخرج آرثر بن على إجادته فيها. العنف. الجنس. التعامل مع الواقع ومع الميثالوجيا معاً، ثم المنحى الشامل الذي لا يطلب الفيلم فيه من المشاهدين الوقوف إلى جانب بطليه مباشرة، لكنه يعرض ما يكفي من الأسباب بحيث أن الجمهور يصبح تلقائياً مع مجرمين قتلا، في حياتهما، تسعة رجال بوليس وعدد من المدنيين في سنوات نشاطهما كسارقي مصارف خلال الفترة الإقتصادية البائسة التي عاشتها أميركا في ذلك الحين٠
هناك مشهد مبكر في الفيلم (بعد اللقاء الذي يجمع بين بوني  وكلايد لأول مرّة) يتقدّم فيه كلايد (بايتي) من مزارع يملك أرضاً وبيتاً لكن المصرف أجبره على التخلّي عنهما بسبب الأزمة الإقتصادية التي أفلسته. كلايد يسأل الرجل الذي على أهبة ترك المكان في سيارة محمّلة بما استطاع استخراجه، إذا ما كان التنفيس عن نفسه بإطلاق النار على منزله بعدما آل لسواه. يوافق المزارع على الفكرة ويأخذ مسدس كلايد ويطلق رصاصة او إثنتين على البيت، ثم ينادي عامله الأسود ويطلب منه أن يطلق النار أيضاً. كلايد، يقول الفيلم عبر كاتبيه ديفيد نيومَن وروبرت بنتون (الأخير أصبح مخرجاً فيما بعد) كان يدرك ما تقوم به المصارف لذلك كان يسرقها ويعطي المظلومين والفقراء بعض أموالهم. لكن ذلك لا يجعله روبِن هود خصوصاً وأن الصراع هنا أكثر تشابكاً وتعقيداً. ما هو مقصود بذلك، وتبعاً لاستنتاج من يرى الفيلم بأكمله (صورة وبعداً وهوامش)، أن كلايد كان يسرق لأنه لص ويقتل لأنه في مهنة لها عواقبها، لكنه جزءاً منه كان ثورة إجتماعية ضد النظام. هذه النظرة تتبلور نحو ثباتها حين ندرك أن بايتي لديه التزامات سياسية يسارية عبّر عنها لاحقاً أكثر في أكثر من فيلم٠


هذا تأكد بعد نحو سبعة عشر سنة حين ذكر المخرج بن في مقابلة أجراها أن الفيلم كان "تمرّداً ضد الرجل" (الرجل المحافظ الذي به يتم بناء النظام السياسي) وأنه "قبض على روح الزمان وطبيعة الشباب الراديكالية في الستينات"٠
هذا فريد من نوعه بين الأفلام، لأن "بوني وكلايد"- الفيلم يكشف عن بناء جسر جوّي بين الثلاثينات والستينات. الموضوع والشخصيات التي عاشت في أمس عانى منه الفقراء  وجيل الهيبيين والراديكاليين والمثقّفين الذين كانوا يعارضون النظام العنصري داخل الولايات المتحدة والحرب الفييتنامية خارجها٠

إنه قصّة خارج عن القانون  أسمه كلايد بارو (بايتي) يلتقي بفتاة أميركية أسمها بوني باركر (داناواي) حينما كان يحوم حول سيّارة والدتها في المزرعة بغية سرقتها. بوني تساعده على السرقة بعدما شعرت بالإثارة نحوه حين أخبرها أنه يسرق المصارف. مباشرة في كنه ذلك اللقاء هناك الحاجة العاطفية- الجنسية المكللة، لديها، بالخطر الساحر.لكن ما لم تكن تتوقّعه لاحقاً هو أنها لن تحصل على النصف الأول من تلك الحاجة (الجنس) لأن بايتي يعترف بأنه عاجز جنسياً (ولو أنه يمارس الحب معها بنجاح لاحقاً قبيل نهاية الفيلم) لكنها ستحصل على الخطر الذي يجعلها ترتوي على نحو عاطفي شبق. الفاصل هنا هو المسدّس كآلة قتل وخروج عن القانون وتمرّد على المجتمع، وكشكل يوحي بالذكورة الرجالية، تلك التي لن تنل منه شيئاً. أعتقد أن الأصل لم يكن ذلك. لم يعاني كلايد من أي عجز، لكن الكاتبين أرادا تلوين الشخصيتين بمنحى فرويدي والخروج من الصورة المبسّطة لأفلام وشخصيات الخارجين على القانون، الى واحدة مركّبة- كما الحال في السينما الأوروبية آنذاك٠
بعد اللقاء ينطلقان لممارسة المهام ويبدآن بسلسلة من السرقات في ولايات الغرب الأميركي (كنساس، تكساس، وايومنغ) وهي الولايات التي أصيبت في ذلك الحين بالبطالة والإفلاس والفقر. ما يلبث أن ينضم إليها شاب طيّب المعشر ليس سريع التفكير أسمه س. موس (مايكل ج. بولارد) ثم تتسع العصابة لتضم باك (جين هاكمان) وبلانش (استيل بارسونز) وتدخل في معارك مختلفة مع رجال البوليس (وبعض المشاحنات فيما بينها)  قبل أن يسقط البعض في ايدي رجال البوليس الذي لم يتوقّف عن ملاحقة العصابة ويموت البعض الآخر. بفعل من خيانة والد س. موس (داب تايلور) يسقط بوني وكلايد صريع رصاص البوليس في كمين معد٠
هذا السقوط هو المشهد الأخير من الفيلم: الرصاص ينهمر عليهما وهما في سيارتهما (فورد من موديل الفترة). كلايد يخرج من السيارة والرصاص لا يتوقّف فيسقط ممتلئاً بذخيرة الرشاشات وبوني تموت في المقعد الخلفي من السيارة٠
الموت في فيلم بن ليس  فقط سقوط على الأرض. مثله في أي من أفلام سام بكنباه، هو تمثيل موت فعلي. تموت. عليك أن تمثّل ذلك ليس بإطلاق صرخة والسقوط أرضاً، بل بالتعبير عما هو الموت وكيف يأتي وكيف يصل والعنف الذي يحمله معه٠
لصالح بن كل تلك القدرة على توليف النواحي الذهنية والبصرية في مزيج واحد من المستحيل التفرقة بينها. هناك شبابية البطلين لتساعدهما على إيصال فكرة رومانسية تنجح في مقاومة كل المشاكل القائمة. وهناك المادّة ذاتها كفيلم بوليسي عصاباتي عنيف يقدر في أي مشهد الوصول الى قمّة هذا النوع من الأفلام من دون أن يخون كونه مختلفاً عما سبق تقديمه في معظم الأعمال الشبيهية (هناك فيلم  مهم في
(Gun Crazy  هذا السياق أخرجه سنة 1950 جوزف هـ لويس بعنوان  
  هناك ذلك التوليف الحاد (لديدي ألن) والتصوير الرائع الناقل أجواء المكان والزمان وواقعية الحياة والموت    الذي قام به بارنت غوفي٠ لكن الإنجاز الأكبر يبقى لآرثر بن أحد أبرز مخرجي جيله الذين حطّوا في الستينات وغيّروا وجه السينما الأميركية طوال ذلك العقد وحتى نهاية السبعينات٠
بعض الضعف في أداء داناواي من حيث أنها لا تحافظ على شخصيتها كما يفعل بايتي. بايتي في أي وقت من أوقات الفيلم هو كلايد، أما داناواي، في المقارنة، فهي بوني مختلفة من مشهد لآخر دلالة على أنها دخلت وخرجت من الشخصية تبعاً لحالة كل مشهد على حدة وما يريد أن يقول٠
العنف المسجّل على الشاشة (كذاك الذي في أفلام سام بكنباه) كان واقعياً وفي ذات الوقت يتسق مع أسلوب الكوميكس الساخر. الناس قد تموت هكذا وقد لا تموت، لكن المهم هو استعراض الموت في دقائقه وتلك الفقاعات الحمراء التي تزرع تحت القمصان بحيث تنفجر حمراء عند اللزوم٠

Movie Connections
العناوين الأصلية للأفلام التي وردت هنا وتقييمها
  • A Bout de Soufle (Breathless) | Jean-Luc Godard (1960) ***
  • Tirez sur le Pianiste (Shoot the Pianist) | Francois Truffaut (1960) ***
  • Fahrenheit 451 | Francois Truffaut (1966) **1/2
  • Splendor in the Grass | Elia Kazan (1961) **1/2
  • Harry Sundown | Otto Preminger (1967) **
  • The Happening | Eliott Silverstein (1967) ***
  • Gun Crazy | Joseph  H. Lewis (1950) ****

CAST & CREDITS
DIRECTOR: Arthur Penn . CAST: Warren Beatty, Faye Dunnaway, Michael J. Pollard, Gene Hackman, Estelle Parsons, Denver Pyle,  Dub Taylor, Gene Wilder.  SCREENPLAY:  David Newman, Robert Benton CINEMATOGRAPHER: Burnett Guffey,  [Color- 35 mm] | EDITOR :  Dede Allen (116 min). MUSIC: Charles Strouse. PRODUCER: Warren Beatty . PROD. COMPANY:  Warner [USA- 1967].  ‮ 






Film n. 78
................ 


  Bronesosets Potyomkin ****
Battleship Potemkin | البارجة بوتيومكن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  إخراج: سيرغي ايزنستين
أدوار رئيسية:  ألكسندر أنطونوف، فلاديمير بارسكي، جيورجي ألكسندروف٠
دراما [احداث واقعة | صامت | روسيا - 1925
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم ايزنستين (ايزنشتاين إذا أردت. صحيحة بكلا اللغتين)  نموذج لسينماه ولكيفية صنع فيلم باعتماد التوليف سبيلا للسرد أوّلاً. لكن هذا القول لا يخلو من تبسيط لا يستحقّه الفيلم٠


المكانة الكبيرة التي يحظى بها فيلم سيرغي ايزنستين "البارجة بوتيومكن"  (المأخوذ عن واقعة حقيقية) تجعل تناول الفيلم مسألة معقّدة. إنه فيلم  إنجاز تقني ولغوي في السينما لا ريب في ذلك، لكنه في واقعه فيلم بروباغاندا من ناحية المضمون. المشكلة هي أنه في الوقت الذي لابد فيه من الإشادة به إنجازاً لغوياً لأنه يستحق ذلك، لابد من النظر الى حقيقة أنه عمل من إنتاج السُلطة. هذا الناقد اعتاد على تفضيل الأفلام التي تعارض السُلطة: إذا كانت شيوعية او رأسمالية  او  أي من الألوان الرمادية بين الإثنين وذلك من مبدأ ان لا نظام لا يستحق أن يُعارض من منهج الباحث عن تطوير المجتمع الذي يعيش فيه صوب الأفضل. لكن هل يمكن الإستنثاء هنا؟

