لأندريه تيشينيه: أمّـة تاهت على طريق هزيمتها Les Égrés

"التائهون"  |  Les Égrés 
★★★★✩

إخراج:  أندريه تيشينيه 
فرنسا (2003) 
دراما إجتماعية (الإحتلال الألماني)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ميسر المسكي


صيف عام 1943 . الدفاعات الفرنسية والتي من المُفترَض أنها مُحكَمَة، تنهار سريعاً أمام المُناورات المُباغتة والعصرية لطوابير المدرعات الألمانية. الحكومة الفرنسية تَفرّ من باريس جنوباً نحو مدينة بوردو. الفرنسيون في حالة من الذهول والصدمة.  حالة من الضياع الكامل دفعت بعشرات الآلاف إلى تكويم ما يستطيعوا نقله فوق عرباتهم وسياراتهم و الإتجاه جنوباً وبعيداً عن تقدم الجيوش الألمانية. الكثيرون لم يكن لديهم وجهة مُحددة. هذيان فزع جمعي، غريزي يُحرك الناس دون هدف ودون بوصلة.

يسرد حكاية كاتب ممنوع ومرحلة هوليوودية خطرة Trumbo


 شبح المكارثية لا يزول

 محمد رُضا

Trumbo / ترامبو
★★★✩✩
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• إخراج:  جاي روتش |  Jay Roach
• سيرة (الحقبة المكارثية، هوليوود) | الولايات المتحدة- 2015

هناك وجهتا نظر في الحملة المكارثية التي انطلقت في الأربعينات واستمرت لمعظم سنوات العقد التالي. الأولى تقول أن الولايات المتحدة كانت تدافع عن نفسها بالفعل حيال ارتفاع عدد المنضمين إلى الحزب الشيوعي الأميركي لنحو 75 ألف عضو وسيطرة اليسار على نقابات واتحادات العمّـال في الولايات المتحدة، كما انتشاره في الأوساط الثقافية والفنية (المسرحية في نيويورك والسينمائية في هوليوود) ما شكّـل خطراً على النظام الأميركي نفسه.

الثانية تقول أن الخوف لم يكن مبرراً والمواجهة لم تكن ضد الشيوعيين فقط، بل ضد المثقفين عموماً والليبراليين واليساريين على نحو شامل. بعض أصحاب هذا الرأي يضم اليهود

جيش الظلال L'Armée des Ombres • العدد 234 | السنة 9



_________________________________________________________________
  كنوز السينما  

L'Armée des Ombres
جيش الظلال
★★★★✩
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نقد: ميسر المسكي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• إخراج:  جان- بيير ملڤيل  Jean-Pierre Melville
• تشويق سياسي | فرنسا - 1969


|*|  منذ أن أقتَرَحَ الصديق محمد رُضا أن اُشارك في مقال أسبوعي على صفحات هذه المجلة، وأنا أحاول، بين وقت وآخر أن أعثر على فيلم لم ينل حقه من التقدير، على مسار الإنتاج السينمائي الممتد لأكثر من مئة عام، لإعادة تقديمه أو التذكير به وبصانعيه. 
عديدة هي الأفلام التي أعَـرَضَ عنها الجمهور حين ظهرت على الشاشة، لكنها ومع الوقت ومع تكرار عرضها على شاشة التلفزيون وفي نوادي السينما، كوّنَت لنفسها حيزاً من الوجود اللافت والذي تستحقه. ونحن نكاد نتفق بالكامل على حقيقة أنه لوكتب كل نقاد الأرض ضدّ فيلم أحتشد له الجمهور فهم لن يستطيعوا التأثير على إيراداته في شباك التذاكر، ولن يثنوا المشاهدين عن إستعادة الحضور مرتين وثلاث. الأمثلة عن هذه الأفلام عديدة لكنها ليست قضيتنا هنا. 
نريد التحدث هنا عن تلك الأفلام الجيدة التي ظلمها النقد وليس الجمهور. أفلام ظهرت في زمن أو ظرف معين فأشهرَ النقاد أقلامهم وكتاباتهم في وجهها ليجرّحوها وينالوا من صانعيها. هم غالباً لم يهاجموا صنعة الفيلم لإنه لا يمكن نكران ما هو جليّ على الشاشة. لكنهم هاجموها فكرياً أو إيديولوجياً. وذلك حدث في الشرق كما حصل في الغرب. فما أُسمّـيه "ديكتاتورية النقد" لم يكن حكراً على مجتعات الأنظمة الشمولية بل كان له نفوذه الثقافي في المجتمعات التي وصفت نفسها يوماً بالـ "حُرّة".

اليوم لا يمكن القول أن تحفة جان-بيير ملفيل "جيش الظلال" لم ينل حقه. لكن السؤال بعد كم من السنين؟ ثلاثون عاماً؟ أربعون؟ حين إحتفت صفحات النقد بعمل ملفيل هذا، كان الرجل قد مات ودُفن قبل عقود. لم يسمع بنجاح فيلمه، لم يسعد بلذة النجاح في تحقيق عمل كان يستحق التصفيق من المرّة الأولى. 
كُنتُ شاباً حين شاهدت الفيلم للمرة الأولى في بداية سبعينيات القرن الماضي. أحببته وأدهشتني مناخاته. لكن بإستثناء بعض المطبوعات المحدودة التي كانت تُوزع في النادي السينمائي في دمشق لم أقرأ أن أحداً إحتفى بالفيلم. وزادت دهشتي لاحقاً حين قرأت أن نقاد باريس شرّعوا رايات العداء لفيلم إتهموه بالرجعية (ليس بمفهومنا العربي اليساري الأعرج) وتملق نظام المؤسسات الذي كان يترنح حينها.

