The Wolf of Wall Street | All is Lost | Jobs


All is lost     
 كل شيء ضاع
    2/1****
إخراج: ج. س. شاندور    J.C. Shandor
دراما  الولايات المتحدة (2013)
أدوار أولى: روبرت ردفورد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقد: محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معظم الكلمات التي نسمعها في هذا الفيلم، والتي لا تتجاوز العشرة أو نحوها، تُـقال بصوت روبرت ردفورد كجزء من الرسالة القصيرة التي كتبها ووضعها في زجاجة وألقى بها في الماء. هذه الكلمات موجهّـة لمن لا نعرف وتقول أن صاحبها، الشخصية التي يؤديها الممثل، آسف: "لقد حاولت وفشلت… آسف… كل شيء ضاع".
هذا ما يبدأ به الفيلم صوتاً. الصورة شيء مختلف: الرجل الذي كتب هذه الرسالة والذي يبقى بلا إسم، مستلق في باطن مركبه نائماً. يفيق على اهتزاز متوال وعلى ماء يهطل من ثقب في المركب. ينظر حوله مدهوشاً ثم يرتقي السلم إلى ظهر المركب ليكتشف أن مركبه اصطدم بزاوية حاوية ضخمة ربما سقطت من باخرة شحن ضخمة. لا يدري من أين أتت ولا كيف اصطدم المركب بها، كما أننا نحن في تلك اللحظة ولباقي الفيلم لا ندري ما الذي يفعله ذلك الرجل وحيداً في عرض البحر. ما أسمه؟ من هو؟ من أين جاء؟ كم يوم مضى على إبحاره ولماذا هو وحده؟
الآن عليه سد الثقب وإنقاذ المركب من الغرق. لكي يفعل ذلك عليه أن يجر الحاوية بعيداً وهو يهتدي إلى فكرة ناجحة. يربط الحاوية ببعض الأثقال ويرمي بتلك في البحر فتجر الحاوية قليلاً. ينطلق بعد ذلك لسد الثغرة وينجح. لكن هذه ليست آخر الأزمات التي في حياته. هذا الرجل يعيش بضعة أيام شاقّـة يحاول فيها البقاء حيّـاً لكنه يقترب من الموت إثر كل محاولة.

قلّـة محدودة من نقاد السينما العربية شاهدت فيلم ج. س. شاندور السابق «نداء هامشي» الذي شارك في مسابقة دورة مهرجان برلين ولم يفز، وأقل من هؤلاء من سعى أو سيسعى لمشاهدة ذلك الفيلم للتعرّف على الصورة الكاملة لعبقرية هذا المخرج وموهبته. لكن، إلى أن يحدث ذلك (إذا حدث) هناك فيلمه الجديد «كل شيء ضاع» المختلف تماماً، وفي كل شيء، عن فيلم شاندور السابق بإستثناء أنهما تعليق على أميركا اليوم. 
في «نداء هامشي» رصد المخرج واقع أزمة 2008 وتلاعب كبار المصرفيين وأصحاب المؤسسات الإقتصادية بعناصر الحياة الإقتصادية في أميركا وبمستقبل موظّـفـيهم في مقابل سلامتهم المادية من كل أذى. في أحداث تقع في 24 ساعة فقط (ومعظمها داخلي) تناول هذا المخرج اندفاع أحد الموظّـفين المرموقين (كيفن سبايسي) لحماية موظفين أصغر شأناً منه بعدما ارتفعت إحتمالات سقوط المؤسسة التي تتعامل والبورصة. لكن صاحبها (جيريمي آيرونز) لديه  النيّـة للقفز من السفينة قبل أن تغرق. وهو لا يكترث لما يحدث من بعد ذلك. لم يدخل المخرج الشوارع العريضة للأحداث كما فعل فيلم أوليفر ستون «وول ستريت 2: المال لا ينام» (الذي جال وصال ولم يحقق أي نتيجة) بل بقي في الشوارع الجانبية الصغيرة. رصد الحياة تحت السطح ومن الداخل وأدلى بشهادة لم توازيها في تلك المرحلة (والفيلم من إنتاج 2011) سوى فيلم صغير آخر وجيّد مثله ويدور حول الموضوع ذاته أسمه «رجال الشركة» The Company Men [جون وَلز- 2010 ولو أن عروضه التجارية تأخرت عامين].

