ISSUE 8 | Angelopolos' The Weeping Meadows | Francis Ford Coppola's The Conversation | Jan Troell's Everlasting Moments| + Young Cassidy & Alamo



قبل العرض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم الأسبوع
The Weeping Meadow
هل سيبقى المخرج اليوناني ليو أنجيلوبولوس ممنوعاً من المشاهدة العربية دون قرار الا لأن أفلامه ليست تجارية؟ الغالب نعم٠ لكن لدينا خيار الكتابة عنها على الأقل وفي هذا العدد رأيت إختيار فيلمه ما قبل الأخير »المرج المنتحب« لهذه الغاية بإنتظار فرصة مشاهدة فيلمه الجديد »غبار الزمن«٠
.......................................................................................................
أفلام جديدة
Milk
هناك من سيتّهمني بأني لم أحب هذا الفيلم بسبب موقفي »الأخلاقي« من الأفلام التي تبرمج نفسها كمروّجة للحب الشاذ٠ لكن -على حقيقته- ليس السبب الذي لأجله لم أطق فيلم غس ڤان سانت الجديد٠
Everlasting Moments
المخرج السويدي يان ترووَل واحد من اولئك المخرجين الذين نشأوا على أثر ذيوع شهرة مواطنه إنغمار برغمن من دون تحقيق ذات النجاح الغربي. في فيلمه الأخير »لحظات أبدية« يطرح نسيجاً من حياة ذات ملامح آسرة- كعادته٠
.......................................................................................................
استعادات
A Very Long Engagement
الفيلم الفرنسي »فترة خطوبة طويلة جداً« لمخرجه لجان- بيير جونيه (ثاني فيلم له من بطولة أودري توتو) حقق نجاحاً كبيراً حين عُرض عالمياً، لكن - وكما يرى الصديق الناقد إدغار نجّار- هناك ما هو أكثر أهمية من نجاح كبير وهو اللغة الفنية العالية التي وظّفها المخرج فيه٠
.......................................................................................................
عشرون سنة ذهبية
في هذه الزاوية الأسبوعية الجديدة سأختار أفلاماً مميّزة ومهمّة تنتمي الى العقدين الفريدين الرائعين من السينما العربية والعالمية وهما الستينات والسبعينات٠ في هذه الحلقة الأولى سأتوقّف ملياً عند فيلم فرنسيس فورد كوبولا »المحادثة« (بالإضافة الى فيلمين آخرين). لماذا »المحادثة«؟ ربما لأن الكاميرات الخفية والتنصّت على خصوصيات الإنسان في الغرب وصل اليوم الى ذروته... او ربما لأني أنتهيت من مشاهدته (للمرّة السادسة مثلاً) للتو واكتشفت كم أنا مسحور به٠


فيلم الأسبوع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Triology: The Weeping Meadow To Livadhi Pou Dhakrisi | الثلاثية: المرج المنتحب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Theo Angelopoulos: إخراج: ثيو أنجيلوبولوس
اليونان‮/ ‬فرنسا 2004
دراما تاريخية‮ [‬الحرب الأهلية‮/ ‬صعود الفاشية‮/ ‬الحرب الثانية‮] [ ‬ألوان‮- ٥٣ ‬مم‮- ٠٣١ ‬د‮].‬
نقد: محمد رُضا
.........................................................................................................................................

‮١. ‬سمات
كل أفلام ثيو انجيلوبولوس تتطلب صبرا طويلا اذ‮ ‬يفتح المخرج صفحات أفلامه بروية مقصودة وأحيانا بأبطأ مما‮ ‬ينبغي‮. ‬لكن‮ »‬المرج المنتحب‮« ‬أكثرها بطأً‮ ‬ورويّة‮. ‬ما‮ ‬يكوّن البطء ليس حركة الكاميرا ولا المونتاج ولا حتى التصميم المسبق للمشاهد ثم تنفيذها حسبها‮. ‬ما‮ ‬يكوّن البطء هو المعالجة المذكورة بنواحيها الثلاثة عندما لا تجد في‮ ‬الصورة المنقولة ما‮ ‬يُثير‮. ‬عندما لا‮ ‬يكون هناك في‮ ‬المادة المنقولة،‮ ‬في‮ ‬الموضوع الماثل،‮ ‬ما‮ ‬يشغل البال او العين،‮ ‬ما‮ ‬يحيل المتابعة الى عملية انتظار. ليس أن المشهد الرائع الممتثل على الشاشة فارغاً، لكن مضمونه يأتينا هذه المرّة بارداً٠‬
‮»‬المرج المنتحب‮« ‬بذا هو أقل أفلام انجيلوبولوس إثارة لأن لا شيء مثيرا‮ ‬يقع ولأن الموضوع الماثل قد‮ ‬يكون مهما ضمن معالجة أخرى،‮ ‬لكنه خال من تلك الومضات التي‮ ‬تجيز له ملء ثلاث ساعات من العرض على هذا النحو الرتيب‮. ‬حكاية المهاجرين اللذين تحابا وتزوّجا ثم نزحا من القرية التي‮ ‬غمرتها المياه وتعرضت لملاحقة الفاشية ثم انشطرت بسببها وبسبب الحرب الأهلية في‮ ‬الخمسينات معالجة من دون تفاعلاتها وبقليل او نذر من الأبعاد التي‮ ‬كان‮ ‬يمكن تجسيدها‮. ‬الكاميرا قد تأخذ وقتها لكي‮ ‬تتقدم صوب مشهد مشاة معلقة من كراعها على أغصن شجرة كبيرة،‮ ‬لكن التجسيد المقصود لا‮ ‬يوازي‮ ‬تكوين المشهد دلالة او عمقا‮. ‬انه كما لو أن المخرج صرف وقتا طويلا على التصميم وأقل على محاولة معرفة ما اذا كانت المشاهد المُصمّمة مرتبطة بما هو مقصود منها بالفعل‮.‬

‮٢. ‬سيناريو
يبدأ الفيلم بواحد من المشاهد الكبيرة المحببة لدى المخرج‮: ‬جموعا قادمة من الهضاب‮ ‬يتقدمها رجل وزوجته وولده ومعهما فتاة صغيرة التقطها الزوجان‮ ‬يتيمة‮. ‬السنة هي‮ ٩١٩١ ‬والمهاجرون هم‮ ‬يونانيون نازحون من روسيا‮ ‬يبغون العودة الى بلادهم ويصلون الى نهر ثيسالونيكي‮ ‬ويقفون عند الطرف الشمالي‮ ‬منه تحت ستار تعليق مقروء‮ (‬بصوت المخرج نفسه‮) ‬يوضح حالتهم ومن هم ثم‮ ‬يخصص العائلة المذكورة بالعناية‮. ‬حين وصول النازحين الى ضفة النهر‮ ‬ينطلق سبيروس‮ (‬فاسيليس كولوفوس‮) ‬بالكلام ناظرا مباشرة الى الكاميرا حيث من المتفرض ايضا ان‮ ‬يكون هناك مستقبل ما على الضفة الأخرى‮ ‬يوجه سبيروس كلامه اليه‮. ‬يقفز الفيلم‮ ‬سنوات الى الأمام حيث أسس النازحون قرية نشطة ومزدهرة‮ (‬بنيت خصيصا في‮ ‬منطقة كركيني‮) ‬تسرح فوقها الكاميرا‮ (‬بإداراة اندرياس سينانوس‮) ‬مصوّرة أناس وحيوانات وبيوتا تتنفس المكان الطبيعي‮ ‬بدعة‮. ‬انها نقطة عالية من الفيلم ليس بسبب الكاميرا المنصبّة من بعيد ومن فوق‮ ‬على القرية،‮ ‬بل عالية ايضا لأنها تشمل حركة كاملة محاكة بتفاصيل ثرية‮. ‬حين‮ ‬يعود المخرج الى شخصياته نجده اختص بالشخصيتين اللتين ستسودان الفيلم بأسره‮: ‬إيليني‮ (‬أيديني‮) ‬الفتاة اليتيمة وإبن سبيروس‮ (‬الذي‮ ‬يبقى بلا إسم ويؤديه نيكوس‮ ‬بورسانديس‮) ‬وكلاهما‮ ‬يحبان بعضهما البعض‮ ‬غصبا عن الأب سبيروس الذي‮ ‬كان‮ ‬يطلب الزواج من الفتاة‮ (‬بعد وفاة زوجته خارج أحداث الفيلم المباشرة‮) . لكن الفتاة والإبن يهربان من القرية التي‬تنطلق في‮ ‬البحث عنهما‮ (‬خلال البحث فإن الجميع‮ ‬ينادي‮ ‬إيلينا ولا‮ ‬ينادي‮ ‬إسم الإبن‮). ‬ينضم العاشقان الى‮ ‬فرقة موسيقية‮ ‬يقودها نيكوس‮ (‬أرمنيس‮) ‬حيث‮ ‬يبرهن الإبن عن عزف من شأنه‮ »‬جعل الأشجار ترقص‮« ‬كما‮ ‬يصف نيكوس لعب الإبن على الأكورديون‮.‬
في‮ ‬مشهد‮ ‬يقترن مباشرة بالمسرح الإغريقي‮ ‬ومنفذ بذات الحس التراجيدي‮- ‬المسرحي‮ ‬يقتحم سبيروس مسرحا مهجورا تحوّل الى مكان سكني‮ ‬للجوّالين والمهاجرين مناديا‮ ‬ايلينا راجيا منها أن ترد عليه‮. ‬يعلم أنها تسمعه‮. ‬يقف على المسرح منفردا‮ (‬والكاميرا من ورائه‮) ‬ويتلو ما‮ ‬يوازي‮ ‬صفحة حوار من السيناريو‮. ‬بعد ذلك‮ ‬يوزع المخرج‮ ‬الإداءات الرئيسية بين بعض أفراد الفرقة والعاشقين وبذلك‮ ‬يأخذ من بطولة ايلينا وزوجها مقحما الُمشاهد في‮ ‬لا مركزية الحدث وشخصيات الفيلم الى أمد بعيد هو أقسى ما‮ ‬يرد على الشاشة من فصول الفيلم كونه كان قابلاً للإختزال لو شاء‮ ‬أنجيلوبولوس ذلك‮. ‬الفترات الزمنية تتعاقب والفرقة الموسيقية تنقسم على نفسها بسبب ميل بعضهم لسياسة اليمين الفاشي‮ ‬وبقاء الآخرين عرضة لملاحقة السلطة وسجنهم لها‮. ‬حياة الزوجين،‮ ‬وقد رزقا الآن بتوأمين،‮ ‬تصبح أكثر صعوبة في‮ ‬تلك الفترة فيعودان الى القرية التي‮ ‬نزحا منها حيث‮ ‬يطالعنا مشهد الشاة المعلقة‮. ‬في‮ ‬الليلة ذاتها‮ ‬يفيض النهر ويغمر القرية ويضطر الزوجان وطفليهما للنجاة على ظهر مركب صغير‮. ‬مرة أخرى‮ ‬يستعرض المخرج تصاميمه المناظرية الواسعة لمشهد طويل من المراكب وقد حملت أعلاما تتوجه بعيدا تاركة الزوجين على الضفة الأخرى‮. ‬هذا الفصل‮ ‬يليه فصل من التطوّرات السياسية حتى آخر الفيلم‮. ‬الزوج‮ ‬يقرر تحقيق حلمه القديم والهجرة الى أميركا‮. ‬والزوجة بعدما تخسره وتمر السنوات وينشأ طفليها‮ ‬يتوجهان لجبهة قتال في‮ ‬الحرب الأهلية اليونانية في‮ ‬أواخر الأربعينات‮. ‬أحدهما تعود السلطة بجثته‮. ‬الثاني‮ ‬تجده أمه ميّتا في‮ ‬بيت العائلة القديم الذي‮ ‬لا زال‮ - ‬جزئيا‮- ‬مطمورا بمياه النهر‮ (‬في‮ ‬الواقع بحيرة كركيني‮). ‬الأم هي‮ ‬الوحيدة التي‮ ‬تبقى ناحبة الذكريات والسنون ووحدتها بغياب الزوج في‮ ‬اميركا دون أثر‮.‬


‮٣. ‬تصميم‮ ‬
يكتنز الفيلم تاريخ اليونان والمنطقة البلقانية وأوروبا اكتنازاً مبهراً. يتحدّث عن مراحل من مطلع القرن لحين نشوب الحرب العالمية الثانية ويتعرّض لعقدة أوديب من ناحية وللفاشية على بساط واسع من ناحية أخرى. إنها بانوراما نشطة وثرية من بانورامات المخرج الكبير٠
لكن الأمر يتعثر حين الإنتقال من المشهد العام الى الخاص. تعلم أن المخرج‮ ‬يدافع عن أسلوب عمل حتى من دون أن‮ ‬يملك،‮ ‬لمعظم الوقت،‮ ‬ما‮ ‬يملأ فراغات المشاهد التي‮ ‬ينفذها،‮ ‬حينما تلحظ أن تصميم المشهد التمثيلي‮ ‬يقوم على الحركة المسرحية الكلاسيكية بكل ثقلها وتتابعها الرتيب‮. ‬في‮ ‬المشاهد التي‮ ‬نرى في‮ ‬ممثلا‮ ‬يقود باقي‮ ‬الممثلين،‮ ‬متكلما او متحركا،‮ ‬تجد باقي‮ ‬الممثلين‮ ‬يتابعونه جميعا بحركة واحدة مجتمعة‮. ‬الحركة الناتجة عن متابعة الشخص الماثل كيفما تحرك‮. ‬تلك المشاهد التي‮ ‬تعكس حركة جماعية ما،‮ ‬هي‮ ‬تلك التي‮ ‬لا حوارات فيها والتي‮ ‬صممها المخرج كمشاهد كبيرة‮. ‬والحوار نفسه هو أقرب الى المونولوغ‮ ‬منه الى الديالوغ‮. ‬وبشكل‮ ‬غالب ايضا‮ ‬يثق أنجيلوبولوس بأن مناظره ذات الرمز واصلة‮. ‬ذلك المشهد المتكرر لشراشف بيضاء منشورة‮ ‬يلوح بها الهواء جميلة كتكوين لكنها خالية كمضمون‮. ‬جميلة للتعبير عن شيء،‮ ‬لكن لا‮ ‬يبدو أن هناك شيئا تعبّر عنه‮.‬
والحال هذه،‮ ‬لا عجب أن التمثيل،‮ ‬باستثناء إداء‮ ‬ألكسندرا أيديني‮ (‬في‮ ‬بعض مشاهدها الأخيرة‮) ‬ويورغوس أرمينيس‮ (‬في‮ ‬معظم مشاهده‮) ‬خال من الحياة بدوره‮. ‬انه من المؤسف كيف أن الطفلين الصغيرين‮ ‬يكادان‮ ‬ينفذان حرفيا تعاليم بدنية من نوع‮ »‬تتقدم خطوة واحدة وتقف هنا‮« ‬وشأنهما لا‮ ‬يختلف كثيرا عن شأن الكبار‮.‬
المشاهد التي‮ ‬تنجح أكثر من سواها تلك العامة الكبيرة التي‮ ‬تصوّر حالة شاملة كمشهد القرية الأول،‮ ‬ثم مشهدها وقد فاضت المياه من حولها‮. ‬هنا‮ ‬ينفذ انجيلوبولوس الى أعماله السابقة‮. ‬يجد المشاهد الرابط الإبداعي‮ ‬بين تلك الأعمال وبين هذه المشاهد المميزة‮. ‬في‮ ‬سياق الأساليب القائمة على كاميرا التأمل‮ (‬من أندريه تاركوفسكي‮ ‬وما دون‮) ‬يقف انجيلوبولوس عادة في‮ ‬موقع متقدم‮. ‬لكن هذا الفيلم لن‮ ‬يساعده بأي‮ ‬حال‮. ‬يذكر بقيمته لمن شاهد أعماله السابقة،‮
‬ويطرح سؤالا حول ما اذا كان‮ ‬يستحق كل هذه الهالة لمن لم‮ ‬يشاهد أفلامه من قبل‮.‬

٤. جمال الحزن
لكن يجب أن لا يُفهم من كل هذا أن دور الصورة، بحسانها، لم يكن الا جواد يمتطيه المخرج صوب لا شيء كبيراً. إنه في الوقت الذي يعيب هذا الناقد كل ما ورد من ملاحظات، لا يزال مشدوداً الى فيلم يسبح في الحزن كما حال أبطاله. الحزن الجميل الذي لا يعرف سبباً واحداً لكي ينتشر كالسحابات الرمادية فوق الرؤوس، بل أكثر من سبب. أهمّها ما مرّت به اليونان من تاريخ ينسج المخرج أفلامه على نسقه. أحياناً بجدارة عالية (كما الحال في »الممثلون الجوّالون« إذ يغطي التاريخ اليوناني ما بين 1939 وحتى 1952) و»الأبدية ويوم« الذي يتداول الحقبة الأوروبية الحالية) وأحياناً بهذا القدر من التميّز الذي يكتفي به الفيلم هنا٠ مثل أفلام أنيجيلوبولوس جميعاً، هذا ليس تاريخ ألكسندر الكبير ويونان الإلياذة او بلاد الشمس والبحر. إنها يونان وأوروبا وعالم متلبد السماء غير باعث على الأمل وهو ليس مفبركاً في هذا الشأن أيضاً٠

Dir: Theo Angelopoulos

Cast: Alexandra Aidini (Eleni), Nikos Poursanidis (Son), Yorgos Armenis, Vasilis Kolovos, Eva Kotamanidou, Toula Stathopoulou Zissis, Mihalis Yannatos,
Thalia Argyriou.
Scr:Angelopoulos, Tonino Guerra, Petros Markaris, Giorgio Silvagni.
Dir. of Phot.: Andreas Sinanos (C).
Editor: Yorgos Triantafyllou (178m).
Music: Eleni Karaindrou.
Producers: Angelopoulos, Fivi Ekanomopoulos.
Prod Comp: Theo Anelopoulos/ Greek Film Centre/ Attica Art/ Hellenic Broadcasting Corp/ BAC Films/ Inetermedia Arte [Greece/ France- 2004].






أفلام جديدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Milk
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Gus Van Sant إخراج غس فان سانت
بيوغرافي | الولايات المتحدة
نقد: محمد رُضا
.......................................................................................................
ميلك هو هارڤي ميلك، أول رجل مُثلي تم إنتخابه رسمياً في وظيفة حكومية أميركية هو عمل ناجح من نواحي فنية عدّة، لكنها جميعاً غير شافية. الفيلم لا يشكّل خطوة للأمام او للوراء بالنسبة للمخرج (المستقل حيناً والعامل لهوليوود حيناً) غس ڤان سانت، بل ينتمي الى مجموعة أفلامه الترويجية للروح الليبرالية. هنا في مفهوم حق المرء أن يكون لواطياً والدفاع عن حياته وتحويله الى شخصية رائدة وبطولية طالما أنها تخدم رسالة الفيلم٠
لكن باحتواء هذه المسألة، فإن الدوافع الذاتية التي في صلب موضوع الفيلم إذ تفرض على المخرج دفع الشخصية الى الأمام بغية »بيعها« الى الجمهور العريض ، تفشل في التوجّه فعلياً الى كل الناس عبر تخصيص الحديث عن رجل لا ذنوب او أخطاء او نواقص لديه٠ بعض من يعرفون هارڤي ميلك وحياته يقولون أنه دفع بخمسة من عشّاقه الى الإنتحار. إذا كان هذا صحيحاً، لم لا نرى هذا الجانب مطروحاً كذلك على الشاشة؟
يبدأ الفيلم بهارڤي ميلك (شون بن) وهو يسرد تاريخ السنوات الثماني الأخيرة من عمره وذلك قبل يوم واحد من عيد ميلاده الأربعين. ننتقل الى مترو نيويورك حيث يتعرّف على سكوت (جيمس فرانكو) ويتصاحبان. بعد عامين هما في سان فرانسيسكو حيث يفتتحان دكاناً لبيع الكاميرات في شارع كاسترو (مشهور بقاطنيه) ويتحرّك الفيلم سريعاً فإذا بهارڤي يكوّن وجوداً ملموساً في الشارع مدافعاً عن حقوق الشاذّين ما يرشّحه ليصبح نشطاً على نحو غير رسمي ثم رسمي عاملاً على الدفاع عن حقوق أترابه. ومتحدّثاً بإسم الجماعة في الخطب والمنتديات ومهاجماً بوليس المدينة الذي يحاول إحباط المساعي السياسية للشاذّين بعدما أصبح انتشارهم، في الشارع فالحي فالمنطقة ثم المدينة لاحقاً وأميركا كلها كما لو أنهم المقصودون في فيلم
The Invasion of Body Snatchers دون سيغال الرعبي
مدهماً٠
يستعين المخرج في هذه المرحلة من الفيلم، كما في المراحل التالية، الكثير من المواد الأرشيفية لرجال البوليس وهم يضربون الرجال المخنّثين او يجرّونهم الى شاحنات الإعتقال. لا ريب هنا في موقفه فهو يتحدّث عن الشاذّين كحديث مارتن لوثر كينغ عن حقوق الأفرو- أميركيين. لكن في حين أن العنصرية التي مورست ضد السود في الولايات المتحدة، كانت قضية إنسانية لها كل مقوّمات النضال السياسي والإجتماعي فإن سانت جاهز لتجاوز هذه النقطة هنا على أساس أن المفهوم ذاته مطبّق هنا ومسلّم به٠
لكن شخصية هارڤي ميلك لا تصيب الهدف تماماً مرّة أخرى لا يعني حماس شون بن ولا جرأته (لا أحد من الممثلين يتمتّع بجرأته كونه مستقيماً يلعب دوراً شاذّاً بكل متطلّباته السطحية: قبل، ضم، لمس لكن من دون مشاهد جنسية فعلية) الا وسيلة لمشاركة المخرج رغبته في بلورة شخصية مقدامة ذات شأن في حركة الدفاع عن الشواذ. لكن الشخصية تبدو طوال الوقت واثقة من خطواتها ونتائج تلك الخطوات وبلا عمق يُذكر. لا يطلب المرء شخصية تتألّم لواقعها، لكن واحدة تستطيع أن تعكس القدر الحقيقي من المشاكل النفسية وليس فقط الناتجة عن الكر والفر بينه وبين البوليس او المحافظين المعادين٠
في السابق، كانت أفلام غس فان سانت المُثلية تلتزم بالرغبة في أن تكون موحية والى حد كبير شعرية ورمزية. صحيح إنها كانت تؤدي ذات الرسالة التي يؤديها الآن »ميلك« الا أنها كانت تنتمي الى أسلوب أكثر صدقاً في توليف الفن على الموضوع. هنا ينتقل المخرج الى العرض المباشر مثل واحد انتقل من العمل السري الى العمل العلني فافتتح دكّاناً زيّنه بالصور والألوان وجلس ينتظر الزبائن وعينه على الأوسكار في الوقت ذاته٠
DIRECTOR: Gus Van Sant.
CAST: Sean Penn, James Franco, Emile Hirsch, Josh
Brolin, Diego Luna, Alison Pill.
SCREENPLAY: Dustin Lance Black.
CINEMATOGRAPHER: Francine Maisler (Colour).
MUSIC: Danny Elfman.
EDITOR: Elliot Graham (128 min)
PRODUCER: Bruce Cohen, Dan Jinks.
PROD. COMPANY: Focus Features [USA- 2008].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Everlasting Moments Maria Larssons Eviga Ogonblick | لحظات ماريا لارسون الأبدية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