ربيع عام 1968 إنتفضَ طلاب باريس (ومن ثمّ العالم) ضد مفاهيم المجتمع وسلطاته بكل أشكالها المؤسساتية: رئيس جمهورية، حكومة، بوليس، كنيسة، مدرسة....ومنظومة القيم والمفاهيم التي كانت تتحكم بالمجتمع الفرنسي. نزلوا الشارع، إقتلعوا طوب الأرصفة ورشقوا به عناصر الشرطة التي بادلتهم بالغاز والهراوات. أهتزَ النظام الفرنسي أمام شباب كانوا (ضمن أشياء كثيرة) يحاولون تقصير القامة التاريخية المهيبة للرئيس الرمز الجنرال شارل دوغول الفارع الطول.
عام 1969 كانت الأزمة لا تزال تتفاعل في الشارع كما في أروقة الحكم والسلطة حين أنجَزَ جان بيير-ملفيل فيلمه "جيش الظلال" عن فترة الاحتلال الألماني لفرنسا في الحرب العالمية الثانية والمقاومة الفرنسية السرّية. في الفيلم مشهد واحد وحيد نرى فيه شخصية تُمثل الجنرال دوغول وهو يُقلّـد أحد المقاومة وسام البطولة. قامت قيامة نقاد مجلّة "دفاتر السينما" الشباب ولم تقعد. هاجموا الفيلم بقسوة لاذعة على أنه إصطفاف إلى جانب الرئيس والسلطة التي نزلوا الشارع ليزيحوها ويزيحوه. هَشّموا الفيلم بلا رحمة. وبين من كان يكتب أسماء شابة بارزة لعبت دوراً بارزاً في الموجة الفرنسية الجديدة التي أكتسبت زخمها من إنتفاضة الطلاب. "دكتاتورية النقد" الشاب قمعت فيلم ملفيل الجميل. أهانته. هَمّشتهُ بعد أن هَشّمتهُ. لم يعد للفيلم وجود في قوائم أفضل أفلام العام ولا في تلك التي تلته. لم يحظ الفيلم بتوزيع في الولايات المُتحدة الأميركية مثلاً إلا بعد أربعين عاماً من إنتاجه. وحينها إنفجرت صفحات النقد تُرحّب بتحفة "منسية". فجأة الفيلم على لوائح أهم نقاد السينما في أميركا كأفضل فيلم لذلك العام. وكان ذلك في العام 2006. وللتذكير فقط، توفي المُخرج جان بيير-ملفيل عام 1973.

بعد ثلاث وثلاثون عاماً من رحيله، وجدَ ملفيل من يعيد إعتباره بعد أن كان ضحية ديكتاتورية نقد سينمائي جامح، مُندفع، مُسيّس. وربما يفيد هنا أن نُذكّر أن بعض أولئك النقاد الشباب (فرانسوا تروفو مثلاً) أسَهَبَ وفَصّلَ وشَرَحَ وفَسّرَ كل لقطة وحركة كاميرا أنجزها "ألفريد هيتشكوك" الذي أفتخرَ نقاد "دفاتر السينما" أنهم أكتشفوه من جديد و أعادوا إعتباره...على حياته. من حظ "هيتشكوك" أنه لم يكن للجنرال دوغول أي دور أو لقطة في أفلامه!

الفيلم

تفتح الكاميرا في المشهد على لقطة، من زاوية مُـنخفضة، لقوس النصر في باريس. زاوية الكاميرا تجعل القوس مُسيطراً بطغيان شديد على المشهد بحيث يبدو طابور العرض للقوات الألمانية، التي تدخل من يسار الكادر، تافهاً أمام سطوة قوس النصر الفرنسي، وكأن ملفيل يوحي بحتمية النصر القادم رغم واقع الاحتلال الحالي.
من هنا يذهب ملفيل لينجز فيلماً لا أراه عن المقاومة الفرنسية فقط، بل هو في الأساس، برأيي، عن حالة الشرط البشري حين يُوضع الإنسان أمام تجربة شديدة القسوة في مناخ تتكون عناصره من السرّية، الخوف، القلق، الموت المتربص عند المُنعطف، الخيانة، الوشاية، عدم الثقة....
نظرة ملفيل إلى المقاومة الفرنسية ليست رؤوفة ولا مُناصرة: "البريطانيون لا يثقوا بالمقاومة الفرنسية السرّية، لذلك لن يسلحوكم. ربما يساعدونكم في تحسن الإتصال والمراقبة." يقول ضابط الإتصال البريطاني لقائد المقاومة السرّية الذي يزور لندن للحصول على الدعم. 
أصلاً قضية المقاومة وسنوات الاحتلال الألماني الأربع لا تزال قضية شائكة وموجعة إلى اليوم رغم محاولات حثيثة بُذلت في السابق لـ "تلميع" ونفخ دور المقاومة لما هو أكبر من حجمها الحقيقي للمواراة على حقيقة أن جزء غير قليل من المجتمع الفرنسي لم يكن مُعارضاً، بل ومتعاوناً، مع الألمان.
لكن إذا تركنا التاريخ والسياسة على حدة، فأن "جيش الظلال" يُطلّ على شخصياته من فردانيتها وليس على أنها جزء من جسم واسع مقاوم، كما درجت عليه العادة في السينما الروسية واليوغسلافية حين تناولتا قضية المقاومة في بلديهما.
شخصيات ملفيل المُقاومة ليست أساطير ولا رجال أكبر من الحياة ولا أبواق لكليشيهات فارغة عن الوطن والبطولة. هم أشخاص يخافون ويتألمون ويندمون ويخونون ويقتلون ببرودة لا إنسانية (مشهد إعدام الشاب في الشقة يحمل في طياته قسوة لا تُطاق رغم هدوء وبطء إيقاعه ودون قطرة دم واحدة) 
مقاومو ملفيل يدفعهم حسّ وطني أكيد (وإلا لأنتفى مُبرر المقاومة) لكنهم لا يتقمصون دورهم كرموز بحيث تذهب البروباغندا السياسية والأيديولوجية فيما بعد إلى إستثمارهم كتماثيل مُقدسّة خارج المسائلة والإستفسار.....والحقيقةّ!
ماتيلدا مثلاً (تلعبها سيمون سينوريه بمقدرة عالية ليست غريبة عنها) أمرأة صلبة، قاسية، ذات مراس لا ينكسر. تقوم بدورها المُقاوم بتفاني وكفاءة ينحني لها زملاؤها الرجال. لكن حين يلقي الألمان القبض عليها ويضعوها أمام خيار قاسي دون تعذيب ودون إذلال فإن خيارها يُصبح إنسانياً، ضعيفاً ولو حَملَ في نتائجه كارثة على زملاؤها المقاومين.