إنه عن السفينة الحربية الروسية المذكورة في العنوان (ربما أشهر السفن الحربية في التاريخ بسبب الفيلم) وقد عادت، سنة 1905 (حيث تكمن الأحداث) الى الشاطيء الروسي بعدما اشتركت في حرب خاسرة ضد اليابان في مطلع ذلك العقد من القرن العشرين٠
الجزء الأول من الفيلم يحمل 
  Men and Maggots الفصل الأول من الفيلم يحمل عنوان: الرجال واليرقات
  على ظهر السفينة هناك ضبّاط يمارسون اصدار التعليمات بشدّة، وجنود منهكون لا يتمتّعون بأدنى درجات التعامل الإنساني مع متطلّباتهم الأدني. لكن هذا الإنهاك، وبل بسببه، لا يمنعهم من الحديث سرّاً فيما بينهم حول الوضع على الأرض. لقد وصلهم أن الشعب هب للثورة على القياصرة مطالبين بالتغيير ومستجيبين لنداء النظام الجديد الذي سيجعلهم مسؤولين عن مصائرهم عوض أن تبقى معلّقة بمصائر أصحاب البلاد. هناك طعام فاسد منتشر فوق سطح السفينة والطبيب يوصي بأن الطعام لا يزال صحيّاً وأن الحشرات الزاحفة فوقه ليست ديداناً بل يرقات تذهب بالغسيل. بعض البحارة يرفضون تناول الطعام ويكتفون بالحساء. ينتشر الحديث بينهم حول عصيان. البحار فاكولينشوك (ألكسندر أنطونوف) يعلن أن الوضع غير إنساني ويقدّر أن الروس المحتجزين في سجون المعسكرات اليابانية يُعاملون أفضل من هذه المعاملة٠
Drama at the Harbour  الفصل الثاني: دراما في الميناء
يهدد الكابتن غوليكوف (فلاديمير بارسكي) باعدام كل من يحاول العصيان. وسريعاً ما يطلب كل من تناول اللحم الوقوف منفصلاً عن الآخرين معتبراً أن هؤلاء يمثّلون الطاعة. هذا ما يقسّم الملاحين الى فئتين، الغالبية هي التي تناولت الطعام الفاسد والأقلية (من عشرة الى خمسة عشر فرداً) رفضته. غوليكوف يأمر بإعدامهم٠
هنا،  عمد ايزنستين الى تقسيم من عنده لا يجانب الحقيقة: أصحاب المصلحة في النظام السائد متواطئون بعيداً عن نصوص الواقع: الكابتن وضبّاطه (القيادة) الطب (العلم) والراهب الأرذوكسي (الدين) معاً ضد العاديين. الأخير من خلال طلبه من المتمرّدين التوبة عن الإثم الذي ارتكبوه. إنه لقاء مصالح طبقية تخوض لعبتها ضد طبقة أخرى. يرفع الجنود أسلحتهم لتنفيذ حكم الإعدام لكن فاكولينشوك يتقدّم ويخطب في الجنود مثيراً السؤال حول حقيقة انتمائهم. هذا يترك أثره فيهم فلا يحرّك أحدهم ساكناً لتنفيذ أوامر الكابتن  وسرعان ما يؤدي ذلك الى تحوّل العصيان الى تمرد يشارك فيه الجنود ويؤدي الى مقتل فاكولينشوك حين يطلق عليه أحد الضبّاط (ربما الكابتن نفسه) الرصاص من الخلف. هذا بعد أن يحمل المتمرّدون عدداً من الضباط ويرمونهم من على ظهر السفينة. وهذا هو مصير الطبيب. أما الراهب فيتظاهر بالموت. موت فاكولينشوك  يساعد في استماتة المتمرّدين الذين يبسطون سيطرتهم على السفينة

A Dead Man Calls For Justice  الفصل الثالث: نداءات رجل ميّت للعدالة
البارجة تبحر صوب مدينة أوديسا حيث يتم إنزال جثّة فاكولينشوك ووضعها تحت خيمة منصوبة مع عبارة تقول: "قُتل من أجل طاسة حساء"٠
جثّة فاكولينشوك تجذب الناس من المارّة والمواطنين  الذين يزداد عددهم تباعاً.  جو مشحون ضد حكم القياصرة ومناوشات بين المعارضين لذلك الحكم وبعض المؤيدين لكن الغالبية (بالمئات) تبدأ التظاهر ضد النظام. سفن في البحر تتقدّم حيث ترسو بيوتمكن وتقدّم للبحارة أطعمة طازجة في بادرة تأييد للتمرّد

The Odessa Staircase   الفصل الرابع: أدراج اوديسا
يفتتح المخرج هذا الفصل بلقطات عامّة (مكسورة بلقطات قريبة كمنواله منذ البداية) للمتظاهرين على أدراج عريضة تؤدي الى الميناء. إنهم رجال ونساء وبعض الأطفال. جنود  يمتطون جياداً يقفون عند أعلى الدرج ويبدأون إطلاق النار. لقطات لنماذج من المتظاهرين الذين يهرعون محاولين اتقاء النار بينهم رجل كسيح (بلا أطراف). الجنود يطلقون النار عشوائياً على العامّة. ايزنستين يواصل عرض نماذج من الضحايا بينهم إمرأة تحمل طفلها بين يديها وتناشد الجنود "إبني مريض"، لكن الجنود يطلقون النار عليها.  لقطات للجموع تحاول الهرب متجاوزة الساقطين منهم (بعض الذين سقطوا لا يزالون أحياءاً). القوّات الحكومية المترجّلة تهبط الدرج وأحدهم يدوس يد طفل. لقطة لرجل بنظارات ينظر الى المشهد بخوف. بعد قليل لقطة للنظارات على الأرض مكسورة برصاصة اخترقتها٠
إمرأة تدفع عربة فيها طفلها. تسقط أرضاً  فتفلت العربة منها وتبدأ بالهبوط على الدرجات والطفل فيها. إنها اللقطة الأكثر حفظاً في البال بين لقطات الفيلم (رغم أنها فنيّاً على مساواة واحدة مع باقي اللقطات) كونها تكتنز وضعاً حرجاً (طفل في خطر في عربة لا يوجد من يوقفها عن الإنحدار سريعاً ما قد ينتج عنه موته) مستخدم ضمن غاية اظهار قسوة الجنود الحكوميين٠
مزيد من الجنود يصلون من أسفل السلّم ويبدأون بتصفية المزيد من المتظاهرين الهاربين٠

The Rendez-Vous with a Squadron  موعد مع أسطول
على البارجة الروسية الملاحون الجنود يبدأون بضرب المقرّات الحكومية في المدينة  قبل أن تبتعد السفينة عن الميناء لكي تتجنّب المدافع الحكومية. سفن حربية أخرى تتقدّم صوب بيوتمكن لاستعادتها  لصالح القوات النظامية. بعض الجنود ينام والاخر يحرس. في اليوم التالي تتم مشاهدة السفن الأخرى وهي تقترب من بعيد. يهب بحارة بيوتمكن للذود عن أنفسهم وسفينتهم. تبدأ السفينة بإرسال إشارات ضوئية الى بحارة السفن الأخرى تدعوهم للإنضمام الى ثورتها والسماح لها بالمرور دون التعرّض لها. وهذا ما يحدث موحياً بانتشار الثورة عرض البحر٠ 

هذا هو الفيلم الذي اعتبر، قبل خروج أعمال لاحقة لهيتشكوك وأورسن وَلز وانغمار برغمن وسواهم، أفضل فيلم في التاريخ. وما يزال بإجماع النقّاد، أحد أفضل أفلام التاريخ نسبة للطريقة التي عرض فيها المخرج موضوعه ورسالته، وهي طريقة اعتمدت المونتاج -كما يعرف الجميع- بأسلوب مبتكر. الغاية في سينما ايزنستين والمخرجين الذين صاحبوا فترته (لف كولشوف، دزيغا فيرتوف، فزيفولود بودفكين الخ...)، كانت تطويع السينما لكي تخدم الفكر الإشتراكي بالكامل. هذا يعني استبعاداً تلقائياً لفكرة أن الفن يمكن له أن يكون أساساً منفصلاً او كياناً مستقلاً بذاته. هذا لا يعني أن هؤلاء وسواهم لاحقاً، استبعدوا الفن او عملوا ضدّه، لكن ايزنستين، أكثر من أي سواه، اشتغل على موضوع المونتاج لكي يخلق الرسالة وهو لم يعمد الى مجرد التقطيع الدائم للقطات، بل سعى على جعل تواليها يؤسس السياق وعلى إحداث الصدمة لتأسيس ردّ الفعل الحاد (او الغاضب او الثوري- إذا شئت)٠
هذا الفيلم مليء بالأمثلة لأنه كليّاً مصنوع على هذا النحو، وقد حاولت تمرير نماذج خلال سرد تلخيص كل فصل من فصوله٠
لكن على أهمية ذلك، الفيلم ليس صنعة مونتاجية فقط. طبعاً أشدد على أن توالي القطع من والى موضوع مصوّر معيّن (اللقطات التي تؤلف المشهد للأم التي تقع مصابة وعربتها التي تنطلق فوق الدرج مثالاً) هو المنهج الذي قصده المخرج لإثبات رسالته وبه أنجز خطوة كبيرة الى الأمام غيرت مفهوم المونتاج الى الأبد ليس في أنحاء أوروبا بل في السينما الأميركية أيضاً. لكن هناك أكثر من مجرد مونتاج في فيلم ايزنستين هذا٠
هناك الصورة الملتقطة ذاتها. في السينما الصامتة كان لابد من الإعتماد على تعابير الوجه لكي تشارك في ايصال الغرض. هذا كان منتشراً قبل وصول ايزنستين الى السينما بفترة طويلة كونها كانت، لما بعد هذا الفيلم، صامتة عليها أن تعبّر عن نفسها بالحركة التمثيلية المباشرة (الهلع، الحزن، النشوى، كلّها بتعابير واضحة). آيزنستين استخدمها على هذا المنوال وشدد على قوّة اللقطة الواحدة قبل أن يدفعها للتآلف، والتوّلف، مع اللقطة اللاحقة معها. لو لم تكن الصورة مشدودة بعصب عاطفي وتعبيري مباشر لما أنجز التدافع المونتاجي الحاد كامل وظيفته٠ 
ليست تعابير الوجه فقط، بل قوّة المضمون  المنتشر فوق صور تعبيرية جيّدة الإنتقاء سواء تلك التي تدور في الفصل الأول لتشرح الوضع المزري للرجال، او التي تليها خلال المعركة التي تقع بين الجانبين. هناك لقطة نرى فيها البحارة يتصوّرون حالهم إذا ما تم تنفيذ حكم الإعدام بهم. استعارة خيالية منفّذة حسب شروط ايزنستين من دون جماليات.  التناقض في أسلوب المخرج هذا هو أنه لا يستطيع الا استخدام الصورة كمنطلق عاطفي أيضاً. لقطة العربة التي تنزل على الدرج بعدما سقطت الأم برصاص الجندي تأخذ بألباب المشاهد عاطفياً. كذلك الترتيب الصوري لكل شيء:
الجندي  الروسي (الحكومة، النظام، القياصرة، الطبقة الحاكمة الخ...) يطلق النار على الأم من دون دافع وبعمد مكروه = أنت ضدّه٠
تسقط الأم أرضاً جريحة وفي سقوطها تفلت العربة منها = شعور مع الأم كضحية 
لقطات للعربة وهي توالي النزول درجة درجة = شعور الخوف والخشية على الطفل٠
لقطات للمتظاهرين الآخرين ممن يشهدون الحادثة = الشعور بعدم القدرة على التدخل
هذا الشعور على عدم القدرة على التدخل له، في قواعد الفيلم، دور آخر: إنه يجيب على سؤال كان لابد سيخطر على البال فيما لو تم إهمالهم: لماذا لم يبادر أحد منهم لإيقاف العربة؟ 
العاطفة أمر لا يتطرّق إليه النقد السينمائي المتّصل بهذا الفيلم عادة، لكنه عنصر ملحوظ بدءاً من اختيار أن يتم قتل البحار الثائر فالكولينشوك من الخلف وتقدير باقي البحّارة لدوره. طبعاً، وكما الحال مع الشعور الناتج عن عدم قدرة المتدافعين الهاربين إنقاذ الطفل من مصيره، فإن الإستخدام هنا درامي ما يلغي أيضاً أصواتا  ارتفعت سابقاً عن وجود تفضيل تسجيلي للمخرج في معالجة أفلامه. الحقيقة أبعد ما تكون عن هذا الإعتقاد٠ 
كل هذا ما سيقودنا الى حيث بدأنا: ما قيمة كل ذلك إذا ما كان الفيلم بروباغاندا؟
يجب عدم الخلط بين الأمور: "البارجة بيوتمكن" بروباغاندا بالفعل، لكنها عمل فني مذهل في قوّته وهذا ما يحسب له وهو ما وضعه في صدارة الأفلام الصامتة ذات الوضع الفني الأعلى من سواها٠