لكن كيف يكون فيلم شاندور الجديد، الذي يقود بطولته رجل واحد فوق مركب في عرض البحر (الرجل والمركب والبحر هم ثلاثة أبطال في الواقع)، أن يكون تعليقاً سياسياً؟
الجواب بسيط: البطولة البشرية هي للبحار: رجل متعب تجاوز سن الشباب (ردفورد) لم يمنحه المخرج أسماً عن قصد،  كان انطلق في رحلته قبل حين. هو الآن فوق مركب يهتز (إقتصادي  يعبّر عن الوطن) ضائع وسط عواصف الحياة الحاضرة (المحيط). بالتالي لدينا تحديداً فيلم سياسي الصياغة من بطولة رجل واحد ضائع كما الأميركي حالياً وسط الحالة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية التي لم يعد يفهمها في عالم متلاطم كأمواج البحر العاتية. حتى وإن لم تؤمن بأن هذا في بال المخرج حين كتب و، من ثم، أخرج هذا العمل الرائع، فإن الخروج بهذه المعاني أمر ممكن إلى درجة أنه سيكون غريباً لو أن المخرج لم يقصدها. 
بداية الفيلم ذات أهمية قصوى. كما ذكرت هناك المقدّمة الصوتية، ثم صمت تام. بطلنا مستغرق في النوم، وهذا أيضاً مقصود ويحمل دلالاته. بعد أن ينقذ الرجل مركبه ويبتعد عن الحاوية مبحراً في محيط شاسع، يسد الثغرة ويسعى للإتصال بفرقة إنقاذ لكنه يفشل. المحرك لا يعمل. الماء الذي دخل المركبة وصل إلى ركبته أو كاد، وها هو يجلس الآن يضخّـه حتى الكلل. الوقت يمر بطيئاً، وهو ينظر إلى الخارطة التي معه ويقرر أنه يتّـجه إلى ممر بحري تؤمّـه البواخر العابرة. هذا جيّـد لأن أحداً قد يراه وينقذه. لكن قبل ذلك لابد من عاصفة. ينتظرها داخل المركب (يختار المخرج أن تبقى الكاميرا في الداخل معه على أن تظهر ما يمكن أن يشكل إستعراضاً تشويقياً للعاصفة وهيجان البحر الهادر). يعيش انقلاب المركب رأساً على عقب، ثم حين يخرج من مكانه ينقلب المركب مرّة ثانية. في المرّتين ينجو لكنه هول التجربة يعقد اللسان.
ينام في مشهد آخر، وحين يستيقظ يجد أن الماء تسرّبت الى المركب ثانية. هذه المرّة بات واضحاً أنه سوف لن يستطيع إنقاذ المركب من الغرق. في مشهد لاحق، بعدما انتقل إلى طوافة نجاة، ينام مرّة أخرى، ليفيق فيجد أن شاحنة ضخمة مرّت به ولم يكن مستعداً في الوقت المناسب لطلب النجدة. بعد ذلك، كلما سها تفوته فرصة أخرى. أليست هذه المفارقات مقصودة لكي تقول شيئاً عن أميركي يسهو وكلما استيقظ وجد نفسه غائصاً أكثر في اليأس؟