يُغلّف ملفيل فيلمه بمناخ من القنوط. فنادراً ما نرى الشمس تسطع، ويسود الألوان طيف من الرمادي الأزرق الذي يُضفي برودة وحيادية تُمعن في تحديد فردية الشخصيات. كما أن العديد من مشاهد الفيلم يحصرها ملفيل في فراغات داخلية ضيقة ليزيد من شحنة الضيق والخوف الذي يحيط بشخصياته التي لا تجد مجالاً رحباً للمناورة أو الإنفكاك من قدرها المحكوم بالخوف والموت.
التشويق عند جان-بيير ملفيل ليس أمطار من الرصاص ومطاردات وموسيقى رخيصة تصرخ فجأة في لحظة لتثير فزع المشاهدين. ملفيل يقدّم في "جيش الظلال" درساً في بناء التشويق المُضمَر في بنية المشهد. هنا التشويق لا يأتي من ما تقوم به الشخصيات بل مما لا تقوم به. سلبية الحدث يستغلها ملفيل ببراعة للوصول إلى تأثير إيجابي عالي التشويق. مثلاً في مشهد: فيليب (لينو فنتورا ممتاز) مُـعتقل لدى الألمان. يجلس في غرفة مع شخص آخر لا يعرفه بإنتظار التحقيق. جندي واحد يحرس الباب. يتبادل الرجلان النظرات. صمت. الكاميرا تدور وتقترب من الُعتقلين الإثنين. صمت. الرجلان ممنوعان من الكلام. مرّة ثانية يتبادلان نظرات ذات مغزى لكنها أيضاً تحمل الشك بالآخر. صمت. شيء ما يدور في عقل كل منهما. صمت. يترك ملفيل لخيالنا وتوقعاتنا أن تركض مجنونة لتملأ هذا الصمت بصخب التوقع مما يدور في عقلهما في لحظة كثيفة الخوف، هل هما على موجة واحدة، وماذا سيفعلان وما هي حظوظهما في الخلاص؟ الكاميرا تدور ببطء مرّة جديدة لتنقل حوار العيون القلقة والمرعوبة من إحتمالات اللآتي بعد لحظات. صمت. ثمّ.... لن أكمل المشهد فعليك أن تشاهده لتعرف نهايته وقيمة تركيب التوتر الداخلي الذي يصنعه ملفيل ببراعة كما قلت.

اليوم، كل المُشاركين في الفيلم رحلوا وكذلك أولئك النقاد الذين أخضعوه لديكتاتورية أقلامهم.فقط بقي الفيلم. بقي وثيقة على مقدرة مُخرج يحصد التحية والتقدير والمجد بعد ثلاثين سنة على وفاته. 
اليوم، يقولون أنه وبأسلوبه كان سباقاً في تحضير المناخ لقدوم "الموجة الجديدة". هي ذات الموجة التي عـَلَت وتعالت وغمرته بالنسيان، لكن إلى حين. إذا كان من الممكن التبسيط السنوات ووصف الثلاث والثلاثين سنة بإنها "إلى حين"!





Star Wars: The Force Awakens

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• أفلام 2016 •
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Star Wars: The Force Awakens 
«ستار وورز»: القوّة تستيقظ                  

• إخراج: ج ج أبرامز  J. J. Abrams
• خيال علمي | الولايات المتحدة- 2014- 2015
★★✩✩✩

|*|  خلاصة أحداث هذا الفيلم السابع من المسلسل الأشهر هي أن هناك "جيداي" واحد ما زال حيّـاً وإمبراطورية الشر سوف لن ترتاح، كما تعلمنا المقدّمة المنفّـذة بأسلوب أفلام الأربعينات، إلا حين القضاء عليه. للمهمّـة ينبري القائد الشرس كايلو رن (أدام درايفر) بلباسه الأسود المستعار من شخصية دارث فادور في الأفلام الأولى. معه في المهمّـة الجنرال هاكس (دومنول غليسون) وبينهما عداوة خفية يعرفها القائد (السوبريم كما يصفه الفيلم) سنوك (أندي سركيس) الذي لا يخفى عليه شيء مما يدور داخل صومعته أو خارجها أو في ذلك الفضاء الشاسع.
الصراع الأول يدور حول خريطة تبيّـن موقع الجيداي الناجي والأخير من أتباع قومه سكايووكر (مارك هامِـل) هرب بها المقاوم بو (أوسكار أيزاك) وأودعها الروبوت BB-8 قبل أن يُـلقى القبض عليه. لكن بو يهرب بمساعدة منشق عن الأشرار أسمه فِـن (الجديد جون بوييغا). تدخل الصورة المحاربة راي (ديزي ريدلي) التي تعيش وحيدة (نشأت يتيمة) وتعمل في الخردة فوق كوكب صحراوي قبل أن تجد الروبوت وتنقذه من تجار الخردة الآخرين. تتعدد الأحداث بعدما تم إرساء هذه التمهيدات ويعود هان صولو (هاريسون فورد) والغوريللا شيوباكا (بيتر ماهيو) ليلتقيا بالأميرة ليا أورغانا (كاري فيشر) التي تكشف له أن الشرير كايلو ليس سوى إبنهما. المواجهة الكبرى، تبعاً لكل أنواع السينما المبنية على قصص إثارية، تكمن في النهاية بين القوى الخيّـرة ومختلف القوى الشريرة. والفوز طبعاً معروف.