CAST & CREDITS:
DIRECTOR: Sergei Eisenstein . CAST: Aleksandre Antonov, Vladimir Barsky, Grigori Aleksandrov, I. Bobrob, Mikaeil Gomorov.  SCREENPLAY:  N.F. Agadzhanova- Shutko CINEMATOGRAPHER: Eduard Tisse, Vladimir Popov,  [B/W- 35 mm] | EDITOR :  Grigori Aleksandrov, Sergei  Eisenstein (77 min). MUSIC: Eric Allaman, Yati Durant, Vladimir Heifetz.[USSR- 1925].  ‮ 


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Year: 2. Issue: 64 | NEW RELEASES: Robin Hood | Iron Man 2 | CANNES FILMS: My Joy| Outrage | Another Year

سجل الأفلام 



INTOLERANCE (1916) تعصّب  | د. و. غريفيث
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | * | ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين الأفلام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أخيراً تأكدت من أمر كنت كتبته هنا من باب الملاحظة. في العدد 49 من هذه المجلة النقدية كتبت  عن فيلم "عجمي" لمخرجيه اسكندر قبطي  (في الصورة لجانب روبرت دينيرو خلال مهرجان الدوحة السينمائي الأول)  ويارون شاني. وذكرت الملاحظة التالية: "الإنتقال من البيئة العربية بالكامل الى بيئة يهودية بالكامل (٠٠٠٠) يبدو محشوراً بسبب الطريقة التي تم فيها توليف الفيلم (وفي الأساس كتابته). إذا ما كان لديك سرد  نية في سرد جانبين متوازيين او متناقضين وكيف أنهما، كما الحال هنا، سيلتقيان عند خط معين، فإن ذلك يستدعي التمهيد للنقلة (...) حتى لا ذلك الإنتقال مفاجئاً وعلى حساب وحدة الفيلم"٠
وأكملت: "الغالب، في اعتقادي، أن اسكندر قبطي لم يكن من صوّر ونفّذ المشاهد الوديعة التي تقع في الجانب اليهودي ذاك، لهذا فإن أسلوب العمل اختلف (هذا من دون أن أعلم كيف عمل المخرجان معاً في تصوير المشاهد العربية. يا ليت السيد قبطي يكتب لي حول ذلك) وهو أمر يدعو للتمعّن كيف أن المخرج العربي سمح لنفسه بنقذ البيئة العربية، بينما لم يسمح المخرج اليهودي (شاني) بنقد البيئة اليهودية"٠
حسناً، لم يكتب المخرج قبطي لي، وبل لم يعلم بأني كتبت عن فيلمه. لكني التقيت به  قبل أيام  وسألته حول هذا الموضوع فأكّد صحة ما ذهبت إليه: نعم شاني صوّر المشهد الذي يقع في بيت العائلة اليهودية لذلك فإن إيقاع الفيلم يصبح أكثر تمهّلاً ووداعة بينما يبقى أكثر توتّراً في المشاهد التي تقع في الجانب العربي من المدينة. والكثير من تصوير ذلك الجانب وتوليفه هو نتيجة تصميم وتنفيذ المخرج الفلسطيني ما يجعل الفيلم أقرب الى التعبير الفني عن رؤيته ٠
ــــــــــــــــــــــــــــــ | * | ــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الدمج يحصل حين يقوم مخرجين إثنين بتنفيذ فيلم ما. من يستطيع أن يؤكد مثلاً كيف يتبادل الأخوين كووَن التنفيذ خلال التصوير؟ ماذا لو أعتقد إيتان أن المشهد التالي سيكون أفضل لو أنه اعتمد لقطة طويلة واحدة، في حين رأي الآخر التقطيع واجب؟ نعم يجلسان طويلاً قبل التصوير ويتّفقان، لكن من هو المسؤول عن ماذا؟ وهذا السؤال يمكن طرحه في سينما الأخوين البلجيكيين داردان او الأخوين الإيطاليين تافياني. وذات مرّة شئت أن أمزح حين شاهدت فيلماً مزدوجاً نسيت عنوانه الآن ومن أخرجه، ليس من إخراج أي من المذكورين هنا، فتخيّلت العمل بين المخرجين قائم على "لقطة منك، لقطة منيّ"٠
طبعاً لو كان هذا هو الممارس لكانت النتيجة وبالاً٠
ـــــــــــــــــــــــــــــ | *  | ــــــــــــــــــــــــــــــــ

بمناسبة ذكر الأخوين كووَن  فإن فيلمهما المقبل هو وسترن (الثاني بعد "لا بلد للمسنين" الذي هو وسترن حديث الزمن) بعنوان "جرأة نادرة"، وهو إعادة صنع  لفيلم أنجزه هنري هاذاواي بعنوان
سنة 1969 مع جون واين، غلن كامبل وكيم داربي في البطولة  True Grit
في فيلم الأخوين  يؤدي جف بردجز شخصية المقاتل العنيد التي لعبها جون واين، ومات دامون شخصية الشاب الذي ساعده في مهمّة كان يقوم بها لصالح فتاة طلبت مساعدته. دور دامون كان لعبه المغني غلن كامبل ودور الفتاة لعبته كيم داربي وتؤديه في الفيلم الجديد هايلي ستانفيلد. وأعتقد أن جوش برولِن الذي كان من وجوه "لا بلد للمسنين" يؤدي دور الشرير الأول الذي لعبه في الفيلم السابق روبرت دوفال٠
هذا سيكون ثاني فيلم يقوم الأخوين بإخراجه مأخوذاً عن فيلم سابق (ريمايك). الأول كان الفيلم
The Ladykillers  الفاشل بجدارة  "قتلة السيدة"٠
الذي تم اقتباسه عن سيناريو لويليام روس تم تنفيذه سنة 1955  فيلماً بريطانياً من إخراج ألكسندر ماكندريك وبطولة أليك غينس وهربرت لوم وبيتر سلرز وسيسيل باركر من بين آخرين. الأصل جاء أفضل من نسخة كووَن التي قام ببطولتها توم هانكس بينما كان لا يزال يبحث عن تنفيذ سليم لشخصيته. هل يكون "جرأة نادرة" كما حققه هنري هاذاواي أفضل من النسخة المقبلة؟ هذا جائز ومحتمل لكنه ليس مؤكداً بعد

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | * | ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أفلام الأسبوع

Film #  69

Robin Hood | Ridley Scott ***1/2
 روبِن هود
الولايات المتحدة - 2010 ٠
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مغامرات تاريخية [سيرة ] | فيلم جديد عن شخصية عولجت العديد من المرّات يستفيد من حنكة المخرج في هذا النوع ويبتعد عن الكليشيهات التقليدية٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


نهاية فيلم "روبِن هود" الماثل أمامنا هي بداية كل الأفلام السابقة التي تناولت هذه الشخصية التي عاشت في أواخر القرن الثاني عشر ومطلع القرن الثالث عشر. روبِن هود الذي تعوّدنا عليه هو فيما سيلي بعد انتهاء الفيلم، أما ما يسبق تلك النهاية، فهي حكاية رجل ينتقل من المحارب العادي الى المحارب ذي القضيّة الإجتماعية. من المواطن الصالح الى المواطن الذي يجد أن الطريقة الوحيدة لتخليص الرعايا الفقراء من تلك الضرائب الباهظة التي يفرضها الملك، هي قطع الطرق والإستيلاء على الأموال والثروات لتوزيعها على الفقراء والمعوزّين٠
طالما بدت الحكاية مثيرة وبطلها محق وقضيّته فيها عادلة. لكن الأفلام الأولى، سواء نسخة المخرج مايكل كورتيز سنة 1938 التي قام ببطولتها ايرول فلين  او نسخة  ألان دوان  التي أنجزها صامتة سنة 1922  مع دوغلاس فيربانكس في دور البطولة، تمتّعت بمسحات  رومانسية مناسبة  في أزمنة كان معظم الجمهور يبحث عن هذه الرومانسية في كل الأفلام المتعاطية مع التاريخ، من "علاء الدين" الى "على بابا" ومن "لص بغداد" الى لص مقاطعة نوتينغهام روبِن هود٠
  
كان عنوان الفيلم سنة 2007 حين أمّ المخرج  ريدلي سكوت العمل هو إسم تلك المقاطعة الساكسونية البريطانية. لكن المخرج، كما قال لي مؤخراً، وجد أن على الفيلم أن يفصح ما يقصده بالعنوان: "ما حاجتي لعنوان يجهله الناس وعليه أن يفسّر نفسه بكلمات أخرى؟". تغيير العنوان كان  صائباً لكنه ليس الفعل الأهم، فأفضل ما قام به سكوت هو تحويل الحكاية من محض عاطفية الى بحث في الحياة ومكوّنات الأسطورة والتعامل والتاريخ بنظرة جدالية تطرح رؤيته ورؤية العمل ككل فيما اتّفق الناس من قبل على اعتباره مجرّد حكاية قاطع طريق سليم النيّة واقع في حب إبنة السيد وولتر لوكسلي (ماكس فون سيدو) التي أسمها ماريون (وتقوم بها كايت بلانشيت)٠
الملك رتشارد قلب الأسد (داني هوستون)، عاد من توّه من الحرب الصليبية. عاد منهكاً ومتراجعاً ومهزوماً روبِن لونغسترايد، او روبِن هود كما اشتهر لاحقاً (راسل كراو) من بين الذين عادوا معه كونه خدم كجندي. هناك اقتحام لقلعة بريطانية في مطلع الفيلم تشي بما يختزنه المخرج لاحقاً من مشاهد قتال بارعة التصميم والتوليف. لكن الآن هناك نزاع بين روبِن هود الذي يلعب الثلاث ورقات، وبين محارب عملاق يتّهم روبِن بالتزوير. معركة تنشب بينهما فيمتثلان أمام الملك الذي يسأل من بدأ المعركة. ينبري روبِن لتحمّل المسؤولية فيمتدح الملك شجاعته، ثم يسأله ما رأيه بالحرب الصليبية فيقول له روبِن أن قيام الصليبيين بقتل 2500 مسلم في قلعة عكّار هي مجزرة وليست حرباً وأنها لم تكن مباركة من الله. يقول له الملك: أنت لست شجاعاً فقط، بل ساذج أيضاً ويأمر بحبسه. خلال ذلك يُصاب الملك ويُقتل وروبِن هود وصحبه (بينهم العملاق الذي كان في نزاع معه) يهربون من الإعتقال ليكتشفوا أن آل على نفسه تسليم التاج الى العائلة المالكة قد أصيب في محاولة سطو قادها المتمرّد غودفري (مارك ستون) ووصيّة هذا قبل موته هو أن يُعيد روبِن سيفه الى والده السير وولتر لوكسلي. روبِن يعد ويدفن الجثّة لكن ليس من قبل أن يرمي غودفري بسهم لامس وجهه وكاد يقضي عليه. روبِن يريد تسليم شيء آخر: التاج الملكي بات معه ويريد التوجّه به الى الأمير الشاب جون (أوسكار إيزاك) شقيق الملك الراحل لكن حتى يقوم بالمهمّتين معاً عليه أولاً أن يتقمّص شخصية المحارب المقتول مدّعياً بأنه إبن السير لوكسلي الأعمى٠
بعد هذا التأسيس تنطلق الحكاية في دروب تفحص العلاقات البشرية في عالم مضطرب: الأمير الذي اعتلا المنصب الجديد فأصبح ملكاً قبل أن ينضج. وأمه التي تريد أن تلجمه إذا ما استطاعت وزوجة المحارب القتيل ماريون (كايت بلانشيت) التي كانت تنتظر عودته، ثم علاقتها الحذرة بروبِن هود التي تتحوّل الى إعجاب وتقدير ثم حب٠
في الوقت ذاته، هناك تلك المؤامرات الخفية: الفرنسيون يريدون غزو البلاد والملك الجديد لا يدري أن غودفري، الذي تم تعيينه رئيساً للجيش عوض وليام مارشال (وليام هيرت) هو خائن على صلة بالفرنسيين وسيقود الحملة المضادة للملك بنفسه٠
خلال ذلك،  سنسمع الكثير من  الحوار حول الضرائب الفادحة والحرب الخاسرة التي كان على الشعب البريطاني آنذاك أن يدفع ثمنها وعن العلاقة الصحيحة الغائبة بين الحاكم والمحكوم والتي يدعو روبِن هود في خطاب له الملك لتنفيذها. فيعد هذا بأنه سيفعل إذا ما ساعد روبِن هود في الحملة التي ستعترض عملية إنزال الفرنسيين لجنودهم عند الساحل الإنكليزي٠