Jan Troell إخراج: يان ترووَل
دراما إجتماعية | نروج/ فنلندا/ ألمانيا- 2008
نقد: محمد رُضا
......................................................................................................
على الرغم أن يان ترووَل لم ينقطع عن الإخراج بل ثابر عليه منذ مطلع الستينات والى اليوم، الا أن شهرته ليست في مستوى موهبته وطموحاته٠ عرفه هذا الناقد من أيام بيروت حين تم عرض فيلمين متتابعين له الأول »المهاجرون«، (1971) والثاني »عروس زاندي« (1974) ثم مرّت سنوات عدّة قبل أن يلتقط له فيلماً ثالثا هو حياة المؤلّف النروجي نوت هامسون في »هامسون« (مع ماكس ڤون سيدو في سنة 1996) والآن هذا الفيلم٠
لحظات ماريا لارسون الأبدية، او »لحظات أبدية« كما العنوان الإنكليزي، قصّة ذات مراحل تاريخية تنتقل من العام 1907 الى ما بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. شخصياته حقيقية لكن جرى التعامل معها سينمائياً ومحورها هو ماريا لارسون (ماريا هايسكانن) المتزوّجة من سيغفريد لارسون (ميخائيل برشراند) ولهما -في مطلع الفيلم- أربعة أولاد٠ حياتهما فقيرة ومن البداية يرسم المخرج خطوطاً رمزية موحية بالوضع الطبقي المحيط: الفقير والثري. الحدود والإمكانيات الضيقّة للأول والحياة المرفّهة للثاني. حين تتصاعد النبرة اليسارية في الشارع يزيد المخرج من نسبة التعاطي في هذه المسألة مصوّراً جزءاً من الصراع بين العمّال (الزوج سيغفريد بينهم) وبين أصحاب العمل. لكن دائماً المحور الحدثي هو الحياة العاطفية والإجتماعية الخاصّة بالبطلة والقصّة هي قصّتها الخاصّة٠ فماريا تعلم أن زوجها يخونها، وتتحمّل من حين لآخر ضربه وتعنيفه وشربه وسوء أخلاقه، لكنها زوجة من طراز تلك الفترة حيث لم تكن الطرق مفتوحة أمام انتفاضة المرأة على الوضع، وإن كانت فلم تكن لكل النساء٠ هنا، في الوقت الذي نتابع فيه إيمان هذه المرأة بأهمية الحفاظ على زواجها (لأسباب إقتصادية) وبالتالي اضطرارها لإحباط الإنتفاضة على الوضع، نتابع في شكل مواز -والى حين فقط- فشل الزوج في الإنتصار على وضعيته العملية كيد عاملة في نظام رأسمالي. بالضرورة، كلا الزوجين منتم الى الآخر عن طريق تلك اللُحمة الإقتصادية والإجتماعية والأحداث تبرهن أن نمو كل منهما (وانتصار الزوج على نواقصه في النهاية) تم بسبب إصرار المرأة، وليس الرجل، على تطوير تلك الذات٠
ذات يوم تخرج ماريا من مخلّفات الأيام كاميرا فوتوغرافية يدوية وتتجه الى دكان كاميرات لبيعها وصاحب المحل (جسبر كرستنسن) يقنعها بأن تتعلّم التصوير وتمارسه. وإذ تفعل يصبح التصوير أكثر من هواية تمارسها لفنّها، بل عملاً يؤمّن لها دخلاً هي بحاجة اليه لجانب دخلها كمنظّفة بيوت وخيّاطة في بيتها. . خلال فترة سنوات طويلة تتعامل الأم مع شؤون البيت والزوج والأولاد بما في ذلك تدخّلها حين يحاول شقيق المرأة الثرية التي كانت ماريا تنظّف لها البيت مداعبة إبنتها الشابة. المرء يعيش تلك الحالات مع بطلة الفيلم ويؤيّدها بطلاقة وبنفس التلقائية التي تمثّل فيها ماريا هايسكانن الدور٠ لكن المخرج إذ يقدّم الزوج على ذلك النحو السلبي، ينشد دوماً ربط الصورة بالواقع وعدم محاولة كسب أصوات المشاهدين ضدها على نحو مجّاني هو شائع هذه الأيام٠
الى ذلك، يبهرنا العمل بقدرة مخرجه على تصوير نضال إمرأة في سبيل الحفاظ على عائلتها والحفاظ على هوايتها وفرحها بها وهي تلتقط الصور٠ هناك ذلك المشهد الذي تأخذ فيه صوراً لاجتماع ثلاثة ملوك سويدين التقوا لبحث كيفية البقاء حيادياً وسط الحرب التي تدور في الجوار. بينما هي تلتقط الصورة بكاميرتها القديمة (تبدو قديمة آنذاك أيضاً) يلتقط لها صاحب المحل بكاميرا سينما بدائية صورتها من دون أن تدري. وحين ترى صورتها مرتسمة على الشاشة تُذهل وتصدّق أنت ذهولها٠
علاقتها بصاحب المحل فيها الكثير مما يمكن بحثه. في إختصار هي لم تبرح علاقة حب من طرفها واعجاب من طرفه. لم تنتقل الى علاقة (على عكس ما اعتقد الزوج ذات مرّة) لكنها حوت كل العناصر التي كان يمكن لها أن تقع مع غير ماريا وفي غير هذا الفيلم٠
المعالجة الدرامية ليست وحدها المختلفة عن أفلام اليوم الأخرى، بل كذلك المعالجة الفنية٠ يان ترووَل هو أيضاً مدير تصوير (وهو مدير تصوير فيلمه هذا وعدد من أفلامه السابقة) لذلك تجد انسجاماً وسهولة قلّماً تجدهما في أي فيلم آخر من حيث علاقة المخرج بالكاميرا. ما هو مختلف أيضاَ في هذا المجال هو التصوير الطبيعي (في معظمه) الذي ينقلنا الى واحدة من سمات سينما الأمس القريب . لقطاته، قريبة، بعيدة، داخلية، خارجية، هي رسم في الزمن والتفاصيل والحركات٠ مع ممثلين بالغي الطبيعة في تفاصيل حركاتهم، تتلوّن الدراما بلون تلك الفترة من دون انفصام. ليس أن الفيلم مضطر لأن يغرق في التفاصيل بل هو تفاصيله المختلفة. هو الثياب والديكور ولون الطبيعة وشكل الباب وحجم المكان والوقت من النهار او الليل٠ هو أيضاً تلك اللقطات للأعين والشواهد ولما يجول في البال ويعبّر عنه الممثل صمتاً او حواراً. الفيلم يبدأ بتعليق من إحدى بنات المصوّرة (كولين أورڤول) تسرد ذكرياتها عن تلك الفترة، لكنه لا يتحوّل الى كم من التعليق الصوتي وبالتالي لا خوف من السقوط في مسألة: لماذا التعليق إذا ما كنا نرى ما يقوله لنا٠
الفيلم عن تلك المرأة في الصدارة وعن الحياة الإجتماعية والسياسية خلفها وباقي الشخصيات حولها٠ ولن تجد بين القصّة الفردية والقصّة الإجتماعية/ السياسية منفذاً تتسرّب منه العناصر الفنية تائهة او مهملة٠ عمل رائع يأتي من الأمس في زيارة لسينما اليوم لمن لا يزال يستطيع أن يتعلّم شيئاً او شيئين من هذا الفن٠
الإنتصار الكبير لهذا الفيلم هو أنه في الوقت الذي نشاهد فيه قصّة فرد في الصدارة وهي تمارس حياة كل يوم ومشاعر كل ساعة بمفهوم من الثبات والقناعة وقبول الواقع الصعب من خلال انفراجاته الصغيرة، نوالي أيضاً، وبفضل براعة الكتابة والإخراج، استقبال بانوراما للحياة الكبيرة الحاوية٠ من دون مشاهد حربية، نعيش تلك الحرب ومن دون افتعال الزمن نصبح جيراناً لماريا٠

DIRECTOR: Jan Troell
CAST: Maria Heiskanen, Mikael Persbrandt, Jesper Christensen,
Emil Jensen Ghita Nørby
SCREENPLAY: Niklas Rådström
CINEMATOGRAPHER:Jan Troell, Mischa Gavrjusjov [Colour].
MUSIC: Matti Bye
EDITOR: Niels Pagh Andersen (131 min).
PRODUCERS: Tero Kaukomaa, Christer Nilson, Thomas Stenderup,
PROD. COMPANY: Final Cut Prods./ Blind Spot
Pictures [Norway/ Finland/ Germany].



إستعادة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
A Very Long Engagement Un long dimanche de fiançailles | فترة خطوبة طويلة جداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Jean- Pierre Jeunet | إخراج: جان-بيير جونيه
دراما عاطفية | فرنسا- 2004
نقد: إدغار نجّار
......................................................................................................

للمرة الثانية‮ ‬يبرهن لنا جان بيير جونيه بأن السينما الأوروبية‮ (‬هنا الفرنسية‮) ‬ليست مقتصرة على‮ »‬العقلانية‮« ‬و»الفنية‮« ‬فقط‮. ‬فالفكرة السائدة بأن‮ ‬غالبية الأفلام التي‮ ‬تنتجها أوروبا هي‮ »‬حرفية‮« ‬،‮ »‬داخلية‮«‬،‮ »‬بطيئة‮« ‬و»صعبة‮« ‬وبالتالي‮ »‬مضجرة‮« ‬كذّبها هذا المخرج الفرنسي‮ ‬بفيلمه الرائع‮ »‬المصير العجيب لأميلي‮ ‬بولان‮« (‬2001‮ ‬المعروف أيضاً‮ ‬بـ‮ »‬إميلي‮«) ‬الذي‮ ‬حصد نجاحاً‮ ‬فنياً‮ ‬وجماهيراً‮ ‬وحصد عدة جوائز عالمية‮ ‬وفيلمه الأخير‮ »‬يوم أحد طويل لخطوبة‮«‬،‮ ‬المعروف تحت عنوان‮ »‬خطوبة طويلة جداً‮« (‬2004‮) ‬والذي‮ ‬لم‮ ‬يكن‮ »‬مصيره‮« ‬أقل رونقاً‮ ‬من سابقه‮.‬
ما‮ ‬يميّز‮ »‬إميلي‮« ‬عن‮ »‬خطوبة طويلة جداً‮« ‬هو أن الأول أنجز على الطريقة الأوروبية بميزانية ضئيلة إذ‮ ‬كان‮ »‬حرفياَ‮« ‬أكثر مما كان‮ »‬صناعياً‮ ‬متقدّماً‮« ‬بينما الثاني‮ ‬استعان بأموال أميركية واستفاد من الإمكانات الضخمة المرصودة له ليعطي‮ ‬فيلما عالمياَ‮ ‬يضاهي‮ ‬أفضل الأفلام الهوليوودية مع التشديد أن أن جونيه عرف كيف‮ ‬يبقى‭ ‬أوروبيا في‮ ‬الجوهر‮. ‬وذلك‮ ‬يتجلى في‮ ‬العمق والهم الجمالي‮ ‬والدقة التفصيلية في‮ ‬رسم الإنسان‮ ‬غير‮ »‬الأحادي‮« ‬النابض بالحياة والهواجس‮.‬
السينما في‮ ‬السنوات الأخيرة تقدّمت تقنياَ‮ ‬بشكل‮ ‬يلفت الإنتباه ويثير أحيانا الدهشة بفضل تطوّر المؤثرات الخاصة المكلفة‮ (‬صوتاً‮ ‬وصورة‮) ‬مما جعلنا نتحمّل الكثير من الأفلام المرتكزة فقط على‮ »‬الإحتفال‮« ‬بهذه التقنيات والفارغة من أي‮ ‬بعد إنساني‮ ‬او حس فني‮ ‬جمالي‮ ‬حيث وضعت الآلة او‮ »‬الصناعة‮« ‬قبل الإنسان والفن‮. ‬هكذا سينما لم تعرف كيف او لم تكن قادرة على أن تخضع الإمكانات والتقنيات لصالح او لخدمة المضمون فأتت لتبهر العين والأذن ليس إلا‮. ‬لم تتعدى كونها عرض عضلات او عرس مجاني‮ ‬وكأن هناك طلاق ما بين الفن ودوره وماهيته من جهة والتقنيات الموجودة فقط ليُنهل منها وتزوّد هكذا فن بلغة تعبيرية أفضل‮. ‬في‮ ‬الحقيقة هذه الحالة هي‮ ‬مشكلة صناعيين وليست أزمة فن أو فنانين‮. ‬فالسينمائيون المبدعون‮ ‬يعرفون تماما كيف تستعمل الوسائل التقنية الجديدة التي‮ ‬يعتبرونها موجودة فقط لدعم سردهم الدرامي‮ ‬للأحداث وليس للإستمتاع بها واستعراضها معزولة عن صلب المضمون والبناء والروائية‮. ‬
وما‮ ‬يلفت الإنتباه إنه بالرغم من أن‮ »‬خطوبة طويلة جداَ‮« ‬يُصنّف تحت خانة أفلام الحرب الا أنه‮ ‬يختلف عن‮ ‬غيره من مئات أشرطة الحرب التي‮ ‬ شاهدناها مع الإقرار بأن هذا النوع قدّم الكثير من الأفلام الجيدة والمهمة كان من آخرها‮ »‬الخط الأحمر الرفيع‮« لترنس مالك و»إنقاذ الجندي‮ ‬رايان‮« ‮ ‬لستيفن سبيلبرغ‮. ‬مشاهد المعارك في‮ »‬خطوبة‮...« ‬بألوانها الرمادية القاتمة وكادراتها المتقنة من خلال كاميرا متحركة مع تركيبها وتوليفها بشكل عصبي‮ ‬هي‮ ‬نابضة بواقعية قلّما شاهدناها‮. ‬حتى على صعيد الصوت،‮ ‬نسمع رصاص وشظايا جونيه تنهش الثياب والأجساد والبنادق والخوذات المعدنية ما‮ ‬يؤكد بأن هذا المخرج الفرنسي‮ ‬متميّز عن الكثير من زملائه من حيث أنه لا‮ ‬يتسلّى او‮ ‬يلعب بالمؤثرات الخاصة،‮ ‬بل‮ ‬يسخّرها ويستغلها ليعبّر عن همجية ووحشية الحرب‮.‬
عند جونيه العدو ليس الألماني‮ ‬كما هو شائع في‮ ‬السينما الهوليوودية بل العدو الحقيقي‮ ‬هو الحرب وعنفه ولا إنسانيته مثلما‮ ‬يصورها هذا المخرج حتى عند مواطنيه وخاصة المسؤولين الكبار منهم‮. ‬والألماني‮ ‬كما‮ ‬يظهر عنده خاصة في‮ ‬بداية الفيلم‮ ‬يثير الشفقة أكثر من البغض‮. ‬فهو إما جثة هامدة مشوّهة‮ ‬يٌسرق منها الحذاء او شاب خائف لا‮ ‬يتمكن من إطلاق النار على عدوّه الفرنسي‮ ‬فيُقتل في‮ ‬المقابل‮.‬
من جهة ثانية،‮ ‬نلاحظ أن أبطال أفلام الحرب‮ ‬دائما من الرجال‮. ‬المرأة،‮ ‬في‮ ‬حال وجودها او ظهورها،‮ ‬هي‮ ‬دوما إما صورة في‮ ‬محفظة الرجل او موجودة في‮ ‬ذاكرته ومخيّلته هو فقط‮. ‬فيلم جونيه بطلته إمرأة،‮ ‬يدور ويتمحور حول إمرأة تلعب الدور الأساسي‮ ‬فيه‮. ‬فهي‮ ‬تحرّك الأحداث،‮ ‬تسترجع الذكرى لتصبّها في‮ ‬حاضرها ومستقبلها‮.‬
وهنا‮ ‬يجدر الذكر بأن جونيه‮ ‬يمكن تصنيفه كجورج كيوكور وإنغمار برغمن من حيث إنه هو أيضا‮ »‬مخرج النساء‮«. ‬وما‮ ‬يٌسجّل له إنه تمكن في‮ »‬إميلي‮« ‬من خلق شخصية سينمائية‮ ‬قلمّا تمكن هذا الفن من إيجادها على‮ ‬غرار الأدب الروائي‮ ‬والمسرح‮. ‬ونراه في‮ »‬خطوبة‮ ...« ‬يعيد الكرة ويجعل من بطلته ماتيلد‮ (‬أودريه توتو‮) ‬شخصية لا‮ ‬يمكن نسيانها او تجاهلها فهي‮ ‬شاخصة وعائشة وراصخة أمام المشاهد أثناء العرض وبعده‮.‬
بالإضافة الى أن هناك التشابه الكبير ما بين شخصية إميلي‮ ‬وشخصية ماتيلد‮. ‬فما‮ ‬يجمعهما هو ذلك التأرجح ما بين الواقعية والفانتازيا‮. ‬وما لا‮ ‬يفرقهما هو ذلك العزم والإصرار على تغيير حياتهما وحياة الأخرين‮ (‬الأولى عبر الحلم والثانية عبر الذكرى وتخيّلها‮) ‬ويجب ملاحظة أن‮ »‬خطوبة طويلة جداً‮« ‬يعرض أحداثاً‮ ‬جرت ما بين العام‮ ‬1910‮ ‬و1920‮ ‬اي‮ ‬في‮ ‬حين كان الروائي‮ ‬الفرنسي‮ ‬الكبير مارسيل بروست ناشطاً‮ ‬على طريقته في‮ ‬البحث عن الزمن الضائع ولقائه والبطلة ماتيلد لا تستعرض وتستعيد ماضيها وذكرياتها فحسب،‮ ‬بل تعيشها وتستذكرها وتعيد بنائها في‮ ‬حاضرها‮.‬
تدور أحداث الفيلم حول فتاة في‮ ‬تمام العشرين من عمرها وُلدت في‮ ‬أول‮ ‬يوم من القرن العشرين تبحث عن خطيبها المفقود منذ سنة‮ ‬1917‮. ‬إنه مانيك‮ (‬غاسبار أولييل‮) ‬الذي‮ ‬حٌكم عليه بالإعدام مع أربعة مجنّدين آخرين لأنهم حاولوا التهرب من الخدمة كل بإطلاق النار على‮ ‬يده اليمنى‮ (‬تشويه ذاتي‮) ‬لكي‮ ‬لا‮ ‬يشترك في‮ ‬القتال‮. ‬فهل نُفّذ الإعدام بالخطيب او هل نجا من الحكم ولا‮ ‬يزال حيا؟ ونرى الفتاة تتحرى عن حبيبها وتسعى لمقابلة زملاء له ربما عرفوا شيئا عن مصيره وذلك في‮ ‬قالب تشويقي‮ ‬متين‮ ‬يتخطى كون الفيلم شريط حب او حرب‮. ‬فالأنواع الدرامية عند جونيه تختلط او تذوب ما بين التراجيدي‮ ‬والرومانسي‮ ‬والبوليسي‮ ‬والتاريخي‮ ‬مع لمسات لا تخلو من الكوميديا في‮ ‬أسلوب خلاب ومؤثر‮ ‬يتمايل ما بين الواقعية الفجة والخيال الشاعري‮ ‬المرهف‮. ‬فالروائية عنذ هذا المبدع هي‮ »‬قطعة حياة‮« ‬لا‮ ‬يحدها او‮ ‬يحصرها نوع‮.‬
وبما أن‮ »‬خطوبة‮....« ‬يعرض أحداثاً‮ ‬جرت أبان الحرب العالمية الأولى‮ ‬يتطرّق جونيه الى الوقائع ويمحورها ضمن الركائز القديمة للنظام الإجتماعي‮ ‬وهي‮ ‬الدين والحب والطب والقانون‮.‬