هناك الكثير جداً من الخزعبلات تمر أمام العين لا توازيها عدداً إلا تلك الثغور الكامنة في سيناريو يثير الأسئلة ولا يجيب عليها. بعض أهم هذه الاسئلة هو من هي المحاربة راي ولماذا تمتلك القوّة الذهنية والجسدية ذاتها لأشرس أعدائها من رجال الإمبراطورية. في أحد مشاهدها تظهر قوتها الإرادية عندما تطلب من حارس مسلّـح أن يفك قيدها ويلقي سلاحه ويغادر ويترك الباب مفتوحاً. ذلك الحارس ينصاع للأمر. هذه البساطة لا تفيد في صياغة مشهد يقترح أساساً أنه أكثر تعقيداً مما مر.
لكن الواقع هو أن الفيلم يناور هذه الثغرات جيّـداً. صحيح أنه يترك الأسئلة تطير في فضاء الصالة من دون جواب، لكنه يمارس سُـلطته على المشاهدين بقوّة. ينجز له بعض ما يريد من نقلة بين الأجيال: الجيل الذي شاهد أبطال السبعينات والثمانينات لجانب الجيل الذي لا يعي شيئاً منها. في طور ذلك يعود إلى هاريسون فورد وكاري فيشر ومارك هامل. الأول يمثل بشفة يرتفع يسراها إلى أعلى من دون سبب مفهوم، والثانية لا دوراً حقيقياً لها والثالث نراه وجيزاً على الرغم من أهمية دوره.
إثنان من ممثلي الفيلم ينجزان أكثر من المتوقع: ديزي ريدلي التي تجمع في تعابير وجه مشتركة كافة الإنفعالات الصحيحة لجانب قدرتها البدنية (أفضل من جنيفر لورنس في «ألعاب الجوع» وسكارلت جوهانسن في «المنتقمون») وجون بوييغا، الهارب من إمبراطورية الشر والمتردد في قبول مهمّـة أن يكون بطلاً عوض الذوبان فوق كوكب من تلك البعيدة.
على أن مشاهد القتال، سواء المبارزات الفردية، أو تلك التي تقع بين تلك السفن والمركبات الفضائية الصغيرة والكبيرة ليست خارجة عن التقليد أو جديدة في أي جانب. استخدامها، من قبل المخرج أبرامز، هو الذي يغطي عيوبها في هذا الصدد، فهو يميل إليها حين لابد من قطع ذلك الإسترسال في مشاهد موزّعة بين آثار الأمس ومتطلبات الحاضر مستعيناً بقدر كبير من التدمير. هنا عدّة كواكب تُـنسف بينها ما هو كروي على شكل الأرض ما يجعل بعضنا يختزن الصورة التي قد تنتهي إليها الحياة على الأرض فيما لو امتدت الأصابع، يوما ما، للضغط على الأزرار النووية.


Junun | Black Mass | Steve Jobs | معالي الوزير | Fat City



_________________________________________________________________
  أفلام جديدة 
محمد رُضــا

Junun
جنون
★★★✩✩
إخراج: بول توماس أندرسون   Paul Thomas Anderson
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المخرج المعروف يترك الفيلم الروائي لينجز فيلماً موسيقياً جميلاً


|*|  هناك مشهد من فيلم بول توماس أندرسون التسجيلي «جُـنون» يتوقف فيه لاعب الغيتار الأميركي جوني غرينوود عن العزف ويلاحق حمامة تصدر أصوات الهديل المعتادة وقد وقفت  على مقربة. إنها ليست مشتركة لا في الجوقة العازفة ولا كان مقصوداً لها أن تحط فوق الرؤوس وتهدل. والمخرج أندرسون كان يستطيع أن يوقف التصوير إلى ما بعد طرد الحمامة من المكان حتى لا يؤثر صوت هديلها على التسجيل الصوتي. لكن تلقائية ما حدث هنا هي ذات تلقائية ما يحدث طوال هذا الفيلم التسجيلي- الموسيقي الذي تم تصويره بالكامل في قلعة مهرانجاره في مدينة جودفاهور في مقاطعة راجستان. 
المكان يأوي، لجانب الحمام الذي يعيش في أركانه عازفين هنود والمغني غرينوود،  الذي وضع موسيقا بعض أعمال أندرسون السابقة كما سواه، ومغني إسرائيلي أسمه شاي بن زور وفرقة هندية (أسمها «راجاستان إكسبرس») موزّعة على كل الآلات التقليدية من بينهم غفران علي وصابر بامامي واختشام خان أجمري والمغنية أصفهانا خان. 
تطل  القلعة القديمة على مدينة جودفاهور وهناك لقطة ملحوظة تخرج فيها الكاميرا من المكان عبر إطاراته الحجرية المفتوحة لتلقي نظرة على المدينة من فوق. لكن معظم التصوير داخلي ويبدأ بالنقر والعزف وينتهي بهما بعد نحو ساعة من لا شيء سوى الموسيقا والغناء (بالهندية والعبرية عندما ينبري بن زور في «صولو»).


جهد بعيد عن أعمال أندرسون المعتادة وهو يترك نفسه وكاميرته يرتاحان من دون ضوابط تذكر. لا بأس إذا أفلت «الفوكاس» هنا أو تحرّكت الكاميرا ببانوراما يدوية عوض القطع أو ثابتة على تروللي. هناك معايشة للأجواء من دون فرض الذات الفنية مطلقاً. لكن هذا الإبتعاد له أيضاً سلبياته. في النهاية لابد أن يتساءل المرء عن السبب وراء فيلم يستمع ويصوّر ولا يفعل أي شيء آخر. على عكس فيلم أحمد المعنوني «نشوات» (Trances) الذي عبّر به المخرج، سنة 1981، عن قوّة الموسيقا في صهر الثقافة الشعبية، لا يحمل الفيلم أي رغبات تتجاوز الإستماع والإستمتاع بالموسيقا التي تستمر من مطلع الفيلم لآخر. الموسيقا هنا ليست بوليوودية مطلقاً وهي المفتاح الجيد الوحيد الذي يبقى المشاهد مع الفيلم طوال الوقت ملاحظاً دقة العزف وبساطة الفنانين والعمل بأسره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Black Mass
قداس أسود
★★★✩✩
إخراج: سكوت كوبر   Scott Cooper
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دراما واقعية عن ملك آخر من ملوك الجريمة يؤديه جوني دَب بإمتياز