على عكس الفيلم المفبرك «حياة باي» [آنغ لي- 2012] لا خدع ولا مؤثرات ولا فانتازيا من الحيوانات هنا. ليس هناك استعراضات كبيرة ولا إنتاج ضخم ينتقل بسيناريو ينتقل بين موقعين أو ثلاثة. ولا حتى صوت أو تعليق. فيلم شبه صامت يبدأ بعبارة يتولاها صوت الشخص لرسالة قصيرة أودعها زجاجة ورمى بها في البحر. بعد ذلك ثلاثة أو أربع كلمات متفرقه (منها «الله» و«النجدة»). وفي النهاية، لا يزال بين الموت والحياة.
الرسالة التي نسمعها بصوت ذلك الرجل يأتي دورها لاحقاً. ها هو الرجل يكتبها بعدما نفذ الماء والطعام ولم يبق لديه أي إختيار. لقد مرت به ثلاث بواخر/ فرص ولا زال في مكانه. يكتب الرسالة  التي كنا سمعناها قبل أن يعود الفيلم سبعة أيام إلى الوراء ويضعها في زجاجة ويرميها في البحر.
كم رائعة تلك التفاصيل التي في هذا العمل. قبل أن يرمي الزجاجة ينظر حوله متسائلاً (في قرارة نفسه وبلا صوت) أين عليه أن يرميها وفي أي إتجاه، لكنه لو كان يعرف لما أصبح هنا. يرميها من يده بأقل أمل ممكن. في مشهد آخر، هناك سمك صغير تحت الطوافة ثم سمك أكبر ثم يأتي السمك الذي يأكل السمك الأصغر ثم يحوم حول الطوّافة. لكن المخرج أذكى من أن يحوّل العمل إلى Jaws [ستيفن سبيلبرغ- 1975]. يلتصق بمادته فهي قوية من دون إفتعال
في النهاية يرى بطله بصيصاً ما… لم يعد لديه تلك الأسهم النارية التي يستطيع إطلاقها في الجو. يشعل أوراقاً ويسارع في إشعال المزيد من الأوراق. فجأة يجد الطوافة كلها تحترق. يرمي نفسه في الماء ويترك جسده يتهادى تحت السطح… لقد قرر أن يموت. لكن لحظة… ها هو بصيص النور أصبح فوقه. هذه المرّة هناك من جاء مستطلعاً. هذا الرجل سيقرر السباحة إلى السطح ثانية. يقطع المخرج الفيلم هنا.
من ناحية، حكاية الرجل، لو خلعنا عنها كل الأبعاد، انتهت بأمل أن يبقى حياً.
من ناحية أخرى، وعملاً بالأبعاد المؤسسة جيّداً، هذا المواطن يرى أملاً… بما أن المخرج لم يتابع صعود بطله إلى السطح متجنّـباً التأكيد على نجاته، فإن نجاته هو احتمال فقط. لكنه إحتمال كبير.

Director
J.C. Chandor ****
Cast: Robert Redford *****
Writer:   
J.C. Chandor ****
Producers: ****
Neal Dodson, 
Anna Gerb,  
Justin Nappi, 
Teddy Schwarzman,  
Kevin Turen.
Cinematographers: ****
 Frank G. DeMarco 
 Peter Zuccarini 
Editor: ****
 Pete Beaudreau 
Music: ****
 Alex Ebert 
Production Designer: ***
 John P. Goldsmith 


The Wolf of Wall Street    
ذئب وول ستريت
    *****
إخراج:   مارتن سكورسيزي   Martin Scorsese 
دراما [سيرة حياة] الولايات المتحدة (2013)
أدوار أولى:  ليوناردو ديكابريو، مارغوت روبي، جونا هيل، كايل شاندلر، ماثيو ماكوهوني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقد: محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