◊‮ ‬الدين‮ ‬◊
اللقطة الأولى من الفيلم هي‮ ‬لتمثال السيد المسيح على الصليب‮. ‬التمثال فقد جزءاً‮ ‬من منتصفه‮ ‬والصليب فقد أحد أطرافه‮. ‬في‮ ‬سياق الشريط نعلم أن كنيسة كانت قائمة ما بين الجبهة الفرنسية والجبهة الألمانية اي‮ ‬في‮ ‬الأرض المحايدة الفاصلة بين الجيشين والتي‮ ‬لا‮ ‬يملكها أحد‮ (‬منطقة حرام‮). ‬هذه الصورة الأولى وخلفيتها السماء الممطرة الملبّدة بالغيوم‮ ‬تضعنا في‮ ‬إطار المدلول على إنتهاك حرمة الدين وشرائعه‮. ‬من ثم‮ »‬تنزل‮« ‬كاميرا جونيه ببطء الى الأرض الموحلة او بالأحرى الى الخندق،‮ ‬خندق البشرية التي‮ ‬عزلت نفسها عن تعاليم‮ »‬المحبّة‮« ‬ووصية‮ »‬لا تقتل‮« ‬وذلك بعد أن تمر على جندي‮ ‬يولع سيغارته من القنديل المعلّق فوق الأسياج الشائكة ويعبيء رئتيه بسم الدخان وكأنه‮ ‬غير مبالي‮ ‬وهازيء من قوانين الأرض والسماء‮.‬
وتظهر الكنائس في‮ ‬الفيلم إما من خارجها او من على سطحها او من خلال بابها‮. ‬كاميرا جونيه لا تدخلها ولا تصوّرها من جوفها‮. ‬وعندما تتصل ماتيلد هاتفياً‮ ‬بالكاهن نرى هذا الأخير‮ ‬يخرج من الكنيسة الى الممر ليأخذ المكالمة قاطعاً‮ ‬تمارين الكورس على الأناشيد الدينية وكأن عمل الكاهن مقتصر على تلاوة الصلوات والغناء وليس على مساعدة رعاياه ومواطنيه روحياً‮ ‬وحياتيا مثلما‮ ‬يتضح في‮ »‬ردّّه‮« ‬على ماتيلد‮. ‬كما أننا نلاحظ أن هذه الأخيرة تردد دائماً‮ ‬كلمة‮ »‬المرحومين والديّ‮« ‬ feu mes paretns عوض أن تقول مثلاً‮ »‬رحمهما الله‮« ‬que Dieu ait leurs âmes ‮. ‬
ولا نراها تصلّي‮ ‬مرة واحدة او تتضرّع الى الله لتطلب منه أن‮ ‬يساعدها في‮ ‬إيجاد خطيبها حياً‮ ‬يُرزق‮. ‬عوض ذلك تلعب دوماً‮ ‬لعبة حظ صبيانية بقولها مثلاً‮ »‬إذا وصلت الى مفترق الطريق قبل السيارة فهذا‮ ‬يعني‮ ‬أن مانيك لا‮ ‬يزال حياً‮« ‬و»إذا أتى الكلب الى‮ ‬غرفتي‮ ‬قبل موعد العشاء إذاً‮ ‬خطيبي‮ ‬قد نجا‮« ‬الخ‮...‬
هذه الملاحظات تدعم قولنا سابقاً‮ ‬أن جونيه بقي‮ ‬فرنسيا في‮ ‬الصميم،‮ ‬فأدب القرن العشرين الأوروبي‮ ‬ومنذ الحرب العالمية الأولى ومن ثم الثانية‮ ‬يدور بمعظمه حول‮ »‬سكوت الله‮« ‬او‮ »‬صمته‮«. ‬أي‮ ‬كيف‮ ‬يسمح سبحانه وتعالى وهو الخالق القادر بالحروب وبالمصائب التي‮ ‬تحل على البشر؟ بالطبع الجواب كان متفاوتاً‮ ‬بين الكتّاب والمفكرين الملحدين من جهة‮ (‬موقفهم او جوابهم أصلاً‮ ‬لا‮ ‬يحتاح الى تفسيرات وتعقيدات‮) ‬وبين الأدباء المؤمنين في‮ ‬جهة مقابلة والقائلين أن مشيئة الله وتدخلاته في‮ ‬حياة الناس تتجلى بأشكال متعددة وحكمة لا‮ ‬يحدها العقل البشري‮. ‬والله عند جونيه‮ ‬يتجلى بالرحمة والشفقة والرأفة والعطف والحنان اي‮ ‬بالحب الذي‮ ‬أنعم به عز وجل على عباده‮. ‬ففي‮ ‬أول لقاء للخطيبين عندما كانا طفلين مانيك‮ ‬يسأل ماتيلد العرجاء‮ »‬هل تشعرين بالوجع عندما تمشين؟‮«. ‬هذا السؤال ذاته‮ ‬يعود الشاب الفاقد الذاكرة في‮ ‬نهاية الفيلم الى طرحه من جديد في‮ ‬أول كلمة‮ ‬يتوجه بها الى هذه‮ »‬الغريبة‮« ‬التي‮ ‬أتت لزيارته‮. ‬فالحنان والعطف والشعور بآلام الآخر هو ما‮ ‬يحرك الخطيبين‮ ‬والمجتمعات التي‮ ‬هي‮ ‬علمانية أكثر‮ ‬مما هي‮ »‬روحانية‮« ‬او‮ »‬دينية‮«.‬


◊‮ ‬الحب‮ ‬◊
المجتمع الغربي‮ ‬المعاصر المادي‮ ‬والحر جنسيا فقد رونق الحب الذي‮ ‬لم‮ ‬يعد واقعياً‮ ‬بمفهومه او حتى أمراً‮ ‬يمكن تصديقه إذ أنه‮ ‬يرى في‮ ‬مجمله أن الحب،‮ ‬ضمن عدة أمور أخرى،‮ ‬هو أيضا قد مات الا في‮ ‬الخرافة وربما في‮ ‬الشعر‮. ‬وحتى في‮ ‬حال وجوده فهو لاهث وأمده قصير لا‮ ‬يعرف او‮ ‬يتعرف على الوفاء والإخلاص‮ (‬ومن هنا نرى أن العنوان‮ »‬خطوبة طويلة جداً‮« ‬له معانيه المبطّنة‮). ‬لذا‮ ‬يتضح أن مفاهيم الحب قد انقلبت وتغيّرت وفقدت من وقعها ومصداقيتها السابقة‮. ‬فقصص الحب أضحت تصنّف الآن بأنها رومانسية او ميلودرامية أي‮ ‬غير واقعية فعلا‮. ‬لكن جونيه‮ ‬يضع الحب تحت راية المأمول و»المحلوم‮« ‬اي‮ ‬في‮ ‬خانة الشعر مما‮ ‬يضفي‮ ‬على حالة الحب التي‮ ‬تحملها ماتيلد لمانيك طابعاً‮ ‬مصداقياً‮ ‬يتفاعل معه المشاهد ويعتبره مقبولاً‮ ‬منطقياً‮ ‬حتى في‮ ‬زمن لم‮ ‬يعد‮ ‬يؤمن بوجود الحب‮. ‬وماتيلد لا نراها تبكي‮ ‬كغيرها من المتيّمات في‮ ‬السينما والأدب،‮ ‬بل المرة الوحيدة التي‮ ‬تذرف الدمع بها ليست عندما‮ ‬يزفون لها الخبر الكاذب بأن مانيك قد قضى ومات بل عندما تتأكد بأن مانيك لا‮ ‬يزال حياً‮ ‬يرزق‮. ‬فالأمل والإصرار على تصديق الحلم هو ما‮ ‬يحركها،‮ ‬وبهذه الطريقة تبعث حبيبها حياً‮ ‬حتى وإن كان بالفعل قد توفّى‮.‬
وبما أنه قيل الكثير عن بعض‮ »‬الثغرات‮« ‬في‮ ‬السيناريو مثل فارق السن بين ماتيلد ومانيك،‮ ‬فهي‮ ‬تصغره،‮ ‬كما‮ ‬يتكرر في‮ ‬الفيلم،‮ ‬بسنة واحدة وقد وُلدت في‮ ‬أول‮ ‬يوم من أول شهر من العام‮ ‬1900‮ (‬تفصيل درامي‮ ‬روائي‮). ‬لكن‮ ‬يرد لاحقاً‮ ‬في‮ ‬الفيلم بأنه عندما جُنّد سنة‮ ‬1917‮ ‬كان‮ ‬ينقصه خمسة أشهر ليصبح في‮ ‬العشرين مما‮ ‬يجعله أكبر سناً‮ ‬من ماتيلد بثلاث سنوات وليس بسنة واحدة‮ (‬في‮ ‬الحوار‮ »‬الصائب‮« ‬لغيوم لوران عندما تقف ماتيلد على قبر مانيك المزعوم تقول له‮: »‬عندما كنت حياً‮ ‬كنت أكبر مني‮ ‬بسنة واحدة اما اليوم للأسف فأنا أكبر منك بكثير‮«). ‬لكنني‮ ‬أعتقد أن هذا الخطأ المفترض والجلي‮ ‬والواضح هو مقصود أي‮ ‬بأن كل هذا ربما هو إختلاق مخيلة مراهقة تريد أن تضفي‮ ‬بعض اللمسات الحلمية على علاقة ربما هي‮ ‬أيضا كانت وهمية او‮ ‬غير دقيقة‮. ‬مثلما هي‮ ‬المصابة بالشلل في‮ ‬ساقها تتمكن من الركض مسافة طويلة لتلحق بالسيارة قبل أن تصل الى مفترق الطريق لأنه بهذا‮ ‬يثبت أن خطيبها لا‮ ‬يزال على قيد الحياة‮.‬
كما إنه من الممكن أن تكون ماتيلد مثل تلك الأم التي‮ ‬فقدت إبنها في‮ ‬الحرب و»تستبدله‮« ‬بمانيك الفاقد لذاكرته‮. ‬فتلك السيدة تعرف تماماً‮ ‬بأن هذا الشاب ليس إبنها لكنها تقول للسلطات إنه هو وتعامله على هذا الأساس حتى آخر‮ ‬يوم من حياتها‮.‬
ربما أيضاً‮ ‬أن القدرس‮ (‬طائر الألباتروس‮) ‬في‮ »‬خطوبة‮...« ‬الذي‮ ‬يُعاوَد ذكره مراراً‮ ‬كإسم للطائرة الحربية الألمانية وكأحد طيور البحر الضخمة العنيدة والمثابرة التي‮ ‬حكى عنها الشاعر العملاق شارل بودلير كـ‮ »‬رفيق سفر بليد‮ ‬يتبع السفن المنزلقة فوق الهاويات المرة‮« ‬كما‮ ‬يتلو سيلستين بو‮ (‬ألبير دودونثل‮) ‬الذي‮ ‬يتغاضى ربما عمداً‮ (‬أيضاَ‮) ‬عن ذكر آخر القصيدة التي‮ ‬يرد فيها بأن الشاعر هو شبيه هذا الطير الذي‮ ‬يتحدى العواصف والمخاطر والذي‮ ‬يعرج‮ (‬مثل ماتيدا‮) ‬لأن أجنحته العملاقة تمنعه من المشي‮ (‬أسلوب الكسوف او طريقة الحجب اي‮ ‬التعمد في‮ ‬عدم تقديم كل التفاصيل في‮ ‬الفن الروائي‮ ‬الحديث‮ ‬يدفع القاريء او المشاهد الى المساهمة الأكثر فاعلية في‮ ‬عملية الخلق إذ‮ ‬يجعل من المتلقي‮ ‬شريكا للمؤلف في‮ ‬تكوين الأحداث والأجواء وتصوّر الشخصيات‮).‬
من جهة أخرى‮ ‬يتطرق جونيه الى عدة أنواع من الحب‮. ‬فبالإضافة الى حب ماتيلد ومانيك اللذان‮ ‬يحفران دائما‮ »‬ثلاث مرات حرف‮ ‬M‮ ‬على الشجر والأجراس وغيرها للتأكيد على حبهما المتبادل وكأنهما‮ ‬يريدان تثبيته وترسيخه وتسجيله في‮ ‬ذاكرة الأشياء،‮ ‬هناك أيضاً‮ ‬مثلث‮ (‬موضة معاصرة‮) ‬إيلودي‮ ‬غورد‮ (‬النجمة الأميركية جودي‮ ‬فوستر‮) ‬وزوجها‮ (‬جان بير داروسين‮) ‬وصديقه باستوش‮ (‬جيروم كيرشر‮) ‬كذلك العلاقة المميزة التي‮ ‬تربط بين الكورسيكي‮ ‬أنجل باسينبانو‮ (‬دومونيك بتنفلد‮) ‬بالمومس تينا لومباردي‮ (‬ماريون كونيار‮). ‬هذه الأخيرة‮ ‬يحركها الإنتقام من الذين تسببوا بموت عشيقها‮. ‬حبها شغف‮ ‬يتداخل‮ ‬فيه القتل والعنف بينما حب ماتيلد هو مغاير كليا لا‮ ‬يعرف العنف‮ (‬المرة الوحيدة التي‮ ‬تلجأ الى العنف عندما تصفع سيلسيتين بو الذي‮ ‬لم تكن له أي‮ ‬علاقة سلبية بما جرى لحبيبها لكنه حاول بكلامه قتل الأمل فيها لا أكثر ولا أقل‮). ‬حبها لا‮ ‬يعرف او‮ ‬يتعرّف على الموت‮ (‬النهاية‮) ‬لأنه الحياة‭ ‬‮(‬البداية والإستمرار‮). ‬كما أن حب مانيك لا‮ ‬يختلف فهو بدوره‮ ‬يرفض الموت والقتل‮. ‬يقول‮: »‬سأعود الى‭ ‬قريتي‮ ‬وحبيبتي‮ ‬بعد تنفيذ الإعدام فيّ‮«. ‬وهو‮ ‬يتطلع الى اليد التي‮ ‬تسبب في‮ ‬عطبها رافضاَ‮ ‬استعمالها للقتل خصوصاً‮ ‬وأن هذه اليد عرفت الحب من قبل إذ كان وضعها على صدر خطيبته بعد أن طارحها الغرام أول مرة‮: »‬إنني‮ ‬أسمع قلب ماتيلد‮ ‬ينبض في‮ ‬راحة‮ ‬يدي‮«. ‬حتى بعد أن فقد أصبعين من أصابع‮ ‬يده المجروحة التي‮ ‬لا تزال مهددة بالغرغرينا والبتر‮.‬

◊‮ ‬الطب‮ ‬◊‮ ‬
ماتيلد مصابة بالشلل في‮ ‬أحد ساقيها لكن لا الطب الشعبي‮ (‬لصقات خردل وشعوذات و»كأس من النبيذ‮ ‬يومياً‮ ‬يبعد الطبيب نهائياَ‮«)‬‭ ‬ولا العلمي‮ (‬علاج الأعضاء بالتدليك او الأدوية‮) ‬يساعدها‮. ‬هنا أيضا الإنسان معزول ووحيد مع آلامه وإذا كان الدين‮ ‬يهتم بخلاص الروح فالطب المهتم برفاهة الجسد والعقل كان عاجزاً‮ ‬أكثر من أيامنا هذه عن تخفيف الآلام او تقديم العلاج لجرحى الحرب او للمصابين بالعاهات الناتجة عن الأمراض الجسدية او النفسية‮ (‬فقدان الذاكرة او الجنون عند مانيك‮). ‬فالمضادات كالبنسلين‮ (‬1928‮) ‬وغيرها لم تكن متوفرة بعد كما أن الطب النفسي‮ ‬لم‮ ‬يكن متطوّراً‮ ‬مثل اليوم او مطبّقاً‮ ‬على الرغم من أن فرويد كان قد بدأ نشاطاته ونشر أكثرية مؤلفاته‮. ‬
وبما أننا نذكر فرويد فيجب أيضا أن نذكر الجنس حيث أن ماتيلد لا تظهر عارية على الشاشة عندما تطارح مانيك الحب‮. ‬لكن جونيه‮ ‬يظهر بطلته عارية أمام الممرض المدّلك الذي‮ ‬تحلم الشابة بأنه‮ ‬يشتهيها وتتصوّره في‮ ‬خلوتها‮. ‬هذه التعرية أمام الطب ما هي‮ ‬الا الإعتراف بأهمية الرغبة الجنسية ودورها في‮ ‬حياة البشر وهو علمياً‮ ‬أمر طبيعي‮ ‬أي‮ ‬غير مبتذل او لا أخلاقي‮ ‬خاصة إنه‮ ‬يبقى ضمن المتخيّل وأن ماتيلد القروية الطيّبة‮ ‬ينتابها الشعور بالذنب والخجل والندم لأنها تشعر بهكذا رغبة نحو رجل ليس خطيبها‮. ‬هي‮ ‬تريد بإصرار أن تبقى وفية لخطيبها سواء أكان في‮ ‬الذكرى او المخيّلة او حتى في‮ ‬الباطن‮.‬
والتكلم عن الطب او العلم وانعكاساته على الحياة الإجتماعية لا‮ ‬يكون مكتملاً‮ ‬إذا لم نتطرق الى الأخلاقية التي‮ ‬تحركه‮. ‬ففي‮ »‬خطوبة‮...« ‬يظهر الطبيب وكأنه الوحيد من بين جميع‮ »‬المسؤولين‮« (‬أي‮ ‬الذين‮ ‬يلعبون دوراً‮ ‬في‮ ‬حياة الناس‮) ‬الذي‮ ‬يتعاطف مع الآخرين ويعاملهم بإنسانية‮. ‬فهو‮ ‬يعرف أن بينوا نوتردام‮ (‬كلوفيس لورنياك‮) ‬ومانيك هما من‮ »‬المتهربين‮« ‬من الخدمة وبالتالي‮ »‬محكومين‮« ‬وذلك بفضل‮ ‬يديهما المجروحتين لكنه‮ ‬يعالجهما دون أن‮ ‬يفضح أمرهما‮. ‬همّه أن‮ ‬ينقذ مرضاه وأن‮ ‬يخفف من آلامهم ضمن الإمكانات المتوفرة لديه‮. ‬في‮ ‬حين أن الشرائع المعمول بها والتي‮ ‬تطبّق على المجتمع خاصة أبان الحروب تدفع بالمواطنين نحو العذاب والموت‮. ‬كما إنه‮ ‬يمكن إعتبار عدم تسليم الطبيب مريضيه المحكومين الى السلطات بأنه‮ »‬تفهم‮« ‬لخصوصيات البشر وظروفهم‮. ‬فالناس لا تتصرف جميعها بنفس الطريقة إذ لها‮ »‬نفسيات‮« ‬مختلفة وأسباب تحرك هذا الفرد بإتجاه مغاير عن سواه‮.‬

◊‮ ‬القانون‮ ‬◊‮ ‬
منذ الدقائق الأولى من الفيلم،‮ ‬أي‮ ‬عند تعرّفنا الى الرجال الخمسة الذين حُكم عليهم بالإعدام،‮ ‬نرى كيف أن هؤلاء سُلخوا قسراً‮ ‬عن بيوتهم وحياتهم الخاصة ليجنّدوا ويُبعث بهم الى الجبهة للقتال‮. ‬أصبحوا أرقاماً‮- ‬كما‮ ‬يعدد صوت راوية الفيلم‮- ‬بفعل قانون جرّدهم من هوياتهم ليصيروا لا مجرّد جنود فحسب،‮ ‬بل حاملي‮ ‬بنادق‮ ‬ينصاعون عنوة لأوامر عسكرية تعسّفية تطبّق بصرامة‮. ‬ومن أجمل لقطات او مشاهد الفيلم هو عندما‮ ‬يأتي‮ ‬العسكر لأخذ المزارع نوتردام الى الجندية دون سابق إنذار فيقوى الريح فجأة بإتجاه عربته والى جانبه زوجته وطفله فيحني‮ ‬السنابل المتموّجة المزروعة على جانبي‮ ‬الطريق وكأنما هبّت عاصفة مباغتة أتت لتقصف وتطيح أبضاً‮ ‬برؤوس الناس العاديين وتقتلعهم من حياتهم الهادئة‮.‬
وكما‮ ‬يقول الفرنسيون‮ »‬القانون هو القانون‮« ‬أي‮ ‬إنه‮ ‬يجب تنفيذه والإنصياع له مهما كان جائراً‮ (‬فبدون‮ »‬نظام‮« ‬يتفتت المجتمع‮). ‬هذا بالطبع أمر مقبول خاصة في‮ ‬الأيام‮ ‬غير الطبيعية‮ (‬الحرب‮) ‬عندما‮ ‬يكون‮ »‬القانون فوق الجميع‮« ‬ويطبّق على الجميع‮. ‬لكن جونيه‮ ‬يرينا أن أول من‮ ‬يضرب بهذا القانون عرض الحائط ويستخف به هم القيّمون عليه‮. ‬فالضباط الكبار في‮ »‬خطوبة طويلة جداً‮« ‬لا‮ ‬ينفّذون أوامر رؤسائهم ويتجاهلونها‮. ‬وعندما‮ ‬يأتي‮ ‬العفو من الرئيس بوانكاريه عن الخمسة محكومين تُمزَّق الورقة او‮ ‬يوضع خطاب الأوامر في‮ ‬الماء لمحو الكلمات المكتوبة‮. ‬هذا الإستهتار بالقانون وبحياة الناس‮ ‬يشدد عليه جونيه بتصويره الضابط الذي‮ ‬يقتله نوتردام‮. ‬فهذا الضابط‮ ‬يركل جثث جنوده ويحثهم على القيام والقتال‮. ‬إنهم جُنِّدوا لكي‮ ‬يقاتلوا ليس الا إذ ليس بالمسموح الموت او العيش الا بأوامره وحسب نزواته‮. ‬أي‮ ‬أن القانون هنا هو ليس لحماية البشر والدفاع عن حقوقهم وحرياتهم‮. ‬أنه قانون وُضع للموت وليس للحياة الحرة الكريمة‮. ‬قانون‮ ‬يفصّل أين وكيف ومتى‮ ‬يموت المرء وليس بأي‮ ‬طريقة‮ ‬يعيش‮. ‬قانون‮ ‬غير عادل‮ ‬يركّز على الواجبات ولا‮ ‬يعتبر او‮ ‬يحترم حقوق الإنسان‮. ‬وهو بعيد كل البعد عن قواعد ومفاهيم‮ »‬الجمهورية‮« ‬الا وهي‮ »‬الحرية،‮ ‬المساواة،‮ ‬الأخوّة‮«.‬
وماتيلد لا تلجأ،‮ ‬حتى بعد الحرب والأحكام العرفية،‮ ‬الى القانون او لمؤسسات الدولة في‮ ‬بحثها عن مصير خطيبها‮. ‬إذ نراها تستعين ليس بالبوليس مثلاً،‮ ‬بل بالتحري‮ ‬الخاص جيرمين بيير‮ (‬تيكي‮ ‬هولفادو‮) ‬وبمحاميها بياري‮ ‬ماري‮ ‬روفيير‮ (‬أندريه دوسولييه‮) ‬الذي‮ ‬تتلاعب عليه وعن طريقه تتمكن من‮ »‬سرقة‮« ‬بعض المستندات المصنّفة سرية لدى الجيش والدولة‮.‬
‮»‬خطوبة طويلة جداً‮« ‬هو فيلم ممتع ومتين‮. ‬ذكي‮ ‬وغني‮ ‬في‮ ‬تفاصيله التي‮ ‬يمكن قراءتها على عدة مستويات بالإضافة الى كونه مشوّقاً‮ ‬وصادقاً‭ ‬في‮ ‬إنسانيّته‮. ‬فهو عمل ممتاز متقن سردياً‮ ‬وتقنيا وجمالياً‮ ‬مبني‮ ‬كأحجوجة سلسلة عناصرها محلكة بحس درامي‮ ‬شعري‮ ‬ناتج عن وجهات نظر متعددة لشخصيات نابضة بالحياة‮. ‬متأصلة في‮ ‬ماضيها وحاضرها ساعدتها إدارة ممثلين عميقة،‮ ‬رقيقة ونافذة‮ (‬أودري‮ ‬توتو كعادتها رائعة ومرهفة في‮ ‬دور ماتيلد وكذلك‮ ‬غاسبار أولييل وغيرهما‮). ‬ومشاهد الفلاشباك الكثيرة ليست مقتصرة على البطلة فقط،‮ ‬بل تعيشها عدة شخصيات وتنساب وتتداخل بشكل فاعل كقطع صغيرة ملوّنة لتشكل اللوحة النهائية‮ (‬فسيفساء‮) ‬للحقيقة المطعّمة بالخيال‮.‬