|*|  جيمس بلغار هو مجرم حقيقي شهدت مدينة بوسطن، في السبعينات، نشاطاته كرئيس عصابة تمارس كل ما يمكن أن تمارسه من تجارة الممنوعات والتهريب. جوني دب هو، بدوره، ممثل حقيقي أيضاً. ليس فعلاً طارئاً ولو أن إختيارات من الأفلام في السنوات الأخيرة لم تسع لإظهار كفاءته.
يروي «قداس أسود» حكاية مسحوبة من الواقع حول شخصية رئيس عصابة أسمه وايتي بولغر (جوني دَب) لعب على حبال الجريمة والبوليس بلا هوادة مورّطاً كل من حوله حتى وإن كان بعضهم (مثل أخيه بل ويؤديه بندكيت كمبرباتش) يحاول أن ينأى بنفسه عنه. بِـل هو النقيض ولو أن الفيلم لا يملك الوقت لمنحه حضوراً كافياً ولا يكترث، عن صواب، لإظهار تعارض مواقفهما حيال القانون بعد أن أشار إلى ذلك بلقطات ومشاهد قصيرة.  المتورط الأكبر هو تحري الأف بي آي جون (جويل إدغرتون) الذي اعتقد أنه إذا ما استمال وايتي ليصبح مخبراً يرشده إلى كيفية التخلص من عصابات بوسطن الأخرى. بذلك يبرز جون أمام رؤسائه من جهة، ويتيح لوايتي ممارسة ما يريد ممارسته من ناحية أخرى. لكن جون يسقط في الفخ ويصبح، وأحد زملائه (ديفيد هاربور)، متعاونان مع وايتي أكثر مما يجب. بكلمات أخرى، يطغى عنصر المال الذي أخذ وايتي يغدقه على جون وبدأت رائحة التسويات تستوي على نار تحقيقات الأف بي آي. أو كما يصرخ أحد المحققين في وجه جون: "كيف حدث أنه لا توجد جريمة في بوسطن إلا وكان وايتي وراءها من دون أن يلقى القبض عليه حتى الآن؟".  


ما آل إليه كل شخصية من هذه الشخصيات مذكور في عناوين نهاية الفيلم، لكن الكثير من الشخصيات الأخرى تُـقتل إما على يدي رجال وايتي أو على يديه نفسه. وأكثر عمليات القتل عنفاً هي تلك التي يرتكبها بنفسه والتي تشمل الخنق وإطلاق النار ما عدا الضرب الدموي المبرح. وايتي متمتعاً بتلك التغطية التي وصلته مثل هدية من السماء، بات قادراً على أن ينفّـذ جرائمه كما يشاء. الأف بي آي تحتاج إليه، هذا إلى أن تدرك ما قادتها إليه خطّـة تحريها جون وفساده ما أدّى إلى سجنه لاحقاً.  
في أحيان كثيرة تستطيع أن تطالع أسلوب مارتن سكورسيزي في «أصحاب جيدون» Goodfellas وتشاهد كيف يبني المخرج سكوت على بعض أسس فرنسيس فورد كوبولا في «العراب»، وكيف يعالج موضوع العلاقة بين السلطة وبين الجريمة على غرار ما فعل المخرج سيدني لوميت في أكثر من فيلم («سربيكو»، «أمير المدينة» من بينها).  
جوني دَب يكشف عن جانب أسود من الأداء لم ينفّـذه منذ أن لعب تحت إدارة تيم بيرتون «سويني تود» (2007) الذي أدّى فيه شخصية حقيقية أخرى هي شخصية الحلاق البريطاني في أواخر القرن التاسع عشر الذي كان يقتل زبائنه ويرميهم إلى غرفة تحت الأرض لفرمهم وبيع لحومهم. قابل للتصديق ومتحكم في تشخيصه لدرجة تمنحه إحتمالات الترشيح للأوسكار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Steve Jobs
ستيف جوبس
★★✩✩✩
إخراج: داني بويل   Danny Boyle
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• نقد سيناريو 
دراما واقعية عن ملك آخر من ملوك الجريمة يؤديه جوني دَب بإمتياز

|*|  «ستيف جوبس» هو فيلم بيوغرافي آخر من هوليوود وحول شخصية لا يُـستهان بها: مؤسس وصاحب «آبل ماكنتوتش» والملياردير الذي أنجز عبر ذلك الإنجاز وسواه نجاحاً يتساءل المرء إذا ما كان جوبس، الفعلي، أدرك حجمه كاملاً منذ البداية أو أن ذلك تراءى له تدريجاً.
مايكل فاسبندر يؤدي دوره في هذا الفيلم محاطاً بممثلين قديرين آخرين مثل كيت وينسلت (في دور المسؤولة عن التسويق) وجف دانيالز (دور رئيس آبل) وآخرين. لكن ما يلفت النظر هنا، لجانب أن التمثيل المؤدّى جيّـد بتساو بين الجميع، هو الكتابة. ذلك أن السيناريست آرون سوركين يمارس هنا ما هو بارع فيه عادة: الحوار، لكن الحوار ليس كل شيء في السيناريو ومهارة كتابته (أو عدمها لا ترفع أو تهبط بقيمة السيناريو إلا بمقدار. في الأساس تم رفض الفيلم لرداءة السيناريو. ديفيد فينشر لم يعجبه السيناريو كذلك لم يعجب كرستيان بايل الذي كان من المفترض به أن يقوم ببطولة الفيلم.
يتابع الفيلم حياة ستيف جوبس في البيت والعمل. هو، حسب السيناريو، شخصية معقدة ومركّبة ولديه مشاكل. في الحقيقة يكوّم الكاتب هذه المشاكل لكي يدفع بالفيلم إلى مآزق شخصية واجتماعية. جوبس لديه مشاكل مع زوجته (وينسلت) ومع مدير أعمله (دانيالز) ثم مع باقي المحيطين على التوالي. طريقة سوركين هي استخدام الحوار لرصد هذه المشاكل. ما نراه ليس، تبعاً لذلك وفي كثير من الحالات، إلا تصويراً لما سيرد من حوار. بناء السيناريو شيء آخر إذ اعتمد الكاتب فيه على الفصول التقليدية (من 1 إلى 3) لكن النتيجة مبعثرة كون المشاهد المستخدمة في كل فصل هي متكررة. خصوصاً تلك المشاهد التي تنص على المشي والحديث خلال ذلك، كما لو أن البوح المفترض لن يتم إلا بالحديث والشخصيات تمشي. لكن الواقع هو أن خيال الكاتب محدود. 