في فيلم مارتن سكورسيزي الجديد (الخامس له مع الممثل ليوناردو ديكابريو- إقرأ الملف أعلاه) يذكر بطل فيلمه، جوردان بلفور (يؤديه ديكابريو)، أنه يتبرّع للكنيسة كما أن النداء بإسم السيد المسيح يتردد مرّتين على الأقل، حتى لتظن أن بلفور مسيحياً. في الواقع، وكما يأتي ذلك في كتاب جوردان بلفور الذي قرأته قبل المشاهدة وتم تحويله إلى سيناريو هذا الفيلم، هو يهودي. تدرك ذلك في الفيلم حين يتم تقديم والده ماكس (روب راينر) ووالدته ليا (كرستين إيبرصول) في مطلع النصف الثاني من الفيلم، إلا إذا ربطت طبعاً بين عائلة بلفور الفيلم ووعد بلفور الشهير. أهمية ذلك هي أن الناحية اليهودية المذكورة في الكتاب (في الواقع وضع جودران كتابين أحدهما تحت عنوان «ذئب وول ستريت» والثاني بعنوان «القبض على ذئب وول ستريت» لكن معظم ما يرد في الفيلم مبني على أحداث الكتاب الأول) لا تشكّـل في الفيلم أي أهمية، لا هي ولا حقيقة أن جوردان أحاط نفسه بمعاونين يهود منهم محاميه ماني رسكين (جون فافريو) وشريكه دوني أزوف (جونا هيل) وبعض كبار موظّفيه ومعاونيه مثل ألدن كوفربيرغ (هنري زبروفسكي) ولوكاس سولومون (ج. س. ماكنزي) ونك كوزكوف (ب. ج. بيرن) وبراد الذي يظهر بقلادة ذات كلمة يهودية (جو برنثال). سكورسيزي يترك الأسماء تتحدّث عن نفسها وذلك هو الفعل الصحيح ولو أنه نقطة إبتعاد عن بعض ما يرد في الكتاب من حقائق. 
وهناك «إبتعادات» أخرى بعضها لابد منه بالضرورة لأسباب سينمائية بحتة، لكن ما يلتقي الكتاب والفيلم عليه ليس من الحسنات: كلاهما يصبغ على جوردان بلفور هالات من الأعجاب. الكاتب يسمح لنفسه بأن يطري على حذقه وشطارته ولا يعبّـر عن أسف حقيقي لما ارتكبه من جرائم مالية بحق مستثمرين، ويتباهى بما ارتكبه بحق نفسه أيضاً من إدمان مستشر على معظم ما هو متاح من المخدّرات، والفيلم يجاريه في ذلك فإذا به عبارة عن ثلاث ساعات من الإستعراض المفرط في إحتفائه بصرف النظر عن أن المشاهد سوف لن يستطيع الإعجاب بجوردان حتى مع تمثيل ديكابريو له.
لا يحكم سكورسيزي على الشخصية بنفسه، بل يترك للمشاهد أن يحكم عليها. لكنه في منوال فعله هذا يبتعد عن الطرح الصحيح لما كان يجب عليه أن يكون هدفاً تحتياً لا وجود له مع ما نراه على الشاشة. فالفيلم هو أكثر عن شاب أرعن ونساء عاريات وممارسات جنسية مكشوفة واستنشاق الكوكايين وابتلاع حبوب كويتلود (في الكتاب والفيلم تفسير مختصر لتاريخ هذه الحبوب التي نشطت في الثمانينات كتجارة ممنوعة). إنه عن أسلوب حياة لا ينتهي إلى إدانتها مطلقاً، و«زيرو» معالجة لعالم الشجع المالي للمؤسسات المالية الأميركية التي يدور الفيلم في أتونها.

تعود الأحداث إلى العام 1987. كلمات بسيطة يتلوها بلفور/ جوردان بصوته (طوال الفيلم بعد ذلك) قبل أن يباشر عمله الأول في مؤسسة مالية في وول ستريت. "أنت لا شيء"، يصرخ في وجهه موظف أعلى منه وهو يتولى قيادته إلى مكتبه في يومه الأول. سريعاً ما يتعرّف على مسؤول المؤسسة مارك (ماثيو ماكوهوني في دور صغير ممتليء) الذي يدعوه إلى الغذاء ويعطيه نصيحتان: الكوكايين وممارسة العادة السريّـة (رغم أن جوردان كان متزوّجاً) على أساس أن كليهما  (الكوكايين والعادة السرية) سيساعدانه على نحو مطلق التعامل مع الضغط الناتج عن العمل في البورصة. حال جوردان المالي يتحسّـن كثيراً، لكنه يفقد عمله بعد حين قريب بسبب أزمة إقتصادية ضاربة. يجد عملاً في مكتب يقع في «شوبينغ مول» يتعامل بحجم مالي ضئيل جدّاً لكنه يمنح موظفيه خمسين بالمئة عن كل عملية يقوم بها. سريعاً بعد ذلك ما يستقل من المكتب بعدما حقق ما يكفي من المال لفتح مؤسسته الخاصّـة. إلى هذه المؤسسة يضم دوني (هيل) وبعض الآخرين من معدومي المعرفة بالعمل المصرفي من أي نوع. جوردان يخلق هذا الفريق ويحثّـهم على العمل وعندما تحقق المؤسسة نجاحاتها يحث كل منتم جديد بنفس الطريقة. يقول ويعني ما يقول: "أريد كل منكم أن يصبح ثرياً" وهو كان بدأ ذلك بالقول: "ليس هناك كرامة في الفقر".
دولاب النجاح والإثراء السريع ينطلق ومعه حفلات من المجون المطلق ومظاهر البذخ بلا حدود. جوردان لم يبخل على نفسه بشيء: طائرة خاصّـة ويخت اشتراه هدية لزوجته الثانية (الأولى طلّقته بعدما شاهدته في وضع مخل مع الفتاة التي أصبحت زوجته الثانية وهذه طلّـقته بعدما بات مهدداً بالسجن). لا حدود لشهيته المفتوحة على المتع الجنسية والحسيّـة. في سن السادسة والعشرين من العمر حقق ثروة قدرها 49 مليون دولار، لابد أن كذا مليون منها ذهب استنشاقاً للمخدّرات وضخّـاً للمنويات. سكورسيزي لا يبخل على المشاهد بأي من هذه المشاهد إلى حد أنها تشكل تكراراً بحد ذاتها. ليس هناك إيحاءات بل كله مكشوف. وهذا يتطلّـب بذخ الفيلم (ميزانيّـته 100 مليون دولار) على نواحي الديكور والتصاميم الإنتاجية المختلفة والإدارات الفنية.
ما أراده سكورسيزي لفيلمه، بصرياً، لم يكن من الكماليات على الإطلاق. لتصوير عالم جوردان الموصوف في كتابه لابد من ملء خانات الفيلم بالأماكن التي تعكس ذلك الثراء المكاني وفي شتّى أماكن التصوير. المسألة طبعاً ليست مجرد التصوير فوق يخت أو في فيلا كبيرة بل في الديكورات المستخدمة والتجهيزات الفنية التي تصاحبها.
رغم ذلك، يبقى كل شيء على السطح. مثل أي مادة مسكوبة لا يمكن لها أن تخترق البلاط بل تعوم فوقه. المشهد الوحيد الذي يحمل معنى تحتياً بليغاً هو ذلك الذي نشهد فيه مواجهة بين جوردان وموظّـف الأف بي آي باتريك (الجيّد كايل تشاندلر) فوق اليخت. لقد وصل باتريك (ومساعد له) آتين إلى المكان بالمترو. يجلس باتريك مع جوردان الذي يخبره أنه لا يقوم بأي عمل غير قانوني (طبعاً كان يكذب ففحوى عمله هو الإيهام بارتفاع أسهم مؤسسة ما لكي يجر قدم الزبون للشراء مع إدراكه بأن ما يعرضه ليس بالضرورة صحيح) ثم يدور بينهما حوار هذا بعضه: 