عشرون سنة ذهبية
(1980-1960)
محمد رُضا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Conversation | المحادثة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


إخراج: فرنسيس فورد كوبولا
تشويق، دراما - 1974
الأهمية: مُطلقة
ذات مرّة، ما بين مشاهدتي لفيلمي جيمس بوند »ثندربول« و»أنت تعيش مرّتين فقط« أذاع راديو بي بي سي
تقريراً عن آخر البدع التجسسية. كونها الستينات والحرب الباردة ومغامرات جيمس بوند فإن التقرير كان في وقته وتحدّث، عن مصادر علمية، عن بعض الإبتكارات للتنصت سمعاً وبصراً على الغير. أذكر إبتكاراً قال أن العلماء توصّلوا إليه وهو جهاز هاتف يعمل ككل جهاز مماثل حين تتصل برقم ما، لكن الهاتف الذي تتصل به سوف لن يرن، وعلى ذلك لن يرفع أحد السمّاعة. ما سيحدث هو أن المتصِل سيستطيع الإستماع الى ما يتم تداوله من حديث في مكان المتّصَل به٠
في فيلم فرنسيس فورد كوبولا، وفي مشهد لمعرض أجهزة التجسس، يروّج بائع لهاتف مماثل في فيلم يعتمد على تصوير حياة محترف تجسس وتنصّت لصالح من يدفع وهو يستخدم أدوات متعددة تتيح له تسجيل الحوار الدائر صوت وصورة من دون أن يعلم أحد. في عالم كعالمنا اليوم لا يزال الموضوع الذي كتبه وحققه الرائع كوبولا مطروحاً بامتياز ولا يزال الفيلم شابّاً بالمقارنة يتحدّث عن حالات الإنسان اليوم كما الأمس٠
جين هاكمان هو ذلك الواحد. وهذا أفضل دور لعبه في حياته رغم أن يستسلم قليلاً للخروج من الشخصية صوب شخصيّته المعهودة من حين لآخر. مطلوب منه أن يسترق السمع على رجل وإمرأة في الحب يتمشيّان في ساحة من ساحات مدينة سان فرانسيسكو وذلك لقاء 20 ألف دولار. محترف مثله لن يرض تقديم نتيجة تقنياً رديئة وهو مهتم بعمله على هذا الوجه٠ هذا الى أن يبدأ عالمه الداخلي (ذلك الذي بين رأسه وصدره) بالإهتزاز ويكتشف أنه هو نفسه غير آمن من تنصّت الآخرين عليه، ويدرك أن عمله إنما يؤذي أناساً عاديين يستحقون الحياة
المشهد الأول من الفيلم الكاميرا تهبط ببطء شديد على ساحة المدينة. الماثل أمامنا حركة عادية لأناس يمشون وآخرون يجلسون ويلعبون وكلب عابر وكل شيء طبيعي. لكن هناك شيء ما خطأ في الصورة. وهناك صوت تقني يتدخل في حوار قائم (بين الرجل والمرأة: فردريك فورست وسيندي وليامز)٠
المشهد الأخير نحن محصورين مع هاري (هاكمان) في شقّته. يبحث في أرجائها عن جهاز تنصّت. يبدأ بهاتفه وبالثريا المتدلّية من سقف الشقّة، ثم ينتهي وقد خلع ألواح الخشب في أرضية الشقّة ونقّب في الجدران. وها هو بعدما فشل في إيجاد ما يبحث عنه يلجأ الى آلة الساكسفون يعزف عليها لحنه الحزين لحياته الحزينة٠
جين هاكمان لا يخرج من جلدة الشخصية الا مرّتين او ثلاثة ينتقل بها الى حركاته الصغيرة في أي فيلم. لا بأس. الجهد الذي يبذله هنا لتشخيص الدور ثابت وتلك المشاهد التي تتبدّى له الحقائق ويجد فيها نفسه وقد تحوّل الى ريشة تتلاعب بها رياح خفية تبقى في البال٠ رجل لا يستطيع أن يحب. لا يثق بأحد ولا يقدر على أن يعيش كما البشر. حين يحاول أن يهتم يكاد يغرق. حين يقفل الباب على نفسه فإن أحداً لا يستطيع سماع صوت استغاثته. حتي هو٠
لجانب تمثيل هاكمان الجيد، ومعه جون غازال وروبرت دوڤال اللذان ظهراً أيضاً في »العرّاب«، فإن من حسنات الفيلم المتعددة الصوت والمونتاج الصوتي٠ حين تشاهده »استرق« السمع اليهما. فيلم عن هذا الموضوع لا يمكن أن يتم من دون إتقان عملية التوليف الصوتي والمؤثرات الصوتية على أفضل وجه ممكن. لكن الفيلم بحد ذاته فريد وممتع وتشويقي هاديء والمخرج يسيطر على أدواته كما لا يفعل سوى كبار المخرجين٠
.....................................................................................................
Young Cassidy

إخراج: جاك كاردِف
سيرة حياة، دراما - 1965

الأهمية: إذا كنت مهتماً بجون فورد و/أو سير حياة الشاعر الأيرلندي٠


كان من المفترض أن يخرج الفيلم جون فورد هذا الفيلم عن حياة الشاعر الأيرلندي جون كاسيدي ، أولاً لأنه جون فورد وثانياً لأنه سبق له وأن تحدّث عن أيرلندا (أصله) في أفلامه الأميركية كما في بعض الأفلام التي عاد من أجلها الى وطن أسرته ليصوّرها هناك ٠ لكن بعد أسبوعين من بدء التصوير او نحوهما، مرض المخرج فتم تسليم العملية الى جاك كارديف الذي أكمل الفيلم. معظم ما صوّره جون فورد موجود في الدقائق الخمسة عشر الأولى، وهي تقريباً أفضل مما في الفيلم لناحية معالجتها للزمان والمكان٠ بعد ذلك، هي طريق غير متوازنة بالنسبة لكارديف مدير التصوير البريطاني الذي أنجز نحو خمسة عشر فيلماً كمخرج لكن ليس من بينها ذلك الفيلم الكلاسيكي العريق (بينما في تصويره أكثر من مثل لمدير تصوير فذ)٠
رود تايلور وضع نفسه محل المسرحي شون كايسي (1880- 1964) في هذا الإقتباس المباشر عن سيرة وضعها شون بنفسه والفيلم ينتخب خطّين متلازمين إذ يتحدّث عن نضال الكاتب السياسي لأجل استقلال أيرلندا من ناحية ووقوعه في حب موظفة المكتبة (ماغي سميث) من ناحية أخرى وصولاً الى كيف توصّل الى أن يصبح كاتباً مسرحياً مرموقاً بعد بداية أثار فيها العديد من الإنتقاد والهجوم سواء بسبب مواضيعها او بسبب حواراتها التي اعتبرت بذيئة٠
رود تايلور لعب الدور جيّداً والتفاصيل الحياتية في مطلع القرن الماضي مرصودة جيّداً . المرء يتمنّى لو أن ذات الرعاية تسللت الى معالجة الفيلم الدرامية حيث تأتي المسألة السياسية كما لو كانت دخيلة رغم أنها أساسية وذلك بسبب أنها لا تتبدّى عاملاً أساسياً في تكوين شخصية الكاتب النفسية والسياسية على نحو صحيح. عوامل أخرى في هذا الفيلم جعلته مع الأيام منسياً من بينها نقد الكتّاب الذين عاصروا الكاتب الذي مات قبل أن يرى الفيلم٠
.....................................................................................................
The Alamo

إخراج: جون واين
وسترن/ واقعة تاريخية - 1960
الأهمية: 1 : أول فيلم من إخراج الممثل جون واين. 2: لسنوات شكّل حجر أساس لقراءة التاريخ الأميركي من وجهة نظر يمينية٠

حين شاهدت هذا الفيلم للمرّة الأولى بعد خمسة عشر سنة على إنتاجه (وبالسينما سكوت الحقيقي) وكان ذلك في باريس، وجدت نفسي منجذباً إليه بسبب حسن إخراج واين لمشاهد المعارك وبسبب الأحداث التي لم أكن -آنذاك- أعلم عنها الكثير: قلعة ألامو في تكساس كانت ملاذ الأميركيين المعادين للقوات المكسيكية المحتلة لتكساس قبل أن تتحر بالفعل وتصبح ولاية وُلد فيها -من بين من وُلد- جورج و. بوش٠ اليوم أعرف أكثر عن الفيلم ذاته بعدما التقطّه على ديسك٠ ما بين المرّتين الأولى والثانية شاهدت المزيد من أفلام اليميني المحافظ جون واين الذي كان »ألامو« أول أفلامه مخرجاً ليتبعه بفيلم ثان وأخير هو »القبّعات الخضر« او
The Green Berets
ألامو ليس فيلماً يمينياً غبياً. كان واين، الذي عمل تحت إدارة جون فورد طويلاً، ينتظر الفرصة لكي يقدّم فيلماً من إخراجه. و»ألامو« كان تلك الفرصة: بضع عشرات من الأميركيين البيض (ورجل أسود واحد لعبه ممثل مات سنة 2000 عن 98 سنة ونحو خمسين فيلماً أسمه جستر هيرستون) يقاومون جيشاً من نحو سبعة آلاف جندي مكسيكي مصمم على إحتلال القلعة ودحر المقاومين٠ جون واين ورتشارد ويدمارك ولورنس هارڤي و(إبن جون) باتريك واين كلهم لعبوا شخصيات حقيقية في التاريخ مقررين البقاء في القلعة والدفاع عنها حتى الموت رغم أن فرصة البقاء على قيد الحياة عُرضت عليهم. حين يبدأ الجيش المكسيكي بضرب القلعة بمن فيها يتصّدى التكساسيون في بطولات نادرة ويردّون الجيش المكسيكي أكثر من مرّة قبل أن يبدأ الإنهيار ويموت الجميع واحداً تلو الآخر٠
تأثير جون فورد واضح من خلال معالجتي واين الدرامية وإخراج مشاهد المعارك لكن الفيلم يؤخذ كمثال على القراءة الأميركية اليمينية المحافظة للتاريخ والوطنية٠ هناك مشهد لرتشارد ويدمارك المصاب والذي يمنح الحريّة لعبده الأسود. يعتقه حرّاً. لكن العبد الشهم يرفض أن يتخلّى عن صاحبه ويموتان معاً تحت وابل رصاص المكسيكيين٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠



ISSUE 7 | NEW FILMS: THE Visitor | Frost/ Nixon| Caroline| Departures | الوعد

قبل العرض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Action

في العادة تختار أكاديمية العلوم والفنون ، وهي المؤسسة التي تقطن شمالي هوليوود وتوزّع كل سنة جائزة تمثال ذهبي أسمه الأوسكار، خمسة أعمال او شخصيات في كل فرع طبعاً الا إذا تعذّر عليها أن ترى خمسة تستحق فتنتخب ثلاثة٠ خمسة أفلام أميركية، خمسة أفلام أجنبية، خمسة مخرجين، خمسة ممثلين مساندين، خمسة مصوّرين الخ...٠
لكن -وكما ذكرنا- هناك أيضاً ثلاثيات في مجالين على الأقل هذا العام. ثلاثة أفلام أنيماشن فقط هي التي ترشّحت وثلاثة أغاني سينمائية فقط هي التي ترشّحت٠
إذ شاهدت الأفلام الكرتونية المرشّحة وغير المرشّحة على مدى العام الفائت، لا عجب عندي أن الإختيار رسا على ثلاثة أفلام فقط هي
Bolt و Kung Fu Panda و Wall- E
لكني لم أصدّق أن من بين كل الأغاني التي صاحبت الأفلام، في عصر بات مؤلّفاً من أصوات غنائية مقبولة بفضل الكومبيوتر الذي يغطّي على العيوب حين التسجيل، لم تجد الأكاديمية الا ثلاثة أغان ليس من بينها أغنية بروس سبرينغستين في فيلم
The Wrestler
ليس أنها أفضل الأغاني التي سمعتها في فيلم هذه السنة، او لأن كل من سألتهم او قرأت لهم أعتبروها كذلك، بل لأن مغنيها نجم من الفئة الأولى، وهي كانت نالت جائزة الغولدن غلوب... والأهم هي أنها أغنية معبّرة عن الفيلم بأسره٠ كيف ولماذا لم يضمها المصوّتون الىالمسابقة فبقيت خارج التقدير؟ لو كانت مسابقة أفضل أغنية تضمّنت خمسة أغان لفهمت٠ هذه مسألة أذواق. لكن المسابقة ضمّت ثلاثة أغاني فقط يعني هناك مجال لأغنيتين إضافيتين لو أراد المقترعون٠
أغنية سبرينغستين هذه ضرورية في الفيلم- لكني أعلم لماذا لم ينتخبها أعضاء الأوسكار.... تأتي الأغنية في نهاية الفيلم مع توالي الأسماء. ومعظمهم يولّون الأدبار هرباً حالما تنتهي القصّة- لذلك لم يسمعوا الأغنية ٠ وهناك كثيرون منهم شاهدوا الفيلم على أسطوانات في راحات بيوتهم، وهؤلاء بالتأكيد لا ينتظرون ظهور العناوين في النهاية... هذا إذا ما شاهدوا الفيلم بأكمله٠
على عكسنا نحن في جمعية الصحافة الأجنبية في هوليوود. سمعناها وأحببناها ومنحناها الجائزة بين خمسة أغاني متنافسة

Cut


فيلم العدد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هيام عبّاس ورتشارد جنكينز في
ُThe Visitor

THE VISITOR ****| الزائر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: توم مكارثي | دراما إجتماعية [عرب] أميركي- 2008
نقد: محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم توم مكارثي الرصين عن الأميركي الذي يفتح له عربي نافذة
تواصل تغلقها
الحكومة هو أكثر من فيلم عن تبعات ما بعد 11/9
.............................................................................................
بعد كارثة 11/9 خرجت أفلام كثيرة تحدّثت عنها وأكثر هي تلك التي تحدّثت عما تلاها من أحداث لا تقل كوارثية وفي مقدّمتها حرب العراق او تلك الواقعة في أفغانستان. التداعيات، سياسياً، لا زالت تقع. سينمائياً كذلك مع أفلام جديدة في المنظور القريب ومع خروج فيلم رشيد بوشارب الجديد »نهر لندن« الذي يتعرّض لإنفجارات لندن٠ وبالتأكيد أخرجت السينما الأسبانية أفلاماً تتناول مباشرة او جانبياً ما حدث في مدريد من إنفجارات أرهبت الناس وأنشأت بينهم وبين المسلمين ذات الحاجز الحديدي الذي قام مباشرة بعد الكارثة الأولى٠
ليس صحيحاً أن ما خرج من أفلام أميركية حول تداعيات 11/9 كان في معظمه سلبياً. هناك ما لا يُفيد وهناك ما أضاع على نفسه فرصة من حيث لم يرد، لكن هناك أفلام كثيرة تناولت المتحوّلات التي تداعت بعد ذلك التاريخ وانتقدت٠
Redacted| مُنقّح
لبرايان دي بالما لم يأخذ حقّه من اهتمام أحد (في العالمين- وسأعرضه قريباً إن شاء الله) سمّى الأمور بمسمياتها. صحيح أنه دار حول حرب العراق، لكن حرب العراق أولى حلقات ذلك التداعي والفيلم صوّر لا موقف الإعلام الأميركي الذي نام في ذات سرير البيت الأبيض فقط، بل قدّم صورة داكنة لحين يخرج الجندي الأميركي عن نطاق انسانيّته فيغتصب ويقتل عائلة بكاملها وذلك تبعاً لحادثة معروفة٠
Rendition| تسليم
لغَڤين هود وضع قيداً حول يد المخابرات الأميركية المتعاونة مع أجهزة مماثلة في العالم العربي حين يتم إلقاء القبض على عربي- أميركي لمجرد الشكوك في أنه قد يكون إرهابياً٠ لم يكن في غاية ذلك الفيلم البرهنة على براءته او إثبات التهمة عليه، بل أوحى بأنه غالباً هو ضحية تبعات الأجواء المخيفة التي يعيشها العالم، وبالتأكيد وضعه في موضع الضحية٠
Lions for Lambs وفي حين شارك »أسود كحملان« لروبرت ردفورد
فيلم برايان دي بالما في نقده لسياسة الإعلام الأميركي في مطلع الحرب على العراق، انطلق
Body of Lies كيان من الأكاذيب
ليتوسّع أكثر فيما حاول »تسليم« الذهاب اليه وخاف: ازدواجية المواقف بالنسبة لجهاز المخابرات الأميركي وتدخّله في ساحات عمل غريبة عليه لا يحترم من خلالها ثقافة البلد الذي يعمل معه ضد الهدف الواحد٠

لقاء٠
الزائر يختلف عن كل هذه الأفلام٠
لا علاقة له بحرب العراق ولا بتلك الأفغانية ولا بعمل أجهزة المخابرات، بل ينسج دراماً إنسانية مبطّنة اجتماعياً ويطلقها في هدف تقديم صورة لوضع مأسوي لعربي مذنب من حيث أنه لا يملك أوراقاً قانونية تجيز له البقاء في الولايات المتحدة٠ لكن- وهذه لكن مهمّة- لا يعالج الموضوع من ناحية عاطفية بلهاء تضر أكثر مما تنفع، بل يضعها وسط إطار أكبر يضم مصائر مجموعة أخرى متّصلة بشخصية العربي وأسمه طارق ويقوم به الممثل حاز سليمان الذي أعتقد أن أسمه الأصلي حسين سليمان وهو سبق وظهر في فيلم آخر له علاقة بالوضع بعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر هو
AmericanEast
لهشام عيساوي. لكن في حين أن ذلك الفيلم (الذي لم ير نور العرض الأميركي التجاري بعد وربما لن يفعل) عمد الى إثبات أن العرب واليهود الأميركيين يستطيعون العيش بسلام معاً في الولايات المتحدة، يبتعد فيلم توم مكارثي »الزائر« عن هذه التوليفة التوفيقية القائمة على الرغبة والأمنية ويحفر لنفسه اتصالاً أفضل بالواقع المحيط٠
طارق ليس الشخصية الأولى في الفيلم (لكنه الشخصية المحورية درامياً) بل وولتر ڤال (رتشارد جنكينز) استاذ جامعي ماتت زوجته (خارج الفيلم) ولديه إبن (لا نراه او نسمعه) يعيش منعزلاً عن الناس ولا يرغب في التواصل مع أحد٠ يترك ولاية كوناتيكت الى مدينة نيويورك للإشتراك في مؤتمر وإجراء بحوث تتعلّق بكتابه المقبل٠ لديه شقّة صغيرة في حي مريح في المدينة لا يزورها كثيراً ومن الطبيعي أن يتوجّه الى شقّته تلك. إذ يدخل مستخدماً مفتاحه الخاص يجد لوازم في البيت. ينادي فلا يرد عليه أحد. يتقدّم صوب غرفة الحمّام حيث رأي شعاع نور ويكتشف وجود زينب (دانال غوريرا) السنغالية. تصرخ خوفاً وقد فوجئت بذلك الرجل الأبيض عند الباب فيهرع لنجدتها زوجها طارق (سليمان) ويدرك طارق أن وولتر هو صاحب البيت وأن أحداً أجره الشقّة من دون علم وولتر٠
هذه التفصيلة لن تُثير اهتمام السيناريو، وهذا حسن. يرضى طارق وزوجته المرتابة باخلاء المنزل في تلك الليلة لكن وولتر يعرض عليهما البقاء لبضعة أيام ريثما يجدان مكاناً يأويان إليه٠