روبِن سيفي بوعده وسيشترك في قيادة المحاربين الأفذاذ في معركة من تلك التي يجيد المخرج تصميمها مع فريقة وشحنها بالمشاهد الواقعية غير المفرطة لا عنفاً ولا واقعية ولا خيالاً أيضاً. فقط المقدار اللازم لكي تبدو حقيقية. سيلتقي روبِن بغودفري في رحى المعركة وسيعود منتصراً وسوف نرى الملك الشاب وهو يتنصّل من وعده ويأمر بإعتبار روبِن هود خارجاً عن القانون هو وكل من يساعده ويؤيّده، وهنا المكان الذي سينطلق منه الجزء الثاني إذا ما أنجز هذا الفيلم النجاح الجماهيري الذي يصبو إليه٠
الفيلم ممتع لعدّة أسباب: هو خامس فيلم تاريخي يقدم عليه المخرج مقترحاً مدى رغبته في التعامل والمسائل التاريخية التي لم تحسمها الأفلام السابقة. إنه هو ذاته مخرج "غلادياتور" الذي بمثابة رسم خارطة طريق للأفلام التاريخية التي تبعته، وهو مخرج "مملكة السماء" الذي تناول فيه تحديداً الحرب الصليبية فوق الأراضي المقدّسة وأدانها وصوّر غياب القضيّة الحقّة واختلاف الأوروبيين فيما بينهم حول منهجها ورغباتهم منها. كما سبق له وأن رسم رؤيته الخاصة لحملة كريستوفر كولومبوس التي "اكتشف" فيها أميركا وذلك في  فيلم "1492: قهر الفردوس". وقبل ذلك هو من تناول حقبة نابليون بونابرت في "المتبارزان" (1971) حيث يقود صراع فردي مجنّدين فرنسيين للإقتتال في أكثر من مناسبة مشحونين بالثأر والفخر والحاجة لإثبات القوّة والذات٠
أيضاً، هو خامس لقاء بين المخرج وممثله راسل كراو بعد "غلادياتور"  (2000)، "سنة طيّبة" (2007) و"أميركان غانغستر" (2008) ثم "كيان من الأكاذيب" (2009). والإثنان يعملان جيّداً معاً. راسل يجسّد شخصية البطل الحامل اخلاقيات ومزايا الرجولة الغابرة، والمخرج يمنحه الإدارة التقنية والفنية لكي يساعده على التألّق حتى حين يمثل شخصية العميل الخبيث (في "كيان من الأكاذيب")٠
لكن أهم من هذا كلّه، هو أن سحب عنصر الرومانسيات ليس كاملاً. هناك قصّة حب ترتفع عن أرض العراك ولو أن شخصية ماريون ليست معمّقة بل تقف عند حدود العناوين الكبيرة، وقصّة الحب هذه معالجة بالنظرات والحوارات ومشاهد ركوب الخيل كما بمشاهد في المعركة النهائية للفيلم ووسط كل ذلك قبلة واحدة بمثابة ختم خاص لتطوّر العلاقة العاطفية بينهما. ريدلي سكوت لم يكن يوماً مخرج قصص حب، وهو حسناً يفعل  إذ يتجنّب أن يحاول ذلك الآن. يكتفي بالدلائل المشار إليها ويتجاهل تلك السذاجة التي عادة ما صاحبت حكايات المغامرات التاريخية حيث على المشاهد أن يضحك ويبكي ويقع في حب البطل والبطلة الواقعين في حب بعضهما البعض٠
التفاصيل الصغيرة مهمّة في هذا الفيلم ومستخدمة من دون إسفاف، لكن المشاهد الكبيرة، تلك التي تتناول المعارك الحربية الشرسة والتي يبدأ الفيلم وينتهي بها، تستولي على المُشاهد لنجاح معالجتها وتصاميمها الدقيقة. تلك المشاهد ملحمية شاسعة ولا يمكن تصوّر الفيلم من دونها هذه الأيام. الناتج هو فيلم يحمل رغباته على كفّة يده: يريد التماثل مع بعض أفضل ما تم تحقيقه من فانتازيات كبيرة (يذكّر مثلاً بـ "سيد الخواتم") كما يريد تقديم حكاية لا تبقى حكراً على المشاهدين الذين سمعوا بروبِن هود او شاهدوا بعض الأفلام السابقة له٠ هناك قدر من التعميم الشعبي للشخصية والمواقف ولو أن العمل يبقى أكثر تعاملاً مع الراشدين وليس المراهقين٠


CAST & CREDITS
DIRECTOR | المخرج
ٍRidley Scott    ريدلي سكوت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
PLAYERS | ممثلون
Russel Crowe  راسل كراو
Cate Blanchett   كيت بلانشِت
Max Von Sydow  ماكس فون سيدو
William Hurt  وليام هيرت
Mark Strong  مارك سترونغ
Oscar Isaac  أوسكار أيزاك
Danny Huston  داني هيوستون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
WRITERS | كتّاب
Brian Helgeland     سيناريو أصلي: برايان هلغلاند
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
CINEMATOGRAPHER | مدير التصوير
John Mathieson    جون ماثيسون
ألوان | كاميرا بانيفيجن 35 مم٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
EDITOR |  توليف
Pietro Scalia    بييترو سكاليا
دقيقة  140
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
MUSIC | موسيقا
Marc Streitenfeld     مارك ستراينفلد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
PRODUCER |  المنتج
Kevin Feige
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
PRODUCTION | إنتاج
Universal Pictures, Imagine Entertainment,
Relativity Media [USA- 2010].




 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | * | ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Film #  70
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Iron Man 2 * 1/2
آيرون مان 2
الولايات المتحدة - 2010
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أكشن [مقتبس عن شخصية كوميكس] | روبرت داوني جونيور يرتدي البذلة الحديدية ويقدّم إداءاً مقرقعاً٠


الجزء الثاني من "أيرون مان" فيلم  شائك من حيث أنه يدرك أنه مبني على قاعدة شعبية كبيرة وأن كل ما عليه القيام به هو توفير ما ستبحث عنه تلك القاعدة في الفيلم من مغامرات ومشاهد أكشن ومؤثرات وضوضاء  وقرقعة معادن. لكن ما يجعل الفيلم شائكاً هو أنه لا يحمل ما يُثير الإعجاب ببطله ولا بطله يؤدي ما يثير الإعجاب به. هو ليس فيلم تحبّه بل فيلماً تراه وصانعوه وثقوا بأن هذا ما يريده الجمهور الى درجة أنهم لم يكترثوا مهنياً لإنجازه على النحو الصحيح٠

إنه كما لو أنه لم يعد مهمّاً أن يكون البطل محبوباً، تماماً كما لو أنه لم يعد مهمّاً لروبرت داوني جونيور أن يجعل نفسه محبوباً. وفي حين أن غموض الشخصيات أمراً محبوذاً في أصناف من الأفلام ومنها هذا النوع القائم على التشويق، ولو نظرياً، فإن غموضها يجب أن يكون له سبب مفهوم وأن ينجلي عن تركيبة  من الأحداث والسلوكيّات نفسية كما درامية بحيث تشكّل عنصراً مفاجئاً. ماذا يهم، مثلاً، أن يعرف المشاهد أن شخصية توني ستارك، المعروف بـ "آيرون مان"  تخشى على نفسها من الموت، إذا ما كانت هذه الخشية لا تشكل فاعلاً حقيقياً على الأحداث او تؤثر في تصرّفاته او تضعه في مشهد يحتوي على صراع حاد بين الحياة والموت. نعم هناك هذا التردد في شخص توني من أنه قد يموت، وهناك حفلة عيد ميلاد يسمّيها الأخيرة، لكن  الطريقة التي يتصرّف بها توني حيال هذا الموضوع طريقة مراهقين وليست طريقة صانعي أعقد بذلة حديدية تم تركيبها على جسد بطل سينمائي. حتى ولو كانت الغاية إظهار خشيته حيال الموت فإن المعالجة من الهزل بحيث تتلاشى الغاية مثل دخان السيغارة٠