مع أن المخرج داني بويل مارس مهارة في تفادي كل نتائج هذا المنوال من الأخطاء بإدارة ممثلين جيّـدة وبتنفيذه الملم والمعالج بحرارة الطرح من ناحية أخرى، إلا أن شخصية جوبس ليست من تلك التي يمكن للمشاهد الوقوف لجانبها (وإيرادات الفيلم تكشف عن أن القليلين أعجبوا بها). هذا يدفع بالمشاهد للتساؤل حول السبب في أنه سيمضي الوقت ليتابع شخصية سلبية، خصوصاً أن السبيل الوحيد للمحافظة على شيء من صلاحية شخصية جوبس لتولي البطولة هو تلميع صورته قبل نهاية الفيلم. 
بعض خصائل جوبس، تبعاً لهذا السيناريو، هي أنه بالغ الثقة بالنفس لدرجة مقلقة، كان يعتبر نفسه آلهة ويردد إنه القيصر سيزار وطريقته في الطلب هو الأمر به. إلى ذلك كان لا يشعر بالعاطفة حيال أحد وكان يعزي ذلك إلى إعتبارات من بينها أن المحيطين به يرغبون في النيل منه.
عند هذا الحد، فإن الحقيقة لا تهم. أقصد إنه إذا ما كان ستيف جوبس فعلياً كذلك أو أن السيناريست سوركين مضى في وجهة إفتعالية لتقديم شخصية يريد مناوءتها للضرورة الدرامية سيان. فالمشكلة هي أن هذا الحشد من السلبيات يأتي ليطرح شخصية لا يمكن أن تُـحب في حين أن مصدر السيناريو ليس في تقديم شخصية إيجابية أو سلبية بحد ذاتها بل في تلبيسها المبررات أو البواعث النفسية أو الإجتماعية ولو بمقدار.
سوركين هو كاتب «الشبكة الإجتماعية» (The Social Network العام 2010) الذي أخرجه فينشر وكان بدوره مليئاً بالحوار. نجاح المهمّـة في تكوين ذلك الفيلم يعود إلى المخرج الذي وظّـف جيداً شخصية مبتدع نظام فايسبوك مارك زوكربيرغ ليستخلص من مآزقه ذاتها ما يدينه بها عوض الإكتفاء بالمادة وحدها. فينشر رصد بعض المواقف وعالجها بالكم المناسب من السخرية بحيث أن الفيلم لم يكتف بذكر سلبيات الشخصية (ما يدعو إلى التفكير في أن السلبي هو ما يحب سوركين كتابته) بل ربطها بحالة إجتماعية مفادها الصراع على الشهرة والمال والنفوذ.
وفي حين من حق كاتب السيناريو أن يكتب مشاهد لم تقع في الحقيقة لكن هذا الحق ينتفي من الضرورة إذا ما كان، كما الحال هنا، مغاير تماماً عن الواقع. مراجعة حياة ستيف جوبس وكتابه عن نفسه يعارضان ما يذهب إليه سوركين بما في ذلك تقديم شخصيته بكل هذه الكتل من السلبيات.

A Bout de Souffle كنوز السينما



_________________________________________________________________
 كنوز السينما 
 الحلقة 1
فيلم جان-لوك غودار الأول لا يزال جديداً بعد 55 سنة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
A Bout de Souffle
عند آخر نفس
★★★★✩
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


|*|  عندما خرج هذا الفيلم للعروض السينمائية الأولى سنة 1960 فوجيء الجمهور والهواة بذلك الدفق المختلف من العمل. على عكس ما كان سائداً من أفلام، عمد المخرج هنا إلى جملة من التفعيلات الخاصّـة التي تحوّلت سريعاً إلى بعض ما يميّـز غودار أسلوبياً، ومن بينها ترك الحكاية فضفاضة وغير إيقاعية، إختيار مواكبات فنية من معين الثقافة الأوروبية (بيكاسو، رنوار، موتزار الخ…) والإعتماد على مونتاج يحذف منه بعض كادراته ما يؤدي إلى إرتجاج المشهد في أكثر من مكان عن قصد ورغبة في تفكيك كل ما قد يضع المشاهد في وهم الحكاية. بداية، يقتل ميشيل (جان-بول بلموندو) شرطياً كان تعقّـبه عندما سرق سيارة أميركية فاخرة (يقول أنه معجب بصناعتين أميركيّتين: السيارات والأفلام) ثم يعود ميشيل إلى باريس ليلتقي بالفتاة الأميركية باتريشيا (جين سيبرغ) التي يحبّـها حيث يمضيان أكثر من ساعة يتحدّثان فيها عن نفسيهما وعن علاقتهما. إنه مطارد من البوليس لكن عليه أن يسترد قرضاً من صديق له. باتريشيا تخبر البوليس عن مكانه فيحيط به وينتهي الفيلم بقتله في الشارع. 
تيمات: هذه قصّـة عاطفية بين فرنسي متيّم وأميركية ليست واثقة من أنها تحبّه. حائرة في كل ما يخصّـها (تقول في مشهد: لا أعرف إذا ما كنت غير سعيدة لأنني غير حرّة او غير حرّة لأنني غير سعيدة"). ثم حيرتها تتبدّى حين  تقول باتريشا له أنها حائرة في أمر ما. في صبيحة اليوم التالي نقف على ما يحيّرها: تتّجه الى مقهى. تطلب ويسكي أوّلاً. "ليس لدينا ويسكي". تطلب قهوة. تأخذ التلفون القريب وتطلب التحري الذي كان قابلها واعطاها بطاقته. تخبره أين هو ميشيل الآن٠