مناخ
الى القاريء الكريم الوضع الحالي الى الآن، كما نجح السيناريو في إبرازه: رجل أبيض منعزل لدرجة الإنطواء لا تربطه عاطفة بأحد ولا بعمله يجد في ذاته داعياً لمشاركة منزله مع زوجين لا يعرفهما، وليسا من جنسه: طارق عربي من سوريا وزينب أفريقية من السنغال٠
بعد ذلك ننتقل الى ما يُسمّى بالفصل الثاني او
Act Two
وهو سبر غور الأحداث التي تشكّل صلب الفيلم وتطوّر علاقاته وتأتي بما هو مطلوب من مناخات ومفارقات وأحداث لإيصال كل شيء الى ذروة درامية تمهيداً للفصل الثالث٠
طارق يحب الضرب على الطبل (هناك أنواع كثيرة ولا أدري الى أي نوع ينتمي هذا الطبل الأفريقي). وولتر كان حاول عزف البيانو ولم ينجح. في عمره الحالي (يقترب من الستين) من الصعب عليه أن يتعلّم عزف آلة مثل البيانو. لكن الطبلة تشدّه وكذلك الشخصية الطيّبة والسهلة التي لطارق. طارق يعلّمه الضرب على الطبل وسريعاً ما يجد وولتر نفسه منساباً الى عالم جديد يختلف -درجة التناقض- مع عالمه من دون أن يكون عدائياً له٠ وولتر الآن لا يمانع في مشاركة طارق حمل الطبل والذهاب معه الى الحديقة العامّة. في ذلك المشهد يقترب وولتر وطارق من مجموعة ضاربين (نرى بينهم أفارقة وآسيويين ولاتينيين) مصطفين جلوساً يضربون الطبول في إنسجام رائع. ينضم طارق إليهم ويتردد وولتر (أكبرهم سنّاً- لا ننسى) لكنه في النهاية يستجيب لدواعي الإنسجام ويجلس عند نهاية الصف ويدلو بدلوه٠
رسالة الفيلم -عبر الموسيقى وتجانس القوميات- موجودة في هذا المشهد، لكن على بعد قريب هناك ما سيمزّق هذه الصورة٠ حين يستخدمان مترو الأنفاق للذهاب الى مشوار قريب، يتدخل رجال أمنيون ويلقون القبض على طارق ويقتادونه بعيداً بينما يقف وولتر ممنوع عليه التدخل (وقد حاول)٠
طارق، كما يُثبت لاحقاً، ليس لديه إقامة قانونية وزينب (التي تعتاش من وراء بيع أساور وحلى أفريقية تصنعها) تدخل مرحلة أسى وخوف. وولتر يبرهن على أنه صديق وفي ويزور طارق في سجنه ويعين محام بدافع صداقته٠
عند هذه النقطة يتم تقديم طرف رابع متمثّل بأم طارق (هيام عبّاس) التي حين لم تستلم مهاتفات إبنها اليومية تأتي لتزوره في الشقّة وتكتشف وجود وولتر. وكما عرض هذا على طارق البقاء عرض على الأم البقاء أيضاً وهي وافقت بتردد وتكاد تدرك أن الناحية الثقافية / الأخلاقية التي قد تدفع الأم للتردد مفضّلة البحث عن فندق رخيص تقضي فيه الأيام المقبلة على أن تشارك رجلاً ما منزله مهما كان البيت كبيراً والرجل أخلاقياً ومهذّباً٠
أم طارق تجمعها الآن مع وولتر مسألة طارق العويصة وحين يصدر القرار الرسمي بإبعاد طارق الى سوريا ينتهي مشوار قصير بين الإثنين كانا تآلفا فيه. هي تقدّر لوولتر كل ذلك الحنين الذي خصّها به وإبنها وهو يقدّر كل ذلك العالم الشاسع الذي ساعدته وإبنها على معرفته والذي كان غائباً عنه٠
الوداع في المطار ثم هاهو وولتر يأخذ الطبل الى المترو لكي يضرب عليه أوتاره لعالم منفرد على سعته. شخص التحق بشخصيات أحبّها ولم يسعفه الحظ للبقاء إلى جانبها.... انتزعت منه٠

نظرة المخرج
توم مكارثي سبق له وأن أخرج قبل خمسة أعوام فيلما جيّداً آخر هو
The Station Agent مندوب المحطّة
الذي كان أول فيلم له كمخرج (»الزائر« هو الثاني) هو ممثل في العديد من الأفلام أيضاً وحالياً يظهر في دور أحد أصدقاء ميريل ستريب في »ماما ميا« ويلعب شخصية جف باور في الفيلم المقبل »ازدواجية« لجانب كلايڤ أووَن وجوليا روبرتس للمخرج توني غيلروي (كان توم مثّل بصوته معلّقاً في فيلم غيلروي التشويقي السابق »مايكل كلايتون«)٠
مندوب المحطّة كان عن ذلك الرجل القزم (بيتر دينكلاج) الذي يصل الى موقع معزول نوعاً لاستلام مهمّته كموظف في محطّة قطار٠ الى جانب العزلة الجغرافية فإن لبطل الفيلم عزلة أخرى خاصّة كونه قزماً. بطل فيلم »الزائر« ليس قزماً، لكنه آت من عزلة أيضاً. بذلك يتّضح أن الشخصية التي تُثير حماسة توم مكارثي لكتابتها هي شخصية ذلك الرجل المعزول، لسبب او لآخر، عن العالم المحيط به٠
ملاحظة أعتقد أنها مهمّة لأنها تشي بنظرة المخرج الى ذلك العالم. هذا الفيلم أعلى بدرجات من سابقه، الجيد على أي حال، كونه يدور عن الأميركي بعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر وكيف يتآلف مع شخصيات أخرى هي بذاتها غريبة عن المجتمع الذي يجمعها: عربي. عربية. أفريقية٠
مكارثي مخرجاً مثل مكارثي كاتباً: يميل الى سرد سلس. لقطاته (مدير تصويره في الفيلمين أوليڤر بوكلبرغ) لا تستجدي الإنفراد بل مواتية دائماً للمطلوب وظيفياً. تلك الداخلية وتلك الخارجية محكومة باعتماد المخرج لكاميرا ثابتة لا تريد أن تتحرك، بل تنتقل الى لقطات بعيدة، قريبة او متوسّطة، على نحو كلاسيكي ما يجعل الفيلم أكثر انسياباً. في الحقيقة، قد يمر الفيلم بأكمله من دون أن تلحظ حسنات تصويره او تستمع لموسيقاه التأثيرية المصاحبة فهي أيضاً غير قاحمة او مقحمة٠

المخرج توم مكارثي يتحدث وممثليه حاز سليمان ورتشارد جنكنيز٠

CAST & CREDITS
...............................
DIRECTOR: Tom McCarthy. PRODUCERS: Michael London, Mary Jane Shalski. CINEMATOGRAPHER: Oliver Bokelberg [Col. Super 35]. EDITOR: Tom McArdle [104 min]. MUSIC: Jan A.P. Kaczamarek.
...............................
CAST: Richard Jenkins, Haaz Sleiman, Hiam Abbas, Danai Gurira, Marian Seldes, Maggie Moore.
...............................
PROD. COMPANY: Groundswell Prods./ Next Wednesday Prods/ Particpiant Prods. DISTRIBUTION: K5 International.



أفلام أخرى جديدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الوعد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: محمد ياسين | دراما إجتماعية | مصري- 2009
نقد: هبة الله يوسف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يخطيء من يري في »الوعد« مجرد فيلم عصابات و مطاردات، يرصد آليات الفساد وصراعها من أجل البقاء والمال، أو يلقي الضوء علي علاقة المسلم بالمسيحي بعيدا عن النمطية و الشعارات المعتادة. إنه حالة سينمائية شديدة الخصوصية تضافرت في صياغتها علي هذا النحو مجمل العناصر الفنية بدءًا من نص قوي محكم البناء محملا برسائل وحكم عديدة تعيننا علي تفهم كل هذا العبث من حولنا، انتهاءً بإخراج يمتلك بصمته الخاصة، والأهم قدرته علي تحريك كل العناصر بما يخدم رؤيته ويتوافق و ما يطرحه النص، مرورا بسيمفونية أداء شارك فيها الجميع بلا استثناء(المبدع محمود ياسين، الصاعد بقوة آسر ياسين، المفاجأة روبي، العائد بقوة أحمد عزمي، المبهر دوما باسم سمرة والقادم من بلاد الشام غسان مسعود بكل ما يمتلك من خبره وموهبة)، ديكور مبهر (لمحمود بركة) أثرى الصورة ونجح في التأكيد علي أهميته كعنصر فني يسهم في ترجمة النص، أبرزته صورة شديدة التميز والجمال (تصوير محسن أحمد)،علي خلفية موسيقية رائعة وموحية (تامر كروان) ومعبره عن كل مراحل التحول التي تمر بها الأحداث والشخصيات، مونتاج (معتز الكاتب) ينقلنا بسلاسة وحساسية

باختصار الفيلم حالة إبداع جماعية تدعوك لتأمل بشر وضعتهم الحياة في دوائر الاتهام ، لا مجال هنا للمحاكمة حتى لأقصي النماذج شرا مثل غسان مسعود في دور السحراوي، ضابط الأمن الذي استغل مركزه ليؤمن ما تبقي من أيامه ، ليس فقط عبر مال فاسد قام بتجميعه، ولكن من خلال استغلاله لنقاط ضعف بشر قدر له أن يطلع عليها ومن ثم مساومتهم عليها لتنفيذ أوامره أو الفضيحة، نماذج وراء أخرى يحكم قبضته عليها فيطيعون أوامره في صمت مهما كانت، وفي مقدمة هؤلاء يوسف (محمود ياسين) القاتل المأجور الذي آن الأوان لتقاعده، ليس عفوا و تقديرا من رب العمل السحراوى، أو حتى اختيارا صادقا خالصا من جانب يوسف سعيا للتكفير عن خطاياه، ولكن بسبب مرضه بالسرطان واكتشافهما(يوسف والسحراوى ) أنه لا أمل بالشفاء، ومن ثم يكلف أحد جنوده عادل (آسر ياسين) لمتابعته في أخر لحظاته، ليس حبا أو تدليلا كما أوحي له ولكن لمتابعتة و ملاحظته بشكل دقيق كي لا يفشى سره ويفضح أمره في أخر لحظة، الطريف أن هذا الرسول لم يكن يدرك طبيعة مهمته، وصدق بالفعل أنه مجند لتنفيذ كل ما يطلبه الرجل في أخر أيامه، جزء من مكافأة نهاية الخدمة مع المال الذي حمله له٠
غير أن الرياح أتت بما لا يتوقعه السحراوي، فلقد نشأت علاقة حب ومودة بين عادل و يوسف، تداخلت فيها الصداقة مع الأبوة والبنوة المفتقدة لكلاهما، ومن ثم يعرض يوسف علي عادل صفقة يحصل بمقتضاها علي هذا المال (مكافأة نهاية الخدمة) مقابل أن يقوم بدفنه في المكان الذي يختاره (أعلى قمة جبل يكون مطلا علي البحر) وفي البداية يوافق عادل علي أساس أنها صفقة العمر ستختصر له سنوات من العمل مع السحراوي و أمثاله، إلا أن الحال يغير في ضوء نمو العلاقة فتتبدل الصفقة لوعد صادق لا يتنازل عن تنفيذه مهما كانت مخاطره، وبغض النظر عن ديانة الرجل أو أخطاءه التي يبدأ في الاعتراف بها لعادل في حالة أقرب للتطهر٠

العلاقات الدافئة بالفيلم أحد الرسائل التي أكد عليها مؤلفه مثل علاقة عادل بجرجس والذي يعمل بدفن الموتي، وكيف بدأت بمشادة تحولت بعدها لصداقة قويه لعبت دورا في تغيير كل منهما، وهو ما نتلمسه في مشاهد عديدة بالفيلم وبالأخص المواجهه التي يؤمنوا بها ويمارسونها بالفعل بغض النظر عن الصعوبات التي قد يتعرضا لها، وهي أحد الرسائل التي أكد عليها الفيلم أيضا الي جانب التسامح والمغفره، الحب والذي يمكن أن يتحقق بصدق بعيدا عن حسابات السن والديانه و مجمل الفروق و الاختلافات بين البشر.

الوعد عمل ثري بالمشاعر الإنسانية، يؤكد علي أهمية السيناريو بوصفه العمود الفقري لأي عمل، و أن لدينا إمكانيات لصناعة فيلم جميل و هادف يمتعنا و أن يحقق أيضا الربح بما يحمس منتجه لإعادة التجربة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
CAROLINE ** | كارولاين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


إخراج: هنري سيليك | رسوم متحركة | أميركي -2009
أصوات: داكوتا فانينغ، إيان مكشين، تيري هاتشر، كيث ديفيد
نقد: محمد رُضا
.............................................................................................
تم إقتباس »كارولين« عن رواية لنيل غايمَن وسعى المخرج هنري سيليك منذ البداية للإنتقال من تقنيات فيلمه السابق »الكابوس قبل الكريسماس« (الذي كُنِّي أكثر بإسم المخرج تيم بيرتون، حيث تم الفيلم تحت إشرافه وحمل طابعه) الى أخرى جديدة باستخدام تقنية الأبعاد الثلاثة، وهي تقنية تستخدم للتأثير البصري أكثر مما هي قيمة فنيّة بحد ذاتها٠
إنه من المدهش، وربما من الممتع، أن تشاهد طائراً يطير في المسافة بينك على المقعد وبين الشاشة، او أن تمتد يد فتبدو كما لو كانت ستصل إليك، او ربما وردة يانعة تتمايل وتكاد تشمّها، لكن الى جانب الصداع الذي قد ينتابك، مثلي، من جراء إستخدام نظّارات الأبعاد الثلاثة (ذات التقنية التي عاشت وماتت في الخمسينات) فإن جل ذلك لا علاقة له بنوعية الفيلم ذاتها٠
على العكس، استخدام الأبعاد الثلاثة هو تحدٍ للقصّة: هل تستطيع أن تجاري هذا التقدّم بقوّتها الذاتية. فيلم هنري سيليك يفشل في ذلك من حيث أن فكرته (المطروقة في حكايات قريبة الشأن وغير كرتونية مثل السلسلة الفانتازية » نارميا«) تمشي الهويدا طوال الوقت والمشاهد التي من المفترض أن تشكل مفاصل إثارة بين المراحل تمر باردة٠ ليس أن الفكرة ذاتها سيئة كمادة فانتازية لكن التعبير عنها صورياً مدروس الى حد قاتل. هذا ليس فيلم كومبيوتر- أنيماشن ليتحرّك سريعاً، ولا هو أنيماشن رسم يد بأسلوب
Stop-motion
لكي يوحي بعمق الدلالة الفنية التي تكبّدها الفنان اليدوي لخلق الحركة الخيالية، بل هجين من الإثنين يصيب ويخطيء طوال طريق الفيلم الى نهايته٠ قصّة الفتاة غير السعيدة كثيراً في حياتها إذ أن والديها لا يعيرانها ما تستحقه من إهتمام ودائماً ما يبدوان منشغلين عنها غير قادرين على معايشتها في هذا السن المبكر. ذات مرّة تكتشف (او يكتشف لها فأر) باباً صغيراً إذا ما فتحته تراءى لها دهليز. حين تدخل الدهليز تنتقل الى عالم شبيه بعالمها مع أب وأم موازيين يعوضانها عن ذلك الحب والرعاية المفقودان٠ وهي سعيدة بهذا الشأن. كل ما يتغيّر أمامها في البداية هو أن عيون والديها مؤلفة من أزرار وليس من أعين حقيقية، لكن الفتاة كارولاين (تؤديها داكوتا فانينغ) سريعاً ما ستكتشف أن هذا العالم المسلّى والجميل (ربما أجمل من منظورها مما هو جميل من منظورنا) ليس بريئاً كما تريد٠
الرواية، تبعاً للكاتب غايمَن الذي أعتقد وضع قصّة »الكابوس قبل الكريسماس«، داكنة لكن في حين أن الفيلم الآخر كان ثري الملاحظة دائم الحركة وخيالي الى حد كاف ليعوّض النقص الأخلاقي في الرواية، فإن هذا الفيلم يخلو من تلك الحركة الدؤوب والشخصيات المثيرة للإهتمام. أكثر من ذلك، الأنيماشن نفسه يتقافز عوض أن ينساب وهناك فترات من تكرار المشاهد عوض ايجاد حل ولو كان أضطر الفيلم للإستغناء عن أمانته للأصل٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
OKURIBITO | DEPARTURES *** | مغادَرات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


إخراج: يوجيرو تاكيتا | دراما إجتماعية | ياباني- 2008
تمثيل: ماساهيرو موتوكي، تسوتومو ياماكازي، ريوكو
هيروسو
نقد: محمد رُضا
.............................................................................................
مغادرات (بمعنى ترك الحياة الدنيا والإنطلاق صوب الآخرة) دراما ذات وقع آسر كعادة الكثير من الأفلام اليابانية الكلاسيكية. ينساب مثل صفحة نهر رقيق ويتعامل مع الموت بإحترام وتقديس٠ حكايته جديدة والكثير من عالمها مكشوف أمامنا لأول مرّة٠يستحق أوسكار أفضل فيلم أجنبي ولو أني أعتقد أن حظّه فيها ليس قوياً٠
بطل الفيلم دايغو (ماساهيرو موتوكي) يعمل في المدينة وتضطره ظروفه للإنتقال الى بلدة صغيرة مع زوجته ميكا (ريوكو هيروسو). لقد أفلست الفرقة الأوركسترالية الغربية التي يعزف فيها على الكمان وتقترح زوجته النقلة حيث رحلت والدة الزوج مخلّفة منزل شاغراً٠ في بحثه عن عمل يلتقط إعلاناً يعتقد أنه يتضمّن وظيفة في شركة سياحية، لكنه يكتشف أن »المغادرة« المقصودة ليست مغادرة المطار من ووصولاً الى، بل مغادرة الدنيا بأسرها٠ فالمؤسسة هي مؤسسة موتى بوذية (ولو كانت -حسب ما يقول له رئيسه لاحقاً أنه يلبّي جنائز مسيحية وإسلامية ويهودية مضيفاً "الموت لا يفرّق") والوظيفة هي العناية بالموتي من غسل وتنظيف ومعاملة دينية ذات شعائر بالغة الدقّة٠
دايغو يقبل الوظيفة بعدما فوجيء بالراتب الكبير ويحضر أول حفلة تأبين. يتابع شغل رئيسه (تسوتومو يامازاكي) المتقن والمفعم بالتفاصيل ويتعلّم. ولو أن مهمّة تاكيتا الأولى تصطدم بمشكلة: الميّت مخنّث وعلى دايغو التوقّف عن عمله وسؤال أهل الميّت ما إذا كانوا يريدون للذكر/ الأنثى معاملة ذكورية او أنثوية . إنها لمسة كوميدية داكنة وهناك غيرها في شغل المخرج يوجيرو تاكيتا لكن من دون أن تميد بمنهج الفيلم او نبرته الجادّة ٠
دايغو أخفى تفاصيل عمله عن زوجته وهذه حين تكتشف الحقيقة تشعر بالخجل وتتركه الى بيت أمّها. كذلك فإن بعض معارفه ووالدته من قبل مغادرته البلدة الى المدينة يعيرونه بسبب عمله٠ لكن دايغو يعلم ما لا يعرفه أحد: لقد راقب رئيسه وهو يبذل في سبيل إنجاز عمله بدقّة وبعناية وبإحترام شديد للميّت٠ دايغو تأثر بكل هذا وأصبح راغباً في أن يوازيه قدرة٠
ويُتاح للزوجة فهمه حين تعود كونها أصبحت حاملاً وحين يموت والده الذي لم يكن دايغو يشعر بأي قرب صوبه كون الأب ترك العائلة ودايغو صغيراً. في البداية لا يشأ دايغو السفر الى حيث مات والده ليكون حاضر دفنه، لكن زوجته ورئيسه وحتى الموظّفة في مكان عمله يطلبون منه القيام بالمهمّة لأن في ذلك غسيل له أيضاً٠ في النهاية يتصالح دايغو مع نفسه ويرتفع الفيلم في تتويج لتلك العلاقة الإنسانية بين الحي والميّت وبالصورة الخالية من الخطابة والمليئة بالتأمّلات كما لو أن الكاميرا هي التي تركع في المكان لتواكب ما تصوّره من خشوع٠
يسمّون محترف التأبين في اليابان ساساكي والممثل تسوتومو يجسّده كما لو أنه انتقل من تلك المهنة الى التمثيل وليس العكس. والفيلم يسبر حياته على نحو كاف. هو خسر زوجته ويعيش حياته كما لو كان ينتظر فقط اللحظة التي سيتواصل وإياها من جديد في العالم الآخر٠
المخرج تاكيتا إن لم يكن معروفاً في سينما المهرجانات فذلك لأن معظم ما حققه جماهيري التوجّه على عكس هذا الفيلم، وهو في أفضل حالاته حين يحقق أفلاماً كوميدية ذات نبرة داكنة (ساخرة او سوداء) كما فعل في »عائلة ين« الذي شاهدته سنة 1988 وكان أول فيلم أشاهده له٠
الفيلم يتبع المفترض به من أسلوب عمل يتلاءم والمعروض. حركة كاميرا محدودة على لقطات طويلة لا يزعجها المونتاج والكثير من الحنان المتسرّب من مشاعر مكبوتة ومكشوفة في الوقت ذاته. الممثل الذي يؤدي البطولة ماساهيرو موتوكي عليه أن يؤدي شخصية الشاب غير الناضج، لكن يبدو في أحيان كما لو كان ممثلاً غير ناضج أيضاً إذ يتطلّب الأمر وقتاً قبل أن يثير القبول٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
FROST/ NIXON **** | فروست / نيكسون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رون هوارد يهمس لفرانك لانجيلا ببعض توجيهاته٠
إخراج: رون هوارد | دراما [أحداث واقعة] أميركي - 2008
تمثيل: فرانك لانجيلا، مايكل شين، أوليڤر بلات، سام روكوَل، كَڤن باكون٠
نقد: محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا الفيلم هو أوّل فيلم يملأ المشاهد إعجاباً من بين أفلام رون هوارد. القراء يعلمون كيف أن رون صعد وهبط سلم الإجادة أكثر من مرّة منذ أن امتهن الإخراج قبل 40 سنة لكنه حتى حين صعد فإنه بقي بعيداً عن ذلك المستوى الفني الأمثل٠
لا أقول أنه حقق هذا المستوى كاملاً هنا، لكنه بالتأكيد أنجز أفضل فيلم له على الإطلاق معتمداً على خطّة عمل محدّدة وواضحة بالنسبة إليه: سيناريو مستوحى من مسرحية. تصوير (أحيانا بثلاث كاميرات) ومونتاج ممنهج لتنفيذ فيلم بلا غايات خارج طبيعة المادّة٠
قرأت السيناريو الذي كتبه بيتر مورغَن ولم يعجبني ما قرأت٠ وبالتأكيد لو كنت عضواً في الأكاديمية لما منحته صوتي (ولم أمنحه صوتي لجائزة غولدن غلوبس) لكن ما استطاع رون هوارد إنجازه من ذلك السيناريو، المكتوب كسيناريو بيتر مورغَن السابق »الملكة«، بقليل من الخيال وبكثير من الإستعارات المبنية على وثائقيات وأبحاث. طبعاً، والى حد، هناك عذر يبرر ذلك فالكاتب (في الحالتين) إنما كان ينقل وقائع حقيقية في الأساس متدخلاً في التفاصيل والحوارات. لكن المخرج رون عزّز ناحية أساسية في السيناريو الذي استلهمه هي التي تمنح الفيلم الكثير من الأهمية. الناحية هي التالية: هناك صراع يشبه صراع الملاكمة او المصارعة الحرّة وفي أرقى حالاته صراع لاعبي الشطرنج بين شخصيّتين أساسيّتين. هذا الصراع يتبلور جيّداً تحت إدارة رون هوارد وبالطريقة الصحيحة. طريقة أن لا يعمد المخرج الى تلوينه فاقعاً من البداية حتى يدل المُشاهد عليه٠
في »الملكة« الذي أخرجه ستيفن فررز سنة 2006 تبلور هذا الصراع بين الملكة اليزابث (هيلين مَرِن) ورئيس الوزراء البريطاني (مايكل شين) وتأزّمه مع مقتل الأميرة دايانا . في الفيلم الجديد هو صراع بين صحافي سياسي أوّل مرّة أسمه ديڤيد فروست (مايكل شين مرّة ثانية) كان قبل التجربة التي خاضها مجرد مقدّم برنامج استضافات في التلفزيون الأسترالي (واليوم هو إعلامي شهير) وبين رئيس جمهورية أميركي مكروه (الرقم 37 بين رؤساء أميركا) كان اضطر لتقديم استقالته بعدما اتهم بأنه سمح بالتصنّت على الحكومة والحزب الديمقراطي ثم أرسل من يسرق الأشرطة فيما عُرف منذ ذلك الحين بفضيحة ووترغيت٠ الفارق بين »الملكة« و»فروست/ ديڤيد« على صعيد السيناريو هو أن الصراع الأول يتبدّى سريعاً تبعاً للأحداث، بينما يبقى كامناً تحت الرماد فترة طويلة في »فروست/ نيكسون« . في مطلع الفيلم قد تتساءل كيف يمكن للأزمة أن تنبع إذا ما كان الصحافي يقوم بمهمّته والرئيس المستقيل يحاول أن يوظّف المقابلة للدفاع عما قام به وإعادة بعض ما خسره من شعبية٠
لكن الأمور تتجه فعلاً الى ذلك التأزيم حين يتعلّم فروست أنه سيخسر المواجهة مع الرئيس (وبالتالي فرصة التحوّل الى صحافي سياسي نيّر) إذا ما لم يشحذ سكّينه ويزيد من حدّة مواجهته. هذا في الوقت الذي كان الرئيس قد قرر أن يفعل الشيء نفسه مع هذا الصحافي غير المعروف٠
أيضاً من عناصر المواجهة حقيقة أن كل منهما يرغب في توظيف الآخر لصالحه. فروست يريد استغلال الرئيس لتسجيل وجوده والنجاح في وجهته الصحافية الجديدة، والرئيس يريد أن يوظّف المقابلة لترميم وضعه العام٠
رون هوارد عادة ما يصوّر اللقطة الواحدة مرّات ومرّات وعلى الممثل أن يبقى على الخط في كل مرّة٠ في المشهد الذي نرى فيه الرئيس يتحدّث هاتفياً مع الصحافي فروست حديثاً طويلاً، نصب المخرج ثلاث كاميرات وأعاد تصوير المشهد (الذي يمر على الشاشة لنحو ست دقائق) ستة عشر مرّة. هذا ستّة عشر مرّة مرة كان على فرانك لانجيلا إعادة حواره من دون ضعف لأنه لن يعرف أي لقطة من تلك الستّة عشر هي التي سيأخذها المخرج ويطبعها للشاشة٠
هذا يعني لنا شيئاً واحداً: فرانك لانجيلا ممثل يعرف كيف يبقى حاضراً. إنه بالتأكيد ليس ممثل يلعب الدور بالإعتماد على وحي اللحظة، بل على دراسة واستعداد لذلك يستطيع تحمّل هذا الأسلوب من الإخراج (في مقابل أسلوب جورج كلوني او كلينت ايستوود او وودي ألن المؤلف عادة من لقطة الى لقطتين من دون أن يعني أن النتيجة هي أفضل او أسوأ لهذا السبب تحديداً)٠
إنه تمثيل من مصاف أول على جانب لانجيلا ومقبول على جانب مايكل شين لكن كل ذلك لم يكن ليساوي الكثير لو أن المخرج لم يكن مستعداً لدعم هذا الجهد بتصميمه المحدد والمسبق لكيفية معالجة فيلم مبني على مسرحية من دون أن يكون مسرحياً علماً بأنه ليس فيه الكثير من المنافذ للإختلاف الا بقدر ما يمكن استغلاله من مناسبات قليلة٠ في هذا الصدد نجح في عمل مؤسس جيّداً كل شيء فيه مدروس لإنجاز فيلم صغير الإنتاج وقوي التأثير ولو أن مفعوله، سياسياً او درامياً، يبقى محدوداً للغاية٠