الموضوع عن تلك البذلة العسكرية المعدنية الحمراء التي تحوّل توني، كما رأينا في الجزء الأول، من رجل عادي القدرات، الى ترسانة أسلحة. يصبح طائرة وقاذف قنابل ومطلق إشعاعات متفجّرة وفوهة رشاشات أتوماتيكية وإذا ما اضطر للضرب بذراعه فإن ضربتين متتاليتين من شأنهما أن تُسقط بناية او تقتلع العدو من مكانها وتلقيه بعيداً. الحكومة الأميركية تريد من توني تسليمها هذه البذلة  لأنها  سلاح  يتعلّق بأمن الدولة، وهو يقول لأعضاء الكونغرس في مطلع الفيلم وخلال التحقيق معه: هذه البذلة أنا. كلانا واحد ولا تستطيعون الحصول عليها لأنكم بذلك تحصلون عليّ أنا"٠
بكلمات أخرى، كيف سيسمح لها استحواذ اختراعه هذا إذا ما كان هو، بدنياً، جزءاً من هذا الإختراع؟ حجة في محلّّها والمشاهد له الحق في أن  يتوقّع أن الفيلم سيمشي على هذا المنوال، لكن الحكاية تنتقل بعد ذلك على محاور أخرى: توني يكتشف أن القلب الصناعي الذي يخفق في صدره لم يعد يعمل كما كان يعمل سابقاً (في الجزء الأول مثلاً)  لأن  المفاعل الذي يزرعه في صدره يسبب تسمماً في الدام. ومنافسه في سوق الأسلحة هامر (سام روكوَل) يسعى لكسر شوكته بتشويه سمعة البذلة وتأليب الحكومة عليه، وهناك روسي أسمه إيفان (ميكي رورك) يود الإنتقام من توني ستارك لأن والد توني كان تسبب في حبس والد ايفان في سايبيريا لعشرين سنة. إيفان يعلم قدرة توني/ أيرون مان ويصنع سلاحاً موازياً في قوّته (لا نعلم كيف ومن موّله لكن  قد يجد البعض أن هذا لا يهم). وهامر يقرر أن إيفان هو من سيحقق له رغبته في هزيمة توني والقضاء على ما يشكّله من منافسة٠
كنا صغاراً نلعب أبطال وحرامية وكانت حكاياتنا أفضل من هذه الحكاية.  ذلك لأن لا أحد في الفيلم، وأساساً صانعيه، لديه تبريراً مفهوماً هنا حيال ما تقوم به  أي شخصية بما في ذلك مسألة والد إيفان والإنتقام الذي يدفعه لاختراع بذلته الخاصّة ذات السلاسل الكهربائية التي يضرب بها أي شيء فيقطعه الى قسمين. وهو يكاد أن يقطع آيرون مان الى نصفين أيضاً لكن أيرون مان محمياً بالسيناريو الذي يطالبه بالبقاء حيّاً حتى النهاية، وعليه فإنت تعلم أن الشرير هو من سيتم القضاء عليه وليس البطل ... المسألة مسألة وقت لا أكثر٠
ومسألة الأب مهمّة في العديد من الأفلام المأخوذة عن منشورات "مارڤل" وهي دار النشر المتخصصة بالمسلسلات الشعبية المصوّرة التي باتت "الكل في الكل" في شركة باراماونت تبعاً لعقد  أبرم مع الاستديو الأميركي المعروف حديثاً.  في "سوبرمان" يتم بحث حب سوبرمان لوالده الفضائي وتضحية الثاني لأجل  أن يعيش سوبرمان فوق الأرض، ثم العلاقة الإيجابية الثانية بين سوبرمان والمزارع الأميركي وزوجته الذي وجداه في الحقل طفلاً وأشرفا على رعايته. العلاقة معقّدة أكثر في "سبايدر مان" حيث يحمل بطل الفيلم عقدة ذنب بسبب موت أبيه. وفي  سلسلة أفلام "باتمان" حيث عقدة الذنب ذاتها محمّلة بالرغبة في الإنتقام أولاً لمقتل أبيه ثم بالرغبة في عدم جعل الإنتقام  عنصراً في حربه ضد الأشرار. هنا، يعاني "آيرون مان" من فهمه أن والده لم يكن رعاه جيّداً ولم "يقل لي مرّة واحدة أني أحبك"، لكنه سيكتشف في هذا الجزء أنه قالها حين خصّه باختراعه. إذاً يتصالح توني ستارك مع ماضيه لكن على عكس الأفلام المذكورة سابقاً هذا التصالح، على أهمية مضمونه، يمر بلا أثر درامي أيضاً. ليس أن المفترض أن يحتوي الفيلم على خطاب في هذا الشأن، لكن المسألة كلّها ليست عميقة. كذلك مسألة أن الروسي إيڤان إنما ينطلق في تدميره وشروره بسبب حبّه لأبيه الذي عانى في حياته طويلاً. الى ذلك، فإن "آيرون مان" يلتقي و"سبايدر مان" في أن والد الشرير مات بسبب غير مباشر من البطل او أبيه، لذلك فإن الإبن ماض في سلسلة أفعال شريرة بهدف قتل السوبر هيرو٠
   يضع بطل "آيرون مان" توني وسط إمرأتين: هناك مساعدته الأولى التي يعيّنها رئيس مجلس الإدارة في مؤسسته (غوينيث بولترو) والفتاة ذات الجدّية العسكرية التي يتم تشغيلها في المؤسسة (سكارلت جوهانسن) والتي تكشف لاحقاً عن أنها هنا لكي تدافع عن مصلحة توني أفضل دفاع. لكن من بين ما لا يضعه الفيلم في حسبانه هو إبقاء  بطله حالة عاطفية خفيفة وغير مستقرّة في يوميات العلاقة مع كل من هاتين المرأتين. هو لا يحب ولا يكره أحداً منهما وتراه كما لو كان يخشاهما أكثر مما يقودهما في مؤسسته. وحين يأتي الأمر الي المشاهد التي تجمعه مع غوينيث بولترو، فإن كاتب السيناريو جوستين ثيرو، كما المخرج، يعمدان الى ردح متبادل عبر كلمات موجزة بطريقة الكوميديات العاطفية التقليدية. كلمة او كلمتين منه وكلمة او كلمتين منها من دون أن يشرح أي منهما ما يريده في هذا الإيجاز المتسارع وغير الضروري٠


بقرار صانعي الفيلم فإن "ايرون مان 2" فيلم خفيف الوزن وبل فيه مطارح كوميدية تعصف بما تبقّى من رغبة المشاهد متابعة بطل خارق له موقف واضح وشخصية قويّة. هذا ليس طلباً يعكس موقفاً سياسياً (كأن يكون المشاهد محبّذاً للحلول العسكرية) بل درامياً. فإذا أضفت الى هذا، شخصية البطل غير الواضحة في تصرّفاتها وترددها، ثم كيف يمثّل روبرت داوني هذه الشخصية وجدت أن الفيلم لا يعمل جيّداً على هذه الأصعدة٠
في هذا الخصوص فإن المرء يرقب روبرت داوني وهو يحاول وضع نفسه أمام الشخصية التي يؤديها. كما نذكر لعب معظم مشاهده في الفيلم الأول وهو يرتدي البذلة. لم نشاهده يمثّل كثيراً، لكنه خلق بنجاح امتزاجاً جيّداً بين توني وآيرون مان فإذا بهما واحد فعلياً. هنا، مع إتاحة المزيد من المشاهد لروبرت داوني يؤدي شخصية توني فإن المناسبة مُتاحة لقيام داوني بلعب نفسه أمام الكاميرا وكما يحب سواء أكانت الشخصية في الأساس كُتبت هكذا او لا. تبعاً لذلك فهناك الكثير من روبرت داوني والقليل من توني ستارك  وهي الممارسة ذاتها التي ضمّنها روبرت داوني لشخصية شرلوك هولمز في فيلمه الأخير "شرلوك هولمز" فإذا بنا نتابع ممثلاً يتصرّف كنجم أكثر مما يضع نفسه في تصرّف الشخصية على نحو ممعن ومخلص٠
في المقابل، هناك نجاحات محددة في هذا الفيلم وأذكر في مطلعها أنه في حين يفشل كل الممثلين الآخرين في الخانة المخصصة لهم (وهي التمثيل) يزيح ميكي رورك كل منافسيه بحذق مانحاً شخصيته الإستثناء المناسب. رورك يبرهن على أنه يستطيع أن يأكل روبرت داوني في مبارزة تمثيلية من دون جهد حقيقي. ربما كانت لكنته الروسية غير صحيحة دائماً لكنه لم يغلّبها على باقي عناصر إدائه. لقد صاغ رسماًِ للشخصية كما يريد أن يلعبها ودخل فيها من دون اكتراث لوضع شخصيّته أمام الشخصية التي يؤديها. في مشهد حواري واحد يجمع بين البطل وعدوّه هذا، تستطيع أن ترصد السبيل المختلف الذي يعالج كل من هذين الممثلين شخصيّته. وإذا كان صحيحاً أن رورك لم يقرأ السيناريو بل قرأ فقط مشاهده فإنه على الأرجح أقصى نفسه من البداية عن سخف التمثيل الآتي من معظم الممثلين الآخرين بخلق مسافة بينه وبين العمل. لقد توقّعت أن لا يكترث رورك لكيفية تأديته الدور على أساس أنه دور في فيلم آلي مصنوع للتجارة وليس للفن. لكنه فعل العكس في حدود المشاهد القليلة نسبياً التي أتيحت له٠
كذلك يتحسّن الفيلم من مستوى دردشات تتلوها مشاهد أكشن تتلوها دردشات، الى مستوى أكشن فاعل جدّاً على صعيد حتمية الصراع بين الخير والشر وذلك في ثلث ساعته الأخيرة. هذا لا يحسّن الفيلم مطلقاً لكنه ينقذه من إنحداره ويعيده الى بعض ناصيته المقصودة. إخراج جون فافرو (الذي يحشر لنفسه دور السائق الخاص  في هذا الفيلم) يشبه كثيراً قرقعة التنك التي نسمعها. إنه يتعامل وقرقعة الأفكار التي تجعل من "ايرون مان"  سوبرهيرو من تنك. يريد أن يأخذ الأمور بخفّة وبجدّية، لكن الناحيتين لا تعملان معاً على النحو المنشود فكلاهما يصبو لخلق صياغة ومزاج مختلفاً عن الآخر، وهذا ما يجعل من الفيلم، وعلى حد قول شكسبير "لغطاً كبيراً حول لا شيء"٠ 
 
CAST & CREDITS
DIRECTOR | المخرج
Jon Favreau جون فافيرو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
PLAYERS | ممثلون
Robert Downey Jr.  روبرت داوني جونيور
Don Cheadle  دون شيدل
Scarlett Johansson   سكارلت جوهانسن
Gwyneth Paltrow   غوينيث بولترو
Sam Rockwell   سام روكوَل
Mickey Rourke   ميكي رورك 
Samuel L. Jackson سامويل ل. جاكسون
Jon Favreau   جون فافيرو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
WRITERS | كتّاب
Justin Theroux   سيناريو مقتبس: جوستين ثيرو
Stan Lee, Don Heck, Larry  شخصيات:  ستان لي، دون هك، لاري
Leiber, Jack Kirby  لايبر، جاك كيربي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
CINEMATOGRAPHER | مدير التصوير
Matthew Libatique  ماثيو ليباتيك
ألوان | كاميرا بانيفيجن 35 مم٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
EDITOR |  توليف
Dan Lebental, Richard Pearson   دان ليبنتال، رتشارد بيرسون
دقيقة  124
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
MUSIC | موسيقا
John Debney  جون دبني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
PRODUCER |  المنتج
Kevin Feige
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
PRODUCTION |  انتاج
Paramount Pictures, Marvel Entertainment [USA- 2010].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | * | ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أفلام من "كان"٠

لجانب ما تم عرضه من أفلام في موقع
خلال أيام الدورة الأخيرة من المهرجان، حفنة من الأفلام
الأخرى هذا الأسبوع والأسبوع التالي٠
...............................................................
Film # 71

Schastye Moe (My Joy) ***
متعتي | إخراج:  سيرغي لوزنتزا
.....................................................................
أوكرانيا / ألمانيا - 2010
دراما إجتماعية | مشاهد جيّدة التأليف بصرياً ضعيفة السياق درامياً تؤدي الي فيلم يُقدّر لجماله الموحش فقط٠


رحلة شاقّة لبطل الفيلم  غريغوري (فكتور نيمتس) وأخرى أشق لمشاهدي فيلم المخرج سيرغي لوزنتزا الذي كان وُلد في روسيا لكنه هاجر الي ألمانيا حيث لا يزال يعيش ويعمل فيها منجزاً أفلاماً وثائقية في العادة٠
إنه فيلم متوحّد مثل بطله الذي يعمل سائقاً لشاحنة (نعرف لاحقاً أنها تحمل طحيناً) تنطلق الأحداث في الزمن الحاضر والشاحنة من نقطة في روسيا (غير واضحة) في خريف رمادي. حين تصل الشاحنة الى نقطة أمنية يتعرّض غريغوري الى معاملة فظّة من الشرطيين اللذين يحمي كل منهما ظهر الآخر. يواصل طريقه بصحبة رجل عجوز يطلب منه إيصاله وفي المقابل سيروي له قصّة. القصّة نراها في فلاشباك وتحكي قصّة ذلك العجوز حين كان لا يزال شابّاً خلال الحرب العالمية الثانية وتعرّض لموقف من ضابط فاسد ما استوجب قيامه بقتله. الراكب الثاني فتاة في السادسة عشر من عمرها تعمل عاهرة لكنه يمتنع عنها. يصلان الى ساحة بلدة في مناسبة من الفيلم للحديث عن عالم موحش من الناس الذين فقدوا الأخلاقيات والمباديء بصرف النظر عن هويّاتهم الإجتماعية. حين يترك السائق البلدة ممتنعاً عن ممارسة الغرام مع الفتاة (هو الأخلاقي الوحيد في الفيلم) يصل الى غابة ليلاً ويتوه فيها فيتوقّف بشاحنته في وسطها. ثلاثة رجال يتربّصون به  لسرقة الشاحنة  وأحدهم يضربه على رأسه ما يفقده الوعي لفترة طويلة هذا قبل أن يقرروا أن البضاعة لم تكن تستحق كل هذا العناء٠ تكتشفه عائلة تعيش على مقربة: تبيع الطحين في السوق والسيارة لمشترين (عملية البيع تكشف المزيد من فساد الذمم) والمرأة التي تشرف على كل شيء تجلس فوق السائق غير الواعي وتمارس الحب عنوة معه. بذلك تكمل حلقة استغلاله من كل النواحي٠ ينفصل الفيلم هنا وراء أحداث وشخصيات جديدة تنتقل أيضاً ما بين الزمن الحاضر والحرب العالمية الثانية حيث تروي قيام جنديين روسيين بقتل مزارع رغبة في السطو على منزله (بعدما كان استقبلهما ضيفين) وترك إبنه الصغير غير مدرك لما حدث. هل الإبن هو سيرغي اليوم؟ ربما خصوصاً وأن هذا الإحتمال هو، في الواقع، السبب الوحيد الذي من أجله نرى هذه القصّة الجانبية وهي تحتل جزءاً محسوباً من الفيلم. مهما يكن، ها نحن نعود الى السائق وهو عائد من حيث أتي. في الوقت ذاته، يوقف الشرطيّان الفاسدان اللذان شوهدا في مطلع الفيلم رجلاً وإمرأته ويقودان الأول الى المخفر. هناك يعتديان على الرجل ويطلبان من رجل آخر التوقيع على أن المعتدى عليه هو الذي بادر بالإعتداء. هنا يصل سيرغي ويتابع ما يحدث ويطلق النار على الشرطيين٠
كما لا سبب مفهوم للحكاية المنتصفية حول الجنديين القاتلين، ليس هناك سبب مفهوم لمشهد صغير في بداية الفيلم حيث يتم طمر جثّة رجل لا نعرف من هو في الأرض وصب الباطون فوقها وردمها. لكن على ذلك، فإن الناتج طوال الوقت مشدود الوتيرة والأسلوب. تصوير جيّد من الروماني أوليغ موتو الذي سبق له وأن أنجز فيلم "موت السيد لارنزو"، و"أربعة شهور، ثلاثة أسابيع ويومين" وكلاهما من أبرز إنتاجات رومانيا في السنوات الأربع الأخيرة)٠ في سياق التصوير، فإن الإعتماد علي شاشة عريضة وإدارة كلاسيكية غالباً للكاميرا يساعدان الفيلم علي إنجاز تأثير بصري نوعي جيّد. لكن هناك الكثير من الإعتماد على هذا التأثير بغية تمرير مشاهد ليست مبررة. بالنتيجة، محاولة المخرج لوزنتزا تمرير فصوله غير المترابطة وتفضيله سياق القفز فوق وحدة الحدث صوب أحداث أخرى في أزمنة أخرى تبقى موضع ضعف فني ودرامي على الرغم من أجواء الفيلم وقوّة مشاهده منفردة٠