ميشيل (جان-بول بلموندو) يقتل شرطياً بعدما سرق سيّارة وانطلق بها خارج المدينة. نراه يقود تلك السيارة الأميركية. وهناك سبب جليّ لماذا يختار ميشيل سيارات أميركية ليسرقها في فرنسا أواخر الخمسينات وهو إعجابه بصناعتين أميركيّتين  هما السيارات والأفلام. الأولى تلتقي والثانية من حيث أنهما صاغا لميشيل عالماً يخرج من واقعه إليه. هو سعيد بقيادته تلك السيارة.  حين يصل الى حاجز للشرطة على الطريق الريفي يقرر عدم التوقّف ما ينتج عنه ملاحقته من قبل ثلاث رجال بوليس على درّاجات. ينحرف عن الطريق ويوقف سيّارته تحت شجرة. يمر الشرطيان الأوّلان ثم الثالث. لكن الثالث يعود أدراجه بعدما لاحظ  وجود السيارة . يطلب الشرطي من ميشيل الا يتحرّك والا قتله، لكن ميشيل يبادر بإطلاق النار. المشهد مأخوذ بلقطة بعيدة واحدة٠
بعد الجريمة يصل ميشيل إلى باريس (التي يكرهها) ويعاود التقاء إمرأة شابّة أميركية تعيش وتعمل في فرنسا  أسمها باتريشا (الراحلة جين سيبرغ)  مُـفصحاً عن حبّه لها. لكن في حين أنه واثق من أنه يحبّها هي ليست متأكدة بعد. وهي ليست متأكدة من مسائل أخرى عدّة في حياتها. تعمل بائعة جوّالة علي قدميها لصحيفة "ذ هيرالد تربيون" تعرّف ميشيل عليها قبل أيام ليست بعيدة ويجد ما يجذبه إليها: "الرجل لا يحب الا من لا تناسبه" يقول لها ذات مرّة. وهناك جزء طويل من الفيلم يدور في غرفة فندق يتبادلان فيه الكثير من الحديث الكاشف عن نقاط نفسية وعاطفية ستقود لما سيلي. تحاول باتريشا تجنّب فعل الحب معه رغم إصراره، لكن ذلك يأتي ضمن متابعة ما يمكن أن تكون عليه ساعة ونصف من الخلوة بينهما. ما هي المواضيع المثارة. كيف يُـعامل كل منهما الآخر من منطلق منظوره اليه والى الحياة من ورائه. على الرغم من أنه فصل حواري الا أنه مليء بالمعلومات. بعض التململ (أعتقد) لكنه مشهد طويل ليس لاختيار خطأ من المخرج، بل لأسلوبه في سرد الحكاية. الغاية إظهارهما قريبين بعيدين: هي الباحثة عن شيء لا تعرفه، وهو ذو القناعة بأشياء يؤكد عليها: "أنتم الأميركيون معجبون بأغبى الشخصيات الفرنسية: لا فاييت وموريس شفالييه" يقول لها موقظاً الحس بأن غودار هو الذي يقول. وغودرار أيضاً هو الذي يضع على لسانها العبارة التالية (ولو في مشهد آخر): "لا أعرف إذا ما كنت غير سعيدة لأنني غير حرّة او غير حرّة لأنني غير سعيدة"٠

يخرجان من الفندق. هي لديها موعد مع مؤلّف متباه علّه يساعدها في التحوّل الى صحافية وهو ليبحث عن صديق كان قرضه مالاً، لكننا نجد أنه يتبعها لمعرفة كنه اجتماعها الذي يتم في الطابق الأعلى من مقهى. حين ينتهي اللقاء يقوم غودار بفعل الشيء الآتي: يضع الكاميرا (تصوير راوول كوتار) أمام باتريشا والمؤلّف وهما ينزلان الدرج الى الطابق الأرضي ثم تنسحب اللقطة من دون انقطاع ليستديرا الى اليمين ويمضيا بعيداً عنها، تستدير يساراً لتلتقط ميشيل ثم لتلحقه بعدما يراهما متّجهين الى الخارج مبتسماً بغموض٠
حين تجالس باتريشا ذلك المؤلّف وبينهما طاولة مستديرة يقدم غودار -بصورة تقليدية- على الإنتقال المتواصل بينهما كل في لقطة خاصّة. لكن بعد قليل نراه يفعل التالي في المونتاج: لقطة طويلة (نسبياً) للكاتب وهو يتحدّث (عن نفسه غالباً). يحذف غودار بعض الكادرات من اللقطة من دون أن يعمد الى إذابة الرجفة الناتجة عن ذلك الحذف. من يشاهد اللقطة سيلاحظ أن المخرج ألغى ثوان من اللقطة من دون أن يكترث، عن قصد، لإذابة ما سبق وما تلا في سلاسة.  وها هو يقول للمشاهد أنني ألغيتها. يترك اللقطة تتحوّل الى فقرات وكل فقرة تبدأ وتنتهي بهزّة او نطّة صغيرة. هذا عاد اليه غودار من جديد في أكثر من فيلم لاحق وتقديمه في "نفس لاهث" إيحاء بلازمة يحافظ عليها، كما عنصر لعب على معالجة المشهد ضمن ما لم يتوقّعه الجمهور آنذاك٠

أميركا دائماً مذكورة في أفلام غودار٠
كما تقدّم هنا ميشيل معجب بالسيارات الفارهة (أنا كذلك) ومعجب بالأفلام الأميركية. نراه يقف عند فيلمين معروضان في صالتين. الأول Ten Seconds of Hell («عشر ثوان من الجحيم») لروبرت الدريتش (1959)، فيلم حربي من بطولة جاك بالانس وجف شاندلر. والثاني هو The Harder They Fall (ما يمكن ترجمته إلى «السقوط الأقسى») للمخرج مارك روبسون وبطولة همفري بوغارت ورود شتايغر (1956). 
لا دلالات كبيرة هنا باستثناء أن غودار وتروفو وكلود شابرول كانوا معجبين جدّاً بروبرت ألدريتش، وأن الفيلم الثاني من بطولة همفري بوغارت. وميشيل، بطل "نفس لاهث" معجب جدّاً ببوغارت ويرى نفسه هو ويعيش عالمه الخيالي الذي لا يستطيع تحقيقه والمؤلّف من خشونة بوغارت وسيغارته وقبّعته وتلك الحركة التي كان بوغارت يقوم بها في بعض أفلامه: يمر بأصبعه على شفته العليا ماسحاً ما ليس هناك٠ غودار لا يذكر هنا كل التأثيرات التي في باله. ماذا عن فيلم Gun Crazy الذي أنجزه قبل عشر سنوات من  تاريخ هذا الفيلم (أي سنة 1950) المخرج الأميركي الممتاز المغلّف بالنسيان جوزف هـ لويس؟  
هذا ليس مجرد أي فيلم بوليس، بل عن فيلم يحمل في موضوعه قصّـة مشابهة: رجل وإمرأة يلتقيان. هو معجب مدمن على المسدّسات وهي معجبة مدمنة على المال. كلاهما يدمجان هذا الإعجاب بعمليات سطو: المرأة كما الحال هنا تكون سبباً في القضاء على الرجل. أيضاً يجب أن أذكر أن "غن كرايزي" ليس فيلماً متصالح مع النمط التقليدي في السرد. يوماً ما سأحاول ردّ الإعتبار لجوزف هـ لويس هذا٠