استعادات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Climates | مناخات
إخراج: نوري بيلج جيلان | دراما عاطفية | تركيا - 2007
نقد: زياد عبد الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن لحظات الحب الصعبة في فيلم نوري جيلان »مناخات«٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من فيلم «القرود الثلاثة» آخر أفلام المخرج التركي نوري جيلان والذي حاز على جائزة أفضل إخراج في الدورة الأخيرة من مهرجان كان، إلى «مناخات» فيلمه الذي يطالبنا بالعودة إليه خصوصاً بعد الجماليات الخاصة التي حملها «القرود الثلاثة»، وقد خصص له الكثير على هذه الصفحة بوصفه واحداً من أهم أفلام عام 2008. «مناخات» 2006 مقدمة ضرورية لما حمله «القرود الثلاثة» وله أن يكون على اتصال وتناغم بما يضعنا مباشرة أمام مخرج على قدر خاص من الإبداع، وله أن يكون مسكوناً بتقديم صورة مغايرة ومشهدية وفية للأبهى في السينما العالمية.

مباشرة نتعقب فيلم«مناخات» مناخاً وراء آخر، لقطة وراء لقطة، والحديث عن قصته يمسي تحصيل حاصل، السؤال الأبرز يكمن في كيف يروي جيلان قصته بصرياً؟ كيف للأحداث أن تتوالى وكل ما لدينا خالٍ من الأحداث، فقصة الفيلم تتلخص بأن بهار «ايبرو جيلان» ستهجر عيسى «المخرج نوري جيلان» لأنها اكتشفت خيانته مع امرأة أخرى اسمها سيراب «نازان كيرلميس»، هذه هي القصة ببساطة، والتي نشاهدها من أول الفيلم إلى آخره، الذي يمكن تقسيمه على هذا النحو: قبل الهجران، أثناء الهجران، بعده ومحاولة عيسى أن يعود إلى بهار.

الكلام قليل، الصورة تتولى كل شيء كما هي السينما الحقيقية، نحن في موقع أثري عيسى يلتقط الصور، بينما بهار شاردة ووجهها متلبد بالحزن، هدوء يتيح لنا سمع أي نأمة، صوت خفقان أجنحة الطيور، الذباب، ومن ثم تغرق بهار في بكاء صامت.

بعد ذلك يقضي على الهدوء، صوت دراجة نارية يقودها عيسى وخلفه بهار، الطريق جبلي، كلاهما شاردان، ثم فجأة تضع بهار يديها على عيني عيسى فيقعان على مقربة من حافة الوادي، تتركه بهار وتعود مشياً على الأقدام.

يمكن متابعة ذلك إلى ما لانهاية، كيف يكونان على البحر، جسد بهار مبلل بالعرق، بينما هي نائمة على الشاطئ وفجأة يداهمها كابوس، إنه عيسى يغمرها برمال البحر. ونتعرف بعد ذلك إلى سيراب، والتي يعود ويراها عيسى، ويعود إلى علاقته بها ذات الطابع الحسي البحت، بحيث تكون علاقتهما الجنسية ميالة للمازوشية والسادية.

الجزء الأخير من الفيلم يترك لتعقب عيسى لبهار التي تكون في صدد تصوير مسلسل تلفزيوني في منطقة نائية من تركيا تغطيها الثلوج، يراقبها وهو يشرب الشاي والدنيا بيضاء تماماً في الخارج، وحين يتواصل معها ترفض أن تعود إليه، لكن وفي منتصف الليل وهو نائم كعادته وقد وضع درجاً تحت رأسه بدل الوسادة يقرع بابه فإذا بها هي، تأتي لتنام بجانبه على السرير وفي الصباح تمضي كما لو أنها المرة الأخيرة التي ستراه فيها.

كل ما سرد سابقاً لا نفع له، ما لم يكن الأمر متروكاً للصور، للمشهدية، لتقديم كل شيء عبرهما ومن خلالهما فقط، حيث الصورة هي الحامل الجمالي لكل عوالم الفيلم، والمناخات المتبدلة تشكل خلفية استثنائية للقطات المحتشدة بالمعاني، إنها لقطات طويلة لتقول كل شيء، ما من شيء يسمى بل يترك لك كمشاهد أن تسمي الأشياء بأسمائها، سيراب بملامحها وقصة شعرها وإيماءاتها تقول من هي، وجه بهار يحكي كل ماله أن يصورها عاشقة من نوع خاص، هدوء عيسى أقرب لما يسبق العاصفة، مع أعماقه السحيقة. كل شيء في فيلم جيلان مبني لقطة بلقطة، ما من شيء ينقص هنا أو يكثر، إنه فيلم مصاغ بميزان من ذهب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Target **** | هدف
إخراج: آرثر بن | تشويق | أميركي- 1985
تمثيل: مات ديلون، جين هكمان، جايل هانيكت٠
نقد: محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جوهر مخبّأة في طيّات فيلم تزداد تألقاً مع الزمن وتدور عن العدو الذي في الداخل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هدف هو أحد الأفلام الأخيرة في حياة المخرج المتميّز (وأنا لا أستخدم هذه الكلمة كثيراً) آرثر بن. صاحب أفلام رائعة سابقاً من أهمها »بوني وكلايد« أنجزه بعد توقّف أربع سنوات لكن من دون نجاح جماهيري يُذكر. حتى النقّاد الغربيين لم يتحمّسوا اليه كثيراً٠

عندما قرر آرثر بن العودة إلى السينما بعد انقطاع أربع سنوات منذ أن قدم «أصدقاء جورجيا» قبِل هذا العرض من المنتجين زانوك وبراون لسببين: الأول هو أنه كان يريد أن يقول لهوليوود أنه ما زال موجوداً (كما صرح في مقابلة) والثاني أنه كان دوماً يتمنى تحقيق فيلم له حبكة من المطاردات والتشويق ولو لم يكن تماماً على غرار «بوني وكلايد» الذي أخرجه قبل 19 سنة٠
السيناريو وفر أرضية مناسبة: زوج يبحث عن زوجته المخطوفة بمساعدة ابنهما الشاب في مغامرة تنقلهما من الولايات المتحدة إلى فرنسا ثم إلى الألمانيتين. لكن تلك المهارة الكبيرة التي دوماً غلفت أعمال بن، وتلك الكيفية الشاملة التي طالما عالج بها مواضيعه، ما يجعل من «هدف» أكثر من فيلم مطاردات وحركة. ما يستخرج من السيناريو خطوطاً وأبعاداً تضيف إلى الفيلم قيمته الفنية والإنسانية الكبيرة. المأساة كانت ذات وجهين: فعلى الصعيد الأول قوبل الفيلم بفتور الأميركيين (عماد الإيرادات) وعلى الصعيد الآخر ووجه بردات فعل سلبية من معظم النقاد الغربيين الذين يعتقدون أنه إذا لم يكن الفيلم الجديد لأي مخرج بمستوى أفضل أعماله السابقة، فإن هذا يعني فشله أو ردائته. «هدف» ليس بأهمية «بوني وكلايد» و«المطاردة» و«رجل صغير ـ كبير»، لكن لا يقل جودة عنها، ولا تخفق أبعاده في إثارة الذهن وحثه على التفكير كما فعلت تلك الأفلام حينها.
الوضع الذي يوفره بن لمتفرجيه هو التالي: زوج محب يحاول التقرب من ابنه الشاب دون جدوى، فالتباعد بين الأجيال حاصل بينهما، لكن الإنسانة الوحيدة التي يكترث لها كلاهما هي الزوجة والأم التي خطفت. هنا تلتقي مصلحة عليا وهي التي توفر لاحقاً عملية ردم تلك الهوة بينهما. بن يرسم خطوطاً غير مسطحة حالما تطأ الكاميرا الأرض الأوروبية. قبل ذلك لم يمتنع عن التمهيد للأحداث الكبيرة برسم ملامح الحياة العائلية في مدينة صغيرة من المدن الأميركية. هنا نحن أمام عائلة ليس فيها ما يميزها عن غيرها، بل وإيقاع ذلك الفصل الواقع في وطن تلك العائلة (نحو ربع ساعة) يتدرج في يسر كأنما هو جزء من حلقة تلفزيونية. الأمر الوحيد الهام فيه هو رصد التباعد الحاصل بين الأب وابنه، وهو رصد طالما قام به بن في شغف مخصصاً له فيلمين هما «مطعم أليس» و«أربعة أصدقاء»٠
حالما يصل الفيلم إلى أوروبا يسير الفيلم سريعاً على خطين متوازيين. الخط الأول بوليسي (بمعنى وجود جريمة واحتمال وقوع جرائم أخرى) ـ تشويقي على غرار ما ورد في النص الأصلي للعمل، والثاني اجتماعي/ أسروي هو الخط الأبعد من الفيلم والذي يعطيه ثقله النوعي. هنا يصل الابن إلى أرض الأحلام. إنها رحلته الأولى خارج الولايات المتحدة، ومثل كل السفرات الأولى في حياة المرء الراشد، يفتح عيناه على كل جديد يراه ويعمل ذهنه سريعاً في محاولة لاستيعاب كل ما يمر عليه من مشاهدات أو أحداث. إلى جانب هذه البدهية، يكتشف الشاب حقائق لم يكن يعرفها عن والده، وهذه الاكتشافات ترد بمثابة مفاجآت الرحلة، فهو لو تخلف أو لم يضطر وهو ووالده للسفر، لما وقف على تلك الحقائق. لقد علم أن الأمر أخطر مما تصور وحادثة المطار، ثم حادثة أخرى قريباً من الفندق الذي نزل فيه مع والده جعلاه يوقن أن في الأمر ما هو أبعد من قضية خطف. لاحقاً يقع تطور آخر عندما يعلم من والده، وتحت إلحاحه هو، إنه كان عميلاً للسي آي إيه. ردة الفعل السلبية تجاه النبأ لم تمنعه من الاستمرار في اندفاعه لمؤازرة والده، وإذ يستمع إلى والده وهو يخبر صديقة قديمة بأنه (الوالد) يتمنى لو كانت لديه حياة موازية لا تمس حياته الحالية، يعمل على محاولة شق طريقه بين حياتين واحدة موجودة والأخرى متمناة٠

هذه التعرجات الجميلة تزيد من ثقل الموضوع وتحول دون وصوله إلى المتفرج كمجرد شريط مغامرات، علماً بأنه على صعيد المغامرات فيه يكاد لا يشكو من أية نقاط ضعف. بن يبقي الإيقاع حياً، والمفاجأة مستمرة، يستخدم المطاردات في تكوين هزلي شبه سوريالي في ذات الدرجة التي يمضي فيها بعيداً في جدية معالجة تلك المشاهد. شيء من جنون الحياة ومفاجآت أرض الأحلام وتشابك هندسة المدن ينتمي إلى بونويل، والمعظم من المواقف فيه حس هيتشكوكي. في الحالتين ليس من باب التقليد، بل من باب تدفق الأحداث المتسارعة. هذه الأحداث المتلاحقة ذاتها تضيف إلى مشكلة الشاب الكامنة في البحث عن هوية وبن على حق حين يقول في أحد تصريحاته:
«ذكرني ذلك الضياع بحالة صارت أكثر تكراراً في الولايات المتحدة، فالشهود المجهزون أو المتطوعون للشهادة ضد المافيا أعطوا هويات جديدة وحياة جديدة ضماناً لسلامتهم، لكن كم منهم ما زال يشعر بأنه هو ذاته الإنسان السابق؟»٠
بن ـ بعدما غابت الزوجة/ الأم عن الساحة إلى نهاية الفيلم يجد كذلك المجال للحديث عن الأب. ذلك الرجل الذي عمل مع المخابرات المركزية كرجل عمليات ثم عاد إليه الماضي على شاكلة انتقام من بعض من شاركوه المهمات بالأمس (بما في ذلك من إدانة للجهاز نفسه). إنه يدفع اليوم ثمن ما قام به بالأمس. مهدد (بزوجته) ومنتقل بقطار يعود به إلى الأمس خاصة حينما يقابل صديقته القديمة مع ما يشهده ذلك اللقاء من ذكريات ومناجاة. إلى جانب تصويره في وضع دقيق، كأب وكإنسان، هو تجسيد للمواطن المؤيد لنظامه (ممثل هنا بجهاز المخابرات) والواقع ضحية له في ذات الوقت. هذه الازدواجية هي من اللمحات العصرية الأخرى التي لا تغيب عن بال المخرج والتي يربطها في عنق ما يدور. بن يذهب إلى حد إدانة السي أي إيه، فالرئيس المسؤول فيها هو القاتل، المختطف والخائن. وأعماله ـ أو أعمال أمثاله ـ هي التي تقضم من حياة الأميركيين ربما أكثر مما تفعل مخابرات العدو، كما يقول الفيلم٠

براعة بن هي في أن المرء يكاد لا يصدق أن كل هذا الفحوى يخرج من فيلم ظاهره حكاية مطاردات وأعمال تشويق وجاسوسية على الطريقة القديمة (طريقة أفلام الخمسينات والستينات)، لكنه بن الذي نتحدث عنه والذي قد يقبل بفيلم لا يرقى إلى أعماله الأخرى الكبيرة، لكنه لا يقبل بأن يكف عن الشغب بسببه



كل ما شاهده الناقد من أفلام المخرج جورج أبوت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
George ABBOTT


حياة: 1887- 1995
مهنة: مخرجاً [1918- 1958: 12 فيلماً]٠
: أهمية : شارك في كتابة سيناريو فيلم لويس مايلستون »كل شيء هاديء على الجبهة الغربية« (1930) أحد أهم الأفلام المعادية للحروب الى اليوم. كتب عدداً من السيناريوهات وعدداً أكبر من المسرحيات التي تحوّلت بدورها الى أفلام. مخرجاً حقق ما بين 1918 و 1958 إثنا عشر فيلماً. شوهد منها

The Cheat (1931) **
فيلم مقتبس عن فيلم سابق أخرجه سيسيل ب. دميل سنة 1915 بنفس العنوان: إمرأة أرستقراطية عليها سداد دينها لياباني وحين تخفق يوشمها بخاتمه محاولاً النيل منها. في نسخة جورج أبوت الناطقة لا شيء يتجاوز ما رصفه الفيلم السابق في عداد الجوانب الفنية. مع تالولا بانكهيد وهارفي ستيفنس و(الياباني) هناكي يوشيوارا٠

Too Many Girls (1940) *
لوسيل بول بطلة هذه الكوميديا البائسة حول فتاة يعيّن والدها الثري أربعة حراس شخصيين (من خلفيات رياضية) لحمايتها حين يرسلها الى الجامعة٠ واحد من تلك الأعمال السهلة التي لا تترك خلفها أي أثر٠

The Pajama Game (1957) **
أفضل أعماله هو هذه الكوميديا الموسيقية الإستعراضية مع دوريس داي في دور المرأة التي تقود مفاوضات العمّال مع رئيس مصنع البيجامات الجديد فتقع في حبّه. ربما أحد أسباب نجاح هذا الفيلم عائد الى أن الإخراج لم يكن كلّّه لجورج أبوت فقد شاركه فيه ستانلي دونن الأفضل شأناً٠

Damn Yankees (1958) **
أيضاً بمشاركة ستانلي دونن هذا الميوزيكال المأخوذ عن مسرحية كتبها وأخرجها جورج أبوت على أحد مسارح برودواي حول سياسي يتحالف مع الشيطان لإنقاذ فريقه الرياضي المفضّل. تمثيل ضعيف الحاشية من نجم الفترة تاب هنتر في الدور الرئيسي٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠



ISSUE 6| Curious Case of Benjamin Button | Valkyrie | Gran Torino




Action
كنت أتحدّث وصديق هاتفيا حين ذكر أنني بت أميل الى نوع من الكتابة التي هي أعلى من مستوى معظم القراء. وقال: "لذلك لا أراك تستلم رسائل لموقع »فيلم ريدر« وكل الرسائل التي تستلهمها هي لموقع »ظلال وأشباح«". ثم اقترح أن أعدّل من النبرة الإحترافية لكي أجشّع القراء على التواصل أكثر مع المادّة٠
وأنا أحيل الموضوع بأسره إليكم٠
هل تجدون النقد المنشور هنا أعلى مما ترغبون؟
قبل الإجابة (وأنا أتمنّى من القراء ردّ فعل على هذا الكلام) لابد من توضيح أنني لا أكتب على شكل معيّن هنا وأكتب بأشكال أخرى في أماكن أخرى الا من حيث اعتقادي أنني في هذه المجلة تحديداً بدأت أحس بمسؤوليتي تجاه الكلمة النقدية المحترفة. كنت باديء ذي بدء أتحاشى أي خطابة وأي نحو تعبيري قائم على الحواشي الإنشائية التي تنتهي بالناقد باحثاً في المضمون وحده. وأنا لا أقول أن هذا النوع من النقد السينمائي هو الأفضل او أن الجمهور يجب أن يقرأ هذا النوع وليس سواه. في النهاية هو إختيار الجمهور كما هو اختيار الناقد وفي رأيي المتواضع أن الذي يريد الاستزادة في المعرفة السينمائية لابد أن يقرأ حيثيات الفيلم من الداخل وكيف تم صنعه وتنفيذه وليس فقط الرأي٠
ما أسهل الرأي والإنجراف إليه وما أصعب رصف تبريراته وصياغة أسبابه. والأصعب من الإثنين -ربما- أن يُساء فهم الناقد فينظر اليه البعض بأنه متعال او مختلف لأكثر مما يستطيعون قبوله٠
وأنا بإنتظار رأيكم في هذا الصدد٠
Cut


فيلم العدد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
THE CURIOUS CASE OF BENJAMIN BUTTON
*****
قضية بنجامين باتون المثيرة للفضول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يُقال أنه قبل مئة وخمسين سنة قال الروائي والأديب مارك تواين: "الحياة ستكون أسعد لو أننا نولد في سن الثمانين ثم نقترب من الثامنة عشر٠"
ف. سكوت فيتزجيرالد، الذي لا يزال من أشهر الروائيين الكلاسيكيين الأميركيين إما التقط الفكرة او راودته خاطرة مشابهة فكتب »قضية بنجامين باتون المثيرة للفضول« حول رجل وُلد متميّزاً عن الجميع: لقد وُلد طفلاً صغير الحجم بملامح وجه ومكوّنات بدنية لإبن الثمانين. وبينما يكبر حجمه كما حال الأطفال جميعاً كانت ملامحه الهرمة تتغيّر ووجهه يزداد شباباً وعظامه تقوى. في وقت واحد وفي جسد واحد كان بنجامين باتون، حسب القصّة القصيرة التي نشرها فيتزجيرالد في مجلة »كولييرز« الأسبوعية سنة 1922، كان في رحلة متعارضة: يكبر ويصغر في ذات الوقت. عند لقطة معيّنة سيلتقي -ونفسه- في لحظة واحدة من الزمن هي -ربما عمره الحقيقي- لكنها لحظة عابرة بعدها سيمضي في رحلته المتعاكسة. سيبدأ في الضمور بينما عمره على الأرض في تقدّم٠
ربما ليست الحياة أسعد لو وُلدنا كباراً وعدنا الى الوراء كما اقترح تواين٠ ليس على الأقل بالنسبة لهذا الفيلم ذلك لأن بطله، على الرغم من أزمنة سعيدة في حياته متّصلة باكتشافاته المتناثرة على سنوات حياته، لم يعش الحياة بكاملها على هذا النحو. مشاكله لم تكن أقل من مشاكل أي منّا. أوجاعه العاطفية ليست أخف وطأة من أوجاعنا، والحزن الذي يلبسه إذ يعلم أنه يمضي الى نهاية من الذوبان لا يختلف عن الحزن الذي يشعر به بعضنا وهو يخلف وراءه سنوات الشباب ثم الرجولة ويبدأ تحسس بحر الهرم بقدمه رويداً رويداً، كما يفعل الخائف من السباحة٠

ديڤيد فينشر

براد بت

كايت بلانشيت

الفيلم هو مستويات من التحديات ودراما من الصعب إنجازها الا إذا كان المخرج موهوباً كموهبة ديڤيد فينشر، المخرج الذي قدّم لنا »زودياك« في مطلع العام الماضي وقبله عدداً من الأفلام المثيرة للإعجاب على اختلاف مضامينها وأنواعها٠
تصوّر أن لديك حكاية كالتي قدّمت تريد أن تنفّذها بكل ما تحتويه من فلسفة وأبعاد وما تقترحه من أفكار٠ ثراء أبعادها هو عائق. كذلك الإصطدام سريعاً بمسألة أي من الأساليب ولإختيارات الشكلية التي يمكن لهذه القصّة أن تعبّر عما تحتويه من أبعاد. كاتب سيناريو هذا الفيلم، إريك روث، كان وضع سيناريو »فورست غمب« الذي يحوي أبعاداً فلسفية وعاطفية معيّنة ولا أدري كيف كتبه لكن الفيلم، تحت براثن المخرج روبرت زميكيس، تحوّل الى كوميديا فيها مواقف إنسانية بلا شك، لكنه منصهر تحت رغبة مخرجه التشديد على خيالية الوضع واستنفاذ الواقع لأجله٠
هذا على العكس تماماً مما يحدث هنا. ديڤيد فينشر لديه قصّة خيالية كان يمكن له أن يعالجها على هذا النحو خالقاً ومضات عالية من الترويج لغرائبية القصّة او الموقف٠ لكنه لم يرغب في ذلك. لا ننسى أنه هو ذاته الذي استلم مهام تحقيق الجزء الثالث من سلسلة الرعب
Alien
فأنجز فيلماً الرعب فيه داخلي وليس عيني٠ وهو الذي قام بإخراج »زودياك« البوليسي فحرمه من مشاهد مطاردات ومواجهات، وركّز على فحوى الحياة الصعبة ليس على ضحايا القاتل المتسلسل، بل على رجال البوليس والشخصيات الأخرى التي تحاول فك لغز ذلك القاتل٠
هذا ما يفعله فينشر: يُعالج الموضوع الخيالي كما لو كان واقعياً تماماً. لمساته تلك تنتشر في فضاء كل مشهد. نعم القصّة غير قابلة للتصديق، لكن هذا لا يعني أنها لا يمكن أن تؤخذ جدّياً. الحالة هنا هي المهمّة، والمعالجة هي التي قد تصنع وترفع هذا الفيلم او تكسر ظهره

ُُتراجي هنسون

واحد من الإختلافات الأخرى التي كان يمكن أن تحدث لو أن الفيلم وقع في اليد الخطأ هو تغليب التكنولوجيا على العنصر الحياتي. هذا الإختلاف يتبع طبعاً اختيار المخرج لحل واقعي للقصّة، لكن كان يمكن أن يحدث أن تتغلّب التقنيات على العمل بأسره وتحوّله الى فيلم مختلف يتبع مفهوم عمل آخر بين
The Polar Express هانكس وزيميكيس هو
إذ إختار فينشر هذه المعالجة سمح من ناحية أخرى لنفسه باستيعاب سيناريو إريك روث المختلف الى حد بعيد عن القصّة القصيرة. المشروع، كما يقول فينشر نفسه، بقي في أدراجه عدّة سنوات وأكاد أجزم أن ذلك التكامل الذي تطالعنا به كل لقطة وكل مشهد هو خميرة التحضير النفسي والعاطفي للفيلم على عدّة سنوات٠
باديء ذي بدء، فإن »قضية بنجامين....« ينضوي تحت ما يثير حماس المخرج في أفلامه: شخصيات منفردة تجد نفسها في مواقف مستعصية. صحيح إن هذا مفهوم منتشر يمكن التقاطه في عشرات الأفلام، لكن اختلاف أفلام فينشر في هذا الصدد عائد الى إهتمامه بالمحيط الإجتماعي للمكان. وليس المقصود بالممكان المدينة التي تقع فيها الأحداث (ولو أن ذلك مهم) بل المكان من المدينة، او من الفضاء الشاسع حولنا كما
Alien 3 في
من هذا المنظور، فينشر مخرج يطبّق غرائبيات على واقعيات٠ قبل وصول »سبعة« سنة 1995 (اول تعاون بين المخرج والممثل براد بت) لم نكن شاهدنا تجربة مماثلة تماماً. القذارة على الجدران. العنف في لقطات الموتى، المتاعب المسكوت عنها عند الشخصيّتين (براد بت ومورغان فريمَن) حتى الفضاء المفتوح في نهاية الفيلم، كلّه محسوب بعيداً عن أساليب السينمائيين الهوليووديين القدامى ما يشكّل نوعه الخاص من الفيلم نوار٠ لكن المهم هنا هو أنه يوحي بعين تلتقط البيئة كاملة وبصورة واعية لإسقاطاتها الإجتماعية والأخلاقية وحتى السياسية ويضع فيها الحركة والشخصية الواقعيّتين من دون تشكيل أي تناقض، وهو تماماً ما فعله في هذا الفيلم٠
في الرواية الأصلية، فإن الأحداث تبدأ ببنجامين باتون وهو عجوز وتعود به الى الوراء. في الفيلم نبدأ بإختيار أصعب بكثير: بنجامين حين وُلد طفلاً بوجه عجوز وقصّة نموّه الغريبة في إتجاهين متناقضين٠
في الرواية الأصلية، تنتهي القصّة وبنجامين يؤم المدرسة الإبتدائية مع حفيده الصغير (كونهما الان طفلين). في الفيلم يتجاوز بنجامين سن الدراسة صغيراً عائداً الى الطفولة التامّة لحين إغلاق عينيه والعودة الى الموت الذي جاء منه محمولاً بين يدي المرأة التي أحب -وهو شاب كما وهو رجل- والتي أصبحت بمثابة أمّه الوحيدة. الشاهدة الوحيدة التي بقيت على قيد الحياة٠
في الفيلم يقص علينا المخرج الحكاية عبر مذكّرات تحتفظ بها دايزي (كايت بلانشيت) لبنجامين وقد أصبحت الآن في أواخر عمرها مستلقية على سرير في مستشفى على بعد ساعات من عاصفة هوجاء ستضرب المنطقة٠ إبنتها (جوليا أورموند) هي التي تقرأ المذكّرات وأمها هي التي تعلّق والمخرج ينتقل بين هذا المشهد وبين التعبير الصوري عن كل مرحلة من مراحل حياة بنجامين المثيرة لما هو أكثر من الفضول٠
إذ وجد المخرج المفتاح الذي من خلاله سيروي حكايته ينطلق من اللحظة التي وُلد فيها بنجامين في أسرة بيضاء صغيرة . إنه سيكون الطفل الأول لأبيه توماس باتون (جاسون فليمنغ) الذي يقف وراء باب الغرفة الموصدة على الطبيب والممرضات منتظراً ولادة زوجته. يهرع الى داخل الغرفة . الأم تموت خلال الوضع وهو ينظر الى طفله ويهلع٠ يأخذ من فراشه ويهرع به الى الشارع هارباً يريد تركه عند شاطيء النهر. رجل بوليس يشاهده ويطارده. في هربه يدخل منزلاً مخصصاً للكبار سنّاً. يضعه على الدرج داخل المنزل المؤلّف من طابقين ويختفي٠
الشخص الذي يجده هو كويني (ترايجي هنسون) إمرأة أفرو- أميركية تدير المكان ومثل والده تبهت لملامح بنجامين لكنها تتبنّاه على أي حال٠ إذ يكبر بنجامين مقعداً باديء الأمر ثم ماشياً على عكّازين ثم منطلقاً على النحو الطبيعي للبشر، فإن هناك أحداثاً كثيرة تقع معه وشخصيات عديدة تدخل وتخرج من حياته بمن فيها عودة والده إليه. الأب يعرف أن هذا الرجل (الذي يكبره سنّاً) هو إبنه ولاحقاً ما يدرك بنجامين (وقد أصبح الآن في ذروة الرجولة) أن توماس أبيه. القبطان الذي يقود سفينة الصيد الصغيرة عبر أنحاء العالم مانحاً بنجامين الفرصة لمشاهدة الدنيا والذي يقرر أن الحرب العالمية الثانية هي حربه فيشترك -بسفينته غير الحربية بها. الأم بالبتنّي كويني التي تكبر بينما بنجامين يصغر. ثم دايزي، الفتاة التي جذبته منذ أن كان هو كبيراً وهي فتاة صغيرة والتي يلقاها لاحقاً وقد أصبحت أصغر منه قليلاً، ثم في عمره ثم أكبر منه٠

إنه حس غريب ذلك الذي يحصده الفيلم من مجرّد الفكرة الماثلة في الفيلم. أب يلتقي بإبنه الذي يكبره سنّاً. المرأة التي يحبّها بنجامين وهي آيلة الى الشيخوخة بينما هو آيل الى الطفولة. وهناك قدر كبير من الأحداث القائمة بين بنجامين وبين دايزي وبينه وبين كل شخصية أخرى٠ واحد من أفضل المعالجات السينمائية في التاريخ، يكمن في أن السيناريو والفيلم لم يرغبا في جعل كل لقاء بين بنجامين وشخص آخر يتمحور دائماً حول وضعية الأول الخاصّة. بكلمات أخرى، بنجامين يبدو مقبولاً من كل الأطراف حتى من أبيه الذي كان نبذه صغيراً٠ القبطان يلحظ في جلسة أن بنجامين يزداد شباباً لكن هذه الملاحظة ترد في جلسة من خلال عبارة واحدة والموضوع بأسره يُثار بين دايزي وبنجامين على أساس أنه جزء من المعضلة العاطفية والإنسانية بينهما خصوصاً حين يقرر بنجامين ترك دايزي الحامل لأن بقاءه لن يكون سهلاً إذ، وكما يقول لدايزي، سيصبح عليها لاحقاً العناية بطفلين (يقصد طفلتهما التي ستصبح جوليا أورموند) وهو حين يصغر)٠ عدا ذلك، فإن المسألة تمضي كتكوين منصهر داخل القصّة لأن غاية المخرج عدم تشكيل نتوءات مظهرية تستجيب لنداء الرغبة السهلة في إثارة التعجّب والدهشة٠
في عمق الدلالات الخط الممتد بين الحياة والموت٠
في مشهد من الفيلم يعلّق بنجامين على هذا الموضوع بقوله: »ليس المهم متى نولد ومتى نموت بل كيف نمضي حياتنا«٠ على الشاشة الموت يأتي طبيعياً . في بيت رعاية العجائز والمسنين الذي تديره كويني هو أمر معتاد. كل شاغر سرير كان وصل الى أواخر سنوات حياته حين انضم الى هذه البيئة ويلاحظ بنجامين هنا كيف أن الصمت والهدوء يسودان الدار الكبيرة كلّما مات أحد. وهو يسترجع موت إمرأة علّمته العزف على البيانو. ثم يصل الدور الى كويني لكن من بعد أن يكون بنجامين وجد البديل العاطفي الممثل بدايزي٠ ولاحظ كيف أن هذا البديل العاطفي دخل الصورة في الوقت المناسب لكي يتحوّل الى أم ثانية ٠
لكن الموت يطال الأشياء أيضاً. يتمثّل في نهاية علاقات، كما هو الحال حين تنتهي العلاقة بين بنجامين والمرأة البريطانية اليزابث (تيلدا سوينتون) وحين تنتهي طموحات دايزي بالتحول الى راقصة باليه٠
ولا تنسى الإعصار الكبير المشابه لإعصار كاترينا وقد نقل المخرج الأحداث الى نيو أورليانز (قبل أن يضرب الإعصار المذكور المدينة وصوّر الفيلم فيها بعد ذلك)٠ مع علم المشاهد في باطنه ما أدّت اليه تلك العاصفة الهوجاء من دمار فإن الكامن في البال هو موت كبير يلحق بكل الأشياء والفيلم ينتهي بمنسوب الماء وهو يرتفع كما لو أن النهاية التي يتحدّث عنها الفيلم هي فيضانية تنتظرنا جميعاً يوم القيامة٠

بين بدايات الأشياء والعلاقات والأعمار ونهاياتها، هناك الكثير من الأفكار الفلسفية المطروحة خصوصاً حين يأتي الأمر للبحث عن الزمن المفقود داخل الزمن الوليد٠ بنجامين لن يستطيع أن يكون القائد المبادر بسبب نشأته غير الطبيعية٠ كل ما يستطيع أن يقوم به هو تقبّل مصيره بهدوء العارف (فكرة فلسفية أخرى) بذلك المصير باستثناء المرّة التي وقع فيها في حب دايزي فلحقها الى باريس ليعرض عليها العيش معاً. حينها كانت مرتاحة لما أنجزته وتتطلع الى المزيد وتعيش سعيدة بعلاقاتها المفتوحة وتجد أن بنجامين لم يعد مطلبها كما كان حين كانت أصغر سنّاً. لكن بنجامين يصر بطريقته الخالية من الإلحاح. عبر وجوده فقط خصوصاً بعد أن تتعرّض ديزي الى الحادثة٠

علىّ أن أقول هنا أن لا مشهد يأتينا كجزء من القصّة فقط. ليس هناك مشهد مرتّب لكي يكون وصلة بين مشهدين. حتى المفهوم المتجسّد في قيام الإبنة كارولين (أورموند) بقراءة المذكّرات لكي يدلف الفيلم بين مراحل تلك الحياة، لا يمر فقط كوصلة٠ هناك حياة وموت داخل تلك الغرفة إذ قد تلفظ أمّها الأنفاس في أي لحظة كما هناك ردّات الفعل على ما تسمعه الأم (بلانشت) من اعترافات بعضها للمرّة الأولى وما تعلّق عليه من إعترافات بدورها. كل شيء نابض في هذا الفيلم بخيوط تؤلف أفكاراً كثيرة مثل غرفة معبّقة بدخان السيغارة٠

التصوير
سوينتون وبِت
كلوديو ميراندا، الذي صوّر لفينشر »زودياك« هو الذي صوّر هذا الفيلم. وهو مدير تصوير ناشيء. هذا الفيلم هو ثالث فيلم روائي له. وأول ما نلحظه في عمله هو نتيجة اتفاق مسبق بينه وبين المخرج: عدم تناول العقود المختلفة للفيلم (سبعة او ثمانية) على أساس مراحل زمنية٠ بذلك فإن البديل، الذي نشاهده، هو تصوير الفيلم بنفس واحد. بأسلوب عرض لا يختلف مطلعه عن نهايته وبعدم التنويع بين تقنيات التصوير او بين سياسته تبعاً لتلك المراحل بل سيادة النتيجة البصرية الواحدة وهذا ما جعل الفيلم ينمو ضمن شرنقة متجانسة لأنه من السهل الإنتقال من صنف مظهري للحياة في العشرينات مثلاً الى صنف مظهري للحياة في السبعينات باستبدال وسيلة العرض. الفلاش باك ليس بالأبيض والأسود والزمن الحاضر ليس ملوّناً. البهجة لا تطل هنا وتختفي هناك. الفيلم كلّّه فيه دكانة اللون البنّي والظلالات المناسبة لروحه. هذا لا علاقة له بالعدسات ذاتها او بنوعية الكاميرات المستخدمة او حتى بالأفلام الخام وحساسية كل مجموعة منها، بل له علاقة بكيف تنصهر كل هذه التركيبة (الضرورية تبعاً لاختلاف الأماكن واختلاف المشاهد) في ذلك المظهر البصري الواحد٠
معالجة فينشر عادة ما تكون محسوبة. فيلمه (اي فيلم) يتحدّث إليك طارحاً أعمق ما يمكن الوصول اليه من حيثيات بهدوء من لا يكترث إذا ما استمعت الى حديثه او لا. بعض قليل تجد أنك مجبر -تجاه هذا الكم من الصور المثيرة والكم من المضامين المهمّة- أن تتابعه بكل قدرة أوتيتها على الإهتمام. البرودة التي قد يشعر بها المرء تسري في الفيلم ليست سوى نتيجة إختيارات المخرج المشهدية من وسائل التعبير. لا ممثليه يغالون في الحركة والتعبير والإستعراض (وبراد بت نموذج رائع لهذا المنهج) ولا الصورة تتقافز أمامك لتؤكد شيئاً ما. ذات النبرة المستخدمة في معظم أفلامه خصوصاً في
Alien 3 و Se7en

هناك فصل من الفيلم يقع في فندق شبه مهجور بين بنجامين واليزابث (سوينتون): كل ليلة بعد منتصف الليل يهبط بنجامين الى القاعة ليلتقي باليزابث جالسة وحيدة. معاً يتّجهان الى ركن من المطبخ في الفندق القديم ويتجالسان ليشربا الشاي٠ لاحقاً أصبحاً يتجهان أيضاً الى غرفة لممارسة الحب٠
اترك مسألة الحدث الكامن في ذلك الفصل٠ تابع التكوين السينماتوغرافي للمشاهد. من تجد؟ تجد ستانلي كوبريك٠ ليس نسخة منه بل نسخة فيه (إذا صحّ التعبير) بمعنى ملازمة ومصاحبة لتكوينات المشهد البسيط في التكوين الدرامي (حديث بين إثنين) والمستفيض في بساطة معقّدة قائمة على اختيار المسافة بين الأشياء والشخصيات وبين الكاميرا، كما على اللون الشاحب وكيفية الإضاءة وتلك النافذتين المغلقتين اللتين تطلان عليهما في جلساتهما المطبخية٠
حدثياً، يختار المخرج دائماً فصلاً من المشاهد - او مشهداً معيّناً- ليغمره بحوار طويل بين إثنين.مورغن فريمن وبراد بت يتحدّثان طويلاً في السيارة التي تقلّهما الى الفصل الأخير من »سبعة« ومارك روفالو وجايك جيلنهال في »زودياك«. وهنا لدينا هذا المشهد الذي يجلس فيه بنجامين الى يمين الصورة واليزابث الى يسارها عند طاولة ملصوقة بالجدار تحت النافذتين ليتحدّثاً. في واحد من تلك اللقاءات يعلم بنجامين أنها حاولت قطع المسافة بين الشاطئين الإنكليزي والفرنسي وتوقّفت قبل ثلاثة أميال من البلوغ. وأنها لن تعيد التجربة٠ لاحقاً، بعد سنوات من انقطاع العلاقة، يراها على شاشة التلفزيون وهي أنجزت التحدي٠ الآن هي أكبر سنّاً ما يصح منحها لقب أكبر إمرأة (سنّاً) قطعت بحر المانش سباحة٠ تقف هنا عند آخر مرامي أهمية ذلك الحوار السابق٠