DIRECTOR:  Sergei Loznitsa
CAST: Victor Nemets, Viad Ivanov, Maria Vasami, Vladimir Golovin, Olga Shuvalova.
SCREENPLAY: Sergei Loznitsa. CINEMATOGRAPHY:  Oleg Mutu (Color). EDITOR:  Danielius Kokansuskis ( 127 m).
PRODUCERS: Heino Deckert, Oleg Kokhan. PROD. COMPANY:  Maja. de Fiction/ Sota Cinema/ Lemming Film/ ZDF/ Arte [Ukrania/ Germany- 2010).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Film # 72
Autoreiji (Outrage) ***
غضب (انتهاك) | إخراج: تاكيشي كيتانو
.....................................................................
ياباني - 2010
تشويق [عصابات/]| عنف زائد عن الحاجة في فيلم أخطأت لجنة الإختيار في ضمّه للمسابقة لكنه لا يزال يحمل طابع سينما مخرجه٠


أفلام المخرج الياباني تاكيشي كيتانو لم تخل من العنف قبل هذا الفيلم. لكنها لم تخل من مادّة درامية وأحياناً إنسانية  تمنح المتفرّج تنويعاً مطلوباً بحيث إذا رمشت عينه من وقع الصدمة، وجد عقله تبريراً لما يراه او، على الأقل، داعياً له٠
 فيلمه الجديد يتبع تلك الفئة من أفلامه التي تتناول الحياة من داخل العصابة ذاتها، مع تاكيشي كيتانو ممثّلاً لدور لا يعفيه من ارتكاب الجرائم. كما الحال في فيلمه السابق "أخوة" قبل ثماني سنوات، هاهو يشترك في الجريمة نائياً عن أن يكون واعظاً او تائباً او أكثر من قاتل في خضم حياة هادرة ومهدورة من الجريمة والعقاب٠
كل شيء هنا ينطلق من اجتماع لعدد من رؤوس الياكوزا، بينهم كيتانو . إنهم في حضرة رئيس مجلس إدارة العصابة الكبيرة سانو-كاي (سويشيرو كيتامورا) المستاء من قيام أحد أتباعه بعقد صفقة منفردة مع زعيم منافس يتاجر بالمخدّرات. عملية التخلّص من أحد أتباعه ومن الزعيم المنافس تقع على كاهل كيتانو، الذي ينطلق وبعض رجاله للمهمّة. يبدأ عنف كيتانو كيتاشي كشخصية (يؤدي دوره بإسمه الآخر بيت تاكيشي) وكمخرج على التوالي حيث القتل يتم بمراحل التعذيب في مقدمتها مستخدماً ورجاله في ذلك كل شيء من قبضات اليدين الى السكاكين والمسدّسات، وحتى العيدان التي تُستخدم لتنخر في الجسم. إذا ما رجع المشاهد الي الخلف قليلاً سيلحظ أنه في حمى هذا القتل الذي يحوّل الفيلم الى آلة طاحنة، تغيب القضية المطروحة، او لعلها لم تُطرح أساساً. بذلك الفيلم موصوم بوجود فراغ كبير يمتد فيه كما العمود الفقري. نعم الإخراج تقنياً متقن، الفيلم فيه فن الإدارة المحكمة، لكن هذه المرّة، وعكس معظم مرّات كيتانو السابقة، لا يوجد ذلك البعد لا كتفسير لحالة إجتماعية او ترجمة لحالة نفسية فردية، ولا المخرج مكترثاً لمنح شخصياته في نهاية المطاف نوعاً من الشعور بالندم. إنه
بالنسبة لهذه الزمر المتناحرة والأفراد الذين يقتلون بعضهم بعضاً Business as usual
في تصفيات تستمر حتى النهاية حتى يختلط الأمر، وربما هذا مقصود، فيمن قتل من في حين أن  الـ "لماذا؟" لا تعد ذات أهمية على الإطلاق


DIRECTOR:  Takeshi Kitano
CAST:  Beat Takeshi, Kippel Shiina, Soichiro Kitamura, Ryo Kase, Tomokazu Miura, Jun Kunimura.
SCREENPLAY: Takeshi Kitano. CINEMATOGRAPHY:  Katsumi Yanagijima (Color). EDITOR: Takeshi Kitano, Kazuko Kurosawa,Yohji Yamamoto. MUSIC: Keiichi Suzuki ( 110 m).
PRODUCERS: Masayuki Mori, Takio Yoshida. PROD. COMPANY:   Bandai Visual/ TV Tokyo/ Omnibus Japan/ Office Kitano [Japan- 2010).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Film # 73
Another Year ****
عام آخر | إخراج: مايك لي
.....................................................................
بريطانيا - 2010
دراما | شخصيات مايك لي المعذّبة تسطو على الحواس بينما يتابعها المخرج بأسلوبه الحياتي القائم على الملاحظة وقليل من السخرية والكثير من التعاطف والإشفاق٠


  بين البريطاني مايك لي والأميركي وودي ألن علاقة سينمائية مموّهة. كلاهما يستخرج من واقع الحياة شخصيات واقعية وحكايات تنتمي الى المجتمع وليس الى أي نوع حاد من الخيال. لكنهما يختلفان بعد هذه النقطة الى حد النقيض. مايك لي يسبر غور الشخصيات من دون تغريب ويبقي كل شيء، بما فيها أداءات ممثليه وطبيعة شخصياته، طبيعية وحياتية كما لو أن عين المشاهد، وليس عين الكاميرا، هي التي كانت هناك. أما وودي ألن فيغريه الموقف المبني على الموقف السابق له منتقلاً بأحداثه وشخصياته من التأسيس الطبيعي وشبه الواقعي الى شريحة لا تستبعد الخيال بل تستخدمه لإيصال الرسالة٠
في "عام آخر" يتابع المخرج البريطاني حياة بضعة أفراد. لا يقف ليقول شيئاً كبيراً، بل يقول الشيء الكبير من دون أن يتوقّف. لا يشغل نفسه بعملية الإيصال، بل يترك لأسلوبه الممعن والهاديء القيام بالإيصال. المشاهد يدرك بعد حين أنه يعيش مع هذه الشخصيات في مشاقاتها لأنها حتى ولو اختلفت في الثقافة والسلوك، الا أنها تلتقي معه إنسانياً٠
توم (جيم برودبنت) وزوجته جيري (روث شين)  تجاوزا الخمسين ولا زالا يعملان في مهنتيهما (هو جيولوجي وهي خبيرة إجتماعية). لديهما إبن أسمه جو (أوليفر مولتمان) يعمل محامياً في مطلع حياته المهنية. زميلة جيري في العمل أسمها ماري (لسلي مانفيل) وماري إمرأة  مطلّقة في الأربعينات. تعيش وحيدة وهي وحيدة حتى وسط الناس رغم محاولاتها المستميتة للتعارف والتواصل. ما يمنعها من ذلك هو أنها ودّعت الشباب وثقتها بالباقي من حياتها، وبنفسها، ليست كبيرة. عيناها على رجل ما لكنها لا تنال الا الأقرب الى متناولها: الشرب. من ناحية توم، هناك صديق طفولته كن (بيتر وايت) الذي لا يقل عن ماري شراهة في طلب الخمر. حياته أيضاً انتهت من دون أن يموت. بدين. يأكل كل شيء ويشرب كل شيء ويبقى وحيداً٠ 
هذه الشخصيات، بالإضافة الى أخرى تلتئم في منزل كن من حين لآخر، قوام الحياة الإجتماعية الماثلة. لا شيء كثير يحدث وذلك بالتماشي مع طبيعة الأشياء. الدراما هنا ليست عبارة عن بناء يرتفع بل ليصل الى منتهاه، بل جملة من الأحاسيس مغزولة في نسيج فردي واجتماعي لا يقبل دخول عنصر غريب إليه٠
ليست كل أفلام مايك لي على ذات المنوال. فيلمه السابق "سعيدة محظوظة" او
Happy-Go-Lucky
كان أكثر حركة وإيقاعاً، لكن كل أعماله تختزن الحزن والمرح الممزّق بالألم ذاته. ربما بطلة "سعيدة ومحظوظة" لديها ما تردأ الوحدة والحزن عنها بالبقاء مبتهجة وربما تنتصر في ذلك، لكن الحزن والوحدة موجودان في حياتها أيضاً. هنا هما في حياة الجميع. ليس خفياً بل ظاهراً. حتى توم وزوجته اللذان يبدوان في مطلع والى منتصف الفيلم كما لو أنهما منيعان (هما أكثر أمنا اقتصادياً) هما معرّضان لاحقاً لخضّات من هذا النوع٠

DIRECTOR:  Mike Leigh
CAST:  Jim Broadbent, Ruth Sheen, Lesley Manville, Oliver Maltman,  Peter Wight, David Bradley.
SCREENPLAY: Mike Lee. CINEMATOGRAPHY: Dick Pope  (Color). EDITOR:  Jon Gregory ( 125 m), MUSIC: Gary Yeshon.
PRODUCER: Georgina Lowe. PROD. COMPANY:  Focus Features/ UK Film Councilm/ Film 4 [UK- 2010).