جوردان: "أريدك أن تفهم أننا لا نخالف القانون في أي شيء" (بعد قليل): "عليك أن تنظر إلى ما يحدث في المؤسسات الكبيرة، غولدمان، ليمان، ميريل. أستطيع أن آخذك خطوة خطوة حيال ما يحدث. أنا مستعد".
باتريك: "لا أرى سبباً في أن جلسة كهذه لا يمكن لها أن تكون مربحة لنا نحن الإثنين".
إيحاء يبني عليه جوردان خطوته التالية: 
جوردان: "سؤال آخر تستطيع أن لا تجيب عليه: كم تحقق في السنة: خمسين ألف دولار، ستين ألف دولار".
باتريك (متظاهراً ببعض الحرج): "دعنا نضع المسألة على هذا النحو: يعطونك مسدساً مجانياً حين تنضم إلى المكتب".
هنا جوردان يبادر إلى إعلان "قرفه" من أن رجالاً مخلصين بنوا أميركا مثل موظّـفي الأف بي آي يُـعاملون هكذا. فيسأله باتريك كم حجم إتفاق تعاون كهذا. يجيب جوردان: "شمالي نصف مليون دولار".
ليس فقط أن باتريك كان يسحب قدم جوردان موهماً إياه برغبته في إجراء صفقة لأجل أن يورطه في عملية رشوة، بل المشهد كناية عن تداعي عالمين قانوني وغير قانوني وكشف عن موظّـف محدود الراتب ولص بهيئة رجل أعمال كان حقق، قبل هذا اللقاء بقليل 22 مليون دولار في ثلاث ساعات من العمل (كما يصرخ شريكه أزوف). حين يدرك جوردان الحيلة يسأل التحريان مغادرة المركب: "عودا بالمترو الذي جئتما به". يخرج من جيبه لفّـة من المال وينثر بعضها في الهواء لإظهار أنه لا يكترث. هو الثري. 
هذا، بالنسبة لمشاهد أميركي معظمه ينتمي إلى حال التحري الطبقي والمعيشي، هو المشهد الوحيد الذي يختاره المخرج لإدانة بطله. صحيح أن الفيلم ليس مصنوعاً للإعجاب بجوردان، لكنه لا يفعل ما يكفي للتعرّض إليه من موقف أخلاقي أو من موقف مبدأي أو قانوني أو أي موقف آخر. معالجة سكورسيزي هي ساخرة بلا ريب لكنها سخرية تبقى مثل ذلك الماء المسكوب، على السطح. لا تختمر وتترك المشاهد يخرج من الفيلم بقناعاته ذاتها التي دخل بها. لو دخل وهو في موقف مؤيد لحياة البذخ والجريمة الإقتصادية فلن يغيّـر الفيلم رأيه، ولو دخل محافظاً وناقداً لذلك الموقف، فإن الفيلم لا يزيده إقتناعاً. في الحالتين يمر كعرض وليس كموقف.