المونتاج
ليس هناك (على الأقل بين الأفلام المرشّحة للأوسكار) ما هو أصعب مونتاجاً من هذا الفيلم. هناك مثيل له في عملية الإنتقال بين المراحل كما في فيلم »القاريء« [إخراج ستيفن دولدري وتوليف كلير سمسون] من حيث انتقال الأحداث بين فترات زمنية متعاقبة او على نحو متداخل، لكن الجهد المبذول (والقيّم) في فيلم دولدري يبدو فطرياً (او على الأقل ابتدائياً) بالمقارنة مع توليف فيلم »قضية بنجامين...« الذي قام به إثنان هما كيرك باكستر وأنغوس وول. المهمّة التي لابد أنها صعبة (وهما على أي حال يعترفان بذلك في بعض المقابلات الصحافية التي أجريت معهما) هي كيف يمكن تنفيذ مثل هذا الإنتقال كونه مركّباً بين عدّة عناصر وشخصيات ومفارقات كلها تدخل أتون زمن (او إذا شئنا) زمانين. زمن بنجامين الغريب وزمن الحياة الطبيعية لدى الآخرين٠
المونتاج هو أكثر بكثير من مجرّد قص ولصق الصور تبعاً للسيناريو لأجل تكوين الفيلم كما سنراه مع إلغاء تلك اللقطات التي لن يتم استخدامها٠ هناك سبب في قيام المخرج (أكاد أقول أي مخرج لكن المخرج الجيّد أساساً) في تصوير لقطة واحدة عدّة مرّات٠ وعند فينشر السعي الى التكامل في كل ركن من أركان تلك اللقطة هو واحد من أهم الأسباب (وهذا ما يجعله خليفة كوبريك أيضاً ولكن بأسلوبه الخاص)٠ هذا سيعني لا محالة، وأنا هنا أتوقّع من مسافتي كناقد) أن المخرج سيصوّر الكثير من اللقطات التي قد يبو العديد منها متشابه٠ الدور المونتاجي هو تحديد تلك الأفضل ليس فقط من زاوية صلاحيّتها التقنية والفنية العامّة، بل من حيث ارتباطها بجوهر الأسلوب الذي اختاره المخرج لعمله٠
هذا يأتي قريباً وبعيداً عن العلاقة بين فعل المونتاج هنا وبين تلك النقلات الزمنية خصوصاً وأن الزمن المؤلف من زمانين داخل الفيلم ليس الوحيد الذي يعالجه المُوَلِّفان، بل أيضاً الزمن الذي تم فيه التصوير على مراحل والزمن الفاصل بين تصوير اللقطة ودخولها الماكياج الغرافيكي لإتمام الملامح تبعاً للفترة من السن الذي على بنجامين/ براد بت المرور به٠
هنا أعتقد أن شغل المخرج مع باكستر ووول لابد بدأ طويلاً قبل مراحل التصوير المتقدّمة كما هو الحال في تلك المرّات التي تفرض فيها شروط السيناريو او المشروع الخاصّة الجلوس الى المونتير لإشراكه في الفيلم حتى من قبل التصوير٠
ديفيد فينشر كان قال ذات مرّة أنه لا يكترث من سيعاني في الفيلم لأجل أن يأتي الفيلم كما يجب أن يأتي٠
وأستطيع أن أتصوّر معاناة الجميع تحت هذا الشعار. لكنها المعاناة التي تنتج عنها في نهاية المطاف هذه التحفة والتي لابد تحمل السعادة لكل من يشترك في تلك المهام الفنية الأساسية من كتابة وتصوير وتمثيل ومونتاج وصوت وكومبيوتر غرافيكس وتصميم مناظر (وهذا جانب يطول الحديث فيه أيضاً) وخلاف كل هذا من ميادين عمل٠

CAST & CREDITS
Drama [USA- 2008].
Director: David Fincher
Cast: Brad Pitt, Cate Blanchett, Julia Ormond, Taraji Henson , Jason Fleming, Faune A. Chambers, Elias Koteas.
Screenplay: Eric Roth; based on a short story by F. Scott Fitzgerald.
Cinematography: Claudio Miranda (Color).
Editor: Kirk Baxter, Angus Wall [167 min].
Music: Alexandre Desplat
Producers: Kathleen Kennedy, Frank Marshall, Cean Chaffin
Prod. Company: Kennedy/ Marshall Company/ Paramount Pictures
Distributor: Paramount/ Warner
World Premiere: December 25, 2008 (USA, New Zealand).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أفلام معروضة حالياً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
VALKYRIE **
إخراج: برايان سينجر
تمثيل: توم كروز، توم ولكنسون، كينيث براناه
** : تقييم الناقد
.......................................................................................................

في مطلع هذا الفيلم الذي يتحدّث عن آخر محاولة لاغتيال هتلر (من بين نحو خمسة عشر محاولة فاشلة مثلها) نرى توم كروز في دور الكابتن شتوفنبيرغ في صحراء تونس خلال الحرب العالمية الثانية. يكتب مذكراته وفيها شكواه من سير الحرب وحكم هتلر. فجأة تقع غارة بريطانية تضرب الموقع فيخسر شتوفنبيرغ عيناً ويداً وأصابع من يده الأخرى. لكن هذا لا يمنع من ترقيته الى مسؤول عن فيلق الإحتياط حيث يتحوّل هوسه بالإطاحة بهتلر الى فعل حقيقي يشترك فيه مع عدد من القادة والمسؤولين . هؤلاء يبدأون في حياكة إنقلاب ينضوي على إغتيال هتلر بواسطة تفجير عبوّة في مكتب الإجتماعات. التفجير يتحقق لكن هتلر كان قطّاً بسبعة أرواح ونجا من الحادثة والإنقلاب انتهى باعتقال القائمين به وإعدامهم٠
بمن فيهم الجنرال شتوفنبيرغ٠
كلنا نعلم سلفاً أن هتلر لم يمت بمؤامرة إنقلاب او بحادثة اغتيال (وبل لسنوات طويلة بعد انتهاء الحرب سادت شائعات بأنه لم ينتحر كما تردد بل لا يزال حيّا) والمخرج برايان سينجر يحاول تجاوز المعلوم بشحن الموقف وتحويل الأنظار من المتوقّع الى الحدث نفسه. وهو ينجح الى حد كاف خصوصاً وأن الممثل الذي يضطلع بدور البطولة -أي توم كروز- يحمل الفيلم على كتفيه ويكاد يقع من حين لآخر تحت وطأته٠
كروز ليس مقنعاً في هذا التشخيص ليس لأنه ممثل غير موهوب وليس لأن شخصية شتوفنبيرغ كانت مختلفة عن تلك التي مثّلها كروز، بل لأن الفيلم لم يسمح بأي عمق يستطيع الممثل الغوص فيه لكي يأتي بتمثيل من نفس طينة عمقه. ما أن تتجاوز الزي العسكري حتى تجد أنك أمام الممثل وليس أمام الشخصية٠
كروز محاط بعدد من الممثلين البريطانيين من بينهم بيل نيفي وترنس ستامب وتوم ولكنسون وإيدي إيزارد كما لو أن السينما خلت من ممثلين ألمان يقومون بأدوار هؤلاء. المشكلة هي أن توزيع كل هذه الأدوار المساندة لبريطانيين جعل الفيلم يبدو كما لو أن هناك خطأ في التاريخ وأن هتلر ربما يكون بريطانياً والنازية حدثت هناك ٠
فيي العام 1967 وبميزانية لم تتجاوز الستة ملايين دولار، أنجز جون سترجز فيلماً حول المؤامرة ذاتها هو
The Eagle Has Landed
لكنه تشعّب فيها متمحوراً أيضاً حول خطّة لاغتيال تشرشل. روبرت ردفورد لعب شخصية الكولونيل ردل بقماشة سوداء على عينه وبيده مبتورة، لكن الفيلمين يختلفان اختلافاً كبيراً في نواحي كثيرة٠
برايان سينجر الذي سبق وأخرج »رجال إكس« ومن قبل »المشتبه بهم العاديون«، الذي لا يزال أفضل أعماله، نجح في تحريك هذا الفيلم في سرعة مقبولة وإيقاع حثيث لكن لا هذه السرعة ولا ذلك الإيقاع يفضي الى عمل فني. في الأساس هو فيلم تشويقي النوع. المفترض أن يتابع المشاهد الأحداث بكثير من الفضول والإهتمام وأن يقفز قلبه من مكانه مرّة بعد أخرى، لكن ذلك العمق بدوره مفقود. لا يوجد في فيلم سينجر الكثير من الاسئلة التي تتيح التوقعّات وتفتح المجال لفضول المشاهد. بل كل شيء مروي بأسلوب من شاهد أفلاماً سابقة تدور في رحى النازية مصنوعة في هوليوود ولندن الستينات وأراد تقليدها٠


Gran Torino ***
إخراج: كلينت ايستوود
تمثيل: كلينت ايستوود، كريستوفر كارلي، بي فانغ٠
*** : تقييم الناقد
.......................................................................................................

يتحدّث النقاد في كل مكان عن كلينت ايستوود كظل وحيد قادم من هوليوود القديمة ولا يزال أحد عمالقتها الى اليوم٠ يقولون أنه أحد القلائل الذين لا يزالون يعملون بشيفرات الإخراج وقواعده الكلاسيكية. لا. في الحقيقة إنه الوحيد٠ في السينما ممثلاً منذ 53 سنة ومخرجاً منذ 37 سنة وصاحب أربعة أوسكارات وهو لا يزال يقف وراء الكاميرا وأمامها ويطلق أفلاماً يحبّها الجمهور. نظرة الى قائمة الأفلام الأكثر رواجاً هذه الأيام في الولايات المتحدة تؤكد أنه لا يزال في لياقته كما لو كان شابّاً في الثلاثينات٠
هكذا نحسبها: فيلم توم كروز »فالكيري« (أعرف. العنوان يشبه إسم ماركة جبنة لكن الفيلم كله جبنة كما عرضنا في الأسبوع الماضي) كلّف 75 مليون دولار لكي يتم تحضير نسخته للعرض (أي من دون الدعاية ومصاريف أخرى تتراوح عادة ما بين 20 و 30 مليون دولار) وجلب من الأسواق العالمية حتى الآن 94 مليوناً. وكلنا نعلم أن عليه أن يسجل نحو 170 مليون دولار لكي يبدأ بتحقيق الأرباح (وسوف لن يحققها) هذا على الرغم من أن الممثل الواصل الى مرتبة النجومية توم كروز هو الممثل الأول فيه٠
خذ »غران تورينو« في المقابل: كلف 35 مليوناً فقط. تم صرف 15 مليون دولار فقط على دعاياته وجمع من السوق الأميركية وحدها حتى الآن 112 مليون دولار ولا زال في المركز الخامس هذا الأسبوع ولم يوزّع بعد عالمياً. من يكون النجم الحقيقي فعلاً؟

لكن لجانب هذه الحقائق المهمّة حول وضعية الممثل- المخرج ايستوود هو بالفعل فنّان جيّد ونشط. في فيلمه الجديد »غران تورينو« يعالج حكاية مجنّد سابق يعيش في منزل في حي كان هادئاً ربما قبل عشر سنوات والآخر أصبح حارة تحيط بها وتنزل فيها الأقليّات: مكسيكية وسود وآسيويين. وهناك عائلة أسيوية بالقرب منه. لا هو يحبّها ولا أم العائلة تطيقه٠ لكنهما متجاوران وعليه القبول بذلك- وهو يقبل ذلك على مضض وبزمجرة ضيق غير مفتعلة٠ لكن الأحداث سترينا كيف سينجح صبي وشقيقته من هذه العائلة الصينية بفتح ذلك الباب الصغير في قلبه للتغيير. كيف سينجحان في تغيير استعداده الجاهز لمعاداة العنصر الآخر انطلاقاً من عنصريّته غير الدفينة وسيتعلّم كيف يضحّي بنفسه لإنقاذ العائلة الصينية من أذى لا يمكن إيقافه الا إذا فعل٠

في مطلع الفيلم مشهد دفن زوجته. استمع الى الموسيقا الخافتة المعزوفة في الخلفية كما لو كانت ظلال شجرة وارفة. إنها تشبه موسيقا فيلم »غير المسامَح« التي وضعها أيضاً في المشهد الأول من ذلك الفيلم والذي يبدأ أيضاً بدفن زوجته٠ ومن هنا تستطيع أن تتابع عملاً يحوي قدراً من الحساسية الخشنة. بطل الفيلم (ايستوود) ليس غريباً عن مخرج الفيلم (ايستوود) في مواقفه حيال البيض والسود. إنه ليس إنساناً عنصرياً لكنه عالج المسألة العنصرية منذ أيام »ديرتي هاري« حيث كان الشرطي المعيّن معه إما آسيوي او مكسيكي او أسود او .... في حالة فيلم بعنوان
The Enforcer
إمرأة٠
كذلك في فيلم »الخارج على القانون جوزي وَلز« نراه ينشد سلاماً بين البيض والسود وبين حاضره وماضيه٠ المختلف هنا هو أن الفيلم الجديد هو تحديداً عن رجل عنصري يجد أنه مدفوع الآن لإعادة ترتيب حياته (التي ربما كانت قصيرة الأجل لسبب لن أكشفه الآن) وفتح النافذة واسعة أمام تغيير جديد. هذا فيلم من أفلام ايستوود الأخيرة عن القضايا والمفاهيم الإنسانية الكبيرة التي تتابعت منذ نحو عشر سنوات: سوء إستخدام السُلطة من قبل رئيس الجمهورية في »سُلطة مطلقة« (1997) الإدانة الجاهزة على متّهم لبريء لمجرد أنه أسود في »جريمة حقيقية« (1999) . الإعتداء على طفل جنسياً حتى إذا ما كبر لا زال يحمل في ذاته أثر ذلك الإعتداء في »ميستيك ريفر« (2003)، قتل إمرأة شابّة تحطّمت وتحطّمت آمالها وذلك رأفة بها في سؤال حول ما هو الصواب وما هو الخطأ في »مليون دولار بايبي« (2004) وكل مفهوم الحرب والدعاية الملفّقة في »رايات أبائنا« (2006) وصولاً الى وضع تلك المرأة التي عليها أن تحارب البوليس الفاسد مؤمنة أن إبنها المخطوف لا يزال حيّاً في فيلمه »التبديل«٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من الأرشيف
......................................................................................................
حوار
Stan: " I wonder how Long we will spend here"
Oliver: "Two months".
Stan: "That's month a piece".
ستان لوريل وأوليڤر هاردي في حوار يتبادلانه في زنزانة في مشهد من فيلمهما
Pardon Us [Dir: James Parrott- 1931]***
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Incredible Petrified World [ Jerry Warren-1957] *
العالم المتحجر غير القابل للتصديق
......................................................................................................

في الخمسينات طالعتنا أفلام مغامرات وخيال علمي وتشويق عديدة بمنوال من التمهيد القائم على تعريف البيئة التي سنشاهد في أحضانها الفيلم المقبل٠ مغامرات طارزان في تلك الآونة كانت مثالاً. إذ كان الفيلم ينأى عن القصّة في مقدّمة الفيلم وفي خلاله ليصوّر مشاهد هي بالصميم تسجيلية. في مثال طارزان نتابع حيوانات الغابة (حين كانت أفريقيا لا تزال تثير الخوف والغموض كما الفضول) وهي تتقاتل او تبحث عن طريدة او وهي تهرب من خطر ما. في هذا الفيلم الذي أنتجته شركة صغيرة أسمها
GBM
Teenage Zombies كواحد من فيلمين فقط من إنتاجها (الثاني
بعد عامين من تنفيذ هذا الفيلم) نتابع تمهيداً مماثلاً لحيوانات البحر وافتراص سمكة قرش لأخطبوط، مع تعليق صوتي حول العالم المائي وأسماكه تماماً كما لو كان الفيلم (المؤلف من 70 دقيقة فقط) وثائقياً. هذا قبل أن تنطلق القصّة لتصوّر لنا جون كارادين (أحد الممثلين النشطين في تلك الفترة وما قبلها ووالد كيث وديڤيد الحاليين) في دور عالم يوجّه فريقاً من العلماء لاستكشاف قاع البحر٠ فجأة يدخل الفريق كهفاً لا داعي لاستخدام الأكسجين فيه وتستطيع أن ترى ما فيه بوضوح، ربما بسبب فتحة في السقف (!). تجد عظاما آدمية ثم رجلاً عجوزاً نفهم منه أنه أمضى أربعة عشر سنة في هذا المنعزل (وربما يكون هو من أكل رفاقه). بعد قليل يحاول طرح واحدة من المرأتين في الفيلم (لا أدري إذا كانت فيليس كوتس او شيلا نونان) الغرام. ينتهي الفيلم بإنفجار بركاني يقضي على ذلك الشرير العجوز وحده وينتهي الفيلم مكتفياً بما سمحت به الميزانية على الغالب٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
How To Save a Marriage and Ruin Your Life [Fielder Cook- 1968] *
كيف تنقذ زواجاً وتهدم حياتك
.......................................................................................................

المخرج فيلدر كوك كان كاتباً تلفزيونياً معظم الوقت و»اعتدى« على السينما ثماني مرّات فقط من دون أن ينجز ذلك الفيلم الجيّد ولو مرّة واحدة٠ »كيف تنقذ زواجاً وتهدم حياتك« هو رابع أفلامه وأسند بطولته الى الممثل (والمغنّي أصلاً) دين مارتن الذي حشر هذا الفيلم بين فيلمين جاسوسيين خفيفين قام ببطولتهما مؤدّياً شخصية مات هلم هما
The Silencers [Phil Karlson- 1966] **
The Murderer's Row [Henry Levin- 1966] * و
كيف تنقذ زواجاً ....» جاء في فترة أهتمّت فيها الكوميديات الأميركية بموضوع سمّته »حرب الجنسين« الرجل والأنثى وهو يبدأ بمفارقة تقود الى أخرى وتتعاظم وتكبر مثل بالون منفوخ وكلّه من دون أن يتم تأسيس الشخصيات تأسيساً ينسجم مع الحالات الكوميدية المعروضة. هذا لأن الفيلم ليس لديه وقت، في عجلته، لكي يتوقّف معتقداً أنه كلما سارع الخطى كلّما ضمن السيطرة على إنتباه المشاهدين، لكن هذا لم يحدث الا لُماماً وحين حدث كان ذلك بسبب أداء من آن جاكسون وإيلاى والاك وليس بطلي الفيلم دين مارتن وستيلا ستيڤنز. القصّة هنا حول دين مارتن الذي يحاول إنقاذ زواج صديقه إيلاي والاك من عشيقته التي باتت الآن تطلب بمساواتها مع زوجة الثاني. لكن تبعاً لسلسلة من الأخطاء يعتقد دين أن العشيقة هي ستيلا ستيفنز وربما في قصّة أخرى كان يمكن اكتشاف الخطأ باكراً لكن ليس في هذا الفيلم. ليس من قبل أن يقعا في الحب ودين مارتن لا يزال يعتقد إنه خطف عشيقة صديقه٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Trouble in Mind [Alan Rudolph- 1986] ***1/2
متاعب في البال
......................................................................................................

ألان رودولف لم يكن رفيق درب للمخرج المستقل روبرت ألتمَن فقط، بل تلميذ له أيضاً. تلميذ من حيث رغبته في تقديم حكايات بعيدة عن هوليوود- وقريبة من ذاته ومستقلّة في كل الأحوال٠
متاعب في البال، مع كريس كريستوفرسون وكيث كارادين (إبن جون أعلاه) ولوري سينجر وجنيفيف باجولد، التي ظهرت في أكثر من فيلم للمخرج، هو أحد أعماله السارحة في الشخصيات مع موسيقا لمارك إيشام قبل أن يصبح مولّفاً موسيقياً شهيراً لأفلام رئيسية من بينها، على سبيل المثال، الفيلمين المعروفين
In the Valley of Elah [Paul Haggis- 2007] ***
Lions For Lambs [Robert Redford- 2007] **** و
أحداث »متاعب في البال« تدور في حي في مدينة (أسمها »مدينة المطر«) وخصوصاً في تلك الحانة التي تديرها واندا (باجولد) والتي يلجأ إليها هوك (كريستوفرسون) بعد خروجه من السجن. يلجأ إليها أيضا الشابين كوب (كارادين) وصديقته جورجيا (سينجر). إنها حانة تشبه - في مفهومها الدرامي فقط- مقهى الدراويش في قصص نجيب محفوظ حيث يحمل كل هؤلاء كل أحلامهم تلك التي تهاوت وتلك التي ستتهاوى٠
كالمدينة الخيالية، فإن الزمن هنا خيالي. أشباحه تشبه الأربعينات لكن أحداثه قريبة من مفهوم الثمانينات حين أنجز الفيلم. رادولف كان مؤسس أسلوب خاص به وتجده هنا واضحاً ومؤثراً. الأجواء خاصّة وسوريالية تتأسس في نصف الفيلم الأول ثم تتبدّى كاملة في نصفه الثاني. وهو أوعى من أن يترك الأجواء تبتلع الشخصيات، فيتدخل ويمدّها بشحنة عاطفية رقيقة تجعلها قابلة للتصديق. أما الموسيقى فتعيش معها. ساكسفون يرقص بتمهّل وحزن في سماء الحكاية مترجماً ما يعنيه العنوان: متاعب في البال٠
لا أدري ماذا حدث لألان رودولف وماذا يفعل اليوم. آخر فيلم له كان
The Secret Lives of Dentists
سنة 2002 الذي لم أشاهده (ربما لم يوزّع) . وهو أخرج فيلماً وثائقياً قبل عام عن الممثل نك نولتي هو
Nick Nolte: No Exit
لكنه لم يعرض عرضاً تجارياً هو الآخر٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