   
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Classics: Solaris- Tarkovsky |New Film: The Losers

Year 2 | Issue 63


The Losers (2010) *1/2
الخاسرون
Film # 67 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رجال بعقول أولاد في لعبة خاسرة

 يكتشف رجال الفيلم الخمسة الذين يشكّلون فريقاً يقوم بالمهام الصعبة التي يطلبها منه رئيس ما في الإستخبارات الأميركية أسمه ماكس (جاسون باتريك)، أن العملية التي يقومون بتنفيذها، وجزء منها رصد وجزء آخر قتل، ستؤدي الى مقتل عشرات الأطفال الذين وصلوا فجأة (!) الى معقل رئيس عصابة مخدرات يعمل في بعض جبال بوليفيا. لا أدري إذا ما كانت المدرسة القريبة نظّمت رحلة تعليمية لهؤلاء من باب معرفة كيف يمكن أن تنمو لتصبح تاجر مخدّرات، ولا السيناريو يعرف أيضاً. لكن رئيس المجموعة، وأسمه كلاي (جفري دين مورغن) يطلب من القيادة عدم قصف المكان بالطائرة الحربية التي انطلقت لهذه الغاية: "هناك  أطفال"، يقول كلاي فيجيبه مستر ماكس "هل تعتقد أنني لم أكن أعلم؟"٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Cast & Credits
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أكشن | مغامرات [الولايات المتحدة-  2010]٠
Sylvain White  إخراج: سيلفين وايت
 ..........................................................
Jeffrey Dean Morgan, Zoe Saldana, Chris Evans, Idris Elba, :  أدوار أولى
 Columbus Short, Oscar Jaenada, Jason Patric, Holt McCallany.
..........................................................
Peter Berg, James Vanderbilt: كتابة
Scott Kevan: تصوير (ألوان- 35 مم)٠
David Checel:  توليف (98 د)٠
John Ottman:  موسيقا
..........................................................
Kerry Foster, Akiva Goldsman, Joel Silver:  منتجون
Dark Castle/ DC Entertainment/ Weed Road Pictures. : إنتاج
Warner Bros:  توزيع 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حسناً الآن كلاي يعلم أن ماكس يعلم وماكس يعلم أن كلاي يعلم، ما الخطوة التالية؟ لدى الفريق نحو دقيقتين لاقتحام المعقل. قتل المسلّحين. البحث عن رئيس العصابة. إخراج الأولاد من المكان والإبتعاد عنه بعدما رفض ماكس تأجيل موعد قصف المقر. ماذا لو أن هناك مشكلة تعيق العملية البسيطة المذكورة؟ عليها أن تُحل خلال هاتين الدقيقتين. والمشكلة فجأة تطل: واحد من هؤلاء الأطفال مقبوض عليه من قبل ذلك الرئيس. كل ما على كلاي أن يفعله هو أن يطلق النار على الرئيس ويأخذ الولد ويضمّه الى باقي الأولاد الهارعين الى الحافلة القريبة. لا زلنا ضمن الدقيقتين. والقذيفة دمّرت البيت بعد ثوان من خروج الأولاد والفريق الخماسي من المكان وصولاً الى المنطقة الآمنة... او هذا ما اعتقده الفريق. ها هم كل الأولاد يصعدون الطائرة المروحية التي ستطير بهم الى الأمان. ها هي الطائرة تبتعد ثم .... بوم... تصاب بقذيفة. تفسير ذلك، أن ماكس اعتقد أن رجاله الخمسة هم الذين اعتلوا الطائرة وهو أراد التخلّص منهم٠
كل ذلك ونحن في مطلع الفيلم. ما سيلي هو قصّة كنت أستطيع أن أكتبها في أسبوع وأخرجها في شهر وأقبض عليها ما أصرفه في عام. وهذا ما قام به بيتر بيرغ الذي كان أخرج من قبل "المملكة" الشهير حول المخابرات الأميركية التي تصل الى المملكة السعودية بدافع مساعدة مخابراتها القضاء على خلية إرهابية. وخلفية الفيلم هنا هي أن بيرغ أراد إخراج هذا الفيلم، لكن ربما حين أدرك أن الميزانية سوف لن تسمح الا بنسخة كربون مما كان في باله، عزف عن الإخراج فتم إسناد المهمّة الى سيلفين وايت الذي أنجز من قبل بضعة أفلام صغيرة لم أشاهد أياً منها من بينها فيلم رومانسي- موسيقي (يا سلام) هو
Stomp The Yard
وهناك بعض الأثر الموسيقي والرومانسي. الأول من خلال أغاني بوب موزّعة حسب الحاجة، والرومانسية موجودة بشروط حين تدخل حياة الفريق الناجي عائشة (زو سالدانا) التي تخبر كلاي، وباقي فريقه، أنها على استعداد لمساعدتهم الوصول الى ماكس للإنتقام منهم. لماذا؟ لأنها تريدهم قتل ماكس. بعد تأسيس شروط العلاقة المهنية لا مانع من أن تستلم زمام المبادرة وتدفع بكلاي الى الفراش وتمارس معه الحب. هذا قبل أن تستغل علاقاتها التي لا نراها فإذا بها توزّع باسبورات جديدة على أعضاء الفريق وتنقلهم عائدين الى الولايات المتحدة حيث معرفة حركات ماكس وأين يتحرك وماذا يفعل ليس صعباً على الإطلاق، رغم أنها قالت أنه يحيط تحرّكاته بسريّة كبيرة٠
ونحن نراه في مشهد مفترض به أن يقع في دبي حيث يأمر مساعده فيرمي عالماً عربياً بديناً من فوق ناطحة سحاب. لاحقاً يلوم مساعده على ذلك قائلاً أنه أراد منه أن يخيفه وليس أن يقتله. لكن ماكس هذا ماكر ولا يؤتمن على أي حال. ذات مرّة، يصوّر لنا الفيلم، كان يمشي تحت مظلة شمس تحملها موظّفة شابّة لتقيه النور الساطع. تهب نسمة هواء (ربما حين شخر جاري) فتنحسر المظلّة عن رأسه لثانية. يطلب من مساعده مسدّسه و... طاخ... يقتل الموظّفة من دون أن ينظر إليها ٠
كل ذلك وسواه يمر سريعاً وخفيفاً. هذا فيلم لا يدّعي أنه يريد أن يكون أي شيء آخر سوى فيلم عابر وسخيف، لكن الصدق او عدم الإدعاء ليس حسنة مطلقة والفيلم ينتقل من موقع سخيف في البداية الى موقف أكثر سخفاً بعد قليل ويبقى هناك حتى نهايته. إسم حماس والمخابرات العسكرية الإسرائيلية يردان خلال حديث حول سعي كليهما للنيل من ماكس هذا (تصوّر حماس لديها ذات قدرات المخابرات الإسرائيلية). وهناك خلافاً كبيراً بين كلاي الذي لا يغيّر بذلته مطلقاً ولا يحلق (وربما لا يتحمم) وبين مساعده روغ (إدريس ألبا) وبعض المشاهد المبنية تباعاً على أساس هذا الخلاف. لا مفاجآت لكن بالنسبة لكثيرين لا إحباطات أيضاً٠ 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ* ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Solaris (1972) ****
سولاريس
Film # 68
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن الإنسان والذاكرة والخيال العلمي في رائعة أندريه تاركوڤسكي

 أول ما تخرج به من "سولاريس" ، وتفعل ذلك والفيلم لا يزال في مطلعه، هو حقيقة أن الخيال العلمي في الشرق الروسي غيره في الغرب الأميركي. ومع وجود أفضل مخرج  عاش على الأرض، أندريه تاركوفسكي، فإن الإلتباس مستحيل. هذا الفيلم لا يريد زجّك الى حركة سريعة وإيقاع متلهّف وتشويق ناتج عن صدام بين أهل الأرض ومخلوقات الفضاء، بل يريدك أن تمعن فيما يعرضه وتشارك في الإنتماء الى عالم مختلف لأنه يجوز، قد يجوز، أن الصراع في الفضاء، إذا ما حدث يوماً، سوف يحدث على الطريقة التي يصف بها تاركوفسكي ذلك الصدام بكل إمعانه وتمعّنه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
Cast & Credits
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 خيال علمي | فضاء  [الإتحاد السوڤييتي]٠
Andrei Tarkovsky    إخراج : أندريه تاركوڤسكي
 ..........................................................
Donagtas Banionis, Natalya Bondarchuk, Jur Jarvet:  أدوار أولى
Nikolai Grinko, Anatoli Solonitsyn
..........................................................
 Andrei Tarkovsky, Frederikh Gorenshtein  : كتابة
Stanislav Lem  المصدر
Vadim Yusov : تصوير (ألوان- 35 مم)٠
Mikhail Romadin:  تصميم مناظر
Lyudmila Feiginova, Nina Marcus:  توليف (260 د)٠
Eduard Artemyev:  موسيقا
..........................................................
Viacheslav Tarasov :  منتج
Mosfilm : إنتاج
Sovexport Film:  توزيع 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 أول ما تخرج به من "سولاريس" ، وتفعل ذلك والفيلم لا يزال في مطلعه، هو حقيقة أن الخيال العلمي في الشرق الروسي غيره في الغرب الأميركي. ومع وجود أفضل مخرج  عاش على الأرض، أندريه تاركوفسكي، فإن الإلتباس مستحيل. هذا الفيلم لا يريد زجّك الى حركة سريعة وإيقاع متلهّف وتشويق ناتج عن صدام بين أهل الأرض ومخلوقات الفضاء، بل يريدك أن تمعن فيما يعرضه وتشارك في الإنتماء الى عالم مختلف لأنه يجوز، قد يجوز، أن الصراع في الفضاء، إذا ما حدث يوماً، سوف يحدث على الطريقة التي يصف بها تاركوفسكي ذلك الصدام بكل إمعانه وتمعّنه٠
رواية  البولندي ستانيسلاف لَم (مات سنة 2006 عن 84 سنة) تمزج الخيال العلمي بالفلسفة وتمنحهما صوتاً ساخراً. "سولاريس" شكّلت قمّة نجاح الكاتب في هذا الشأن. وضعها سنة 1961 بعدما كان حقق شهرته الأدبية بعدد كبير من الأعمال ونقلتها السينما مرّتين. مرّة أولى حين اختارها أندريه تاركوڤسكي لتكون ثالث أفلامه الروائية، ومرّة أخرى حين قام ستيفن سودربيرغ، سنة 2002 بإقتباسها في فيلم أميركي (او هل اقتبسَ فيلم تاركوڤسكي؟)٠
 على الأرض، نتعرّف على العالم النفسي كريس (دوناتاس بانيونيس)  وسط حديقة منزل والده (نيكولاي غرينغو)  يقف ويتأمّل وينتقل الى حيث كان صغيراً يلعب. وتلتقط الكاميرا في خلال ذلك لمحات من تلك الطبيعة الوادعة. كلّما فعل تاركوڤسكي ذلك في أفلامه، كلّما تكلّمت الطبيعة كما لو كانت شخصاً. الأشجار. الهواء. المطر. النهر. كل شيء تراه يشترك على نحو لا تجده عند أي مخرج آخر ومن دون الذهاب الى مشاهد فوتوجينيكية للتعبير عن ذلك. يلتقطها لا لجمالها، ولو أنها جميلة، بل للشعور الروحي بها. يضع هنا بطله وسطها ويسكب عليه سكينة مبعثها الأرض والسماء والمخلوقات.  تاركوڤسكي لم يكن روحانياً فقط، بل كان مؤمنا (وهو درس القرآن الكريم قبيل امتهانه السينما) ولو أني أذكر ذلك من باب المعلومات ولتأكيد مداركه الروحانية)٠