في النهاية هنا، تكون  باتريشا سبب القضاء عليه. كان يستطيع أن يهرب. لقد وافق صديقه على لقائه لدفع المبلغ الذي استدانه منه. لكن ميشيل  آثر البقاء لجانبها. قبل انقضاء  الليلة الأخيرة (لا مشاهد حب في الفيلم بل شعور به) تقول باتريشا له أنها حائرة في أمر ما. في صبيحة اليوم التالي، إذا كنا لم نعرف بعد ما هو الأمر الذي يحيّرها، تتّجه الى مقهى. تطلب ويسكي أوّلاً. "ليس لدينا ويسكي". تطلب قهوة. تأخذ التلفون القريب وتطلب التحري الذي كان قابلها واعطاها بطاقته. تخبره أين هو ميشيل الآن٠
"المخبر مخبر" كان ميشيل قال لها قبل نصف ساعة في الفيلم (نشاهد جان-لوك غودار نفسه في دور قصير كرجل تعرّف على ميشيل وهرع حاملاً الصحيفة التي نشرت صورته الى رجلي بوليس) وهي تعود الى مخبأه (ستديو تصوير فوتوغرافي) وتعترف له بما فعلت. لا يستعجل الهرب. مثل بطل "الجزائر"  [جون كروموَل- 1938] يعرف أن هذه المرأة هي نهايته، لكنه مستجيب لتلك النهاية: "دائماً ما كان عندي اهتمام بالفتيات اللواتي لا يصلحن لي"، قال لها قبل ذلك٠
يخرج ميشيل الى الشارع. صديقه يصل. يعطيه مسدّساً يدافع به عن نفسه. يرفضه. يرمي له الصديق المسدّس عبر الشارع وينطلق بالسيارة. يلتقط ميشيل المسدس. يطلق البوليس النار على ميشيل. ميشيل يركض مبتعداً مصاباً في ظهره الكاميرا تتركه يمضي بعيداً عنها قبل أن تلاحقه قليلاً. يسقط أرضاً. تركض ميشيل إليه. لم تتوقّع نهاية عنيفة. ينظر إليها ويقول لها «أنت كيس زبالة»، عبارة مهمّـة لأن ميشيل وهو ينازع لا يبدو عليه الغضب. ما يعنيه هو (في إعتقادي لكني أقبل قراءة مختلفة هنا) هو ذلك الحلم الأميركي الذي كان يعيشه كونها أميركية وكون ما يحبّه في الحياة لجانبها (السيارات والأفلام وهمفري بوغارت) أميركيون أيضاً٠

الآن جزء من عالم ميشيل أسمه. 
الإسم الذي يتعامل به هو ميشيل بياكار. لكنه يذكر أيضاً أنه معروف بإسم لازلو كوفاكش. ولازلو كوفاكش  مدير تصوير مات سنة 2007 عن 74 سنة وكان وُلد في المجر سنة 1933. لكن لماذا كوفاكش؟  سؤال مهم لأن كوفاكش كان صوّر بضعة أفلام فقط في المجر في مطلع الستينات، ولم يصوّر فيلماً أميركياً الا مع منتصف الستينات أي بعد وليس قبل قيام غودار بتصوير فيلمه هذا الذي صوّره واحد من روّاد سينما المؤلّف وهو راوول كوتار٠
هناك ملامح سينمائية ومراجع عديدة. إسم لينين مذكور (عبر عبارة قالها: "نحن موتى في إجازة") ثم  صوت جين تييرني في فيلم أوتو برمنجر  Whirlpool  («الدوّامة»، 1949).
ومذكور أيضاً  فيلم  Westbound ("وستباوند"، 1959) للرائع بد بوويتيكر.
ميشيل الذي يقتل الشرطي ويسرق مال صديقة سابقة ويضرب رجلاً في الحمّام ليسرق ماله، هو ميشيل نفسه الطيّب الجذّاب والفكه والذي يحب سماع موتزار (موتزار هو عضو دائم في أفلام غودار أيضاً)  وهو المحرّك الدافع  لشخصيات غودار في كل مرّة أراد تقديم شخصية فرنسي لديه مرجعية فكرية يقارن بها الواقع والسياسة وبعض التاريخ. إنه هو٠
أخيراً، هناك عدّة لقطات لعدة شخصيات تقرأ الصحف. أولاها لقطة لميشيل/ بلموندو نفسه. لاحظ أنه في كل مرّة الصفحة المقابلة للكاميرا، هي صفحة "كوميكس". لا نعرف ما يقرأونه لأن الصفحة التي تواجههم غير ظاهرة لنا (ولا يعمد غودار لكشفها بلقطة خاصّـة). لاحظ أيضاً الخطأ التالي: في مطلع الفيلم ميشيل يقرأ في صحيفة والصورة المواجهة للكاميرا هي صفحة كوميكس. بعد قليل يطوي ميشيل الصحيفة ليتحرّك من مكانه. انتهت اللقطة المتوسّـطة له. لقطة جانبية بعيدة- متوسّطة له وهو يطوي الصحيفة مرّة أخرى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
                                                                                                إخراج
جان لوك غودار
كتابة
فرنسوا تروفو
تصوير
راوول كوتار
توليف
سيسيل ديوجيس
موسيقا
مارتيال سولال
المنتج
جورج دو بيورغارد
الممثلون
جين سيبرغ، جان-بول بلموندو، دانيال بولانجير،
روجيه هانين، كلود مانسار
فرنسا - 1960
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