لكن يا له من عرض: ثلاث ساعات بلا لحظة ملل واحدة. ومع أن هناك العديد من المشاهد هي تكرار لما ورد منها سابقاً (من بينها ثلاث خطب حول الجشع الجيّد والمصلحة الفردية وكيفية النصب على الأبرياء) إلا أن الفيلم لا يسقط تحت هذا التكرار بسبب معالجة بصرية أخاذة يستخدم فيها المخرج قاموسه من المفردات الفنية. تصوير رودريغو برييتو جيّـد وخدوم معاً. موظّـف ضمن خطّة سكورسيزي الإجمالية توظيفاً تامّـاً. كذلك التصميم الإنتاجي (لبوب شو الذي لم يعمل كثيراً منذ أن صمم الديكور لآنغ لي فيلمه «عاصفة الثلج» (1997) ولفرنسيس فورد كوبولا «صانع المطر»  (1998)
الحيوية التي يصنع سكورسيزي منها هذا الفيلم ليست موجودة في أي فيلم آخر حديث. وذلك ليس فقط بجهد رائع من مونتيرة سكورسيزي المفضّـلة ثلما سكونماكر، بل نتيجة تصميم شامل لكيف يريد المخرج فيلمه أن يكون  سردياً وشكلياً عليه (مختلف هذا الأسلوب تماماً عن آخر فيلم أخرجه من بطولة ديكابريو وهو «شَـتر أيلاند» سنة 2010).
يستخدم سكورسيزي أغاني معيّـنة من الفترة، مثل أغنية البلوز الشهيرة لهاولينغ وولف Spoonful (حول كيف يتقاتل البعض لمعلقة من الكوكايين) ومثل كل المقطوعات الجازية للمؤلف أحمد جمال.
هذا تقدّره في صنعة سكورسيزي  وحيوية استخدامه كافّـة عناصره في هذا الفيلم أكثر مما تفعل إذا ما بحثت، مثلاً، عن شخصية جوردان كما أدّاها ديكابريو. هذا الممثل جيّـد فيما يقدّمه، لكنه في بعض الحالات هذه الجودة ليست مطلقة وهذا الفيلم من بينها لأن الشخصية (كما في السيناريو) لا تتغيّـر. هناك مسحة دائمة من الإستعراض العاطفي أو النفسي من دون تبلور داخلي. الحق ليس عليه بل على الكتابة (السيناريو لترنس وينتر وهذا أكبر مشروع قام به ولم يتعاون سابقاً مع سكورسيزي) الشخصية التي يؤديها ليست مركّـبة. تفتقد إلى صراع داخلي. مكتوبة للفيلم كما كتبها جوردان لكتابه. في نهاية المطاف تشعر بأن جوردان (الذي تم حبسه لثلاث سنوات فقط واسترداد جزء مما نهبه من الآخرين ولا يزال القضاء ينتظر منه استكمال دفع الجزء الثاني، والذي تقاضى أكثر من مليون و700 ألف دولار عن كتابيه و حقوق الإقتباس) كان يشاهد الفيلم ضاحكاً ومعجباً ومزهوّاً كأي جرذ تغلّـب على طرق صيده.


Director
Martin Scorsese ****
Lead Actor: 
Leonardo DiCaprio ***
Cast: *** 
Jonah Hill, Margot Robbie, Matthew McConaughey, Kyle
Chandler, Rob Reiner, Jean Dujardin, Cristin Milioti
Writer:   
 **
Terence Winter
Producers/ Production: ***
Reda Aziz, Leonardo DiCaprio, Joey McFarland, Martin Scorsese,  Emma Tillinger Koskoff.
Cinematographers: ***
Rodrigo Prieto 
Editor: ****
Thelma Schoonmaker
Soundtrack: **** 
Production Designer: ****
Bob Shaw 




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2008- 2014
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


1 comments:

Unknown said...

قراءتك تعطي دوما ابعادا أخرى للعمل السينمائي وتكتمل متعة الفيلم بنقدك له ..شكرا لك