كريس على أهبّة الإنطلاق صوب الفضاء بعد أيام قليلة الى كوكب أسمه "سولاريس" . الكوكب كان موضع اهتمام العلماء منذ عقود، لكنه لا يزال غريباً وخاصّاً وغير مفهوم. الذين تم إرسالهم سابقاً على متنه، انهاروا نفسياً. مهمّة كريس هي معاينة الوضع بأشمله ووضع تقرير بذلك للإجابة على سؤال حول ما إذا كان على أهل الأرض الإستمرار في التعامل مع هذه القضية او إغلاق ملّفها الى الأبد٠
يصل عالم صديق أسمه هنري (فلاديسلاف  فورجتزكي) ومعه فيلم عن تقرير أعدّه بنفسه قبل سنوات وعرضه على لجنة عليا لم تؤمن باستنتاجاته وهي أن هناك طفل كبير الحجم موجود في ذلك المحيط من السحاب حول الكوكب. وكان طفل لعالم آخر اختفى ويعتقد أنه هو ذاك الذي شاهده في محيط سولاريس٠
كريس بدوره لا يصدّق التقرير (ما يُغضب صديقه) والمشهد بكامله هو وحيد المخرج الذي يعتمد فيه على عرض لفيلم داخل فيلم. أهمية ذلك هي أسلوبية. مهما كانت الدوافع او المبررات، ينتقل المشاهد من أسلوب المخرج في الفييلم الأول (تاركوفسكي هنا) الى فيلم من المفترض أن لا يحمل أسلوباً لأنه مجرد ريبورتاج إخباري (او ربما في فيلم آخر "فيلم بيتي" لهاو الخ٠٠٠) ما يشكّل فصلاً بين الفيلمين. تاركوفسكي هنا مضطر لعرض جزء من ذلك الفيلم لغايتين او ثلاثة: ترسيخ الأحداث موثّقة بصور وتجنّب استعادة موقف او تاريخ او جزء من قصّة حوارياً (لأنه لا يفعل ذلك) وتصوير جلسة علمية متشنّجة تشابه جلسات رسمية عديدة. لنسمي ذلك بنقد المخرج للفكر المتحجّر للسُلطة - أي سُلطة٠

ذاكرة الأحياء
آخر ما على الأرض موقف الوداع بين كريس ووالده. يدركان أنهما لن يلتقيا لأن رحلة كريس الى الفضاء ستستغرق سنوات٠
بعد نحو ثلث ساعة أرضية، نحن الآن على متن المحطّة الفضائية سولاريس. كريس يكتشف إهمالاً وفوضى ووفيّات مفاجئة. يتابع الفيلم معه تلك الحالات بصمت وعينا الممثل بانيونيس المستديرتين تعكسان الموقف الذي يجد كريس نفسه فيه. قلق. خشية. تساؤل. غموض. وهذا الغموض ما يقصد المخرج بعثه في أوصال المشاهدين من دون قطع سكّر تحلّي الموقف وتجعل المشاهد قادراً على التدخّل بتوقّعاته وتفسيراته صحّت او أخطأت٠
نتاليا بوندارتشوك

واحد من أكثر المشاهد إثارة للغموض هو ظهور زوجة كريس وأسمها هاري (نتاليا بوندارتشوك- لا أدري إذا ما كانت قريبة المخرج الروسي سيرغي بوندارتشوك لكن رحلتها في السينما لا زالت مستمرّة بإنقطاع وانتقلت الى الإخراج سنة  2006 بفيلم عن الكاتب بوشكين). هذا الغموض ناتج عن أن المشاهد الى ذلك المشهد استقبل من دون أن يشارك بضعة أحداث هي بدورها لم تُحل بعد. لكن جزءاً من غرابة الفيلم وجودته هو أن المخرج -الى هذه اللحظة- يريدك أن تعيش الفضاء الغامض وليس أن تتعامل معه كحكاية. هذا الوضع متوفّر في كل فيلم من أفلامه مع مشاهد مستقاة من الأفكار والخصائص النفسية لكل شخصية على حدة. هل ظهور المرأة هنا (يستيقظ كريس من نومه في قمرته الواسعة ويجدها الى جنبه) مردّه أنها لحقته؟ لا. أولاً لأنها هي متعجّبة كونها هنا وثانياً لأنها كانت قد ماتت سابقاً. مرّر خطّاً بين هذه النقاط تحصل على الجواب في كنه أن الموتى على الأرض يظهرون فوق كوكب سولاريس وقد يغزون المحطّة ذاتها. هنا تدرك الأهمية الدرامية لرفض كريس تصديق رواية صديقه هنري من أنه شاهد طفل إبن عالم آخر في ذلك الفضاء، لو قَبِل بها لما شكّل الأمر الصدمة الدرامية والذهنية التي يحويها ذلك المشهد٠


والآتي أعظم: سولاريس قادر على أن يحيي الموتى عبر التعامل مع ذاكرة الأحياء. هذا يرد خلال جلسة بين كريس والعالم فوق المركبة الفضائية د. سارتوريوس (وجه متكرر في أفلام تاركوڤسكي وممثل بالغ الموهبة أناتولي سولونتزين) يكشف عن قناعة الإثنين أن هذا هو التفسير الوحيد لعودة الموتى أحياءاً فوق سولاريس. بذلك يفتح المخرج صفحة جديدة في موضوعه أحداثها مستمدّة من الرواية لكن مفاداتها تاركوفيسكية- روحانية خاصّة به٠
لكن د. سارتوريوس يستنتج: بما أن هذه الشخصيات العائدة من الموت غير آدمية. بل من معدّلات نيوترونية ذات كميّة نووية، فإنها تشكّل خطراً على البشر في المركبة. هذا الإكتشاف وقيام كريس بإخبار هاري ماضيها (أي انتحارها فهي ليست ملمّة به) يدفعان هاري للخلاص بنفسها عن طريق الإنتحار مجدداً٠
بعد رحيلها على كريس أن يؤسس لقرار نهائي: البقاء فوق سولاريس  او العودة الى الأرض. مصلحته في البقاء تكشف عن أنه طوال الوقت ما زال بشراً أكثر منه عالماً. بكلمات أخرى: كريس لديه مشاكل حب مع محيطه . لم يقو على وفاة والدته، ولا فراق والده ولا زوجته. يدرك أن لديه فرصة للقاء الجميع إذا ما بقي فوق سولاريس. لكن ... لقطة لما يوحي بأنه عاد الى الأرض. الكلب (كنا رأيناه في مطلع الفيلم) يركض صوبه وقد عرفه. المنزل ذاته. الحديقة الغنّاء الخ٠٠٠ ووالده هناك. ثم المطر. لكن كريس يدرك أنه ليس على الأرض، بل أن كل هؤلاء موجودون معه فوق سولاريس٠
إذا ما كنت شاهدت هذا الفيلم (أيامه او لاحقاً) ولم تستطيع سبر غموضه ورموزه ولا ساعدتك نسخة ستيفن سودربيرغ على ذلك (سأتناولها في مقالة منفصلة) فإن ذلك ليس مدعاة للتعجّب. أولاً لأن من يريد أن يقرأ فيلما لتاركوڤسكي عليه أن يشاهد كل أفلامه بسبب منوالها الفكري المتواصل والمتناسق. ثانياً لأن عليه مشاهدة الفيلم الواحد أكثر من مرّة. المرّة الأولى التي شاهدت فيها هذا الفيلم (وعُرض حينها في بيروت التي كانت لغرابة الأيام تعرض ما لا تعرضه اليوم من شتّى الأفلام) كتبت مقالة مفقودة الان لكني متأكد إنها لم تقرأ الفيلم كاملاً. المشاهدتان اللاحقتان خلال السنوات الثلاث الماضية دعمتا ظنوناً وغيّرتا مداركاً كما أعادت الحياة الى فيلم لم تكن بقيت في البال سوى صور متفرّقة٠

حياة مهدورة
لم يكن هيّناً على تاركوڤسكي كتابة سيناريو هذا الفيلم حتى بمعية المؤلّف الذي رفض، ولجنة القراءات في الحزب الشيوعي، النسخة الأولى منه  التي كانت فيها نسبة الأحداث التي تقع على الأرض ثلثي فترة الفيلم (نحو ساعتين ونصف). ويُقال أن المسؤولين كانوا يبغون فيلماً يكون الجواب السينمائي على رائعة ستانلي كوبريك "أوديسا الفضاء: 2001". هذا ما حدا بالمخرج لإعادة كتابة السيناريو الذي نشاهده على الشاشة٠


رواية لَم كلها تقع في الفضاء، لكن تاركوڤسكي أقنعه والمسؤولين أن حيّزاً من الفيلم لابد أن يقع على الأرض أيضاً. كذلك فإن نيّة المخرج غلبت حين صمّم على أن يجعل محور الفيلم علاقة الإنسان بنفسه وحياته وذكرياته، في حين أن معظم رواية لَم تدور حول إخفاق الإنسان في حل الحياة فوق الكوكب البعيد والتعامل مع الحياة فوق ذلك الكوكب لقصور الإنسان ومحدودية معلوماته. هذا لا يزال موجود في الفيلم إنما بحدود ٠
تاركوڤسكي حاول ونجح هنا (ولو أنه اعتبر أن هذا الفيلم أقل أفلامه أهمية إلى ذاته) في صنع فيلم خيالي- علمي خارج الخيال- العلمي المتوقّع. وذلك عبر تحويل اهتمامه من القصّة والحدث (وهو لم يكن مخرج قصص وأحداث يوماً) الى التأمّل والمعاينة. هذه الأخيرة تفترض شروطاً لغوية أمّها المخرج من أول أفلامه ("طفولة إيفان") حتى آخرها ("التضحية"). منواله ذاك يحوّل الى فيلم الى ذات النتيجة: أي يخرجه من نطاق النوع المعيّن ("طفولة إيڤان" تقع أحداثه في الحرب لكنه ليس فيلماً حربياً. "أندريه روبلوڤ" تقع أحداثه في التاريخ لكنه ليس تاريخياً الخ....). وكما يفصح في كتابه الرائع "النحت في الزمن" فإن معالجته المُثلى للرواية، من وجهة نظره، كانت في تجاهل كل عناصر الخيال العلمي بما في ذلك المحطّة والديكور (لافتان) والإمعان في البحث الفقهي والروحاني حول الحياة والموت والذاكرة والإنسان كمحور وذلك على نحو ما حققه لاحقاً حين أقدم على إخراج خامس أفلامه "ستوكر" (المتابع) عن رواية لبوريس ستروغاتسكي وذلك سنة 1979
الى جانب تلك العناصر الوجدانية يتعامل هذا الفيلم مع الضمير على أساس أنه المرجع الأخير للحقيقة. لكن هذا الضمير مصدر عذاب إذا ما خالف الواحد مبادئه وأخلاقياته٠ شخصيات الفيلم عموماً واقعة تحت مغبّة تلك الإخفاقات في ملاقاة ضمائرها على أرض سوية٠
الى ذلك، يُضيف الفيلم الى مداركنا احتمالات لقاءاتنا (بعد الموت؟) بمن نحب في العالم الخارجي. ظهور زوجة كريس على غرابته  منعش للفكرة بأسرها. تضحيتها بنفسها (بعدما أدركت أن وجودها قد يكون خطراً على زوجها) هي قمّة في العطاء. ومع أن تاركوڤسكي لديه تحفّظات يكشف عنها في كتابه حول أفلامه، الا أن الناقد والمشاهد المدرك يستطيعان تأييد اتجاهاته المنبثّة في الفيلم. تلك الإهتمامات الإنسانية والروحية والذهنية التي لا تتوقّف. تلك المشاهد التي تكشف عن خيال يوظّفه المخرج لكي يبقى في إطار إنساني على الرغم من أن الأحداث، في ثلثي الفيلم، تقع في الفضاء٠
حين يبدأ كريس رحلته  من دون رغبة منه يعاملها كحالة علمية محضة. لكن كلما غاص فيها تعامل معها حسيّاً وذهنياً وولّدت فيه المخاوف من لقاءات غير متوقّعة بينه وبين حياته هو. كل ما لدينا فعله إذا ما شاهدنا هذا الفيلم (لأول مرّة او مرّة أخرى) هو أن نتخيّل أنفسنا في مكان كريس حتى من دون الحاجة لفانتازيا الفضاء: نحن ننتقل الى حالة من المدارك الوجدانية التي تتيح لنا النظر الى الخلف. مراجعة الذات والشعور بتراجيديا الحياة. تلك التي تتألّف من لحظات فاتتنا رغم علمنا بأن كل لحظة هي نقطة ماء في نهر مستمر. كيف يمكن لن أن ندرك أهمية اللحظة الواحدة ونهدرها الى هذا الحد؟


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2010٠